← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

دليل من قال: إذا كبر قبل الإمام صحت له التحريمة منفردًا: لأن صلاته مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الاقتداء، فبطلان الاقتداء لا يوجب بطلان التحريمة وقد شرع فيها. وقد قال الحنابلة في الرجل إذا نوى الانتقال من فرض إلى فرض آخر، قالوا: إن هذا يبطل فرضه الأول؛ لتغيير النية. ولم ينعقد الثاني؛ لأنه لم يَنْوِهِ من أوله. وينقلب فرضه الأول إلى نفل إن أتمه؛ لأن إبطال نية الفرضية لا يلزم منه إبطال نية مطلق الصلاة. ومثله في الحكم عندهم لو نوى الانتقال من نفل معين إلى نفل معين آخر: كأن ينتقل من وتر إلى ركعتي الفجر، فيبطل النفل المعين الأول لتغيير النية. ولم يتحصل له النفل المعين الثاني؛ لأنه لم ينوه من أوله. وينقلب نفله الأول المعين إلى نفل مطلق؛ لأن إبطال التعيين لا يستلزم إبطال مطلق الصلاة، كما قلنا: إن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم. فكذلك هنا: إذا كبر قبل إمامه، أبطل ذلك متابعته لإمامه، ولا يلزم منه إبطال الصلاة؛ لصحة التحريمة، ولأن بطلان المتابعة لا يلزم منها بطلان الصلاة. ونوقش: بأن المأموم إذا سبق إمامه بالتحريمة، وهو ينوي الاقتداء بالفريضة، لا يمكن تصحيح التحريمة بنية الانفراد؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهو لم ينو الانفراد. ولا انقلاب الصلاة نافلة؛ لأن النافلة بعد إقامة الفريضة لا تشرع؛ لحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). ولو تنزلنا وصححنا التحريمة، وأبطلنا الاقتداء، فهو مأمور بعدم المضي في هذه التحريمة، والخروج منها؛ للدخول مع الإمام، والمحصلة واحدة؛ لأنه بعد إقامة الصلاة لا يصح له أن يصلي منفردًا، سواء أكان يصلي فرضه، أم كان متنفلًا لحديث يزيد بن الأسود: ( … إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع

стр. 9102

الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة)، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه. فأمره النبي ﷺ بالصلاة مع الإمام، ولو كان قد صلى فرضه، فما بالك إذا كان لم يُصَلِّ فرضه. ويجاب: بأن هذا الاعتراض حمل أكثر من مسألة: أما الجواب عن حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فهذا الحديث لا مدخل له في مسألتنا؛ لأن المصلي إذا سبق إمامه في تكبيرة الإحرام، وقلنا: قد شرع في صلاة نفسه قبل الإمام، فهذا إنما أحرم بالفريضة قبل إمامه، والحديث قد استثنى المكتوبة من الصلاة المنفية، فمعنى الحديث: (إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة نافلة إلا المكتوبة). قال ابن بطال: «أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر، فدخل في المسجد؛ ليصليها، فأقيمت عليه العصر، أنه لا يقطع صلاته، ويكملها؛ لقوله ﷺ : (إلا المكتوبة)» (١). فإن أراد الخروج مما هو فيه فعليه قطع نيته، والخروج مما شرع فيه، ويستأنف تكبيرة الإحرام للدخول مع الإمام، وتكبيرته للإحرام مرة ثانية بعد الإمام رفض للأولى، ولا أظن أحدًا يختلف في صحة الانتقال من صلاة إلى أخرى بهذه الطريقة، إذا نوى الخروج من الصلاة الأولى، وإن تكلم فيها أحد فقد يتكلم في الحكم التكليفي من جهة حكم إفساد الفرض بعد الشروع فيه، فيتوقف الحكم عليه بالنظر إلى الباعث عليه، فإذا كان له غرض صحيح في إبطال فرضه، وهو طلب الكمال في الصلاة مع الجماعة، والخروج من خلاف العلماء، فذلك جائز. وإن أتم صلاته صحت منفردًا، خاصة عند من يقول: إن صلاة الجماعة سنة، ولا ثواب له في أجر الجماعة، وينبغي أن تصح صلاته منفردًا حتى عند من يقول بوجوب الجماعة؛ لأن الإثم بترك الجماعة لا يبطل صلاته منفردًا إلا على قول من يرى الجماعة شرطًا، وهو قول ضعيف.

стр. 9103

وقولكم: لا يمكن تصحيح التحريمة بنية الانفراد، وهو لم ينو الانفراد، فالجواب: أن الانفراد لا يشترط له نية خاصة، كما صححنا صلاته نافلة، وهو لم ينو النفل إذا انتقل بنيته من فرض إلى فرض آخر أثناء الصلاة، وإنما السؤال الذي يحسن توجيهه: إذا أبطلنا الاقتداء؛ لشروعه في تكبيرة الإحرام قبل إمامه، فهل اعتقاد المصلي بقاءه مأمومًا، هل يؤثر ذلك على صحة صلاته منفردًا؟. والجواب: أن الحكم بمفارقة الإمام قد تكون بالنية، فإذا نوى المفارقة انتقل إلى الانفراد كما فعل الأنصاري خلف معاذ حين أطال الصلاة، وقد تكون المفارقة بالفعل المقتضي، نوى أو لم ينو؛ فصلاته حكمًا كمنفرد، لمسابقته إمامه، أو تخلفه عنه عمدًا بلا عذر؛ لأن الائتمام يوجب المتابعة، فإذا لم يلتزم بمقتضاه لم يعط حكمه. فإذا كان ممن يرى القراءة خلف الإمام فالقول بصحة صلاته منفردًا متجه. وإذا كان لا يقرأ مع الإمام؛ لاعتقاده أنه مأموم، فقد يقال: لا تصح صلاته؛ لأنه ليس مأمومًا حكمًا، وهو الأظهر. وقد يقال بالصحة، وقد صحح المالكية والحنابلة في الإمام يصلي بالناس ناسيًا حدثه، فلم يتذكر حتى فرغ من الصلاة، أن على الإمام الإعادة، دون المأموم، فصححوا صلاة المأموم، مع أنه لم يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، بحسب الراجح في مذهب المالكية، والحنابلة. والإمام الذي كان يتحمل عنهم القراءة لم تصح صلاته حتى يصح تحمله، فتحمل الإمام فرع عن صحة صلاته، فإذا كان اعتقاد المأموم أن إمامه تحمل عنه كافيًا لصحة صلاته، فكذلك هذا. وقد يقال بالفرق: فهذا المأموم معذور؛ لأنه مأمور بالدخول مع الإمام، ولا سبيل للوقوف على طهارة الإمام بخلاف من كبر قبل إمامه، فهو مخالف للسنة، والله أعلم. وهذا الفرق ليس ظاهرًا؛ لأن العذر في المأمورات يسقط الإثم، ولا يسقط الطلب، فقراءة الفاتحة من المأمورات، وكما لو صلى ناسيًا حدثه لم تسقط عنه الصلاة، بخلاف المحظورات، فإن ارتكابها نسيانًا لا أثر له على صحة الصلاة، كما

стр. 9104

لو صلى بثوب نجس، فلم يعلم إلا بعد الفراغ من صلاته. وإذا كان الأمر معلقًا على العذر، فليقيد الحكم به، فيقال: من كبر قبل إمامه خطأ، كما لو ظن أن إمامه قد كبر، فسبقه، فهذا معذور، وتحريمته صحيحة، وقد شرع في صلاة نفسه منفردًا بخلاف من كبر قبل إمامه عالمًا عامدًا، وهو ينوي الاقتداء به، فهذا متلاعب. وأما الجواب عن حديث يزيد بن الأسود: ( … إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة). فالأمر في الحديث متوجه لرجل قد صلى فرضه، وقد قال النبي ﷺ : (فإنها لكما نافلة)، وإذا كانت نافلة لم تكن واجبة، فيكون الدخول مع الإمام لمن صلى فرضه للاستحباب، فلا حجة في هذا الحديث على مسألتنا؛ لأن مسألة البحث في رجل كبَّر قبل إمامه في الفريضة، فهو قد شرع في الفريضة منفردًا، فإذا تلبس بالفريضة قبل انعقاد صلاة الإمام فلا يجب عليه الخروج منها من أجل تحصيل الجماعة عند من يرى الجماعة سنة، ولهذا الشافعية جوزوا صحة مفارقة الجماعة بلا عذر. الراجح: إذا أحرم المصلي قبل إمامه، فإما أن يكون متعمدًا، أو يكون مخطئًا؛ لظنه أن الإمام كبر قبله. فإن كان متعمدًا فهو آثم، وفي صحة صلاته نظر؛ لأنه متلاعب، كيف يريد الاقتداء بالإمام، ويتقدم عليه في تكبيرة الإحرام، والرسول ﷺ يقول: (إذا كبر فكبروا). وإن كان المصلي تقدم على إمامه خطأ، فقد شرع في صلاة نفسه، فلا يسقط حكم التحريمة؛ للعذر. وقد أجاز الحنابلة تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة، فلو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع، لم يكن هناك فرق بين إمام وآخر.

стр. 9105

وأجاز الشافعية للرجل إذا أحرم بالفريضة منفردًا، ثم أقيمت الجماعة أن يدخل معهم بالنية، ويبني على ما صلى، ويلزم من الفعل تقدم المأموم بالتحريمة، وسوف يأتي بحث هذه المسألة بعد الفراغ من مسألتنا إن شاء الله تعالى. فإذا كان التقدم على الإمام في التحريمة في الصورتين لم يبطل صحة الاقتداء، فعلى الأقل أن يكون التقدم على الإمام بالتحريمة من المعذور صحة التحريمة منفردًا، ويكون قد شرع في صلاة نفسه، وإذا أراد تحصيل الجماعة فعليه إبطال ما شرع فيه برفض التحريمة الأولى، واستئناف الاقتداء بالإمام بتكبيرة إحرام أخرى، فإن لم يفعل صحت صلاته منفردًا، إن كان يقرأ خلف إمامه، خاصة إذا لم يتنبه إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن إبطال صلاته يحتاج إلى برهان بيِّن، وإن كان لا يقرأ خلف إمامه وجب عليه إعادة الصلاة؛ لتركه فرض القراءة، وهو في حكم المنفرد، والله أعلم.

стр. 9106

المبحث الثاني إذا أحرم المأموم منفردًا ثم نوى الاقتداء بالنية المدخل إلى المسألة: إذا نوى الائتمام من ابتداء الصلاة حرم سبق الإمام بتكبيرة الإحرام؛ لحديث (إذا كبر فكبروا … ولا تكبروا حتى يكبر) وإن أحرم منفردًا، ثم اقتدى بالنية جاز له البناء على التحريمة، وانتقل من الانفراد إلى الائتمام بالنية. الانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، ولكلٍّ صلاته، وتصح المتابعة، ولو لم يعلم الإمام؛ لأن نية الإمامة ليست شرطًا. صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم، كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام؛ لحضور النبي ﷺ . اختلاف نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة، لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يعرض للمصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته. إذا كان هناك مانع من جواز هذه الصورة فليس نية الانتقال، وإنما هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة، وقد أجاز الحنابلة تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة. لو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام الحي وغيره. [م-١٠٤٨] في المسألة السابقة نوى الائتمام مع ابتداء الصلاة، فسبق المأموم إمامه بالتكبير، ومسألتنا هذه في رجل أحرم منفردًا، ثم جاء إمام ومعه جماعة، فأحرموا بتلك الصلاة، فأراد أن يتابع الإمام بالنية، ويبني على تحريمته. والمسألتان متفقتان: في أن المأموم أحرم قبل إمامه، لكنه في المسألة الأولى لم ينو الصلاة منفردًا، بخلاف هذه المسألة، فإنه دخل في الصلاة منفردًا، ثم أراد الانتقال إلى

стр. 9107

الائتمام، والبناء على التحريمة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ لاختلافهم في حكم تقدم المأموم على الإمام بتكبيرة الإحرام: فقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو قول الشافعي في الإملاء (١). على خلاف بينهم في المفسد: فالحنفية والمالكية يرون المفسد: هو تقدم المنفرد على إمامه بالتحريمة. وأما الحنابلة: فأجازوا تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة، فلو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام وآخر، فالمفسد عندهم كونه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة.

стр. 9108

وقيل: تصح، وهو قول الشافعي في الأم والقديم والجديد، والأصح في مذهبه، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، إلا أن الشافعية قالوا: يكره (١). قال النووي في الروضة: «إذا لم يسلم من صلاته التي أحرم بها منفردًا، بل اقتدى في خلالها، فالمذهب جوازه» (٢). وقيل: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يصح انتقاله، وهو قول عند الشافعية (٣).

стр. 9109

وقد ذكرت هذه المسألة بأدلتها في مناسبة فقهية سابقة، عند الكلام على شروط الصلاة، في أحكام النية، وقد تجدد ذكرها في مناسبة أخرى عند الكلام على أحكام الائتمام، فارجع إليها إن شئت (١).

стр. 9110

المبحث الثالث في تقدم المأموم على إمامه الراتب في تكبيرة الإحرام المدخل إلى المسألة: الإمام الثاني بدل عن الإمام الأول، وصلاته امتداد لصلاته. الشرط ألا يسبق المأموم إمامه الذي ابتدأ الصلاة معه، لا الذي أكمل معه الصلاة؛ فإن الثاني تبع للأول، وبدل عنه. إن بنى الإمام الثاني على ترتيب صلاة الإمام الأول، صار الإمام الثاني بدلًا عن الأول، وإن صَلَّى لنفسه، وهو الأصل، كان ما يصليه الإمام الراتب هو أول صلاته، وعلى المأموم أن يتابعه في موقفه، واختلال نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة لا حرج فيه، ولا يؤثر ذلك في بطلان صلاته. الجلوس العارض للمأموم من أجل متابعة إمامه لا تأثير له في بطلان صلاته، وإن كثر في صلاة المأموم. [م-١٠٤٩] إذا غاب الإمام الراتب، فأقيمت الصلاة، وقام نائبه بالإمامة عنه، ثم حضر الإمام الراتب، فإن صلى الإمام الراتب مأمومًا فلا خلاف كما فعل النبي ﷺ حين صلى خلف عبد الرحمن بن عوف. وإن أحب الإمام الراتب أن يتقدم إمامًا؛ ليكمل بهم الصلاة، ويتراجع النائب عن الإمامة إلى الائتمام، ففي ذلك خلاف، ويدخل في هذه المسألة حكم استخلاف رجل ليس مأمومًا ليكمل الصلاة: فقيل: لا يصح مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).

стр. 9111

وقيل: يصح مطلقًا، وهو أظهر القولين في مذهب الشافعية، وبه قال البخاري في صحيحه (١). وقيل: يصح إن كان الإمام هو الراتب، فإذا صلى بهم بنى على صلاة نائبه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (٢). وحكي عن ابن القاسم من المالكية، وإنما قاله في إمام أحدث فاسْتَخْلَف ثم أتى، فأخَّر الْمُسْتَخْلَف، وأتم الصلاة، فقال: إن ذلك ماضٍ، واستدل بفعل أبي بكر حين تأخر، وتقدم النبي ﷺ ، قال الباجي: وذلك يدل على أنه يرى أن هذا الفعل لا يختص بالنبي ﷺ (٣). واشترط ابن القاسم لجواز ذلك ألا يعملوا لأنفسهم عملًا قبل عوده (٤).

стр. 9112

وقصر ابن عبد السلام من المالكية الجواز في حق الإمام الراعف الباني دون ما يوجب قطع الصلاة كالحدث، قال ابن عرفة: وهو وهم وقصور (١). وقد يقال: إن قول ابن القاسم وابن عبد السلام أخص من قول الحنابلة والشافعية، فهما يتكلمان عن البناء على الصلاة إذا أحدث الإمام، أو رعف في صلاته، فاستخلف، فخرج، فتوضأ، ثم عاد إلى إمامة الصلاة مرة أخرى، فاستأخر المستخلف. فهذا جائز عند ابن القاسم سواء أكان خروجه عن الصلاة من حدث أم من رعاف. بخلاف ابن عبد السلام فقصره على الراعف الباني، واشترطوا ألا يعمل المصلون لأنفسهم عملًا قبل عوده. وقد لا يجيزان صورة أن يأتي رجل من خارج الصلاة، فيستخلف، ويتراجع الإمام إلى الائتمام، كما في حديث سهل بن سعد. والله أعلم (٢). وقال ابن حزم: «لا يضره أن يكبر قبل إمامه، إذا كان تكبيره بحق» (٣).

стр. 9113

هذه هي مجموع الأقوال في المسألة، وقد ذكرت أدلتها في مناسبة سابقة، عند الكلام على أحكام النية فارجع إليها إن شئت، وقد تجدد ذكرها في مناسبة أحكام الائتمام فأردت أن أذكر الأقوال فيها، وأحيل على ذكر أدلتها، لعل باحثًا يطلبها في هذا الباب فيظن أن البحث قد أغفلها، وكان من عادة البحث أن يذكر المسألة بأدلتها عند أول مناسبة، فإذا تجددت مناسبات أخرى اقتصرت فيها على الأقوال، وأحلت على الأدلة، ولله الحمد وحده.

стр. 9114

المبحث الرابع في مسابقة الإمام بالسلام الفرع الأول إذا سلم المأموم قبل إمامه ساهيًا المدخل إلى المسألة: كل سهو سهاه المأموم، فالإمام يحمله عنه، إلا ما كان من نقص الفرائض كالركوع، والسجود، فلا بد من الإتيان به بالاتفاق، واختلفوا في المسبوق. إذا سها المأموم في حال الاقتداء، وكان مسبوقًا، فقال الحنابلة: يسجد إذا قضى ما فاته، وقيل: لا سجود عليه؛ لأن السهو وقع في حال الاقتداء، وهو مذهب المالكية والشافعية، والأول أقرب. كل فعل يغير من هيئة الصلاة المشروعة، كزيادة جلوس، فإن تعمده يبطل الصلاة، ويسجد لسهوه، إلا المأموم فتغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة الصلاة، إذا كانت بسبب المتابعة، كالمسبوق بركعة. [م-١٠٥٠] إذا سلم المأموم قبل إمامه ساهيًا: فقيل: يعود إلى الصلاة ويسلم بعد إمامه، ويحمل الإمام عنه سهوه، ولا شيء عليه، وسواء أكان مسبوقًا أم غير مسبوق، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، وبه قال عطاء والزهري وحماد وقتادة وغيرهم (١).

стр. 9115

وقيل: يسجد المأموم لسهو نفسه مطلقًا، وبه قال مكحول في رواية، وداود الظاهري وابن حزم (١). قال المازري: «أطبق العلماء على أن المأموم لا يلزمه السجود في سهوه. وحكي عن مكحول أنه قام عن قعود الإمام فسجد سجدتين» (٢). وكذا قال العمراني في البيان (٣). وقيل: إذا سها المأموم مع إمامه فإن كان غير مسبوق لم يسجد، وإن كان مسبوقًا سجد لسهو نفسه، إذا قضى ما فاته، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).

стр. 9116

قال في كشاف القناع: «ويسجد مسبوق لسهوه معه، أي مع إمامه» (١). وقال في الفواكه العديدة: «المسبوق لا يتحمل عنه الإمام سهوه معه» (٢). وقد سبق لي بحث هذه المسألة ولله الحمد في المجلد الثالث عشر عند الكلام على سجود السهو، وقد ذكرت أدلتها هناك، ورجحت قول الحنابلة، وأنه قول وسط، بين من قال: لا سجود مطلقًا، ومن قال: عليه السجود مطلقًا، والله أعلم.

стр. 9117

الفرع الثاني إذا سلم المأموم قبل إمامه عالما عامدًا المدخل إلى المسألة: قال ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه. قال ﷺ : إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فمن سلم قبل إمامه عالمًا عامدًا بلا عذر فلم يتخذه إمامًا. لا يجتمع بقاء حكم الائتمام والسلام من الصلاة قبل الإمام، فهذا الفعل منه مناقض لقصده ومنافٍ لوجوب متابعته. لا يجوز تصحيح السلام قبل الإمام على القول بأن الجماعة ليست واجبة، لأن عدم وجوب الجماعة لا يمنع من كون متابعة الإمام واجبة، كالقراءة واجبة في الصلاة، ولو كانت نافلة. كل واجب بسبب المتابعة فهو من الواجب للصلاة، وليس من الواجب فيها؛ لوجود حقيقة الصلاة بدونها، ولأن أفعال الصلاة فرائض وسنن، ولا واجب فيها. [م-١٠٥١] إذا سلم المأموم قبل إمامه عالمًا ذاكرًا للقدوة، فقيل: إذا قعد قدر التشهد لم تبطل صلاته مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وبه قال جماعة من السلف (١).

стр. 9118

قال ابن عابدين: «لو أتم المؤتم التشهد، بأن أسرع فيه، وفرغ منه قبل إتمام إمامه، فأتى بما يخرجه من الصلاة، كسلام، أو كلام، أو قيام جاز: أي صحت صلاته؛ لحصوله بعد تمام الأركان» (١). وقيل: تبطل صلاته مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والمعتمد عند الحنابلة (٢). جاء في الفواكه الدواني: «فإن شرع في السلام قبل إمامه عمدًا أو جهلًا بطلت صلاته» (٣). وقيل: إن سلم ناويًا مفارقته لم تبطل، وإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته، وهو مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤). قال القاضي حسين: «ولو سلم قبل الإمام إن لم ينو الخروج منها فقد أبطل صلاته إن كان عامدًا، وإن نوى الخروج من الصلاة فحكمه حكم ما لو أخرج نفسه من متابعة الإمام، وهو غير معذرو فيه، وفيه قولان» (٥). قال في الفروع: «وإن سلم ناويًا مفارقته فالروايتان» (٦).

стр. 9119

هذه أقوال الفقهاء في السلام قبل الإمام: تصح مطلقًا إذا قعد قدر التشهد، وهو مذهب الحنفية. لا تصح مطلقًا، وهو مذهب المالكية والحنابلة. وتصح إن نوى مفارقته، وهو مذهب الشافعية .. دليل الحنفية على صحة الصلاة إذا سبق إمامه بالتسليم: الدليل الأول: (ح-٣٢١١) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ. وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وقد مر معنا في مسائل سابقة جواب المخالفين على الاستدلال بحديث المسيء صلاته، وأنهم يفترضون إما أن النبي ﷺ ربما علمه ما أساء فيه فقط، وهذا لا يظهر، لأنه علمه الوضوء، وبعض الأفعال لا يمكن افتراضها، كالقول بأنه أساء في تكبيرة الإحرام دون تكبيرات الانتقال، وهي كلها من جنس واحد. وإما أن بعض الواجبات لم تكن واجبة حين خاطب النبي ﷺ المسيء في صلاته، ثم وجبت بعد ذلك، والنسخ لا يثبت بالتوهم ما لم يوجد دليل صريح على النسخ، أو أنه وكل أمر تعليمه إلى غيره، وهذا أبعدها. الدليل الثاني: (ح-٣٢١٢) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة، ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال:

стр. 9120

أخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (١). [سبق تخريجه] (٢). الدليل الثالث: قوله: (وتحليلها التسليم) التسليم على الصحيح ليس هو جزءًا من الصلاة، بل هو فعل منافٍ للصلاة، يخاطب به المصلي غيره بالسلام، فهو إطلاق من محظور: وهو المنع من الكلام. وإذا كان هذا هو توصيف السلام لم يتعين التسليم للخروج من الصلاة، فكل فعل مناف يخرج به المصلي من حكم الصلاة فقد كان الكلام ممنوعًا على المصلي، فشرع له السلام قاصدًا غيره به؛ لكونه منافيًا للصلاة. وقد دلت السنة أن السلام يقصد به المصلي مخاطبة من بجواره من المصلين، فهو ارتكاب ما ينافي الصلاة للخروج منها، فهو إطلاق من محظور، وعليه لفظ السلام ليس فرضًا للخروج منها. (ح-٣٢١٣) فقد روى مسلم من طريق مسعر، حدثني عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال رسول الله ﷺ : إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله (٣). فقوله: (ثم يسلم على أخيه) إشارة إلى أن المصلي خرج من الصلاة بتكليم أخيه، فأي كلام تكلم به المصلي حصل المقصود؛ لأن الغرض هو إعلان الخروج من الحال التي كان يحرم فيها الكلام إلى ضدها، فأي فعل، أو قول منافٍ للصلاة من صنع المصلي فإنه يخرج به المصلي من الصلاة، بل ذهب جماعة من السلف

стр. 9121

بأنه يخرج من الصلاة إذا جلس مقدار التشهد عند من لا يرى وجوب التشهد، وبعضهم يقول: إذا تشهد، وقد صح عن عطاء وابن المسيب والحسن والنخعي ومكحول أنهم قالوا: إذا تشهد ثم أحدث فقد صحت صلاته، فإذا كان الحدث قبل السلام لا يفسد الصلاة فالتسليم من باب أولى. وصح عن شعبة أنه قال: سألت الحكم وحمادًا عن الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر الصلاة؟ فقال: لا حتى يتشهد، أو يقعد قدر التشهد (١). دليل من قال: إذا سلم قبل إمامه بطلت صلاته: (ح-٣٢١٤) روى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف … الحديث (٢). وجه الاستدلال: نهى الحديث عن مسابقة الإمام بأفعال الصلاة، ومنه الانصراف. والانصراف مركب من قول وفعل، فالقول: قوله: (السلام عليكم ورحمة الله). والفعل: هو الالتفات يمينًا وشمالًا، وقد سماه النبي ﷺ بالانصراف. والذي يظهر أنه عنى بالانصراف التسليم، وليس استدبار القبلة؛ ولا الخروج من المسجد؛ وإن قيلت في تفسير الانصراف؛ لأن المتابعة تنقطع بالتسليم. قال النووي: «والمراد بالانصراف السلام» (٣). ولما ساق القاضي أبو بكر بن العربي هذا الحديث، قال: في ذلك أربع مسائل، فذكر في المسائل الثلاث مخالفة الإمام في الأفعال، وذكر في المسألة الرابعة، مخالفته في الأقوال، فقال: «أما الأقوال، فعلى ضربين: فرائض وفضائل:

стр. 9122

فأما الفرائض، فتكبيرة الإحرام والسلام .... وأما السلام، فإن سلم قبل إمامه عامدًا بطلت صلاته، وإن سلم ساهيًا لم تبطل، وحمل عنه إمامه سهوه» (١). ولم يفهم من الانصراف: استدبار القبلة، ولا الخروج من المسجد. وترجم له النسائي في السنن: (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة) (٢). وذهب الحسن والزهري أن المقصود بالانصراف: أنه لا ينصرف الناس حتى يقوم الإمام، قال القاضي عياض: وجماعة الناس على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تم بتمام الصلاة (٣). وقال المظهري في المفاتيح في شرح المصابيح: «قوله (ولا بالانصراف) يحتمل أن يريد به التسليم من الصلاة، ويحتمل أن يريد به الخروج من المسجد» (٤). وقال ابن رجب: «نهاهم عن مسابقته بالركوع والسجود والانصراف من المسجد بعد إتمام صلاته» (٥). وحمله ابن قدامة على الانحراف عن القبلة. جاء في الكافي: «فإن انحرف عن قبلته أو خالف السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة، فلا بأس أن يقوم المأموم ويدعه» (٦). وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «رأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبي ﷺ وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] فإنه قد كان يحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين ومراعاة المصالح والآراء، والله أعلم.

стр. 9123

ويحتمل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم؛ فإنه يقال: انصرف من الصلاة أي سلّم منها، والله أعلم» (١). وإذا كان الانصراف لفظًا مجملًا يحتمل التسليم ويحتمل غيره كان حمله على التسليم أقرب؛ لأن وجوب المتابعة تنقطع بالتسليم. (ح-٣٢١٥) لما رواه مسلم من طريق السدي، قال: سألت أنسًا كيف أنصرف إذا صليت؟ عن يميني، أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه (٢). ولحديث ثوبان في مسلم: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام (٣). ومعلوم أن هذا الذكر يقال قبل استدبار القبلة؛ لحديث عائشة في مسلم: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام (٤). وقد روى النسائي وغيره من حديث أبي ذر في قيام الليل: (من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة). فإن من صلى مع الإمام حتى فرغ من صلاته فقد حاز هذا الفضل، وليس شرطًا فيه حتى يستدبر القبلة أو ينصرف من مكانه. قال ابن خزيمة: دلالة على أن القارئ والأمي إذا قاما مع الإمام إلى الفراغ من صلاته كتب له قيام ليلته (٥). الدليل الثاني: كل الأدلة التي ذكرناها في وجوب متابعة الإمام، وفي تحريم التقدم عليه في

стр. 9124

تكبيرة الإحرام يستدل بها هنا على تحريم التقدم عليه بالسلام. دليل من قال: إن سبق إمامه بالسلام بنية المفارقة صحت صلاته وإلا فلا: إذا سلم قبل إمامه، ولم ينو مفارقته فسدت صلاته؛ لأنه لا يجتمع بقاء حكم الائتمام والسلام من الصلاة قبل إمامه، فكان هذا الفعل منه مناقضًا لقصده ومنافيًا لوجوب متابعته. وإن سلم ناويًا مفارقته، جاز له ذلك. (ح-٣٢١٦) لما رواه البخاري من طريق سليم (هو ابن حيان بن بسطام الهذلي): حدثنا عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ، أفتان أنت ثلاثًا اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها (١). وله شاهد من حديث أنس ﵁. (ح-٣٢١٧) رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّل، تَجَوَّزَ في صلاته، ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة، قيل له: إن حرامًا دخل المسجد، فلما رآك طَوَّلْتَ تجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه. قال: إنه لمنافق، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله قال: فجاء حرام إلى النبي ﷺ ومعاذ عنده، فقال: يا نبي الله، إني أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم،

стр. 9125

فلما طول تَجَوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق. فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: أفتان أنت، أفتان أنت؟!، لا تطول بهم، اقرأ: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحوهما (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قال النووي: احتج به الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد وآخرون على المفارقة بغير عذر، قالوا: وتطويل القراءة ليس بعذر (٣). وأما الدليل على صحة الفعل: فلأن الرسول ﷺ لم يأمره بالإعادة، ولا نهاه عن هذا الفعل مستقبلًا، فدل إقراره ﵇ على صحة المفارقة. ولأن صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة، فإذا قطع نية المتابعة لم تبطل نية الصلاة، وجاز البناء على ما صلى. ولأن الجماعة عند الشافعية ليست واجبة، والنوافل لا تجب بالشروع على الصحيح، ويجوز له الخروج منها بلا عذر. ونوقش هذا: القول بأن إطالة الإمام القراءة ليست بعذر هذه دعوى، فالأمر بالتخفيف محفوظ بنصوص قطعية، وقراءة سورة البقرة في صلاة العشاء مخالف للمقدار

стр. 9126

الذي كان يصلي به النبي ﷺ في صلاة العشاء. (ح-٣٢١٨) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء. ورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (١). (ح-٣٢١٩) فقد روى الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت النبي ﷺ قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (٢). فما أباح التأخر عن الجماعة أباح مفارقتها. وأما الجواب عن قوله إن الجماعة ليست واجبة فهذه مسألة خلافية، وعلى القول بأنها ليست واجبة فذلك لا يمنع أن تكون المتابعة واجبة، ألا ترى أن القراءة واجبة في الصلاة، ولو كانت الصلاة نافلة. وسوف أناقش إن شاء الله تعالى حديث جابر وأنس في قصة معاذ مع الأنصاري عند الكلام على حكم قطع المأموم المتابعة، والبناء على ما صلى. الراجح: أن مسابقة الإمام بالسلام لا تجوز؛ للنهي عنها، ولا تُخَرَّج هذه المسألة على جواز مفارقة الجماعة لعذر، كما في قصة الأنصاري مع معاذ بن جبل ﵁؛ لأن الصحابي اعتذر بأن معاذًا استفتح الصلاة بالبقرة، وكان وراءه سقي نخله، بخلاف مسألتنا، فإنَّ من صلى مع الإمام حتى أدرك معه القعدة الأخيرة، وتشهد، فلم يبق من الصلاة شيء يدعوه إلى استعجاله السلام قبل الإمام بنية مفارقته،

стр. 9127

فسلامه قبل إمامه في مثل هذه الحالة لا يجلب مصلحة، ولا يدفع مكروهًا، فكان عليه أن ينتظر قليلًا حتى يسلم الإمام، فيسلم معه.

стр. 9128

المبحث الخامس مسابقة الإمام بقول غير التحريمة والسلام المدخل إلى المسألة: الصلاة أفعال وأقوال، والأفعال لا يجوز مسابقة الإمام عليها بالاتفاق. من سبق إمامه بالتحريمة فلم يدخل في صلاته؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة قبل دخول إمامه إلا الإمام الراتب ومن كان مثله إذا حضر وقد دخل في الصلاة نائبه، ورغب في الإمامة على الصحيح. كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء، وعليه لا تجب على المأموم والمنفرد. إذا كان ترك تكبيرات الانتقال لا يضر الصلاة، فكذلك إذا فعله قبل الإمام، غايته أن يكون قد فعله في غير محله، وفعله مخالف للسنة، ويكون حكمه حكم من لم يأت به، فلا يبطل ذلك صلاته. حديث (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه الاختلاف على الإمام في غير أفعال الصلاة: كالاختلاف عليه في النية، أو في الأقوال عدا التحريمة والسلام. سبق المأموم لإمامه بالقراءة أو بالتشهد لا يضر صلاته؛ لأنه لا يظهر منه اختلاف عليه في صلاته. [م-١٠٥٢] اختلف العلماء في مسابقة الإمام في قول من أقوال الصلاة عد التحريمة والسلام، كما لو سبقه بقراءة الفاتحة على القول بأن المأموم يقرأ خلف الإمام، أو فرغ من التشهد قبل فراغ إمامه.

стр. 9129

فقال الحنابلة: لا يضر صلاته، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية صححه النووي في المجموع ونص عليه في المنهاج، وحكاه ابن مفلح للفروع وفاقًا للأئمة (١). قال في المبدع: «وأما السبق بالأقوال فإنه لا يضر سوى تكبيرة الإحرام والسلام» (٢). دليل الجمهور على أن المسابقة لا تضر: (ح-٣٢٢٠) [¬*] ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٣). (ح-٣٢٢١) وما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف … الحديث (٤). فهذان الحديثان قد تضمنا ما يجب على المأموم ألا يتقدم على إمامه فيه، فحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا

стр. 9130

كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه الاختلاف على الإمام في غير أفعال الصلاة: كالاختلاف عليه في الأقوال عدا تكبيرة الإحرام، وأما النهي عن مسابقة الإمام في قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) وكذلك النهي عن مسابقة الإمام بالانصراف (التسليم) فهما ذكران قوليان مرتبطان بالأفعال، فقول الإمام (سمع الله لمن حمده) ذكر مرتبط بالانتقال من الركوع إلى القيام، وهو من جملة الأفعال، وكذلك التسليم فهو مرتبط بالالتفات من الصلاة، وهو من جملة أفعال الصلاة، ولذلك أطلق عليه النبي ﷺ الانصراف، فالذكر القولي المحض الذي لا يجوز مسابقة الإمام فيه: هو تكبيرة الإحرام؛ والتي يدخل فيها المأموم بالصلاة فإذا دخل فيها قبل إمامه لم يصح أن يتبعه فيها؛ لأنه غير مأموم. وأما سبق الإمام بتكبيرات الانتقال المرتبطة بالأفعال: فإن سبق المأموم إمامه في الذكر والفعل، كأن كبر وركع قبل إمامه، فهذا يأخذ حكم من سبق إمامه إلى الركن، وله بحث مستقل سيأتي إن شاء الله تعالى. وإن سبقه بالذكر فقط، وركع بعد إمامه: فلا يضر ذلك صلاته على الصحيح؛ لأن جميع أذكار الانتقال سنة على الصحيح، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، وقد بحثت حكمها في فصل مستقل فإذا كان ترك التكبير لا يضر الصلاة، فكذلك إذا فعله قبل الإمام، ولا يقع منه قبل إمامه إلا إذا أوقع التكبير كله أو بعضه قبل الانتقال فيكون قد فعله في غير محله، وفعله مخالف للسنة، ويكون حكمه حكم من لم يأت به، ولا يبطل ذلك صلاته. قال المازري: «وأما المسابقة في الأقوال؛ فإن الأقوال على قسمين: فضائل وفرائض. فأما الفضائل فإنه ينهى عن تقدم الإِمام فيها، فإن تقدمه فيها لم تفسد الصلاة؛ لأن تركها مما لا يفسد الصلاة، ففعلها قبل الإِمام كالترك لها» (١). وخالف الحنابلة، فقالوا: بوجوب تكبيرات الانتقال، وهو من مفردات المذهب،

стр. 9131

ولأن قوله: (إذا كبر فكبروا) اسم شرط من أسماء العموم، فيشمل تكبيرة الإحرام، ويشمل تكبيرات الانتقال، وهو يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام. ويجب عند الحنابلة أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات. وقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة (١). وإذا كان لا يكبر إلا حين يهوي للركوع، ولا يهوي للركوع إلا إذا هوى الإمام فلا يتصور سبق المأموم لإمامه في تكبيرات الانتقال، نعم قد يقارن تكبيره تكبير إمامه، وهذا يأخذ حكم موافقة المأموم إمامه في الأفعال، وسوف أعقد لها فصلًا مستقلًا إن شاء الله تعالى، وإنما البحث الآن معقود في حكم مسابقة الإمام. وأما سبق الإمام بالقراءة أو بالتشهد: فلا يظهر منه مخالفة للإمام، ولا اختلاف عليه. ولأن القراءة في الصلاة إن كان فيما يجهر فيه الإمام فإنه لا قراءة على المأموم على الصحيح، وإن كان فيما يسر الإمام فيه القراءة فإنه يعسر على المأموم إن لم يتعذر لو تطلب أن تقع قراءته بعد قراءته. ومثله التشهد في الصلاة فإنه لا يشرع الجهر به حتى يتطلب عدم مسابقة الإمام فيه، ولم يأت في النصوص ما يدل على أن المأموم لا يسبق إمامه بالتشهد. وقياسًا على التأمين، فإن التأمين في الصلاة يوافق فيه المأموم إمامه، وعند الشافعية القائلين بوجوب القراءة على المأموم فلو فرغ من الفاتحة قبل إمامه فإنه يشرع له التأمين قبل إمامه، ويؤمن معه إذا أمن (٢).

стр. 9132

وقيل: إن فرغ من الفاتحة أو التشهد قبل إمامه بطلت صلاته، وهو وجه في مذهب الشافعية (١). وهذا من غريب القول، كيف له أن يعلم بفراغ إمامه من التشهد، وهو لا يجهر به. وقيل: لا تبطل، لكن لا تجزئ، بل تجب قراءتهما مع قراءة الإمام أو بعدها، فإن لم يفعل بطلت، ورجحه المتأخرون من الشافعية (٢). وعللوا ذلك بقوله: لأن فعله مترتب على فعله، فلا يعتد بما سبقه. ويستحب مراعاة هذا الخلاف، بل يستحب ولو في سرية أن يؤخر جميع فاتحته عن فاتحة إمامه إن ظن أن يقرأ بعدها. الراجح: قول الجمهور، وأن مسابقة الإمام فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام لا يضر صلاته، فإن كانت المسابقة في تكبيرات الانتقال استحب له أن يأتي بها بعد الإمام، وإن كان ذلك في القراءة في السرية والتشهد، فلا أعلم سنة في الإتيان بهما بعد الإمام، فسواء وافق إمامه أو سبقه فلا يضره، والله أعلم.

стр. 9133

الفصل الثاني مسابقة الإمام في أفعال الصلاة المبحث الأول في السبق إلى الركن [م-١٠٥٣] السبق إلى الركن يختلف عن السبق بالركن، فالسبق إلى الركن: الوصول إلى الركن قبل الإمام، ثم يدركه الإمام فيه، فيكون قد سبقه إليه، ولم يسبقه به. والمشروع للمأموم أن يتابع إمامه، ويقتدي به في أفعاله، لقوله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإن تعمد المأموم أن يرفع رأسه قبل إمامه في ركوعه، أو في سجوده بعد أن مكث مقدار الفرض، فالعلماء على تحريم الفعل، والأئمة الأربعة على عدم إبطال الصلاة بهذا المقدار من المخالفة، وإذا كان يمكنه أن يعود ليرفع بعد إمامه، أيلزمه أن يعود، أم يستحب له العود، أم ينتظر حتى يلحقه الإمام، وهل يعود حتى لو علم أنه لو عاد لن يدرك الإمام في الركوع. وإذا عاد أيعتبر عوده تكرارًا للركن، فيبطل ذلك صلاته، أم يعتبر عوده تصحيحًا لفعله؟ في كل ذلك حصل خلاف بين العلماء. فقيل: من ركع أو سجد قبل إمامه بطلت صلاته، وبه قال أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية (١). وقيل: يحرم فعله، وركوعه وسجوده صحيح، ولو تعمد ذلك، حكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء (٢)، على خلاف بينهم في حكم رجوعه:

стр. 9134

فقال الحنابلة: يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإن أبى الرجوع عالمًا عامدًا حتى أدركه إمامه فيه بطلت صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال زفر من الحنفية (١). وقيل: إذا ركع قبل إمامه فأدركه إمامه فيه صح ركوعه إن كان ركوع المقتدي بعد ما قرأ الإمام قدر فرض القراءة، وكره تحريمًا للنهي عن المسابقة. فإن كان ركوع المقتدي قبل أن يقرأ الإمام مقدار الفرض، أو رفع المقتدي رأسه قبل أن يركع الإمام، لم يجزه، وهذا مذهب الحنفية (٢). وقال المالكية: إن خفض قبل إمامه للركوع أو السجود فقد أساء في خفضه قبل إمامه، ولا يؤمر بالعود لاتباع إمامه. وإن رفع قبل إمامه، وظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع، فقال مالك: يسن له أن يرجع ليرفع بعده، وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء (٣). وقال الباجي: يجب. ذكرهما خليل في التوضيح ولم يرجح. وقيل: الصحيح أنه لا فرق بين الرفع والخفض خلافًا لما اختاره خليل (٤).

стр. 9135

وإن علم أنه لو رجع لم يدركه، فقال مالك وأشهب: لا يرجع. وقال سحنون: «يعود، ويبقى بعد الإمام بقدر ما انفرد الإمام به بعده، وبه قال عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄، وسيأتي تخريج قوليهما في الأدلة إن شاء الله تعالى. هذا ملخص القول عند المالكية» (١). وقال الشافعية: للمأموم انتظار إمامه حتى يلحقه الإمام، وهل له أن يعود ليرفع مع إمامه، في المذهب ثلاثة أقوال: فقيل: إن تعمد السبق سن له العود؛ ليرفع مع إمامه، وإن فعله ساهيًا تخير بين الانتظار والعود، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعية (٢). وقال إمام الحرمين: «لو ركع قبل الإمام أو رفع قبله عمدًا حرم العود؛ فإن عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركنًا عمدًا، واقتصر عليه البغوي. وقال ابن رجب: اختاره بعض المتأخرين من أصحابنا. وقال إمام الحرمين: وإن فعله سهوًا بأن سمع صوتًا فظن أن الإمام ركع، فركع، فبان أنه لم يركع، ففي جواز الرجوع وجهان. وقال البغوي وغيره: في وجوب الرجوع وجهان: أحدهما: يجب فإن لم يرجع بطلت صلاته. وأصحهما: لا يجب بل يتخير بين الرجوع وعدمه» (٣). وقيل: يجب العود، اختاره أبو حامد من الشافعية، وصاحب المهذب،

стр. 9136

وغيرهما من العراقيين (١). هذه تفاصيل أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وخلاصتها كالتالي: قيل: إذا ركع أو سجد عمدًا قبل إمامه بطلت صلاته، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد. وقيل: يحرم الفعل، ولا تبطل الصلاة؛ لأن المخالفة يسيرة، وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة، إلا أن الحنفية قالوا: يكره تحريمًا، وهما بمعنى. وعبر الحنفية بالكراهة التحريمية بدلًا من التحريم جريًا على قاعدتهم في التفريق بين النهي إذا كان قطعيًا فيفيد التحريم، أو ظنيًا فيفيد الكراهة التحريمية، وقد ناقشت اصطلاحهم فيما سبق في مكروهات الصلاة. واختلفوا في حكم رجوع المأموم إذا سبق إمامه: فقيل: يجب الرجوع، وهو اختيار سحنون والباجي من المالكية، وأبي حامد وبعض العراقيين من الشافعية. وقال الحنابلة وزفر: إذا لم يرجع حتى أدركه الإمام بطلت صلاته. وقال المالكية: إن خفض قبل إمامه للركوع أو السجود لم يؤمر بالعود لاتباع إمامه، وإن رفع من الركوع أو السجود قبل إمامه، وظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع، فقال مالك: يسن الرجوع إن علم أو ظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع. وقيل: إن تعمد السبق سن له الرجوع، وإن كان سهوًا تخير، وهو المعتمد عند الشافعية. وقيل: يحرم الرجوع، فإن رجع بطلت صلاته؛ لأنه يكون قد زاد ركنًا، اختاره إمام الحرمين، ورجحه بعض المتأخرين من الحنابلة. هذه أقوال أئمتنا في المسألة، وقد سبق لي عرض المسألة بأدلتها في المجلد الثاني عشر في ذكر مبطلات الصلاة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فارجع إليها

стр. 9137

غير مأمور، وقد رجحت في المسألة: أن مسابقة الإمام محرمة، وكونها محرمة لا تقتضي البطلان، فإذا ركع قبل إمامه فأدركه الإمام في الركوع بمقدار الفرض صحت صلاته مع تحريم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع، ولو قيل: إذا كثرت مسابقة المأموم لإمامه متعمدًا بطل اقتداؤه به، ولم يحصل له أجر الجماعة، لأن الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صحة صلاة المأموم بالبطلان، فلو كان يصلي منفردًا لصحت صلاته قولًا واحدًا، لقيام شروطها وأركانها، وإنما الذي فسد ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وتحمل الإمام عنه القراءة والسهو، ويأثم على هذا الفعل، ولا يعود ذلك على بطلان الصلاة بالكلية؛ لو قيل بهذا ربما كان له وجه، خاصة أن هناك من الفقهاء من يبيح للمأموم أن ينوي الانفراد عن الإمام مطلقًا، ولو من غير عذر، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). ومنهم من يبيحه للحاجة، كما لو حصر ببول، أو كان الإمام يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة، أو كان الاقتداء يفوت غرضًا للمأموم، فما المانع أن يكون هذا الفعل من المأموم يحرمه أجر الجماعة، ولا يبطل صلاته، هذا إنما يقال لو أن أحد من السلف قال به، وإذ لم يقل به أحد فلا يعبأ به، وقد قال بعض الفقهاء إذا سبق إمامه بتكبيرة الإحرام يكون شرع في صلاة نفسه منفردًا، ولا تبطل التحريمة، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وهذا أقبح من مسألتنا، والله أعلم.

стр. 9138

المبحث الثاني في السبق بركن واحد المدخل إلى المسألة: يتفق الفقهاء على تحريم مسابقة الإمام، ويختلفون في إبطال الصلاة. إذا سبق إمامه بالركوع متعمدًا حَرُم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع. صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة. مسابقة الإمام متعمدًا تبطل الاقتداء به، ولا يلزم من إبطال المتابعة إبطال الصلاة. مسابقة الإمام هو فك لارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وأما صلاة المأموم من حيث هي صلاة: تامة الشروط والأركان، لا خلل فيها. هناك فرق بين الواجب للصلاة والواجب فيها. الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صلاة المأموم بالبطلان. إذا فارق المأموم إمامه ليتجوز في صلاته، فهذا نوع من المسابقة، أجازه الشافعية مطلقًا بنية المفارقة، وأجازه الحنابلة بشرط العذر، ولم يبطل الصلاة، فكذلك مسابقة الإمام، يلزم منها إبطال المتابعة دون الصلاة. الحكم بإبطال المتابعة لوجود المقتضي، وهو مخالفة إمامه، وكون نية الاقتداء باقية في اعتقاد المأموم لا تنفعه؛ لوجود ما ينافيها من المخالفة المتعمدة. لو صلى بنية الفرض قبل الوقت لم يصح فرضًا، وبطلان نية الفرض لا يبطل نية مطلق الصلاة على الصحيح، فكذلك هنا.

стр. 9139

[م-١٠٥٤] اختلف الفقهاء إذا سبق المأموم إمامه بالركن كما لو ركع ورفع قبل ركوع إمامه، أو سجد ورفع قبل سجود إمامه وإليك تفصيل الخلاف: القول الأول: مذهب الحنفية: يكره للمأموم أن يسبق إمامه بالركن، والكراهة تحريمية. فإن سبق المأموم إمامه بالركوع لم يعتد بتلك الركعة؛ لأن السجود لا يعتد به حتى يسبقه ركوع صحيح، فبطلت تلك الركعة، وحلت الركعة الثانية مكانه الأولى. وإن ركع مع الإمام، وسبقه بالسجدتين من تلك الركعة، بطل السجود، وبطل الركوع في الركعة التالية؛ لوقوعه في غير محله، وانتقل السجود من الثانية إلى الأولى؛ لفرض الترتيب بين فرض الركوع والسجود، فصحت له ركعة من مجموع الركعتين، فيبني عليها حتى يتم صلاته، وإن ركع مع إمامه، وسجد قبله في إحدى السجدتين، فالترتيب بين السجدتين ليس بفرض عند الحنفية؛ وهو من مفرداتهم؛ لأن ما شرع مكررًا فالترتيب فيه ليس بفرض، فله أن يأتي بالسجدة التي تطرق لها الخلل، ولو في آخر صلاته، وتصح صلاته، فإن لم يأت بما سبق به إمامه حتى سلم فسدت صلاته، ولا فرق عندهم بين السبق بالركن والسبق بأكثر، ولا بين السبق بالركن عمدًا أو السبق به سهوًا أو زحمة (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن المأموم إذا سبق إمامه في الركن، ولم يأخذ فرضه معه فإن صلاته تبطل لذلك إن كان عمدًا، وإن كان سهوًا فيرجع إليه وجوبًا، فإن ترك الرجوع عمدًا بطلت صلاته، وإن ترك الرجوع سهوًا كان حكمه حكم من زوحم على أداء الركن مع الإمام حتى فاته (٢).

стр. 9140

جاء في التوضيح شرح المجموع: «من سبق الإمام بركن كامل، فعله قبله، كأن يركع ويرفع قبله، أو يسجد ويرفع قبله، فإن صلاته تبطل؛ لأنه لم يأخذ فرضه مع الإمام إلا إذا سبقه بالركن سهوًا فلا تبطل، ويرجع إليه وجوبًا اتفاقًا، فإن ترك الرجوع عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فكمن زوحم، وقد تقدم حكمه» (١). جاء في حاشية الدسوقي: «وأما السبق بركن، كأن يركع ويرفع قبل الإمام فهو مبطل؛ لأنه لم يأخذ فرضه معه، إلا أن يكون ذلك سهوًا فيرجع له كذا في المج» (٢). (يقصد شرح مجموع الأمير). وجاء في مواهب الجليل: «قال البرزلي في أثناء كتاب الصلاة: المنصوص عندنا: إنْ سَبَقَ المأموم الإمامَ بفعل الركن وعقده قبله فلا خلاف في عدم الإجزاء .... قال
следующие страницы →