فصلوا معه قعودًا (١).
ولفظ حماد: ثم جاءوا لصلاة أخرى، فقعد وقاموا، فأومأ إليهم أن اقعدوا، فصلوا خلفه، وهم قعود … الحديث.
[زاد حميد الطويل عن أنس الصلاة خلفه قيامًا في مرضه القديم، ورواه الشيخان من طرق عن الزهري، عن أنس، فلم يذكر إلا الصلاة خلفه قعودًا، وتخريج الإمام البخاري لزيادة حميد في صحيحه ذهاب منه إلى أنها زيادة من ثقة، والله أعلم] (٢).
وقد جاء ما يشهد لرواية حميد، عن أنس من حديث جابر ﵁ بذكر الصلاة خلفه مرتين مرة قيامًا ومرة جلوسًا.
(ح-٣١٣٦) فروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: صرع النبي ﷺ من فرس له، فوقع على جذع نخلة، فانفكت قدمه،
стр. 8892
فدخلنا عليه نعوده وهو يصلي في مشربة لعائشة، فصلينا بصلاته، ونحن قيام، ثم دخلنا عليه مرة أخرى وهو يصلي جالسا، فصلينا بصلاته ونحن قيام، فأومأ إلينا أن اجلسوا، فلما صلى قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، ولا تقوموا، وهو جالس، كما يفعل أهل فارس بعظمائهم.
[حسن] (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ قد تركهم يصلون خلفه قيامًا مرتين: مرة في مرضه القديم صلوا خلفه قيامًا، ثم صلوا معه صلاة أخرى فأمرهم أن يصلوا خلفه قعودًا، ومرة في مرضه الذي توفي فيه، فدل على أن أمرهم بالجلوس خلف الإمام كان للاستحباب.
ولأننا لو ذهبنا إلى القول بالنسخ، لكان ذلك يعني أن الصلاة خلفه قيامًا كانت جائزة، ثم نسخت بالأمر بالجلوس خلفه، ثم نسخت ثانية في صلاة الناس خلفه قيامًا في مرض موته، وهذا بعيد جدًّا.
ولأن القاعدة الشرعية: أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر، ثم خالفه دل على أن الأمر ليس للوجوب، كما أنه إذا نهى عن شيء ثم فعله كان ذلك دليلًا على أن النهي للكراهة،
стр. 8893
ما لم يقم دليل على الخصوصية، ولا دليل على الخصوصية.
ولأن العلة في النهي عن الصلاة خلفه قيامًا كان مخالفة لفارس والروم، وعلة التشبه الأصل فيها الكراهة إلا لقرينة، فقد يصل التشبه إلى الشرك، وقد ينزل إلى مرتبة ما يسمى خلاف الأولى، ولا يبلغ حد الكراهة، كأمره بالصلاة في النعل على القول بأن الأمر في الحديث محفوظ، وكالتيمم لرد السلام، ومخالفتهما أخف من مخالفة المكروه مع قوله ﷺ : (إن كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).
دليل من قال: يصلي المأموم قائمًا:
الدليل الأول:
«إذا كان القيام في الصلاة فرضًا على كل أحد في خاصته، فمحال أن يسقط عنه فرض قد وجب عليه لضعف غيره عنه، وهو قوي عليه، إلا أن يسقط بكتاب أو سنة، أو إجماع، وذلك معدوم في هذه المسألة، ألا ترى أنه لا يحمل عنه ركوعًا، ولا سجودًا» (١).
فجائز أن يصلي الإمام لعلة تمنعه من القيام، وهو جالس بقوم قيامًا؛ لأن كلًا يؤدي فرضه على قدر طاقته (٢).
وقدمت هذا الدليل على ذكر الآثار، وليس ذلك من عادتي في البحث؛ لأن الآثار سوف يطول الكلام في مناقشة دلالتها.
ويناقش:
هذا الكلام يصدق على الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلا يصدق عليه هذا الكلام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا لا نعلم أن هذا واجب أو ساقط إلا من خلال النصوص الشرعية، والنصوص الشرعية الصحيحة تقول: (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون).
الدليل الثاني:
(ح-٣١٣٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن
стр. 8894
إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١).
[قوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) رواه عروة بن الزبير فذكر إمامة النبي ﷺ مرسلة، وفصل المرفوع عن المرسل، وهو دليل على الضبط، وعروة أقرب إلى عائشة من الأسود.
ومالك، عن هشام، عن عروة، عن عائشة إسناد مدني، أولى من الأعمش، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة. وكلا الطريقين في الصحيحين، وروى بعضهم أن المقدم أبو بكر، ولم يسلم طريق واحد من الطرق التي روي فيها الحديث عن عائشة من اختلاف، حتى حكت عائشة أن الخلاف في الإمام قد وقع ذلك بين الصحابة، فإذا اختلف الشاهد فما بالك بالغائب] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٣١٣٨) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل،
عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فذكر حديثًا طويلًا … جاء فيه: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل حصر، ومتى ما لا يراك الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس؟!، فخرج أبو بكر فصلى بالناس، ووجد النبي ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناس سبحوا أبا بكر، فذهب يتأخر، فأومأ إليه، أن مكانك، فجاء النبي ﷺ حتي جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس وأخذ النبي ﷺ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر، ومات في مرضه ذاك، عليه
стр. 8901
السلام، وقال وكيع مرة: فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر (١).
ورواه الطبراني من طريق أسد بن موسى، حدثنا إسرائيل به، بتمامه وفيه: ( … واستفتح النبي ﷺ ، من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وأبو بكر قائم ورسول الله ﷺ جالس … ) الحديث (٢).
ورواه الطحاوي من طريق أسد بن موسى به، بتمامه وفيه: ( … فاستتم رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر ﵁ من القراءة، وأبو بكر ﵁ قائم .... ) الحديث (٣).
ورواه أحمد من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به، وذكر فيه: ( … واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر (٤).
[رجاله ثقات وروى حميد وثابت عن أنس أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر، وحميد وثابت عن أنس أشهر من شرحبيل، عن ابن عباس] (٥).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن الصحابة ﵃ قد صلوا خلفه قيامًا، والنبي ﷺ قاعد، وكان في آخر أيامه، وعليه استقر التشريع.
فهذا الحديث كان ناسخًا للأحاديث التي تأمر الناس بالصلاة جلوسًا إذا صلى الإمام جالسًا.
وأجيب:
عندنا ثلاثة أحاديث في إمامة النبي ﷺ لأبي بكر في مرضه الذي توفي فيه،
الأول: حديث ابن عباس، ولم يختلف عليه أن الإمام كان النبي ﷺ ، إلا أن هناك نظرًا في صحته، فصححه ابن عبد البر، وحسنه ابن حجر، وغمز البخاري من إسناده، قائلًا: إن أبا إسحاق لم يذكر سماعًا من أرقم بن شرحبيل، وأومأ البزار إلى إعلاله بالتفرد، وضعفه البوصيري بالتدليس، وتوبع فيه متابعة ضعيفة، وانفرد بذكر البناء على القراءة، وفي تأويلها إشكالات فقهية، راجع تخريج الحديث.
يعارضه حديث أنس: بأن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر من رواية ثابت وحميد
стр. 8904
عنه، ولم يختلف على أنس في ذلك.
والثالث: حديث عائشة ﵂، وقد اختلف رواتها في المقدم، أكان النبي ﷺ هو الإمام أم كان أبو بكر رضي الله، وأكثر رواته على أن الإمام كان هو النبي ﷺ .
فإن كان النبي ﷺ صلى في مرض موته مرة واحدة، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي في الأم (١)، فإن التعارض بين هذه الأحاديث بَيِّنٌ، فحديث عائشة أن ذلك كان منه في صلاة الظهر، وهي صلاة سرية، وحديث أنس أن ذلك كان في صلاة الصبح، وهي صلاة جهرية، وحديث ابن عباس لم تحدد فيه الصلاة، ولكن ظاهره أنه وقع في صلاة جهرية؛ لأن الراوي نقل أن النبي ﷺ بنى على قراءة أبي بكر، وهذا يعني أن الراوي سمع قراءتهما، سمع ما انتهى إليه أبو بكر، وسمع ما ابتدأ به النبي ﷺ ، وهذا لا يمكن أن يحمل كما ظنه بعض أهل العلم أن الإمام قد يجهر أحيانًا في بعض الآية في الصلاة السرية، والعلماء مختلفون في تعدد صلاة النبي ﷺ في مرض موته، فمنهم من يقول: إن ذلك وقع مرة واحدة، ومنهم من يقول بتعدد تلك الصلاة لدفع ذلك التعارض بين هذه الآثار، وهناك من ينكر أن يكون النبي ﷺ أمَّ في مرض موته كالإمام ربيعة الرأي، وهو أحد القولين عن الإمام مالك بن أنس، واختاره ابن خزيمة، وذهب مالك، ومحمد بن الحسن، والحسن بن حي، والثوري أن الجماعة إذا صلوا قيامًا خلف الإمام الجالس لم تجزئهم صلاتهم إلا أن يكونوا عاجزين مثله، ومنهم من يرى أن إمامة القاعد من خصائصه ﷺ ، وسبق الكلام على هذه المسألة (٢).
يعارض هذه الأحاديث جملة من الأحاديث التي لا مطعن في صحتها، ولا اختلاف بين رواتها، ولا نزاع في دلالتها، وهي من السنة القولية الصريحة التي سيقت لبيان صفة
стр. 8905
صلاة المأموم في مرض النبي ﷺ القديم.
وقد اختلف العلماء في الموقف من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض بين صفة صلاة المأموم في مرض النبي ﷺ القديم وصفة صلاة المأموم في مرض موت النبي ﷺ بأبي هو وأمي.
المسلك الأول: مسلك الترجيح:
فمن العلماء من سلك مسلك الترجيح، إلا أنهم اختلفوا في الترجيح:
فمن العلماء من قدم الأحاديث التي أمر النبي ﷺ أصحابه بالصلاة جلوسًا متابعة للإمام (١)، وذكروا من وجوه الترجيح:
الوجه الأول:
أن أمر النبي ﷺ لأصحابه بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا ورد في أحاديث كثيرة عن الصحابة، لا مطعن في صحتها، من مسند عائشة، ومن مسند أنس، ومن مسند أبي هريرة، وكلها في الصحيحين، ومن مسند جابر في صحيح مسلم، وقد جمعت هذه الأحاديث بين السنة الفعلية والقولية في الأمر بالجلوس خلف الإمام الجالس، وأُتبِعَت بتعليلات محكمة، لا نسخ فيها، وهو الأمر بمتابعة الإمام، وبمخالفة المشركين، بخلاف حديث عائشة في صلاته في مرض موته فهو سنة فعلية، واختلف الرواة فيه عن عائشة اختلافًا وصفه ابن حجر بالاختلاف الشديد (٢)، أكان النبي ﷺ مأمومًا أم كان إمامًا؟ وقد كشف لك تخريج الحديث كثرة الاختلاف بين رواته.
وقد رجح الحافظ ابن رجب ﵀ أن الإمام كان أبا بكر، ﵁،
قال في شرح البخاري تعليقًا على قول عروة: (فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر).
стр. 8906
قال: المتصل من هذا الحديث: هو أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلي بهم، وما بعده مدرج من قول عروة، كما خرجه البخاري هاهنا.
وكذا خرجه مسلم عن جماعة، كلهم عن ابن نمير، به.
وكذا روى هذا الكلام الآخر مالك في موطئه، عن هشام، عن أبيه مرسلًا.
وقد وصله بعض الرواة بحديث عائشة، فمن وصله بحديث عائشة فقد أدرجه، ولكن قد روي هذا المعنى متصلًا من وجوه أخر، كلها لا تخلو عن علة، وقد سبق ذكرها والإشارة إلى تعليلها» (١).
وإذا كان الإمام أبا بكر ﵁ فلا دلالة فيها على جواز قيام المأموم خلف الإمام القاعد، فلما اختلفت الأخبار في صلاة النبي ﷺ في مرض موته وتعارضت تركناها إلى حديث أنس، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر التي لا معارض لها، والتي تأمر المأموم بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا.
قال ابن خزيمة: «لم يصح الخبر أن النبي ﷺ كان هو الإمام في المرض الذي توفي فيه في الصلاة التي كان هو فيها قاعدًا، وأبو بكر والقوم قيام … ثم ذكر اختلاف الروايات في صلاة النبي ﷺ في مرض موته أكان إمامًا أم مأمومًا … ثم قال: فغير جائز لعالم أن يدعي نسخ ما قد صح عن النبي ﷺ بالأخبار المتواترة بالأسانيد الصحاح من فعله وأمره بخبر مختلف فيه» (٢).
ولخص ابن حجر كلام ابن خزيمة في الفتح، فقال: «قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدا تبعًا لإمامه لم يختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ قاعدًا فاختلف فيها، هل كان إمامًا أو مأمومًا، قال: وما لم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلف فيه» (٣).
الوجه الثاني:
أن عائشة ﵂ لم تنقل هذا عن مشاهدة، فقد روى شعبة، عن
стр. 8907
الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: مِنْ الناس من يقول: كان أبو بكر ﵁ المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم (١).
وإذا كان الصحابة قد اختلفوا، وهم شهود على الواقعة، ولم تكن عائشة شاهدًا على القصة، وإنما أخذته من حكاية الناس، وقد نقلت اختلافهم، كان قولها بأن الإمام أبو بكر ليس قاطعًا، ولو كان ما ترويه عائشة عن مشاهدة لما أطلقت الخلاف قائلة: (من الناس من يقول هذا، ومن الناس من يقول ذاك)، ولصرحت بوهم من خالف ما رأته بعينها، كعادتها إذا قال أحد من الصحابة قولًا يخالف ما تجزم به، ولو كان عن اجتهاد منها، فكيف لو كان يخالف ما وقفت عليه حسًّا.
فالمقطوع به أن أبا بكر ﵁ قد بدأ الصلاة إمامًا، ثم اختلفت الرواية، أبقي إمامًا أم انتقل إلى الائتمام، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن انتقاله بنص لا نزاع فيه ثبوتًا ودلالة، ومع هذا الاختلاف الشديد، لا سبيل إلى الجزم بانتقال أبي بكر ﵁ إلى الائتمام، فلا يترك المتيقن إلى المتنازع فيه.
ورد هذا:
قال ابن عبد البر: «أكثر الآثار الصحاح المسندة في هذا الباب أن رسول الله ﷺ كان المقدم، وأن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله ﷺ قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وهو الذي أقره مالك ﵀ في الموطأ، وقرئ عليه إلى أن مات» (٢).
وقال ابن عبد البر أيضًا: «أكثر أحوال حديث عائشة هذا عند المخالف أن يجعل متعارضًا؛ فلا يوجب حكمًا، وإذا كان ذلك كذلك، كانت رواية ابن عباس تقضي على ذلك، فكيف ورواية من روى أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فيها بيان، وزيادة يجب قبولها، وهي مفسرة، ورواية من روى أن أبا بكر كان المقدم مجملة، محتملة للتأويل؛ لأنه جائز أن تكون صلاة أخرى، ولو
стр. 8908
صح أنها كانت صلاة واحدة، كان في رواية من روى عن عائشة وغيرها، أن رسول الله ﷺ كان المقدم زيادة بيان؛ لأنه قد أثبت ما قال غيره من تقدم أبي بكر، وزاد تأخره وتقدم رسول الله ﷺ . ومن روى أن أبا بكر كان المقدم، لم يحفظ قصة تأخره، وتقدم رسول الله ﷺ ، وتقدير ذلك أن تكون جماعتهم رأوا أبا بكر في حال دخوله في الصلاة، فلما خرج رسول الله ﷺ وانتهى إلى الصف الأول -والصفوف كثيرة- علم من قَرُب تغيرَ حال أبي بكر، وانتقال الإمامة إلى النبي ﷺ ، ولم يعلم ذلك من بعد؛ فلهذا قلنا: إن من نقل انتقال الإمامة إلى رسول الله ﷺ ، علم ما خفي على من قال: إن الإمام كان أبا بكر.
وقد يحتمل وجها آخر؛ وذلك أن يكون أراد القائل: إن أبا بكر كان الإمام، يعني كان إمامًا في أول الصلاة. وزاد القائل بأن النبي ﷺ كان إمامًا؛ يعني: أنه كان إمامًا في آخر تلك الصلاة. هذا لو صح أنها كانت صلاة واحدة، ولو جاز أن تكون رواية عائشة متعارضة، لكانت رواية ابن عباس التي لم يختلف فيها قاضية في هذا الباب على حديث عائشة المختلف فيه، وذلك أن ابن عباس قال: إن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ويقتدي به، والناس يصلون بصلاة أبي بكر كما قال هشام بن عروة، عن أبيه في حديث عائشة. فبان برواية ابن عباس أن الصحيح في حديث عائشة الوجه الموافق لقوله، وبالله التوفيق، لأنه يعضده ويشهد له» (١).
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
إذا كنا سنترك حديث عائشة للاختلاف فيه فإن حديث أنس الذي لم يختلف فيه، ولا إشكال في دلالته مقدم على حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس قد صححه ابن عبد البر، وحسنه الحافظ، وغمز البخاري في سماع أبي إسحاق من أرقم، وأقره ابن المديني، وأومأ البزار إلى علته بالتفرد، وضعفه البوصيري، وفي الأخذ بظاهره إشكالات
стр. 8909
من حيث سقوط قراءة الفاتحة عن الإمام الثاني، والاختلاف في تخريجها، فكان الأولى تقديم حديث أنس الصريح بأن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر ﵁، ورواية حميد وثابت عن أنس أشهر عند أهل الحديث من رواية أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس.
الوجه الثاني:
كلام الإمام ابن عبد البر متجهٌ لو كان هذا الخلاف حصل من جماعة المصلين خلف رسول الله ﷺ ، فيقال: إن مَنْ ذكر إمامة الرسول ﷺ معه زيادة علم، لكن الواقع أن الخلاف في حديث عائشة وقع بين الرواة الذين حملوا الحديث عنها، فهي إما أن تكون نقلت أن المقدم في الإمامة كان النبي ﷺ ، أو تكون نقلت أن المقدم كان أبا بكر، فلما اختلف الرواة عنها في عين الإمام، وبعضهم يرويه مرسلًا، وبعضهم يرويه موصولًا، وبعضهم يرويه من كلام الأعمش كان هذا الاختلاف مؤثرًا في الحديث.
الوجه الثالث من وجوه الترجيح:
أن الأحاديث في مرضه القديم سيقت لبيان حكم جلوس المأموم، من حديث أنس وعائشة وأبي هريرة وجابر، بينما حديث عائشة في مرض موته لم يكن سياقه لبيان حكم قيام المأموم خلف الإمام القاعد.
يقول ابن رجب: «قاعدة مطردة، وهي: أنا إذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام، فإنه لا يُرَد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حديث النغير، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث: (مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رجل استأجر أجراء) الحديث، ولا أحاديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) بقوله: (فيما سقت السماء العشر).
وقد ذكر الشافعي أن هذا لم يسق لبيان قدر ما يجب منه الزكاة، بل لبيان قدر الزكاة، وما أشبه هذا». اه
قلت: ولا ترد أحاديث وجوب قراءة الفاتحة بقوله تعالى في سورة المزمل:
стр. 8910
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
ولا ترد أحاديث اشتراط الولي للنكاح بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، لأن الآية في الموضعين ما سيقت لبيان حكم القراءة وحكم مباشرة المرأة عقد النكاح.
الوجه الرابع من وجه الترجيح:
أن النبي ﷺ في صحته حين ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فتأخر عن الناس، فتقدم أبو بكر يصلي بهم، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فرأى أبو بكر رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فلم يبق أبو بكر في مكانه؛ ورجع القهقرى (١)؛ لأن النبي ﷺ كان في كامل صحته، وحين جاء النبي ﷺ في مرضه، وأمره النبي ﷺ بالبقاء في مكانه لم يخالفه أبو بكر؛ وثبت في مكانه؛ لحاجة النبي ﷺ إلى إمامة أبي بكر بسبب المرض، ولا معنى لبقائه في موضع الإمامة إلا أن يبقى إمامًا، وتكاد كل الروايات تتفق على بقاء أبي بكر في موضعه، وأن أبا بكر امتثل أمر النبي ﷺ ، أترى النبي ﷺ يأمر أبا بكر بالاستمرار على إمامته في صحته، ثم يأخذ منه الإمامة في مرضه وضعفه دون أن يعرض حتى على أبي بكر إكمال صلاته إمامًا وقد شرع فيها بأمره، خاصة أن القول بأنه جلس عن يسار أبي بكر قد تفرد بها أبو معاوية، عن الأعمش، وكل من روى الحديث عن الأعمش، بل كل من روى حديث عائشة لم يذكر أحد منهم أن النبي ﷺ جلس عن يسار أبي بكر، وقد أشار البخاري إلى تفرد أبي معاوية بهذا الحرف، وقد صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف في صحته، ولم ينازعه الإمامة، مع أن عبد الرحمن بن عوف لم يؤم المسلمين عن أمر النبي ﷺ ، بخلاف إمامة أبي بكر فكانت بأمر النبي ﷺ وإصراره، وقد راجعت عائشة النبي ﷺ ليكلف غير أبي بكر فأبى، والله أعلم.
ويجاب على هذا:
(ح-٣١٣٩) بأن البخاري روى من طريق شعيب،
стр. 8911
ومسلمًا من طريق صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهري قال:
أخبرني أنس بن مالك الأنصاري … أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ : أن أتموا صلاتكم. وأرخى الستر فتوفي من يومه (١).
فهذا أبو بكر شرع في التراجع للوصول إلى الصف بمجرد أن كشف النبي ﷺ الستر، وفي آخر يوم من حياة النبي ﷺ ، فلو كان أبو بكر هو الإمام للنبي في الصلوات التي صلاها النبي ﷺ مع الناس في مرضه لما تراجع بمجرد كشف الستر.
ويرد هذا الجواب:
بأن رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس في الصحيحين تدل على أن النبي ﷺ كشف الستر بعد إقامة الصلاة، وقبل الشروع فيها.
(ح-٣١٤٠) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز،
عن أنس قال: لم يخرج إلينا نبي الله ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه. فلما وضح لنا وجه نبي الله ﷺ ما نظرنا منظرًا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. قال: فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى نبي الله ﷺ الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات (٢).
قال الحافظ ابن رجب: «وهذا الحديث قريب من حديث الزهري عن أنس الذي قبله، وفيه: التصريح بإيماء النبي ﷺ إلى أبي بكر أن يتقدم، ويؤم الناس، ولكنه يوهم أن
стр. 8912
أبا بكر لم يكن قد دخل في الصلاة، وحديث الزهري فيه أنه كان قد دخل في الصلاة» (١).
ومن العلماء من رجح العمل بحديث عائشة، وأن الإمام كان النبي ﷺ ، وأن أبا بكر كان يقتدي بالنبي ﷺ ، والناس يقتدون بأبي بكر (٢).
واحتج لهذا بأمور، منها:
الحجة الأولى: أنها رواية الصحيحين، فقد روى البخاري ومسلم إمامة النبي ﷺ لأبي بكر وللناس من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة (٣).
ورواه البخاري ومسلم من طريق أحمد بن يونس، عن زائدة بن قدامة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة موصولًا. وفي آخره: قال عبيد الله: فدخلت على ابن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي ﷺ ؟ قال: هات، فعرضت عليه حديثها، فما أنكر منه شيئًا (٤).
فهذا شاهد آخر من مسند ابن عباس يواطئ ما ذكرته عائشة.
تابع أحمدَ بنَ يونس كل من عبد الصمد ومعاوية بن عمرو، في المسند.
وحسين بن علي في مصنف ابن أبي شيبة.
وحسبك بالصحيحين، وقد صحح الإمام أحمد وغيره إمامة النبي ﷺ للناس في مرضه. وهذا من أقوى الحجج (٥).
وأجيب:
بأن الأعمش قد اختلف عليه فيه، فرواه جماعة من أصحابه أن الإمام كان
стр. 8913
النبي ﷺ ، وخالفهم شعبة، فرواه عن الأعمش وذكر أن الإمام أبو بكر.
وكذلك زائدة بن قدامة، قد اختلف عليه أيضًا، فرواه عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة بن قدامة أن الإمام كان أبا بكر.
وروى مالك وابن نمير، عن هشام، عن عروة، عن عائشة فذكر أمر النبي ﷺ لأبي بكر أن يصلي بالناس في مرضه موصولًا، وأما قوله: فوجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة إلى آخره مرسلًا. والرواية في الصحيحين، وفصل المرفوع عن المرسل دليل على الحفظ والضبط.
وعروة مقدم في عائشة على الأسود لقرابته.
ومالك عن هشام، عن عروة عن عائشة إسناد مدني، فهو أقوى من النخعي، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة، فكل الإسناد كوفي عدا عائشة.
وكذلك رواية أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، فالثلاثة الأول من الإسناد كوفيون.
وأحيانًا راو واحد من رواة الحديث قد يفسد الحديث إذا أبان عن علة، فما بالك إذا كان الاختلاف في جميع الطرق التي روي فيها الحديث عن عائشة حيث لم يسلم منها طريق واحد من اختلاف، وقد أبان عن ذلك تخريج الحديث.
وتوهيم شعبة وابن مهدي وغيرهم ممن ذكرته في التخريج ليس بالأمر السهل.
وقد روى حميد وثابت، عن أنس، قال: صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسبق تخريجه.
والقول بأن هذا كان في صلاة الصبح يوم الاثنين الذي توفي فيه النبي ﷺ ، وصلاة أبي بكر خلف النبي ﷺ كان في صلاة الظهر، هذا القول مخالف لرواية الصحيحين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الحجة الثانية: أن هذا الاختلاف في الإمامة راجع إلى تعدد القصة، ففي بعضها
стр. 8914
كان الإمام رسول الله ﷺ ، وفي بعضها كان الإمام أبا بكر ﵁، فليست هذه الروايات متضادة، والتعدد أولى من توهيم الرواة الثقات.
وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي ﵀ في أحد قوليه، وابن عبد البر في التمهيد، والعراقي وابن حجر، وابن حزم وغيرهم (١).
قال الشافعي كما في السنن الكبرى للبيهقي: «لو صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر مرة، لم يمنع ذلك أن يكون صلى خلفه أبو بكر أخرى. قال البيهقي: وقد ذهب موسى بن عقبة في مغازيه إلى أن أبا بكر صلى من صلاة الصبح يوم الاثنين ركعة، وهو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ ، فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج فصلى مع أبي بكر ركعة، فلمَّا سلم أبو بكر قام فصلى الركعة الأخرى، فيحتمل أن تكون هذه الصلاة مراد من روى أنه صلى خلف أبي بكر في مرضه، فأما الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه في مرضه فهي صلاة الظهر يوم الأحد أو يوم السبت، كما روينا عن عائشة وابن عباس في بيان الظهر، فلا تكون بينهما منافاة» (٢).
قال العراقي في طرح التثريب: «لو صح أنه ﵊ كان مقتديًا بأبي بكر، فهي صلاة أخرى غير التي اقتدى أبو بكر فيها، فقد كان مرضه ﵊ اثني عشر يومًا، فيه ستون صلاة أو نحوها» (٣).
واستدل العراقي على تعدد صلاة النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه بحديث أنس ﵁.
(ح-٣١٤١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني حميد،
عن أنس قال: آخر صلاة صلاها النبي ﷺ مع القوم، صلى في ثوب واحد متوشحًا به خلف أبي بكر (٤).
стр. 8915
[روي مسندًا ومرسلًا والإسناد أقوى] (١).
وقال ابن حبان: «النبي ﷺ صلى في علته صلاتين في المسجد جماعة، لا صلاة واحدة، في إحداهما كان مأمومًا، وفي الأخرى كان إمامًا، والدليل على أنهما كانا صلاتين لا صلاة واحدة، أن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي ﷺ خرج بين رجلين يريد أحدهما العباس، والآخر عليًّا، وفي خبر مسروق عن عائشة أن النبي ﷺ خرج بين بريرة ونوبة، فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة» (٢).
ويجاب عن ذلك:
أما الجواب عن خروجه مرة بين العباس وعلي، والأخرى بين بريرة ونوبة: فأجاب عن ذلك ابن رجب، قائلًا: «قد فهم البخاري من خروجه بين عباس وغيره خروجه إلى المسجد للصلاة، وكذلك خرجه مسلم في (كتاب الصلاة) أيضًا، وفي هذا نظر؛ وظاهر السياق يقتضي أنها أرادت خروجه إلى بيت عائشة ليمرض فيه.
يدل عليه: أن في رواية عبد الرزاق، عن معمر التي خرجها مسلم: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها، فأذن له. قالت: فخرج ويدٌ له على الفضل - الحديث (٣).
ورواه ابن عيينة عن الزهري بلفظ صريح بذلك: أن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يدور على نسائه، فلما ثقل استأذنهن أن يقيم في بيتي، ويدرن عليه، قالت: فذهب ينوء فلم يستطع، فدخل علي رسول الله ﷺ بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض؛
стр. 8916
أحدهما العباس (١).
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة والقاسم وأبي بكر ابن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله، كلهم يحدثونه عن عائشة، عن النبي ﷺ : جاءه مرضه الذي مات فيه في بيت ميمونة، فخرج عاصبًا رأسه، فدخل عليَّ بين رجلين، تخط رجلاه الأرض، وعن يمينه العباس - وذكر الحديث (٢).
وكذا رواه صالح بن كيسان، عن ابن شهاب - مرسلا: أنه خرج بين الرجلين تخط رجلاه الأرض، حتى دخل بيت عائشة.
وحينئذ؛ فلا ينبغي تخريج هذا الحديث في هذا الباب، ولا هو داخل في معناه بالكلية. والله أعلم» (٣). اه كلام الحافظ ابن رجب.
وأما الجواب عن افتراض تعدد الصلاة، مرة كان إمامًا، ومرة كان مأمومًا: فهذا الجمع قد يقبل في الاختلاف بين حديث عائشة وبين حديث غيرها كحديث ابن عباس وأنس، وأما الحكم على حديث عائشة بتعدد القصة فبعيد جدًّا؛ لأن الأصل عدمه، ولأن الاختلاف في حديث عائشة يقع في الإسناد الواحد، أكان الإمام الرسول ﷺ ، أم كان أبا بكر، حتى إن عائشة قد نقلت اختلاف الناس، فقالت ﵂: مِنَ الناس مَنْ يقول: المقدم رسول الله ﷺ ومنهم من يقول: المقدم أبو بكر، ولو كانت القصة متعددة عند عائشة لما حكت هذا الاختلاف، والله أعلم.
وأما الجواب عما ذكره موسى بن عقبة في مغازيه: من أن النبي صلى يوم الاثنين
стр. 8917
الصبح ركعة خلف أبي بكر.
فهذا يعارض ما جاء في الصحيحين من طريق الزهري قال:
أخبرني أنس، قال: بينما المسلمون في صلاة الفجر لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم، وهم صفوف، فتبسم يضحك، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل له الصف، فظن أنه يريد الخروج، وهَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فأشار إليهم: أتموا صلاتكم، فأرخى الستر، وتوفي من آخر ذلك اليوم (١).
قال ابن رجب: «وظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يخرج إلى المسجد، ولم يصل مع الجماعة تلك الصلاة، لا إمامًا، ولا مأمومًا، وقد قال كثير من السلف: إنه خرج، وصلى خلف أبي بكر في الصف تلك الصلاة.
وقد سبق حديث أنس آن آخر صلاة رسول الله ﷺ في ثوب متوشحًا خلف أبي بكر، وقد جمع البيهقي وغيره بين تلك وبين حديث أنس بأنه أرخى الستر، ثم وجد خفة، فخرج، فصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية، وقضى الركعة التي فاتته، وقد صح هذا المعنى عن عبيد بن عمير، وروي صريحًا من حديث عائشة، وأم سلمة، وأبي سعيد في طبقاته عن الواقدي» (٢).
أما الواقدي فمتروك، وما ذكره ابن رجب عن بعض السلف فذلك اعتمادًا على ما رواه حميد الطويل عن أنس، وسوف أجيب عنه، ولو كان النبي ﷺ قد خرج بعد أن أرخى الستر لذكر ذلك أنس ﵁، فكيف يقول أنس في رواية الصحيحين من طريق عبد العزيز بن صهيب، عنه: (وأرخى نبي الله ﷺ الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات) (٣)، ثم يخرج إليهم بعد إرخاء الستر، ولا ينقل ذلك أنس، بل يُنقل ما يخالفه.
وأما الجواب عن حديث عبيد بن عمير الليثي: فهو مرسل، ولو صح فإنه في غير يوم الاثنين، لأنه ذكر أن النبي ﷺ خطب بالناس بعد الصلاة، وحذرهم من الفتن، وهذا صريح في معارضة رواية الصحيحين من حديث أنس، فلو كان النبي ﷺ خرج في اليوم
стр. 8918
الذي مات فيه، وخطب الناس، لنقل ذلك أنس، ونقله غيره من الصحابة، وقد ذكر عبيد ابن عمير، أن النبي ﷺ صلى بجنب أبي بكر، وحديث أنس، أنه صلى خلفه.
وفيه أن أبا بكر لم يجلس ليسمع خطبة النبي ﷺ ، واعتذر بأنه يوم إحدى نسائه، وهذا بعيد عن أخلاق أبي بكر ﵁ على ملازمة رسول الله ﷺ ، واستماع خطبه، والقسم هو في البيات، وليس في النهار، والمحفوظ أن النبي ﷺ خطب خطبة واحدة في مرض موته، حضرها أبو بكر، وبكى حين قال النبي ﷺ : إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه (١).
ففهمها أبو بكر ﵁ من بين الناس، وكان أبو بكر أعلم الصحابة، وإليك رواية عبيد بن عمير المرسلة.
(ح-٣١٤٢) فقد روى الشافعي في مسنده، قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثني ابن أبي مليكة،
أن عبيد بن عمير الليثي حدثه، أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس الصبح، وأن أبا بكر كبر، فوجد النبي ﷺ بعض الخفة فقام يفرج الصفوف. قال: وكان أبو بكر لا يلتفت إذا صلى، فلما سمع أبو بكر الحس من ورائه عرف أنه لا يتقدم إلى ذلك المقعد إلا رسول الله ﷺ ، فخنس وراءه إلى الصف، فرده رسول الله ﷺ مكانه، وجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه، وأبو بكر قائم يصلي، حتى إذا فرغ أبو بكر قال: أي رسول الله، أراك أصبحت صالحًا، وهذا يوم بنت خارجة، فرجع أبو بكر إلى أهله، فمكث رسول الله ﷺ مكانه، وجلس إلى جنب الحجر يحذر الفتن، قال: إني والله لا يمسك الناس علي شيئًا إلا أني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله؛ فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا (٢).
стр. 8919
[مرسل ورجاله ثقات] (١).
وأما الجواب عما قاله موسى بن عقبة بأن الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه في مرضه فهي صلاة الظهر من يوم الأحد أو يوم السبت.
أما كونه في صلاة الظهر فهذا ثابت في الصحيحين من رواية أحمد بن يونس، وفي سنن النسائي من رواية ابن مهدي، عن زائدة بن قدامة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة (٢).
وأما القول بأن ذلك كان في ظهر يوم الأحد أو السبت فيعارضه ما في الصحيحين:
(ح-٣١٤٣) فقد روى البخاري ومسلم طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز،
عن أنس قال: لم يخرج إلينا نبي الله ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه. فلما وضح لنا وجه نبي الله ﷺ ما نظرنا منظرًا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. قال: فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى نبي الله ﷺ الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات (٣).
فرواية عبد العزيز به صهيب موافقة لرواية الزهري من كونه لم يصل النبي ﷺ مع أصحابه يوم الاثنين، وقد قال أنس لم يخرج إلينا نبي الله ثلاثًا، فإن كان الاثنين معدودًا ضمن الثلاثة، فهو لم يصل معهم السبت، والأحد، وإن كان الاثنين خارج الثلاثة فهو
стр. 8920
لم يصل معهم في يوم الجمعة أيضًا.
أما الجواب عن رواية حميد الطويل عن أنس وقوله: (آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ ) مما يشعر أنه صلى أكثر من صلاة، فإن حميدًا لم يسمع الحديث من أنس، وإنما سمعه من ثابت، ولفظ ثابت: (صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به)، فيكون قوله: (آخر صلاة صلاها) هذا مما تفرد به حميد مخالفًا لمن سمع الحديث منه، فيكون وهمًا.
(ح-٣١٤٤) وأما ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي، قال: أخبرنا الضحاك بن عثمان، عن حبيب، مولى عروة قال:
سمعت أسماء بنت أبي بكر، تقول: رأيت أبي، يصلي في ثوب واحد وثيابه موضوعة، فقال: يا بنية، إن آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ خلفي في ثوب واحد.
[تفرد به الواقدي محمد بن عمر، وهو متروك] (١).
الحجة الثالثة: أن أمر النبي ﷺ صحابته بالجلوس خلفه كان في مرضه القديم، وقد صلى في مرضه الذي مات فيه، والناس خلفه قيام، فلم يأمرهم بالجلوس، فكان آخر الأمرين صلاة المأموم قائمًا خلف الإمام القاعد.
وقد نص الشافعي في الأم أن حديث عائشة هذا ناسخ لما تقدم (٢).
وقال البخاري: قال الحميدي: قوله: «(إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسًا، والناس خلفه قيامًا.
قال البخاري: لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر، من فعل النبي ﷺ » (٣).
وقال ابن عبد البر: «الآخر من فعله ناسخ للأول -يعني لقوله الأول: وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا- فإنهم ما قاموا خلفه، وهو جالس إلا لعلمهم بأنه قد نسخ ذلك بفعله ﷺ ، والدليل على أن حديث هذا الباب منسوخ بما كان منه في مرضه ﷺ : إجماع
стр. 8921
العلماء على أن حكم القيام في الصلاة على الإيجاب، لا على التخيير، ولما أجمعوا على أن القيام في الصلاة لم يكن فرضه قط على التخيير وجب طلب الدليل على النسخ في ذلك، وقد صح أن صلاة أبي بكر، والناس خلفه قيامًا، وهو قاعد في مرضه الذي توفي فيه متأخر عن صلاته في حين سقوطه، فبان بذلك أنه ناسخ لذلك، وممن ذهب هذا المذهب واحتج بنحو هذه الحجة الشافعي، وداود بن علي وأصحابهما» (١).
فلا يجوز أن يأمرهم بالقعود خلف القاعد ثم يقرهم على القيام خلفه لولا أن الأمر الأول كان قد نسخ.
واعترض على القول بالنسخ بجملة من الاعتراضات:
الاعتراض الأول: الأصل عدم النسخ، ومن القواعد التي اتفق عليها الجمهور: أن الروايات التي ظاهرها التعارض لا يصار إلى القول بالنسخ، ولا إلى الترجيح إذا أمكن الجمع بينها بلا تكلف، والجمع بين الروايات ممكن، وقد جمع بينهما جماعة من أهل العلم على رأسهم الإمام أحمد، وسوف أذكر وجه الجمع عند الكلام على الجمع بين الروايات إن شاء الله تعالى.
الاعتراض الثاني: أن النبي ﷺ علل أمره للصحابة بالجلوس في مرضه القديم بمتابعة الإمام، قال ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون)،
وإذا كانت متابعة الإمام في التكبير، والركوع، والتسميع والسجود لم تنسخ فكذلك أمره لهم بالجلوس.
الاعتراض الثالث: أن النبي ﷺ عَلَّلَ الحكم بأن القيام خلف الإمام القاعد فيه شبه من أفعال أهل فارس بعظمائها، فيشبه تعظيم المخلوق فيما وُضعَ لتعظيم الخالق من الصلاة، ولا يخفى بقاء هذه العلة، والأصل بقاء الحكم لدوام العلة.
الاعتراض الرابع: جعل النبي ﷺ موافقة الإمام بالجلوس من طاعة الأئمة، التي
стр. 8922
هي من طاعته ﷺ ، وغير معقول أن ينسخ شيء منها.
الاعتراض الخامس: قال بعض العلماء: إن القول بالنسخ يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد. اه
فأصحاب النبي ﷺ صلوا خلف النبي ﷺ قيامًا في مرضه القديم، على الأصل أن القادر على القيام يجب عليه القيام، ثم أمرهم بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا، فكان ذلك نسخًا لفعلهم الأول، والذي جرى على الأصل، ثم صلوا خلفه قيامًا في مرض موته، والأصل عدم تعدد النسخ.
ولا أرى أن الفعل المتأخر إذا خالف القول المتقدم حمل على النسخ، بل يدل على الجواز، يبينه الاعتراض السادس، والله أعلم.
الاعتراض السادس: إذا خالف فعل النبي ﷺ قوله، لا يمكن الجزم بأن الفعل كان منه على وجه النسخ إلا أن يثبت ذلك بنص أو إجماع، فقد يراد من الفعل بيان حقيقة دلالة الأمر أو النهي، فالأصل أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر، ثم خالفه دل ذلك على أن الأمر ليس للوجوب، وإذا نهى عن شيء ثم فعله، دل على أن النهي ليس للتحريم إلا أن يقوم دليل على أن الفعل من خصائصه ﷺ ، فمن أين لكم أن فعل الرسول ﷺ إذا خالف قوله أن ذلك جرى على سنة النسخ، فلا يوجد نص مرفوع ولا موقوف يدعي أن فعل النبي ﷺ في مرض موته جرى على سنن النسخ، والأصل عدم النسخ.
والأصوليون مختلفون في جواز نسخ القول بالفعل، ومن أجازه منهم ضرب له أمثلة لا يتفق العلماء على تأويله بالنسخ، كترك الوضوء مما مست النار، وكونه ﷺ نهى عن استدبار القبلة، ثم رآه بعض أصحابه يستدبر القبلة قبل أن يقبض بعام، وكونه نهى عن الشرب واقفًا، ثم شرب في حجة الوداع.
وهناك من العلماء من يرى أن فعل الرسول ﷺ لا ينسخ قوله، والأمر بالوضوء
стр. 8923
مما مست النار ثبت في أحاديث قولية في الصحيحين وفي غيرهما، وكون الرسول ﷺ أكل لحمًا ثم صلى، ولم يتوضأ يجعل الأمر بالوضوء للاستحباب، وليس للوجوب
وقد ذهب ابن تيمية ﵀ إلى أن الوضوء مما مست النار ليس منسوخًا، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «لم يرد عن النبي ﷺ حديث عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار، وإنما ثبت في الصحيح أنه أكل كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ، وكذلك أتي بالسويق فأكل منه، ثم لم يتوضأ. وهذا فعل لا عموم له، فإن التوضؤ من لحوم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين» (١).
وما قيل في الوضوء مما مست النار، يقال في الصلاة خلفه قيامًا في مرض موته، فقد يكون ذلك دالًا على أن الجلوس مستحب، والقيام جائز، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀.
الاعتراض السابع: لو كان الحكم منسوخًا لما عمل به جماعة من الصحابة بعد موت النبي ﷺ ، ولا يعلم لهم مخالف، فكان إجماعًا سكوتيًا، من ذلك:
(ث-٨٠٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني أبو الزبير،
أن جابرًا، اشتكى عندهم بمكة، فلما أن تماثل خرج، وإنهم خرجوا معه يتبعونه حتى إذا بلغوا بعض الطريق، حضرت صلاة من الصلوات، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا.
[حسن] (٢).
стр. 8924
(ث-٨٠٦) ومنها ما رواه البخاري في التاريخ الكبير من طريق علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن كثير بن السائب، عن محمود بن لبيد قال:
كان أسيد بن حضير يؤم قومه، فمرض أيامًا، فوجد من نفسه خفة، فخرج فصلى بنا قاعدًا.
ورواه الأثرم وغيره من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار،
أن أسيد بن الحضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل في مسجدهم، ثم اشتكى، فخرج إليهم بعد شكوه، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم، فقال: إني لا استطيع أن أقوم. قالوا: لا يصلي لنا أحد غيرك ما كنت فينا. فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا فاقعدوا، فصلى قاعدًا، وصلوا وراءه قعودًا.
[صحيح] (١).
(ث-٨٠٧) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم،
عن قيس بن قهد، قال: «كان لنا إمام فمرض فصلينا بصلاته قعودًا.
[صحيح] (١).
(ث-٨٠٨) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس،
عن أبي هريرة، قال: الإمام أمير، فإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا.
[صحيح] (٢).
стр. 8928
قال ابن المنذر: لو كان جلوس المأموم خلف الإمام إذا جلس منسوخًا ما استعمله الصحابة بعده، وَهُمْ بالناسخ والمنسوخ من أخباره أعلم بمن بعدهم، لأن من بعدهم إنما يأخذ معرفة الأخبار بالأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ عنهم، ولو كان عندهم في ذلك عن النبي ﷺ علم، لصاروا إليه بعد رسول الله ﷺ ، ولم يخالفوه (١).
الدليل الرابع:
(ح-٣١٤٥) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٢).
فالنبي ﷺ أمر المصلي بالصلاة قائمًا مع القدرة عليه، وهو مطلق، سواء أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، فإذا قدر المأموم على القيام وجب عليه أن يصلي قائمًا، فكما أن هذا هو ظاهر النص، فهو مقتضى القياس؛ فالإمام لا يُسْقط عن المأموم شيئًا من أركان الصلاة مع القدرة عليه، ألا ترى أنه لا يحيل الركوع والسجود إلى الإيماء فكذلك لا يحيل القيام إلى القعود (٣).
ويناقش:
قول النبي ﷺ : (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا) يشمل الإمام والمنفرد، وهذا
стр. 8929
بالإجماع، حكاه ابن عبد البر، وأما المأموم فقد قال النبي ﷺ في حقه تشريعًا آخر: (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)، فخرج المأموم من حديث عمران بن حصين.
وكون قيام المأموم هو مقتضى القياس، فأَنْعِم بالقياس فيما لم يرد فيه نص، فإذا ورد النص بطل النظر، ولا يقدم الرأي على النص، فلا يصح قياس المأموم على الإمام والمنفرد، فالذي أوجب القيام على المصلي هو الذي أسقط عنه القيام إذا صلى خلف الإمام الجالس.
المسلك الثالث: مسلك الجمع بين هذه الأحاديث:
الأصل في الأحاديث التي ظاهرها التعارض أن يجمع بينها بلا تكلف، فإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل الذهاب إلى القول بالترجيح أو بالنسخ؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بخلاف الترجيح والنسخ، فإنه يهدر أحد الدليلين على حساب الدليل الآخر، وهذا هو ما اختاره جماعة من أهل العلم على رأسهم الإمام أحمد.
وقد سبق ذكر بعض وجوه الجمع أثناء مناقشة القائلين بالترجيح، ولا مانع من إعادة ما سبق وبيان الراجح منها فيما ظهر لي.
وقد ذكر العلماء ثلاثة وجوه من الجمع، منها:
الوجه الأول: التفريق بين ابتداء الصلاة قاعدًا وبين طروء العجز على الإمام في أثناء الصلاة، فكان انتقال الإمامة إلى النبي ﷺ في أثناء الصلاة، وهو عاجز عن القيام بمثابة طروء العجز على الإمام في أثناء الصلاة.
فإذا افتتح الإمام بهم الصلاة قاعدًا كان عليهم القعود بقعوده، وعليه تُحْمل أحاديث صلاة النبي ﷺ بأصحابه في مرضه القديم في بيته.
وإذا افتتح الإمام بهم الصلاة قائمًا، فطرأ عجز على الإمام أثناء الصلاة، وجب على من خلفه أن يتم الصلاة قائمًا، ومثله لو تقدم إمام غير الإمام الذي
стр. 8930
عقدوا الصلاة معه ليكمل بهم الصلاة، فصلى بهم جالسًا فليس عليهم الجلوس مادام الإمام الذي عقدوا الصلاة معه قائمًا، فكأنه طرأ العجز على الإمام أثناء الصلاة، وعليه يُحْمل ما وقع في مرض موته، فإن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فوجب عليهم القيام لقيام أبي بكر بهم، وبهذا فسره الإمام أحمد، وابن المنذر وجماعة من أهل العلم (١).
وإذا وجد سبيل إلى استعمال الأخبار كلها تعين ذلك، كالاختلاف الوارد في صفة صلاة الخوف فإنه محمول على اختلاف الأحوال فيها، فتارة يكون العدو في جهة القبلة، وتارة يكون العدو على غير جهة القبلة.
ويناقش:
بأن الأمر النبوي للصحابة في الجلوس في مرضه القديم جاء معللًا بأكثر من علة، منها متابعة الإمام، ومنها مخالفة فارس والروم، ومنها طاعة الأمراء، وإمامته في مرض موته لم ينص على العلة التي صححت صلاة الناس خلفه قيامًا، ولم يسق الحديث لبيان حكم المأموم.
وقول النبي ﷺ : (إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون) عام، يشمل ما إذا افتتح الصلاة جالسًا، أو طرأ عليه العجز.
والتفريق بين الابتداء والاستدامة لا أعلم أحدًا قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، والمنقول عن أربعة من الصحابة أن المأموم إذا صلى خلف الجالس صلى جالسًا، وأول من فرق بين الابتداء والاستدامة هو الإمام أحمد ﵀، قال به اجتهادًا ولا أعلم له نظيرًا في أحكام الصلاة، فالمتابعة للإمام لا يفرق فيها بين الابتداء والاستدامة، وكذلك مخالفة المشركين.
فقال عبد الرزاق الصنعاني: «الإمام إذا صلى قاعدًا صلى من خلفه قعودًا» (٢). ولم يفرق بين الابتداء والاستدامة.
وقال إسحاق بن راهويه: السنة إذا صلى قاعدًا أن يصلوا قعودًا (٣). ولم