← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وغيرهما من العراقيين (١). هذه تفاصيل أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وخلاصتها كالتالي: قيل: إذا ركع أو سجد عمدًا قبل إمامه بطلت صلاته، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد. وقيل: يحرم الفعل، ولا تبطل الصلاة؛ لأن المخالفة يسيرة، وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة، إلا أن الحنفية قالوا: يكره تحريمًا، وهما بمعنى. وعبر الحنفية بالكراهة التحريمية بدلًا من التحريم جريًا على قاعدتهم في التفريق بين النهي إذا كان قطعيًا فيفيد التحريم، أو ظنيًا فيفيد الكراهة التحريمية، وقد ناقشت اصطلاحهم فيما سبق في مكروهات الصلاة. واختلفوا في حكم رجوع المأموم إذا سبق إمامه: فقيل: يجب الرجوع، وهو اختيار سحنون والباجي من المالكية، وأبي حامد وبعض العراقيين من الشافعية. وقال الحنابلة وزفر: إذا لم يرجع حتى أدركه الإمام بطلت صلاته. وقال المالكية: إن خفض قبل إمامه للركوع أو السجود لم يؤمر بالعود لاتباع إمامه، وإن رفع من الركوع أو السجود قبل إمامه، وظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع، فقال مالك: يسن الرجوع إن علم أو ظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع. وقيل: إن تعمد السبق سن له الرجوع، وإن كان سهوًا تخير، وهو المعتمد عند الشافعية. وقيل: يحرم الرجوع، فإن رجع بطلت صلاته؛ لأنه يكون قد زاد ركنًا، اختاره إمام الحرمين، ورجحه بعض المتأخرين من الحنابلة. هذه أقوال أئمتنا في المسألة، وقد سبق لي عرض المسألة بأدلتها في المجلد الثاني عشر في ذكر مبطلات الصلاة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فارجع إليها

стр. 9137

غير مأمور، وقد رجحت في المسألة: أن مسابقة الإمام محرمة، وكونها محرمة لا تقتضي البطلان، فإذا ركع قبل إمامه فأدركه الإمام في الركوع بمقدار الفرض صحت صلاته مع تحريم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع، ولو قيل: إذا كثرت مسابقة المأموم لإمامه متعمدًا بطل اقتداؤه به، ولم يحصل له أجر الجماعة، لأن الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صحة صلاة المأموم بالبطلان، فلو كان يصلي منفردًا لصحت صلاته قولًا واحدًا، لقيام شروطها وأركانها، وإنما الذي فسد ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وتحمل الإمام عنه القراءة والسهو، ويأثم على هذا الفعل، ولا يعود ذلك على بطلان الصلاة بالكلية؛ لو قيل بهذا ربما كان له وجه، خاصة أن هناك من الفقهاء من يبيح للمأموم أن ينوي الانفراد عن الإمام مطلقًا، ولو من غير عذر، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). ومنهم من يبيحه للحاجة، كما لو حصر ببول، أو كان الإمام يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة، أو كان الاقتداء يفوت غرضًا للمأموم، فما المانع أن يكون هذا الفعل من المأموم يحرمه أجر الجماعة، ولا يبطل صلاته، هذا إنما يقال لو أن أحد من السلف قال به، وإذ لم يقل به أحد فلا يعبأ به، وقد قال بعض الفقهاء إذا سبق إمامه بتكبيرة الإحرام يكون شرع في صلاة نفسه منفردًا، ولا تبطل التحريمة، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وهذا أقبح من مسألتنا، والله أعلم.

стр. 9138

المبحث الثاني في السبق بركن واحد المدخل إلى المسألة: يتفق الفقهاء على تحريم مسابقة الإمام، ويختلفون في إبطال الصلاة. إذا سبق إمامه بالركوع متعمدًا حَرُم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع. صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة. مسابقة الإمام متعمدًا تبطل الاقتداء به، ولا يلزم من إبطال المتابعة إبطال الصلاة. مسابقة الإمام هو فك لارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وأما صلاة المأموم من حيث هي صلاة: تامة الشروط والأركان، لا خلل فيها. هناك فرق بين الواجب للصلاة والواجب فيها. الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صلاة المأموم بالبطلان. إذا فارق المأموم إمامه ليتجوز في صلاته، فهذا نوع من المسابقة، أجازه الشافعية مطلقًا بنية المفارقة، وأجازه الحنابلة بشرط العذر، ولم يبطل الصلاة، فكذلك مسابقة الإمام، يلزم منها إبطال المتابعة دون الصلاة. الحكم بإبطال المتابعة لوجود المقتضي، وهو مخالفة إمامه، وكون نية الاقتداء باقية في اعتقاد المأموم لا تنفعه؛ لوجود ما ينافيها من المخالفة المتعمدة. لو صلى بنية الفرض قبل الوقت لم يصح فرضًا، وبطلان نية الفرض لا يبطل نية مطلق الصلاة على الصحيح، فكذلك هنا.

стр. 9139

[م-١٠٥٤] اختلف الفقهاء إذا سبق المأموم إمامه بالركن كما لو ركع ورفع قبل ركوع إمامه، أو سجد ورفع قبل سجود إمامه وإليك تفصيل الخلاف: القول الأول: مذهب الحنفية: يكره للمأموم أن يسبق إمامه بالركن، والكراهة تحريمية. فإن سبق المأموم إمامه بالركوع لم يعتد بتلك الركعة؛ لأن السجود لا يعتد به حتى يسبقه ركوع صحيح، فبطلت تلك الركعة، وحلت الركعة الثانية مكانه الأولى. وإن ركع مع الإمام، وسبقه بالسجدتين من تلك الركعة، بطل السجود، وبطل الركوع في الركعة التالية؛ لوقوعه في غير محله، وانتقل السجود من الثانية إلى الأولى؛ لفرض الترتيب بين فرض الركوع والسجود، فصحت له ركعة من مجموع الركعتين، فيبني عليها حتى يتم صلاته، وإن ركع مع إمامه، وسجد قبله في إحدى السجدتين، فالترتيب بين السجدتين ليس بفرض عند الحنفية؛ وهو من مفرداتهم؛ لأن ما شرع مكررًا فالترتيب فيه ليس بفرض، فله أن يأتي بالسجدة التي تطرق لها الخلل، ولو في آخر صلاته، وتصح صلاته، فإن لم يأت بما سبق به إمامه حتى سلم فسدت صلاته، ولا فرق عندهم بين السبق بالركن والسبق بأكثر، ولا بين السبق بالركن عمدًا أو السبق به سهوًا أو زحمة (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن المأموم إذا سبق إمامه في الركن، ولم يأخذ فرضه معه فإن صلاته تبطل لذلك إن كان عمدًا، وإن كان سهوًا فيرجع إليه وجوبًا، فإن ترك الرجوع عمدًا بطلت صلاته، وإن ترك الرجوع سهوًا كان حكمه حكم من زوحم على أداء الركن مع الإمام حتى فاته (٢).

стр. 9140

جاء في التوضيح شرح المجموع: «من سبق الإمام بركن كامل، فعله قبله، كأن يركع ويرفع قبله، أو يسجد ويرفع قبله، فإن صلاته تبطل؛ لأنه لم يأخذ فرضه مع الإمام إلا إذا سبقه بالركن سهوًا فلا تبطل، ويرجع إليه وجوبًا اتفاقًا، فإن ترك الرجوع عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فكمن زوحم، وقد تقدم حكمه» (١). جاء في حاشية الدسوقي: «وأما السبق بركن، كأن يركع ويرفع قبل الإمام فهو مبطل؛ لأنه لم يأخذ فرضه معه، إلا أن يكون ذلك سهوًا فيرجع له كذا في المج» (٢). (يقصد شرح مجموع الأمير). وجاء في مواهب الجليل: «قال البرزلي في أثناء كتاب الصلاة: المنصوص عندنا: إنْ سَبَقَ المأموم الإمامَ بفعل الركن وعقده قبله فلا خلاف في عدم الإجزاء .... قال

стр. 9141

الحطاب: وظاهره سواء كان عمدًا، أو سهوًا أو غفلة، وهو كذلك؛ إذ قال في مختصر الواضحة في كتاب الصلاة في ترجمة صلاة المريض والكبير ما نصه: وسئل مالك عن الأعمى يصلي خلف الإمام، فيركع قبل ركوع الإمام، ويسجد قبل سجوده، ويسبح به فلا يفطن حتى إذا قضى صلاته أخبر بذلك، قال يستأنف الصلاة انتهى. ومن البرزلي أيضا في مسائل الصلاة: مسألة من ظن أن إمامه ركع فركع، ثم ركع إمامه فمن أعاد ركوعه مع الإمام، أو بقي راكعًا حتى لحقه الإمام فصلاته صحيحة، وإن رفع رأسه قبل ركوعه، ولم يعد فلا بد من إعادة الصلاة» (١). فالنص الثاني من البرزلي يقيد ما أطلق في نقله الأول. ففي النقل الأول أطلق عدم الإجزاء حتى قال الحطاب: وظاهره سواء كان عمدًا أو سهوًا. والنص الثاني: قيد عدم الإجزاء إذا لم يعد ويأتي بالركن بعد الإمام، ومجموع النقلين يكشف لك عن مذهب المالكية. فإذا سبقه بالركن عمدًا بطلت، وإن سبقه سهوًا فعليه الرجوع، فإن لم يرجع عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يرجع سهوًا كان عليه أن يعمل كما لو زوحم على أداء الركن، وهو ما نقلته عن التوضيح شرح المجموع، وحاشية الدسوقي، والله أعلم. القول الثالث: مذهب الشافعية: حكى الشافعية في مذهبهم وجهين: الوجه الأول: أن المأموم إذا سبق إمامه بركن واحد، حرم الفعل، ولم تبطل به الصلاة ولو كان عالمًا عامدًا، اختاره العراقيون من الشافعية، وجماعات غيرهم، وقال النووي: وهو الصحيح المنصوص (٢). جاء في روضة الطالبين: «قال العراقيون، وآخرون: التقدم بركن لا يبطل

стр. 9142

كالتخلف به. وهذا أصح وأشهر. وحكي عن نص الشافعي ﵁» (١). قال في مغني المحتاج: «ولو تعمد السبق به» (٢). وقال في نهاية المحتاج: «ولو كان عالمًا عامدًا» (٣). الوجه الثاني: إن سبق الإمام بركن كامل مقصود عمدًا، كما لو ركع قبل الإمام، فرفع رأسه والإمام بعد في القيام بطلت صلاته، وكذلك لو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ورفع، بطلت صلاته. وإن سبقه بركن غير مقصود، كما لو كان الإمام في الركوع، فاعتدل، وسجد، والإمام بعد في الركوع، أو كان الإمام في السجود الأول، فرفع قبله، وسجد الثانية، فهل تبطل صلاته، فيه وجهان: أحدهما: تبطل؛ لأنه سبقه بركن كامل؛ لأن الاعتدال عن الركوع والقعود بين السجدتين ركنان في الصلاة. والثاني: لا تبطل صلاته؛ لأن الاعتدال عن الركوع تبع للركوع، والقعود بين السجدتين تبع للسجود، وهو لم يسبقه بركن مقصود، اختاره بعض الشافعية (٤). ولم يفرق الشافعية بين العمد والسهو كالحنفية. وقال أبو محمد الجويني: «التقدم بركن واحد يبطل؛ لأنه لا يليق بالمتابعة كالتقدم في المكان. قال الغزالي: وهو بعيد في المذهب» (٥). القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى تقسيم السبق بالركن إلى قسمين: الأول: أن يسبق إمامه بركن غير الركوع، فإن سبقه عامدًا عالمًا حرم الفعل، ولزمه الرجوع ليأتي به بعده، وصلاته صحيحة. فإن رجع وأتى به بعد إمامه صحت

стр. 9143

الصلاة والركعة. وإن لم يرجع جاهلًا أو ناسيًا صحت صلاته. وإن أبى الرجوع عالمًا عامدًا حتى أدركه إمامه فيه بطلت صلاته؛ لتركه المتابعة الواجبة بلا عذر. فكان حكم السبق بركن غير الركوع كحكم السبق إلى الركن إذا سبق إمامه ثم أدركه الإمام فيه، والفرق: أن السبق إلى الركن لا يفرق فيه بين الركوع وغيره بخلاف السبق بالركن (١). الثاني: أن يسبقه بركن الركوع، بأن ركع ورفع قبل ركوع إمامه، فإن فعله عالمًا عامدًا ففي بطلان صلاته وجهان: أحدهما: تبطل، وهو الصحيح من المذهب. والوجه الثاني: لا تبطل. وإن كان جاهلًا أو ناسيًا، فإن رجع وأتى به بعد إمامه صحت صلاته، وإذا لم يأت به ففي بطلان تلك الركعة روايتان: إحداهما: تبطل تلك الركعة، وهي المذهب. وقيل: لا تبطل، وهي رواية ثانية عن أحمد (٢). وقال بعض الحنابلة: تبطل الصلاة بالسبق، بأي ركن من الأركان؛ ركوعًا كان، أو سجودًا، أو قيامًا أو قعودًا، ورجحه الرحيباني في شرح المنتهى، ونسبه لمحققي أصحابه من الحنابلة (٣).

стр. 9144

هذا تفصيل الأقوال في مدارسنا الفقهية، ويتفقون على تحريم الفعل، ويختلفون فيما عداه. فمنهم من لا يبطل الصلاة بالسبق بالركن، إما مطلقًا كالأصح عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، أو بشرط أن يأتي بالركن الذي سبق به كالحنفية. ومنهم من يفرق بين العمد والسهو كالمالكية والحنابلة. ومنهم من يفرق بين الأركان: فيبطل الصلاة بالسبق بالركوع إذا كان متعمدًا دون غيره، وهو الأصح في مذهب الحنابلة. ومنهم من يفرق بين الركن المقصود، وبين غيره، فيبطل الصلاة بالسبق بالركوع والسجود، ولا يبطل الصلاة بالسبق بالاعتدال منهما، وهو قول في مذهب الشافعية. ومنهم من لم يفرق بين الأركان، فالسبق بالركوع كالسبق بغيره يبطل الصلاة، وهو قول عند الحنابلة، واختاره الجويني من الشافعية.

стр. 9145

وإذا عرفت هذا على وجه التفصيل، فدعني ألخص لك ما سبق حتى لا يفرط منا الكلام بكثرة تشعباته. السبق بالأركان قد يكون عمدًا، وقد يكون سهوًا. فإن كان السبق بالركن عمدًا: فقيل: صلاته صحيحة، ويمضي فيها، ويعتد بالركن الذي سبق به إمامه؛ لأنه من السبق اليسير، وهذا مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وإذا لم يؤثر السبق بالركن عمدًا لم يؤثر من باب أولى السبق بالركن سهوًا. وقيل: صلاته باطلة من غير فرق بين السبق بالركوع وبين غيره، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة. وقيل: لا تبطل الصلاة، ولا يعتد بالركن الذي سبق به، ولم يشاركه مع إمامه، فإن لم يأت بالركن حتى سلم بطلت صلاته، وإن أتى به صحت صلاته، وهذا مذهب الحنفية، وكيف يأتي به، لهم تفصيل في كيفية الإتيان به انظر تفصيله في الأقوال، فلا يعاد لطوله، وسوف نذكر في الأدلة زيادة تفصيل في كيفية الإتيان به. وقيل: إن ترك ركنًا مقصودًا عامدًا، كالركوع، والسجود بطلت صلاته، وإن ترك ركنًا غير مقصود لم تبطل. وقيل: في التفريق بين السبق بالركوع وبين السبق بغيره، فتبطل الصلاة بالأول دون الثاني، وهو الأصح في مذهب الحنابلة. هذا مجمل الخلاف في السبق بالركن عمدًا. وإن سبق بالركن جهلًا أو نسيانًا: فمن قال: لا تبطل الصلاة بالسبق عمدًا فلن يبطل الصلاة بالسبق سهوًا من باب أولى، كالشافعية، وقول عند الحنابلة، وبه قال الحنفية إلا أنهم أبطلوا الركن الذي سبق به، ولهم في الإتيان به تفصيل سبق ذكره. ومن قال: تبطل الصلاة بالسبق بالركن عمدًا، فاختلفوا في إبطال الصلاة بالسبق سهوًا: فقيل: لا تبطل به الصلاة، ولا تبطل به الركعة، وهو قول في مذهب الحنابلة.

стр. 9146

وقيل: عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإن ترك الرجوع إليه سهوًا كان حكمه حكم من زوحم على الركن حتى فاته، وكيف يؤديه سبق ذكره في الأقوال، وهذا مذهب المالكية. وقيل: عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإن ترك الرجوع إليه سهوًا، فإن كان الذي تركه غير الركوع صحت صلاته، وإن كان الركن الذي تركه هو الركوع بطلت تلك الركعة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة. أرجو أن أكون قد أحطت بالأقوال في المسألة، وقد فصلت لك في صدر المسألة أقوال المذاهب كل مذهب وحده، ثم رجعت أجمع الأقوال المتشابهة مجتمعة، فإن رابك شيء من الأقوال المجتمعة فارجع إليه في أقوال كل مذهب على حدة، وأدلة المسألة أسهل بكثير من تعقيد الأقوال الفقهية، والتي كثير منها مبني على الرأي المحض، والله المستعان. الدليل على تحريم مسابقة الإمام مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٢٢٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: أما يخشى أحدكم -أو: لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار، وهذا لفظ البخاري (١). ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن محمد بن زياد به، بلفظ: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار؟ (٢). ورواه أيضًا من طريق يونس بن عبيد، عن محمد بن زياد به، بلفظ: ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام أن يحول الله صورته في صورة حمار (٣).

стр. 9147

وجه الاستدلال: الحديث دليل على تحريم سبق الإمام للتوعد على الفعل، ولا يكون التوعد إلا على محرم. الدليل الثاني: (ح-٣٢٢٣) ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي. ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله قال: رأيت الجنة والنار (١). الدليل الثالث: (ح-٣٢٢٤) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم … الحديث (٢). دليل الحنفية على إبطال الركن وحده، والإتيان ببدله ومراعاة فرض الترتيب: الاقتداء بالإمام يوجب أمرين: المتابعة، والمشاركة. أما وجوب المتابعة فيمنع مسابقة الإمام في أفعاله؛ لحديث، (إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا). وأما وجوب المشاركة: فيقتضي أن يشارك المأموم إمامه بالركن، بحيث

стр. 9148

يجتمع معه في ركن الصلاة، فإذا سبق المأموم إمامه بالركن فقد فاته المتابعة والمشاركة، فلا يعتد بالركن، ولا فرق في الحكم أن يسبقه بركن أو بأكثر، وتعمد المسابقة لا يبطل الصلاة. وكيف يأتي بالركن الذي سبق به إمامه، لهم تفصيل في كيفية الإتيان به وهو مبني على ما يأتي: - إبطال الركن الذي سبق به إمامه؛ لأنه وقع في غير محله. - الإتيان به في أثناء الصلاة وقبل الفراغ منها، وهو ما يسميه الحنفية: اللاحق، وهو يختلف عن المسبوق، والذي فاته أول الصلاة، فإنه لا يقضيه إلا بعد فراغ إمامه (١). - مراعاة فرض الترتيب بين الركن السابق الذي أدركه مع الإمام، والركن اللاحق الذي يجب عليه قضاؤه، فما لا يكون الترتيب فيه فرضًا يمكنه فعله في آخر صلاته، كالترتيب بين السجدتين. وما يكون الترتيب فيه فرضًا فلا بد من مراعاته

стр. 9149

لتصح الركعة (١). فالمصلي إما إن يأتي بالركوع والسجود قبل الإمام، أو يأتي بهما بعد فراغ الإمام، أو يأتي بالركوع قبل الإمام ويسجد مع الإمام، أو يأتي بالركوع مع الإمام ويسجد قبله. وأما الخامسة: وهو أن يأتي بالركوع أو بالسجود قبل الإمام ثم يدركه الإمام فيه، وهذا ما يسمى بالسبق إلى الركن، وقد تكلمت عليها في الفصل السابق. فالحال الأولى: أن يأتي بالركوع والسجود قبل الإمام في الركعات كلّها: فهذا يجب عليه أن يصلي ركعة واحدة بغير قراءة؛ لأن الركوع والسجود قبل الإمام لغو، فينتقل ما في الركعة الثانية إلى الأولى، وما في الثالثة إلى الثانية، وما في الرابعة إلى

стр. 9150

الثالثة، وبقيت الركعة الرابعة قيام بغير ركوع وسجود، فيصلّي ركعة بغير قراءةٍ؛ لأنه في حكم المأموم، ولا قراءة على المأموم، وهو لاحق فيها. الحال الثانية: أن يركع مع الإمام ويسجد قبله: فهذا يجب عليه قضاء ركعتين؛ لأنه لما ركع في الأولى مع الإمام اعتبر ركوعه، فإذا سجد قبل الإمام لم يعتبر سجوده، ثم لمّا ركع في الثانية مع الإمام لم يعتد بهذا الركوع؛ لوقوعه عقب ركوعه في الأولى، وانتقل السجود من الثانية إلى الأولى، فصح له ركعة، وبطلت الركعة الثانية؛ ثم لمّا ركع في الثالثة مع الإمام اعتبر ركوعه، ولما سجد قبله فيها، لم تعتبر هذه السجدة، فإذا فعل في الرابعة كذلك بطل الركوع في الرابعة؛ لوقوعه بعد الركعة الثالثة، وانتقل السجود في الرابعة إلى الثالثة، فصح لها ركعتان: الأولى، والثالثة، ولا ترتيب بين الركعات لأنها فرض مكرر، فيجب عليه قضاء ركعتين بغير قراءة؛ لأنه في حكم المأموم، وليس في حكم المسبوق. الحال الثالثة: أن يركع قبل الإمام ويسجد معه في الصلاة كلها: فهذا يجب عليه قضاء أربع ركعات بغير قراءة؛ لأنّ السجود مع الإمام لا يعتبر إذا لم يتقدمه ركوع صحيح، فيلزمه أربع ركعات. الحال الرابعة: أن يركع ويسجد بعد فراغ الإمام من الركوع والسجود: فهذا تصح صلاته مع كراهتها كراهة تحريمية؛ لمخالفته الإمام، حيث وقع الركوع والسجود بعده، ولم يشاركه فيه، فتحققت المتابعة دون المشاركة. الحال الخامسة: أن يركع مع الإمام ويسبق المأموم إمامه في إحدى السجدتين فقط: فالحنفية يرون أنه إذا ركع مع الإمام وسجد إحدى السجدتين معه، والأخرى قبله، تقيدت الركعة الأولى بالسجدة، والثانية تكرار، فصحت له الركعة الأولى، وكان أداء الركعة الثانية معتدًا به؛ لأنها صادفت محلها، فلا يلزمه إلا قضاء السجدة التي تطرق إليها الخلل، والترتيب بين السجدتين ليس بفرض، فإذا سجدها ولو في آخر صلاته، صحت صلاته (١).

стр. 9151

ويناقش: القول بأن من سبق إمامه بركن فأكثر حتى لو سبق إمامه بالركوع متعمدًا في كل ركعات الصلاة فإنه يمكنه تصحيح متابعته للإمام، والبناء على التحريمة هذا قول ضعيف جدًّا، فمن تعمد مسابقة إمامه بلا عذر، فعلى الأقل أن يكون ذلك مبطلًا للاقتداء به، إن لم يكن مبطلًا للصلاة نفسها، وأقل ما يمكن الحكم عليه بأن يكون في حكم من نوى مفارقة إمامه لمخالفته مقتضى الائتمام، فإن كان بغير عذر صحح الشافعية مفارقته خلافًا للجمهور، وإن كان بعذر صحت مفارقته عند الحنابلة، وقد سبق بحثها. وأما دعوى أن الترتيب بين السجدتين واجب، والترتيب بين الركوع والسجود فرض، فهذا لا يقوم على دليل أثري يمكن التسليم له، ولا دليل نظري مطرد، فالصحيح أن كل ركن في الصلاة مستقل بنفسه، لا فرق بين ركن لا يتكرر، وبين ركن يتكرر في كل ركعة، وقد ناقشت ذلك في مبطلات الصلاة، تحت عنوان: بطلان الصلاة بنقص ركن منها، فارجع إليه دفعًا للتكرار. ويبقى من فعل ذلك ساهيًا، فإن أمكنه العود والإتيان به بعد إمامه صحت ركعته، وإلا بطلت تلك الركعة، وقضاها بعد الصلاة، والله أعلم. تعليل من صحح الصلاة بالسبق بالركن: ذهب الشافعية إلى أن السبق بالركن من السبق اليسير، وهو يقع كثيرًا من الناس، واعتباره من المبطلات شديد. وتعليل الإبطال بفوات واجب المتابعة لا يكفي حجة، فواجب المتابعة يفوت بموافقة الإمام في الانتقال، وبالتأخر عنه كثيرًا، وكلها مخالف لحديث: (إذا كبر فكبروا)، وإذا لم تبطل بالموافقة والتأخر لا تبطل بالمسابقة بالركن، بجامع أن ذلك من المخالفة اليسيرة. ولأن هذه المخالفة وقعت بعد انعقاد الصلاة، بخلاف السبق بتكبيرة الإحرام، فإنه لم يدخل في صلاة الإمام.

стр. 9152

دليل من فرق بين السبق بالركوع وبين السبق بغيره: قالوا: إن الركوع تدرك به الركعة، وتفوت بفواته، فغيره لا يساويه. دليل من فرق بين الركن المقصود وبين غيره: أمر الله بالركوع والسجود والقيام في الصلاة في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ومعلوم أنه لا يتقرب بالركوع وحده من غير صلاة، فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة ذاتها، وكل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، وأنه غاية مقصودة في العبادة، بخلاف الاعتدال من الركوع والسجود، وكذلك الجلوس بين السجدتين، فهي وإن كانت من الأركان فإنها ليست مقصودة، وإنما شرعت للفصل إما بين الركوع والسجود، وإما بين السجدتين، ولهذا لم يطلق على الصلاة بالاعتدال، كما عبر بالركوع والسجود عن الصلاة، فلا يستويان في الحكم: مسابقة الإمام في ركن مقصود، ومسابقته في ركن غير مقصود، فالمخالفة في الأولى أغلظ. ويناقش: جاء الأمر بالاعتدال من الركوع والسجود في السنة كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( … ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا … ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (١). فنفى النبي ﷺ عن الصحابي الصلاة الشرعية؛ لانعدام الطمأنينة في الركوع، والسجود، والاعتدال منهما، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها، والتفريق بين الأركان في حكم مسابقة الإمام بناء على أن بعضها مقصود، وبعضها غير مقصود يحتاج إلى توقيف، وليس هناك ما يمكن الاستدلال به نصًّا في هذا السياق. والنصوص لا تفرق بين السبق بالركوع والسبق بالرفع منه، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أما يخشى أحدكم، أو: لا يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل

стр. 9153

الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار) (١). فهذا الوعيد الشديد على الرفع قبل الإمام يدل على أنه لا فرق في السبق بين الركوع والرفع منه، وإذا كان هذا الوعيد في السبق إلى الركن، فما بالك بالسبق بالركن كله، وكون بعض الأركان أفضل من بعض لا يعني هذا فرقًا في تحريم السبق، وإذا كان محرمًا ترتب عليه إبطال الصلاة إذا ارتكبه عمدًا. وإذا كانت مخالفة الإمام بترك المصافة، فإذا صلى منفردًا خلف الصف أوجب ذلك إعادة الصلاة، ولو كان متابعًا ومشاركًا للإمام في جميع أركان الصلاة، فما بالك بمسابقته بالأركان. دليل من فرق في السبق بين العمد والسهو: عموم أحكام الشريعة تفرق بين العمد والسهو، فليس العامد كالساهي، ولا غير المعذور كالمعذور. قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فمن سبق إمامه عالمًا عامدًا فصلاته باطلة؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا)، فجمع بين الأمر بالائتمام، والنهي عن مخالفته، والأصل في الأمر الوجوب، والأصل في النهي التحريم. وأما إذا سبقه ناسيًا أو جاهلًا، فقد ارتكب محضورًا وترك مأمورًا: فارتكاب المحضور ناسيًا: وهو سبقه للإمام في حكم العدم، لأنه لم يقصد الفعل، ولذلك لما صلى النبي ﷺ بنعليه، وفيهما أذى، فجاءه جبريل فأخبره، وهو يصلي خلع نعليه، وبنى على صلاته، ولم يستأنف الصلاة، صح ذلك من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وأما ترك المأمور، وذلك من ترك السجود عقب الإمام، فإنه يطالب أن يرجع ليأتي به بعده، فإن المأمورات لا تسقط بالنسيان، فإن أمكنه صحت ركعته، وإلا بطلت تلك الركعة، وحلت التي بعدها محلها، وصار مطالبًا بقضاء ركعة بعد سلام

стр. 9154

الإمام، والله أعلم. الراجح من الخلاف: أن السبق بالركن محرم، وهذا الفعل لا يختلفون عليه، ويختلفون في إبطال الصلاة به، فالحنفية لا يبطلون الصلاة، ولا المتابعة، ويبطلون الركن وحده، ولا فرق عندهم بين السبق بالركن والسبق بأكثر. والشافعية لا يبطلون الصلاة ولا الركن الذي سبق به، لكنهم يقصرون الحكم على السبق بالركن الواحد، فإن سبقه بأكثر متعمدًا أبطلوا الصلاة. والمالكية والحنابلة يبطلون الصلاة بالعمد في الجملة واستثنى الحنابلة السبق بغير الركوع. والذي أريد الوقوف عنده، هل تحريم المسابقة يقتضي بطلان الصلاة، أو يقتضي بطلان المتابعة، هل الخلل تطرق إلى الصلاة، أو تطرق إلى المتابعة، خاصة على القول بأن الجماعة ليست واجبة، فإذا سبق إمامه متعمدًا حَرُم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع، فالمأموم دخل بالصلاة بنيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة، وبطلان المتابعة لا يقتضي بطلان نية الصلاة، فالصلاة نفسها شروطها وأركانها لم يتطرق لها خلل، فيُحْرَم أجر الجماعة، خاصة أن الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صلاة المأموم بالبطلان، فلو كان يصلي منفردًا لصحت صلاته قولًا واحدًا، لقيام شروطها وأركانها، وإنما الذي فسد ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، ويأثم على هذا الفعل، ويمكن تخريج هذا القول على قول الحنفية الذين يرون أن المسابقة لا تبطل الصلاة مطلقًا، وهناك من الفقهاء من يبيح للمأموم أن ينوي الانفراد عن الإمام مطلقًا، ولو من غير عذر كالشافعية، ورواية عن أحمد (١).

стр. 9155

ومنهم من يبيحه للحاجة، كما لو حصر ببول، أو كان الإمام يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة، أو كان الاقتداء يفوت غرضًا للمأموم. وهل القول بإبطال المتابعة دون إبطال الصلاة قول محدث؟ الجواب: لا، فهو قول ملفق من قولين: قول الحنفية القائلين لا تبطل الصلاة ولا المتابعة، وقول المالكية والحنابلة تبطل الصلاة والمتابعة، فالوسط أن يكون مبطلًا للمتابعة دون الصلاة؛ فإبطال المتابعة جزء من قول المالكية، وتصحيح الصلاة جزء من قول الحنفية، وهذا في حال كان السبق للإمام عمدًا. فإن فعله ساهيًا فصلاته صحيحة، ويطالب بالرجوع ليأتي به بعده، فإن لم يرجع عمدًا بطلت متابعته، وإن لم يرجع سهوًا أو فات الرجوع فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يتعمد؛ حتى نبطل اقتداءه بالإمام، ويكون حكمه حكم من سبق بغير الركوع عند الحنابلة، والله أعلم.

стр. 9156

المبحث الثالث مسابقة الإمام بركنين فأكثر المدخل إلى المسألة: راجع المدخل السابق في مسابقة الإمام بركن واحد. [م-١٠٥٥] سبق لنا أقوال الفقهاء فيما لو سبق المأموم إمامه بركن كامل، هل يختلف الحكم فيما لو سبق إمامه بركنين كاملين أو أكثر، كما لو ركع قبل الإمام فلما أراد الإمام أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد فلم يجتمعا في الركوع، ولا في الاعتدال؟ (١). الفقهاء لا يختلفون في تحريم المسابقة للإمام مطلقًا، ويختلفون في إبطال الصلاة. وإليك تفصيل قولهم. القول الأول: مذهب الحنفية: لا فرق عند الحنفية بين السبق بالركن والسبق بأكثر، ولا فرق بين السبق به عمدًا أو السبق به سهوًا، فلا يعتد بالركن الذي سبق به إمامه؛ لعدم المشاركة والمتابعة فيه، وعليه الإتيان ببدله في أثناء الصلاة، وقبل الفراغ منها، وهو ما يسميه الحنفية: اللاحق، وهو يختلف عن المسبوق، والذي فاته أول الصلاة، فإنه لا يقضيه إلا بعد فراغ إمامه. وعليه مراعاة فرض الترتيب بين الركن السابق الذي أدركه مع الإمام، والركن اللاحق الذي يجب عليه قضاؤه، فما لا يكون الترتيب فيه فرضًا يمكنه فعله في آخر صلاته، كالترتيب بين السجدتين. وما يكون الترتيب فيه فرضًا فلا بد من مراعاته

стр. 9157

لتصح الركعة (١). راجع المسألة السابقة للوقوف على تفصيل مذهب الحنفية بالأمثلة. ودليل الحنفية على هذه المسألة هي أدلتهم نفسها في السبق بالركن، فارجع إليها غير مأمور. القول الثاني: مذهب المالكية: لا يفرق المالكية بين السبق بالركن والسبق بأكثر في الحكم، فإذا سبق إمامه بأكثر من ركن عمدًا بطلت صلاته، وإن كان سهوًا رجع إليه وجوبًا، فإن ترك الرجوع عمدًا بطلت صلاته، وإن ترك الرجوع سهوًا كان حكمه حكم من زوحم على أداء الركن مع الإمام حتى فاته، انظر تفصيل ذلك في المسألة السابقة (٢). جاء في مواهب الجليل: « … سئل مالك عن الأعمى يصلي خلف الإمام، فيركع قبل ركوع الإمام، ويسجد قبل سجوده، ويسبح به فلا يفطن حتى إذا قضى صلاته أخبر بذلك، قال يستأنف الصلاة» (٣). وجاء في حاشية العدوي: «من سبق الإمام في فعل الركن عمدًا كأن يفعل الانحناء للركوع والرفع منه قبل ركوع الإمام عمدًا، أو يفعل ما ذكر من الانحناء للركوع قبل ركوع الإمام، أو يفعل الرفع بعد انحناء الإمام عمدًا، أو ينحني بعد انحناء الإمام، ويرفع قبل رفعه فيهما، ولم يأخذ فرضه معه فيهما فإن صلاته تبطل لذلك، وسواء كان خفضه للركوع فيها عمدًا أو سهوًا، وهذا لا شبهة فيه» (٤). وإذا أبطل المالكية الصلاة بالسبق بالركن عمدًا فإبطالها بالسبق بالركنين من باب أولى.

стр. 9158

ودليل المالكية على هذه المسألة هي أدلتهم نفسها في السبق بالركن، فارجع إليها في المسألة السابقة إن شئت. القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة: فرق الشافعية بين السبق بالركن فلا تبطل به الصلاة وبين السبق بالركنين، وكذلك قال به الحنابلة فيما إذا كان السبق به غير الركوع، فذهبوا إلى القول بأن السبق بركنين فصاعدًا يبطل الصلاة إن كان عامدًا عالمًا بتحريمه، وإن كان ساهيًا أو جاهلًا لم تبطل، لكن لا يعتد بتلك الركعة، فإن لم يعد للإتيان بهما عمدًا بطلت صلاته، وإن ترك الرجوع سهوًا أو جهلًا أتى بركعة بعد سلام الإمام، فإن لم يفعل أعاد الصلاة (١). دليل الشافعية والحنابلة: من سبق إمامه فقد اختلف عليه، فإذا تعمده بطلت صلاته؛ لأن المخالفة تنافي المتابعة الواجبة، وترك الواجب متعمدًا يبطل الصلاة؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا). وإنما اغتفر السبق بالركن الواحد؛ لكون المخالفة يسيرة، وعلل به الحنابلة إذا كان السبق بغير الركوع، لأن الركوع تدرك به الصلاة، فلا يساويه غيره، فإذا سبقه بركنين، فقد خالفه في أكثر الركعة، فتبطل صلاته. ولا تبطل المخالفة من الناسي والجاهل للعذر، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ولأن السبق من المحظورات، وارتكاب المحظور ناسيًا في حكم العدم؛ لأنه لم

стр. 9159

يقصد الفعل، فكأنه لم يفعله، ولذلك لما صلى النبي ﷺ بنعليه، وفيهما أذى، فجاءه جبريل فأخبره، وهو يصلي، فخلع نعليه، وبنى على صلاته، ولم يستأنف الصلاة، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وهو حديث صحيح. وعليه أن يرجع ويأتي بهما عقب الإمام؛ لأنهما من المأمورات، والمأمورات لا تسقط بالنسيان، فإن أمكنه صحت ركعته، وإلا بطلت تلك الركعة، وحلت التي بعدها محلها، وصار مطالبًا بقضاء ركعة بعد سلام الإمام، والله أعلم. الراجح: لا أحفظ في المسألة نصًا في بطلان الصلاة إذا سبق إمامه عمدًا، إلا ما ورد من النهي عن الاختلاف على المأموم، وهو يقضي بتحريم مسابقة الإمام، ودلالة الحديث على التحريم متفق عليها، ولكن دلالته على بطلان الصلاة فيها خلاف، والجمهور على بطلان صلاته إذا سبق إمامه متعمدًا خلافًا للحنفية، وقد رجحت أن مسابقة الإمام عمدًا تبطل الاقتداء بالإمام؛ لأن من شرط الاقتداء ألا يتقدم المأموم على إمامه، ولم يظهر لي بطلان صلاته، انظر أدلة ذلك في الترجيح في المسألة السابقة، فقد أغنى هذا عن إعادتها هنا، ولله الحمد.

стр. 9160

الفصل الثالث في مقارنة المأموم لإمامه المبحث الأول مقارنته في تكبيرة الإحرام المدخل إلى المسألة: لا يكون الإمام إمامًا إلا بشرطين: نية الاقتداء من المأموم، والتزام المتابعة. قال ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا. المأموم تابع لإمامه، لا يساويه في أفعاله، ومن باب أولى لا يسبقه، وهذه حقيقة الائتمام. إذا كان الواجب على المأموم متابعة إمامه، فلا تتحقق المتابعة مع مساواة الإمام لإمامه في تكبيرة الإحرام، ومن باب أولى إذا سبقه فيها. لا بد من شروع الإمام في الصلاة أولًا حتى يتحقق بناء صلاة المأموم على صلاة الإمام، وإلا لزم البناء على المعدوم وهو لا يجوز. لا يكفي أن يسبق الإمام مأمومه ببعض التكبير؛ لأن المأموم لا يدخل في الصلاة حتى يتم إمامه التكبير. قال ﷺ : (إذا كبر الإمام فكبروا) والإمام لا يكون مكبرًا حتى يقول: (اللَّه أكبر)؛ فلو قال الإمام (اللَّه) ثم كبر المأموم لم يكن مكبرًا عقب تكبيرة الإمام. [م-١٠٥٦] إذا قارن المأموم إمامه في تكبيرة الإحرام، فله أحوال: الحال الأولى: أن يبتدئ المأموم التكبير مع الإمام، ويختم قبله. فقال المالكية والشافعية والحنابلة: صلاته باطلة (١).

стр. 9161

قال النووي: «ويشترط تأخر جميع تكبيرة المأموم عن جميع تكبيرة الإمام» (١). وقال في المجموع: «فإن قارنه في تكبيرة الإحرام، أو شك في مقارنته، أو ظن أنه تأخر، فبان مقارنته لم تنعقد صلاته باتفاق أصحابنا مع نصوص الشافعي، وبه قال مالك، وأبو يوسف، وأحمد، وداود» (٢). فبين النووي أن بطلان الصلاة لا يتوقف على تحقق المقارنة، بل لو شك هل قارنه في تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فلا بد من تيقن أنه لم يكبر حتى فرغ الإمام من تكبيرة الإحرام. قال في تحفة المحتاج: «لا تنعقد صلاته حتى يتأخر جميع تكبيرته عن جميع تكبيرة الإمام يقينًا؛ لأن الاقتداء به قبل ذلك اقتداء بمن ليس في صلاة؛ إذ لا يتبين دخوله فيها إلا بتمام التكبير» (٣). وقال الحنفية: إن فرغ المأموم من قوله: (الله) قبل فراغ الإمام لا يكون شارعًا في صلاة الإمام، واختلفوا هل يكون شارعًا في صلاة نفسه. ولو قال: (الله) مع الإمام وقال: (أكبر) قبل الإمام صح في قول أبي حنيفة خلافًا

стр. 9162

لقول أبي يوسف ومحمد، وقولهما هو الأظهر والأصح عند الحنفية، والخلاف مبني على اختلافهم في الشروع في الصلاة بقوله: (الله) وحده (١). قال في الدر المختار: «لو قال: (الله) مع الإمام و (أكبر) قبله … لم يصح في الأصح، كما لو فرغ من (الله) قبل الإمام» (٢). الحال الثانية: أن يبتدئ معه ويختم معه أو بعده: فقال أبو حنيفة: مقارنة المأموم لإمامه في تكبيرة الإحرام أفضل. جاء في بدائع الصنائع: «ومنها -أي من السنن- أن يكبر المقتدي مقارنًا لتكبير

стр. 9163

الإمام فهو أفضل باتفاق الروايات عن أبي حنيفة» (١). وقيل: صلاته صحيحة، وفعله خلاف الأفضل، وهو قول ابن القاسم، وابن عبد الحكم وعبد العزيز بن أبي سلمة (٢). جاء في جامع الأمهات: «قال ابن القاسم: إن أحرم معه أجزأه، وبعده أصوب» (٣). وقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، والراجح من مذهب المالكية، اختاره أصبغ وابن حبيب، ورواه عن مالك في كتابه. قال خليل: وهو أظهر، وهو رواية عن أبي يوسف، وبه قال زفر والثوري وداود (٤). الحال الثالثة: أن يسبقه الإمام ولو بحرف، ويختم معه أو بعده، لا قبله. فقال المالكية: تصح صلاته (٥). جاء في شرح الخرشي: «إن ابتدأ بعده بأن سبقه الإمام ولو بحرف، وأتم بعده أو معه أجزأه قولًا واحدًا فيهما» (٦). وقال الشافعية والحنابلة: لا تصح (٧). الحال الرابعة: أن يسبقه الإمام، ويختم قبل الإمام.

стр. 9164

فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، والمعتمد في مذهب المالكية (١). وقيل: تصح صلاته، اختاره ابن رشد، وابن عرفة من المالكية (٢). جاء في حاشية الدسوقي: «إذا سبقه الإمام في البدء، وختم قبل الإمام فالبطلان فيها على المعتمد خلافًا لاستظهار ابن عرفة الصحة فيها تبعا للبيان» (٣). فتبين من هذا التفصيل: أن المأموم لو سبق إمامه في التحريمة، ولو بحرف لم يدخل في صلاة الإمام، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. وإذا قارن إمامه في التحريمة ابتداء وانتهاء، أو قارنه في الابتداء وختم بعده بطلت صلاته عند جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة والراجح عند المالكية، ومن باب أولى لو ابتدأ معه وختم قبله. وقال الحنفية: الأفضل مقارنة المأموم لإمامه في التحريمة. وإذا سبقه الإمام ولو بحرف، وقارنه في الانتهاء، أو ختم بعده صحت صلاته عند المالكية والحنفية، خلافًا للشافعية والحنابلة. دليل من قال: لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام: (ح-٣٢٢٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٤).

стр. 9165

ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). فرتب فعل المأموم على فعل الإمام بالفاء المقتضية للترتيب والتعقيب. ولأن الاقتداء بناء صلاته على صلاة الإمام، فلا بد من شروع الإمام في الصلاة حتى يتحقق البناء على صلاته، وإلا لزم البناء على المعدوم وهو لا يجوز. ونوقش هذا: بأن الفاء المقتضية للتعقيب هي العاطفة، أما الواقعة في جواب الشرط فإنما هي للربط، والظاهر أنه لا دلالة لها على التعقيب، على أن في دلالتها على التعقيب مذهبين، حكاهما الشيخ أبو حيان الأندلسي في شرح التسهيل، وإن قلنا بالتعقيب فليس مستفادًا من الفاء، وإنما هو من ضرورة تقدم الشرط على الجزاء، والله أعلم (٢). وقولكم: إن المقارنة يلزم منها البناء على المعدوم، لأن صلاة الإمام لم تنعقد بعد، فغير مسلم، وإنما يكون بناء على المعدوم لو كان شروع المقتدي سابقًا على شروع الإمام فإذا كان مقارنًا له لا تكون صلاة الإمام معدومة وقت وجود صلاة المقتدي، والله أعلم. تعليل من قال: الأفضل مقارنة المأموم للإمام في تكبيرة الإحرام: قال أبو حنيفة: المأموم شريك الإمام في الصلاة، وحقيقة المشاركة في المقارنة. واستدل أبو حنيفة أيضًا بحديث أبي هريرة في الصحيحين: (إذا كبر فكبروا) ولم ير الفاء في قوله: (فكبروا) أنها للتعقيب، بل الحديث فيه أمر المأموم بالتكبير في زمان يكبر فيه الإمام؛ لأن (إذا) في قوله (إذا كبر فكبروا) ظرف للوقت حقيقة كالحين، فيكون تقديره: (فكبروا في زمان فيه يكبر الإمام). والفاء وإن كانت للتعقيب فقد تستعمل للمقارنة كقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فيجب الاستماع والإنصات في زمان

стр. 9166

القراءة لا بعده (١). ومثله حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فالفاء هنا ليست للتعقيب. ونوقش هذا: بأن السنة بينت أن أفعال المأموم تأتي بعد أفعال الإمام إلا في التأمين: (ح-٣٢٢٦) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء -وهو غير كذوب-، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده (٢). وإذا كان هذا في الهوي إلى السجود فسائر الانتقالات مثله. (ح-٣٢٢٧) وروى الإمام أحمد وأبو داود من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمَّد عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إنما الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. [انفرد محمد بن مصعب عن أبي صالح السمان بلفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر، ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)، ورواه جمع عن أبي هريرة، وليس فيه لفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر) وهي رواية الصحيحين] (٣). وأما الجواب عن حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا). فالذي جعل المأموم يقارن الإمام في التأمين مع كونه بالفاء الشرطية حديث أبي هريرة في البخاري. (ح-٣٢٢٨) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر،

стр. 9167

عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين … الحديث (١). فكان تأمين المأموم مقارنًا لتأمين الإمام، ولولا هذا الحديث لكان تأمين المأموم متراخيًا عن تأمين الإمام. دليل من قال: إذا سبقه الإمام ولو بحرف وانتهى معه أو بعده صحت صلاته: سبق الإمام أو مقارنته في تكبيرة الإحرام يبطل الصلاة؛ فلا بد من شروع الإمام في التكبير قبل شروع المأموم حتى يتحقق البناء على صلاته، وإلا لزم البناء على المعدوم، وإذا كان الواجب على المأموم متابعة إمامه، فلا تتحقق المتابعة مع مساواة المأموم لإمامه في تكبيرة الإحرام، ومن باب أولى إذا سبقه في التحريمة. أما إذا سبقه الإمام، ولو بحرف فكان الإمام شارعًا في الصلاة قبل شروع المأموم، فتتحقق المتابعة، وتنعقد صلاة المأموم، وإن كان الأفضل والأكمل ألا يكبر ولا يسلم إلا بعد فراغ إمامه من التكبير والسلام. ونوقش هذا: حديث: (إذا كبر فكبروا) أمر بالتكبير بعد فراغ الإمام من التكبير؛ لأن قوله: (إذا كبر) ليس معناه: إذا شرع، بل إذا فرغ. إذا سبق الإمام مأمومه بحرف واحد من التكبير فهل دخل الإمام في الصلاة بهذا الحرف، أو أنه لا يدخل الصلاة حتى يتم التكبير، فإذا كان لا يدخل في الصلاة حتى يتم التكبير، فإذا كبر المأموم قبل إتمام الإمام التكبير، يكون قد شرع في الصلاة قبل أن يدخل الإمام في الصلاة حكمًا، ولذلك لو مَدَّ الإمام التكبير وحذف المأموم فقد يفرغ المأموم من تكبيرة الإحرام قبل إمامه، فالصحيح أن المعتبر في تحقيق الاتباع كل التكبير، لا بعضه.

стр. 9168

الراجح: أرى أن مذهب الشافعية والحنابلة هو الراجح، وأنه يشترط تأخر جميع تكبيرة المأموم عن جميع تكبيرة الإمام، والله أعلم.

стр. 9169

المبحث الثاني مقارنة المأموم لإمامه في السلام المدخل إلى المسألة: قال ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا). الحكمة من نصب الإمام ليؤتم به، ومقارنته تنافي إمامته، فإذا كان الإمام يتقدم على المأموم في المكان، فهو يتقدم عليه في الأفعال. (إذا كبر فكبروا) فأَمَرَ النبي ﷺ أن يكون تكبير المأموم بعد تكبير إمامه، والأصل في الأمر الوجوب. الأمر بالشيء نهي عن أضداده، ومن أضداده المسابقة والمقارنة. النهي في قوله ﷺ (فلا تختلفوا عليه) مجمل يفسره الجملة بعده (فإذا كبر فكبروا) فمن كبر مع إمامه فقد اختلف على إمامه. إذا كان الاقتداء بالإمام واجبًا، فالمسابقة والمقارنة تنافي الاقتداء الواجب. لا يلزم من وجوب المتابعة الحكم بفساد الصلاة إذا قارن إمامه، لأن التحريم والصحة قد يجتمعان، وأما الفضل والإثم فلا يجتمعان. النظر إلى السماء من المصلي توعد عليه بخطف الأبصار، وتسوية الصفوف توعد عليه بقوله ﷺ (لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم). والمخالفة فيهما لا تبطل الصلاة في مذاهب الأئمة الأربعة، فكذلك ترك المتابعة. المتابعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، وترك الواجب لها لا يبطلها. لو كانت المقارنة في السلام مبطلة لكانت المقارنة في الركوع والسجود مبطلة للصلاة كذلك؛ لأن حديث أبي هريرة لم يفرق بين التكبير والركوع والسجود، فكلها توجه إليها الأمر بالفاء الواقعة في جواب الشرط، (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، ومذهب الأئمة الأربعة لا تبطل الصلاة بالمقارنة في الركوع والسجود.

стр. 9170

[م-١٠٥٧] اختلف العلماء في الرجل يسلم مع إمامه: فقيل: تستحب مقارنته، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة (١). وقيل: يسلم بعد تسليم الإمام، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة، ومذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٢). قال الخرشي: «المساواة مبطلة في الإحرام والسلام» (٣). وقال النووي: «ولو قارنه في السلام فوجهان: أحدهما: تبطل صلاته إن لم ينو مفارقته، كما لو قارنه في تكبيرة الإحرام. وأصحهما لا تبطل، كما لو قارنه في باقي الأركان» (٤). وقيل: إن قارنه في السلام لم تبطل صلاته، وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك، وبه قال الشافعية في الأصح والحنابلة مع الكراهة (٥).

стр. 9171

دليل من قال: تستحب المقارنة: ذكرنا دليلهم في استحباب المقارنة في تكبيرة الإحرام في المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت دفعًا للتكرار. دليل من قال: مساواة الإمام بالسلام عمدًا تبطل الصلاة: قلبت كثيرًا من كتب فروع المالكية لأجد دليلًا نصيًا على إبطال الصلاة إذا سلَّم مع إمامه فلم أجد، إلا ما ذكره القرافي في شرح التفريع، قال القرافي: «أجمع العلماء على أنه مأمور بالتكبير والتسليم بعده؛ لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا). والفاء تقتضي التعقيب» (١). فكأن القرافي أراد أن يقول: الأمر يفيد الوجوب، وترك الواجب يبطل للصلاة. ويناقش: دلالة الوجوب من الأمر ظاهر؛ لأنه الأصل في الأمر في أصح أقوال علماء أصول الفقه، ولكن الدلالة على بطلان الصلاة بالمقارنة بالتسليم ليس مستفادًا من الحديث. أولًا: لأنه لم يذكر التسليم من جملة المأمورات. ثانيًا: المحفوظ النهي عن سبقه بالسلام؛ كما حديث أنس في مسلم: (إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف … الحديث (٢).

стр. 9172

إذا فسر الانصراف بالسلام، وهو الأصح، والسبق أغلظ من المقارنة. ثالثًا: جملة: (فلا تختلفوا عليه)، هل تعد موافقة الإمام في أفعاله من الاختلاف عليه، فقوله: (لا تختلفوا عليه): أي لا تخالفوه في أفعاله، والنهي عن الاختلاف عليه يلزم منه الأمر بالموافقة؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولولا أنه قال: (إذا كبر فكبروا) لكان التكبير بعد تكبير الإمام يدخل من الاختلاف عليه، فإذا كان من يتأخر عنه، فلم يكبر حتى يكبر لا يعد مختلفًا عليه، فالموافق له أولى بأن لا يعد مختلفًا عليه، والله أعلم. نعم قد يؤخذ من الموافقة على الأفعال أنه مساوٍ للإمام، وهذا ينافي جعله إمامًا، فهو ما جعل إمامًا إلا ليؤتم به، فإذا كان المأموم لا يساوي الإمام في مكانه، فلا يساويه في أفعاله، لكن وجوب الشيء للعبادة لا يستلزم بطلان الصلاة بفواته إلا بدليل. رابعًا: حديث أبي هريرة لم يفرق بين التكبير والركوع والسجود، فكلها توجه إليها الأمر بالفاء الواقعة في جواب الشرط، (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، فكان مقتضى ذلك أن تفيد حكمًا واحدًا، بينما المالكية قد فرقوا بينها في الحكم، فلو ركع وسجد مع الإمام لم تحرم عليه المقارنة عند المالكية فضلًا أن يقال بالبطلان، بخلاف التحريمة والسلام، فيلزم من الاستدلال بالحديث الالتزام بدلالته على كل أفراده، فإما أن يفيد حديث أبي هريرة تحريم المقارنة في جميع ما ذكر من التكبير والركوع والسجود، فإذا خالف بطلت صلاته. أما أن يكون بعض هذه الأفعال المقارنة محرمة ومبطلة، وبعضها مكروهة فهذا لا يستقيم في الاستدلال. جاء في تحبير المختصر: «وإن سبقه في الإحرام والسلام أو ساواه فيهما بطلت، وإن سبقه في غيرهما حرم ذلك ولم تبطل صلاته، وإن ساواه في غيرهما كره» (١). فجعل المساواة منها ما هو حرام مفسد، ومنها ما هو مكروه. وقال زروق في شرحه على الرسالة: «المساواة في غير الإحرام والسلام

стр. 9173

جائزة مكروهة فقط» (١). وجمع المالكية في إبطال الصلاة بالمساواة مع الإمام في التحريمة والسلام عمدًا، وفرقوا بينهما في حال السهو، فالمساواة سهوًا بالسلام لا يبطل الصلاة خلافًا للتحريمة. وهذا فرق لا يستفاد من حديث أبي هريرة. فالمساواة في التحريم مبطلة؛ لأن صلاة المأموم تبنى على صلاة إمامه، فيتعين أن تكون صلاة الإمام في الوجود سابقة لصلاة المأموم، حتى يمكنه البناء عليها. وأما مساواته في السلام سهوًا فذلك يقع بعد عقد الصلاة، فلا يؤثر فيها مع السهو، ويرجع يسلم معه. ويمكن أن يستدل للمالكية في التفريق بين المساواة في السلام، والمساواة في غيره عدا التحريمة أن يقال: أن كل ما كان سبقه مبطلًا للصلاة فإن مساواته مبطلة أيضًا، فالسبق في تكبيرة الإحرام مبطل للصلاة، وكذلك السبق بالسلام عمدًا مبطل للصلاة فكانت المساواة فيهما مبطلة، وكل ما كان سبقه لا يبطل الصلاة، وإن كان منهيًا عنه، كالسبق بالركوع، والسبق بالسجود، فمساواته لا تبطل الصلاة أيضًا. هذا ما ظهر لي مما يمكن الاستدلال به لقول المالكية، فإن صح فالحمد لله، وإلا فقد سبق لك ما وقفت عليه من استدلال عند القرافي وما يرد عليه، والله أعلم. دليل من قال: تكره مقارنة الإمام بالسلام ولا تبطل الصلاة: علل الشافعية الصحة بقولهم: لكون القدوة منتظمة؛ لا مخالفة فيها؛ يقصدون أن المقارنة لا تنافي المتابعة الواجبة، وإن كانت تنافي المتابعة الكاملة، كما سيأتي أن الشافعية يقسمون المتابعة إلى واجبة، وكاملة. وعلل الحنابلة الصحة بقولهم؛ لأنه اجتمع معه في الركن يعني فلم يختلف عليه. واتفقوا على تعليل الكراهة بقولهم: لمخالفته السنة، وزاد الشافعية: بأن ارتكاب المكروه يفوت فضيلة الجماعة؛ لأن المكروه لا ثواب فيه، مع حكمهم أن الجماعة صحيحة، لكن لا يحصل فيها ثواب الجماعة، وإنما كان مكروهًا عند الشافعية لمخالفته

стр. 9174

السنة، وهذا يتفق مع تعليل الحنابلة، إلا أن الشافعية رتبوا على ذلك أنه إذا ارتكب المكروه فقد فوت عليه فضل الجماعة؛ لأن المكروه لا ثواب فيه. فإن قيل: ما فائدة صحتها مع انتفاء الثواب فيها؟ قالوا: سقوط الإثم على القول بوجوبها: إما على العين أو الكفاية، والكراهة على القول بأنها سنة مؤكدة؛ لقيام الشعار ظاهرًا، والله أعلم (١). قلت: كما أن الصلاة قد ينتفي عنها الثواب وتبقى صحيحة كصلاة الآبق، فكذلك الجماعة قد ينتفي عنها الثواب مع الحكم بصحتها، إلا أن هذا القول يسلم لو سلم الحكم بأن ثواب الجماعة ينتفي بارتكاب المكروه. وإذا كان السبق إلى الركن لا يبطل الصلاة عند الأئمة الأربعة في الجملة كما مر معنا، فالمساواة من باب أولى؛ لأن السبق أغلظ من المقارنة. ويناقش: أولًا: لا يلزم من حصوله على فضيلة الجماعة ثوابه على المكروه؛ لأن هذا المكروه لم يخرجه من صلاة الجماعة، نعم لو نوى مفارقة إمامه بلا عذر فعلى مذهب الشافعية يجوز مع الكراهة، فهنا يقال: المكروه قطع ثواب الجماعة؛ لأنه ترتب عليه قطع حكم الجماعة، وانتقل إلى الانفراد، فإذا كانت المقارنة بالركوع لا تقطع المتابعة، لم تذهب بثواب الجماعة؛ لأن الجهة منفكة، وليس الكلام على صحة الصلاة فحسب، فالمنتقل إلى حكم الانفراد لم تبطل صلاته ويبني على ما صلاه مع إمامه، ولكن بطل ثواب الجماعة لأنه قطع القدوة، فبقاء ثواب الجماعة معلق ببقاء حكم الائتمام، وهو أخص من صحة الصلاة، فكل ما أبطل صلاته أبطل ائتمامه، وليس العكس، فقد يبطل الائتمام، ولا تبطل الصلاة. ولهذا نقل الرملي عن والده: فوات فضل الجماعة فيما قارن فيه فقط (٢). وإشكال آخر أثاره بعض الشافعية: فقالوا: كيف تكون المتابعة واجبة، وتكون

стр. 9175

المقارنة مكروهة مع أنها تنافي المتابعة المستفادة من قوله ﷺ : (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، فإن مقتضى المتابعة: أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، فلا يسبقه، ولا يقارنه، بل يقع فعله بعد فعله، وهو منطوق حديث البراء في الصحيحين: (كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده) (١). وإذا كانت المتابعة بهذا التوصيف واجبة للأمر بها، فإذا قارنه فقد ترك واجبًا، فكيف تكون مكروهة. ورد هذا النقاش: دفع الشافعية هذا بقولهم: إن المتابعة منها ما هو متابعة كاملة، ومنه ما هو متابعة واجبة. فالمتابعة الواجبة: بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم انتهاء فعل الإمام على فراغ فعل المأموم. والمتابعة الكاملة: أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن جميع حركة الإمام فلا يشرع حتى يصل الإمام لحقيقة المنتقل إليه. فمقارنة المأموم لإمامه تنافي المتابعة الكاملة، فيكون مرتكبًا للمكروه ويكون متابعًا المتابعة الواجبة، كما أن المصلي مأمور بالصلاة، لا في أرض مغصوبة، فإذا أوقعها في الدار المغصوبة فقد أتى بالصلاة، لا على الوجه المأمور به، وهي صحيحة، فتكون مسألتنا كذلك: أي فيكون متابعًا، وإن ارتكب المكروه. أو يقال: ما ذكره من وجوب المتابعة باعتبار الجملة، وهو الحكم على المجموع من أحوال المتابعة، لا حكم على كل فرد فرد. ولا شك أن المتابعة في كلها واجبة، والتقدم بجميعها يبطل بلا خلاف، والحكم ثانيًا بأنه لا يضر إنما ذكره للحكم من حيث الأفراد، والحكم على الكل غير الحكم على الأفراد، وهذا كقول الشيخ في التنبيه: من السنن: الطهارة ثلاثًا ثلاثًا، مع أن الأولى واجبة، وإنما
следующие страницы →