(ث-٨٠٧) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم،
عن قيس بن قهد، قال: «كان لنا إمام فمرض فصلينا بصلاته قعودًا.
[صحيح] (١).
(ث-٨٠٨) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس،
عن أبي هريرة، قال: الإمام أمير، فإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا.
[صحيح] (٢).
стр. 8928
قال ابن المنذر: لو كان جلوس المأموم خلف الإمام إذا جلس منسوخًا ما استعمله الصحابة بعده، وَهُمْ بالناسخ والمنسوخ من أخباره أعلم بمن بعدهم، لأن من بعدهم إنما يأخذ معرفة الأخبار بالأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ عنهم، ولو كان عندهم في ذلك عن النبي ﷺ علم، لصاروا إليه بعد رسول الله ﷺ ، ولم يخالفوه (١).
الدليل الرابع:
(ح-٣١٤٥) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٢).
فالنبي ﷺ أمر المصلي بالصلاة قائمًا مع القدرة عليه، وهو مطلق، سواء أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، فإذا قدر المأموم على القيام وجب عليه أن يصلي قائمًا، فكما أن هذا هو ظاهر النص، فهو مقتضى القياس؛ فالإمام لا يُسْقط عن المأموم شيئًا من أركان الصلاة مع القدرة عليه، ألا ترى أنه لا يحيل الركوع والسجود إلى الإيماء فكذلك لا يحيل القيام إلى القعود (٣).
ويناقش:
قول النبي ﷺ : (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا) يشمل الإمام والمنفرد، وهذا
стр. 8929
بالإجماع، حكاه ابن عبد البر، وأما المأموم فقد قال النبي ﷺ في حقه تشريعًا آخر: (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)، فخرج المأموم من حديث عمران بن حصين.
وكون قيام المأموم هو مقتضى القياس، فأَنْعِم بالقياس فيما لم يرد فيه نص، فإذا ورد النص بطل النظر، ولا يقدم الرأي على النص، فلا يصح قياس المأموم على الإمام والمنفرد، فالذي أوجب القيام على المصلي هو الذي أسقط عنه القيام إذا صلى خلف الإمام الجالس.
المسلك الثالث: مسلك الجمع بين هذه الأحاديث:
الأصل في الأحاديث التي ظاهرها التعارض أن يجمع بينها بلا تكلف، فإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل الذهاب إلى القول بالترجيح أو بالنسخ؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بخلاف الترجيح والنسخ، فإنه يهدر أحد الدليلين على حساب الدليل الآخر، وهذا هو ما اختاره جماعة من أهل العلم على رأسهم الإمام أحمد.
وقد سبق ذكر بعض وجوه الجمع أثناء مناقشة القائلين بالترجيح، ولا مانع من إعادة ما سبق وبيان الراجح منها فيما ظهر لي.
وقد ذكر العلماء ثلاثة وجوه من الجمع، منها:
الوجه الأول: التفريق بين ابتداء الصلاة قاعدًا وبين طروء العجز على الإمام في أثناء الصلاة، فكان انتقال الإمامة إلى النبي ﷺ في أثناء الصلاة، وهو عاجز عن القيام بمثابة طروء العجز على الإمام في أثناء الصلاة.
فإذا افتتح الإمام بهم الصلاة قاعدًا كان عليهم القعود بقعوده، وعليه تُحْمل أحاديث صلاة النبي ﷺ بأصحابه في مرضه القديم في بيته.
وإذا افتتح الإمام بهم الصلاة قائمًا، فطرأ عجز على الإمام أثناء الصلاة، وجب على من خلفه أن يتم الصلاة قائمًا، ومثله لو تقدم إمام غير الإمام الذي
стр. 8930
عقدوا الصلاة معه ليكمل بهم الصلاة، فصلى بهم جالسًا فليس عليهم الجلوس مادام الإمام الذي عقدوا الصلاة معه قائمًا، فكأنه طرأ العجز على الإمام أثناء الصلاة، وعليه يُحْمل ما وقع في مرض موته، فإن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فوجب عليهم القيام لقيام أبي بكر بهم، وبهذا فسره الإمام أحمد، وابن المنذر وجماعة من أهل العلم (١).
وإذا وجد سبيل إلى استعمال الأخبار كلها تعين ذلك، كالاختلاف الوارد في صفة صلاة الخوف فإنه محمول على اختلاف الأحوال فيها، فتارة يكون العدو في جهة القبلة، وتارة يكون العدو على غير جهة القبلة.
ويناقش:
بأن الأمر النبوي للصحابة في الجلوس في مرضه القديم جاء معللًا بأكثر من علة، منها متابعة الإمام، ومنها مخالفة فارس والروم، ومنها طاعة الأمراء، وإمامته في مرض موته لم ينص على العلة التي صححت صلاة الناس خلفه قيامًا، ولم يسق الحديث لبيان حكم المأموم.
وقول النبي ﷺ : (إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون) عام، يشمل ما إذا افتتح الصلاة جالسًا، أو طرأ عليه العجز.
والتفريق بين الابتداء والاستدامة لا أعلم أحدًا قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، والمنقول عن أربعة من الصحابة أن المأموم إذا صلى خلف الجالس صلى جالسًا، وأول من فرق بين الابتداء والاستدامة هو الإمام أحمد ﵀، قال به اجتهادًا ولا أعلم له نظيرًا في أحكام الصلاة، فالمتابعة للإمام لا يفرق فيها بين الابتداء والاستدامة، وكذلك مخالفة المشركين.
فقال عبد الرزاق الصنعاني: «الإمام إذا صلى قاعدًا صلى من خلفه قعودًا» (٢). ولم يفرق بين الابتداء والاستدامة.
وقال إسحاق بن راهويه: السنة إذا صلى قاعدًا أن يصلوا قعودًا (٣). ولم
стр. 8931
يفرق بين حال وآخر.
وبه قال ابن خزيمة في صحيحه، وابن المنذر في الأوسط وضعفا القول بإمامة النبي ﷺ في مرض موته من حديث عائشة؛ لاختلاف الرواة (١).
وقال ابن حبان بعد أن روى حديث ابن عمر، والذي فيه: ( .... وإن صلوا قعودا فصلوا قعودًا).
قال ابن حبان: «في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا من طاعة الله جل وعلا التي أمر عباده، وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته؛ لأن من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة أفتوا به: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس بن قهد، والإجماع عندنا إجماع الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل، وأعيذوا من التحريف والتبديل حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين، وصانه عن ثلم القادحين، ولم يُرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متصل، ولا منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلوا قعودًا.
وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد أبو الشعثاء، ولم يرو عن أحد من التابعين أصلًا بخلافه لا بإسناد صحيح ولا واهٍ، فكأن التابعين أجمعوا على إجازته.
وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدًا إذا صلى إمامه جالسًا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، وتبعه عليه من بعده من أصحابه» (٢).
ولم يذكر ابن حبان عن أحد من هؤلاء أنهم فرقوا بين حال الابتداء وبين غيره.
وروى ابن حبان قصة أمر النبي ﷺ لأصحابه بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا، ثم أتبع ذلك بقوله: قال أبو حاتم رضى الله تعالى عنه: «هذه السنة -يعني الصلاة
стр. 8932
جلوسًا خلف الإمام إذا صلى جالسًا- رواها عن المصطفى ﷺ أنس بن مالك، وعائشة وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو أمامة الباهلي، وهو قول أسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وبه قال جابر بن زيد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث: مثل محمد بن نصر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة» (١).
والشروع فيها قائمًا ليس بأقوى من كون القيام واجبًا لذاته، وقد سقط لمتابعة الإمام.
وإذا صلى الإمام جالسًا فابتدأ المأموم معه الجلوس، ثم ارتفع العذر أثناء الصلاة وجب على الإمام والمأموم القيام، ولم يراع الابتداء، وإذا لم ينظر إلى الابتداء في ارتفاع العذر، لم يكن الابتداء هو مناط وجوب الجلوس والقيام.
الوجه الثاني من وجوه الجمع:
دل حديث عائشة على أن القيام خلف الإمام القاعد جائز، والجلوس أفضل.
لأن القاعدة الشرعية تقول: إن النبي ﷺ إذا أمر بأمر، ثم خالفه دل على أن الأمر ليس للوجوب، كما أنه إذا نهى عن شيء ثم فعله كان ذلك دليلًا على أن النهي للكراهة، ما لم يقم دليل على الخصوصية، ولا دليل على الخصوصية.
وهذا الجمع أقرب من الجمع الأول؛ لاطِّراده في أحكام الشريعة، ولوجود نظائر له كثيرة بخلاف الجمع الأول، وكون الجلوس للمأموم مستحبًا، ويجوز له القيام هو المشهور من مذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.
الوجه الثالث من وجوه الجمع:
قال ابن رجب: «ظهر لي وجه ثالث في الجمع بين هذه الأحاديث، وهو متجه
стр. 8933
على قول الإمام أحمد: أن النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر، وكان أبو بكر إمامًا للناس، فكانت تلك الصلاة بإمامين.
وحينئذ فيقال: لما اجتمع في هذه الصلاة إمامان، أحدهما جالس، والآخر قائم، صلى المأمومون خلفهما قيامًا اتباعًا لإمامهم القائم؛ فإن الأصل القيام، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم، وموجب للقعود أو مبيح له، فغلب جانب القيام؛ لأنه الأصل، كما إذا اجتمع في حل الصيد أو الأكل مبيح وحاضر، فإنه يغلب الحضر» (١).
ويناقش:
المبلغ لا يكون إمامًا؛ لأنه تابع، وموافقته في أفعال الصلاة لا تكره، بل ولا مسابقته إذا لم يسبق إمام المبلغ، فهو ليس إمامًا، بل علامة عليه، يأخذ حكم مكبر الصوت الذي يبلغ عن الإمام، وفي أحد الوجهين عند المالكية يرون صحة التبليغ من المرأة والكافر، ومن خارج الصلاة، والله أعلم.
الراجح:
إذا صح أن النبي ﷺ هو الإمام في مرض موته، فيحمل على أن قيام الصحابة رضوان الله عليهم دليل على الجواز، ويكون الأمر لهم بالجلوس خلف الإمام على وجه الاستحباب.
وحتى إذا لم تثبت إمامة النبي ﷺ في مرض موته فإن جلوس المأموم خلف الإمام لا يكون واجبًا؛ لأن النبي ﷺ قد أقر أصحابه في مرضه القديم على الصلاة خلفه قيامًا، ثم أمرهم بالجلوس خلفه، فيحمل أمره لهم بالجلوس على وجه الندب، والله أعلم.
والقول بأن الأمر بالجلوس على الندب، يؤيده نصوص وقواعد، أما النصوص فحديث أنس وحديث جابر في مرض النبي ﷺ القديم حيث أقر أصحابه على الصلاة خلفه قيامًا.
وأما القواعد، فهو ما ذكرته سابقًا: من أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر وخالفه كان
стр. 8934
ذلك دليلًا على أن الأمر للاستحباب، وإذا نهى عن شيء وتركه كان ذلك دليلًا على أن النهي للكراهة، إلا أن يقوم دليل على الخصوصية، والقول بأن الجلوس على الاستحباب هو رواية عن الإمام أحمد، والأخذ به أولى من الأخذ بالرواية الأخرى القائمة على التفريق بين الابتداء والاستدامة، وهو لا يعلم قائل به من لدن الصحابة والتابعين إلى تابعيهم، ولا نظير له في القواعد، والله أعلم.
стр. 8935
الشرط الثامن في اشتراط أن يكون الإمام متطهرًا
هذا الشرط يدخل في بحثه أكثر من مسألة فقهية، فالعلماء لا يختلفون أن الطهارة شرط في صحة الصلاة مع القدرة على الماء، فإذا عدم الماء، شرع له التيمم، وهي طهارة بدل، ومختلف هل حدثه ارتفع أو أبيحت له الصلاة، لاتفاقهم أنه إذا حضر الماء وجب عليه الطهور، وحضور الماء ليس حدثًا، ومع ذلك رجع حكم الحدث، فإذا عجز عن التيمم، فالفقهاء مختلفون أيصلى بحسب حاله أم ينتظر القدرة على أحد الطهورين، وقد يصلي الإمام محدثًا ناسيًا لحدثه، وإذا صلى فقد يتذكر في أثناء الصلاة، وقد لا يتذكر إلا بعد الفراغ منها، لهذا كان اشتراط طهارة الإمام يدخل فيه المسائل التالية:
حكم إمامة المتيمم للمتوضئ.
وحكم إمامة المحدث الناسي لحدثه إذا تذكر بعد الفراغ من العبادة.
وحكم إمامة المحدث الناسي لحدثه إذا تذكر في أثناء الصلاة، فخرج منها، ولم يتمادَ، وهل يختلف حكم صلاة المأموم لو أن الإمام غلبه الخجل، فتمادى في صلاته.
أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 8936
المبحث الأول في صحة إمامة المتيمم للمتوضئ
المدخل إلى المسألة:
من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل.
كل ما يستباح بالماء يستباح بالصعيد، إلا وطء الحائض، ومسح الخف.
التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.
قال تعالى بعد أن ذكر التيمم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.
قال ﷺ : (لا تقبل صلاة بغير طهور)، فإذا صحت الصلاة بالتيمم فذلك لأنه أحد الطهورين.
إطلاق الطهور على التيمم في الكتاب والسنة ليس من التسمية اللغوية، وإنما هو حكم شرعي، فلا يعرف أن التيمم مطهر من الحدث إلا بالنقل.
إمامة المتيمم للمتوضئ كإمامة ماسح الخف لغاسل رجليه.
كل من قام بشرط الصلاة في حقه صح الاقتداء به، فشرط الصلاة في حق المتيمم والمتوضئ موجود بكماله، فجاز بناء أحدهما على الآخر.
لا يختلف فعل الإمام عن فعل المنفرد إلا أن الإمام قد ينوي الإمامة، وليست النية شرطًا لصحة إمامته.
[م-١٠٣١] يؤم المتيمم جماعة المتيممين، ومن باب أولى يؤم المتطهر بالماء جماعة المتيممين.
واختلفوا في إمامة المتيمم للمتطهر بالماء.
فقيل: تصح، وهو قول أبي حنفية وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وأهل
стр. 8937
الظاهر، واختاره من المالكية محمد بن مسلمة (١).
وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والزهري، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور (٢).
وقيل: تكره، فإن أمهم أجزأتهم صلاتهم، وهو مذهب مالك، وعبد الله بن الحسن (٣).
جاء في الموطأ: «سئل مالك عن رجل تيمم، أيؤم أصحابه وهم على وضوء؟
قال: يؤمهم غيره أحب إلي. ولو أمهم هو لم أر بذلك بأسًا» (٤).
وصرح متأخرو الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (٥).
وبالرغم من أن المالكية والحنابلة لا يرون التيمم رافعًا للحدث بل مبيحًا للصلاة، ومع ذلك ذهبوا إلى صحة إمامة المتيمم بالمتوضئ (٦).
стр. 8938
وقيل: لا يؤم المتيمم، وبه قال محمد بن الحسن والحسن بن حي (١).
وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابة إلا من هو مثله، وبه قال يحيى بن سعيد (٢).
والظاهر أنه قصد بذكر الجنابة التمثيل وليس القصر، فيشمل عموم الحدث، فيرجع إلى قول محمد بن الحسن، ولكن من حكى الخلاف لم يجمع القولين.
وقيل: إن كان المتيمم تلزمه إعادة الصلاة فلا يجوز الاقتداء به، كما لو تيمم في الحضر لعدم الماء، وإن كان لا يلزمه القضاء فيجوز الاقتداء به، وهو مذهب الشافعية (٣).
وقال الأوزاعي في رواية: لا يؤمهم إلا إن كان أميرًا (٤).
دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ:
الدليل الأول:
شروط العبادة توقيفية كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ولا من إجماع الصحابة على اشتراط الطهارة المائية لصحة الإمامة، فإذا صحت صلاة المتيمم صحت إمامته إلا بدليل.
الدليل الثاني:
صحت النصوص من الكتاب والسنة على أن التيمم مطهر من الحدث إلى وجود الماء، فإذا ارتفع حدث المتيمم صحت إمامته.
стр. 8939
قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
(ح-٣١٤٦) وروى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .... الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
فقوله: (ولكن يريد ليطهركم) أي من الحدث؛ لتستحقوا وصف الطهارة قبل الشروع في الصلاة بالماء أو بالتراب عند فقده، والبدل له حكم المبدل.
وقوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فالطهور: هو ما يتطهر به، وإطلاق الطهور على التيمم ليس تسمية لغوية، وإنما هو من باب الحكم الشرعي، فالتيمم يطهر المسلم، أي يرفع حدثه، أو في حكم الطهور.
فالله نص على أنه شرع لنا التيمم لغايتين:
إحداهما: تحصيل الطهارة.
الغاية الثانية: رفع الحرج عن هذه الأمة، فمن عجز عن الماء فلن يعجز عن التراب.
وإذا كان التيمم مطهرًا فلا فرق بين المتيمم بشرطه، وبين المتوضئ، فليس الذي وجد الماء، بأطهر من المتيمم، ولا أتم صلاة؛ لأن كلًا منهما قد امتثل ما أمره الله به (٢).
(ح-٣١٤٧) ومن ذلك: ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب،
عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (٣).
стр. 8940
فالحديث يؤخذ منه مقدمتين ونتيجة:
فالمقدمة الأولى: أن الصلاة لا تصح بدون طهور مطلقًا؛ لأن نفي القبول هنا نفي للصحة.
المقدمة الثانية: دلت النصوص على صحة الصلاة بالتيمم.
النتيجة: أن التيمم من الطهور.
فالحدث مانع من الصلاة، والتيمم رافع للمانع، فلو بقي حدثه لامتنع أن يجتمع المبيح والمُحَرِّم؛ فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين، وإذا ارتفع الحدث لم يبق مانعًا من الإمامة إلا أن يكون هناك مانع غير التيمم.
وقد أطلق الطهور على التيمم كما في حديث أبي ذر ﵁ (١)، والحكم المستفاد من ذلك أن من صحت صلاته فقد صحت إمامته، والله أعلم.
الدليل الثالث:
إذا صحت الصلاة بالتيمم، صحت الإمامة به، إلا ما استثني، كإمامة المرأة للرجال، فلا تصح، وإن صحت صلاتها، من ذلك:.
(ح-٣١٤٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا. فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢).
стр. 8941
(ح-٣١٤٩) ومن ذلك: ما رواه أحمد في مسنده، قال: حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا (١).
[منقطع، وروي مرسلًا] (٢).
(ث-٨٠٩) ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر،
عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم (١).
وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم (٢).
وجه من قال: يكره:
أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعل العبادة إلى أن يجد الماء.
جاء في مواهب الجليل: «المتيمم لا ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفعه على المشهور … » (١).
وإذا كان لا يرفع الحدث لم يكن الإمام المتيمم مساويًا للمأموم.
قال أبو الوليد الباجي: «من حكم الإمام أن يكون حاله مساويًا لحال من خلفه وأفضل منها، والتيمم غير لاحق بفضيلة المتوضئ، فلا يؤمه ولا يتقدم عليه» (٢).
وجاء في شرح مختصر خليل للخرشي: «والضابط في ذلك أن كل من كان أعلى من غيره يكره أن يقتدي بمن هو دونه، والمتيمم دون المتوضئ، وماسح الجبيرة دون ماسح الخف» (٣).
стр. 8948
ويناقش:
مسألة رفع الحدث بالتيمم مسألة خلافية تعرضت لها في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، ولا أريد أن أعيد أدلتها بالتفصيل (١)، وإنما الراجح من الخلاف أن التيمم رافع للحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء.
فكون الحكم يكون ثابتًا إلى غاية أو غايات كثيرة غير ممنوع شرعًا، فالتيمم يرفع الحدث إلى غايات منها: طريان الحدث، ومنها وجود الماء، ألا ترى أن الأجنبية ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع إلى غايات منها: الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها: الإحرام، وخامسها الظهار، فما المانع أن يكون الحدث مرتفعًا إلى حين وجود الماء؟ خاصة أن التيمم بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء مفقودًا، كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك الملتقط ملكًا مؤقتًا إلى ظهور المالك، فإنه كان بدلًا عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها.
قال مالك: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء، بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أمرا جميعًا. فكل عمل بما أمره الله به» (٢).
وإذا كان التيمم رافعًا للحدث لم يكن هناك أعلى وأدنى، وكل من قام بما يجب عليه فقد استوفى الشرط، فالمتيمم والمتوضئ ليس أحدهما بأعلى من الآخر؛ لأن كل واحد منهما قد قام بالفرض الذي عليه، والله أعلم.
دليل من قال: إذا كان المتيمم بالحضر فلا تصح إمامته:
إذا فقد المسلم وجود الماء، فإن كان مسافرًا شرع له التيمم إجماعًا، وإذا فقد الماء في الحضر، فاختلفوا:
стр. 8949
فقيل: يتيمم ولا إعادة عليه، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الحنابلة.
وقيل: يتيمم، ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وسبق بحث المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فارجع إليه.
فإذا كان المتيمم تجب عليه الإعادة فلا يتقدم للإمامة؛ لأن صلاته صلاة ضرورة، وإذا تيمم في السفر صحت إمامته.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والثاني: السفر.
وأجيب:
بأن الله ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإنَّ فَقْدَ الماء في الحضر نادر وقليل، ومثله ذكر السفر في آية الرهن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر أيضًا، وإذا أمرنا بالتيمم للصلاة في الحضر، فإما أن تكون صلاته صحيحة، فلا داعي للإعادة، وإما أن يكون تيممه باطلًا فلا داعي للصلاة، فكان منع إمامة المتيمم في الحضر مبنيًّا على قول ضعيف.
دليل من قال: يجوز إذا كان الإمام الأمير:
الدليل الأول:
قد يستدل له بفعل ابن مسعود مع عثمان حين أتم بمنى، فعاب ذلك عليه، ثم لما صلى خلفه صلى معه أربع ركعات، وقال: الخلف شر.
(ح-٣١٥٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش قال: حدثنا إبراهيم
стр. 8950
قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول:
صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (١).
ولأن ترك الصلاة خلف الأمير فيها من اختلاف الكلمة، وتفرق الصف، ولهذا ذهب عامة العلماء إلى صحة الصلاة خلف الحاكم الشرعي الفاسق الذي تؤدى إليه الطاعة، وسواء أكان فسقه بالعمل أم بالاعتقاد، والله أعلم.
الدليل الثاني:
ربما يرى الأوزاعي أن الأصل منع المتيمم من أن يكون إمامًا إلا لمثله، إلا أن إمامة عمرو بن العاص في أصحابه، وهو جنب استثني لكونه أميرًا للجند.
وسبق لنا أن الحديث قد أعله أحمد بالانقطاع، وعلى فرض صحته، فإن هذا فرد من أفراد الحكم المطلق لا يقتضي اختصاص الحكم به، بل هو دليل على الجواز المطلق، ومن أين لنا القول بأن الأصل منع إمامة المتيمم إلا لمثله، فلم يأت نص من الشارع على المنع حتى يقال: إن إمامة عمرو بن العاص ﵁ اغتفرت لكونه أميرًا، والله أعلم.
الراجح:
صحة إمامة المتيمم مطلقًا، والله أعلم.
стр. 8951
المبحث الثاني في حكم إمامة المحدث
[م-١٠٣٢] لا يختلف المسلمون أن صلاة المحدث باطلة، من غير فرق بين كونه ناسيًا أم كونه ذاكرًا، وإنما الخلاف في صحة صلاة المأموم إذا صلى خلف الإمام المحدث، وهو على ثلاثة أقسام.
القسم الأول: أن يؤم الناس، وهو يعلم أنه محدث، فتبطل صلاة كل من صلى خلفه، وهو عالم بحدثه.
لحديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.
وقال الطحاوي: «أجمعوا أن رجلًا لو صلى خلف جنب، وهو يعلم بذلك، أن صلاته باطلة» (١).
القسم الثاني: أن يؤم الناس، وهو ناس لحدثه، فيتذكر في أثناء الصلاة، فهذا على حالين:
الحال الأول: أن يخرج، ولا يتمادى، فاختلف العلماء في صحة صلاة المأموم.
فقيل: تبطل، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة (٢).
стр. 8952
وقيل: لا تبطل صلاة المأموم، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
الحال الثانية: أن يتمادى في صلاته خجلًا فيحرم عليه، الفعل، واختلف الناس في صحة صلاة المأموم:
فقيل: صلاتهم باطلة، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: صلاتهم صحيحة، وهو مذهب الشافعية، وبه قال أشهب وابن نافع
стр. 8953
من المالكية (١).
القسم الثالث: أن يصلي بهم ناسيًا حدثه، ولم يعلم الإمام والمأموم إلا بعد الفراغ من الصلاة:
فقيل: يعيد الإمام وحده، وهو مذهب الجمهور (٢).
قال ابن قدامة: «إذا صلى بالجماعة محدثا، أو جنبا، غير عالم بحدثه، فلم يعلم هو ولا المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتهم صحيحة، وصلاة الإمام باطلة» (٣).
وقال الحنفية: يعيد المأموم أيضًا؛ لبطلان صلاة الإمام، وبه قال حماد شيخ أبي حنفية، وسفيان الثوري في أشهر الروايتين عنه ورواية ضعيفة عن أحمد (٤).
قال ابن اللحام في القواعد: «لو صلى خلف من يظنه طاهرًا من الأحداث، فبان محدثًا،
стр. 8954
وجهل هو والمأموم حتى فرغت الصلاة، فلا إعادة على المأموم في أصح الروايتين. وعن الإمام أحمد رواية في لزوم الإعادة كالإمام، اختارها أبو الخطاب في انتصاره» (١).
هذه هي أحوال المأموم مع إمامة المحدث، وأقوال الفقهاء في كل حالة، وقد سبق لي أن ذكرت أدلة هذه المسألة في المجلد الثاني عشر عند الكلام على مبطلات الصلاة، تحت عنوان: (بطلان صلاة المأموم لبطلان صلاة إمامه)، فأغنى ذلك عن إعادة الأدلة هنا، وإنما ذكرت هذه المسألة في شروط الإمامة للتنبيه عليها حتى لا يظن من يطلب هذه المسألة في شروط الإمامة أن البحث غفل منها، والحمد لله على توفيقه.
стр. 8955
المبحث الثالث إمامة من به سلس للصحيح
المدخل إلى المسألة:
كل خارج لا ينقض الطهارة أثناء الوضوء وفي الصلاة، لا ينقضها خارج الصلاة.
الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا، وإذا لم يوجب الحدث الوضوء فهو باق على طهارته حكمًا، ومن بقي على طهارته صحت إمامته.
كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره إلا بدليل.
الأحداث إذا عفي عنها في حق صاحبها فالأصل أنه يعفى عنها في حق غيره؛ لأن ذلك فرع عنه.
إذا صحت إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه، مع فوات الركن، صحت إمامة من به حدث دائم من باب أولى؛ لأن الركن أقوى من الشرط؛ لكونه جزءًا من الماهية.
[م-١٠٣٣] تصح إمامة من به سلس البول بمثله، وهو مذهب الجمهور، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا تصح، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 8956
واختلفوا في صلاة الصحيح خلف من به حدث دائم:
فقيل: لا يصح الاقتداء، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مقابل الأصح عند الشافعية، وظاهر كلام ابن عبد البر (١).
وقيل: تصح إمامته، وهو قول في مقابل المشهور عند المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، واختيار ابن تيمية (٢).
وهذان قولان متقابلان.
قال النووي: «والأصح صحة قدوة السليم بالسلس» (٣).
وقيل: تكره إمامته، وهو المشهور في مذهب المالكية (٤).
دليل من قال: تصح إمامة من به حدث دائم بمثله:
قياسًا على صحة إمامة الأمي والعاجز عن القيام إذا أمَّ مثله، وهذا في معناهما؛
стр. 8957
لاستوائهما في العذر، فإذا صحت الإمامة بمثله مع فوات الركن، وهو جزء من الماهية، صحت الإمامة بمثله مع فوات الشرط من باب أولى.
وإذا صحت إمامة العاري بمثله في أصح أقوال أهل العلم صحت إمامة من به حدث دائم بمثله بجامع فوات الشرط في كل منهما.
وجه من قال: لا تصح إمامته بمثله:
الأصل أن طهارة من به حدث دائم تبيح له فعل الصلاة، ولا ترفع حدثه؛ لأن الحدث مستمر، والأحداث إذا عفي عنها في حق صاحبها، لا يعفى عنها في حق غيره.
وسوف نناقش هذا الدليل عند ذكر أدلة من قال: لا تصح إمامته للسليم.
دليل من قال: لا يصلي المتطهر خلف من به حدث دائم.
يتطهر أصحاب الحدث الدائم لاستباحة الصلاة، وليس لرفع الحدث.
(ح-٣١٥١) لما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال هشام: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
[زيادة: (قال هشام: قال أبي): الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٢).
وجه الاستدلال:
أن أصحاب الأحداث الدائمة أمروا بالوضوء لكل صلاة مع قيام الحدث؛
стр. 8958
لضرورة الأداء، فلو كان الحدث معفى عنه، لكانت طهارته باقية، ولا ينقضها إلا حدث غير الحدث المعذور فيه، فلما كان مأمورًا بإعادة الوضوء كلما دخل وقت الصلاة، وأراد أن يصلي، علم أن الحدث المبتلى به باق حكمًا، فكان في صلاتهم خللًا غير مجبور ببدل، وكان حدثه قائمًا؛ لأنه حامل للنجاسة، أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه، وإذا كانت طهارته طهارة ضرورة، فالضرورة تقدر بقدرها، ولا تتعدى.
فإن قيل: فلم صحت صلاته؟ قيل: للضرورة.
وقال الحنفية: أن الصحيح أقوى حالًا من المعذور، ولا يجوز بناء القوي على الضعيف.
ونوقش هذا:
أن الأحاديث والآثار الواردة في وضوء المستحاضة لكل صلاة، قد اختلف العلماء في حكمهم عليها، فقد ذكرتها في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وخرجتها، فمن العلماء من ذهب إلى ضعف كل الأحاديث الواردة في الباب.
قال ابن رجب: «أحاديث الوضوء لكل صلاة قد رويت من وجوه متعددة وهي مضطربة ومعلة» (١).
وإذا لم تصح الآثار عن الرسول ﷺ في وضوء المستحاضة، فإن النظر أيضًا يؤيد القول بعدم اعتبار خروج دم الاستحاضة وسلس البول ونحوهما حدثًا يوجب الوضوء.
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: (توضئي لكل صلاة) فحمل الحنفية والحنابلة على أن المراد: توضئي لوقت كل صلاة.
والوقت سبب في وجوب الصلاة، وليس حدثًا يوجب خروجه أو دخوله الوضوء.
وحمل الشافعية على أن المراد: توضئي لكل صلاة أي لكل فريضة، بخلاف النافلة، فاعتبروا خروجه حدثًا في الفرض، ولم يعتبروه حدثًا في النفل، وهذا من أضعف الأقوال؛ لأن ما كان حدثًا في الفرض كان حدثًا في النفل.
стр. 8959
وحمله ابن حزم على ظاهره، فقال بوجوب الوضوء لكل صلاة، واختلافهم دليل على ضعف منزع القول بوجوب الوضوء، وإذا صح أن هذا موقوف على عروة فإن قوله يستدل له ولا يستدل به.
دليل من قال: تصح صلاة المتطهر خلف من به حدث دائم:
الدليل الأول:
كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره إلا بدليل، فأفعال الإمام لا تختلف عن أفعال المنفرد، وما ابتلي به من الحدث فقد عفا عنه الشارع بدليل صحة صلاته، ولأن مؤاخذة العبد بما هو مغلوب عليه فيه حرج وشدة، والحرج مدفوع عن الملة، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وإذا عفي عن الحدث في حق صاحبه فالأصل أن يعفى عنه في حق غيره؛ لأن ذلك فرع عنه، وأثر من آثاره.
الدليل الثاني:
الوضوء المأمور به صاحب الحدث الدائم إما أنه يرفع حدثه أو لا، فإن كان رافعًا لحدثه فهو متطهر، فتصح إمامته، وإذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا عليه؛ لأن الوضوء لا يراد منه إلا رفع الحدث، فيكون أمره بالوضوء لكل صلاة مع كونه لا يصح مرفوعًا فهو على وجه الاستحباب، لأنه باق على طهارته حكمًا، وإذا بقي على طهارته صحت إمامته.
الدليل الثالث:
كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة، لا ينقض خارج الصلاة، فإذا كان دم الاستحاضة لا يبطل الطهارة خروجه أثناء الوضوء، ولا بعده قبل الصلاة، ولا خروجه أثناء الصلاة، لم يكن خروج الوقت حدثًا يوجب الوضوء؛ لهذا حمل الأمر على الوضوء إذا صح على الاستحباب بمنزلة تجديد الوضوء، وسلس البول والريح مقيس على دم الاستحاضة، وإذا كان خروج البول ليس حدثًا في حقه كانت طهارته باقية، وصحت إمامته.
стр. 8960
الدليل الرابع:
إذا صحت إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه، مع فوات الركن؛ لحديث أنس وعائشة وأبي هريرة في الصحيحين ولحديث جابر في مسلم في صلاة النبي ﷺ بأصحابه قاعدًا عندما سقط من فرسه، فإذا صحت إمامة العاجز مع فوات الركن صحت إمامة من به حدث دائم من باب أولى؛ لأن الركن أقوى من الشرط؛ لكونه جزءًا من الماهية.
دليل من قال: تكره إمامته للصحيح:
أن هذا إمام مختلف في صحة الاقتداء به، وينبغي في الإمامة ألا يتقدم لها إلا أفضل الناس وأكملهم، لهذا كره تقديمه مع وجود إمام سليم.
ولأنه يحتمل أن الحدث إذا عفي عنه في حق صاحبه ألا يعفى عنه في حق غيره؛ لأنها طهارة ضرورة، ولهذا لا يجوز أن يصلي أحد بثوبه قبل تطهيره، وإن صح لصاحب الحدث أن يصلي بثوبه الذي قد تصل إليه النجاسة، فإذا كانت النجاسة معفى عنها في حق صاحبها فقط، فيحتمل أن يكون حدثه كذلك، ولم نقطع بذلك فكرهنا إمامته، والله أعلم.
الراجح:
صحة إمامة من ابتلي بحدث دائم إذا كان أقرأ القوم، والله أعلم.
стр. 8961
الشرط التاسع في اشتراط أن يكون الإمام مختونًا
المدخل إلى المسألة:
إمامة الأقلف تبع لصلاته، فإذا صحت صلاته صحت إمامته.
الختان ليس من شروط صحة الطهارة، فلو صلى صحت صلاته خلافًا لابن عباس.
كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره إلا بدليل.
من قال: لا تصح إمامة الأقلف اختلفوا في المانع، فقيل: تركه الختان الواجب، فعلى هذا من قال: لا يجب، أو سقط الوجوب لضرر، صحت إمامته.
وقيل: المانع احتقان القلفة بالبول النجس، فعلى هذا إذا أمكنه تطهير القلفة ارتفع المانع.
كراهة إمامة الأقلف لا تقوم على دليل شرعي؛ فالكراهة حكم شرعي لا تقوم إلا على دليل شرعي، ولا دليل على كراهة إمامته.
[م-١٠٣٤] اختلف الفقهاء في إمامة الأقلف، وهو من لم يختن من الذكور:
فقيل: تصح إمامته بلا كراهة، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تصح إمامته مع الكراهة، وهو مذهب الحنفية، ومنصوص الإمام مالك، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢).
стр. 8962
وقيل: يكره اتخاذه إمامًا راتبًا في الفرائض والعيد، بخلاف السفر، وقيام رمضان، واعتمده خليل في مختصره (١).
وفي قول للحنابلة تصح إمامته في التراويح إذا لم يكن قارئ غيره (٢).
وقيل: لا تصح إمامة الأقلف، وهو رواية عند الحنابلة، وعلى القول بأنها لا تصح، فهل تصح بمثله، وجهان، أصحهما الصحة، وقيد ذلك ابن تميم: إن لم يجب الختان (٣).
فاجتمع لنا أربعة أقوال:
- الصحة مطلقًا.
- الصحة مع الكراهة.
- يكره اتخاذه إمامًا راتبًا.
- لا تصح إمامته.
سبب الخلاف في إمامته:
стр. 8963
الخلاف في وجوب الختان، فمن رأى الختان واجبًا، رأى أن تركه موجبًا للتفسيق، وإمامة الفاسق مختلف فيها، وأكثر العلماء على صحة إمامته، وقد مرت معنا.
الثاني: أن الأقلف قد يحبس النجاسة؛ إلا أنهم مختلفون في النجاسة داخل القلفة أهي في حكم النجاسة الظاهرة، فيجب تطهيرها أم هي في حكم النجاسة الباطنة التي لا حكم لها؟.
وعلى القول بأنها في حكم النجاسة الظاهرة، أهي معفو عنها؛ لكونها يسيرة، أم يطالب بغسلها مع القدرة على ذلك؟
فإن كان لا يمكنه كشف القلفة سقط ذلك عنه.
جاء في الإنصاف: «اختلف الأصحاب في مأخذ المنع:
فقال بعضهم: تركه الختان الواجب، فعلى هذا إن قلنا: بعدم الوجوب، أو سقط القول به لضرر، صحت إمامته.
وقال جماعة آخرون: هو عجزه عن شرط الصلاة، وهو التطهر من النجاسة فعلى هذا: لا تصح إمامته إلا بمثله» (١).
تعليل من قال: تصح إمامة الأقلف مع الكراهة:
أما تعليل الصحة: فلأن صفات الأئمة وشروط الإمامة ليس منها الختان، فالأقلف ذكر، مسلم، عدل قارئ، فصحت إمامته كالمختون.
ولأن الأقلف صلاته لنفسه صحيحة؛ لأن الختان ليس شرطًا في صحة الطهارة، ومن صحت صلاته صحت إمامته
ولأن ترك الختان لا يبلغ به مبلغ التفسيق، كشارب الخمرة؛ والسرقة ونحوهما؛ لأن الختان مختلف في وجوبه، فالحنفية، والمالكية وقول عند الشافعية يرون الختان سنة خلافًا للشافعية والحنابلة، ومن لم يره واجبًا لم يوجب الفسق تركه.
وأما تعليل الكراهة: فلأن المختون أكمل طهارة، فالقلفة قد تحبس النجاسة،
стр. 8964
ولأن الإمامة من أرفع مراتب الإسلام، فلا ينبغي أن يؤم إلا أهل الكمال، ومراعاة لخلاف من قال: لا تصح إمامته.
دليل من قال: تصح الإمامة بلا كراهة:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا يحفظ في النصوص النهي عن الائتمام بالأقلف، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
الدليل الثاني:
(ح-٣١٥٢) روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
ولم يذكر الختان من صفات الأئمة، ولا من شروط الإمامة.
الدليل الثالث:
(ح-٣١٥٣) روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي،
عن أبي موسى الأشعري، قال: … إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم (٢).
والأقلف أحدنا.
الدليل الرابع:
أن الأقلف لا يخلو من حالين: إما أن يمكنه كشف القلفة، وغسل النجاسة، فهذا يجب عليه غسلها كما يستنجي من النجاسة، وإن كان مرتقًا لا يقدر على كشفها فهذا معفي
стр. 8965
من إزالتها لعدم الإمكان، وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة والله أعلم (١).
دليل من قال: يكره ترتب الأقلف إمامًا:
لأن تصرف الحاكم ونوابه نيابة عن الأمة وكل من تصرف عن الغير فإنه يجب عليه أن يختار ما فيه الحظ والمصلحة، عملًا بالقاعدة الفقهية: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (٢).
حتى قال مجموعة من الفقهاء: كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة (٣).
ولا شك أن الإمام المختون أكمل من الأقلف من جهتين:
الأولى: من جهة الطهارة، فالقلفة قد تحبس النجاسة.
والثانية: من جهة كون الإمام موضع القدوة، فالصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، والإمامة فيها تعني أن الإمام موضع القدوة لقومه، فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا.
وهي وظيفة النبي محمد ﷺ ، فكان يصلي بأصحابه حضرًا وسفرًا حتى توفاه الله، وهي وظيفة خلفائه في حياته ومن بعده، وقد قال بعض الأئمة بوجوب الختان، فيجب ألا يُختَار للناس إمام راتب إلا الأحسن من المتأهلين.
دليل من قال: لا تصح إمامته:
الدليل الأول:
(ث-٨١٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد،
عن ابن عباس، قال: الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة (٤).