ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب. فمن نزل البادية، أو جاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب: فهم عرب (١).
وقال ابن رجب: وهو من لم يهاجر إلى الأمصار من أهل البوادي.
فإذا أم الأعرابي صحت صلاته بالاتفاق. واختلفوا هل تكره إمامته؟ وإذا لم تكره هل الحضري أولى بالإمامة؟
فقيل: تكره إمامة الأعرابي إلا أن يكون الأعرابي أفضل، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أبو مجلز، ورواية عن أحمد (٢).
وقال ابن نجيم: إذا كان الأعرابي أفضل الحاضرين كان أولى (٣).
وقال مالك: تكره إمامة الأعرابي، وإن كان أقرأهم (٤).
стр. 9067
في مخالفة لحديث أبي مسعود في مسلم: (يؤم القوم أقرؤهم)، فالقوم عام، وإخراج الأعرابي مع كونه الأقرأ تخصيص بلا مخصص.
وظاهر كلام مالك أنه لا يؤمهم إذا كان أقرأهم بلا علم، أما إذا كان عالمًا فهو والحضري سواء، وهذا ما فهمه ابن بطال، قال في شرح البخاري: «وأما الأعرابي، فإن كان عالمًا فهو والحضري سواء، ولكن الكلام خرج فيمن كره إمامته على الأغلب من جهلهم بحدود الصلاة … » (١). ثم ذكر كلام الإمام مالك، والله أعلم.
وهو مخالف لما في المجموع للشيخ الأمير، جاء فيه: «وكره أعرابي وإنْ أعلم» (٢).
قال في الشرح: «تكره إمامة الأعرابي للبلدي … ولو كان الأعرابي أعلم من البلدي بأحكام الفقه، أو أحكام القراءة،» (٣).
وقيل: لا تكره إمامة الأعرابي، والحضري أولى منه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
وقيل: لا فرق بينهما، وهو رواية عن أحمد، واختيار ابن حزم (٥).
دليل من قال: تكره إمامة الأعرابي:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 9068
عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧].
فأطلق هذا الخبر عن الأعراب، ومراده الأعم الأكثر منهم؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
وقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ أي من منافقي المدينة.
وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أن الأعرابي الغالب عليه جهله بسنن الصلاة لقلة سماعهم للقرآن، ومجالستهم للعلماء فكل من بعد من الأمصار، كان أجهل بالأحكام والسنن من غيرهم لذلك كان الحضري أعلم منه.
ولأن الأعرابي يستديم نقص الفرائض كالجمعة، ولا يشهد الجماعات، فيقرب حكمه من حكم العبد.
ولأن الغالب على أهل البادية الجفاء.
ولأن الناس لا يرغبون في الاقتداء بهؤلاء، فيؤدي إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها للأجر.
وأجيب:
أما الجواب عن الجهل وقلة العلم: فالمفاضلة بين الحضري والأعرابي مفروضة فيما إذا تساويا في القراءة والعلم والسن، فإذا وجد ما يقتضي تقديم أحدهما بأن كان أقرأ، أو أفقه، أو أسن، خرجت المسألة عن موضع البحث، فالأقرأ مقدم، ولو كان كل منهما حضريًّا.
وأما الجواب عن قولهم: إن الأعرابي لا يشهد الجمعة: فالجمعة لا تجب عليه شرعًا، والمتبتل في رؤوس الجبال من القرويين لا تكره إمامته، فكذلك الأعرابي.
ولذلك قال خليل في التوضيح: «وفي النفس من هذا التعليل مع كونه أقرأ شيء» (١).
стр. 9069
وأما القول بأن الجماعة لا يرغبون في إمامة الأعرابي: فهذا الأمر ليس على إطلاقه، فإن وقع ذلك لأعرابي معين، وكان قد تساويا في باقي الصفات، ورغب الناس في إمامة الحضري قدم الحضري؛ لا لكون الذي زاحمه أعرابي؛ بل تقديمًا لرغبة الجماعة؛ لأن الجماعة عقدت لتأليف الناس على الاجتماع، فلو تساوى حضريان في جميع الصفات، واختارت الجماعة أحدهما قدم على أخيه، كما قدمنا في بحث سابق.
الدليل الثاني:
(ح-٣١٩٦) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا طويلًا، مما جاء فيه: .... ألا لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
وفي دلالته نظر، فالنهى في الحديث ألا يؤم أعرابي مهاجرًا، فهو أخص من النهي عن إمامة الأعرابي للحضري، فإذا كان المهاجر المتأخر لا يتقدم من سبقه بالهجرة، فكونه لا يؤم من لم يهاجر من الأعراب باب أولى، وإذا هاجر الأعرابي، أخذ حكم المهاجرين، وليس حكم الأعراب، والله أعلم.
دليل من قال: لا تكره إمامة الأعرابي والحضري أولى:
الدليل الأول:
(ح-٣١٩٧) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٣).
стр. 9070
وجه الاستدلال:
عموم قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … ) يدل على صحة إمامة الأعرابي.
ويجاب:
بأن هذا الحديث رد على المالكية القائلين تكره إمامة الأعرابي مطلقًا، ولو كان أقرأ القوم، وأما من فضل القروي على الأعرابي إذا تساويا في صفات التفاضل فليس في الحديث ما يدل عليه.
فلو كان الأعرابي أقرأ القوم قدم على غيره، وإنما كره من كره إمامة الأعرابي لغلبة الجهل، فإذا قرأ وفقه كان هو وغيره سواء.
ولذلك لما قدم الأشعث غلامًا يصلي به، فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته، ولكني قدمت القرآن.
[صحيح إن ثبت سماع عروة من الأشعث] (١).
الدليل الثاني:
أما تفضيل الحضري على الأعرابي فذلك أن الإمامة مبنية على الأفضيلة، فإمام القوم ينبغي أن يكون أفضلهم، وطباع الحضر تختلف عن طباع أهل البادية بسبب ظروف الحياة التي يعيشون فيها، والظروف التي تحيط بهم، فحياة البدوي حياة شاقة مضنية أورثت خشونة في طباعهم، وقسوة في تعاملهم، فالحضري ألين عريكة، وأحسن أخلاقًا، وأقدر على سياسة الجماعة، وعلى تنزيل الناس منازلهم، وتوقير كبيرهم، وتعاهد مقصرهم، وتأليفهم على الجماعة.
(ح-٣١٩٨) روى البخاري من طريق الزهري: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن:
أن أبا هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم
стр. 9071
أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: من لا يرحم لا يرحم (١).
(ح-٣١٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن عروة،
عن عائشة ﵂ قالت جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبلون الصبيان، فما نقبلهم، فقال النبي ﷺ : أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة.
ولمسلم: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم. فقالوا: لكنا والله ما نقبل! فقال رسول الله ﷺ : وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة (٢).
فرحمة الولد الصغير، ومعانقته، وتقبيله والرفق به مما طبعت عليه الغرائز، حتى أنك تجد العجماوات والوحوش تحنو على أولادها، وتشمهم وتحضنهم، فإذا كان هؤلاء الأعراب يستنكرون تقبيل الأولاد، فما ظنك بالتعامل مع سائر الناس.
دليل من قال: هما سيان:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في النصوص ما ينهى عن إمامة الأعرابي إذا كان صالحًا للإمامة.
الدليل الثاني:
حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث رواه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أنه لا تفاضل بين الأئمة إلا بالقراءة، والفقه، وقدم الخير، والسن فقط، ولو كان الحضري مقدمًا على الأعرابي لذكر ذلك في النصوص، والله أعلم.
стр. 9072
ويناقش:
بأن الحديث لم يذكر هذه الصفات على سبيل الحصر، بدليل أنهم لو تساويا في هذه الصفات الأربع، فالعدل أولى من الفاسق، والكاسي أولى من العاري، والبالغ أولى من الصبي، وما اتفق على تقديمه أولى من المختلف فيه، والورع والخاشع والحليم أولى من ضدهم، ولم ينص على هذه الصفات في الحديث ..
نعم الحديث دليل على تقديم الأعرابي لو كان أقرأ من الحضري، ولكن الحديث لا يمنع من تفضيل الحضري لو تساويا في هذه الصفات الأربع، فالصفات الأربع لها الأولوية عند التفاضل؛ للنص عليها، والله أعلم.
الدليل الثالث:
لم يجعل الله التفاضل بين الناس إلا بالتقوى، فإذا كان لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، فكذلك لا فضل لحضري على أعرابي.
ونوقش:
التفاضل ليس قائمًا على تفضيل عرق على آخر، فالحضري والبدوي كلهم عرب من جنس واحد، فالظاهر أنهما متساويان في التقوى؛ لتساويهما في القراءة والفقه والسن، فكان تقديم الحضري لكونه في الغالب أصلح للولاية من الأعرابي، والضابط في الولايات كلها ألا يقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها. فلو فرض أن المتقدم من الحضر لا يصلح للولاية لكونه أحمق، وكان المتقدم من الأعراب أحسن خلقًا لم يقدم عليه الحضري، لكن الأحكام تناط بالغالب، والغالب على أهل البادية الجفاء والغلظة، ولا يتحمل كثير من الناس أطباعهم.
(ح-٣٢٠٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله
стр. 9073
الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء (١).
وفي رواية لمسلم من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به، وفيه: فجاذبه حتى انشق البرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ (٢).
فالشافعية والحنابلة لم يكرهوا إمامة الأعرابي، ولكنهم فضلوا إمامة الحضري عليه؛ لكونه أصلح للولاية من الأعرابي، وإذا كان الإنسان يتأثر بمخالطة العجماوات حتى تجد أثر طباعها على سلوكه، فكذلك البيئة لها أثرها في خلق القوم.
(ح-٣٢٠١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم (٣).
والمدن الجبلية والحارة صيفًا والباردة شتاء عند أهلها من ضيق الخلق وحرارة الطبع أكثر من المدن المعتدلة والساحلية، وهذا أمر مشاهد، ولا يحتاج إلى ضرب الأمثلة حتى لا يغضب علينا بعض إخواننا، والله أعلم.
الراجح:
إذا تقدم الأعرابي للإمامة والجماعة لا تعرفه، فلا يتقدم؛ لأن الغالب عليهم الجهل، وأما إذا عرف، وكان مساويًا للحضري في القراءة والفقه والسن، فإن كانت صلاته مؤقتة لغياب الإمام مثلًا، فالأمر سهل، فسواء قدم الأعرابي أو الحضري فلا فرق؛ لأنها فريضة واحدة، وقد كان كل واحد منهما صالحًا للإمامة.
وإن تقدم ليكون إمامًا راتبًا فالحضري أولى من الأعرابي، إلا أن يفضل جماعة المسجد الأعرابي، فيقدم؛ لأن اختيارهم له ورضاهم عنه، وتفضيله على الحضري دليل على أهليته للولاية، ورجحان عقله، والله أعلم.
стр. 9074
الفصل السابع في تقديم المقيم على المسافر
المدخل إلى المسألة:
إذا صح اقتداء المفترض بالمتنفل على الصحيح كإمامة معاذ بقومه وإمامة عمرو بن سلمة، وهو صبي، صح اقتداء المقيم بالمسافر والعكس، لأنه إذا لم يؤثر اختلاف جنس العبادة لم يؤثر اختلاف عدد ركعاتها.
لا فرق بين فرض المسافر والمقيم إلا في عدد الركعات، وهذا لا أثر له في صحة الاقتداء كالمسبوق فإنه يصلي بعض صلاته مع الإمام وبعضه منفردًا.
صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان يصلي بأهل مكة، وهو مسافر، ثم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولم ينكر ذلك أحد من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إجماعًا سكوتيًا.
فتح النبي ﷺ مكة، ومكث فيها مدة ينظم شؤونها، ولم ينقل أنه كان يتم الصلاة، ولا أنه كان يصلي مأمومًا، ولو فعل لنقل، فلم يبق إلا أنه كان يصلي إمامًا قصرًا.
قال ابن عبد البر: أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم، من كره ذلك منهم، ومن استحسنه، كلهم يجيزه.
حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه الاختلاف في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف في النية، كأن يكون أحدهما مسافرًا والآخر مقيمًا، أو أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا.
[م-١٠٤٣] إذا اجتمع مسافر ومقيم واستويا في القراءة والعلم والسن:
فقيل: لا تكره إمامة مسافر يقصر بمقيم، وكذا العكس، وهو مذهب الجمهور من
стр. 9075
الحنفية والشافعية والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، واختار الشافعية والحنابلة أن المقيم أولى بالإمامة، وهو أحد القولين عند الحنفية (١).
واتفقت الروايات عن مالك أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يؤم المسافرين مسافر، والمقيمين مقيم، فإن اقتدى أحدهما بالآخر كره، وكراهة اقتداء المسافر بالمقيم أشد؛ لأنه يلزم منها ترك سنة القصر، فإن فعل أجزأه، وقيل: يعيد في الوقت، وروي إلا بالمساجد الكبار (٢).
стр. 9076
وقال القاضي عياض: «ائتمام المسافر بالمقيم معروف المذهب المنع منه ابتداء، وأن صلاة المسافر لا تجزئه، وهذا على القول: إن فرضه القصر» (١).
وقيل: يكره اقتداء المسافر بالمقيم، ويجوز العكس، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (٢).
وقيل: تكره إمامة المسافر للمقيم، ويجوز العكس، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
دليل من قال: لا تكره إمامة أحدهما للآخر، وإمامة المقيم أولى:
الدليل الأول:
أما جواز إمامة المسافر للمقيم:
(ح-٣٢٠٢) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة،
عن عمران بن حصين، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الفتح، فأقام بمكة ثمان
стр. 9077
عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعًا؛ فإنا سفر (١).
[تفرد به بقوله: (صلوا أربعًا فإنا سفر) علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف] (٢).
стр. 9078
قال ابن عبد البر: «وفيه أن المسافر يؤم المقيمين، وهذا هو المستحب عند جماعة العلماء، لا خلاف علمته بينهم في أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين، وسلم، قاموا فأتموا أربعًا لأنفسهم أفرادًا» (١).
ونقل ابن عبد البر عن الطحاوي قوله: «في هذا الحديث معنى لا يوجد في غيره، وهو قول رسول الله ﷺ لأهل البلد الذين صلى بهم فيه هذه الصلاة: (صلوا أربعًا؛
стр. 9079
فإنا على سفَرٍ)، وهي سنة يتفق أهل العلم عليها، ولم نجدها في غير هذا الحديث، وهذه السُّنَّة مما تفرد به أهل البصرة دون من سواهم» (١).
الدليل الثاني:
(ث-٨٢٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سَفْرٌ.
[إسناده في غاية الصحة] (٢).
الدليل الثالث:
أما الدليل على جواز إمامة المقيم للمسافر، فالإجماع:
قال ابن عبد البر: «أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم، من كره ذلك منهم، ومن استحسنه، كلهم يجيزه، وقد أجمعوا على أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام، بل قد قال أكثرهم: إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام» (٣).
وفي حكاية الإجماع فيها نظر، خاصة بين أصحاب الإمام مالك، ولا أظنه يخفى على الإمام ابن عبد البر.
وأما الدليل على أن المقيم أولى بالإمامة:
فلأن المقيم إذا تقدم صلى من خلفه جماعة إلى آخر صلاتهم، المقيم والمسافر على حد سواء، وهذا التعليل مبني على أن الإتمام أفضل من القصر.
وإذا تقدم المسافر فات المأموم الصلاة جماعة في بعض صلاته.
стр. 9080
ويناقش:
بأن تقديم المسافر لا يغير سنة صلاته، والقصر في حقه أفضل، حيث لم ينقل أن النبي ﷺ أتم في سفر مطلقًا.
وكون المأموم يقضي بعض صلاته فقد أدرك فضيلة الجماعة بالصلاة مع الإمام، كالمسبوق فإنه إذا أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك فضل الجماعة بالإجماع، وقيل: يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء من التشهد، قبل التسليم وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية.
دليل المالكية على كراهة إمامة أحدهما للآخر:
أما الدليل على كراهة ائتمام المقيم بالمسافر:
فلاختلاف نية الإمام والمأموم في عدد الركعات، ولأن المأموم سوف يقضي بعض صلاته منفردًا.
وأما الدليل على كرهة ائتمام المسافر بالمقيم؛ فلأن في الائتمام به تغييرًا لصلاته، حيث يلزمه الانتقال إلى الإتمام، وترك سنة القصر.
فإن ائتم المسافر بالمقيم، ففي الإعادة في الوقت قولان للإمام مالك:
الأول: لا يعيد مطلقًا.
وجه القول بعدم الإعادة: أن القصر من سنن الصلاة، إلا أن فضيلة الجماعة آكد منها؛ لأنه قد اختلف في تفضيل القصر، ولم يختلف في تفضيل الجماعة، ولا تعاد صلاة أديت بفضيلة متفق عليها لفضيلة مختلف فيها.
والقول الثاني: لا يتم المسافر وحده، ولا خلف إمام، فإن فعل أعاد في الوقت إلا في جوامع المدن وأمهات الحواضر.
وجه هذا القول: أن الإتمام بالإمام يؤدي إلى تغيير الصلاة في العدد، فإن أدى إلى ذلك كان ترك الجماعة أفضل، ولذلك لم يجز لمن كانت عليه جمعة أن يأتم بمن يصلي الظهر أربعًا، وإنما استثنى الأمراء لما يلزم من طاعتهم والاجتماع عليهم فكان
стр. 9081
ذلك أفضل من الانفراد بالصلاة دونهم لأن في ذلك إظهار الخلاف عليهم (١).
فالإمام مالك رأى أن صلاة أهل مكة فيها خلف عمر، وهو مسافر، من باب الصلاة خلف الأمراء، في حواضر المدن.
ويناقش:
بأنه لم يحفظ من عمل الصحابة أنهم جعلوا إمامًا للمسافرين وإمامًا للمقيمين في مكان واحد كما كان يذهب إليه الإمام مالك ﵀، فإن صلى المقيم خلف المسافر، صلى المسافر ركعتين، ثم قام المقيم يقضي ما بقي من صلاته كالمسبوق، وإن صلى المسافر خلف المقيم، فأدرك منه ركعة صلى صلاة مقيم، وهو المشهور من مذهب مالك خلافًا للجمهور القائلين يصلي صلاة مقيم إذا أدركه قبل أن يسلم، وقد سبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد.
دليل من قال: لا يقتدي المسافر بالمقيم:
أما من قال: لا يقتدي على وجه الكراهة: فيرى أن سنة القصر آكد من سنة الجماعة، وإذا صلى خلف مقيم فسوف ينتقل فرضه من القصر إلى الإتمام.
وأما من قال: لا يقتدي على وجه المنع: فبنى قوله على أن المسافر فرضه ركعتان.
(ح-٣٢٠٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة أم المؤمنين قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢).
(ح-٣٢٠٤) وروى الإمام مسلم في صحيحه من طريق أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٣).
стр. 9082
ولم ينفرد به أبو عوانة، بل تابعه عليه أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس به (١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله تعالى قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ولا تقصر إلا ما كان تامًا قبل القصر.
والآية دليل على أن القصر مباح، وليس بواجب، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
قال القاضي أبو يعلى: «دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ يستعمل في الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، فدل من هذا الوجه على أن القصر مباح، وليس بواجب.
فإن قيل: هذه اللفظة قد تستعمل في الواجب؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ولا خلاف أن السعي واجب.
قيل له: رفع الجناح عاد إلى ما اعتقدته الصحابة ﵃ من التحرج لأجل الصنمين اللذين كانا هناك … » (٢).
الوجه الثاني:
قد ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر، فلو كانت ترى أن فرضه ركعتان ما جاز لها أن تتم الصلاة.
стр. 9083
والخلاف بين السلف مشهور في القصر أسنة هو أم فرض.
الوجه الثالث:
بأن المسافر لو كان فرضه ركعتين لما جاز له الإتمام خلف المقيم، كما أن المقيم لما كان فرضه الإتمام ما جاز له القصر خلف المسافر.
ورد بعضهم بأحد جوابين:
الجواب الأول:
أنه لا يمتنع أن يكون القصر فرضًا، فإذا ائتم المسافر بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم، فالحنفية يرون أن القصر فرض، وإذا صلى خلف المقيم وجب الإتمام (١).
وقياسًا على العبد والمرأة فرضهما أربع، فإذا صليا الجمعة خلف الإمام صار ذلك فرضهما (٢).
وأجيب على الرد:
أما الجواب عن مذهب الحنفية فهو ليس بحجة، فهو ليس دليلًا بل يفتقر إلى الدليل السالم من المعارضة.
وأما القياس على العبد والمرأة: فإن هذا قياس مع الفارق، فالعبد والمرأة سقطت عنهم الجمعة لعذر، فإذا حضرا وأخذا بالعزيمة وجبت عليهما الجمعة كالمريض لو سقطت عنه الجمعة لعذر صلى أربعًا، والمسافر تسقط عنه الجمعة لعذر السفر، ولو حضرا صحت منهما، والله أعلم.
الجواب الثاني:
لا تجوز الزيادة على الأربع فيما لو قام الإمام إلى الخامسة؛ لأن الخامسة غير مشروعة في حق الإمام، ومتابعة المسافر للإمام المتم مشروعة، بل هي الأصل في صلاة الحاضر المقيم، فبينهما فرق.
ويجاب:
لم يظهر لي هذا الجواب؛ لأن الكلام ليس في كون الإتمام فرضًا على الإمام،
стр. 9084
وإنما الكلام هل هي زيادة في صلاة المأموم، فتمتنع الزيادة؛ لأن الزيادة في الصلاة كالنقص منها لا تجوز، أو أن الإتمام جائز والقصر أفضل فلا يكون الإتمام زيادة في صلاة المسافر، فيصح، الذي يظهر لي الثاني، ولهذا جوزت الزيادة، فالمتابعة لا تسوِّغ زيادة ركعة كاملة، قد يتساهل في زيادة جلسة عارضة كما في متابعة المسبوق إذا جلس متابعة لإمامه، أما زيادة ركعتين كاملتين بسجدتيهما فهذا القدر لا يسوغ من باب المتابعة إلا أن يكون سائغًا في حق المأموم لو صلى وحده.
دليل من قال: تكره إمامة المسافر للمقيم، ويجوز العكس:
وعلة الكراهة: أنه إذا تقدم المقيم أتموا كلهم فلا يختلفون، وإذا تقدم المسافر اختلفوا في الصلاة، وخرج الإمام من الصلاة قبلهم.
ونوقش:
بأن عمر ﵁ ثبت أنه كان يصلي بأهل مكة، ثم يأمرهم أن يتموا صلاتهم، وهو إمام راشد أمرنا باتباع سنته.
ولم يثبت مرفوعًا، ولكنه غير مدفوع فالنبي ﷺ حين فتح مكة، ومكث فيها مدة ينظم شؤونها لم ينقل أنه كان يتم الصلاة، ولا أنه كان يصلي مأمومًا، ولو فعل لنقل، فلم يبق إلا أنه كان يصلي إمامًا قصرًا، فإذا سلم أتموا الصلاة بعده، كما كان يفعل عمر ﵁، والأصل أن عمر ﵁ أخذ هذه السنة من نبيه ﵊.
الراجح:
جواز اقتداء أحدهما بالآخر، وليس أحدهما أولى من الآخر إذا تساويا في القراءة والفقه والسن، والله أعلم.
стр. 9085
أحكام الاقتداء
تمهيد
المبحث الأول في تعريف الاقتداء
تعريف الاقتداء اصطلاحًا:
اقتداء مصل فأكثر بجميع صلاته أو بجزء منها بمصلٍّ آخر في أفعال الصلاة مما تشرع له الجماعة، وربط صلاتهم بأفعال صلاته.
فحقيقة الاقتداء، لا يكون إلا بتوفر شرطين:
أحدهما: نية الاقتداء من المأموم.
والثاني: التزام المتابعة، أي اتباع المأموم لأفعال إمامه وتأخره عنه، ولا خلاف في لزوم المتابعة في الأركان الفعلية؛ إذ هي موضع الاقتداء،
قال الخطيب في مغني المحتاج: «تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة، لا في أقوالها» (١).
قال ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا …
وقد سبق لي شرح هذا التعريف في أول الكتاب عند الكلام على تعريف الإمامة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 9086
الباب الأول في شروط الاقتداء
الشرط الأول في نية الاقتداء
المبحث الأول في اشتراط نية الإمامة والائتمام
المدخل إلى المسألة:
الشروط توقيفية، لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدم الاشتراط.
قام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقام ابن عباس، فتوضأ، ودخل معه، فلو كانت نية الإمامة شرطًا في صحة الائتمام لما صح البناء على أول الصلاة.
ما كان شرطًا في الصلاة كان شرطًا في جميعها؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض.
كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها كالجمعة؛ فإن نية الإمامة فيها شرط، والعكس بالعكس.
ثواب الجماعة متوقف على النية، فإذا لم يَنْوِ الإمام الجماعة، فليس له ثوابها؛ لأن الأعمال بالنيات، فلم تُعقَد الجماعة في حقه حتى يكون له ثوابها.
لو أمكن انعقاد الجماعة في حق الإمام، ولو لم ينو، لانعقدت الجمعة أيضًا بلا نية الإمامة، اكتفاء بصورة الجماعة، ولم يقل به أحد.
[م-١٠٤٤] اتفق العلماء على أنه لا بد أن ينوي المأموم الائتمام (١).
واتفق الأئمة الأربعة على أن إمام الجمعة يلزمه نية الإمامة؛ لأن الجماعة فيها شرط (٢).
стр. 9087
واختلفوا في غير الجمعة هل يلزم الإمام أن ينوي الإمامة؟
فقال الحنفية: إن صلى بالرجال لم تشترط نية الإمامة، وتشترط إن صلى بالنساء، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يشترط نية الإمامة في الإمام، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال زفر (٢).
стр. 9088
واستثنى المالكية أربع صلوات يشترط فيها نية الإمامة: صلاة الجمعة وصلاة الخوف إذا صلى الإمام بالطائفتين، وإذا كان مأمومًا فاستخلف، وأضاف المتأخرون منهم الجمع للمطر، واختلفوا في صلاة الجنازة (١).
واستثنى الشافعية صلاة الجمعة، والصلاة المعادة؛ لكونهما لا تصحان فرادى، فلا بد من نية الإمامة فيهما.
وقيل: تشترط للإمام نية الإمامة فرضًا ونفلًا، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من المفردات (٢).
وبه قال الأوزاعي والثوري في أحد قوليه، وإسحاق، وبعض الشافعية (٣).
стр. 9089
وقيل: يصح في النفل دون الفرض، وهو رواية عن أحمد (١).
وعلى القول بأن نية الإمامة ليست شرطًا، فهل له ثواب الجماعة إذا لم ينو؟ في ذلك خلاف:
فقيل: لا ثواب له إذا لم ينو، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يحصل له ثواب الجماعة، ولو لم ينو؛ لأنها حاصلة لمتابعيه، فوجب أن تحصل له، ولأنه أحد ركني الجماعة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: إن علمهم، ولم ينو الإمامة لم تحصل، وإن كان منفردًا، ثم اقتدوا به، ولم يعلم، حصل له ثواب الجماعة، وبه قال القاضي حسين من الشافعية (٤).
هذه أقوال المسألة، وقد سبق لي ذكر أدلتها في مسألة سابقة في المجلد الخامس، في أحكام النية، فارجع إليه.
стр. 9090
المبحث الثاني في اشتراط أن ينوي المأموم الائتمام من أول صلاته
المدخل إلى المسألة:
من أجاز تقدم إحرام المأموم على إمامه بلا ضرورة، أجاز نية الانتقال إلى الائتمام في أثناء الصلاة بالنية.
الانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، ولكلٍّ صلاته، وتصح المتابعة، ولو لم يعلم الإمام؛ لأن نية الإمامة ليست شرطًا.
صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم، كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام؛ لحضور النبي ﷺ .
اختلاف نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة، لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يعرض للمصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته.
إذا كان هناك مانع من جواز هذه الصورة فليس الانتقال، وإنما هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة؛ لحديث: إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر.
[م-١٠٤٥] إذا ابتدأ المصلي منفردًا، ثم أقيمت جماعة، فأحب أن يدخل معهم بنية الائتمام، ويبني على ما صلى منفردًا، فاختلف العلماء في هذه المسألة لاختلافهم في حكم تقدم المأموم على الإمام بتكبيرة الإحرام:
فقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأحد قولي الشافعي (١).
стр. 9091
على خلاف بينهم في المفسد:
فالحنفية والمالكية يرون المفسد: هو تقدم المنفرد على إمامه بالتحريمة.
وأما الحنابلة: المفسد عندهم هو نية الانتقال، وإلا لما أجازوا تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة.
وقيل: تصح، وهو الجديد من قولي الشافعية، والأصح في مذهبه، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، إلا أن الشافعية قالوا: يكره (١).
стр. 9092
قال النووي في الروضة: «إذا لم يسلم من صلاته التي أحرم بها منفردًا، بل اقتدى في خلالها، فالمذهب جوازه» (١).
وقيل: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يصح انتقاله، وهو قول عند الشافعية (٢).
وإذا أحببت الوقوف على أدلة المسألة فارجع إليها في كتاب شروط الصلاة، فقد سبق بحثها، وإنما اقتضى التنبيه عليها؛ لتجدد المناسبة عند ذكر أحكام الاقتداء عند الفقهاء، وحتى لا يظن من يطلب هذه المسألة في أحكام الاقتداء أن البحث غفل منها، والله أعلم
стр. 9093
الشرط الثاني متابعة المأموم لإمامه وعدم الاختلاف عليه
[م-١٠٤٦] يشترط للاقتداء متابعة الإمام، ولا تتحقق هذه المتابعة إلا إذا وقعت أفعال المأموم بعد فعل إمامه، فلا يسبقه، ولا يقارنه فيه، ولا يتأخر عنه إلى فراغه منه؛ لأن المأموم تابع لإمامه، ومن شأن التابع ألا يستقل عن متبوعه.
والأدلة على هذا الشرط كثيرة، منها:
(ح-٣٢٠٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (١).
ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢).
ورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٣).
فقوله: (إنما) تفيد الحصر، فكأنه لا وظيفة للإمام إلا متابعته على الأمور المذكورة، من تكبيرة الإحرام إلى الركوع والسجود وحتى الانصراف.
وقوله: (جعل الإمام … ) ف (جعل) بمعنى شرع، فالجعل نوعان:
شرعي: كالحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
وقدري: كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦].
стр. 9094
وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
وجعل في الحديث تنصب مفعولين، فقام نائب الفاعل مقام المفعول الأول، ومفعوله الثاني محذوف والتقدير: (إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به): واللام في قوله: (ليؤتم) لتعليل: أي من أجل أن يقتدى به، فإذا خالفه بطل المقصود الشرعي من عقد الإمامة له في الصلاة.
وقد صلى الرسول ﷺ على المنبر، وقال: إنما صنعت هذا لتأتموا بي … الحديث متفق عليه (١).
وقوله (فلا تختلفوا عليه) توكيد لقوله: (ليؤتم به).
والإمام مشتق من التقدم، فلا يتقدم عليه المأموم لا في مكانه، ولا في أفعاله، فمقتضى اتخاذه إمامًا أن تأتي خلفه في المكان، وتأتي عقبه بالأفعال.
وقوله: (فإذا كبر) هذا تفسير لما يجب الائتمام به وتفريع على قوله (ليؤتم به) فكأن قوله (ليؤتم به) مجمل فسرته الجملة التي جاءت بعدها من قوله: (فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا … وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا).
فلم يذكر الائتمام به بالنية، ولهذا قال ابن حجر: «يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله» (٢).
يضاف إلى الأفعال تكبيرة الإحرام، لقوله: (فإذا كبر) أي إذا فرغ من تكبيرة الإحرام.
(فكبروا) الفاء للتعقيب، فجعل فعلهم عقب فعله، لا قبله، ولا معه، ولا متأخرًا عنه كثيرًا.
(ح-٣٢٠٦) وروى أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز،
عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا
стр. 9095
سجدت تدركوني إذا رفعت (١).
[حسن] (٢).
(ح-٣٢٠٧) وروى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال:
حدثني البراء -وهو غير كذوب-، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده (٣).
(ح-٣٢٠٨) وروى البخاري ومسلم من طريق محمد بن زياد:
سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: أما يخشى أحدكم، أو: لا يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار (٤).
ودلالة هذا الحديث على تحريم الرفع قبل الإمام؛ للتوعد عليه بهذه العقوبة المغلظة، وهو المسخ حمارًا، ونص على الحمار لوجه الشبه بين هذا الفاعل وهذه الدابة بجامع البلادة.
وهذه المتابعة إن كانت في أفعال الصلاة فهي محل إجماع من قيام وركوع وسجود وجلوس.
واختلفوا في الإمام إذا صلى جالسًا هل يلزم المأموم الصلاة جالسًا، أو يستحب له الجلوس، وإن شاء قام، أو يجب عليه القيام، وقد تعرضت لهذه المسألة في فصل سابق في اقتداء القادر بالعاجز، فارجع إليه إن شئت.
وفي أقوال الصلاة تجب متابعة الإمام في تكبيرة الإحرام، وفي التسليم، على خلاف في بعض الصور إذا سبق إمامه فيهما.
стр. 9096
سوف أعرض لها بالدراسة إن شاء الله تعالى تحت هذا الشرط.
واختلفوا في التأمين، أيؤمن مع الإمام أم بعده؟ لتعارض حديث (إذا أمن الإمام فأمنوا) مما يدل ظاهره على الترتيب والتعقيب، مع قوله: في حديث أبي هريرة في الصحيحين: وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وسوف أعرض للخلاف الوارد تحت هذا الشرط إن شاء الله تعالى.
واختلفوا في وجوب متابعة الإمام في النية، كما لو صلى الظهر خلف من يصلي العصر، أو صلى أداء خلف من يصلي قضاء أو العكس، أو صلى فريضة خلف من يصلي نافلة.
وسوف أتناول خلاف العلماء إن شاء الله تعالى في هذه المسائل تحت هذا الشرط.
فدراسة هذا الشرط تستلزم دراسة: حكم سبق الإمام بالأركان، وحكم موافقته في أفعاله، وحكم تأخره عنها، وإذا خالف، فهل تبطل صلاته، أم يفرق فيها بين المعذور وغيره؟.
стр. 9097
الباب الثالث [¬*] في الاختلاف على الإمام
الفصل الأول في مسابقة الإمام في أقوال الصلاة
المبحث الأول في مسابقة الإمام في تكبيرة الإحرام.
المدخل إلى المسألة:
يتفق الفقهاء على تحريم مسابقة الإمام والتأخر عنه حتى يفرغ من الركن، ويختلفون في إبطال الصلاة.
إذا سبق إمامه أو تأخر عنه إلى فراغه من الركن عالمًا متعمدًا حَرُم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم.
التحريم لا ينافي الصحة إلا بدليل،.
كل مأموم أحرم قبل إمامه فقد أبطل متابعته له، إلا الإمام الراتب، ومن كان مثله، إذا حضر، وقد شرع نائبه في الصلاة، ورغب في الإمامة على الصحيح، وهو فرع عن نائبه.
صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الاقتداء.
إبطال الاقتداء لا يلزم منه إبطال نية الصلاة؛ لأن إبطال الأخص لا يلزم منه إبطال الأعم إلا بدليل.
стр. 9098
المتابعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، وترك الواجب لها لا يبطل الصلاة.
لا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة، فالإمام إذا أحدث أثناء الصلاة بطلت المتابعة، ولم تبطل صلاة المأموم، ولو نوى المأموم مفارقة إمامه لعذر بطلت المتابعة، وبنى على صلاته منفردًا، فلا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة.
[م-١٠٤٧] إذا سبق المأموم إمامه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة والأصح في مذهب الحنفية (١).
стр. 9099
جاء في مجمع الأنهر: «ولو قال المؤتم قبل الإمام: الله أكبر الأصح أنه لا يكون شارعًا فيها، وأجمعوا على أنه لو فرغ من قوله: أكبر قبل فراغ الإمام لا يكون شارعا كما في الدرر» (١).
وقيل: يكون شارعًا في صلاة نفسه، وهو قول في مقابل الأصح في مذهب الحنفية، ومقتضى قول سحنون فيمن كبر قبل إمامه، وأراد أن يدخل مع الإمام، قال: يسلم ثم يكبر، ورجحه اللخمي (٢).
جاء في تبصرته: «وإن كبّر المأموم قبل إمامه، وهو يظن أن الإمام قد كبّر، ثم علم أنه لم يكبر- لم تجزئه، قال مالك: ويكبر بعد تكبير الإمام، ولا يسلم.
وقال سحنون: يسلّم ثم يكبّر.
ولو صلى لنفسه بتلك التكبيرة لم يجزئه على قول مالك، وأجزأه على قول سحنون. وهذا أبين؛ لأنه عقد على نفسه الصلاة بإحرام؛ فلم يسقط حكم الإحرام» (٣).
دليل الجمهور على أن صلاته لم تنعقد:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٠٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٤).
وجه الاستدلال:
قال النبي ﷺ : (إذا كبر الإمام فكبروا) والإمام لا يكون مكبرًا حتى يقول: (اللَّه
стр. 9100
أكبر)؛ فلو قال الإمام (اللَّه) ثم سكت: لم يكن مكبرًا، حتى يقول: (اللَّه أكبر). فيكبر الناس بعد قوله: (اللَّه أكبر)، وربما مدَّ الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه، والذي يكبر معه ربما جزم التكبير، ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فصار هذا مكبرًا قبل إمامه، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه.
ونوقش هذا:
قولهم: (محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه) هذا يعني إبطال المتابعة، ولا يلزم منه إبطال التحريمة منفردًا؛ فأين الدليل على إبطال التحريمة، والمخالف لا يمنع من إبطال المتابعة.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢١٠) وروى الإمام أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسا، فصلوا جلوسًا أجمعون (١).
[انفرد محمد بن مصعب عن أبي صالح السمان بلفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر، ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)، ورواه جمع عن أبي هريرة، وليس فيه لفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر) وهي رواية الصحيحين] (٢).
فهذا الحديث جمع بين الأمر بالمتابعة والنهي عن المسابقة بقوله: (إذا كبر فكبروا … ولا تكبروا حتى يكبر).
ولولا توكيد المسألة لما احتاج إلى الجمع بين الأمر والنهي؛ فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، أو عن أضداده.
стр. 9101
دليل من قال: إذا كبر قبل الإمام صحت له التحريمة منفردًا:
لأن صلاته مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الاقتداء، فبطلان الاقتداء لا يوجب بطلان التحريمة وقد شرع فيها.
وقد قال الحنابلة في الرجل إذا نوى الانتقال من فرض إلى فرض آخر،
قالوا: إن هذا يبطل فرضه الأول؛ لتغيير النية.
ولم ينعقد الثاني؛ لأنه لم يَنْوِهِ من أوله.
وينقلب فرضه الأول إلى نفل إن أتمه؛ لأن إبطال نية الفرضية لا يلزم منه إبطال نية مطلق الصلاة.
ومثله في الحكم عندهم لو نوى الانتقال من نفل معين إلى نفل معين آخر: كأن ينتقل من وتر إلى ركعتي الفجر، فيبطل النفل المعين الأول لتغيير النية.
ولم يتحصل له النفل المعين الثاني؛ لأنه لم ينوه من أوله.
وينقلب نفله الأول المعين إلى نفل مطلق؛ لأن إبطال التعيين لا يستلزم إبطال مطلق الصلاة، كما قلنا: إن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.
فكذلك هنا: إذا كبر قبل إمامه، أبطل ذلك متابعته لإمامه، ولا يلزم منه إبطال الصلاة؛ لصحة التحريمة، ولأن بطلان المتابعة لا يلزم منها بطلان الصلاة.
ونوقش:
بأن المأموم إذا سبق إمامه بالتحريمة، وهو ينوي الاقتداء بالفريضة، لا يمكن تصحيح التحريمة بنية الانفراد؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهو لم ينو الانفراد.
ولا انقلاب الصلاة نافلة؛ لأن النافلة بعد إقامة الفريضة لا تشرع؛ لحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
ولو تنزلنا وصححنا التحريمة، وأبطلنا الاقتداء، فهو مأمور بعدم المضي في هذه التحريمة، والخروج منها؛ للدخول مع الإمام، والمحصلة واحدة؛ لأنه بعد إقامة الصلاة لا يصح له أن يصلي منفردًا، سواء أكان يصلي فرضه، أم كان متنفلًا لحديث يزيد بن الأسود: ( … إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع
стр. 9102
الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة)، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه.
فأمره النبي ﷺ بالصلاة مع الإمام، ولو كان قد صلى فرضه، فما بالك إذا كان لم يُصَلِّ فرضه.
ويجاب:
بأن هذا الاعتراض حمل أكثر من مسألة:
أما الجواب عن حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فهذا الحديث لا مدخل له في مسألتنا؛ لأن المصلي إذا سبق إمامه في تكبيرة الإحرام، وقلنا: قد شرع في صلاة نفسه قبل الإمام، فهذا إنما أحرم بالفريضة قبل إمامه، والحديث قد استثنى المكتوبة من الصلاة المنفية، فمعنى الحديث: (إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة نافلة إلا المكتوبة).
قال ابن بطال: «أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر، فدخل في المسجد؛ ليصليها، فأقيمت عليه العصر، أنه لا يقطع صلاته، ويكملها؛ لقوله ﷺ : (إلا المكتوبة)» (١).
فإن أراد الخروج مما هو فيه فعليه قطع نيته، والخروج مما شرع فيه، ويستأنف تكبيرة الإحرام للدخول مع الإمام، وتكبيرته للإحرام مرة ثانية بعد الإمام رفض للأولى، ولا أظن أحدًا يختلف في صحة الانتقال من صلاة إلى أخرى بهذه الطريقة، إذا نوى الخروج من الصلاة الأولى، وإن تكلم فيها أحد فقد يتكلم في الحكم التكليفي من جهة حكم إفساد الفرض بعد الشروع فيه، فيتوقف الحكم عليه بالنظر إلى الباعث عليه، فإذا كان له غرض صحيح في إبطال فرضه، وهو طلب الكمال في الصلاة مع الجماعة، والخروج من خلاف العلماء، فذلك جائز.
وإن أتم صلاته صحت منفردًا، خاصة عند من يقول: إن صلاة الجماعة سنة، ولا ثواب له في أجر الجماعة، وينبغي أن تصح صلاته منفردًا حتى عند من يقول بوجوب الجماعة؛ لأن الإثم بترك الجماعة لا يبطل صلاته منفردًا إلا على قول من يرى الجماعة شرطًا، وهو قول ضعيف.
стр. 9103
وقولكم: لا يمكن تصحيح التحريمة بنية الانفراد، وهو لم ينو الانفراد، فالجواب: أن الانفراد لا يشترط له نية خاصة، كما صححنا صلاته نافلة، وهو لم ينو النفل إذا انتقل بنيته من فرض إلى فرض آخر أثناء الصلاة، وإنما السؤال الذي يحسن توجيهه: إذا أبطلنا الاقتداء؛ لشروعه في تكبيرة الإحرام قبل إمامه، فهل اعتقاد المصلي بقاءه مأمومًا، هل يؤثر ذلك على صحة صلاته منفردًا؟.
والجواب: أن الحكم بمفارقة الإمام قد تكون بالنية، فإذا نوى المفارقة انتقل إلى الانفراد كما فعل الأنصاري خلف معاذ حين أطال الصلاة، وقد تكون المفارقة بالفعل المقتضي، نوى أو لم ينو؛ فصلاته حكمًا كمنفرد، لمسابقته إمامه، أو تخلفه عنه عمدًا بلا عذر؛ لأن الائتمام يوجب المتابعة، فإذا لم يلتزم بمقتضاه لم يعط حكمه.
فإذا كان ممن يرى القراءة خلف الإمام فالقول بصحة صلاته منفردًا متجه.
وإذا كان لا يقرأ مع الإمام؛ لاعتقاده أنه مأموم، فقد يقال: لا تصح صلاته؛ لأنه ليس مأمومًا حكمًا، وهو الأظهر.
وقد يقال بالصحة، وقد صحح المالكية والحنابلة في الإمام يصلي بالناس ناسيًا حدثه، فلم يتذكر حتى فرغ من الصلاة، أن على الإمام الإعادة، دون المأموم، فصححوا صلاة المأموم، مع أنه لم يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، بحسب الراجح في مذهب المالكية، والحنابلة. والإمام الذي كان يتحمل عنهم القراءة لم تصح صلاته حتى يصح تحمله، فتحمل الإمام فرع عن صحة صلاته، فإذا كان اعتقاد المأموم أن إمامه تحمل عنه كافيًا لصحة صلاته، فكذلك هذا.
وقد يقال بالفرق: فهذا المأموم معذور؛ لأنه مأمور بالدخول مع الإمام، ولا سبيل للوقوف على طهارة الإمام بخلاف من كبر قبل إمامه، فهو مخالف للسنة، والله أعلم.
وهذا الفرق ليس ظاهرًا؛ لأن العذر في المأمورات يسقط الإثم، ولا يسقط الطلب، فقراءة الفاتحة من المأمورات، وكما لو صلى ناسيًا حدثه لم تسقط عنه الصلاة، بخلاف المحظورات، فإن ارتكابها نسيانًا لا أثر له على صحة الصلاة، كما
стр. 9104
لو صلى بثوب نجس، فلم يعلم إلا بعد الفراغ من صلاته.
وإذا كان الأمر معلقًا على العذر، فليقيد الحكم به، فيقال: من كبر قبل إمامه خطأ، كما لو ظن أن إمامه قد كبر، فسبقه، فهذا معذور، وتحريمته صحيحة، وقد شرع في صلاة نفسه منفردًا بخلاف من كبر قبل إمامه عالمًا عامدًا، وهو ينوي الاقتداء به، فهذا متلاعب.
وأما الجواب عن حديث يزيد بن الأسود: ( … إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة).
فالأمر في الحديث متوجه لرجل قد صلى فرضه، وقد قال النبي ﷺ : (فإنها لكما نافلة)، وإذا كانت نافلة لم تكن واجبة، فيكون الدخول مع الإمام لمن صلى فرضه للاستحباب، فلا حجة في هذا الحديث على مسألتنا؛ لأن مسألة البحث في رجل كبَّر قبل إمامه في الفريضة، فهو قد شرع في الفريضة منفردًا، فإذا تلبس بالفريضة قبل انعقاد صلاة الإمام فلا يجب عليه الخروج منها من أجل تحصيل الجماعة عند من يرى الجماعة سنة، ولهذا الشافعية جوزوا صحة مفارقة الجماعة بلا عذر.
الراجح:
إذا أحرم المصلي قبل إمامه، فإما أن يكون متعمدًا، أو يكون مخطئًا؛ لظنه أن الإمام كبر قبله.
فإن كان متعمدًا فهو آثم، وفي صحة صلاته نظر؛ لأنه متلاعب، كيف يريد الاقتداء بالإمام، ويتقدم عليه في تكبيرة الإحرام، والرسول ﷺ يقول: (إذا كبر فكبروا).
وإن كان المصلي تقدم على إمامه خطأ، فقد شرع في صلاة نفسه، فلا يسقط حكم التحريمة؛ للعذر.
وقد أجاز الحنابلة تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة، فلو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع، لم يكن هناك فرق بين إمام وآخر.
стр. 9105
وأجاز الشافعية للرجل إذا أحرم بالفريضة منفردًا، ثم أقيمت الجماعة أن يدخل معهم بالنية، ويبني على ما صلى، ويلزم من الفعل تقدم المأموم بالتحريمة، وسوف يأتي بحث هذه المسألة بعد الفراغ من مسألتنا إن شاء الله تعالى.
فإذا كان التقدم على الإمام في التحريمة في الصورتين لم يبطل صحة الاقتداء، فعلى الأقل أن يكون التقدم على الإمام بالتحريمة من المعذور صحة التحريمة منفردًا، ويكون قد شرع في صلاة نفسه، وإذا أراد تحصيل الجماعة فعليه إبطال ما شرع فيه برفض التحريمة الأولى، واستئناف الاقتداء بالإمام بتكبيرة إحرام أخرى، فإن لم يفعل صحت صلاته منفردًا، إن كان يقرأ خلف إمامه، خاصة إذا لم يتنبه إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن إبطال صلاته يحتاج إلى برهان بيِّن، وإن كان لا يقرأ خلف إمامه وجب عليه إعادة الصلاة؛ لتركه فرض القراءة، وهو في حكم المنفرد، والله أعلم.