← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

* ورد هذا: بأنه لو أقر بصحة الشهادتين، ولم يؤمن بهما لم ينفعه، فكم من شخص يقر بأن الإسلام دين الحق، ولا ينفعه ذلك، وأنتم تقولون: إذا صلى، ولم يلتزم بأحكام الإسلام، فإنه يعامل معاملة المرتد، فهو بمنزلة من أقر بالشهادتين، ثم ارتد. جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولو أراد البقاء على الكفر، وقال: صليت مستهزئًا ونحوه لم يقبل منه، كما لو كان أتى بالشهادتين» (١). فالإيمان الذي تنطوي عليه القلوب مما ينفرد به علام الغيوب، وقد جعل الله لفظ الشهادتين علمًا عليه، فقول: لا إله إلا الله فيه اعتراف بالألوهية والتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ -بالرسالة يتضمن تصديقه والتزام جميع ما جاء به النبي ﷺ ، ولا يقوم أي فعل مقام هاتين الشهادتين. نعم لو أننا رأيناه يصلي، ثم مات، حكمنا بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل؛ فالظاهر أنه لا يصلي حتى يسلم قبل ذلك، وليس لمجرد الصلاة، أما إذا كشف عن نيته، وقال: إنه صلى عبثًا أو خوفًا فكيف نقدم دلالة الفعل المحتملة على قوله الصريح. قال ابن مفلح: «ولا يقبل منه دعوى تخالف الإسلام … كالشهادتين، ويتوجه احتمال إلا مع قرينة، ولعله مرادهم» (٢). وهذا التوجيه أنها تقبل دعواه إذا دلت عليه القرائن، رغم أنه ساق ذلك من باب الرجاء، إلا أنه يصعب الوقوف على مثل هذه القرائن، فنية الفاعل لا تعلم إلا من جهته، فإذا قال: صليت خوفًا، أو استهزاءً، فالنية محلها القلب، ولا يطلع عليها إلا الله ، وقد كشف صاحبها عنها، فإن قامت قرائن فذاك، وإلا كان التصريح من صاحبها أقوى من القرينة، والله أعلم. * دليل من قال: لا يحكم بإسلامه مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ

стр. 947

كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وجه الاستدلال: أن الله رفع حكم الشرك واستباحة القتل بالتوبة والصلاة معًا، فاقتضى أن يكون فعل الصلاة وحدها باقيًا على حكم الشرك حتى توجد التوبة، وهي الشهادتان. الدليل الثاني: (ح-٣٥٧) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ -قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١). وجه الاستدلال: أن الحديث لم يجعل إقامة الصلاة وحدها دليلًا على الإسلام، وعصمة الدم، حتى يسبقها إقرار بالشهادتين. الدليل الثالث: (ح-٣٥٨) روى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة … الحديث (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الكافر لا يطالب بالصلاة، ولا تصح منه إلا إذا أقر بالشهادتين.

стр. 948

الدليل الرابع: أن اليقين لا يرفع بالاحتمال، فالكفر متيقن، والصلاة فعل يدخلها احتمال العبث واحتمال الاستهزاء، وقد يصلي خوفًا على نفسه، أو على ماله، وقد يفعلها تجربة، وقد يستحسن الفعل، ولا يستسلم لله. الدليل الخامس: أن الحكم بإسلامه إما أن يكون لمجرد صلاته، أو لتضمنها للشهادتين. أما القول بأن الحكم للصلاة فقط، فهذا لا ينبغي أن يصح؛ لأن صلاته تلك باطلة على الصحيح؛ فهو قد توضأ، وهو كافر، والوضوء لا يصح من الكافر عند جماهير أهل العلم؛ لأنه عبادة، وهو ليس من أهلها فصار من شرط صحة الوضوء تقدم الإسلام، ولم يفعل، وإذا لم تصح الطهارة لم تصح الصلاة، فكيف يكون بها مسلمًا؟ وإن قيل: إن الحكم لصلاته؛ لتضمنها للشهادتين، فالجواب أن ذلك إنما يصح قبل أن يكشف لنا عن نيته، أما وقد صرح بأنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام فكيف يلزمه هذا القول؟ والشهادة يشترط لقبولها أن يقول ذلك خالصًا من قلبه، وهو ما لم يتوفر هنا، فهو كما لو قالها على سبيل الحكاية، وليس عن اعتقاد، فلا وجه للحكم بردته، وهو يقول: لم أفعل ذلك من أجل الاستسلام لله بالتوحيد. وهل يتصور أن رجلًا يصلي أول مرة في حياته أنه حفظ التشهد المتضمن للشهادتين، أو تكون صلاته مجرد إيماء بالركوع والجلوس والسجود. * دليل من قال: يحكم بإسلامه إذا صلى في جماعة. الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [المائدة: ١٨] فجعل عمارة المسجد دلالة على الإيمان، وليست عمارة المسجد بنيانه، وإنما عمارته بإقامة الصلاة فيه.

стр. 949

* وأجيب على هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن المراد بالعمارة البناء دون إقامة الصلاة اعتبارًا بحقيقة اللفظ وعرفه. الوجه الثاني: أن الله قال في الآية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١٨]. فذكر ثلاثة أشياء في حقيقة العمارة: وهي الإيمان بالله، وهذا إشارة إلى التوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. الوجه الثالث: أن عمارة المسجد لا تكون من صلاة واحدة، وإنما عمارته بأن يكون هذا ديدنه، ولهذا عبر بقوله: (وأقام الصلاة) وهي أبلغ من قوله: (وصَلَّى)، وليس الخلاف معكم في صلاة رجل قد آمن بالله، وأكثر من الصلاة في بيوت الله حتى تحقق في حقه عمارة المسجد معنويًا، وإنما النزاع فيمن كان كافرًا قبل الصلاة، ثم صلى، ثم قال: إنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام، هل يعامل معاملة المرتد، ويكون بمجرد أن صلى قد حكمنا له بالإيمان (الإسلام)؟ الدليل الثاني: قال الحنفية: إن الصلاة جماعة على هذه الهيئة التي نصليها اليوم، لم تكن في شرائع من قبلنا، فإذا أتى بما هو من خاصية الإسلام كان دليلًا على إسلامه، كما أنه إذا أتى بخاصية الكفر كان دليلًا على كفره، فإن من سجد لصنم أو تزيَّا بزنار، أو لبس قلنسوة المجوس حكم بكفره، بخلاف ما إذا صلى وحده؛ لأن الصلاة وحده غير مختصة بشريعتنا (١). * ويناقش: بأن الصلاة جماعة ليست من خصائص المسلمين، وإن اختلفت الصلاة. قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].

стр. 950

فظاهر قوله تعالى: مع الراكعين: أي مع جماعة المصلين (١). ويحتمل: أي كوني في عداد الراكعين، وعلى التفسير الثاني لا دلالة فيه (٢). وجاء في حديث ابن عباس في إمامة جبريل بالنبي ﷺ -في مكة، وبيانه لأوقات الصلوات أنه قال في آخره: هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، وهذا حرف شاذ لم يرد في غيره من أحاديث إمامة جبريل، كما سيأتي تخريجه في مواقيت الصلاة. فإن صح أن هذه اللفظة محفوظة كان فيه دليل على أن الصلاة جماعة ليست مختصة بالمسلمين. وقال ابن رجب في شرح البخاري: «إن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم» (٣). وقال ابن الهمام في فتح القدير: «وفي كون الصلاة بجماعة من الخصوصيات نظر» (٤). وفي حاشية الشلبي على تبيين الحقائق «ووجه النظر: هو أن أهل الكتاب يصلون جماعة» (٥). وقال الشيخ تقي الدين: «كان لمن قبلنا من الأمم صلوات في هذه الأوقات، لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات والهيئات وغيرها» (٦). فأثبت الاتفاق في الأوقات، والاختلاف في الهيئات، فإن كان أخذ ذلك من قول جبريل للنبي ﷺ : هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، فإن هذه اللفظة تفرد بها حديث ابن عباس، وكل الأحاديث التي ذكرت إمامة جبريل للنبي ﷺ -لم تذكر ما جاء في حديث ابن عباس، وأصحها حديث جابر ﵁، والله أعلم. ولأن كل فعل لو فعله منفردًا لم يحكم بإسلامه لزم إذا فعله في جماعة ألا

стр. 951

يحكم بإسلامه أيضًا كالجهاد (١). * دليل من قال: إن صلى في دار الحرب: من يحكم بإسلام الكافر إذا صلى يعتبر الصلاة من الإسلام بالفعل، وليس من الإسلام بالقول، فإذا صلى الكافر في دار الإسلام فقد يتطرق الاحتمال إلى أن هذا الكافر قد يكون فعل ذلك على وجه القربة، وقد يكون فعل ذلك تقية وخوفًا ونفاقًا، بخلاف ما إذا صلى بين ظهراني المشركين، فإن هذه الاحتمالات تنتفي عنه، ويتعين أن يكون فعله على وجه القربة فقط، وهذا يعني دخوله في أحكام الإسلام. * دليل من قال: يحكم له بالإسلام إذا كثرت منه الصلاة: أن كثرة الملازمة على الصلاة دليل على التزامه بأحكام الإسلام، فلا يقبل منه ما يخالف ذلك. * ويناقش: بأن الكثرة والقلة تحتاج إلى توقيف لمعرفة حد كل واحد منهما، ولا يوجد نص كاشف، وإذا سُلِّم أن الكثرة قد تقوي احتمال أن يكون أراد بصلاته القربة إلا أن القول الصريح منه أنه إذا أبان عن نيته لا يمكن أن يعارَضَ بالفعل المحتمل. كما أن الكثرة لا اعتبار لها؛ إذ لو صحت صلاته الأولى فهذا حكم بإسلامه، وإن لم تصح فلن تفيده الكثرة، والله أعلم. * دليل من قال: يحكم له بالإسلام لمجرد الإقرار بوجوب الصلاة: إذا أقر بوجوب الصلاة ولو لم ينطق بالشهادة صار مسلمًا، لأن الضابط فيه أن كل ما يصير المسلم به كافرًا بجحده يصير الكافر مسلمًا بالإقرار به. ويرد هذا بأن الإقرار بالوجوب وحده لا يكفي، فكم من شخص يعترف أن الإسلام هو دين الحق، ولا يكفي مثل هذا للدخول في الإسلام حتى يستسلم لله بالتوحيد، وينقاد له مطيعًا، ويكفر بالطاغوت.

стр. 952

* الراجح: أن الكافر إذا وجد يصلي، فإن مات قبل أن يصرح بإسلامه حكم بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل. وإن قال: إنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام قبل كلامه، ولم يحكم بإسلامه بمجرد الفعل تقديمًا للصريح على المحتمل، والمتيقن على المظنون. وإن سكت، فلا يحكم بإسلامه لمجرد الفعل؛ لأنه قد يصلي تجربة، أو يصلي مجاملة للمسلمين، أو يصلي خوفًا، أو طمعًا، أو لغيرها من الاحتمالات، فلا يجزم بإسلامه بمجرد الصلاة، والله أعلم. وقد عرف في هذا العصر صلاة الكفار مع مخالفيهم ويريدون بذلك إعلان التضامن معهم، وليس الدخول في إسلامهم، وقد يفعل ذلك من ينادي بتقارب الأديان زعموا. وكل على ملته.

стр. 953

المبحث الرابع في حكم صلاة الكافر على القول بإسلامه بها المدخل إلى المسألة: * الحكم بإسلام الكافر إذا صلى أهو من الإسلام بالفعل أم من الإسلام بالقول؛ لتضمنها الشهادتين؟ الراجح الثاني. * إذا حكمنا بإسلامه لتضمنها الشهادتين فصلاته باطلة. * الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة بالاتفاق، ولو توضأ، وهو كافر لم يصح منه، عند جمهور العلماء. * الشهادتان من المصلي في آخر صلاته، وذلك يعني فساد ما قبلهما، وإذا فسد أول صلاته فسد آخرها؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض. [م-١٤١] إذا حكمنا للكافر بالإسلام بمجرد صلاته، فهل تصح صلاته تلك والتي كانت سببًا في الحكم له بالإسلام؟ هذه المسألة لا تتنزل على مذهب المالكية والشافعية القائلين بأنه لا يحكم بإسلامه بفعل الصلاة حتى يقر بالشهادتين. وقد نص الشافعية على أن الكافر إذا صلى بالمسلمين فإنه يعزر؛ لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم، واستهزأ بدينهم (١). وعلى القول بأنه يحكم بإسلامه، لا للصلاة، وإنما لتضمنها الشهادة فالصلاة باطلة، وإن حكم بإسلامه. * وجه القول بالبطلان: أن الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة بالاتفاق، ولو توضأ، وهو كافر

стр. 954

لم يصح منه عند جمهور العلماء، خلافًا للحنفية. ولأن اشتمال الصلاة على الشهادتين إنما هو في التشهد منها، وهو آخر جزء في صلاته، وإذا فسد أول الصلاة فسد آخرها؛ لأن الصلاة يبنى آخرها على أولها. وأما مذهب الحنفية القائلين بأنه إن صلى جماعة حكم بإسلامه، فلم يتعرضوا لحكم الصلاة، والظاهر أن صلاته عندهم صحيحة. وأما الحنابلة القائلون بأن الكافر إذا صلى حكم بإسلامه مطلقًا، سواء صلى مفردًا، أو في جماعة، وسواء صلى في دار الحرب، أو في دار الإسلام ففي صحة صلاته عندهم وجهان، وقيل روايتان. الوجه الأول: أن صلاته باطلة، وهو الصحيح من المذهب، واختاره ابن تيمية (١). وجه القول بالبطلان: أن من شرط صحة العبادة تقدم الشهادة المسبوقة بالإسلام، فإذا تقرب بالصلاة يكون بها مسلمًا، ولو كان محدثًا، ولا تصح صلاته، لا لفقد الإسلام، وإنما لفقد شرطها، وهو الطهارة، فلو تطهر قبل الصلاة لم تصح مع كفره على الصحيح، فهو بمنزلة الجنب يصلي قبل أن يغتسل. الوجه الثاني: أن صلاته صحيحة في الظاهر، رجح ذلك أبو الخطاب من الحنابلة (٢). قال في تصحيح الفروع: «قوله: (وإن صلى كافر حكم بإسلامه، وفي صحة صلاته في الظاهر وجهان، وذكر ابن الزاغوني روايتين انتهى). أحدهما: لا تصح، وهو الصحيح، وقد قطع صاحب المستوعب والرعايتين، وتذكرة ابن عبدوس، وغيرهم بإعادة الصلاة. قال القاضي: صلاته باطلة نقله المصنف في النكت … والوجه الثاني: تصح في الظاهر، اختاره أبو الخطاب .... قال أبو الخطاب: الأصوب أنه إن قال بعد الفراغ: إنما فعلتها، وقد اعتقدت

стр. 955

الإسلام، قلنا صلاته صحيحة، وصلاة من خلفه. وإن قال: فعلتها تهزؤًا قبلنا منه فيما عليه من إلزام الفرائض، ولم نقبل منه فيما يؤثره من دينه انتهى. قال في المغني: ومن تبعه إن علم أنه قد أسلم ثم توضأ، وصلى بنية صحيحة فصلاته صحيحة، وإلا فعليه الإعادة. انتهى. قال المرداوي: «الذي يظهر أن هذا عين الصواب، وأن محل الخلاف في غير الشق الأول من كلامه» (١). والراجح في هذه المسألة: إن أمكن الرجوع إليه وسؤاله عن نيته فإن قال: إنه كان مسلمًا صحت صلاته، وصلاة من كان خلفه، وإن قال: إنه أراد الإسلام، ولا يعلم كيف يدخل في الإسلام، وأنه توضأ كما يتوضأ المسلمون، وصلى كما يصلون، فهل يعذر بالجهل، وتصح صلاته، أو يعيدها ويعيد الطهارة، تحتاج تأمل. وإن قال: إنه ما صلى دخولًا في الإسلام، وإنما صلى تقية، أو تجربة أو نحوهما لم يحكم له بالإسلام، فضلًا أن يحكم له بصحة الصلاة، والله أعلم.

стр. 956

المبحث الخامس في الحكم بإسلام الكافر إذا صام أو حج أو زكى المدخل إلى المسألة: * هل ما كان تركه كفرًا يكون فعله إيمانًا؟ * دلالة الفعل محتملة ودلالة القول صريحة. * من كان كافرًا يقينًا فلا ينتقل عنه إلا بيقين مثله. * كل عبادة لا تختص بالمسلمين، ولا تتضمن الشهادتين، لا يحكم للكافر بالإسلام لمجرد فعله لها. وقيل: * كل ما يصير به المسلم كافرًا بجحده، فإن الكافر يصير مسلمًا بالإقرار به. [م-١٤٢] اختلف العلماء في الكافر يزكي، أو يصوم، أو يحج، هل يحكم بإسلامه بمجرد الفعل؟ فقيل: لا يحكم بإسلامه، وهو ظاهر الرواية في مذهب الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: يحكم بإسلامه، وهو وجه في مذهب الشافعية، واختاره أبو الخطاب

стр. 957

من الحنابلة (١). وقيل: يحكم بإسلامه بالحج فقط بشرط أن يلبي، ويشهد المناسك كلها، أما لو شهد المناسك، ولم يحج، أو لبى ولم يشهد المناسك، لم يحكم بإسلامه وهذا رواية داود بن رشيد عن محمد بن الحسن (٢). وهو ظاهر قول القاضي حسين من الشافعية، وأبي يعلى من الحنابلة حيث قالا: يحكم بإسلامه إذا حج كما يحج المسلمون، والتزمه المجد، وابن عبيدان من الحنابلة (٣). وقيل: كل ما يصير المسلم به كافرًا بجحده، فإن الكافر يصير مسلمًا بالإقرار به، حكاه الخرسانيون وجهًا لأصحاب الشافعية، وقال ابن مفلح في الفروع: وهذا متجه (٤). * وسبب الخلاف: الخلاف في الصيام والزكاة والحج أضعف من الخلاف في الصلاة، ذلك أن الصلاة متضمنة للشهادتين بخلاف الزكاة والصيام، والحج، لذا كان الخلاف في دلالة هذه الأفعال على الإسلام ليس لتضمنها الشهادتين كالصلاة والأذان، بل من رأى أنها تدل على إسلام فاعلها قال: إن هذه الأفعال مختصة بالمسلمين، فإذا فعلها الكافر كان ذلك دليلًا على إسلامه. ومن قال: لا تدل على إسلام صاحبها رأى أنها ليست مختصة، فالكفار ما زالوا يتصدقون، ولم يكونوا بهذا مسلمين، والصيام ليس بفعل، وإنما هو إمساك عن أفعال مخصوصة في وقت مخصوص، وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه

стр. 958

من المسلم، ولا عبرة بنية الصيام؛ لأنها أمر خفي، لا علم لنا به، وأما الحج فإن المشركين كانوا يحجون على عهد النبي ﷺ -ويشهدون المشاهد كلها حتى منعهم النبي، وقال: لا يحج بعد العام مشرك (١).

стр. 959

الشرط الثاني من شروط وجوب الصلاة التكليف المبحث الأول في اشتراط العقل والبلوغ لوجوب الصلاة المدخل إلى المسألة: * العقل: هو مناط التكليف، ولما كان ذلك لا يمكن ضبطه لتفاوت الناس فيه، وتكامله بشكل متدرج أنيط بالبلوغ، فصار التكليف وصفًا لكل بالغ عاقل. * المراد بالمكلَّف: البالغ العاقل فخرج بذلك الصبي والمجنون (١). * الشارع لم يخاطب الصبي المميز بالصلاة، وإنما خاطب وليه بأن يأمره، ولم يوجه الخطاب له مباشرة إشارة إلى قصور أهليته. * التمييز شرط للصحة، والبلوغ شرط للوجوب على الصحيح. [م-١٤٣] الصبي الذي لا يميز والمجنون لا يؤمران بالصلاة، ولا تصح منهما إجماعًا (٢).

стр. 960

قال ابن تيمية: «الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان، ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين» (١). وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. ولأنه لا يتصور من المجنون والصبي قبل التمييز قصد صحيح حتى يتصور منهما فعل القربة. [م-١٤٤] وأما المميز فتصح منه الصلاة، وهل تلزمه؟ فيه خلاف راجع إلى الخلاف في تكليفه: فقيل: لا تكليف عليه، وبناءً عليه لا تجب عليه الصلاة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢). وقيل: إنه مكلف، وهؤلاء اختلفوا في وقت تكليفه: فقيل: تجب عليه الصلاة من حين التمييز، وهو رواية عن أحمد (٣). وقيل: تجب عليه إذا بلغ عشر سنين، وهو رواية عن أحمد (٤). وقيل: تجب عليه إذا راهق البلوغ كابن أربع عشرة سنة، وهو قول في

стр. 961

مذهب الحنابلة (١). وقيل: الصبي مكلف بالمندوبات، والمكروهات، دون الواجبات والمحرمات، وهذا مذهب المالكية، واختاره السبكي من الشافعية (٢). وعليه فلا تجب عليه الصلاة؛ لأنها من الواجبات. والخلاف في تكليف الصبي راجع إلى الخلاف في مسألة أصولية: أيصح أن يتوجه للصبي خطاب من الشارع بالأمر والنهي، أم أن الأمر والنهي متوجه إلى وليه فقط، أم أن الخطاب يتوجه له في المندوبات والمكروهات دون الواجبات والمحرمات؟ وسوف أخصص لهذه المسألة الأصولية بحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى، إذا عرفنا الأقوال، نأتي لعرض أدلتها وبراهينها. * دليل الجمهور على أن الصلاة لا تجب قبل البلوغ: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ … إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية [النور: ٥٨، ٥٩]. فحين بلغ الأطفال الحلم توجه إليهم الخطاب بالاستئذان، أما قبل البلوغ فكان الخطاب موجهًا إلى أوليائهم. وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فجعل الله بلوغ النكاح موجبًا لارتفاع الولاية عن اليتيم، بشرط كونه راشدًا.

стр. 962

الدليل الثاني: (ح-٣٥٩) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ -قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه، رواه البخاري، ومسلم واللفظ له (١). فجعل الاحتلام -والذي هو علامة من علامات البلوغ- محلًا للتكليف. الدليل الثالث: (ح-٣٦٠) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عطية القرظي، يقول: عُرِضْنَا على النبي ﷺ -يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي (٢). [صحيح لغيره، ويشهد له واقع عطية القرظي حيث كان يقول: فها أنا ذا بين أظهركم] (٣).

стр. 963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 964

فهذا دليل على أن من لم يبلغ لم يكن محلًّا للعقاب؛ فالعقاب مختص بالمكلَّف إلا ما يكون من ضمان التعديات، وهذا باب آخر. الدليل الرابع: (ح-٣٦١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (١). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٢).

стр. 965

الدليل الخامس: الإجماع على أن الصبي والمجنون لا تكليف عليهما، قال ابن تيمية: «ثبت بالسنة والإجماع مع ما دل عليه القرآن أن القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (١). * دليل من قال: تجب عليه الصلاة إذا بلغ عشر سنين: الدليل الأول: (ح-٣٦٢) روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (٢). [منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (٣).

стр. 966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 969

وجه الاستدلال: قال ابن قدامة: «ومن أصحابنا من قال: تجب عليه لهذا الحديث، فإن العقوبة لا تشرع. إلا لترك واجب، ولأن حد الواجب: ما عوقب على تركه» (١). * ويجاب عنه: بأن ضربهم على ترك الصلاة إذا بلغوا عشر سنين من باب التعزير، لا من باب الحد، والتعزير ليس من شرطه التكليف، وإنما التكليف من شروط إقامة الحدود فقط. قال ابن قدامة: «وهذا الأمر والتأديب المشروع في حق الصبي لتمرينه على

стр. 970

الصلاة، كي يألفها ويعتادها، ولا يتركها عند البلوغ، وليست واجبة عليه في ظاهر المذهب» (١). الدليل الثاني: (ث-٩٥) روى الترمذي (٢)، والبيهقي (٣)، كلاهما تعليقًا: قال البيهقي: وروينا عن عائشة ﵂ قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. قال البيهقي: تعني - والله أعلم - فحاضت فهي امرأة. [ضعيف لتعليقه، ومع كونه معلقًا فهو موقوف على عائشة] (٤). * دليل من قال: تجب على من راهق البلوغ: خُرِّجَ هذا القول من قول الإمام أحمد في ابن أربع عشرة: إذا ترك الصلاة يعيد. فأخذوا من أمره بالإعادة وجوب الصلاة عليه، وليس صريحًا في المسألة، وقد تطلب منه الإعادة من باب التعليم، أو من باب الاحتياط مخافة أن يكون قد بلغ؛ لأن البلوغ كالتمييز يحدث شيئًا فشيئًا دون أن يلحظ مقدار التغيير إلا أن يحكم بالبلوغ عن طريق السن على خلاف بينهم في تقدير السن الذي يحصل به البلوغ.

стр. 971

وقد يستدل لهذا القول بالقاعدة التي تقول: ما قارب الشيء يعطى حكمه. * الراجح: أن الصلاة لا تجب إلا بالبلوغ كسائر التكاليف البدنية، والله أعلم.

стр. 972

المبحث الثاني في خطاب الشارع للصبي بالعبادة المدخل إلى المسألة: * الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء كأمر الشارع الولي بأن يأمر الصبي بالصلاة لا يكون أمرًا للصَّبِيِّ إلا أن يكون المأمور مبلغًا كقول الأعرابي: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. * توجه خطاب الشارع لأحد ما فرع عن تكليفه. * التمييز شرط لصحة العبادة عدا النسك، والبلوغ والعقل شرط للوجوب. * الصبي مأمور بأمر الولي لا بأمر الشارع له. [م-١٤٥] أجمع العلماء على أن البالغ العاقل يتوجه إليه الشارع بالخطاب أمرًا ونهيًا؛ لأنه لا خلاف في تكليفه. واختلفوا في خطاب الشارع للصبي للاختلاف في تكليفه على ثلاثة أقوال: القول الأول: الصبي لا يخاطب لا بندب، ولا كراهة، ولا بغيرهما، وإنما المخاطب بذلك الأولياء، لأن الخطاب فرع عن التكليف، وهو غير مكلف، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد (١).

стр. 973

جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من أحكام الصغار للأسرونشي: «لا خطاب مع الصبا» (١). إلا أنهم اختلفوا في الثواب على أعماله: فقيل: لا ثواب له عليها، وهو قول في مذهب المالكية، واختاره بعض الحنابلة (٢). قال الدسوقي: «وأما على القول بأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء يكون الولي مأمورًا من جهة الشارع، فيؤجر دون الصبي فإنه مأمور من جهة الولي؛ لأجل تدريبه، وحينئذٍ فلا يكون مكلفًا بالمندوبات، ولا ثواب له عليها، والثواب عليها لأبويه. قيل: على السواء، وقيل: ثلثاه للأم، وثلثه للأب» (٣). وجاء في الفروع: «وعلل ابن عقيل في الجنائز تقديم النساء على الصبيان بالتكليف، ففضلهن بالثواب والتعويض، والصبي ليس من أهل الثواب والعقاب، كذا قال، وفي طريقة بعض أصحابنا في مسألة تصرفه: ثوابه لوالديه … » (٤). * واستدلوا على نفي الثواب: الدليل الأول: أن الصبي مرفوع عنه القلم بالنص، فدل هذا على أنه ليس داخلًا في خطاب التكليف من إيجاب أو تحريم، أو ندب أو كراهة. (ح-٣٦٣) لما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (٥). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٦).

стр. 974

* ونوقش: بأن رفع القلم لا يدل على أنه لا يثاب، فالثواب أعم من التكليف، فقد يثاب العبد على أمر لم يؤمر بفعله، بل قد يثاب على فعل غيره. والشرع لم يأمر الصبي بالحج، ولا أمر وليه بأن يحج به، وأثبت له الثواب، بحديث: (ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر). الدليل الثاني: أن الثواب يتبع الأمر، ولا أمر يتعلق بالصبي، بل المأمور والده، فالولي مأمور من جهة الشرع، فيؤجر دون الصبي، فإنه مأمور من جهة الولي من أجل تدريبه، فلا يكون مكلفًا بالمندوبات ولا بالمكروهات، ولا ثواب له، ولا عقاب عليه. الدليل الثالث: ولأن الأمر بالأمر بالشيء لو كان أمرًا بالشيء لزم منه وجوب الصلاة على الصبيان، وهذا لا يصح لقيام المانع، وهو امتناع الوجوب في حق الصبي. * ونوقش هذا: لا يلزم من الأمر بالأمر بالشيء إذا جعل أمرًا بذلك الشيء أن يكون واجبًا، فقد يصرف من الوجوب لعلة صارفة، وهو أن عدم البلوغ مانع من الوجوب. وقيل: يثاب عليها، وإن لم يكن مكلفًا بالندب والكراهة، وهذا هو قول الأكثر. قال النووي: «مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حج البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإسلام» (١). * وجه القول بأنه يثاب عليها، ولا يخاطب بالندب والكراهة: أن الثواب فرع الصحة، وترتبه كترتب الحكم على السبب. (ح-٣٦٤) لما رواه مسلم من طريق إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ -لقي ركبًا بالروحاء، فقال: من القوم؟ قالوا:

стр. 975

المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر (١). فإذا ثبت أن حجه صحيح، وشرعي ترتب على ذلك الثواب عليها ما لم يقع مانع شرعي من ذلك، وكون العبادة تقع ندبًا من الصبي المميز، لا يعني ذلك أنه مخاطب بالندب. قلت: هذا مشكِل في الحقيقة، وقد استشكله العطار في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: «قولنا معاشر الشافعية: إن صلاة الصبي مندوبة مشكِل؛ لأن الندب من قبيل خطاب التكليف، ولا يتعلق به، فلا يصح أن يقال معنى مندوبة مطلوبة على وجه الندب، ولا أنها مطلوبة من الولي كذلك؛ لأن خطاب الولي بأن يأمر الصبي بذلك على وجه الوجوب، وقد يجاب بأن معنى ندبها أن لها حكم المندوب من حيث إثابة فاعله، وعدم إثمه بالترك، ولا يخفى قوة الإشكال» (٢). فالقول بأن أعمال الصبي تقع ندبًا، وليست مندوبة في حقه هذا مشكِل عندي، فإما أن نقول: إن الندب والكراهة ليستا من أحكام التكليف، وإما أن نقول: إن الصبي مكلف بالمندوبات والمكروهات، ولا سبيل إلى غير ذلك. القول الثاني: أن الصبي المميز مخاطب بجميع الأحكام التكليفية، وهو رواية مرجوحة في مذهب أحمد (٣). جاء في المسودة: «حُكِيَ عن أحمد أنه قال: الصبى المميز مكلف، وادعى فيه الإجماع، قال: وقطع القاضي بأنه غير مكلف، وادعى فيه الإجماع» (٤).

стр. 976

* واستدل لهذا القول بأدلة منها: الدليل الأول: (ح-٣٦٥) روى الإمام أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: وجوب الزكاة في مال الصغير، والزكاة من الأحكام التكليفية. * ونوقش هذا: بأن المسألة خلافية، فالحنفية لا يرون وجوب الزكاة على الصغير (٣)، وعلى القول بوجوب الزكاة لم يكن هذا دليلًا على صحة تكليفه؛ لأنها واجبة في مال المجنون، والصبي غير المميز، وليسا من أهل التكليف بالإجماع، فالزكاة واجبة في عين المال، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. (ح-٣٦٦) وروى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ -فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله … وفيه: فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم .... الحديث (٤).

стр. 977

ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع، فقال: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم (١). فجعل الصدقة واجبة في المال. الدليل الثالث: (ح-٣٦٧) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : كخ كخ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ (٢). * ونوقش هذا: أن الصغير يُنهى عما يُنهى عنه الكبير من الكذب والسرقة وغيرهما من باب التأديب، والمحظوراتُ كَفٌّ، وليست أفعالًا يتطلب فعلها، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٣٦٨) ما رواه الشيخان من طريق الوليد بن كثير، عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام، سَمِّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك. قال عمر: فما زالت تلك طعمتي بعد (٣). * ونوقش هذا: بأنه لم يأتِ خطاب من الشارع يأمر الصبيان على سبيل العموم بالتسمية للأكل إلا ما كان من هذه الواقعة في خطاب النبي ﷺ -لربيبه عمر بن أبي سلمة، فلعل هذا الخطاب من النبي ﷺ -واقعة عين بصفته وليًّا، وليس بصفته نبيًّا، ولهذا لم يأتِ أمر مباشر للصبيان بالصلاة. ولم يأتِ أمر من الشارع للصبيان بالزكاة مع أنها واجبة في ماله على الصحيح، وإذا كان هذا هو الشأن مع أركان الإسلام، وهما أولى بالأمر بهما من الأمر بأدب من آداب الأكل، فلا يؤخذ من هذه الواقعة

стр. 978

بأنه أمر عام لعموم الصبيان بالتسمية، ولو أراد الشارع هذا لوجه خطابًا للولي بأن يأمر الصبي بالتسمية، كما فعل في الصلاة، وكما فعل في الاستئذان بالدخول في أوقات العورات الثلاث. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]. وحين بلغ الأطفال الحلم وجه الخطاب لهم مباشرة، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. القول الثالث: أن الصبي المميز يخاطب بالندب والكراهة، وإن لم يخاطب بالوجوب والحرمة، وهو المعتمد في مذهب المالكية، واختاره السبكي من الشافعية (١). قال الدسوقي في حاشيته: «كون الصبي مأمورًا بها من جهة الشارع بفعلها بِناءً على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، وعلى هذا فالصبي مكلف بالمندوبات والمكروهات، والبلوغ إنما هو شرط في التكليف بالواجبات، والمحرمات، وهذا هو المعتمد عندنا، ويترتب على تكليفه بالمندوبات أنه يثاب على الصلاة .... » (٢). قال السبكي: «خطاب الندب ثابت في حق الصبي، فإنه مأمور بالصلاة من جهة الشارع أمر ندب، مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة، والكراهة حيث يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزًا» (٣). ويحتجون لذلك بصحة ذبيحة الصبي مع أن التسمية شرط في حل الذبيحة، فكان الصبي أهلًا لفعل الواجب في الجملة، ولو سلم رجل على جماعة، فردَّ صبي عنهم سقط فرض الكفاية به. وبقي بعض الأقوال أذكرها للفائدة:

стр. 979

قال بعضهم: إن الصبي مكلف بالإيمان دون سائر الواجبات، وهو قول أبي منصور الماتريدي، وكثير من مشايخ العراق. وذكر بعضهم بأن «أصل الدين لا يصح نفلًا، فإذا وجد فعلى وجه الوجوب». ويعترض عليه بأنه لو كان مكلفًا فيه لم يكن تبعًا فيه لأبويه، والله أعلم. وقيل: مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا، وهو رواية عن أحمد، واختارها ابن سريج من الشافعية، واستدلوا بوجوبها بالأمر بضربه على تركها، فلو لم تكن واجبة لما عوقب على تركها. وقد رد هذا بأن التعزير من الولي لا يعني الوجوب، وإنما هو التأديب والتعليم. وقيل: يكلف المراهق دون غيره، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل باعتبار أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، والله أعلم. * الراجح: أن الصبي فيه ما لا يلحق بالبالغ، كالواجبات والمحرمات، ومن خالف في هذا فهو من قبيل الخلاف الشاذ. وفيه ما يلحق بالبالغ على الصحيح كالصلاة، والطهارة. ولا يمتنع أن يكون مأمورًا بها، باعتبار أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء نفسه، ولا يلزم منه أن تكون دلالته على الوجوب حتمًا حتى على القول بأن صيغة الأمر ظاهرة في الدلالة على الوجوب؛ لأن دلالته على الوجوب مشروطة بأن لا يوجد صارف يصرفه من الوجوب إلى الندب، والصارف هنا كون المأمور به ليس واجبًا في حق الصبي المميز، فإذا صرف الأمر عن الوجوب تعين الندب. فإذا توجه أمر من الشارع لمكلف بأن يأمر غير مكلف، كحديث (مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ) فالأول مأمور من قبل الشارع، والأصل فيه الوجوب لكن حين كان المأمور به ليس واجبًا لدليل آخر كان هذا قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب. وإن توجه خطاب لمكلف بأن يأمر مكلفًا آخر بفعل واجب، فالمكلف الأول مأمور به على سبيل التبليغ، وهو واجب عليه. والثاني مأمور من قبل الشرع أيضًا، والامتثال به واجب عليه، كما قال النبي ﷺ

стр. 980

لعمر حين أخبره بأن ابن عمر طلق زوجته، وهي حائض، فقال له: مُرْهُ فليراجعْها (١). وإن توجه أمر لمكلف بأن يأمر مكلفًا بأمر غير واجب كما قال النبي ﷺ -لأبي بكر ﵁ في حق أسماء بنت عميس حين نفست: مرها فلتغتسل (٢). فهل يكون الأمر لأبي بكر على سبيل الوجوب؟ فالجواب: أن وجوبه على أبي بكر لا يتعلق بالصيغة، بمعنى لا يتعلق بالأمر من حيث كونه أمرًا، وإنما كان متعلق الوجوب هو تعيين أبي بكر للبلاغ من لدن الرسول ﷺ -ليبلغ أسماء ما استحب لها من الاغتسال، وهذا لا علاقة له بالصيغة، فلو أن الصيغة جرت بهذا اللفظ: (مروا النفساء أن تغتسل للإحرام) على سبيل العموم، لم يكن الخطاب في حقنا واجبًا؛ لأن المأمور به ليس بواجب، فالوسيلة كذلك. فإذا رجعنا إلى الأمر من حيث كونه أمرًا كحديث (مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ) نستطيع أن نقول: إن كان المأمور به مستحبًّا كان مستحبًّا، وإن كان واجبًا كان واجبًا؛ فالأمر وسيلة، والمأمور به غاية، والوسائل لها أحكام الغايات فما كان وسيلة لواجب كان واجبًا، وما كان وسيلة لمندوب كان مندوبًا، والله أعلم. وأما قول بعض الفقهاء بأن صلاة الصبي من فرض ونفل وحفظ للقرآن، وصيام، وزكاة مال لا ثواب له عليها، فهذا من أضعف الأقوال، وهو مخالف للعدل، والنص. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم، والله أعلم.

стр. 981

المبحث الثالث في حكم أمر الولي للصغير بالصلاة المدخل إلى المسألة: * المأمور غاية، والأمر وسيلة إليه، وإذا كانت الغاية ليست واجبة فكذا وسيلته؛ لأن الوسيلة لها حكم الغاية. * دلالة الصيغة في الأمر فيها خلاف قوي بين أهل الأصول. * هناك من يقول: المتيقن من دلالة الصيغة هو الاستحباب، ولا يصار إلى الوجوب إلا بقرينة، لوجود أوامر حملت على الاستحباب، ولا يعلم لها صارف إلا بتكلف. * من العلماء من يرى أن دلالة صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والاستحباب، ولا يصار لأحدهما إلا بقرينة. * الراجح أن صيغة (افعل) وإن دلت على الوجوب إلا أن الفقهاء يصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، كحديث: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فلا قرينة صارفة لهذا الأمر عن الوجوب إلا كون الأمر يتعلق بالإرشاد، وهي قرينة معنوية، لم تؤخذ من الصيغة، وأمثلتها كثيرة. [م-١٤٦] أمر الشارع الولي بأن يأمر الصبي بالصلاة، واختلفوا في أمر الشارع للولي أيحمل على الندب، أم على الوجوب؟ فقيل: يستحب للولي أن يأمر صغيره المميز بالصلاة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور (١). وقال الشافعية والحنابلة: بل يجب، وهو قول في مذهب المالكية (٢).

стр. 982

وقال الشافعية: ويلزم الأم كذلك إذا عدم الأب. جاء في حاشية الجمل: «والأمر والضرب واجبان على الولي أبًا كان، أو جدًّا، أو وصيًّا، أو قيمًا من جهة القاضي» (١). * حجة من قال: الأمر على وجه الاستحباب: أن قوله ﷺ : (مروا) أمر، وهو ظاهر في الوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب والاستحباب لأن المأمور به (وهو الصلاة) لا تجب على الصبي، فإذا كان المأمور به ليس واجبًا لم يكن الأمر به واجبًا؛ إذ كيف تكون الصلاة مستحبة، ويكون الأمر بها واجبًا؟ والعكس بالعكس، فالأمر بالشيء له حكم المأمور به، فكون الصبي ليس مكلفًا يمنع من حمل الأمر على حقيقته؛ لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب، أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها محرم عليه. * ونوقش هذا: أن ذلك إنما يلزم لو كان المحل متحدًا، وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب متوجه إلى الولي، ومحل عدم الوجوب متوجه إلى الصبي، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبي عدمه على الولي، فالخطاب في قوله ﷺ : (مروا أبناءكم) ليس خطابًا من الشرع للصبي، ولا إيجابًا عليه، وإنما هو خطاب للولي، وهو واجب عليه. * حجة من قال: الأمر للوجوب: الدليل الأول: (ح-٣٦٩) روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم

стр. 983

عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: أن الأصل في الأمر الوجوب. * ونوقش: بأن الحديث ضعيف كما قد علمت من التخريج. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية، [طه: ١٣٢]. وجه الاستدلال: قوله: (أهلك) مفرد مضاف، فيشمل جميع الأهل، صغارًا وكبارًا ممن يعقل الصلاة. * ويناقش: بأن الأمر للأهل بالصلاة منه ما هو واجب إذا كان ذلك واجبًا على المأمور، ومنه ما هو مستحب إذا لم تكن الصلاة واجبة على المأمور. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. * ويناقش: بأن الصبي ليس مكلفًا حتى يكون الأمر بالصلاة وقاية له من النار، وإنما الآية في حق من يكون ترك الفعل معصية في حقه وسببًا في دخول النار. الدليل الرابع: (ح- ٣٧٠) روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ -قال له في قصة صيامه وقيامه، وقراءته: وإن لولدك عليك حقًّا (٣).

стр. 984

وجه الاستدلال: هذا الحديث يذكر أن للولد حقًّا على الولي، من إحسان تربيته، والإنفاق عليه، وتعليمه أمور دينه، وتأديبه بالآداب الشرعية، وأعظم ذلك أمره بالصلاة، وتعليمه إياها. قال النووي: «فيه أن على الأب تأديب ولده، وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية. نص عليه الشافعي وأصحابه، قال الشافعي وأصحابه: وعلى الأمهات أيضًا هذا التعليم إذا لم يكن أب؛ لأنه من باب التربية، ولهن مدخل في ذلك، وأجرة هذا

стр. 985

التعليم في مال الصبي فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه والله أعلم» (١). * ويناقش: بأن الحديث ليس نصًّا في المسألة، والاشتغال بنفل العبادة كالصيام إنما يكون مذمومًا إذا أشغل عن القيام بواجب مستحق للأولاد، والقول بأن ذلك يشمل أمرهم بالصلاة دعوى في محل النزاع. الدليل الخامس: إذا وجب على الولي إصلاح ماله، وكفه عن المفاسد وجب عليه أمره بالصلاة قياسًا على ذلك، بل هو أولى؛ لأن صلاح الدين أولى من إصلاح المال. * ونوقش هذا الاستدلال: بأن هناك فرقًا بين المسألتين، فإصلاح مال الصغير ليس واجبًا على الولي، وإنما الواجب عليه حفظه، وأما كفه عن الفساد، فهذا من باب المنهيات، ولا شك أن المنهيات آكد من باب المأمورات، ولذلك يُنهى الصغير عما يُنهى عنه الكبير، من ترك الكذب، والغيبة، والسرقة، بخلاف الصلاة، فهي من باب المأمورات، وهي ليست واجبة على الصبي بالاتفاق، ولم يأمر الشرع الصبي بالصلاة، وإنما أمر وليه أن يأمره. (ح-٣٧١) وقد روى مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ -أبا بكر يأمرها أن تغتسلَ وتُهِلَّ (٢). فهل كان واجبًا على أبي بكر أن يأمرها بالاغتسال والإهلال، مع أن الاغتسال والإهلال من باب المندوبات في حقها. وفيه مسألة أصولية، هل الأمر بالأمر بالشيء، هو أمر بذلك الشيء؟
следующие страницы →