عن قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع، ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر (١).
[سبق تخريج هذه الطرق] (٢).
وجه الاستدلال:
فقد عاب ابن مسعود على عثمان الإتمام بمنى، واسترجع لفعله؛ لمخالفته السنة، ولمخالفته فعل أبي بكر وعمر، وصدرًا من خلافة عثمان ﵃ أجمعين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى خلفه أربعًا، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر.
وتعقب:
استرجاع ابن مسعود إنما كان من أجل ترك السنة، وترك التأسي بالنبي ﷺ وبأبي بكر وعمر، ولولا أن المسافر يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابعوا عثمان، والخلاف ليس في ترك السنن إذا تركها المأموم تبعًا لإمامه وإنما الخلاف إذا علم المأموم أن إمامه فعل أو ترك ما يعتقده المأموم مفسدًا لصلاته.
وله شاهد من فعل ابن عمر:
(ح-٣١٦٣) فقد روى مسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٣).
[سبق تخريجه] (٤).
стр. 8997
الدليل الثاني:
(ح-٣١٦٤) ما رواه أبو داود من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (١).
[منقطع، وروي مرسلًا] (٢).
الدليل الثالث:
ولأن المخالف تصح صلاته لنفسه فصح الاقتداء به في الجملة (٣).
ولأن ما يعتقده المأموم أنه خطأ من الإمام لا يمنع صحة صلاة الإمام، لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ ولو تبين الخطأ للإمام لا يطالب بالإعادة؛ لأنه بني على اجتهاد، وهذا هو فرضه، بخلاف ما لو اعتقد المأموم أن الإمام محدث.
وكل من المأموم والإمام لا يلزمه إلا حكم اجتهاده، فإذا أدى الإمام ما يعتقد أنه يلزمه لم يمنع من الاقتداء به، وإن خالفه المأموم.
ولم يكلف المجتهد بالإصابة؛ وإنما كلف أن يبذل وسعه في معرفة الحق.
وقياسًا على المجتهدين إذا اختلفوا في اتجاه القبلة، فكل واحد من المخالفين له قبلته المأمور باتباعها شرعًا، ولا يمنع ذلك من صحة الاقتداء على الصحيح، وإن كان الصواب واحدًا، فالعبرة في قبلة الاجتهاد هي القبلة الشرعية، وكل واحد من
стр. 8998
المجتهدين قبلته شرعية، وإن كانت مخالفة لاجتهاد الآخر، فتعدد القبلة الشرعية لا يعني تعدد الصواب، فلا نامت أعين المتشنجين من الخلاف الفقهي، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَ﴾.
ومثله دخول رمضان إذا حال معه غيم أو قتر، فإننا نكمل عدة شعبان، وإن كان فيه احتمال أن يكون الشهر قد دخل، فالناس معنيون بدخول الشهر الشرعي، إذا تعذر الدخول الحسي. وقل مثل ذلك في كل مسائل الاجتهاد، فالتكليف في حق الإمام قد يختلف عما هو في حق المأموم، فإذا أدى كل واحد منهما ما يعتقد أنه يلزمه شرعًا صح اقتداء أحدهما بالآخر.
ونوقش:
بأن المجتهدين إذا اختلفا في القبلة فلكل قبلته حتى لو قلنا: يصح الاقتداء به لم يتبعه في قبلته.
ورد:
بأنه ليس المطلوب أن يترك المأموم اجتهاده، فلا يترك ما يعتقده فرضًا، ولا يفعل ما يراه مفسدًا؛ لاجتهاد غيره، وإنما البحث في صحة الاقتداء به، فإذا مس الحنفي ذكره لم يمنع الشافعي والحنبلي من الاقتداء به، وإن كان الشافعي والحنبلي لو مس أحدهما فرجه فسدت صلاته عملًا باعتقاده، وهو لا يلزم الإمام.
الدليل الرابع:
الخلاف الفقهي لم يعصم منه أحد، وهو قدر كوني وشرعي، وإذا كان المخالف متأولًا، وهو من أهل العلم أو كان فرضه التقليد، وقد تقلد قول إمام من أئمة المسلمين لم يمنع ذلك من صحة الاقتداء به، فمنع الاقتداء بسبب الاجتهاد، وأكثر المسائل الفقهية خلافية يؤدي إلى انقسام المجتمع، وتعدد المحاريب، وهي بدعة لم تعرف في الصدر الأول، ولقد كان في عهد قريب أربعة محاريب في المسجد الحرام يصلي فيها أربعة من الأئمة، ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة معه، وكأنهم أصحاب
стр. 8999
أديان مختلفة، فإذا أقيمت الصلاة للحنفية لم يصل معهم من المسلمين الموجودين في الحرم أصحاب المذاهب الأخرى، وخالفوا السنة الصحيحة: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وحديث: (إذا كبر فكبروا) فلو لم يأت من القول بعدم الصلاة خلاف المخالف في الفروع إلا هذه البدعة لكفى، فالفقه السلفي لا يثمر إلا طيبًا.
الدليل الخامس:
نقل المازري الإجماع في صحة الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية (١).
وقال ابن قدامة: ولأن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتم ببعض، مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعًا
ويناقش:
بأن الخلاف محفوظ إلا أن يقصد بالإجماع ما إذا كان الإمام يحتاط في موضع الخلاف، أو كان المأموم لا يعلم أن إمامه قد ارتكب ما يراه مفسدًا، والله أعلم.
الدليل السادس:
إذا صح للقادر أن يصلي خلف العاجز صح اقتداء المخالف بالفروع بجامع العذر، فالعذر الشرعي كالعذر الحسي، فالإمام قد سقط عنه شرعًا ما يعتقده المأموم واجبًا عليه، فليس للمأموم أن يجعل الساقط في حقه واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا على الإمام لأثم بتركه، وإذا رفع الإثم رفع حكمه وهو المنع.
ورفع الإثم كما يكون بالعجز يكون بالتأويل كالمخالف في الفروع.
جاء في المغني: «قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل صلى بقوم، وعليه جلود الثعالب، فقال: إن كان يلبسه وهو يتأول: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) يصلى خلفه.
قيل له، أفتراه أنت جائزًا؟ قال: لا، نحن لا نراه جائزًا، ولكن إذا كان هو يتأول فلا بأس أن يصلى خلفه. ثم قال أبو عبد الله: لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه؟ ثم
стр. 9000
قال: نحن نرى الوضوء من الدم، فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب، ومالك!!» (١).
دليل من قال: لا يصح الاقتداء بالمخالف مطلقًا:
الدليل الأول:
أن الإمام حتى لو أتى بما نشترطه ونوجبه فقد أداه، وهو لا يعتقد وجوبه، فكأنه لم يأت به.
ورد على هذا:
إذا لم يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة، فهنا يصلي المأموم خلفه.
قال ابن تيمية: «باتفاق السلف، والأئمة الأربعة، وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين: فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح، وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى أن يعتد بخلافه، فإنه مازال المسلمون على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض، وأكثر الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون، بل يصلون الصلاة الشرعية، ولو كان العلم بهذا واجبًا لبطلت صلوات أكثر المسلمين، ولم يمكن الاحتياط، فإن كثيرا من ذلك فيه نزاع وأدلة ذلك خفية» (٢).
والنبي ﷺ طلب من المسلمين أن يصلوا كما رأوه يصلي، ولم يطلب منهم اعتقاد حكم أفعال الصلاة، وأن هذا فرض، وهذا مسنون.
الدليل الثاني:
بأن المأموم يعتقد بطلان صلاة إمامه، فكيف يأتم بمن يعتقد أن صلاته فاسدة، كما لو خرجت من أحدهما ريح، واعتقد كل واحد منهما أنها من صاحبه، فإن لكل واحد منهما أن يصلي؛ لاعتقاده صحة صلاته، وليس له أن يأتم بصاحبه لاعتقاده بطلان صلاة صاحبه.
стр. 9001
وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
بأن المجتهدين وإن اختلفا، فإن أحدهما لا يجزم بخطأ صاحبه، وإذا لم يقطع ببطلان صلاة صاحبه لم يمنع ذلك من الاقتداء.
الجواب الثاني:
القياس على خروج الريح قياس غير صحيح؛ فصلاة المحدث باطلة بالاتفاق، والمخالف في مسائل الاجتهاد غير مقطوع ببطلان صلاته بالاتفاق، فافترقا.
الدليل الثالث:
الصواب واحد، وهو لا يتعدد في مسائل الاجتهاد، فليس كل مجتهد مصيبًا، والصواب والظني كالقطعي في حكم الشارع، فإذا غلب على ظنك أن الإمام غير مصيب فلا يجوز لك الاقتداء به كما لو قطعت بخطئه.
وأجيب:
مسألة حكم المجتهد محل خلاف بين المسلمين:
فإن قلنا: كل مجتهد مصيب فواضح، وإن قلنا: المصيب واحد، وهو الراجح، فهو كالمصيب حكمًا وذلك في حط المأثم عنه، وحصول الثواب، وصحة الصلاة لنفسه، فجاز الائتمام به، كما لو لم يترك شيئًا، ولتعذر القطع بصواب أحد المجتهدين.
قال ابن تيمية: «لفظ الخطأ قد يراد به الإثم؛ وقد يراد به عدم العلم.
فإن أريد الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب؛ فإنه مطيع لله ليس بآثم ولا مذموم.
وإن أريد الثاني، فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره؛ ويكون ذلك علمًا بحقيقة الأمر، لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه؛ لكن سقط عنه وجوب اتباعه لعجزه عنه، وله أجر على اجتهاده، ولكن الواصل إلى الصواب له أجران كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران
стр. 9002
وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر)» (١).
دليل من قال: يصح الاقتداء بالمخالف ما لم يرتكب مفسدًا باعتقاد المأموم:
لا يصح الائتمام بالمخالف؛ لأنه يرتكب ما يعتقده المأموم مفسدًا للصلاة، وكون الإمام معذورًا هذا في حق نفسه، لا في حق غيره ممن يرى فعله مفسدًا للصلاة، فلا يصح ائتمامه به، كما لو خالفه في القبلة حال الاجتهاد فيها، فإنه لا يصلي لقبلته اتباعًا لاعتقاد الإمام.
وكيف يصلي الرجل خلف إمام أكل من لحم الإبل ولم يتوضأ، وهو يراه حدثًا؟ فإذا كان الائتمام بالمحدث لا يصح بالإجماع، فالمأموم يراه محدثًا.
وقياسًا على الاختلاف في دخول الوقت، فلو أن الإمام رأى أن وقت الصلاة قد دخل، والمأموم لا يراه قد دخل لم يصح الائتمام به، فكذلك القول في سائر شروط الصلاة وفروضها.
ولذلك النبي ﷺ أمر أبا ذر ﵁ أن يصلي الصلاة لوقتها ولو منفردًا، وإذا حضر إقامة الصلاة معهم صلى وكانت له نافلة، والحديث في مسلم (٢).
فلو كان الاقتداء بالمخالف يصح مطلقًا ولو اختلفا في شروط الصلاة لقال له النبي ﷺ : صل معهم مطلقًا.
ويجاب:
أما الجواب عن الصلاة خلف رجل أكل لحم جزور: فإن الأحداث على قسمين:
حدث متفق عليه، وحدث مختلف فيه.
فالحدث المتفق عليه إذا فعله الإمام لا يجوز الصلاة خلفه قولًا واحدًا، كما لو خرج من الإمام ريح، وعلم ذلك المأموم، ونسي الإمام، فالإمام معذور في دخوله في
стр. 9003
الصلاة وهو محدث، ولكن المأموم ليس معذورًا في الاقتداء به؛ لأن الإمام لو تذكر لوجب عليه إعادة الصلاة، بخلاف الحدث المختلف فيه، ومنه أكل لحم الجزور، فإن الإمام لو تبين له فيما بعد أن القول الراجح أنه حدث لم يكلف بإعادة الصلاة؛ لأن صلاته الأولى كانت باجتهاد شرعي أسقط عنه الوضوء، فصارت طهارته حكمًا طهارة شرعية، وبهذا افترق المتأول عن غيره.
وأما الجواب عن المخالفة في جهة القبلة: فإذا صححنا الاقتداء، فلكل جهته، فيقتدي بالإمام ولو ولاه ظهره إذا أمكن الاقتداء، فليس الخلاف في حمل المأموم على ترك اعتقاده، فالمأموم يجب أن يفعل ما يعتقده واجبًا لصحة صلاته، وكذلك الإمام، واختلافهم فيما يجب لا يمنع من الاقتداء، فعلى كل واحد منهما أن يفعل ما يعتقده فرضه، ويقتدي بالآخر.
وهذا القول يعزز القول بأن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام، وهو مذهب الشافعية، لحديث أبي هريرة في البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (١).
وإذا كان الخطأ الذي يستحق عليه الإمام الإثم لا يمنع من الاقتداء، فما بالك بالخطأ الذي يؤجر عليه الإمام.
قال ابن تيمية: «فهذا نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه، لا على المأمومين» (٢).
وقال ابن المنذر كما في فتح الباري: «هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه» (٣).
وأما الجواب عن الخلاف في دخول الوقت: فإن المانع من الاقتداء ليس مطلق الخلاف بين الإمام والمأموم، وإنما لأن الإمام يرى أن سبب وجوب الصلاة قد
стр. 9004
تحقق، والمأموم لا يرى سبب الوجوب قد انعقد، فالمأموم يرى أن الصلاة لم تجب عليه بعد، فافترقا.
وأما الجواب عن حديث أبي ذر: فإن أئمة الجور يتعمدون تأخير الصلاة عن وقتها تقصيرًا وليس اجتهادًا في عدم خروج الوقت، وليس البحث في أوقات يختلف الفقهاء في وقت خروجها، وإنما الكلام في صلاة يجمع العلماء على خروج وقتها، ثم يتعمد أئمة الجور في إيقاع الصلاة خارج وقتها، فالقول في مثل هذه المسألة كالقول في الخلاف في دخول الوقت، والله أعلم.
دليل من قال: يصح الاقتداء بالإمام الأعظم أو نائبه المخالف دون غيره:
تكلمت على مسألة الصلاة خلف أئمة الجور، وأن عامة المسلمين يرون الصلاة خلفهم لما في ترك الصلاة خلفهم من شق عصى الطاعة.
وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج كما في صحيح البخاري، وصلى خلف نجدة الحروي، وصلى خلف الخشبية، طائفة من الرافضة.
وقال ميمون بن مهران، وقد سئل عن الصلاة خلف الخوارج، فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًا.
وقال الإمام أحمد: حين شاوره بعض الناس في الخروج على الحاكم لنشره القول بخلق القرآن، فأنكر عليهم، وقال: اصبروا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر.
وقد خرجت كل ذلك في مسألة سابقة، فارجع إليه.
الراجح:
أن المخالف في الفروع الظنية القائمة على الاجتهاد لا تمنع من الاقتداء، ولا يلزم الإمام فقه المأموم، ولا العكس، ولكل فقهه وصلاته، ولم يعرف الناس في الصدر الأول هذه المسألة حتى انتشر في الناس التمذهب والتقليد، فصار الجدال بينهم في حكم إمامة الحنفي للشافعي والعكس، فكل من صحت صلاته لنفسه، وهو من أهل الإمامة فإمامته لغيره صحيحة، وإن اختلفا في الفروع.
стр. 9005
وبهذه المسألة أكون قد أنهيت شروط الإمامة بحمد الله وتوفيقه، أسأل الله وحده أن يمن علي بإكمال المشروع فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 9006
الباب الثالث [¬*] في الصفات المستحبة في الإمام
الفصل الأول في استحباب تقديم أولى القوم بالإمامة
(ح-٣١٦٥) روى الإمام مسلم من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج،
عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا. ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه (١).
فالنص ذكر خمس صفات مستحبة في تقديم الإمام على غيره، وأدخل الفقهاء بعض الصفات اجتهادًا منهم:
الأول: تقديم من كان له سلطان في محله، كتقديم الحاكم في ولايته، وصاحب البيت في بيته، والإمام الراتب في مسجده على غيرهم، ولو كان غيرهم أقرأ وأفقه، إذا كان الواحد منهم مستجمعًا لشروط صحة الصلاة، كحفظ مقدار من القراءة، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
قال البغوي والرافعي: ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى من غيره، ثم الأعلى فالأعلى من الولاة، والحكام.
واختلفوا في الأولى بالتقديم الأمير أم صاحب البيت، فكل منهما سلطان، فالأمير له سلطة عامة، وصاحب البيت له سلطة في بيته.
стр. 9007
فقال الجمهور: يقدم السلطان على صاحب البيت، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ونص عليه الإمام أحمد (١).
قال ابن نجيم: «وصاحب البيت أولى بالإمامة إلا أن يكون معه سلطان، أو قاض فهو أولى؛ لأن ولايتهما عامة» (٢).
وقال خليل: «وندب تقديم السلطان، ثم رب منزل» (٣).
وجه تقديم السلطان:
قوله في حديث أبي مسعود السابق: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) (٤).
وقد يقال: كل من السلطان وصاحب البيت له سلطان، فصاحب البيت له سلطان على ماله، وصاحب الولاية له سلطان في ولايته، فتعارضا.
فقالوا في الجواب: أن الإمام ولايته أعم، ولأنه راع، وهو مسؤول عن رعيته، ولأن رب الدار من جملة رعيته، وداخل تحت ولايته، فلا ينبغي أن يتقدم عليه في الإمامة التي هي عمود الولاية.
وقيل: يقدم صاحب البيت؛ اختاره ابن حامد من الحنابلة، ووجه عند الشافعية وصفه النووي بالشذوذ (٥).
стр. 9008
وجهه: أن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة، ولهذا لا يتولى السلطان ولاية النكاح مع وجود الولي الخاص.
وناظر الوقف مقدم على القاضي، والقاضي إنما يستمد ولايته من السلطان العام.
وصاحب البيت في بيته مقدم على الإمام الراتب، وإن كان الإمام الراتب نائبًا عن السلطان، والنصوص الشرعية الخاصة مقدمة على النصوص العامة.
ولأن رب الدار أحق بمنافعها من السلطان، فكان أحق الناس بالإمامة؛ لكون الإمامة تصرفًا فيها، فمن تقدم عليه بلا إذنه فهو في حكم الغاصب، فكما أنه لا يصلى في بيته وفي أرضه بلا إذنه؛ ولا يدخلها أحد إلا بإذن؛ لأنه نوع من التصرف في ملك الغير، فكذلك الشأن في الإمامة.
ويناقش:
قد يقال: هذا يعارضه أن عقد الإمامة العامة عقد مركب من الولاية والوكالة، فما كان تصرفه من باب الولاية، فالسلطان مقدم على غيره؛ ولا يحتاج إذن أحد؛ لأنه يستمد ولايته من الشرع.
وما كان من باب الوكالة، فهو نائب عن الأمة؛ لأن الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد قد أنابته عنها في التصرف.
فالأول: مثل تعيين القضاة، وإقامة الحدود، والصلوات، والإمامة من إقامة الصلاة، فهذا مكلف به شرعًا، فيكون مقدمًا على غيره.
والثاني: مثل التصرف في الأموال العامة فإن تصرفه فيها نائب عن الأمة، ومقيد بالمصلحة؛ لأنه وكيل.
ويناقش:
بأن تصرف السلطان في الإمامة في الملك العام مستفاد من الولاية، فلا يتقدم
стр. 9009
عليه أحد، لكن تصرفه في الإمامة في الملك الخاص يحتاج إلى وكالة من المالك، لأن هذا التصرف في ملك الغير لا يقتضيه عقد الولاية، فكما أنه لا ينازع في ملك بيته، لا ينازعه في التصرف فيها ومنها الإمامة، والله أعلم.
الثانية: إتقان القراءة، فالقراءة منها ما هو فرض، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو شرط، فالفاتحة فرض، وما زاد منها مستحب، وسلامتها من اللحن شرط، والمهارة في القراءة من الصفات المستحبة، وهو أن يكون عالمًا بأحكام التجويد، ومتقنًا لمخارج الحروف.
الثالثة: زيادة الفقه، وهذه من الصفات المستحبة في الإمام.
فالعلم كيف يصلي؟ هذا القدر من العلم فرض، وهو فرض في كل عبادة واجبة على المكلف أن يعلم كيف يؤديها على الوجه الذي تبرأ به ذمته، ويسقط فيها خطاب التكليف، ولا يشترط في العلم التمييز بين الفرض والمستحب إذا أخذ صفة الصلاة عن عالم يقتدى به.
ويدل عليه حديث مالك بن الحويرث، (قال قال رسول الله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي). فلم يأمرهم إلا بفعل ما رأوا، والعلماء نوابه فهم مثله في الاقتداء.
وأما التفقه في أحكام الصلاة والعلم بموطن الإجماع والخلاف والراجح فيه فهذا القدر يدخل في الصفات المستحبة.
الرابعة: تقديم الأقدم هجرة من الصفات المستحبة في الإمام؛ عند الشافعية والحنابلة؛ لحديث أبي مسعود.
وعلاقة هذه الصفة بالإمامة: أن الأقدم هجرة أفضل ممن تأخرت هجرته، ولهذا مدح الله السابقين من المهاجرين، ولأن من سبقت هجرته فقد كثرت طاعاته، وقد يكون أقل جهلًا وأكثر علمًا؛ لأنهم كانوا يهاجرون لتعلم الأحكام.
الخامسة: الأكبر سنًا في الإسلام، لأن الأقدم في الإسلام أعلم بأحكام الشرع، وأكثر عبادة، وأفضل عند الله؛ ولهذا أثنى الله على السابقين من المهاجرين والأنصار، ولأن أكبرهم سنًا يكون أعظم حرمة عادة، ورغبة الناس في
стр. 9010
الاقتداء به أكثر، ويقدم الأحدث سنًا إذا كان أقدم إسلامًا من الشيخ الكبير، لأن رواية (أقدمهم سنًا) قد فسرت بالرواية الأخرى (أقدمهم إسلامًا).
هذه الصفات الأربع نص عليها في حديث أبي مسعود البدري ﵁.
(ح-٣١٦٦) فقد روى مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج،
عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث.
ورواه مسلم، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، عن أبي خالد به، وقال في روايته: فأقدمهم سنًا (١).
وهناك صفات ألحقها الفقهاء بالاجتهاد كالنسب، والورع، والخشوع، وحسن الخلق، وحسن الصوت، واختيار الجماعة.
سوف أناقشها في فصل مستقل عند التزاحم على استحقاق الإمامة إن شاء الله تعالى.
وجميع المذاهب الفقهية لم تلتزم بترتيب حديث أبي مسعود البدري.
فترتيب الصفات المستحبة عند الحنفية: العلم، ثم مهارة القراءة، ثم الورع، ثم السن، ثم حسن الخُلُق، ثم حسن الوجه. إذا اجتمعت هذه الصفات في رجلين: أقرع بينهما أو كان الخيار إلى القوم (٢).
وترتيب الصفات المستحبة عند المالكية: على ما ذكره خليل في مختصره: «زائد فقه، ثم حديث، ثم قراءة، ثم عبادة، ثم بسن إسلام، ثم بنسب، ثم بخلق» (٣).
стр. 9011
وذكرها ابن رشد الجد على نفس الترتيب، إلا أنه لم يذكر منها النسب والخلق (١).
وذكر خليل في التوضيح: «الأفقه، ثم الأورع على الأظهر، ثم الأقرأ، ثم بالسن في الإسلام، ثم بالنسب، ثم بالخلق، ثم باللباس» (٢).
فقدم الورع على القراءة، وأسقط كثرة العبادة.
وترتيبها عند الشافعية: العلم، ثم القراءة، ثم الورع، ثم السن، ثم النسب، ثم الأقدم هجرة، ثم الأنظف ثوبًا وبدنًا وصنعة، ثم الأحسن صوتًا، ثم صورة (٣).
وترتيب الصفات عند الحنابلة: الأقرأ، ثم الأفقه ثم الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم هجرة، ثم الأتقى والأورع وهما سواء، ثم القرعة.
وفي رواية عن أحمد: يقدم من اختاره الجماعة على القرعة.
قال الزركشي: «فإن استووا في التقوى والورع قدم أعمرهم للمسجد، وما رضي به الجيران أو أكثرهم» (٤).
والتقوى: تعني اجتناب الحرمات، والقيام بالواجبات.
والورع: الحرص على اتقاء الشبهات.
والصفتان لهما علاقة في العدالة، إلا أن الورع أكثر عدالة.
فمن رأى أن العدالة شرط فالتقوى لا تدخل في الصفات المستحبة. ومن رأى صحة إمامة الفاسق سيرى التقوى من الصفات المستحبة، وسوف نناقش في المباحث التالية ما زاده الفقهاء من الصفات المستحبة، وأدلتهم على ذلك، والله أعلم.
стр. 9012
الفصل الثاني في تفسير الأقرأ
المدخل إلى المسألة:
الأقرأ أفعل تفضيل مشتق من القراءة، والقارئ: غير الحافظ، ولا يحمل على الحفظ إلا بتأويل، والأصل عدمه.
حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) لا يدل مطلقًا على الأكثر حفظًا، فالقارئ: غير الحافظ.
الأقرأ لغة لا يدل إلا على أحد أمرين: إما الأجود قراءة وإما الأكثر قراءة، والأول هو المعنى المناسب للإمامة.
الرجل قد يكون حافظًا وهو أمي، فأبو هريرة من أكثر الصحابة حفظًا، وهو أمي، والعرب وقت البعثة كانوا يحفظون، وكانوا أميين، وليسوا بقراء.
إتقان القراءة هو ما تحتاج إليه الإمامة احترازًا من اللحن، بخلاف الكثرة إذا لم يكن معها إتقان، فالمقدار المطلوب لصحة الصلاة قدر يسير.
حديث: ليؤمكم أكثركم قرآنًا ظاهره معارض لحديث: (يؤم القوم أقرؤهم)،
قد يقال في الجمع: أن الخطاب للصحابة، والتفاضل بينهم ليس في جودة القراءة؛ لاستوائهم فيها؛ لأن لسانهم عربي، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، فقدم الأكثر قرآنًا بخلاف وقتنا.
[م-١٠٣٨] اختلف العلماء في تفسير الأقرأ في قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
فقيل: المراد بالأقرأ الأجود قراءة بحيث يعرف مخارج الحروف على ما تقتضيه القراءة، فيقدم على الأكثر حفظًا، وهو مذهب الحنفية، وظاهر مذهب المالكية،
стр. 9013
ومذهب الشافعية، والحنابلة (١).
جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: الأقرأ: أي الأعلم بأحكام القراءة، لا مجرد كثرة حفظ دونه (٢).
قال في تحفة المحتاج: «والأوجه أن المراد بالأقرأ الأصح قراءة (٣).
وقيل: المراد بالأقرأ الأكثر حفظًا للقرآن، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٤).
قال في البحر الرائق: «ثم الأقرأ محتمل لشيئين،
أحدهما: أن يكون المراد به أحفظهم للقرآن، وهو المتبادر.
الثاني: أحسنهم تلاوة للقرآن باعتبار تجويد قراءته وترتيلها» (٥).
دليل من قال: المراد بالأقرأ الأجود.
(ح-٣١٦٧) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
стр. 9014
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
فقوله: (الأقرأ) من حيث الدلالة اللغوية لا يدل إلا على أحد أمرين: إما الأجود قراءة، أو الأكثر قراءة، والمعنى الأول هو المناسب للإمامة، ولكنه لا يدل مطلقًا على الأكثر حفظًا.
وجه ذلك أن الأقرأ أفعل تفضيل مشتق القراءة، والقارئ: غير الحافظ، ولا يحمل على الحفظ إلا بتأويل، والأصل عدمه.
ولذلك حين قال جبريل للنبي ﷺ : (اقرأ) قال: ما أنا بقارئ، ولا يقصد ما أنا بحافظ؛ لأن الرجل قد يكون حافظًا وهو أمي، فأبو هريرة أمي، وهو من أكثر الصحابة حفظًا، والعرب وقت البعثة كانوا يحفظون، وكانوا أميين ليسوا بقراء.
ولأن إتقان القراءة هو ما تحتاج إليه الإمامة احترازًا من اللحان، بخلاف الكثرة فالمقدار المطلوب لصحة الصلاة قدر يسير.
دليل من قال: الأقرأ الأكثر حفظًا:
الدليل الأول:
(ح-٣١٦٨) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (٢)، فقال في حديث طويل، وفيه:
لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم
стр. 9015
أكثركم قرآنًا … الحديث (١).
الدليل الثاني:
(ح-٣١٦٩) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة، موضع بقباء، قبل مقدم رسول الله ﷺ ، كان يؤمهم سالم، مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا (٢).
ورواه البخاري من طريق ابن جريج، أن نافعًا أخبره:
أن ابن عمر ﵄ أخبره قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة (٣).
وجه الاستدلال:
قد بين النبي ﷺ في هذين الحديثين أن المراد (بالأقرأ) الأكثر حفظًا، والمعنى الشرعي مقدم على المعنى اللغوي.
والقراءة في الصلاة هي قراءة صدر، وليست قراءة من كتاب حتى يحتاج إلى مهارة القراءة، ولهذا النبي ﷺ هو أقرأ الأمة، وهو أمي، وإذا لم يقصد بالقراءة مهارة القراءة، وإنما قصد بما يقرؤه حفظًا من صدره، لم يمتنع تفسير الأقرأ بالأحفظ، لوجود علاقة بين القراءة والحفظ، وقد تأكد ذلك بالأحاديث المفسرة بكثرة الأخذ للقرآن، والله أعلم.
قال ابن رجب: أكثر الأحاديث تدل على اعتبار كثرة القرآن (٤).
وأجيب:
لا بد من الجمع بين هذين الحديثين، وبين حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) فدلالتهما مختلفة، وقد يقال في الجمع: أن التفاضل بين الصحابة ليس في جودة
стр. 9016
القراءة، لاستوائهم فيها،؛ لأن لسانهم عربي، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، فقدم الأكثر قرآنًا بخلاف وقتنا.
ويجاب:
بأن الخطاب الشرعي عام للصحابة وغيرهم.
الدليل الثالث:
(ح-٣١٧٠) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد … الحديث (١).
ويجاب عن هذا:
هذا يدل على فضيلة حفظ القرآن، وهو متفق عليه، وليس في محل النزاع.
الراجح:
المسألة محتملة، والله أعلم.
стр. 9017
الفصل الثالث في تزاحم الأقرأ والأفقه على الإمامة
المدخل إلى المسألة:
الضابط في الولايات كلها أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها.
الصفة التي هي جزء من ماهية العبادة وركن متكرر فيها أولى بالتقديم من الصفة المتعلقة بحاجتها العارضة، فحاجة الصلاة إلى القارئ مقدم على حاجتها إلى الفقيه؛ لأن القراءة ركن في كل ركعات الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، وأما الحوادث الطارئة على الصلاة والتي قد تحتاج إلى الفقه فهي أمر محتمل.
قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فهذا نص في محل النزاع، وكل نظر مع النص فهو باطل.
حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) ف (أل) في القوم للعموم، يدخل فيه الصحابة دخولًا أوليًّا، ويدخل فيه من أتى من بعدهم، فمن ادعى أن هذا النص خاص بالصحابة، فقد خصص العام بلا دليل.
قوله: (أقرؤهم) نكرة مضافة إلى معرفة فتعم، فتخصيص هذا العام بزمن الصحابة تخصيص بلا دليل.
فهم الصحابة لهذا الحديث مقدم على فهم من جاء بعدهم، فقد قدموا سالمًا مولى أبي حذيفة على جماعة المهاجرين، وفيهم عمر، وقُدِم عمرو بن سلمة وهو صبي على كبار قومه؛ لأنه أكثرهم قرآنًا.
دعوى أن الصحابة كانوا فقهاء، لهذا قدم الأقرأ دعوى لا يصدقها واقع
стр. 9018
الصحابة، فالصحابة لهم شرف الصحبة، وأما القراءة والفقه فهم متفاوتون فيها.
قول النبي ﷺ : (فإن استووا في القراءة فأعلمهم بالسنة) فلم يفاضل بينهم في العلم إلا بشرط التساوي في القراءة، ومنطوقه أن الأجود قراءة مقدم مطلقًا على العلم.
كل مكلف في عبادة فإن يجب عليه أن يتعلم ما يلزمه لأداء هذه العبادة، فمن كان من أهل الزكاة فعليه أن يتعلم ما يجب عليه فيها؛ أو أراد الحج فعليه أن يتعلم ما يجب عليه؛ أو أراد الإمامة فعليه أن يتعلم أحكام فقه صلاته، ولا يلزم من ذلك أن يكون فقيهًا.
[م-١٠٣٩] جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
فذكر الحديث الأسباب التي يتعلق بها التقديم في الإمامة، فذكر منها: القراءة، والعلم، والسبق بالهجرة، والأسن.
فالقراءة والفقه مقدمان على باقي الصفات عند الجمهور؛ لأن الفقه والقراءة يختصان بالصلاة؛ فالقراءة من أركانها، والفقه لمعرفة أحكامها، وأما باقي الصفات فلا تختص بالصلاة، فكان تقديم ما اختص بالصلاة أولى (٢).
ولذلك قال ابن قدامة: «لا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما، واختلف في أيهما يقدم على صاحبه» (٣).
وقالت المالكية: الفقيه، ثم المحدث، ثم المقرئ، مقدمة على باقي الصفات (٤).
стр. 9019
وقوله: (يؤم القوم أقرؤهم) خبر بمعنى الأمر، أي ليؤم القوم، وإذا جاء الأمر بصيغة الخبر فذلك يراد منه توكيده، ومع ذلك فعامة العلماء على أن الأمر ليس من باب الوجوب.
قال البابرتي في العناية: «(يؤم القوم) بمعنى الأمر، والأمر للوجوب، فيكون الترتيب الواقع في الحديث واجب الرعاية سواء كان المراد ما وقع في ظاهره من تقديم الأقرإ، أو ما وقع في الكتاب من تقديم الأعلم بالسنة، وليس كذلك فإن الترتيب المذكور للأفضلية دون الجواز .... وأجيب عن الأول بأنه ليس بمعنى الأمر بل هو صيغة إخبار لبيان المشروعية، وهو حقيقة، فلا يصار إلى المجاز مع إمكان العمل بها، سلمناه، ولكنه للاستحباب بالإجماع» (١).
قال ابن قدامة: «وهذا كله تقديم استحباب، لا تقديم اشتراط، ولا إيجاب، لا نعلم فيه خلافًا، فلو قدم المفضول كان ذلك جائزًا؛ لأن الأمر بهذا أمر أدب واستحباب» (٢).
وقال ابن حزم: «فإن أمَّ أحد بخلاف ما ذكرنا أجزأ ذلك، إلا من تقدم بغير أمر السلطان على السلطان، أو بغير أمر صاحب المنزل على صاحب المنزل، فلا يجزئ هذين ولا تجزئهم» (٣).
وكره ابن المنذر مخالفة السنة مع القول بالإجزاء (٤).
واستدل ابن حزم على أن تقديم الأحق بالإمامة من باب الندب، وليس من باب الفرض لصلاة النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، وصلاته خلف أبي بكر ﵁.
قلت: وصلاة أبي بكر خلف عبد الرحمن بن عوف، فإنه كان معهم في غزوة تبوك.
والفقهاء إذا قالوا يقدم القارئ فالمراد العالم بفقه صلاته في الجملة، وإذا قالوا:
стр. 9020
يقدم الفقيه فهو يشترط أن يكون معه من القرآن ما تصح به الصلاة، وإلا كان أميًّا.
قال الحافظ ابن حجر: «ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقا» (١).
إذا تنبهنا لهذا نأتي إلى حكم المسألة:
فإذا اجتمع قارئان أحدهما أقرأ والآخر أفقه، فأيهما يقدم؟
قيل: يقدم الأفقه على الأقرأ، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ونص عليه الإمام الشافعي، وهو المذهب، ورواية عن أحمد، وبه قال عطاء، والثوري، وأبي ثور (٢).
جاء في المعونة: والفقيه أولى من القارئ (٣).
وقيل: يقدم الأقرأ على الأفقه، اختاره أبو يوسف من الحنفية، وهو وجه عند الشافعية رجحه ابن المنذر، ونص عليه الإمام أحمد في مسائله، وهو المشهور من مذهبه، وبهذا قال إسحاق وابن سيرين والثوري (٤).
وقيل: يستويان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، وهو وجه عند الشافعية (٥).
стр. 9021
دليل من قال: يقدم الأقرأ:
الدليل الأول:
(ح-٣١٧١) روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
الدليل الثاني:
(ح-٣١٧٢) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم.
ورواه مسلم من طريق شعبة، وابن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، عن قتادة به (٢).
وجه الدلالة من الحديثين:
دل هذان الحديثان على تقديم الأقرأ على غيره، حيث بدأ به النبي ﷺ .
قال النووي: قوله: (فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا) (٣).
وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن النبي ﷺ إنما أمر بتقديم القارئ؛ لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقههم، لأنهم كانوا يسلمون كبارًا فيفقهون قبل أن يقرؤوا، فلم يكن فيهم قارئ، إلا وهو فقيه، ومن بعدهم يتعلمون القرآن صغارًا قبل أن يفقهوا، فكان الصحابة إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه.
стр. 9022
(ح-٣١٧٣) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء،
عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ﷺ ، أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل (١).
[المعروف أنه عن أبي عبد الرحمن السلمي عن قوم أخبروه أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن موقوفًا عليهم] (٢).
стр. 9023
ورد هذا بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) ف (أل) في القوم للعموم، يدخل فيه الصحابة دخولًا أوليًّا، ويدخل فيه من أتى من بعدهم، فمن ادعى أن هذا النص خاص بالصحابة فقد خصص العام بلا دليل.
وقوله ﷺ (أحقهم أقرؤهم) ف (أقرؤهم) نكرة مضافة إلى معرفة، فتفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ ف (نعمة) وإن كانت مفردة لكن لما كانت مضافة أفادت العموم، ولهذا قال: لا تحصوها؛ لكثرتها، فتخصيص هذا العام بزمن الصحابة تخصيص بلا دليل.
الوجه الثاني:
في الحديث ما يبطل هذا التأويل؛ فالنبي ﷺ قال: (فإن استووا في القراءة فأعلمهم بالسنة) فلم يفاضل بينهم في العلم إلا بشرط التساوي في القراءة، ومفهومه: أن الأجود قراءة مقدم مطلقًا على العلم، ولو قدم القارئ لزيادة علم؛ لما نقلهم عند التساوي فيه إلى الأعلم بالسنة، ولو كان العلم بالفقه على قدر القراءة للزم من التساوي في القراءة التساوي في العلم (١).
قال الصنعاني: «والأقرأُ على ما فسَّروهُ بهِ هوَ الأعلمُ بالسنةِ، فلو أُريدَ بهِ ذلك
стр. 9024
لكانَ القسمانِ قسمًا واحدًا» (١).
ورد على هذا الوجه:
قال في العناية: «المراد (أقرؤهم): أي أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة. وقوله: (أعلمهم بالسنة): أي أعلمهم بأحكام كتاب الله والسنة؛ لأنه قال: فإن تساووا في العلم بأحكام كتاب الله، فأعلمهم بالسنة، فعلم أن قوله أعلمهم بالسنة هو أعلمهم بكتاب الله والسنة، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول» (٢).
وأجيب على هذا الرد:
ويلزم على هذا التأويل أن يكون الأعلم بالكتاب فقط مقدم على الأعلم بالكتاب والسنة، وهذا بعيد.
الوجه الثالث:
دعوى أن الصحابة كان أقرؤهم أفقههم يرده قول النبي ﷺ في حديث أنس: (أقرؤكم أبي، وأقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم زيد بن ثابت)، فقد فضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة، وفضل بالقراءة من هو مفضول بالقضاء والفرائض وعلم الحلال والحرام (٣).
[حديث أنس المحفوظ أنه مرسل] (٤).
стр. 9025
فدل على أن الصحابة يتفاضلون في الفقه كما يتفاضلون بالقراءة، فتقديم النبي للأقرأ لا يدل على تساويهم في الفقه.
الجواب الثاني:
وبعضهم أجاب بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ القرآن قليلا، وقد قدم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم
стр. 9026
المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة؛ لعدم الحفاظ حينئذ (١).
ورد هذا:
بأن قوم عمرو بن سلمة من مسلمة الفتح، وليس في أول الإسلام، وخطاب النبي ﷺ لقومه: (وليؤمكم أكثركم قرآنًا) لهم ولغيرهم من الأمة.
الدليل الثالث:
(ح-٣١٧٤) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته، فقال في حديث طويل، وفيه:
لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين … الحديث (٢).
(ح-٣١٧٥) وروى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة، موضع بقباء، قبل مقدم رسول الله ﷺ ، كان يؤمهم سالم، مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا (٣).
ورواه البخاري من طريق ابن جريج، أن نافعًا أخبره:
أن ابن عمر ﵄ أخبره قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة (٤).
стр. 9027
وجه الدلالة:
فهم الصحابة للحديث مقدم على فهم من بعدهم، فإجماع كبار الصحابة القرشيين وفيهم عمر على تقديم سالم مولى أبي حذيفة عليهم؛ لكونه أكثرهم قرآنًا. كما قدموا عمرو بن سلمة للإمامة، وهو ابن ست أو سبع سنين امتثالًا لأمر النبي ﷺ حين أمرهم بقوله: (وليؤمكم أكثركم قرآنًا)، وهو نص في محل النزاع.
وإمامة عمرو بن سلمة لقومه استمرت إلى وفاة النبي ﷺ ، فيبعد أن يكون النبي ﷺ لم يبلغه ذلك، مع حرصه على تفقد أحوال أمته، ولقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه تعيين الأئمة، ويوصيهم بالتخفيف، ولو سلمنا أنه لم يثبت إقرار النبي ﷺ فقد اطلع عليه الله، وأقره، كما احتج جابر بإباحة العزل بقوله ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، وإذا لم يثبت إقرار الله، ولا إقرار النبي ﷺ ، فهذا اجتهاد جماعي من هؤلاء الصحابة، وقد كانوا بممر الناس، فكانوا يصلون معهم، ولم يعترض عليهم أحد، لا زمن التشريع، ولا زمن خلافة أبي بكر، ولا زمن خلافة عمر ﵁ حتى بلغ الصبي في عهد عمر ﵁، واستمر إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فكان إجماعًا سكوتيًا، فهو أبلغ من قول يؤثر عن واحد من الصحابة، قد لا يعلم به أحد.
فالحديث نص على أن تقديم عمرو بن سلمة؛ لكونه أكثرهم قرآنا، فوالده
стр. 9028
والوفد الذي كان معه إلى النبي ﷺ حملوا لقومهم أمر النبي ﷺ : (ليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني)، ولم يقل: فنظروا فلم يكن أحد يقرأ القرآن غيري بدليل أن الذي حمل لهم صفة الصلاة، وعلمهم كيف يتوضؤون وكيف يصلون الصلاة في أوقاتها وقد جاءوا من النبي ﷺ لابد أنه كان معه من القرآن ما تصح به صلاتهم، ولكن كان الأمر النبوي بتقديم الأكثر قرآنًا، وفهموا من العموم أن ذلك يشمل الصغير، فلم يكن الفقيه مزاحمًا للقارئ، ولو كان صبيًّا.
دليل من قال: يقدم الأفقه على الأقرأ:
الدليل الأول:
(ح-٣١٧٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس … الحديث. ورواه البخاري ومسلم من طريق ابن نمير، عن هشام به (١).
وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري. رواه الشيخان من حديث زائدة، عن عبد الملك بن عمير، حدثني أبو بردة، عن أبي موسى (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ قدم أبا بكر ﵁، ومعلوم أن في الصحابة من هو أقرأ من أبي بكر، لا سيما أبي بن كعب.
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
إذا فسرتم الأقرأ بالأفقه يلزم منه أن من نص النبي ﷺ على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان؛ لأنه الأفقه، وهذا
стр. 9029
على فرض ثبوت (أقرؤهم أبي بن كعب) (١).
الجواب الثاني:
حين قدم النبي ﷺ أبا بكر ليصلي بالناس دلَّ ذلك على أحد ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يكون أراد بذلك التنبيه إلى أحقيته بالخلافة، بالإيماء، وليس بالنص، حتى قال بعض الصحابة: رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا، وهذا هو رأي الإمام أحمد، ونائب الإمام في الصلاة حكمه حكم الإمام، لا يشترط في تقديمه أن يكون الأقرأ.
قال الخلال: «أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: حديث النبي ﷺ : (قدموا أبا بكر يصلي بالناس)، هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم).
فقال يعني الإمام أحمد: إنما قوله لأبي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة، إنما أراد الخلافة بذلك، وقد كان لأبي بكر فضل بيِّن على غيره، وإنما الأمر في القراءة، فأما أبو بكر، فإنما أراد به الخلافة، ثم قال أبو عبد الله: ألا ترى أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان يؤمهم؛ لأنه جمع القرآن، وحديث عمرو بن سلمة أمهم للقرآن» (٢).
الأمر الثاني: أن يكون ذلك دليلًا على أن أبا بكر أجود الصحابة قراءة؛ لأنه تطبيق عملي لحديث أبي مسعود: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فلا يتصور أن النبي ﷺ يشرع للأمة بتقديم الأقرأ، ثم يخالف ذلك، وحديث: (أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) مرسل، فلا حجة فيه، ولا يستغرب أن يحوز أبو بكر هذه الفضيلة، فقد كان سباقًا للمكرمات مسارعًا في الخيرات حتى كان أفضل الأمة، بل وأفضل الناس بعد الرسل والأنبياء.
(ح-٣١٧٧) روى مسلم من طريق أبي حازم الأشجعي،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال
стр. 9030
أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة (١).
وتصدق أبو بكر بماله كله، وحين قال له النبي ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا أسابقك إلى شيء أبدًا (٢).
وحري بأبي بكر ﵁ ألا يسبقه أحد من الصحابة في كتاب الله.
الأمر الثالث: لو فرض أن أبا بكر ليس أجود الصحابة قراءة، فلا يمنع أن يكون المراد بالأقرأ الأكثر قرآنًا، وهو أحد القولين في تفسير الأقرأ، وبهذا التفسير لا يكون هناك فرق بين أبي بن كعب وأبي بكر ﵄.
قال ابن رجب: «منع بعضهم أن يكون أبي بن كعب أقرأ من أبي بكر، لأن المراد بالأقرإ في الإمامة الأكثر قرآنا. وقال: كان أبو بكر يقرأ القران كله، فلا مزية لأبي بن كعب عليه في ذلك، وامتاز أبو بكر بالعلم والفضل» (٣).
ولا يمنع أن تكون الثلاثة الأمور هذه قد اجتمعت في أبي بكر، فهو الأحق بالخلافة، وهو الأجود قراءة، وهو الأكثر قرآنًا، ولا تعارض بينها.
ورد هذا:
بأن النبي قدم أبا بكر خليفة عنه في الصلاة؛ لعلمه وفضله، وليس إشارة لكونه خليفته من بعده، بدليل أنه كان يقدمه في صحته وقوته.
(ح-٣١٧٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف
стр. 9031
ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة .... الحديث (١).
قال العثماني التهاوني: «فهل كان تقديمه ﷺ أبا بكر في هذه الواقعة للإشارة إلى استخلافه؟ كلا! بل إنما قدمه لكونه أفضل من الجميع، وأولى بها منهم، كيف ولم يثبت أنه ﷺ قدم أحدًا على أبي بكر في سائر عمره وأبو بكر في القوم، ولا ثبت ذلك عن أصحابه أيضًا، وهل ذلك إلا لكون الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من غيره؟ وكيف يظن برسول الله ﷺ أنه يغير أمرًا من أحكام الصلاة لمجرد الإشارة إلى الاستخلاف مع إمكان تلك الإشارة بدون ذلك التغيير أيضًا؟! بل إنما كان ذلك لكون أبي بكر أحق بها من غيره … » (٢).
وتعقب:
كون أبي بكر وحده دون غيره ينوب عن النبي ﷺ في غيابه حتى ولو كان ذلك في صحته فذلك دليل على أنه الأولى في خلافته، فأبو بكر ﵁ كان يخلف النبي ﷺ بصفته نائبًا عن الأمام الأعظم في وظيفته، ومنها إقامة الصلاة، لكنه يتأكد ذلك حين يأمرهم في مرضه أن يأمروا أبا بكر أن يصلي في الناس، فيراجعونه في ذلك مرة ومرتين ليكلف غيره، فيأبى ويصر أن الذي ينوب عنه في الصلاة هو أبو بكر، فذلك قرينة على أنه خليفته من بعده، ونائب الإمام أولى بإمامة الصلاة، ولو كان غيره أقرأ منه، والله أعلم.
(ح-٣١٧٩) وقد روى البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم،
عن أبيه قال: أتت النبي ﷺ امرأة فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت،
стр. 9032
قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر (١).
(ح-٣١٨٠) وروى مسلم من طريق الزهري، عن عروة،
عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٢).
(ح-٣١٨١) وروى الإمام أحمد من طريق زائدة، عن عاصم، عن زر،
عن عبد الله، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير. فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (٣).
[صحيح] (٤).
стр. 9033
الدليل الثاني:
(ح-٣١٨٢) روى الحاكم في المستدرك من طريق الحجاج (هو ابن أرطاة)، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَجٍ،
عن عقبة بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الدين سواء، فأقرؤهم للقرآن، ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه (١).
[منكر] (٢).
стр. 9034
الدليل الثالث:
(ح-٣١٨٣) ما روه مسلم من طريق عبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر،
عن أبي مسعود قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا! (١).
وجه الاستدلال:
قال في إعلاء السنن: محل الاستشهاد فيه قوله ﷺ : (وليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وهم العقلاء العلماء، ولم يقل رسول الله ﷺ : وليلني منكم من كان أقرأ للقرآن، وهو يدل على أن العقلاء العلماء أقرب إلى النبي ﷺ من غيرهم، ولا يخفى أن النبي: هو الإمام الكامل حقيقة، وغيره من الأئمة نواب له ﷺ ، فأولى الناس بنيابته من كان أقرب إليه، فثبت
стр. 9035
به تقديم الأعلم الأفقه على غيره، وهو ظاهر غير خفي (١).
ونوقش هذا:
(أولوا الأحلام) نص على أن يليه كبار أصحابه، لكن ما العلة في كون الكبار وحدهم دون الصغار مأمورين بأن يكونوا قريبين من النبي ﷺ فحمله على الفقهاء فقط تحكم، وأقرب ما يكون العلة في ذلك حاجة الإمام إليهم، والإمام يحتاج إليهم في أمرين:
إما في الفتح عليه إذا التبست عليه القراءة أو وقع في سهو، وإما في الاستخلاف لو طرأ عليه ما يوجب الاستخلاف، والأول مختص بالقراء، والثاني يشمل القراء وغيرهم.
الدليل الرابع:
أن المقدار الذي تفتقر إليه الصلاة من القراءة قد استوى فيه القارئ والفقيه، وصلاة القوم مبنية على صلاة الإمام صحة وفسادًا فتقديم من هو أعلم بأحكامها أولى إذا علم من القراءة قدر ما تقوم به فريضة القراءة؛ لأنه لا يؤمن أن يطرأ فيها على الإمام ما لا يعلم حكمه القارئ فيفسدها؛ فالواجب من القراءة محصور ويتعلق بركن واحد من الصلاة، والوقائع الحادثة في الصلاة غير محصورة، ويحتاج إليه لجميع أركان الصلاة وشروطها ومستحباتها، فكانت الحاجة إلى الفقه أهم.
ونوقش هذا:
الجواب الأول:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، فالنص من الشارع: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فلا اجتهاد مع النص.
الجواب الثاني:
الصفة التي هي جزء من ماهية العبادة وركن متكرر فيها أولى بالتقديم من الصفة المتعلقة بحاجتها العارضة، فالقارئ مقدم على الفقيه؛ لأن القراءة ركن في كل ركعات الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، وأما الحوادث الطارئة على الصلاة