دليل من قال: تستحب المقارنة:
ذكرنا دليلهم في استحباب المقارنة في تكبيرة الإحرام في المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت دفعًا للتكرار.
دليل من قال: مساواة الإمام بالسلام عمدًا تبطل الصلاة:
قلبت كثيرًا من كتب فروع المالكية لأجد دليلًا نصيًا على إبطال الصلاة إذا سلَّم مع إمامه فلم أجد، إلا ما ذكره القرافي في شرح التفريع، قال القرافي:
«أجمع العلماء على أنه مأمور بالتكبير والتسليم بعده؛ لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا). والفاء تقتضي التعقيب» (١).
فكأن القرافي أراد أن يقول: الأمر يفيد الوجوب، وترك الواجب يبطل للصلاة.
ويناقش:
دلالة الوجوب من الأمر ظاهر؛ لأنه الأصل في الأمر في أصح أقوال علماء أصول الفقه، ولكن الدلالة على بطلان الصلاة بالمقارنة بالتسليم ليس مستفادًا من الحديث.
أولًا: لأنه لم يذكر التسليم من جملة المأمورات.
ثانيًا: المحفوظ النهي عن سبقه بالسلام؛ كما حديث أنس في مسلم: (إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف … الحديث (٢).
стр. 9172
إذا فسر الانصراف بالسلام، وهو الأصح، والسبق أغلظ من المقارنة.
ثالثًا: جملة: (فلا تختلفوا عليه)، هل تعد موافقة الإمام في أفعاله من الاختلاف عليه، فقوله: (لا تختلفوا عليه): أي لا تخالفوه في أفعاله، والنهي عن الاختلاف عليه يلزم منه الأمر بالموافقة؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولولا أنه قال: (إذا كبر فكبروا) لكان التكبير بعد تكبير الإمام يدخل من الاختلاف عليه، فإذا كان من يتأخر عنه، فلم يكبر حتى يكبر لا يعد مختلفًا عليه، فالموافق له أولى بأن لا يعد مختلفًا عليه، والله أعلم.
نعم قد يؤخذ من الموافقة على الأفعال أنه مساوٍ للإمام، وهذا ينافي جعله إمامًا، فهو ما جعل إمامًا إلا ليؤتم به، فإذا كان المأموم لا يساوي الإمام في مكانه، فلا يساويه في أفعاله، لكن وجوب الشيء للعبادة لا يستلزم بطلان الصلاة بفواته إلا بدليل.
رابعًا: حديث أبي هريرة لم يفرق بين التكبير والركوع والسجود، فكلها توجه إليها الأمر بالفاء الواقعة في جواب الشرط، (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، فكان مقتضى ذلك أن تفيد حكمًا واحدًا، بينما المالكية قد فرقوا بينها في الحكم، فلو ركع وسجد مع الإمام لم تحرم عليه المقارنة عند المالكية فضلًا أن يقال بالبطلان، بخلاف التحريمة والسلام، فيلزم من الاستدلال بالحديث الالتزام بدلالته على كل أفراده، فإما أن يفيد حديث أبي هريرة تحريم المقارنة في جميع ما ذكر من التكبير والركوع والسجود، فإذا خالف بطلت صلاته.
أما أن يكون بعض هذه الأفعال المقارنة محرمة ومبطلة، وبعضها مكروهة فهذا لا يستقيم في الاستدلال.
جاء في تحبير المختصر: «وإن سبقه في الإحرام والسلام أو ساواه فيهما بطلت، وإن سبقه في غيرهما حرم ذلك ولم تبطل صلاته، وإن ساواه في غيرهما كره» (١).
فجعل المساواة منها ما هو حرام مفسد، ومنها ما هو مكروه.
وقال زروق في شرحه على الرسالة: «المساواة في غير الإحرام والسلام
стр. 9173
جائزة مكروهة فقط» (١).
وجمع المالكية في إبطال الصلاة بالمساواة مع الإمام في التحريمة والسلام عمدًا، وفرقوا بينهما في حال السهو، فالمساواة سهوًا بالسلام لا يبطل الصلاة خلافًا للتحريمة. وهذا فرق لا يستفاد من حديث أبي هريرة.
فالمساواة في التحريم مبطلة؛ لأن صلاة المأموم تبنى على صلاة إمامه، فيتعين أن تكون صلاة الإمام في الوجود سابقة لصلاة المأموم، حتى يمكنه البناء عليها.
وأما مساواته في السلام سهوًا فذلك يقع بعد عقد الصلاة، فلا يؤثر فيها مع السهو، ويرجع يسلم معه.
ويمكن أن يستدل للمالكية في التفريق بين المساواة في السلام، والمساواة في غيره عدا التحريمة أن يقال:
أن كل ما كان سبقه مبطلًا للصلاة فإن مساواته مبطلة أيضًا، فالسبق في تكبيرة الإحرام مبطل للصلاة، وكذلك السبق بالسلام عمدًا مبطل للصلاة فكانت المساواة فيهما مبطلة، وكل ما كان سبقه لا يبطل الصلاة، وإن كان منهيًا عنه، كالسبق بالركوع، والسبق بالسجود، فمساواته لا تبطل الصلاة أيضًا.
هذا ما ظهر لي مما يمكن الاستدلال به لقول المالكية، فإن صح فالحمد لله، وإلا فقد سبق لك ما وقفت عليه من استدلال عند القرافي وما يرد عليه، والله أعلم.
دليل من قال: تكره مقارنة الإمام بالسلام ولا تبطل الصلاة:
علل الشافعية الصحة بقولهم: لكون القدوة منتظمة؛ لا مخالفة فيها؛ يقصدون أن المقارنة لا تنافي المتابعة الواجبة، وإن كانت تنافي المتابعة الكاملة، كما سيأتي أن الشافعية يقسمون المتابعة إلى واجبة، وكاملة.
وعلل الحنابلة الصحة بقولهم؛ لأنه اجتمع معه في الركن يعني فلم يختلف عليه.
واتفقوا على تعليل الكراهة بقولهم: لمخالفته السنة، وزاد الشافعية: بأن ارتكاب المكروه يفوت فضيلة الجماعة؛ لأن المكروه لا ثواب فيه، مع حكمهم أن الجماعة صحيحة، لكن لا يحصل فيها ثواب الجماعة، وإنما كان مكروهًا عند الشافعية لمخالفته
стр. 9174
السنة، وهذا يتفق مع تعليل الحنابلة، إلا أن الشافعية رتبوا على ذلك أنه إذا ارتكب المكروه فقد فوت عليه فضل الجماعة؛ لأن المكروه لا ثواب فيه.
فإن قيل: ما فائدة صحتها مع انتفاء الثواب فيها؟
قالوا: سقوط الإثم على القول بوجوبها: إما على العين أو الكفاية، والكراهة على القول بأنها سنة مؤكدة؛ لقيام الشعار ظاهرًا، والله أعلم (١).
قلت: كما أن الصلاة قد ينتفي عنها الثواب وتبقى صحيحة كصلاة الآبق، فكذلك الجماعة قد ينتفي عنها الثواب مع الحكم بصحتها، إلا أن هذا القول يسلم لو سلم الحكم بأن ثواب الجماعة ينتفي بارتكاب المكروه.
وإذا كان السبق إلى الركن لا يبطل الصلاة عند الأئمة الأربعة في الجملة كما مر معنا، فالمساواة من باب أولى؛ لأن السبق أغلظ من المقارنة.
ويناقش:
أولًا: لا يلزم من حصوله على فضيلة الجماعة ثوابه على المكروه؛ لأن هذا المكروه لم يخرجه من صلاة الجماعة، نعم لو نوى مفارقة إمامه بلا عذر فعلى مذهب الشافعية يجوز مع الكراهة، فهنا يقال: المكروه قطع ثواب الجماعة؛ لأنه ترتب عليه قطع حكم الجماعة، وانتقل إلى الانفراد، فإذا كانت المقارنة بالركوع لا تقطع المتابعة، لم تذهب بثواب الجماعة؛ لأن الجهة منفكة، وليس الكلام على صحة الصلاة فحسب، فالمنتقل إلى حكم الانفراد لم تبطل صلاته ويبني على ما صلاه مع إمامه، ولكن بطل ثواب الجماعة لأنه قطع القدوة، فبقاء ثواب الجماعة معلق ببقاء حكم الائتمام، وهو أخص من صحة الصلاة، فكل ما أبطل صلاته أبطل ائتمامه، وليس العكس، فقد يبطل الائتمام، ولا تبطل الصلاة.
ولهذا نقل الرملي عن والده: فوات فضل الجماعة فيما قارن فيه فقط (٢).
وإشكال آخر أثاره بعض الشافعية: فقالوا: كيف تكون المتابعة واجبة، وتكون
стр. 9175
المقارنة مكروهة مع أنها تنافي المتابعة المستفادة من قوله ﷺ : (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، فإن مقتضى المتابعة: أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، فلا يسبقه، ولا يقارنه، بل يقع فعله بعد فعله، وهو منطوق حديث البراء في الصحيحين: (كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده) (١).
وإذا كانت المتابعة بهذا التوصيف واجبة للأمر بها، فإذا قارنه فقد ترك واجبًا، فكيف تكون مكروهة.
ورد هذا النقاش:
دفع الشافعية هذا بقولهم: إن المتابعة منها ما هو متابعة كاملة، ومنه ما هو متابعة واجبة.
فالمتابعة الواجبة: بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم انتهاء فعل الإمام على فراغ فعل المأموم.
والمتابعة الكاملة: أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن جميع حركة الإمام فلا يشرع حتى يصل الإمام لحقيقة المنتقل إليه.
فمقارنة المأموم لإمامه تنافي المتابعة الكاملة، فيكون مرتكبًا للمكروه ويكون متابعًا المتابعة الواجبة، كما أن المصلي مأمور بالصلاة، لا في أرض مغصوبة، فإذا أوقعها في الدار المغصوبة فقد أتى بالصلاة، لا على الوجه المأمور به، وهي صحيحة، فتكون مسألتنا كذلك: أي فيكون متابعًا، وإن ارتكب المكروه.
أو يقال: ما ذكره من وجوب المتابعة باعتبار الجملة، وهو الحكم على المجموع من أحوال المتابعة، لا حكم على كل فرد فرد. ولا شك أن المتابعة في كلها واجبة، والتقدم بجميعها يبطل بلا خلاف، والحكم ثانيًا بأنه لا يضر إنما ذكره للحكم من حيث الأفراد، والحكم على الكل غير الحكم على الأفراد، وهذا كقول الشيخ في التنبيه: من السنن: الطهارة ثلاثًا ثلاثًا، مع أن الأولى واجبة، وإنما
стр. 9176
أراد الحكم على الجملة من حيث هي، أو يكون مراده بكونها واجبة: أي لتحصيل السنة، وحيث أمكن الجمع، ولو بوجه بعيد فهو أولى من الحكم بالتناقض (١).
الراجح:
أن المقارنة محرمة، ولا تبطل الصلاة، وهو قول ملفق من قول المالكية وقول الجمهور، فأخذت من قول المالكية تحريم المقارنة، وأخذت من قول الجمهور عدم بطلان الصلاة، والله أعلم.
стр. 9177
المبحث الثالث مقارنة الإمام في أفعال الصلاة عدا التحريمة والتسليم
المدخل إلى المسألة:
راجع المدخل السابق في مقارنة الإمام بالتسليم، فالحكم واحد.
[م-١٠٥٨] اختلف العلماء في مقارنة الإمام في أفعال الصلاة عدا التحريمة والتسليم.
فقيل: تستحب المقارنة، وهو قول أبي حنيفة (١).
والمقارنة عند أبي حنيفة مستحبة مطلقًا، سواء في تكبيرة الإحرام، أو في السلام، أو في سائر أفعال الصلاة، ذكرت أدلته عند تناول الخلاف في حكم المقارنة في تكبيرة الإحرام، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
وقيل: مقارنة الإمام في غير تكبيرة الإحرام مكروهة، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، واستثنى المالكية المقارنة بالتسليم، وسبق بحثها في المسألة السابقة (٢).
стр. 9178
وقد ذكرت أدلتهم في المسألة السابقة، عند الكلام على حكم المقارنة في التسليم، فارجع إليها دفعًا للتكرار، وطلبًا للاختصار.
وقيل: تبطل الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تبطل بالركوع، وهو قول آخر عند الحنابلة (٢).
الراجح:
وقد رجحت أن المقارنة محرمة، ولا تبطل الصلاة إلا في تكبيرة الإحرام، ومستند التحريم مخالفة الأمر بالمتابعة في قوله ﷺ (إذا ركع فاركعوا .. وإذا سجد فاسجدوا)، والأمر بالشيء نهي عن أضداده، ومن أضداده المسابقة والمقارنة، ولا يلزم من وجوب المتابعة الحكم بفساد الصلاة إذا قارن إمامه؛ لأن التحريم والصحة قد يجتمعان، فالنظر إلى السماء من المصلي توعد عليه بخطف الأبصار، وتسوية الصفوف توعد عليه بقوله ﷺ (لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم). والمخالفة فيهما لا تبطل الصلاة في مذاهب الأئمة الأربعة، فكذلك ترك المتابعة، وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن المقارنة في غير التحريمة والتسليم لا تفسد الصلاة، والجمهور على أن المقارنة في التسليم لا تفسدها أيضًا خلافًا للمالكية، والله أعلم.
стр. 9179
الفصل الرابع في التأخر عن الإمام
المدخل إلى المسألة:
يتفق الفقهاء على تحريم مسابقة الإمام والتأخر عنه حتى يفرغ من الركن، ويختلفون في إبطال الصلاة.
إذا تأخر عن إمامه عالمًا متعمدًا حَرُم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم.
التحريم لا ينافي الصحة.
صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة.
الاختلاف على الإمام متعمدًا مبطل للاقتداء، ولا يلزم من إبطال المتابعة إبطال الصلاة.
التأخر عن الإمام، أو التقدم عليه فك لارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وأما صلاة المأموم من حيث هي صلاة: تامة الشروط والأركان، لا خلل فيها.
هناك فرق بين الواجب للصلاة والواجب فيها.
الاقتداء بالإمام واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صلاة المأموم بالبطلان.
اعتقاد المأموم بقاء القدوة لا ينفعه؛ لوجود ما ينافيها من المخالفة المتعمدة.
لو صلى بنية الفرض قبل الوقت لم يصح فرضًا، وبطلان نية الفرض لا يبطل نية مطلق الصلاة على الصحيح، فكذلك هنا.
لا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة، فالإمام إذا أحدث أثناء الصلاة بطلت المتابعة، ولم تبطل صلاة المأموم على الصحيح، والمأموم لو نوى مفارقة إمامه لعذر بطلت المتابعة، وبنى على صلاته منفردًا، فلا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة.
стр. 9180
[م-١٠٥٩] التخلف عن الإمام إما أن يكون في الركن، وإما أن يتخلف عنه بركن واحد، وإما أن يتخلف عنه بأكثر، وقد يكون ذلك لعذر، وقد يكون بلا عذر:
فالتخلف في الركن: بأن يتأخَّر عن المتابعة، لكن يدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: أن يركعَ الإمام، وقد بقي عليه آيةٌ، أو آيتان مِنْ السُّورةِ من غير الفاتحة، فبقي قائمًا من أجل إكمال السورة، فلما ركع، أدرك الإمام في الركوع، فالركعة هنا صحيحة باتفاق أهل العلم؛ لأنه شاركه في الركن، ولكن الفعل مخالف للسنة؛ لأن المشروع أن تشرع في الركوع من حين يصل إمامك إلى الركوع، ولا تتخلف؛ لقول النبي ﷺ : (إذا رَكَعَ فاركعوا) متفق عليه.
ولأن المتابعة واجبة، والقراءة على المأموم ليست واجبة مطلقًا في قول جمهور أهل العلم، وخالف الشافعية فقالوا بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم (١).
وأما التخلف بركن أو أكثر: فالعلماء متفقون على تحريم الفعل، ويختلفون في مسألتين: في إبطال الصلاة بفعله عمدًا، وفي صفة إصلاح صلاته إذا عرض له، وإليك خلاف العلماء:
القول الأول: مذهب الحنفية:
إذا تأخر المأموم عن إمامه بركن، أو ركعة أو أكثر، وهما في الصلاة، فهذا يسميه الحنفية اللاحق، فعليه أن يبدأ بقضاء ما فاته أثناء الصلاة، ثم يلحق إمامه ليكمل معه ما بقي من الصلاة، فإن فرغ الإمام قبل أن يقضي ما فاته صلى ما بقي عليه وحده، ولكنه يقضيه، وهو في حكم المأموم، وليس في حكم المنفرد، فلا قراءة عليه، ولو سها لم يسجد للسهو كالمأموم، بخلاف المسبوق فإنه يقضي ما فاته بحكم المنفرد، ولو خالف اللاحق، فتابع الإمام، ثم قضى ما عليه بعد فراغ الإمام صح وأثم (٢).
стр. 9181
قال في الدر المختار: «واللاحق من فاتته الركعات كلها أو بعضها لكن بعد اقتدائه بعذر كغفلة وزحمة .... وكذا بلا عذر، بأن سبق إمامه في ركوع، وسجود، فإنه يقضي ركعة، وحكمه كمؤتم، فلا يأتي بقراءة، ولا سهو، ولا يتغير فرضه بنية إقامة، ويبدأ بقضاء ما فاته عكس المسبوق، ثم يتابع إمامه إن أمكنه إدراكه، وإلا تابعه، ثم صلى ما نام فيه بلا قراءة … ولو عكس صح، وأثم؛ لترك الترتيب» (١).
فدل كلامه على ما يأتي:
أولًا: أن التأخر عمدًا كالتأخر سهوًا، لا فرق فيه بين المعذور وغير المعذور.
ثانيًا: أن اللاحق يصدق على من تأخر عن إمامه أو سبق إمامه، فالحكم واحد.
وقد ذكرت دليلهم عند الكلام على مسألة (السبق بركن واحد)، فارجع إليها.
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن المأموم إذا تعمد ترك الركوع مع الإمام حتى رفع منه معتدلًا فإن كان من الركعة الأولى بطلت صلاته، وإن تعمد تركه من غير الأولى، فإن استمر حتى رفع الإمام من سجودها بطلت أيضًا. وأما إن تركه من غير الأولى، وأتى به قبل رفع الإمام من سجودها فالراجح صحتها مع الإثم. هذا حكم العمد (٢).
стр. 9182
وإن ترك الركن لعذر من غفلة، أو نعاس لا ينقض الوضوء، أو زوحم على ركن، أو أكثر، فلم يتمكن من فعله مع الإمام حتى فات، ففي مذهب المالكية أربعة أقوال:
القول الأول:
وهو المشهور في المذهب، أن المصلي إذا زوحم أو نعس أو سها عن ركوع حتى فاته مع الإمام برفعه منه معتدلًا، اتبعه المأموم: ويقصدون بقولهم: اتبعه أي فعل المأموم ما فاته في صلب الصلاة حتى يدركه فيما هو فيه، وليس مقصودهم بقولهم: اتبعه: أي ترك ما سبقه به الإمام من الركوع وما بعده، ولا يضر قضاء المأموم ما فاته في صلب صلاة الإمام؛ لاغتفار ذلك هنا، واشترطوا لفعل ذلك شرطين:
الشرط الأول: أن يحصل ذلك في غير الركعة الأولى للمأموم؛ لأنه إذا أدرك الركعة الأولى مع الإمام بالركوع مع إمامه أدرك حكم الجماعة، وإذا تأخر عن الركوع في الأولى لم يحصل له من الصلاة إلا الإحرام والقراءة، وليس ذلك بكبير عمل يبنى عليه، فلا يأتي بالركوع؛ بل يسجد مع إمامه، ويقضي ركعة بعد سلام إمامه؛ كالمسبوق إذا أدرك الإمام في السجود، ولأن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع مع الإمام، وهذا قد فاته (١).
الشرط الثاني: أن يغلب على ظنه أنه لو ركع، ورفع في صلب الركعة أدرك إمامه، ولو بسجدة واحدة لهذه الركعة؛ كأن يسجد مع الإمام السجدة الأولى بالنسبة له، وإن كانت الثانية بالنسبة لإمامه، فيأتي المأموم بما سبقه به إمامه؛ لأنه إذا كان في سجودها فهو فيها، لم يخرج منها بعد، ولا حاجة لقضاء ركعة؛ لأن القاضي من يأتي بما سبقه به الإمام قبل أن يدخل معه، وهذا كان مدركًا لتلك الركعة ومخاطبًا بأن يصليها مع الإمام، فعليه أن يأتي بها حينئذ.
وإن ظن أنه لا يدرك إمامه في السجود، تمادى مع الإمام فيما هو فيه، وقضى ركعة بعد سلام إمامه.
فإن خالف وتبعه: أي قضى ما فاته، فإن أدركه في السجود صحت، ولا قضاء
стр. 9183
عملًا بما تبين، وإن لم يدركه فيه بطلت.
وإن ظن أنه يدرك الإمام في السجود، فلما أتى بالركوع فرغ الإمام من ذلك السجود؛ فإنه لا يعتد بذلك الركوع، ويتمادى مع الإمام فيما هو فيه، والصلاة صحيحة، ويقضي ركعة.
فإن رفع إمامه من الركعة التالية قبل أن يلحقه بطلت عليه الركعة الأولى لعدم الإتيان بسجودها على الوجه المطلوب، أي قبل أن يرفع الإمام رأسه من ركوع التالية. وبطلت الركعة الثانية؛ لعدم إدراك ركوعها مع الإمام. هذا هو العمل في التأخر عنه في الركوع.
وإن تأخر عن إمامه في السجود، فإن اعتقد المأموم أنه يدرك إمامه قبل أن يعقد الإمام الركعة التالية فعليه أن يأتي به، ثم يتبع إمامه بما هو فيه. وإن ظن أنه لا يدركه قبل عقد الركعة التالية تمادى في ترك السجود، وتبع الإمام فيما هو فيه، وقضى ركعة بعد سلام إمامه (١).
ومتى يحكم للإمام أنه عقد الركعة التالية؟ في مذهب المالكية قولان:
الأول: يعقد الركعة التالية إذا رفع رأسه من ركوعها، وبه قال ابن القاسم، وهو المذهب.
وجهه: لأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته؛ ولأن
стр. 9184
القراءة يحملها الإمام، فلو أدرك رجل الإمام، وهو راكع، فركع معه، لاحتسب بها، فعلق عقد الركعة بالرفع من الركوع، فإذا تأخر عن السجود جاز له أن يكون حينئذ في إصلاح الأولى، فإن لم يفعل حتى ركع الإمام في الركعة التالية ألغى الأولى، وركع معه؛ لأن الركوع لا يحمله الإمام عنه.
الثاني: عقد الركعة يكون بوضع اليدين على الركبتين، وهذه رواية ابن عبد الحكم عن مالك.
القول الثاني في مذهب المالكية:
أن تلك الركعة فاتته مطلقًا، سواء أكانت الأولى أم غيرها، وسواء أكانت الصلاة جمعة أم لا.
ودليلهم: أن المشروع أن يفعل عقيب الإمام، وهذا قد تأخر عنه، فيلغي تلك الركعة، ويقضيها بعد سلام إمامه.
القول الثالث عند المالكية:
يتبع إمامه مطلقًا، أي يقضي ما تأخر عنه، ويلحق إمامه، صح له مع الإمام ركعة أم لا، ما لم يعقد الركعة التالية، فإن رفع الإمام رأسه قبل فراغه فاتته الركعتان معًا، الأولى؛ لعدم الإتيان بها على الوجه المطلوب، والثانية؛ لفوات ركوعها مع الإمام.
ولعل هذا القول يرى أنه لا يصح اشتراط إدراك الركوع مع الإمام في الأولى، فما دام أنه قد أحرم مع الإمام قبل الركوع، فقد أدرك الركعة، سواء ركع مع الإمام أو تأخر عنه لسهو أو نعاس أو زحام، ونحو ذلك، ولا يكون حكمه حكم المسبوق الذي لم يحرم مع الإمام إلا بعد فوات الركوع من الأولى.
الرابع: عدم الاتباع في الأولى إلا في الجمعة (١).
هذا هو تفصيل الخلاف في مذهب المالكية، وقد ذكرت الأقوال وما تيسر من
стр. 9185
أدلتها، وما لم أقف له على دليل اكتفيت بنقل القول.
القول الثالث: مذهب الشافعية.
حكم التأخر عن الإمام عند الشافعية كحكم التقدم عليه، وتفصيله كالتالي.
إذا تخلف عن إمامه بركن: بأن يتم الإمام الركن الذي سبق إليه، والمأموم بعد فيما قبله، لم تبطل في الأصح، ولو كان عمدًا؛ لأنه تخلف يسير.
(ح-٣٢٢٩) ولما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد ابن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز،
عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت (١).
[حسن] (٢).
وقيل: تبطل؛ لما فيه من المخالفة من غير عذر.
وإن تخلف عنه بركنين بأن فرغ منهما، والمأموم فيما قبلهما، كما لو ركع الإمام، واعتدل، ثم هوى للسجود، والمأموم قائم في القراءة. فإن لم يكن عذر بطلت صلاته؛ لكثرة المخالفة، سواء أكانا طويلًا وقصيرًا كالمثال المتقدم، أم كانا طويلين، كما لو تخلف المأموم في السجدة الثانية حتى قام الإمام، وقرأ، وركع، ثم شرع في الاعتدال،. وأما كونهما قصيرين فلا يتصور.
وإن كان التخلف لعذر، كأن يكون المأموم بطيء القراءة؛ لضعف لسانه ونحوه، لا لوسوسة، والإمام سريعها، فيركع قبل إتمام المأموم الفاتحة، ولم يكن المأموم مسبوقًا، ويسمى عند الشافعية: المأموم الموافق، فوجهان عند الشافعية.
فقيل: يتبعه وتسقط البقية للعذر، أشبه المسبوق، فعلى هذا إن اشتغل بإتمامها كان متخلفًا بلا عذر.
والصحيح الذي قطع به الأكثرون: لا يتبعه، بل يتمها وجوبًا، ويسعى خلف
стр. 9186
الإمام على نظم صلاته، ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة لذاتها، وهي الطويلة، فلا يعد منها القصير: وهو الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لأنهما وإن قصدا لكن لا لذاتهما بل لغيرهما، فإن سبقه بأكثر من ثلاثة أركان، وقد انتهى الإمام إلى الرابع، بحيث لم يفرغ من الفاتحة إلا والإمام قائم عن السجود، أو جالس للتشهد، فوجهان.
أحدهما: يجب أن يفارقه؛ لتعذر الموافقة.
والأصح يتبع الإمام فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام ما فاته (١).
هذا كله في المأموم الموافق. وأما المسبوق إذا قرأ بعض الفاتحة، ولم يكن قد اشتغل بافتتاح وتعوذ، فركع إمامه فإنه يتبعه في الركوع، ويسقط عنه بقيتها؛ لأنه لم يدرك غير ما قرأه، وأجزأه، كما لو أدركه في الركوع.
فإن تخلف المسبوق لإتمام الفاتحة، وفاته الركوع مع إمامه، وأدركه في الاعتدال بطلت ركعته؛ لأنه لم يتابعه في معظمها؛ ولأنه من التخلف بلا عذر.
وأما إذا اشتغل المسبوق بافتتاح، وتعوذ، فيلزمه القراءة من الفاتحة بقدرهما؛ لتقصيره بعدوله عن فرض إلى نفل، وهو بتخلفه معذور؛ لإلزامه بالقراءة.
هذا هو قول الشافعية مع دليله أو تعليله.
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: حكم التخلف عنه كالسبق، وعلى هذا: إن تخلف عن إمامه بركن فعلي واحد بلا عذر، فإن كان ركوعًا بطلت؛ لأنه سبقه بركن كامل، وهو معظم الركعة. وإن كان غيره حرم الفعل، ولم تبطل؛ لأن غير الركوع لا يساوي الركوع.
وإن تخلف عنه بركن لعذر من نوم، أو سهو، أو زحام أتى بالركن الذي تأخر عنه، وصحت ركعته، وإلا لغت الركعة التي وقع فيها التخلف، ويقضي بدلها.
وإن تخلف عنه بركنين: فإن كان لغير عذر بطلت؛ لتركه متابعة الإمام بلا عذر، أشبه ما لو قطع الصلاة.
стр. 9187
وإن كان لعذر من نوم، وسهو، وزحام لم تبطل للعذر، ويلزمه أن يأتي بهما إن أمن فوات الركعة التالية، وتبعه، وصحت ركعته؛ لتمكنه من استدراكه بلا محذور، فإن لم يأت بما تركه بتخلفه مع أمن فوات الركعة التالية بطلت صلاته.
وإن لم يأمن فوات الثانية تبعه، ولغت ركعته، والتي تليها عوض عنها؛ لأن استدراكه الفائتة إذن يؤدي إلى فوت ركعة غيرها، فيتركه محافظة على متابعة إمامه.
وإن زال عذر من أدرك ركوع الأولى، وقد رفع إمامه من ركوع الثانية تابعه في سجودها، وتصح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه، يدرك بها الجمعة، فيأتي بعدها بركعة، وتتم جمعته.
وإن تخلف المأموم عنه بركعة فأكثر؛ لعذر من نوم، أو غفلة، ونحوه، كزحام تابعه فيما بقي من صلاته، وقضى المأموم ما تخلف به بعد سلام إمامه، جمعة كانت أو غيرها، كمسبوق، هذا التفصيل هو الصحيح من المذهب (١).
وعن أحمد رواية: يتبعه مطلقًا وجوبًا، وتلغو أولاه.
وعنه عكسه، فيكمل الأولى وجوبًا، ويقضي الثانية بعد السلام كمسبوق، لا قبله.
وعنه يشتغل بما فاته، إلا أن يستوي الإمام قائمًا في الثانية، فتلغو الأولى (٢).
الراجح:
حكم التأخر عن الإمام حكم السبق، فما رجحته هناك أرجحه هنا، وهو أن المصلي إذا تعمد التأخير حتى تأخر عن إمامه بركن كامل بلا عذر فقد أبطل اقتداءه بإمامه، وعليه أن يتم صلاته منفردًا؛ لأن مفارقة الإمام قد تكون بالنية، وقد تكون بالفعل، ومسابقة الإمام أو التخلف عنه عمدًا بلا عذر يوجب مفارقته.
وإذا لم ينو المفارقة فلا ثواب له على أجر الجماعة؛ لأن الائتمام يوجب
стр. 9188
المتابعة، فإذا لم يلتزم بمقتضاه لم يعط حكمه.
وهل بطلان الاقتداء يلزم منه بطلان الصلاة؟.
الصحيح: لا؛ لأن المصلي قد دخل الصلاة بنيتين: نية الصلاة، ونية الاقتداء، وإبطال الاقتداء لا يلزم منه إبطال نية الصلاة، لأن إبطال الأخص لا يلزم منه إبطال الأعم، كما لو صلى الفرض قبل دخول وقته؛ فإنه يصح نفلًا، مع أنه لم ينو النفل، ومثله لو أحرم بالفريضة، ثم تذكر أنه قد صلاها، فإن له أن يبني على التحريمة، وتكون نافلة في حقه، مع أنه لم ينو النافلة.
وقد قال الحنابلة في الرجل إذا نوى الانتقال في صلاته من فرض إلى فرض آخر بالنية، قالوا: إن هذا يبطل فرضه الأول؛ لتغيير النية.
ولم ينعقد الثاني؛ لأنه لم يَنْوِهِ من أوله.
وينقلب فرضه الأول إلى نفل إن أتمه.
وعللوا ذلك: بأن النية في الصلاة مركبة: من نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال نية الفرضية، لا يستلزم إبطال نية الصلاة؛ لأن إبطال الأخص، لا يستلزم إبطال الأعم، مع أن بطلان الصلاة ببطلان نية الفرضية أولى من بطلان الصلاة ببطلان المتابعة؛ لأن المتابعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فلا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة، فالإمام إذا أحدث أثناء الصلاة بطلت المتابعة، ولم تبطل صلاة المأموم على الصحيح، والمأموم لو نوى مفارقة إمامه لعذر بطلت المتابعة، وبنى على صلاته منفردًا، وصحح الشافعية للمأموم مفارقة إمامه، ولو بلا عذر، فلا تلازم بين إبطال المتابعة وإبطال الصلاة.
فكذلك هنا إذا تأخر عن إمامه، أبطل ذلك متابعته لإمامه، ولا يلزم منه إبطال الصلاة؛ لصحة التحريمة.
وإن كان معذورًا بالتأخر لزحام، أو غفلة، أو نعاس، فإنه يلزمه أن يأتي بالركن الذي تأخر فيه في صلب صلاته؛ لأنه ليس بمسبوق حتى يأتي به بعد صلاته؛ ولأن الترتيب بين أركان الصلاة فرض، فإذا أمكنه الترتيب وجب عليه، إلا أن يَصِلَ الإمام إلى الموضع الذي هو فيه، فإنه يتابع إمامه، وتبطل الركعة بفوات تداركها،
стр. 9189
ويقضي بدلًا عنها إذا سلم إمامه، وهو مذهب الشافعية فيما إذا ترك ركنًا ولم يكن مأمومًا، وهو أولى من قول المالكية بأن التدارك يفوت إذا فاته الركوع من الركعة التالية، وأولى من قول الحنابلة بأن التدارك يفوت إذا شرع في القراءة من الركعة التالية، وقد سبق بحث هذه المسألة في مبطلات الصلاة بفوات الركن، فارجع إليه في المجلد الثاني عشر، والله أعلم.
стр. 9190
الفصل الخامس في المأموم ينوي قطع الائتمام
المدخل إلى المسألة:
صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة، فإذا قطع نية المتابعة لم تبطل نية الصلاة، وجاز البناء على ما صلى.
إذا كان العذر يبيح ترك الجماعة بالإجماع، فكذلك يبيح ترك المضي فيها، فكل ما جوز ترك الجماعة ابتداء جوز المفارقة.
إن كانت الجماعة واجبة، فالواجب يسقط بالعذر، وإن كانت الجماعة ليست واجبة، فالنوافل لا تجب بالشروع على الصحيح، ويجوز له الخروج منها بلا عذر.
تجب متابعة الإمام ما دام مأمومًا، فإذا فارقه، ونوى الانفراد لم تجب متابعته، وحديث جابر وأنس نص في الموضوع.
لو سلمنا أن الأنصاري استأنف الصلاة، فإذا جاز إبطال أصل العبادة بالعذر، دل على جواز إبطال صفتها من باب أولى؛ فقطع المتابعة أخف من قطع الصلاة، وجواز الأشد دليل على جواز الأخف.
قطع القدوة من المأموم كقطع القدوة من الإمام، فلو أن الإمام حصل له عذر منعه من إكمال صلاته أتم المأموم صلاته منفردًا في أصح قولي أهل العلم، فكذلك إذا قطع المأموم القدوة لعذر، كان له أن يبني على ما صلاه مع إمامه، ولا فرق.
[م-١٠٦٠] إذا قطع المأموم الائتمام انتقل بصلاته إلى الانفراد، فانتقال المأموم من الائتمام إلى الانفراد له صور منها:
الصورة الأولى: المسبوق يقوم بعد سلام إمامه ليقضي ما عليه، فإنه قد تحول
стр. 9191
إلى منفرد بعد أن كان مأمومًا، إلا أن هذه الصورة لا يصدق عليها أن المأموم قد فارق إمامه؛ لأنه كان متابعًا له حتى انصرف الإمام من صلاته.
ومثل هذه الصورة لو أن الإمام قم إلى خامسة، فإن على المأموم مفارقته.
الصورة الثانية: صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة، فإن المأموم يصلي مع الإمام الركعة الأولى، ثم يفارقه في الركعة الثانية:
والجمهور على أنهم يتمون الركعة الثانية لأنفسهم، فهي صورة من صور الانفراد عن الإمام قبل فراغه من الصلاة.
وقال الحنفية: لا يقضون الركعة الثانية لأنفسهم حتى يتم الإمام صلاته مع المجموعة الثانية؛ لأن القضاء عندهم لا يكون إلا بعد فراغ الإمام من صلاته، على القاعدة عندهم: أن الانفراد قبل إتمام الإمام صلاته مبطل للصلاة (١).
وبحث هذه المسألة مؤجل حتى يبلغنا الله بمنه وكرمه صلاة الخوف.
الصورة الثالثة: إذا علم المأموم بحدث إمامه في أثناء الصلاة.
فقيل: للمأموم أن يفارقه ويبني على ما صلى بشرط أن يفارقه بمجرد علمه بحدث إمامه، ويتم صلاته منفردًا إذا لم يستخلف، وهذا مذهب المالكية والشافعية، فهي صورة من صور المفارقة للإمام، والبناء على ما صلى (٢).
وقال الحنفية والحنابلة: تبطل صلاتهما، وهو القديم من قولي الشافعي (٣).
стр. 9192
وسبق بحث هذه المسألة بأدلتها.
الصورة الرابعة: وهي محل البحث في هذا الفصل، إذا فارق المأموم إمامه لعذر، كما لو أطال القراءة إطالة تشق على المأموم، أو فارقه لغير عذر، فهل له أن يبني على ما صلى؟.
فقيل: تبطل صلاته مطلقًا من غير فرق بين وجود العذر وعدمه، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١).
وقيل: لا تبطل مطلقًا، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، إلا أن الشافعية قالوا: يكره له مفارقته لغير عذر (٢).
وقيل: إن فارقه لعذر لم تبطل، وإن كان بلا عذر بطلت، وهو مذهب الحنابلة،
стр. 9193
ورجحه بعض المالكية (١).
قال في المقنع: «فإن أحرم مأمومًا، ثم نوى الانفراد لعذر جاز، وإن كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين» (٢).
ومثال الحنابلة للعذر: تطويل الإمام، أو المرض أو خوف النعاس، أو خاف من شيء يفسد صلاته، أو خاف على مال، أو على أهله، أو على فوات رفقته ونحوه، أو خرج من الصف ولم يجد من يقف معه، ونحو ذلك. قال في الفروع وغيره من الأصحاب: العذر ما يبيح ترك الجماعة (٣).
وقال النووي: «الأعذار كثيرة، وأقرب معتبر: أن كل ما جوز ترك الجماعة ابتداء جوز المفارقة، وألحقوا به ما إذا ترك الإمام سنة مقصودة، كالتشهد الأول والقنوت» (٤).
هذه هي أقوال علمائنا في المسألة، أما وقد من الله علينا بمعرفتها فتعال إلى مذاكرة حججها، وبيان الراجح منها.
دليل من قال: لا تجوز المفارقة، ولو فارقه استأنف الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
стр. 9194
وجه الاستدلال:
فالأصل في صلاة المأموم أن يفرغ من صلاته مع الإمام أو بعده، فأما أن يفرغ قبل إمامه فلا يصح.
قال ابن حزم عن هذا الحديث: «نص جلي على أنه لا يحل للمأموم أن يفارق الإمام حتى تتم صلاة الإمام، ولا تتم صلاة الإمام إلا بتمام سلامه» (١).
ونوقش:
حديث أبي هريرة سيق لبيان ما يفعله الرجل إذا سمع الإقامة، وهو يمشي إلى الصلاة، وأن عليه المشي بسكينة ووقار، ولا يسرع، فما أدركه صلاه مع الإمام وما فاته أتمه بعد سلام إمامه، ولا يتحدث الحديث عن المأموم إذا نوى مفارقة إمامه لحاجة، فتوظيف هذا الحديث والاحتجاج به لغير ما سيق له من قوادح الاستدلال، فلا يصح أن يعارض به ما ورد نصًّا في الموضوع من حديث جابر وأنس في قصة الأنصاري الذي صلى مع معاذ، فأطال القراءة، فتجوز الرجل في صلاته وانصرف، فإن هذا حديث خاص في حكم هذه المسألة، والخاص مقدم على العام.
الدليل الثاني:
إن قلنا: إن الجماعة واجبة فإذا شرع في الواجب الموسع لزمه إتمامه كما لو شرع في قضاء صيام واجب، يحرم عليه الفطر.
وإن قلنا: إن الجماعة ليست واجبة، فإذا شرع المأموم في الائتمام لزمه إتمامه للنهي عن إبطال العبادة. قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
وإذا كان هذا هو الحكم التكليفي، وأنه لا يجوز له الخروج من العبادة بعد الشروع فيها؛ إما لوجوبها، أو للنهي عن إبطالها، فالحكم الوضعي، وهو البطلان أثر من آثاره؛ لأن النهي يقتضي الفساد.
ويناقش:
أما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
стр. 9195
فالآية القرآنية عامة، وحديث جابر وأنس في قصة الأنصاري الذي صلى مع معاذ، فأطال القراءة، فتجوز الرجل في صلاته وانصرف حديث خاص، والخاص مقدم على العام.
وأما الجواب عن قوله: إذا شرع في الواجب الموسع لزمه إتمامه:
فيقال: إن كانت الجماعة واجبة، فالواجب يسقط بالعذر، وإذا سقط الوجوب جاز الخروج من العبادة، فالقيام واجب بالصلاة، ولو طرأ عجز سقط، وصلى قاعدًا.
وإن قلنا: إن الجماعة ليست واجبة، وهو الأصح من أقوال أهل العلم، فالنوافل لا تجب بالشروع على الصحيح، ويجوز له الخروج منها بلا عذر.
(ح-٣٢٣١) لما رواه مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة،
عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٣٢) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث، وقد رواه مسلم (٢).
(ح-٣٢٣٣) وروى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل،
عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف … الحديث (٣).
стр. 9196
الاستدلال به من وجوه:
الوجه الأول:
نهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، في الأفعال، فإذا قام، أو ركع، أو سجد أو جلس وجب على المأموم أن يتبعه في ذلك، لا متقدمًا عليه، ولا متأخرًا عنه، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
وفي حديث أنس في مسلم نص في النهي عن سبق الإمام بالانصراف، فإذا نوى مفارقته فقد سبقه بالانصراف، ولا خلاف على الإمام أشد من مفارقته، وقطع الاقتداء به، فلزم من ذلك بطلان صلاته؛ لأن الأصل في النهي الفساد.
ويناقش:
نعم هذه النصوص صريحة في النهي عن مخالفة الإمام، ومنها مسابقته بالانصراف، وقد دلت النصوص الأخرى على جواز الانصراف قبله إذا كان ذلك لعذر يبيح ترك المضي في الجماعة، فيجب أن يقيد مطلق هذه النصوص بحديث أنس وجابر في قصة معاذ في إمامة قومه، حيث أقَرَّ النبي الأنصاري على فعله، ولم يثرب عليه، فيكون النهي عن مسابقته إذا كان ذلك لغير عذر، ولم يرد مفارقته.
والقول بأن الأصل في النهي الفساد، هذا ليس على إطلاقه، فالنص هو الحاكم، والقواعد تبع للنصوص، وقد دلت السنة الصحيحة أن المفارقة لعذر لا توجب بطلان الصلاة.
الوجه الثاني:
المسافر إذا صلى وحده أو مع مسافرين صلوا ركعتين، سواء قلنا: هاتان الركعتان تمام غير قصر، أو قلنا: إن ذلك من قصر الرباعية، فإذا صلى المسافر خلف المقيم وجب عليه الإتمام حتى لا ينصرف قبل الإمام، ولا يختلف على إمامه، وهذا يدل على أنه لا يجوز للمأموم أن يفرغ من صلاته قبل إمامه، وأن ذلك من الاختلاف عليه.
ويناقش:
لو كان الإتمام زيادة في صلاة المسافر ما كان للمسافر أن يزيد على قدر
стр. 9197
الفرض، فالإتمام من المسافر دليل على جوازه، وأن القصر أفضل إذا صلى وحده أو مع مسافرين، ولكن ليس بواجب، فإذا صلى خلف مقيم تعارض في حقه: سنة القصر، ووجوب المتابعة، فتترك السنة لتحصيل الواجب، والله أعلم.
الوجه الثالث:
قال العراقي: «حديث (فلا تختلفوا عليه) ناسخ لقصة معاذ؛ لأنها كانت قبل أحد، بدليل أن صاحب الواقعة مع معاذ قتل شهيدًا بأحد، كما رواه أحمد في مسنده، وحديث النهي عن الاختلاف رواه أبو هريرة، وإنما أسلم بعد خيبر.
وقد رده العراقي بقوله:
(والجواب): أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، فحمل النهي على الاختلاف في الأفعال الظاهرة، فيه إعمال للحديثين، فهو أولى من المصير إلى النسخ والله أعلم» (١).
وقال ابن تيمية: «وقد ادعى بعضهم أن حديث معاذ منسوخ، ولم يأتوا على ذلك بحجة صحيحة وما ثبت من الأحكام بالكتاب والسنة لا يجوز دعوى نسخه بأمور محتملة» (٢).
والحامل لهم على دعوى النسخ اعتقادهم بأن صلاة المفترض خلف المتنفل من الاختلاف على الإمام المنهي عنه، وليس الأمر كذلك.
قال ابن عبد البر: «وفي قوله: (فلا تختلفوا عليه) دليل على أنه لا يجوز أن يكون الإمام في صلاة، ويكون المأموم في غيرها، مثل أن يكون الإمام في ظهر والمأموم في عصر، أو يكون الإمام في نافلة، والمأموم في فريضة، وهذا موضع اختلف الفقهاء فيه:
فقال مالك وأصحابه: لا يجزي أحدًا أن يصلي صلاة الفريضة خلف المتنفل، ولا يصلي عصرًا خلف من صلى ظهرا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وقول جمهور التابعين بالمدينة والكوفة.
стр. 9198
وحجتهم: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) فمن خالفه في نيته فلم يأتم به، وقال: (فلا تختلفوا عليه) ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات، إذ هي ركن العمل» (١).
والراجح:
أن حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه الاختلاف في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف في النية، كأن يكون أحدهما مسافرًا والآخر مقيمًا، أو أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا.
(ح-٣٢٣٤) فقد روى مسلم من طريق يحيى (هو ابن أبي كثير)، أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن،
أن جابرًا أخبره أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات. وصلى بكل طائفة ركعتين (٢).
فصلاة النبي ﷺ بالطائفة الثانية ركعتين كانت له نفل، وكانت لهم فريضة.
وقد رواه الحسن عن أبي بكرة وجابر فرقهما، وذكر أن النبي ﷺ سلم مرتين مرة مع الطائفة الأولى، ومرة مع الطائفة الأخرى،، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى عند الكلام على مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل.
الدليل الرابع:
إذا كان لا يصح من المصلي الانتقال من الانفراد إلى الائتمام بمجرد النية، فعليه الخروج من صلاة الانفراد: إما بإتمامها، أو إبطالها، ثم الانتقال إلى الجماعة، فكذلك لا يصح منه الخروج من الجماعة بالنية، والبناء على ما صلى مع الإمام؛ لأن للائتمام أحكامًا تخالف الانفراد، فقطع القدوة قبل فراغ الإمام كقطع الصلاة يبطلها، ويمنع من البناء عليها، ويلزمه الاستئناف.
стр. 9199
ونوقش هذا:
بأن الانتقال من الانفراد إلى الائتمام بالنية، والبناء على ما صلى قد قال به الشافعية، وعلى القول بأنه لا يجوز، فهناك فرق بين المسألتين، لأن الانتقال من الانفراد إلى الائتمام يلزم منه أن يتقدم المأموم على إمامه في التحريمة، والأصل أن تحريم المأموم يأتي بعد تحريم الإمام، لا قبله؛ لحديث (إذا كبر فكبروا)، بخلاف الانتقال من الائتمام إلى الانفراد.
دليل من قال: تجوز مفارقة الإمام ولو من غير عذر والبناء على ما صلى:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٣٥) ما رواه البخاري من طريق سليم (هو ابن حيان بن بسطام الهذلي): حدثنا عمرو بن دينار،
حدثنا جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ، أفتان أنت ثلاثًا اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها (١).
وله شاهد من حديث أنس ﵁.
(ح-٣٢٣٦) رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز ابن صهيب
عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّل، تَجَوَّزَ في صلاته، ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة، قيل له: إن حرامًا دخل المسجد، فلما رآك طَوَّلْتَ تجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه. قال: إنه لمنافق،
стр. 9200
أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله قال: فجاء حرام إلى النبي ﷺ ومعاذ عنده، فقال: يا نبي الله، إني أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طول تَجَوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق. فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: أفتان أنت، أفتان أنت؟!، لا تطول بهم، اقرأ: ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أما الدليل على أنه بنى على ما صلى: فقوله: (فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة) وقوله في حديث أنس (تَجَوَّزْتُ في صلاتي): التَجَوَّز: أي تخفيفها والإسراع بها، وظاهره أنه بنى على ما صلى، ولم يستأنف.
(ح-٣٢٣٧) يدل لذلك ما رواه البخاري من حديث أبي قتادة الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأقوم إلى الصلاة، وأنا أريد أن أُطَوِّلَ فيها، فأسمع بكاء الصبي، فَأَتَجَوَّزُ في صلاتي؛ كراهية أن أشق على أمه (٣).
وأما الدليل على أن المفارقة كانت لغير عذر.
قال النووي: «احتج به الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد وآخرون على
стр. 9201
المفارقة بغير عذر، قالوا: وتطويل القراءة ليس بعذر» (١).
وأما الدليل على صحة الفعل: فلأن الرسول ﷺ لم يأمره بالإعادة، ولا نهاه عن هذا الفعل مستقبلًا، فدل إقراره ﵇ على صحة المفارقة.
ونوقش هذا الاستدلال:
المناقشة الأولى:
قوله: (تجوز في صلاته) جاء هذا اللفظ من حديث جابر، ومن حديث أنس.
أما حديث جابر فقد انفرد بذلك سليم بن حيان الهذلي، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
وكل من رواه عن عمرو بن دينار لم يقل أحد منهم: (أنه تجوز في صلاته)،
فقد رواه عن عمرو بن دينار كل: من شعبة، وابن عيينة، وابن جريج، وحماد ابن سلمة، ومنصور بن زاذان، وأيوب، وهشام الدستوائي، فلم يذكر أحد منهم حرف: (تجوز في صلاته).
ولفظ سفيان بن عيينة: (فتنحى -وفي رواية: فاعتزل- رجل من خلفه فصلى)، هذا هو لفظ جماعة من أصحاب سفيان على رأسهم الحميدي وأحمد والشافعي.
ولفظ محمد بن منصور عن ابن عيينة عند النسائي: (فلما سمعت ذلك تأخرت، فصليت) (٢).
ولفظ شعبة في البخاري: (فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل .. )
وفي رواية الدارمي: ( … وقرأ البقرة، فجاء رجل من الأنصار، فصلى ثم ذهب) (٣).
стр. 9202
ولفظ حماد بن سلمة: (فلما رأى الرجل معاذًا قد مَدَّ في البقرة صلى، ثم ذهب) (١).
واختصره ابن جريج، ومنصور، وأيوب وهشام، فلم يذكروا إلا أن معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة (٢).
стр. 9203
فقولهم: (تنحى) وفي رواية ابن خزيمة: (انحرف إلى ناحية المسجد فصلى وحده).
وفي رواية النسائي: (تأخرت، فصليت)
وفي رواية الأعمش، عن محارب بن دثار، وأبي صالح، عن جابر، وفيه: (فطوَّل بهم، فانصرف الرجل، فصلى في ناحية المسجد) رواه النسائي (١).
فهذه الألفاظ تشعر بأنه قطع صلاته، فلو كان اقتصر على قطع المتابعة لقال: (انحرف فأكمل صلاته)، ولم يكن مضطرًا لهذا العمل الكثير الذي قد تبطل به صلاته.
وأما حديث أنس ﵁، وإن لم يخرج في الصحيحين، فإنه على شرطهما، فقد رواه ابن علية، عن عبد العزيز، عن أنس.
وقد خرج الشيخان بضعة أحاديث بهذا الإسناد، ولم يختلف على ابن علية في قوله: (تجوز في صلاته)، ولا أعلم سببًا في إعراض الشيخين عن رواية أنس، فكان حديث أنس عندي هو الحجة، بخلاف رواية سليم بن حيان والتي فضلها البخاري، فلم يتابع على هذا الحرف في شيخه عمرو بن دينار، ولا الحجة عندي رواية محمد بن عباد، والتي اختارها مسلم، فقد انفرد فيها بذكر السلام مخالفًا أحد عشر راويًا، وإن كان تخريج البخاري لرواية سليم بن حيان يزيدها قوة، خاصة أنه شهد لها حديث أنس ﵁، والله أعلم.
المناقشة الثانية:
في دلالة قوله: (تجوز في صلاته) على أنه بنى على ما صلى، ولم يستأنف.
стр. 9204
فاللفظ يدل على تخفيف الصلاة، وهذا لا جدال فيه، ودلالته نصية، ولذلك خرج من صلاة إمامه، ولكنه لا يدل على أنه بنى أو استأنف، فاللفظ من هذه الحيثية مجمل، فيحمل هذا اللفظ المجمل على الرواية المفسرة عند مسلم، والتي تفيد أنه سلم، ثم صلى وحده، فالحديث دليل على جواز إبطال الصلاة لعذر.
(ح-٣٢٣٨) فقد رواه مسلم، قال: حدثني محمد بن عباد. حدثنا سفيان عن عمرو،
عن جابر؛ قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء. ثم أتى قومه فأمهم. فافتتح بسورة البقرة. فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف. فقالوا له: أنافقت يا فلان؟! قال: لا. والله، ولآتين رسول الله ﷺ ، فلأخبرنه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا أصحاب نواضح. نعمل بالنهار. وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ. فقال يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ بكذا. واقرأ بكذا (١).
[قوله: (فانحرف رجل فسلم)، انفرد به محمد بن عباد المكي، فهي زيادة شاذة] (٢).
стр. 9205
ورد على هذا:
لا يمكن اعتبار رواية محمد بن عباد -والتي صرح فيها بذكر السلام- مفسرة لقوله: (تجوز في صلاته)؛ لأنه قد خالف ابن عباد أحد عشر راويًا رووه عن سفيان، فلم يذكر أحد منهم أنه سلم، وعلى رأسهم أخص أصحاب ابن عيينة: الإمام أحمد والحميدي والشافعي، بل الإجمال في رواية ابن عيينة: (اعتزل رجل من القوم فصلى) إذا كانت تحتمل البناء والاستئناف، فإن رواية: (تجوز في صلاته) الثابتة في حديث أنس ولم يختلف عليه فيها، وفي حديث جابر من رواية سليم بن حيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر، صريحة أنه بنى على ما صلى، ولم يقطع صلاته.
стр. 9206
ولا حاجة للمصلي إلى إبطال ما صلاه مع الإمام؛ لأن قطع القدوة قطع للمتابعة، ولا يستلزم ذلك إبطال ما صلاه؛ لأن صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة، فإذا قطع نية المتابعة لم تبطل نية الصلاة، وجاز البناء على ما صلى، ولأننا تيقنا دخوله في الصلاة، فلا نحكم بخروجه من صلاته إلا بيقين، والأصل أن الرجل بنى على ما صلى، ولا توجد رواية صريحة صحيحة أنه قطع ما صلى، والله أعلم.
ولو سلمنا أن رواية مسلم ليست شاذة، فإذا دل على جواز إبطال أصل العبادة لعذر، دل على إبطال صفتها من باب أولى؛ لأنه إذا جاز الأشد الأغلظ جاز الأخف، فقطع المتابعة أخف من قطع الصلاة، والنبي ﷺ لم ينكر على الأنصاري، ولم يطلب منه الإعادة.
المناقشة الثالثة:
القول بأن إطالة الإمام القراءة ليست بعذر هذه دعوى، فالأمر بالتخفيف محفوظ بنصوص قطعية، وقراءة سورة البقرة في صلاة العشاء مخالف للمقدار الذي كان يصلي به النبي ﷺ في صلاة العشاء.
(ح-٣٢٣٩) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن النبي قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.
ورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (١).
(ح-٣٢٤٠) فقد روى الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم،
عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما
стр. 9207
رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (١).
فقد وصف النبي ﷺ معاذًا بأنه فتان؛ فلو لم يكن هذا الفعل غير مشروع لما كان من لازمه الوقوع في الفتنة، ولو سلمنا أن الإطالة ليست عذرًا فإن مخالفة السنة عذر تبيح للمصلي قطع الاقتداء. وقد اعتذر الأنصاري من مفارقته لمعاذ في حديث أنس بأمرين:
الأول: أنهم يعملون بالنهار مما يجعل المصلي في آخر النهار أحوج ما يكون إلى الراحة، ولهذا كانت صلاة الصبح أطول الصلاة قراءة، والمغرب أقصرها.
الثاني: حاجته إلى إكمال سقي نخله؛ ليخلد إلى الراحة.
فلم يكن مفارقة الأنصاري لمعاذ لمجرد إطالة الصلاة، بل لما يترتب على الإطالة من تفويت بعض المصالح، والله أعلم.
المناقشة الرابعة:
أن قوله: (فلا تختلفوا عليه) متأخر عن هذه الحادثة؛ لأن ذلك كان قبل معركة أحد، وقد استقر التشريع بالنهي عن الاختلاف على الإمام، فيكون ناسخًا لما فعله هذا الأنصاري ﵁.
الدليل الثالث:
قطع القدوة من المأموم كقطع القدوة من الإمام، فلو أن الإمام حصل له عذر منعه من إكمال صلاته جاز للمأموم إتمام صلاته منفردًا في أصح قولي أهل العلم، فكذلك إذا قطع المأموم القدوة لعذر، كان له أن يبني على ما صلاه مع إمامه، ولا فرق.
الدليل الرابع:
الجماعة عند الشافعية فضيلة، فكان له تركها، كما لو صلي بعض صلاة النفل قائمًا، ثم نوى الجلوس.
دليل من قال: يجوز القطع لعذر، ولا يجوز بدونه.
هذا القول حجته حديث جابر وأنس السابقين، فكون النبي ﷺ غضب على
стр. 9208
معاذ، وأنكر عليه الإطالة، ولم ينكر على الرجل، ولم يأمره بإعادة الصلاة دليل على جواز مفارقة الإمام بالعذر.
وإذا كان العذر يبيح ترك الجماعة بالإجماع، مثل ترك الجماعة للمطر والريح والظلمة، فكذلك يبيح ترك المضي فيها. فكل ما جوز ترك الجماعة ابتداء جوز المفارقة.
وطول القراءة فرد من الأعذار التي تبيح للمأموم ترك الجماعة فما أباح ترك الجماعة ابتداء، أباح ترك المضي فيها، ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على الرجل الذي قال له: (إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها) (١)، ولم ينكر النبي ﷺ على الرجل تأخره عن الجماعة، بل أنكر على الإمام إطالته للصلاة، فكيف إذا كانت هذه الإطالة مع ما فيها من مخالفة السنة تفوت على الرجل مصلحة في نفسه، أو في أهله أو في ماله، أو في رفقته، فكل عذر يسقط الجماعة ابتداء، فهو يسقط الجماعة إذا حدث أثناء الصلاة، والله أعلم.
الراجح:
أن المأموم لا تبطل صلاته بالمفارقة، فإن كان له عذر لم يأثم، وإن كان بلا عذر أخشى أن يلحقه إثم بتركه المتابعة الواجبة بعد شروعه فيها، وترك المتابعة يبطلها، ولا يبطل الصلاة، والله أعلم.
стр. 9209
الفصل السادس في اختلاف نية الإمام عن المأموم
المبحث الأول في صلاة المفترض خلف المتنفل
المدخل إلى المسألة:
قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فللإمام نيته، وللمأموم نيته، لا تعلق لإحداهما بالأخرى.
شروط العبادة توقيفية، ولم يأت قط: قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس يوجب اتفاق نية الإمام والمأموم.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فتكليف المأموم موافقة نية إمامه في نوع الصلاة، ليس في وسعه؛ لأن النية لا يطلع عليها إلا الله.
كان عمرو بن سَلِمة يؤم قومه، وهو صبي؛ امتثالًا لأمر النبي ﷺ لهم بقوله: (وليؤمكم أكثركم قرآنًا)، وهو نص في محل النزاع، وصلاته نفل، وصلاتهم فريضة.
لو كانت إمامته ضرورة لكانت مؤقتة، ولما استمر إمامًا لهم، وبينه وبين البلوغ سنوات، وجُلُّ العرب زمن التشريع يعتمدون على قوة الحفظ أكثر من الكتابة، فهل يتصور بقاء العجز في قوم جَرْم سنوات، وقد بقي إمامًا لهم حتى توفي شيخًا كبيرًا.
حديث: (فلا تختلفوا عليه) بيَّن الرسول ﷺ في هذا الحديث المواضع التي يحرم الاختلاف فيها على الإمام بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)، وكلها في الأفعال.
الاختلاف على الإمام بالنية، لا يختلف فيه ترتيب الصلاة بين المأموم وإمامه، فلا يكون فيه قطعًا ظاهرًا للقدوة.
صلى الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ في صلاته في مرض موته، وأجمع العلماء
стр. 9210
على صحة صلاة الجالس المتنفل خلف الإمام القائم، وهذان من الاختلاف عليه في الأفعال، وجوازه دليل على جواز الاختلاف عليه في النية من باب أولى.
ذهب الأئمة الأربعة إلى صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، وحكاه جماعة إجماعًا، وهو دليل على صحة اختلاف نية المأموم عن نية الإمام.
كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ثم يرجع فيؤم قومه، وهو متنفل.
مما يقوي حديث معاذ: حديث النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف بطائفتين، يسلم من كل ركعتين، ولم يصلِّ النبي صلاة الخوف في الحضر قط، فكانت إمامته في الطائفة الثانية نافلة، ولهم فريضة. قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفع هذا.
لا يصح افتراض أن إمامة معاذ إمامة ضرورة لقلة القراء. قال ابن حزم: كان فيمن يصلي في المسجد الذي كان يؤم فيه معاذ ثلاثون عقبيًّا، وثلاثة وأربعون بدريًّا.
المسبوق في الجمعة إذا أدرك أقلَّ من ركعة دخل مع الإمام، ونوى الظهر خلف من يصلي الجمعة، وهو دليل على جواز اختلاف النية بين الإمام ومأمومه.
[م-١٠٦١] اختلف العلماء في المفترض يصلي خلف المتنفل،
فقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، الحنابلة (١).
قال القاضي أبو يعلى: «لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل … في أصح الروايتين، نصَّ عليها في رواية أبي الحارث .... وقال في رواية يوسف بن موسى -وقد ذكر له حديث معاذ- ﵁، فقال: قد كنا نسهل فيه، وما يعجبنا، وهذا يدل على رجوعه عن القول بالجواز» (٢).