← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة .... الحديث (١). قال العثماني التهاوني: «فهل كان تقديمه ﷺ أبا بكر في هذه الواقعة للإشارة إلى استخلافه؟ كلا! بل إنما قدمه لكونه أفضل من الجميع، وأولى بها منهم، كيف ولم يثبت أنه ﷺ قدم أحدًا على أبي بكر في سائر عمره وأبو بكر في القوم، ولا ثبت ذلك عن أصحابه أيضًا، وهل ذلك إلا لكون الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من غيره؟ وكيف يظن برسول الله ﷺ أنه يغير أمرًا من أحكام الصلاة لمجرد الإشارة إلى الاستخلاف مع إمكان تلك الإشارة بدون ذلك التغيير أيضًا؟! بل إنما كان ذلك لكون أبي بكر أحق بها من غيره … » (٢). وتعقب: كون أبي بكر وحده دون غيره ينوب عن النبي ﷺ في غيابه حتى ولو كان ذلك في صحته فذلك دليل على أنه الأولى في خلافته، فأبو بكر ﵁ كان يخلف النبي ﷺ بصفته نائبًا عن الأمام الأعظم في وظيفته، ومنها إقامة الصلاة، لكنه يتأكد ذلك حين يأمرهم في مرضه أن يأمروا أبا بكر أن يصلي في الناس، فيراجعونه في ذلك مرة ومرتين ليكلف غيره، فيأبى ويصر أن الذي ينوب عنه في الصلاة هو أبو بكر، فذلك قرينة على أنه خليفته من بعده، ونائب الإمام أولى بإمامة الصلاة، ولو كان غيره أقرأ منه، والله أعلم. (ح-٣١٧٩) وقد روى البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أتت النبي ﷺ امرأة فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت،

стр. 9032

قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر (١). (ح-٣١٨٠) وروى مسلم من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٢). (ح-٣١٨١) وروى الإمام أحمد من طريق زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير. فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (٣). [صحيح] (٤).

стр. 9033

الدليل الثاني: (ح-٣١٨٢) روى الحاكم في المستدرك من طريق الحجاج (هو ابن أرطاة)، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَجٍ، عن عقبة بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الدين سواء، فأقرؤهم للقرآن، ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه (١). [منكر] (٢).

стр. 9034

الدليل الثالث: (ح-٣١٨٣) ما روه مسلم من طريق عبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا! (١). وجه الاستدلال: قال في إعلاء السنن: محل الاستشهاد فيه قوله ﷺ : (وليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وهم العقلاء العلماء، ولم يقل رسول الله ﷺ : وليلني منكم من كان أقرأ للقرآن، وهو يدل على أن العقلاء العلماء أقرب إلى النبي ﷺ من غيرهم، ولا يخفى أن النبي: هو الإمام الكامل حقيقة، وغيره من الأئمة نواب له ﷺ ، فأولى الناس بنيابته من كان أقرب إليه، فثبت

стр. 9035

به تقديم الأعلم الأفقه على غيره، وهو ظاهر غير خفي (١). ونوقش هذا: (أولوا الأحلام) نص على أن يليه كبار أصحابه، لكن ما العلة في كون الكبار وحدهم دون الصغار مأمورين بأن يكونوا قريبين من النبي ﷺ فحمله على الفقهاء فقط تحكم، وأقرب ما يكون العلة في ذلك حاجة الإمام إليهم، والإمام يحتاج إليهم في أمرين: إما في الفتح عليه إذا التبست عليه القراءة أو وقع في سهو، وإما في الاستخلاف لو طرأ عليه ما يوجب الاستخلاف، والأول مختص بالقراء، والثاني يشمل القراء وغيرهم. الدليل الرابع: أن المقدار الذي تفتقر إليه الصلاة من القراءة قد استوى فيه القارئ والفقيه، وصلاة القوم مبنية على صلاة الإمام صحة وفسادًا فتقديم من هو أعلم بأحكامها أولى إذا علم من القراءة قدر ما تقوم به فريضة القراءة؛ لأنه لا يؤمن أن يطرأ فيها على الإمام ما لا يعلم حكمه القارئ فيفسدها؛ فالواجب من القراءة محصور ويتعلق بركن واحد من الصلاة، والوقائع الحادثة في الصلاة غير محصورة، ويحتاج إليه لجميع أركان الصلاة وشروطها ومستحباتها، فكانت الحاجة إلى الفقه أهم. ونوقش هذا: الجواب الأول: أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، فالنص من الشارع: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فلا اجتهاد مع النص. الجواب الثاني: الصفة التي هي جزء من ماهية العبادة وركن متكرر فيها أولى بالتقديم من الصفة المتعلقة بحاجتها العارضة، فالقارئ مقدم على الفقيه؛ لأن القراءة ركن في كل ركعات الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، وأما الحوادث الطارئة على الصلاة

стр. 9036

والتي قد تحتاج إلى الفقه فهي أمر محتمل، قد يحصل، فلا يفوت المحقق للمتوهم، وليست كل الحوادث التي تعرض للصلاة من الأمور الدقيقة التي تحتاج إلى تعمق في الفقه، وأحكام سجود السهو يدركه أكثر المصلين، والمسلمون في القرى والهجر يقيمون الصلاة مع ندرة الفقهاء، ولم تتعطل الصلاة. الجواب الثالث: كل مكلف في عبادة فإنه يجب عليه أن يتعلم ما يلزمه لأداء هذه العبادة، فمن كان من أهل الزكاة فعليه أن يتعلم أحكام الزكاة؛ ليعلم ما يجب عليه، ومن أراد أداء الحج فعليه أن يتعلم أحكام الحج؛ حتى يؤديه على الصفة التي تبرؤ به ذمته، ومن أراد أن يصلي إمامًا بالمسلمين فعليه أن يتعلم أحكام فقه صلاته، ولا يلزم من ذلك أن يكون فقيهًا في غير ما يجب عليه، ولا يشترط أن يبلغ منزلة المجتهدين. الراجح: تقديم الأقرأ على الأفقه، يرجع إلى فضل وشرف المقروء.

стр. 9037

الفصل الرابع إذا استويا في القراءة والفقه المدخل إلى المسألة: الصفات التي تستحق فيها الإمامة منها ما فيه نص من الشارع كالقراءة والعلم والهجرة والسن؛ لحديث أبي مسعود، ومنها ما ألحقت بالاجتهاد كالورع، والخشوع والنسب وحسن الصوت. ينبغي أن يكون ما ألحق من باب الاجتهاد لا يزاحم المنصوص في الترتيب. أدخل الجمهور النسب من صفات التفاضل على الإمامة قياسًا على الإمامة العظمى. إذا كان مستند المسألة القياس، فهذا اعتراف أن استحقاق الإمامة بالنسب لا نص فيه؛ لأن حقيقة القياس: قياس فرع لا نص فيه على أصل فيه نص؛ لعلة جامعة. القياس على الإمامة العظمى قياس مع الفارق، فالعبد والصبي لا يصلحان للإمامة العظمى، بخلاف إمامة الصلاة على الصحيح، فقد قدم الصحابة سالمًا، وهو من الموالي، وقدموا عمرو بن سلمة، وهو من الصبيان. العلة في تقديم قريش للإمامة العظمى فذلك لأن الناس تبع لهم؛ لقوتهم ومنعتهم ولذلك دخلت القبائل في الإسلام بعد فتح مكة، وهذا المعنى غير موجود في الإمامة الصغرى. لم يذكر الحنفية والمالكية الأقدم هجرة من صفات استحقاق الإمامة في مخالفة صريحة لحديث أبي مسعود البدري مع أن المالكية لا يرون الهجرة قد انقطعت بفتح مكة. [م-١٠٤٠] إذا استويا في القراءة والفقه: فقال الحنفية والشافعية بعد الأفقه والأقرأ يقدم الأورع، ثم الأسن، وفسروه

стр. 9038

بالأقدم إسلامًا، لا بكِبَر السن، وهذا المقدار اتفق عليه الحنفية والشافعية: ثم زاد الحنفية: أحسنهم خلُقًا، ثم أحسنهم وجهًا. وزاد الشافعية بعد الأسن: الأنسب، ثم الأقدم هجرة، ثم الأنظف ثوبًا وبدنًا وصنعة، ثم الأحسن صوتًا، ثم صورة (١). وقال المالكية: بعد الأفقه والأعلم بالحديث والأقرأ، يقدم الأكثر عبادة، ثم الأقدم إسلامًا، ثم ذو النسب، ثم ذو الخلق (٢). وقيل: يقدم الأورع مطلقًا حتى على الأفقه والأقرأ، وهو قول للمالكية، ووجه للشافعية اختاره جماعة. وهذا مصادم للنص (٣). وقال الحنابلة: بعد الأقرأ والأفقه يقدم الأسن، ثم الأشرف، وهو القرشي، ثم الأقدم هجرة، ثم الأتقى والأورع وهما سواء، ثم القرعة (٤). والمراد بالورع: من يتقي الشبهات زاد بعضهم: خوفًا من الله.

стр. 9039

والتقي: من يجتنب المحرمات. فالتقوى: متحقق السبب، والورع مظنون السبب. دليل الحنابلة على تقديم الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم هجرة بعد الأقرأ والأفقه: الدليل الأول: (ح-٣١٨٤) روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم (١). ورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة به، قال الحذاء: وكانا متقاربين في القراءة (٢). وجه الاستدلال: قوله: (فليؤمكم أكبركم)، فيه دليل أن الإمامة تستحق بالسن إذا كان معه قراءة وعلم، وتخصيص السن بالذكر؛ لأنهم هاجروا إلى المدينة معًا، وصحبوا رسول الله ﷺ عشرين ليلة معًا، فاستووا في الأخذ عنه قراءة وفقهًا، فلم يبق ما يتفاضلون به إلا السن، وهذا ما جعل الراوي خالد الحذاء يقول: وكانا متقاربين في القراءة. قال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أنهم إذا استووا في القراءة والفقه والفضل، فالأسنُّ أولى بالتقديم ..... » (٣). ويناقش: لا إشكال في إدخال السن من الأوصاف التي تستحق بها الإمامة، لكن الاعتراض على تقديم الأسن والقرشي على الأقدم هجرة، فحديث أبي مسعود جعل الأقدم هجرة قبل التفاضل بالسن، وإنما لم تعتبر الهجرة في حق مالك بن الحويرث ورفقته؛ لأنه لم يثبت في حقهم هجرة، وصحبوا رسول الله ﷺ عشرين ليلة معًا، فاستووا في الأخذ عنه قراءة وفقهًا، فلم يبق ما يتفاضلون به إلا السن.

стр. 9040

والحنفية رأوا أن الهجرة قد نسخت، فلم تبق من صفات استحقاق الإمامة (١). والمالكية لم يذكروا الأقدم هجرة من صفات التفاضل على الإمامة، والحنابلة والشافعية هم من ذكروا التفاضل بالأقدم هجرة، والخطأ الذي وقعوا فيه إنما هو بتقديم السن والنسب على الأقدم هجرة في مخالفة صريحة لحديث أبي مسعود. والهجرة لم تنقطع بفتح مكة، فما زال في هذا العالم دار كفر ودار إسلام، فالهجرة مشروعة، وإن كانت قد تعقدت في هذا العصر بسبب تحول دار الإسلام إلى دويلات قومية، وصار الناس يفتخرون بالانتساب إلى مسميات لم تعرف في الشريعة، فالمسلمون لم يكن الخطاب لهم في القرآن ولا في السنة بعرقهم فلا يخاطبهم الله يا أيها العرب، ولم يخاطبهم نسبة إلى أماكن إقامتهم، فيخاطب اليماني والعراقي والحجازي والمصري بالمصريين والعراقيين، وإنما يخاطبهم بالمسلمين، وأنهم أمة واحدة عربًا كانوا أم عجمًا، لا فضل لعربي على أعجمي ولا العكس إلا بالتقوى. الدليل الثاني: (ح-٣١٨٥) روى مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث. ورواه مسلم، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، عن أبي خالد به، وقال في روايته: فأقدمهم سنًا (٢). وتابع الأشجَّ كل من معمر والثوري وفضيل بن عياض، وجرير وغيرهم (٣).

стр. 9041

كما تابع أبا خالد الأحمر من هذا الوجه أبو معاوية (١). وجه الاستدلال: أن الترتيب بعد الأقرأ والأعلم هو الأسن في الإسلام، وجه تقديم الأسن على الأقدم هجرة مع مخالفته لحديث أبي مسعود (فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلمًا، وفي رواية لمسلم: فأقدمهم سنًا). قالوا: لأن الأسن أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء، وهو مقصود في الصلاة قطعًا، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فقدم به على الشرف والهجرة؛ إذ لا تعلق لهما بمعنى في الصلاة (٢). ونوقش هذا: أولًا: هذا من غريب الاستدلال، أن يستدل بآية لم يكن سياقها في الصفات التي تستحق بها الإمامة، وهي عامة في المصلي مأمومًا كان أم إمامًا، ويترك حديث سيق مرتبًا حسب الأولوية لما تستحق به الإمامة، فيؤخر ما نص الشارع على تقديمه ويقدم السن والنسب على الهجرة في مخالفة صريحة لحديث أبي مسعود البدري. ثانيًا: الخشوع لم يذكر من صفات استحقاق الإمامة، فلو كانت كثرة الخشوع من صفات التفاضل لذكر. ثالثًا: إذا كان التفاضل في الخشوع فليكن هو سبب التفاضل، وليس مبنيًّا على السن الذي هو مظنة الخشوع، فالخشوع عمل القلب، وتفاوت الناس فيه ليس مرده إلى السن، وإنما مرده إلى استحضار عظمة الله، وأن المصلي يقف بين يديه، وإفراغ القلب من الصوارف وتدبر المصلي ما يقرأ، والحرص على النوافل القبلية، فقد يكون الشاب أكثر خشوعًا من الشيخ. رابعًا: حديث أبي مسعود يدل على أن اعتبار كبر السن ليس من أجل كثرة الخشوع، وإنما مرد ذلك إلى قدم الإسلام، فجاء عند مسلم: (فأقدمهم سنًا)، وفي رواية عنده:

стр. 9042

(فأقدمهم سلمًا)، فهذه الرواية تفسر المراد من كبر السن، لأن الأقدم في الإسلام أعلم بأحكام الشرع، وأكثر عبادة، وأفضل عند الله؛ ولهذا لو كان الأحدث سنًا أقدم إسلامًا لكان أولى بالإمامة، والله أعلم. خامسًا: المشهور عند متأخري الحنابلة مخالف لظاهر كلام الإمام أحمد، جاء في شرح الزركشي على الخرقي: «ظاهر كلام أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه يقدم الأقدم هجرة، ثم الأسن، ثم الأشرف، وهو اختيار الشيخين، لحديث أبي مسعود، فإنه ﷺ قدم فيه بعد القراءة والفقه: الأقدم هجرة، ثم الأسن» (١). وقال ابن قدامة: «والصحيح، الأخذ بما دل عليه حديث النبي ﷺ في تقديم السابق بالهجرة، ثم الأسن؛ لتصريحه بالدلالة، ولا دلالة في حديث مالك بن الحويرث على تقديم الأسن؛ لأنه لم يثبت في حقهما هجرة ولا تفاضلهما في شرف» (٢). دليل من اعتبر الأشرف نسبًا من صفات استحقاق الإمامة: استحقاق الإمامة بالنسب نص عليه المالكية والشافعية والحنابلة خلافًا للحنفية (٣). وجعلوا التفاضل في النسب بعد التساوي في السن، وهو الجديد في مذهب الشافعي. وفي القديم للشافعي: النسب مقدم، ثم الهجرة بعده، ثم السن (٤). والمقصود بالأشرف: قال في الفروع: المراد به القرشي. وقال في مجمع البحرين تقديم الأقرب فالأقرب من النبي ﷺ ، فيقدم العرب على غيرهم، ثم قريش، ثم بنو هاشم (٥).

стр. 9043

والدليل على التقديم بالنسب: (ح-٣١٨٦) ما رواه البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال كان محمد بن جبير بن مطعم، يحدث عن معاوية، أنه قال وهو عنده في وفد من قريش: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين (١). (ح-٣١٨٧) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (٢). قال النووي: «هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم» (٣). فأدخل الجمهور النسب من صفات التفاضل على الإمامة الصغرى قياسًا على الإمامة العظمى. وإذا كان مستند المسألة القياس، فهذا اعتراف أن استحقاق الإمامة بالنسب في الإمامة لا نص فيه؛ لأن حقيقة القياس: قياس فرع لا نص فيه على أصل فيه نص؛ لعلة جامعة. فيكون إدخال هذا الوصف في التفاضل هو من باب الاجتهاد، فالأوصاف في استحقاق الإمامة: منه ما نص عليه الشارع، ومنه ما ألحق بالمنصوص اجتهادًا من الفقهاء، وينبغي أن يكون ما ألحق من باب الاجتهاد لا يزاحم المنصوص في الترتيب، فلا يتقدم على الهجرة ولا على السن؛ لأن هذين الوصفين قد نص عليهما في حديث أبي مسعود البدري، فكيف يتقدم ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص. ثم يبقى النظر في هذا الاجتهاد، أهو مسلم، أم فيه مجال للأخذ والرد؟ والذي أميل إليه أن مذهب الحنفية أقوى، فإن القياس على الإمامة العظمى قياس مع الفارق، فالعبد والصبي لا يصلحان للإمامة العظمى، بخلاف إمامة الصلاة،

стр. 9044

فقد قدم الصحابة سالمًا، وهو من الموالي، وقدموا عمرو بن سلمة، وهو من الصبيان. والعلة في تقديم الإمامة في قريش فذلك لأن الناس تبع لهم؛ لقوتهم ومنعتهم، ولذلك كان العرب لم يبادروا بالدخول في الإسلام حتى فتحت مكة، كما في حديث عمرو بن سلمة في البخاري، قال: (لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم … ) (١)، وهذا المعنى ليس موجودًا في الإمامة الصغرى، ولذلك لم ينص النبي ﷺ على النسب في صفات استحقاق الإمامة، والله أعلم. دليل من قال: يقدم الأورع مطلقًا حتى على الأفقه والأقرأ: قالوا: مقصود الصلاة الخشوع ورجاء إجابة الدعاء والأورع أقرب إلى الخشوع من غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ويجاب: الآية الكريمة عامة لم يكن سياقها في استحقاق الإمامة، وحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) خاص في الإمامة، ولا يقدم العام على الخاص. دليل من جعل الورع من صفات استحقاق الإمامة: جعل الحنفية والشافعية الورع رتبة بعد الفقه والقراءة، وجعل الحنابلة الورع والتقوى في آخر الصفات قبل القرعة. واستدل الحنفية بحديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا، وفي رواية: سنًا (٢). قال الحنفية: لم يذكر الورع في حديث أبي مسعود، وإنما ذكر فيه بعد القراءة والعلم الهجرة؛ لأنها كانت واجبة في ابتداء الإسلام قبل الفتح، فلما انتسخت بعده أقمنا الورع مقامها (٣). وجه إقامة الورع مقام الهجرة: أن المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي الهجرة

стр. 9045

من المعاصي وترك الشهبات، لهذا ناسب أن يقوم الورع قائمًا مقام الهجرة. واستدل غيرهم بقوله: إن مقصود الصلاة الخشوع ورجاء إجابة الدعاء والورع أقرب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقد سبق ذكر ذلك. ويناقش: بأن الصفات التي تستحق فيها الإمامة، منها ما نُصَّ عليها، ومنها ما ألحقت بالاجتهاد. والورع لم يذكر مطلقًا في الصفات المنصوص عليها، فإدخاله من باب الاجتهاد، لهذا لا يمكن تقديمه على المنصوص عليه، ويمكن النظر فيه بعد أن تستوفى جميع الصفات التي نص عليها في حديث أبي مسعود، كالقراءة، والفقه، والهجرة، والسن، فإذا تساووا في المنصوص عليه، نأتي بعد ذلك إلى الصفات التي يمكن إدخالها بالاجتهاد، ومنها الورع، ولهذا قول الحنابلة أقرب إلى الصواب حيث لم يزاحموا بوصف الورع الصفات المنصوص عليها في حديث أبي مسعود البدري، والله أعلم. دليل من قال: بعد الفقه والحديث والقراءة يقدم كثير العبادة: استدلوا بحديث أبي مسعود (فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … وفي رواية فأقدمهم سنًا (١). وجه الاستدلال: إذا تساووا في القراءة والفقه قدم الأكثر عبادة، ثم الأكبر سنًا، ولم يتعرض المالكية للأقدم هجرة مع أنه منصوص عليه بحديث أبي مسعود البدري، ومع أنهم يرون أن الهجرة لا تنقطع بفتح مكة، بل هي باقية إلى يوم القيامة لمن أسلم بدار الكفر (٢). فهل الأكثر عبادة من الصفات المنصوص عليها في التفاضل على الإمامة، أم هي من الصفات الملحقة بالاجتهاد؟ فإن كانت من الصفات الملحقة بالاجتهاد لم تقدم على المنصوص، فلماذا قدمها المالكية على السن، مع أن السن من المنصوص عليه في حديث أبي مسعود البدري.

стр. 9046

والجواب: أن المالكية قدموا الأكثر عبادة؛ لكثرة طاعته، وقدموا المسن؛ لأن أعماله تزيد بزيادة السن، فهو في معنى الأكثر عبادة، وليس المراد من تقديم الأكبر سنًا؛ كونه كبيرًا فحسب، كما هو ظاهر النص، وإن كان توقير الكبير مستقرًا في الشريعة بنصوص أخرى. فقد جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ ، حويصة ومحيصة، فذهب أحدهما يتكلم فقال الرسول ﷺ : كبر، كبر. وقال ﵊: (أراني أتسوك، فأتاني رجلان، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر) (١). لكن في الإمامة يراد من قدم السن، قدم الإسلام، كما تبينه الرواية الأخرى (فأقدمهم سلمًا)، فابن العشرين من أولاد المسلمين يقدم على ابن الستين إذا أسلم وهو في الخمسين. فإذا كان الأقدم سنًا من الأوصاف الذي يستحق بها الإمامة؛ لكونه مظنة كثرة العبادة؛ فلتكن كثرة العبادة المتحققة من باب أولى أن يستحق بها الإمامة، ولذلك قدمت كثرة العبادة على كبر السن؛ لأن المتحقق ليس كالمظنون، والله أعلم. ولعل من كثرت عبادته صار بمنزلة من تقدمت هجرته أيضًا، لأنه سيكون أكثر طاعة وأكثر علمًا، وإن كان المالكية لم يجعلوا تقدم الهجرة من الصفات التي تستحق بها الإمامة، والله أعلم. دليل من جعل حسن الخلق من صفات التفاضل على الإمامة: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على اعتبار حسن الخلق من صفات التفاضل على الإمامة، وإن اختلف ترتيبه بينهم. وجه كون حسن الخلق من صفات التفاضل: أن الإمام في الصلاة موضع القدوة، فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الحياة، ومن كان إمام قومه فهو دال على فضله عليهم، ولهذا كان من شروطها العدالة، وإتقان قراءة القرآن، فكان توفر شروط الإمامة في الرجل دالًا على خيريته وفضله وعلو مرتبته، وهي وظيفة النبي محمد ﷺ ، فكان

стр. 9047

يصلي بأصحابه حضرًا وسفرًا حتى توفاه الله، وهي وظيفة خلفائه في حياته ومن بعده، فينبغي أن يكون قدوة في كل شيء ومنه حسن خلقه؛ ولأن صلاة الجماعة عقدت من أجل اجتماع الناس على العبادة وتأليف قلوبهم عليها، فكان حسن الخلق مدعاة لجمع الناس، وترغيبهم في الجماعة، والله أعلم. دليل من قال: إذا استووا في الكل أقرع بينهم. نص المالكية والشافعية والحنابلة على أنهم إذا تساووا في صفات الأئمة، وتشاحوا فيها، أقرع بينهم، قال المالكية: إذا كان مقصدهم حيازة فضل الإمامة، لا طلبًا للرئاسة (١). وقال الحنفية: إذا اجتمعت هذه الصفات في رجلين: يقرع بينهما أو الخيار إلى القوم (٢). والدليل على أن شرعية التحاكم إلى القرعة: أن القرعة طريق شرعي إذا تزاحمت الحقوق. قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. والآيتان الكريمتان وإن كانتا في شرع من قبلنا، لكن قد جاء في شرعنا ما يؤيده. (ح-٣١٨٨) فقد روى مسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (٣). (ح-٣١٨٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي مولى أبي بكر،

стр. 9048

عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا .... الحديث (١). (ح-٣١٩٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه … الحديث (٢). وأجيب: أن أخذ رأي الجماعة أولى من القرعة؛ لأن من يختاره أكثر الجماعة فهو أولى بالتقديم؛ لأن رضا جماعة المصلين عن الإمام يعود بالمصلحة على كثرة الجماعة، كما أن كراهية الجماعة للإمام سبب في نفرتهم ومدعاة لترك الجماعة، وإذا كان ذلك كذلك كان اختيار الناس للإمام ملحقًا بالصفات المنصوص عليها، أو هو بمعنى المنصوص، وقد ورد فيه وعيد لمن أمَّ جماعة، وهم له كارهون، وقد بحثت هذه المسألة في شروط الإمامة. الراجح: العمل بحديث أبي مسعود البدري، الأقرأ، ثم الأعلم، ثم الأقدم هجرة، ثم الأسن، هذا الترتيب هو الأولى بالمراعاة حين التنافس على الإمامة، وبعد هذه الصفات المنصوص عليها، تأتي الصفات الاجتهادية التي تعود بالمصلحة على جماعة المصلين؛ والضابط فيها أن نقدم فيها من كان أقوم الناس بجلب مصالح الجماعة ودرء مفاسدها، وكل صفة تعود بالمصلحة على الصلاة أو على كثرة الجماعة فهي أولى بالمراعاة، فحسن الصوت أولى بالمراعاة من النسيب؛ لأن النسيب يعود إلى آبائه وأجداده، بينما حسن الصوت يتعلق بالإمام نفسه، وأثره يتعدى الإمام إلى الجماعة بحيث يتدبرون ما يسمعون، ويحصل لهم الخشوع بالصلاة، وهكذا، والله أعلم.

стр. 9049

الفصل الخامس في استحباب تقديم المبصر على الأعمى المدخل إلى المسألة: حاسة البصر لا تعلق لها بشيء من فرائض الصلاة ولا سننها ولا فضائلها. ذكر في حديث أبي مسعود البدري الصفات التي يتفاضل فيها الأئمة، من زيادة قراءة أو علم، أو تقدم هجرة، أو كبر سن في الإسلام، ولم يذكر الإبصار من صفات التفاضل. لا يصح القول بكراهة إمامة الأعمى؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل. التعميم بالقول بأن الأعمى قد لا يتقي النجاسة غير صحيح؛ لأنه مكلف بتجنب النجاسة، ولو كانت لا تدخل تحت قدرته لم يكلف بذلك، والأصل عدم تنجسه، وإذا تيقن الأعمى طهارة ملابسه لم تتنجس بمجرد الشك. إذا عرف من شخص معين أنه لا يتقي النجاسة لم يقدم للإمامة أعمى كان أم مبصرًا. [م-١٠٤١] لا نزاع في صحة إمامة الأعمى، وإنما اختلفوا هل تكره إمامته، أولا، والقائلون بأنها لا تكره إمامته اختلفوا أيهما أولى بالإمامة البصير أم الأعمى؟. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن إمامة الأعمى كإمامة الصحيح .. » (١). وقال النووي: «لا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل» (٢).

стр. 9050

وإطلاق النووي الإجماع على الجواز فيه تجوز، لأن هناك من كره إمامة الأعمى. قال الحنفية: تكره إمامة الأعمى، قال بعضهم: إلا أن يكون أعلم القوم، وقال بالكراهة: ابن سيرين، وروي المنع والصحة عن ابن عباس، ولم يصحا عنه، وصح عن أنس ﵃، وليس صريحًا في المنع (١). وقيل: لا تكره إمامة الأعمى، وهو مذهب الجمهور (٢). جاء في المدونة: «وقال مالك: لا بأس أن يتخذ الأعمى إمامًا راتبًا، وقد أم على عهد رسول الله ﷺ أعمى، وهو ابن أم مكتوم» (٣). واختلفوا في الأفضل إذا اجتمع أعمى وبصير، وتساويا في باقي الصفات: فقيل: يقدم البصير، اختاره أصحاب مالك، وهو المعتمد في المذهب، ومذهب الحنابلة، واختاره أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية (٤).

стр. 9051

وقال الشافعي: الأعمى كالبصير لا مفاضلة بينهما، نص عليه في الأم، وهو المذهب عند أصحابه، وقول للمالكية، ووجه عند الحنابلة، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ورجحه ابن حزم (١). وقيل: يقدم الأعمى، وهو قول عند المالكية، واختاره أبو إسحاق المروزي والغزالي من الشافعية، وهو رواية عن أحمد (٢).

стр. 9052

دليل من قال: تكره إمامة الأعمى: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]. فمن سوى بينهما فقد خالف نص الكتاب، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وأجمعنا أنه إذا اجتمع العالم والجاهل قدم العالم، فكذا إذا اجتمع الأعمى والبصير قدم البصير. فالآية ما سيقت إلا لبيان أن الأعمى أحط رتبة من البصير، فإذا رفعت رتبته على البصير، أو ساويته بالبصير فقد خالفت الكتاب (١). ونوقش: وقد ثبت بالسنة إمامة الأعمى، وهذا نص في محل النزاع، فلا يعارض الخاص بالعام. ولأن الآية ما سيقت لبيان حكم إمامة الأعمى، قال قتادة هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن، يقول: كما لا يستوي هذا وهذا كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى كِتَابَهُمْ [الإسراء: ٧٢]. فهو يشبه عمى البصيرة بعمى البصر بجامع الظلمة التي تمنع من الرؤية. الدليل الثاني: أن البصير يتجنب النجاسة، ويستقبل القبلة بالمشاهدة، والأعمى مقلد. ويناقش: الأعمى مكلف شرعًا بتجنب النجاسة، ولو كانت لا تدخل تحت قدرته لم يكلف بذلك، والأصل عدم تنجسه، وإذا تيقن الأعمى طهارة ملابسه لم تتنجس بمجرد الشك، ولو كان مثل هذا الشك يقدح في إمامة الأعمى لم يكلف النبي ﷺ ابن

стр. 9053

أم مكتوم في الإمامة نيابة عنه، وقد ذهب الحنفية إلى صحة إمامته بلا كراهة إذا كان الأعمى أفضل من غيره كما لو كان فقيهًا أو كان أقرأ من المبصر، فسقط عندهم في هذه الحال القول باحتمال عدم توقيه من النجاسة. دليل من قال: الأعمى أولى: الأعمى أكثر خشوعًا في الصلاة، فإنه لا يبصر شيئًا فيشتغل به قلبه، فيتوفر خشوعه في الصلاة، والبصير بخلاف ذلك. (ح-٣١٩١) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: قال النبي ﷺ : كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني (١). (ح-٣١٩٢) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي: أميطي عني، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي (٢). وجه الاستدلال: إذا كانت الخميصة قد ألهت النبي مع كمال خشوعه، فغيره من باب أولى. وفي رد النبي الخميصة دليل على كراهة كل ما يشغل القلب عن الخشوع في الصلاة، ومنه ما يتعرض له البصر من المناظر، والأعمى قد كفي هذا.

стр. 9054

ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: قوله: (لا تزال تعرض لي) دليل على تكرر ذلك على النبي ﷺ ، وإذا كان مثل هذا يعرض للرسول أكثر من مرة، ولا يمكنه دفعه، وهو أكمل الأمة خشوعًا في صلاته كان ذلك دليلًا على أنه لا يمكن أن يسلم منه أحد، فكان حكمه أقرب إلى الإباحة منه إلى الكراهة. الوجه الثاني: نظر المبصر إلى ما يلهيه في الصلاة لا يفسد صلاته إذا تمت بحدودها من ركوعها وسجودها وسائر فرائضها، ولذلك النبي ﷺ لم يعد صلاته، بخلاف اجتناب النجاسة، فإن عدم توقيها قد يفسد الصلاة، والبصير أمكن من الأعمى من هذا الوجه. قال النووي في المجموع: « … الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر واشتغال قلب بغيرها، وهذا بإجماع من يعتد به في الإجماع» (١). الوجه الثالث: المبصر إذا جاهد نفسه في كف بصره في الصلاة عما يشغله عنها عظم بذلك أجره بخلاف الأعمى فإن كف بصره بغير اختياره. قال القرافي: «خشوع البصير من كسبه، وخشوع الأعمى اضطراري، فكان الأول أولى، ولذلك فضل الآدمي على المَلَك؛ لأن الآدمي يتكلف طاعته على خلاف شهوته، وهي للملك طبع» (٢). دليل من قال: الأعمى والبصير سيان في الإمامة: الدليل الأول: (ح-٣١٩٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن الربيع الأنصاري

стр. 9055

أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ ، فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ . وهو في مسلم بنحوه من غير طريق مالك (١). ونوقش: هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). رواه هكذا عقيل ومعمر وإبراهيم بن سعد في البخاري (٢)، ويونس في مسلم، عن الزهري. ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٣). ورواية مالك: أنه أعمى لعله يريد أنه كالأعمى؛ لأنه اعتذر بقوله: إنها تكون الظلمة والسيل. والظلمة للأعمى لازمة. الدليل الثاني: (ح-٣١٩٤) ما رواه أبو يعلى في مسنده، قال: حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس (٤). [تفرد به حبيب عن هشام، وقد تُكِلِّم في حديث هشام في العراق، وله شواهد كثيرة تفيد بمجموعها ثبوت الواقعة] (٥).

стр. 9056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9058

ونوقش: بأن ابن أم مكتوم يصلي بالمعذورين من الزمناء ومن لا يستطيع الخروج، فهي إمامة حاجة، فمن أين لكم أنه لو كان هناك مبصر يساويه في الفضل أن يقدم الأعمى عليه.

стр. 9059

ورد على هذا: بأن عتبان بن مالك إمام راتب لقومه في عهد النبي ﷺ ، وهو كاف في الاستدلال. الدليل الثالث: (ح-٣١٩٥) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١). وجه الاستدلال: قال ابن المنذر: «إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة» (٢). ونوقش: بأن المفاضلة بين المبصر والأعمى إذا تساووا في القراءة والعلم والسن، فإذا وجد ما يقتضي تقديم الأعمى أو تقديم المبصر بأن كان أحدهما أقرأ أو أفقه أو أسن خرجت المسألة عن موضع البحث. الدليل الرابع من الآثار: (ث-٨١٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: أمنا جابر بعد ما ذهب بصره. [صحيح] (٣). ونوقش: قد يكون تقديم جابر ﵁ لمزيد قراءة أو فقه أو سن، والله أعلم. (ث-٨١٥) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن الحسن،

стр. 9060

قال: حدثنا شريك، عن مهاجر، قال: كان البراء يصلي بنا، وهو أعمى. [ضعيف] (١). وسيأتي إن شاء الله تعالى عن ابن عباس أيضًا أنه صلى بأصحابه وهو أعمى .. الدليل الخامس: حاسة البصر لا تعلق لها بشيء من فرائض الصلاة ولا سننها ولا فضائلها، وإنما التفضيل يعود إلى هذه الأمور الثلاثة. ولأن كل واحد من الأعمى والمبصر معه فضيلة من وجه، ونقصان من وجه: فالبصير: يتجنب النجاسة من حيث المشاهدة، ويستقبل القبلة بالمشاهدة، والأعمى يقلد. والأعمى لا يبصر شيئًا، فيتوفر خشوعه في الصلاة، والبصير يجول بصره، فيقل خشوعه فكانا سواء (٢). دليل من قال: المبصر أولى: الدليل الأول: (ث-٨١٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة، حين عمي؟ [ضعيف] (٣).

стр. 9061

وأجيب: بأن الآثر ضعيف، وقد روي عن ابن عباس ما يخالفه: (ث-٨١٧) فقد روى عبد الرزاق، قال: عن أبيه، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس أمهم في ثوب واحد، وهو أعمى على بساط قد طبق البيت. [رجاله ثقات] (١).

стр. 9062

الدليل الثاني: (ث-٨١٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين عن حسن بن أبي الحسناء عن زياد النميري قال: سألت أنسًا عن الأعمى يؤم؟ فقال: ما أفقركم إلى ذلك؟

стр. 9063

[ضعيف] (١). الدليل الثالث: (ث-٨١٩) روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن واصل بن الأحدب، عن قبيصة بن برمة الأسدي، عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: ما أُحِبُّ أن يكون مؤذنوكم عميانكم، حسبته قال: ولا قراؤكم. [صحيح] (٢). وساقه ابن أبي شيبة في باب من كره إمامة الأعمى. الدليل الرابع: أن البصير أقدر على توقي النجاسة، ويمكنه استقبال القبلة بالمشاهدة، ويحفظ صلاته من المرور بين يديه. ونوقش: أما ما ورد من أن الأعمى لا يتوقى النجاسة فهذا ليس بصحيح، فكل من كلف بعبادة فقد كلف في شروطها، والتكليف دليل على أنه يمكنه التحفظ منها، ولولا ذلك لم يكلف بها، والنجاسة في الثياب لا تخفى، والشك مطروح، واليقين طهارة ثيابه، وهو الأصل، فلا يلتفت للتوهم. الأعمى يعدل حتى يصيب القبلة، والمطلوب استقبالها، وليس تحصيل الاستقبال، فمن استقبل القبلة فقد قام بالواجب من غير فرق بين حصول ذلك بالتقليد أو بغيره، وأكثر المصلين وإن أصابوا القبلة فهم مقلدون في تعيينها، فمثل

стр. 9064

هذا لا يعد موجبًا لكراهة إمامته، ولا تقديم غيره عليه. وأما كف المرور بين يديه فإذا اتخذ سترة فإنها كافية، ويندر المرور بين الإمام وسترته، والأعذار النادرة لا تأثير لها. الراجح: أن الأعمى كالبصير في الإمامة إذا تساووا في القراءة والفقه والسن، والله أعلم.

стр. 9065

الفصل السادس في استحباب تقديم الحضري على الأعرابي المدخل إلى المسألة: الضابط في الولايات كلها ألا يقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها. المفاضلة بين الحضري والأعرابي مفروضة فيما إذا تساويا في القراءة والعلم والسن، فإذا وجد ما يقتضي تقديم أحدهما بأن كان أقرأ، أو أفقه، أو أسن، خرجت المسألة عن موضع البحث. حياة البدوي حياة شاقة مضنية أورثت خشونة في طباعهم، وقسوة في تعاملهم، فالحضري ألين عريكة، وأحسن أخلاقًا، وأقدر على سياسة الجماعة، وعلى تنزيل الناس منازلهم، وتوقير كبيرهم، وتعاهد مقصرهم، وتأليفهم على الجماعة. حديث يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … إلخ لا يدل على حصر التفاضل في الصفات الأربع، بدليل أنهم لو تساويا في هذه الصفات، فالعدل أولى من الفاسق، والكاسي أولى من العاري، والبالغ أولى من الصبي، وما اتفق على تقديمه أولى من المختلف فيه، والورع والخاشع والحليم أولى من ضدهم، ولم ينص على هذه الصفات في الحديث. [م-١٠٤٢] الأعرابي بفتح الهمزة ساكن البادية ممن لا يقيم في الأمصار، ولا يدخلها إلا لحاجة، نسبة إلى الأعراب، وليس نسبة إلى العرب. قال في مطالع الأنوار: كل بدوي أعرابي، وإن لم يكن من العرب (١). ورجل أعرابي، بالألف، إذا كان بدويًا، صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلإ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم.

стр. 9066

ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب. فمن نزل البادية، أو جاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب: فهم عرب (١). وقال ابن رجب: وهو من لم يهاجر إلى الأمصار من أهل البوادي. فإذا أم الأعرابي صحت صلاته بالاتفاق. واختلفوا هل تكره إمامته؟ وإذا لم تكره هل الحضري أولى بالإمامة؟ فقيل: تكره إمامة الأعرابي إلا أن يكون الأعرابي أفضل، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أبو مجلز، ورواية عن أحمد (٢). وقال ابن نجيم: إذا كان الأعرابي أفضل الحاضرين كان أولى (٣). وقال مالك: تكره إمامة الأعرابي، وإن كان أقرأهم (٤).

стр. 9067

في مخالفة لحديث أبي مسعود في مسلم: (يؤم القوم أقرؤهم)، فالقوم عام، وإخراج الأعرابي مع كونه الأقرأ تخصيص بلا مخصص. وظاهر كلام مالك أنه لا يؤمهم إذا كان أقرأهم بلا علم، أما إذا كان عالمًا فهو والحضري سواء، وهذا ما فهمه ابن بطال، قال في شرح البخاري: «وأما الأعرابي، فإن كان عالمًا فهو والحضري سواء، ولكن الكلام خرج فيمن كره إمامته على الأغلب من جهلهم بحدود الصلاة … » (١). ثم ذكر كلام الإمام مالك، والله أعلم. وهو مخالف لما في المجموع للشيخ الأمير، جاء فيه: «وكره أعرابي وإنْ أعلم» (٢). قال في الشرح: «تكره إمامة الأعرابي للبلدي … ولو كان الأعرابي أعلم من البلدي بأحكام الفقه، أو أحكام القراءة،» (٣). وقيل: لا تكره إمامة الأعرابي، والحضري أولى منه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤). وقيل: لا فرق بينهما، وهو رواية عن أحمد، واختيار ابن حزم (٥). دليل من قال: تكره إمامة الأعرابي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 9068

عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧]. فأطلق هذا الخبر عن الأعراب، ومراده الأعم الأكثر منهم؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ أي من منافقي المدينة. وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أن الأعرابي الغالب عليه جهله بسنن الصلاة لقلة سماعهم للقرآن، ومجالستهم للعلماء فكل من بعد من الأمصار، كان أجهل بالأحكام والسنن من غيرهم لذلك كان الحضري أعلم منه. ولأن الأعرابي يستديم نقص الفرائض كالجمعة، ولا يشهد الجماعات، فيقرب حكمه من حكم العبد. ولأن الغالب على أهل البادية الجفاء. ولأن الناس لا يرغبون في الاقتداء بهؤلاء، فيؤدي إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها للأجر. وأجيب: أما الجواب عن الجهل وقلة العلم: فالمفاضلة بين الحضري والأعرابي مفروضة فيما إذا تساويا في القراءة والعلم والسن، فإذا وجد ما يقتضي تقديم أحدهما بأن كان أقرأ، أو أفقه، أو أسن، خرجت المسألة عن موضع البحث، فالأقرأ مقدم، ولو كان كل منهما حضريًّا. وأما الجواب عن قولهم: إن الأعرابي لا يشهد الجمعة: فالجمعة لا تجب عليه شرعًا، والمتبتل في رؤوس الجبال من القرويين لا تكره إمامته، فكذلك الأعرابي. ولذلك قال خليل في التوضيح: «وفي النفس من هذا التعليل مع كونه أقرأ شيء» (١).

стр. 9069

وأما القول بأن الجماعة لا يرغبون في إمامة الأعرابي: فهذا الأمر ليس على إطلاقه، فإن وقع ذلك لأعرابي معين، وكان قد تساويا في باقي الصفات، ورغب الناس في إمامة الحضري قدم الحضري؛ لا لكون الذي زاحمه أعرابي؛ بل تقديمًا لرغبة الجماعة؛ لأن الجماعة عقدت لتأليف الناس على الاجتماع، فلو تساوى حضريان في جميع الصفات، واختارت الجماعة أحدهما قدم على أخيه، كما قدمنا في بحث سابق. الدليل الثاني: (ح-٣١٩٦) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا طويلًا، مما جاء فيه: .... ألا لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه (١). [ضعيف جدًّا] (٢). وفي دلالته نظر، فالنهى في الحديث ألا يؤم أعرابي مهاجرًا، فهو أخص من النهي عن إمامة الأعرابي للحضري، فإذا كان المهاجر المتأخر لا يتقدم من سبقه بالهجرة، فكونه لا يؤم من لم يهاجر من الأعراب باب أولى، وإذا هاجر الأعرابي، أخذ حكم المهاجرين، وليس حكم الأعراب، والله أعلم. دليل من قال: لا تكره إمامة الأعرابي والحضري أولى: الدليل الأول: (ح-٣١٩٧) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٣).

стр. 9070

وجه الاستدلال: عموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … ) يدل على صحة إمامة الأعرابي. ويجاب: بأن هذا الحديث رد على المالكية القائلين تكره إمامة الأعرابي مطلقًا، ولو كان أقرأ القوم، وأما من فضل القروي على الأعرابي إذا تساويا في صفات التفاضل فليس في الحديث ما يدل عليه. فلو كان الأعرابي أقرأ القوم قدم على غيره، وإنما كره من كره إمامة الأعرابي لغلبة الجهل، فإذا قرأ وفقه كان هو وغيره سواء. ولذلك لما قدم الأشعث غلامًا يصلي به، فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته، ولكني قدمت القرآن. [صحيح إن ثبت سماع عروة من الأشعث] (١). الدليل الثاني: أما تفضيل الحضري على الأعرابي فذلك أن الإمامة مبنية على الأفضيلة، فإمام القوم ينبغي أن يكون أفضلهم، وطباع الحضر تختلف عن طباع أهل البادية بسبب ظروف الحياة التي يعيشون فيها، والظروف التي تحيط بهم، فحياة البدوي حياة شاقة مضنية أورثت خشونة في طباعهم، وقسوة في تعاملهم، فالحضري ألين عريكة، وأحسن أخلاقًا، وأقدر على سياسة الجماعة، وعلى تنزيل الناس منازلهم، وتوقير كبيرهم، وتعاهد مقصرهم، وتأليفهم على الجماعة. (ح-٣١٩٨) روى البخاري من طريق الزهري: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم
следующие страницы →