ولا حاجة للمصلي إلى إبطال ما صلاه مع الإمام؛ لأن قطع القدوة قطع للمتابعة، ولا يستلزم ذلك إبطال ما صلاه؛ لأن صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة، فإذا قطع نية المتابعة لم تبطل نية الصلاة، وجاز البناء على ما صلى، ولأننا تيقنا دخوله في الصلاة، فلا نحكم بخروجه من صلاته إلا بيقين، والأصل أن الرجل بنى على ما صلى، ولا توجد رواية صريحة صحيحة أنه قطع ما صلى، والله أعلم.
ولو سلمنا أن رواية مسلم ليست شاذة، فإذا دل على جواز إبطال أصل العبادة لعذر، دل على إبطال صفتها من باب أولى؛ لأنه إذا جاز الأشد الأغلظ جاز الأخف، فقطع المتابعة أخف من قطع الصلاة، والنبي ﷺ لم ينكر على الأنصاري، ولم يطلب منه الإعادة.
المناقشة الثالثة:
القول بأن إطالة الإمام القراءة ليست بعذر هذه دعوى، فالأمر بالتخفيف محفوظ بنصوص قطعية، وقراءة سورة البقرة في صلاة العشاء مخالف للمقدار الذي كان يصلي به النبي ﷺ في صلاة العشاء.
(ح-٣٢٣٩) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن النبي قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.
ورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (١).
(ح-٣٢٤٠) فقد روى الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم،
عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما
стр. 9207
رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (١).
فقد وصف النبي ﷺ معاذًا بأنه فتان؛ فلو لم يكن هذا الفعل غير مشروع لما كان من لازمه الوقوع في الفتنة، ولو سلمنا أن الإطالة ليست عذرًا فإن مخالفة السنة عذر تبيح للمصلي قطع الاقتداء. وقد اعتذر الأنصاري من مفارقته لمعاذ في حديث أنس بأمرين:
الأول: أنهم يعملون بالنهار مما يجعل المصلي في آخر النهار أحوج ما يكون إلى الراحة، ولهذا كانت صلاة الصبح أطول الصلاة قراءة، والمغرب أقصرها.
الثاني: حاجته إلى إكمال سقي نخله؛ ليخلد إلى الراحة.
فلم يكن مفارقة الأنصاري لمعاذ لمجرد إطالة الصلاة، بل لما يترتب على الإطالة من تفويت بعض المصالح، والله أعلم.
المناقشة الرابعة:
أن قوله: (فلا تختلفوا عليه) متأخر عن هذه الحادثة؛ لأن ذلك كان قبل معركة أحد، وقد استقر التشريع بالنهي عن الاختلاف على الإمام، فيكون ناسخًا لما فعله هذا الأنصاري ﵁.
الدليل الثالث:
قطع القدوة من المأموم كقطع القدوة من الإمام، فلو أن الإمام حصل له عذر منعه من إكمال صلاته جاز للمأموم إتمام صلاته منفردًا في أصح قولي أهل العلم، فكذلك إذا قطع المأموم القدوة لعذر، كان له أن يبني على ما صلاه مع إمامه، ولا فرق.
الدليل الرابع:
الجماعة عند الشافعية فضيلة، فكان له تركها، كما لو صلي بعض صلاة النفل قائمًا، ثم نوى الجلوس.
دليل من قال: يجوز القطع لعذر، ولا يجوز بدونه.
هذا القول حجته حديث جابر وأنس السابقين، فكون النبي ﷺ غضب على
стр. 9208
معاذ، وأنكر عليه الإطالة، ولم ينكر على الرجل، ولم يأمره بإعادة الصلاة دليل على جواز مفارقة الإمام بالعذر.
وإذا كان العذر يبيح ترك الجماعة بالإجماع، مثل ترك الجماعة للمطر والريح والظلمة، فكذلك يبيح ترك المضي فيها. فكل ما جوز ترك الجماعة ابتداء جوز المفارقة.
وطول القراءة فرد من الأعذار التي تبيح للمأموم ترك الجماعة فما أباح ترك الجماعة ابتداء، أباح ترك المضي فيها، ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على الرجل الذي قال له: (إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها) (١)، ولم ينكر النبي ﷺ على الرجل تأخره عن الجماعة، بل أنكر على الإمام إطالته للصلاة، فكيف إذا كانت هذه الإطالة مع ما فيها من مخالفة السنة تفوت على الرجل مصلحة في نفسه، أو في أهله أو في ماله، أو في رفقته، فكل عذر يسقط الجماعة ابتداء، فهو يسقط الجماعة إذا حدث أثناء الصلاة، والله أعلم.
الراجح:
أن المأموم لا تبطل صلاته بالمفارقة، فإن كان له عذر لم يأثم، وإن كان بلا عذر أخشى أن يلحقه إثم بتركه المتابعة الواجبة بعد شروعه فيها، وترك المتابعة يبطلها، ولا يبطل الصلاة، والله أعلم.
стр. 9209
الفصل السادس في اختلاف نية الإمام عن المأموم
المبحث الأول في صلاة المفترض خلف المتنفل
المدخل إلى المسألة:
قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فللإمام نيته، وللمأموم نيته، لا تعلق لإحداهما بالأخرى.
شروط العبادة توقيفية، ولم يأت قط: قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس يوجب اتفاق نية الإمام والمأموم.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فتكليف المأموم موافقة نية إمامه في نوع الصلاة، ليس في وسعه؛ لأن النية لا يطلع عليها إلا الله.
كان عمرو بن سَلِمة يؤم قومه، وهو صبي؛ امتثالًا لأمر النبي ﷺ لهم بقوله: (وليؤمكم أكثركم قرآنًا)، وهو نص في محل النزاع، وصلاته نفل، وصلاتهم فريضة.
لو كانت إمامته ضرورة لكانت مؤقتة، ولما استمر إمامًا لهم، وبينه وبين البلوغ سنوات، وجُلُّ العرب زمن التشريع يعتمدون على قوة الحفظ أكثر من الكتابة، فهل يتصور بقاء العجز في قوم جَرْم سنوات، وقد بقي إمامًا لهم حتى توفي شيخًا كبيرًا.
حديث: (فلا تختلفوا عليه) بيَّن الرسول ﷺ في هذا الحديث المواضع التي يحرم الاختلاف فيها على الإمام بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)، وكلها في الأفعال.
الاختلاف على الإمام بالنية، لا يختلف فيه ترتيب الصلاة بين المأموم وإمامه، فلا يكون فيه قطعًا ظاهرًا للقدوة.
صلى الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ في صلاته في مرض موته، وأجمع العلماء
стр. 9210
على صحة صلاة الجالس المتنفل خلف الإمام القائم، وهذان من الاختلاف عليه في الأفعال، وجوازه دليل على جواز الاختلاف عليه في النية من باب أولى.
ذهب الأئمة الأربعة إلى صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، وحكاه جماعة إجماعًا، وهو دليل على صحة اختلاف نية المأموم عن نية الإمام.
كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ثم يرجع فيؤم قومه، وهو متنفل.
مما يقوي حديث معاذ: حديث النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف بطائفتين، يسلم من كل ركعتين، ولم يصلِّ النبي صلاة الخوف في الحضر قط، فكانت إمامته في الطائفة الثانية نافلة، ولهم فريضة. قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفع هذا.
لا يصح افتراض أن إمامة معاذ إمامة ضرورة لقلة القراء. قال ابن حزم: كان فيمن يصلي في المسجد الذي كان يؤم فيه معاذ ثلاثون عقبيًّا، وثلاثة وأربعون بدريًّا.
المسبوق في الجمعة إذا أدرك أقلَّ من ركعة دخل مع الإمام، ونوى الظهر خلف من يصلي الجمعة، وهو دليل على جواز اختلاف النية بين الإمام ومأمومه.
[م-١٠٦١] اختلف العلماء في المفترض يصلي خلف المتنفل،
فقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، الحنابلة (١).
قال القاضي أبو يعلى: «لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل … في أصح الروايتين، نصَّ عليها في رواية أبي الحارث .... وقال في رواية يوسف بن موسى -وقد ذكر له حديث معاذ- ﵁، فقال: قد كنا نسهل فيه، وما يعجبنا، وهذا يدل على رجوعه عن القول بالجواز» (٢).
стр. 9211
وجاء في مسائل ابن هانئ: «سألته عن حديث معاذ في الصلاة؟ فقال: أما ابن عيينة، فإنه يقول: ما خُبْرَ النبي ﷺ بذلك، وكان معاذ يصلي، ولا يعلمُ النبيُّ ﷺ ، ولا أذهب إليه، ولا يعجبني أن يجمع بين فرضين.
قيل له: إذا صلى جماعة يؤم قومًا؟ قال: لا» (١).
وقيل: تصح صلاته بشرط توافق نظم الصلاتين في الأفعال الظاهرة، كالركوع والسجود، وإن اختلفا في عدد الركعات، فإن اختلف أفعال الصلاتين، كمكتوبة وكسوف، أو مكتوبة وجنازة لم تصح القدوة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، والأوزاعي، وصحح أحمد -في إحدى الروايتين- صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، ورجحها ابن قدامة، وابن تيمية، وبه قال ابن حزم (٢).
قال أبو داود: «سمعت أحمد، سئل عن رجل صلى العصر، ثم جاء فنسي، فتقدم يصلي بقوم تلك الصلاة، ثم ذكر لما أن صلى ركعة، فمضى في صلاته؟ قال: لا بأس» (٣).
ونقلها ابن قدامة في المغني، ثم أتبعها بقوله: «وهذا قول عطاء، وطاوس، وأبي رجاء، والأوزاعي، والشافعي، وسليمان بن حرب، وابن المنذر، وأبي إسحاق الجوزجاني، وهي أصح» (٤).
وقال القفال من الشافعية: «تصح، وإن اختلفت أفعالهما» (٥).
стр. 9212
وقيل: يجوز للحاجة مثل حال الخوف، وكما لو كان هو الأحق بالإمامة؛ لكونه الأقرأ، ولا يجوز لغيرها، وهذا القول رواية ثالثة عن الإمام أحمد (١).
دليل من قال: لا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٤١) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث، وقد رواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فمن خالفه في نيته لم يأتم به.
وقال ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) وإذا اختلف عليه في النية فقد اختلف على إمامه؛ إذ هي ركن العمل (٣).
والنهي عن الاختلاف على الإمام مطلق، يشمل الاختلاف عليه في النية وفي الفعل، وقوله بعد ذلك: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)
стр. 9213
لا يفهم منها التقييد ولا التخصيص بالأفعال؛ لأن ما ذكر أفراد من المطلق، أو العام لا يقتضي تخصيصًا، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فذكر الوسطى لا يقتضي تخصيصها بالمحافظة، وإنما يدل على زيادة عناية، فكذلك الاختلاف في الأفعال أكثر اختلافًا ومفارقة من الاختلاف في النية، ولا يعني هذا تقييدًا، ولا تخصيصًا.
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن المسلمين مجمعون على عدم جواز الاختلاف على الإمام في الفعل، فإذا قام وجب على المأموم متابعته في القيام إلا من عذر، فتجب متابعة الإمام في أفعاله، ولو اختلف نظم صلاة المأموم، كما في المسبوق؛ فإنه يجب عليه متابعة إمامه في أفعاله، حتى ولو جلس المأموم للتشهد في الصلاة الواحدة أربع تشهدات دفعًا للاختلاف على الإمام، ويجلس معه في التشهد الأخير، وإن كان لا يعتد به، ولو قام الإمام عن التشهد الأول سهوًا وجب عليه أن يتبعه في تركه، وإن كان ذاكرًا، وإذا صلى المسافر خلف المقيم وجب عليه الائتمام، وإن كان المشروع للمسافر القصر، وإذا سها الإمام، فسجد للسهو قبل السلام، وجب على المأموم أن يتابعه، ولو لم يدرك السهو، وإذا صلى قاعدًا لعلة، صلى المأموم جالسًا؛ متابعة لإمامه على أحد القولين عن أحمد، فهذه الأمور كلها تؤكد وجوب توافق نظم الصلاتين في الأفعال الظاهرة، وإنما الكلام في وجوب اتفاق نية الإمام والمأموم، فهذا الذي لا دليل عليه من الحديث.
الوجه الثاني:
قد بيَّن الرسول ﷺ في هذا الحديث المواضع التي يلزم الائتمام بالإمام فيها، بقوله ﷺ : (فلا تختلفوا عليه: فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)، فهذا الذي أمرنا بعدم الاختلاف على الإمام فيه في الأفعال الظاهرة دون النيات، ولا يوجد حديث واحد: يأمر باتفاق النية بين الإمام والمأموم.
ولأن الاختلاف على الإمام بالنية، لا يختلف فيه ترتيب الصلاة، فلا يكون فيه
стр. 9214
قطعًا ظاهرًا للقدوة.
ولأن النيات لا اطلاع لأحد عليها، فلا يكلف المأموم العلم بنية إمامه.
الوجه الثالث:
قد وجدت نصوص كثيرة في صحة صلاة المتنفل خلف المفترض مع اختلاف نية المأموم عن نية إمامه، كحديث أبي سعيد: (من يتصدق على هذا)، وحديث يزيد بن الأسود، (صليا معهم تكن لكما نافلة)، وحديث أبي ذر في الصلاة خلف الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فأمره النبي ﷺ بالصلاة لوقتها، فإن أدركها صلى معهم، وكانت له نافلة، حتى حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على صحة النفل خلف الفرض، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
فلو كان الاتفاق بالنية شرطًا لما صحت صلاة المتنفل خلف المفترض، والأئمة الأربعة على صحة ائتمام المتنفل بالمفترض، وهذا يدل على أن الاختلاف في النية لا أثر له.
قال ابن العربي: «قال بعض علمائنا: قوله ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] دليل على أنه لا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن نيتهم قد تفرقت، ولو كان هذا متعلقًا لما جازت صلاة المتنفل خلف المفترض؛ لأن النية أيضًا قد تفرقت» (١).
الوجه الرابع:
جَعْلُ موافقة الإمام بالنية شرطًا في صحة صلاة المأموم لا دليل عليه؛ لأن الشرطية لا تثبت بمجرد الأمر بالشيء، أو بمجرد النهي عنه، فحديث أبي هريرة وهو نصٌّ في قوله: (إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا) فأمر أن يكون ركوع المأموم وسجوده بعد ركوع الإمام وسجوده، ولو قارن المأموم إمامه بالركوع، أو بالسجود لم تبطل صلاته، بل ولو سبقه إلى الركن متعمدًا عالمًا لم تبطل عند الأئمة الثلاثة، وكذلك عند الحنابلة إذا رجع وأتى به بعده، إلا أن يسبقه بتكبيرة الإحرام أو بالسلام.
قال ابن حجر: «مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطًا في صحة القدوة إلا
стр. 9215
تكبيرة الإحرام» (١).
قد تكلمت عن مسائل مسابقة الإمام ومقارنته والتأخر عنه في مسائل مستقلة، ولله الحمد، فأرجع إليها إن أردت.
الوجه الخامس:
قوله ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) قد دخله التخصيص، والنص إذا دخله التخصيص ضعفت دلالته على العموم.
فقد صلى الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ في صلاته في مرض موته، والحديث في الصحيحين.
(ح-٣٢٤٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (٢).
وهذا من الاختلاف عليه في الأفعال، وهو أبلغ من الاختلاف عليه في النية، وجوازه دليل على جواز الاختلاف عليه في النية من باب أولى. وقد سبق بحث هذه المسألة في فصل مستقل.
وقد أجاز الحنفية والشافعية ائتمام القائم خلف القاعد، وهو رواية عند الحنابلة، وقال به الحنابلة إذا طرأ العجز على الإمام في أثناء الصلاة.
كما خُصَّ منه صلاة الجالس خلف القائم في صلاة النافلة.
стр. 9216
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على جواز صلاة الجالس خلف الإمام القائم في النافلة» (١).
وهذا من الاختلاف على الإمام في الأفعال، وإذا كانت المخالفة في هذه الأفعال لا تبطل الصلاة فمن باب أولى أن المخالفة بالنية من باب أولى لا تبطل الصلاة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٤٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
ما معنى قوله ﷺ : (الإمام ضامن)؟. لا يصح تفسير الضمان بالتحمل؛ لأن الصلاة لا تقبل النيابة، فلا يصلي أحد عن أحد، فالضمان في الصلاة لا تعلق لها في الذمة، فليست صلاة المأموم دينًا على الإمام، وإنما معناه: أن تكون صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم، والفرض ليس مضمونًا في النفل، فإذا كان الإمام متنفلًا لم تتضمن صلاته صلاة المفترض.
قال القرافي: «حصر الإمام في وصف الضمان، فلا يوجد في غيره، وضمانه لا يتصور في الذمة؛ لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره، بل معناه: أن صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم، ولن يتأتى ذلك حتى يشتمل على أوصاف صلاة المأموم، لكن من جملة أوصافها الوجوب، وهو متعذر في صلاة … المفترض خلف المتنفل (٤).
فالنافلة ليس فيها إلا نية الصلاة.
стр. 9217
والفرض فيها نية الصلاة، ونية الفريضة، فإذا كان الإمام متنفلًا فليس معه إلا نية الصلاة، فلا تتضمن صلاة المفترض، والذي يشاركه في نية الصلاة، ويزيد عليه بنية الفريضة.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحديث لا يصح من حيث الثبوت، قال أحمد: ما أُرى لهذا الحديث أصلًا (١).
الوجه الثاني:
أنهم يختلفون في تفسير الضمان.
فقيل: التحمل، وهو تفسير الطحاوي من الحنفية، حتى استدل به على بطلان إمامة الصبي للبالغ؛ لعدم صلاحيته للتحمل.
وقيل: الضامن في اللغة الراعي.
قال الخطابي في غريب الحديث: «مَعنى الضَّمان في كَلام العَرَب الرِّعايةُ للشيء والمُحافَظةُ عَلَيْهِ، ومنه قولهم في الدُّعاء للمُسافر: في حِفْظِ الله وضَمانِه.
قَالَ الشاعر: رعَاكِ ضَمانُ الله يا أُمَّ مالكٍ … وَللهُ أن يُشْقِيْكِ أغنى وأوسع
فيكون المعنى: أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد ركعاتها على القوم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة» (٢).
وقد تكلمت على معنى الضمان في مسألة إمامة الصبي للبالغ، فارجع إليه إن شئت.
وعلى كل حال فالحديث ضعيف.
стр. 9218
دليل من قال: تصح صلاة المفترض خلف المتنفل:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٤٤) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثني محمد بن عباد. حدثنا سفيان عن عمرو،
عن جابر؛ قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي، فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء. ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف. فقالوا له: أنافقت يا فلان؟! قال: لا والله، ولآتين رسول الله ﷺ ، فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا أصحاب نواضح. نعمل بالنهار. وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا (١).
وجه الاستدلال:
أن معاذًا كان يصلي فريضته مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه، فيصلي بهم، فدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.
اعترض على الاستدلال بالحديث بجملة من الاعتلالات والاعتراضات، منها:
الاعتراض الأول: التفرد.
منها: أن عمرو بن دينار تفرد بقوله: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي، فيؤم قومه)، وقد رواه عن جابر محارب بن دثار، وأبو الزبير، وأبو صالح، ومعاذ بن عبد الله بن خبيب، فلم يذكروا هذا الحرف، كما رواه كذلك عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وإنما ذكروا، أن معاذًا صلى بقومه، فأطال الصلاة.
ومنها: أن سفيان بن عيينة، تفرد عن عمرو بن دينار بالتصريح بعلم النبي ﷺ بصلاة معاذ معه، وإقراره على ذلك، وقد نقل شكاية الأنصاري عمرو بن دينار من رواية سَلِيم بن حيَّان الهذلي، وأبو الزبير، كلاهما عن جابر، ولم يذكرا ما ذكره ابن عيينة.
كما نقل شكاية الأنصاري أنس بن مالك، وهي متفقة بالمعنى مع روايتهما،
стр. 9219
وليس فيها ما ذكره سفيان.
ويشترط في الاحتجاج بإقرار النبي ﷺ أن يكون قد علمه، وأقرَّه، والأصل عدم علمه بذلك حتى يثبت.
قال ابن رجب: «اعتلَّ الإمام أحمد على حديث معاذ بأشياء:
أحدها: أن حديث معاذ رواه جماعة لم يذكروا فيه أن معاذًا كان يصلي خلف النبي ﷺ ، بل ذكروا أنه كان يصلي بقومه، ويطيل بهم، منهم: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وأبو الزبير، عن جابر. ومنهم: محارب بن دثار، وأبو صالح، عن جابر
الثاني: أن الذين ذكروا: أنه كان يصلي خلف النبي ﷺ ، ثم يرجع، فيؤم قومه، لم يذكر أحد منهم: أن النبي ﷺ علم بذلك، إلا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
فقال أحمد: ما أرى ذلك محفوظًا. وقال مرة: ليس عندي ثبتًا؛ رواه منصور بن زاذان، وشعبة، وأيوب، عن عمرو بن دينار، ولم يقولوا ما قال ابن عيينة» (١).
فتبين وجه ما قاله أحمد من تفرد سفيان في ذكر إقرار النبي ﷺ لمعاذ بالصلاة معه، ثم الصلاة بقومه، والاحتياط للرواية، أن تكون زيادة سفيان ليست محفوظة، كما نزع إلى ذلك الإمام أحمد، وحسبك به (٢).
ويرد على هذا:
أما تفرد عمرو بن دينار بقوله: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي، فيؤم قومه)، فلا يضره، وهو مقدم على كل من رواه عن جابر، وأي شيء روى أبو صالح، أو محارب بن دثار،، عن جابر، ولو جمعت مروياتهم كلها عن جابر، لم تبلغ ما رواه عمرو بن دينار، ولا نصفه، نعم أبو الزبير مكثر عن جابر، ولكنه خفيف الضبط،
стр. 9225
لا يقارن بإتقان عمرو بن دينار. على أن عمرو بن دينار لم ينفرد بذلك فقد رواه ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر كما في سنن أبي داود، وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان وغيرهم، وهذا إسناد حسن، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى عند الكلام على وقت الصلاة، أهي المغرب أم العشاء؟
والقول نفسه يمكن أن ينطبق على زيادة سفيان بن عيينة؛ لأنه من أعلم الناس بعمرو بن دينار، كما قاله أحمد، وابن معين، وقد جود الحديث، ورواه بتمامه، وهو دليل على ضبطه، وعلى التسليم بشذوذ رواية سفيان، فذلك لا يعني ضعفها من جهة الدلالة؛ لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن هذا الحديث قد تعارض فيه الأصل والظاهر.
فالأصل: عدم اطلاع النبي ﷺ .
والظاهر: أن النبي ﷺ علمه، واطلع عليه؛ لأن الصلاة عمل جماعي يتكرر في اليوم خمس مرات، وقد أخذ صفة الاستمرار والدوام، كما يفيده قول جابر: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي، فيؤم قومه)، فكلمة (كان) تدل على الاستمرار غالبًا.
وقد قال ابن حجر: «يكفي في علم النبي ﷺ به قول الصحابي: إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وأقره؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام … ».
فإذا أضيف إلى ذلك أن محارب بن دثار، وأبا الزبير، وعمرو بن دينار من رواية شعبة، وحماد بن سلمة، وسليم بن حيان، وسفيان بن عيينة، عنه، رووا عن جابر أن الأنصاري شكا معاذًا إلى النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ عاتب معاذًا، وأرشده إلى مقدار ما يقرأ في صلاته، وله شاهد من حديث أنس، فهل يتصور أن النبي ﷺ يقف على كل ذلك من القصة، ولا يعلم أن معاذًا كان يصلي معه؟ فالظاهر: أن من علم كل ذلك، سيعلم أن معاذًا كان يصلي معه، وهذا الظاهر القوي مقدم على الأصل.
والفقهاء إذا تعارض الظاهر والأصل قُدِّم الأقوى منهما، والظاهر هنا أقوى من الأصل؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على معاذ إلا تطويله القراءة في الصلاة، ويبعد أن يحيط جابر علمًا بفعل معاذ، وبصلاته مع النبي ﷺ ، ويقصر عنه علم النبي ﷺ ، وهو
стр. 9226
يرى معاذًا يصلي معه، بل لا يبعد أن تكون إمامة معاذ بتوجيه من النبي ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يعيِّن الأئمة والمؤذنين، كما في حديث عثمان بن أبي العاص: (اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم)، وأمره لأبي محذورة أن يؤذن بمسجد الكعبة.
وإنما الذي جعل جمهور الفقهاء يقدمون الأصل هنا على الظاهر مع قوته؛ لاعتقادهم أن المفترض لا يصح أن يصلي خلف المتنفل؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه)، وقد ناقشت دلالة هذا الحديث في أدلة القول الأول.
ورد هذا الجواب:
لا نسلم أن النبي ﷺ أَقرَّ معاذًا على الجمع بين الصلاة معه، والصلاة بقومه.
(ح-٣٢٤٥) بدليل ما رواه الإمام أحمد من طريق عمرو بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة الأنصاري،
عن رجل من بني سِلمة، يقال له: سليم، أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه، فيطول علينا. فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانا: إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك. ثم قال: يا سليم، ماذا معك من القرآن؟ قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : وهل تصير دندنتي، ودندنة معاذ، إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار. ثم قال سليم: سترون غدًا إذا التقى القوم إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أحد، فخرج، وكان في الشهداء (١).
قال الطحاوي: «ففي قول رسول الله ﷺ هذا القول لمعاذ، لما عَلِم ما كان يفعل مما ذكرناه عنه، دليل على أنه لم يبح له جمعهما جميعًا؛ لأنه لو أباح له جمعهما، لقال له: صلِّ معي، وخفف بقومك» (٢).
وفي شرح معاني الآثار: « … قال: (إما أن تصلي معي) أي: ولا تُصلِّ بقومك
стр. 9227
(وإما أن تخفف بقومك) أي: ولا تصلِّ معي» (١).
وقال أبو البركات بن تيمية: «يدل على أنه متى صلَّى معه امتنعت إمامته» (٢).
قال في فيض الباري: «وهذا الشرح يبنى على أنه لم يكن عند النبي ﷺ علم من صلاته مرتين؛ فإذا علمه نهى عنه، وعلَّمَه ألا يصلي إلا مرة: إما معه، أو مع قومه؛ وذلك لأنه قال: (إما أن تصلي معي)، فعلم أنه لم يكن عن خبره من أنه يصليها معه أيضًا. ولو كان له علم أنه يصليها معه أيضًا، لم يقل له: (إما أن تصلي معي) (٣).
وقال أحمد كما في مسائل ابن هانئ: « … كان معاذ يصلي، ولا يعلمُ النبيُّ ﷺ ، ولا أذهب إليه، ولا يعجبني أن يجمع بين فرضين» (٤).
وأجيب على هذا الرد بجوابين:
الجواب الأول:
بأن الحديث ضعيف؛ لانقطاعه، والاختلاف في وصله وإرساله.
ولأن معاذ بن رفاعة بن رافع الأنصاري قد تفرد به، وإن كان صدوقًا، إلا أنه مخالف لرواية جابر في الصحيحين، ولرواية أنس بسند على شرط الصحيحين، فلم يذكرا ما ذكره معاذ بن رفاعة (٥).
стр. 9228
الجواب الثاني:
لو صح فالعلماء لم يتفقوا على تأويله.
قال ابن حجر: «وأما استدلال الطحاوي … ودعواه أن معناه: إما أن تصلي معي، ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك، ولا تصلِّ معي. ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلي معي. وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسئول عنه، المتنازع فيه» (١).
وقال نحوه ابن رجب في شرح البخاري (٢).
وقال محمود السبكي في الدين الخالص: «غاية ما فيه أنه أذن له بالصلاة معه والصلاةِ بقومه مع التخفيف، أو بالصلاة معه فقط، إن لم يخفف» (٣).
الأمر الثاني:
إذا لم يثبت إقرار النبي ﷺ مع ضعف هذا الاحتمال، فقد اطلع عليه الله، وأقره، وهو حجة زمن التشريع.
(ث-٨٢١) ويستدل له بما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء،
سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل، والقرآن ينزل.
ورواه مسلم. وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن (٤).
стр. 9229
كلام سفيان هو مفهوم المخالفة لما تكلم به الصحابي جابر ﵁، وهو ما أراد الإشارة إليه.
فمنطوق كلام جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل.
مفهومه: لو كان العزل ممنوعًا لنزل الوحي بالنهي عنه.
فإقرار النبي ﷺ يتطلب علمه بذلك، بخلاف إقرار الله ؛ فإنه لا يخفى عليه خافية، وكيف تحفظ الشريعة إذا كان الناس يعملون أعمالًا زمن التشريع، يظنون أنها موافقة للشرع، وهي مخالفة لحكم الله وشريعته، فيختلط المشروع بغيره، والله قد تعهد بحفظ شريعته، فليس التعهد بحفظ القرآن حفظًا لحروفه فحسب، بل ويشمل ذلك الحفظ حفظ أحكامه من أن تضل الأمة عنها. ولذلك لما بيت المنافقون فضحهم الله ، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١١ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥].
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢].
فهذه الآيات تخبر النبي ﷺ بما قالوه، أو بما سوف يقولونه.
وقد ناقشت مسألة الاحتجاج بإقرار الله في كتابي موسوعة الطهارة، فارجع إليه (١).
стр. 9230
الأمر الثالث:
إعلال حديث جابر من جهة الفقه؛ لكون المفترض لا يصلي خلف المتنفل ضعيف، فقد ثبت هذا من فعل النبي ﷺ في صلاة الخوف.
قال أحمد: «مما يقوي حديث معاذ: حديث النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف بطائفتين، بكل طائفة ركعتين، ولا أعلم شيئًا يدفع هذا» (١).
وسوف أذكره دليلًا ثانيًا بعد هذا الدليل إن شاء الله تعالى.
الاعتراض الثاني: الاضطراب.
قال إبراهيم الحربى: «وسئل أحمد عن رجل صلّى في جماعة: أيؤم بتلك الصلاة؟ قال: لا. ومن صلّى خلفه يعيد. قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب … » (٢).
ولعل الاضطراب الذي أشار إليه الإمام أحمد قصد به ما وقع فيه من الاختلاف في الصلاة، أهي صلاة العشاء أم صلاة المغرب أم صلاة الفجر؟
وبالاختلاف في السورة، أهي البقرة أم النساء أم اقتربت؟
وبالاختلاف في صلاة الرجل، أصلى قبل أن يصلي معاذ، أم صلى خلف معاذ، وإذا كان صلى خلف معاذ، أبنى على ما صلى أم قطع صلاته واستأنف الصلاة؟
وبالاختلاف في اسم الرجل، أهو حرام، أم سليم، أم حزم بن أبي كعب.
وبالاختلاف في عذره، أهو لتأخر معاذ حتى غلبه النعاس، أم كونه أراد أن يسقي نخله؟ أم كونه خاف على نخله كثرة الماء.
وفي الشاكي، أهو معاذ شكاه للنبي ﷺ حتى استدعى النبي ﷺ الأنصاري، أم أن الأنصاري هو الذي شكا معاذًا؟.
ويجاب:
بأن الحكم على الحديث بالاضطراب لا يمكن القول به إلا إذا كانت هذه الوجوه المختلفة في درجة متساوية القوة لا يمكن الترجيح بينها، وليس الأمر كذلك.
стр. 9231
فكان مما دفع به هذا الاعتراض:
الأول: افتراض تعدد القصة، وهذا القول ضعيف جدًّا.
قال ابن القيم: «هذا جواب في غاية البعد عن الصواب؛ فإن معاذًا كان أفقه في دين الله من أن ينهاه رسول الله ﷺ عن شيء ثم يعود له» (١).
وأما الجواب عن الاختلاف في اسم الأنصاري:
فذلك لا يعني اضطرابًا في الحديث؛ لأن المبهم صاحب القصة، وليس الإبهام في الإسناد حتى يكون قادحًا، وسواء عرف صاحب القصة أو أبهم، فلا يتعلق بتعيينه فائدة، ولذلك كان الصحابة كثيرًا ما يتقصدون إبهام صاحب القصة، وحديث جابر في الصحيحين جاء مبهمًا. وأصح ما ورد في تسميته جاء من طريق ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، ورجاله رجال الصحيحين، وسماه أنس حرام بن ملحان، وهو خاله، والقريب أعلم بقريبه من البعيد.
وسبق تخريجه في ثنايا تخريج حديث جابر ﵁.
وجاءت تسميته سليمًا، ولا يخلو من ضعف.
(ح-٣٢٤٦) منها، ما رواه أحمد وغيره من طريق عمرو بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة الأنصاري، عن رجل من بني سِلمة، يقال له: سليم .... الحديث. وسبق تخريجه قبل قليل، وبينت أنه ضعيف؛ لانقطاعه وللاختلاف في وصله وإرساله.
(ح-٣٢٤٧) ومنها ما رواه البزار من طريق أسامة بن زيد، قال: سمعت معاذ بن عبد الله بن خبيب، قال:
سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان معاذ يتخلف عند رسول الله ﷺ ، فكان إذا جاء أم قومه، وكان رجل من بني سلمة، يقال له: سليم، يصلي مع معاذ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة، فصلى سليم وحده وانصرف، فلما جاء معاذ أخبر أن سليمًا صلى وحده، وانصرف، فأخبر معاذ ذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سليم، فسأله عن ذلك، فقال: إني رجل أعمل نهاري حتى إذا أمسيت أمسيت ناعسًا،
стр. 9232
فيأتينا معاذ، وقد أبطأ علينا، فلما احتبس عليَّ صليت، ثم انقلبت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : كيف صنعت حين صليت؟ قال: قرأت بفاتحة الكتاب وسورة، ثم قعدت، وتشهدت، وسألت الجنة، وتعوذت من النار، وصليت على النبي ﷺ ، ثم انصرفت، ولست أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: هل أدندن أنا ومعاذ إلا لندخل الجنة، ونعاذ من النار، ثم أرسل إلى معاذ: لا تكن فتانًا تفتن الناس، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا. ثم قال سليم: ستنظر يا معاذ غدًا إذا التقينا العدو، كيف تكون وأكون أنا وأنت، قال: فمر سليم يوم أحد شاهرًا سيفه، فقال: يا معاذ! تقدم، فلم يتقدم معاذ، وتقدم سليم، فقاتل حتى قتل، فكان إذا ذكر عند معاذ يقول: إن سليمًا صدق الله، وكذب معاذ (١).
[انفرد بهذه القصة أسامة بن زيد مخالفًا لرواية الصحيحين في أكثر من موضع] (٢).
стр. 9233
وأما تسميته حزم بن أبي كعب:
(ح-٣٢٤٨) فرواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا طالب بن حبيب، حدثنا عبد الرحمن بن جابر يحدث،
عن حزم بن أبي كعب: أنه أتى معاذ بن جبل وهو يصلي بقوم صلاة المغرب، في هذا الخبر، قال: فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ، لا تكن فتانًا، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر.
[ضعيف] (١).
стр. 9234
وأما الجواب عن الخلاف في الصلاة:
أهي المغرب أم هي العشاء، أم الفجر؟ فذلك ليس اضطرابًا؛ لإمكان الترجيح:
(ح-٣٢٤٩) فقد رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن محارب بن دثار،
سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: أقبل رجل من الأنصار، ومعه ناضحان له، وقد جنحت الشمس، ومعاذ يصلي المغرب، فدخل معه الصلاة، فاستفتح معاذ البقرة، أو النساء -محارب الذي يشك- فلما رأى الرجل ذلك صلى، ثم خرج، قال: فبلغه أن معاذًا نال منه -قال حجاج: ينال منه- قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ. أو فَاتِنٌ، فَاتِنٌ، فَاتِنٌ -وقال حجاج: أفاتن، أفاتن، أفاتن- فلولا قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أَخْرَجَ، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (١).
[رواه محارب عن جابر، فذكر: (صلاة المغرب)، وتابعه عمرو بن دينار من رواية حماد بن زيد، عنه، وخالفه أبو الزبير، وعبيد الله بن مقسم، وعمرو بن دينار من رواية الجماعة عنه، فقالوا: (صلاة العشاء)، وهو المحفوظ] (٢).
وأما الجواب عن الاختلاف في السورة التي قرأها معاذ:
فقيل: قرأ بهم البقرة، وفي بعضها (فافتتح بسورة البقرة).
وقيل: قرأ بسورة البقرة والنساء بالجمع.
وقيل: (استفتح بالبقرة، أو النساء) على الشك.
وقيل: (افتتح سورة البقرة، أو آل عمران).
وهذا الاختلاف كله جاء من محارب بن دثار، عن جابر.
فرواه مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر، قال: صلى معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي ﷺ : أفتانٌ يا معاذ! أما يكفيك أن تقرأ: ب ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحو هذا.
فجمع محارب بن دثار (قراءة البقرة والنساء) من رواية مسعر عنه.
ورواه شعبة، عن محارب به، وفيه: ( … فاستفتح معاذ البقرة، أو النساء -وفي المسند: محارب الذي يشك- … ).
ورواه أبو إسحاق الشيباني، عن محارب بن دثار، وفيه ( … فافتتح سورة البقرة
стр. 9237
أو آل عمران).
ورواه سفيان الثوري، عن محارب بن دثار به، (فافتتح سورة البقرة … ) من غير شك، ومن غير ذكر سورة أخرى معها، وهذه الرواية هي التي جيب أن تكون محفوظة؛ لموافقتها لرواية الجماعة عن جابر.
فصار محارب بن دثار تارة يقول: قرأ بسورة البقرة والنساء، وتارة يقول: قرأ بسورة البقرة أو النساء على الشك، وفي رواية ثالثة عنه: البقرة أو آل عمران، وفي رواية رابعة عنه يقتصر على قراءة سورة البقرة، فلم يضبط محارب بن دثار السورة التي قرأها معاذ. وسبق تخريج رواية محارب بن دثار، فأغنى ذلك عن إعادة تخريجه.
والروايات عنه تدل على عدم ضبط محارب بن دثار للسورة التي قرأها معاذ، وعدم حفظه لا يعود بالبطلان على من حفظ السورة التي قرأها معاذ، فقد رواه عمرو بن دينار، عن جابر في الصحيحين، ورواه أبو الزبير عن جابر، وذكرا أنه قرأ سورة البقرة، وهذا هو المحفوظ.
قال البيهقي في السنن الكبرى: «قال محارب بن دثار، عن جابر: المغرب، وقال عمرو بن دينار، وأبو الزبير، وعبيد الله بن مقسم عن جابر: العشاء» (١).
وقال أيضًا: «والروايات المتقدمة في العشاء أصح» (٢).
وقيل: قرأ بسورة اقتربت، ورد ذلك من حديث بريدة، وفي إسناده كلام.
(ح-٣٢٥٠) رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثنا عبد الله بن بريدة قال:
سمعت أبي بريدة يقول: إن معاذ بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، فقام رجل من قبل أن يفرغ، فصلى، وذهب، فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى الرجل النبي ﷺ فاعتذر إليه، فقال: إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء. فقال رسول الله ﷺ : صل ب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور (٣).
стр. 9238
[لم يَرْوِهِ عن بريدة إلا ابنه عبد الله، تفرد به عنه حسين بن واقد] (١).
وقال النووي: «جمع بعض العلماء بين رواية القراءة بالبقرة، والقراءة باقتربت، بأنه قرأ هذه في ركعة، وهذه في ركعة» (٢).
وهذا الجمع بعيد، فإن حديث بريدة لم يذكر في القراءة إلا سورة اقتربت، ولم يذكر البقرة، وظاهره: أنه لم يقرأ فيها غيرها، وغيره ذكر البقرة، ولم يذكر سورة اقتربت، وظاهره أنه لم يقرأ فيها غيرها.
وطريقة المتأخرين بالجمع بين الروايات للحادثة الواحدة، كما يكثر منه الحافظ في الفتح في التعامل مع الروايات المختلفة للحديث الواحد، ليست طريقة للمتقدمين من أهل الحديث، حتى قال الحافظ ﵀ في الجمع بين ما ورد من اختلاف في وقت الصلاة: إن حمل على تعدد القصة، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تم (٣).
стр. 9239
فتبين أن هذا الاختلاف يمكن الترجيح فيه أيضًا، فلا يصار إلى الاضطراب.
وأما الجواب عن الاختلاف في صلاة الرجل:
أصلى الرجل قبل أن يصلي معاذ، أم صلى خلف معاذ، وحين قطع المتابعة، أبنى على ما صلى، أم استأنف الصلاة.
أما ما ورد أنه صلى قبل أن يصلي معاذ فهذه الرواية قد انفرد بها أسامة بن زيد الليثي، ولا يحتمل تفرده، ومخالفته لرواية الصحيحين، وقد سبق تخريجه.
وأما الاختلاف، أبنى على ما صلى، أم استأنف:
فالحديث ورد بثلاثة ألفاظ:
اللفظ الأول: لفظ صريح أنه سلم في صلاته،
(ح-٣٢٥١) رواه مسلم من طريق محمد بن عباد. حدثنا سفيان، عن عمرو،
عن جابر؛ قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي، فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء. ثم أتى قومه فأمهم. فافتتح بسورة البقرة. فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف .... الحديث (١).
[انفرد فيه ابن عباد، عن ابن عيينة بذكر التسليم، وقد رواه أحد عشر راويًا عن ابن عيينة، منهم كبار أصحابه: أحمد، والحميدي، والشافعي، فلم يذكروا التسليم] (٢).
اللفظ الثاني: (أنه تجوز في صلاته) وهو يفيد أنه بنى على ما صلى، جاء هذا اللفظ من حديث جابر، ومن حديث أنس.
أما حديث جابر فقد انفرد بذلك سليم بن حيان الهذلي، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
وكل من رواه عن عمرو بن دينار لم يقل أحد منهم: (أنه تجوز في صلاته)،
فقد رواه عن عمرو بن دينار كل: من شعبة، وابن عيينة، وابن جريج، وحماد ابن سلمة، ومنصور بن زاذان، وأيوب، وهشام الدستوائي، فلم يذكر أحد منهم حرف: (تجوز في صلاته).
وأما حديث أنس ﵁، فهو وإن لم يخرج في الصحيحين، فإنه على
стр. 9240
شرطهما، فقد رواه ابن علية، عن عبد العزيز، عن أنس.
وقد خرج الشيخان بضعة أحاديث بهذا الإسناد، ولم يختلف على ابن علية في قوله: (تجوز في صلاته).
اللفظ الثالث: ألفاظ ليست صريحة، وهي رواية الأكثر في حديث جابر، فتحتمل أنه قطع، وتحتمل أنه بنى.
من هذه الألفاظ: (فتنحى رجل من خلفه فصلى).
وفي رواية: (تأخرت، فصليت).
وهذان اللفظان لا يمنعان البنى على ما صلى.
وفي رواية: (انحرف إلى ناحية المسجد فصلى وحده).
وفي رواية: (فانصرف الرجل .. )
وفي رواية: (فطوَّل بهم، فانصرف الرجل، فصلى في ناحية المسجد).
وهذه ليست صريحة بالمعارضة لقوله (تجوز)، فليحمل المحتمل من هذه الألفاظ على الصريح منها، وأن المقصود من الانصراف والتأخر: التنحي عن الصف، وأن المقصود بقوله: (فصلى) أي بنى على ما صلى، وسواء أكان بنى، أم استأنف، فإنه قطع المتابعة، ولا يلزم من قطعها إبطال ما صلاه مع معاذ.
وإذا أمكن الترجيح بين هذه الألفاظ لم يحكم له بالاضطراب.
وأما الجواب عن الاختلاف في عذر الأنصاري،
فانفرد أسامة بن زيد الليثي، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن عبد الله، بقوله في الحديث: ( … إني رجل أعمل نهاري، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعسًا، فيأتينا معاذ، وقد أبطأ علينا، فلما احتبس عليَّ صليت، ثم انقلبت إلى أهلي .... ).
وسبق لي تخريج حديث أسامة، وأن كل لفظ خالف فيه أسامة غيره، أو تفرد به في هذه القصة، مما لم يذكره غيره، ممن هم أوثق منه، فيعد شاذًّا، ومنه هذا الحرف، فقد تفرد بأنه صلى قبل قدوم معاذ، وأن الأنصاري تعذر بغلبه النعاس، فهو مخالف لكل من روى الحديث، وأنه جاء، ومعاذ يصلي، فدخل معه في الصلاة، فافتتح معاذ بسورة البقرة، فاستقل عن معاذ، فصلى، وانصرف.
стр. 9241
وأما لفظ: (إني كنت أعمل في نخل، فخفت على الماء) فهذا أيضًا لفظ حديث بريدة، رواه حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وسبق الكلام على ما تفرد به حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة مما خالف فيه غيره.
فبقيت رواية الصحيحين هي المحفوظة، رواه البخاري بلفظ: (إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا … ).
ورواه مسلم، بلفظ (إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار. وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة).
فتبين أن هذه الاختلافات في الحديث ليست متساوية في القوة، فيمكن الترجيح بينها، ويحكم للأقوى. فلا يحكم على الحديث بالاضطراب، والله أعلم.
الاعتراض الثالث:
أن هذا كان في أول الإسلام، في وقت كان مأذونًا لهم في تكرار الفريضة، ثم نسخ.
ذكر الطحاوي جوابًا على فعل معاذ، بأنه يحتمل أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ في وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإسلام، حتى نهى عنه رسول الله ﷺ (١).
وقال أحمد كما في مسائل ابن هانئ: «سألته عن حديث معاذ في الصلاة، فقال: … لا أذهب إليه، ولا يعجبني أن يجمع بين فرضين» (٢).
وكلام الإمام أحمد لم يدع أن الفرض كان يصلي مرتين ثم نسخ، إنما لم يعجبه فعل معاذ؛ لأنه يرى أن الإمام إذا صلى بالمفترض فلا يصح منه إلا أن ينوي الفريضة، ولا يصح منه ذلك إلا إذا كان لم يصل فرضه.
(ح-٣٢٥٢) لما رواه أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال:
أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال:
стр. 9242
قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١).
[أومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢).
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أين الدليل على أنه كان في أول الإسلام يجوز للمسلم أن يصلي فرضه مرتين، ثم نسخ، فحديث ابن عمر -إذا صح- غايته أنه نهى عن صلاة الفرض مرتين، وليس فيه أنه كان في أول الأمر مشروعًا ثم نسخ، بل حديث ابن عمر دليل على أن معاذًا -وهو من أفقه الصحابة- لم يكن ليصلي بقومه فرضه، حتى لا يقع في النهي عن صلاة الفرض مرتين.
قال ابن حزم: «وما كان قط مباحًا أن تُصلِّي صلاة واحدة على أنها فرض مرتين، ولا خلاف في أن الله تعالى لم يفرض ليلة الإسراء إلا خمس صلوات فقط، حاشا ما اختلفوا فيه من الوتر فقط، وصح أنه ﷺ أخبر أنه قال له: (هُنَّ خمس، وهن خمسون، ما يُبدَّل القولُ لَدَيَّ)» (٣).
الوجه الثاني: أنه نسخ بالاحتمال، ذكره ابن دقيق العيد.
يقول ابن دقيق العيد جوابًا على دعوى الطحاوي.
«وعليه اعتراض من وجهين:
أحدهما: طلب الدليل على كون ذلك كان واقعًا -أعني صلاة الفريضة في اليوم مرتين- فلا بد من نقل فيه.
والثاني: أنه إثبات للنسخ بالاحتمال» (٤).
الاعتراض الرابع: أن هذا كان في أول الإسلام؛ لقلة القراء.
وإذا كان كذلك كان فعل معاذ يُحمل على أحد حالين:
стр. 9243
أن تكون إمامة معاذ ﵁؛ لعدم وجود قارئ آخر، فيكون إمام ضرورةٍ، فتجوز معها، ولا تجوز مع غيرها.
وهذا ما أومأ إليه الإمام أحمد ﵀، حيث قال: « .... وإذا ثبت -يعني: حديث معاذ- فله معنى دقيق، لا يجوز فعله اليوم» (١).
قال ابن رجب: «وقد قيل: إن هذا المعنى الذي أشار إليه الإمام أحمد، هو أنه كان في أول الإسلام، وكان من يقرأ القرآن قليلًا، فكان يرخص لهم في ذلك» (٢).
وقال بكر بن العلاء في أحكام القرآن: «وهذا الحديث -يعني حديث معاذ- يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة، ومن يحفظ القرآن قليل» (٣).
«وقال المهلب: إنما كان ذلك أول الإسلام لعدم القراء، وإنه لم يكن للقوم عوضٌ من معاذ، ولم يكن لمعاذ عوض من النبي ﷺ . قال القاضي عياض: فكأن هؤلاء ذهبوا إلى نسخ القصة» (٤).
وتفسير القاضي عياض ليس بلازم، فقد يكون إمام ضرورة، فلو وجدت الضرورة جاز الفعل.
وهذا القول ضعيف جدًّا.
واستغرب ابن حزم كيف ينسب إلى حَيٍّ عظيم من أحياء الأنصار، و حَيٍّ آخر صغير منهم، وهم بنو سلمة، وبنو أَدَى كيف بقوا المدة الطويلة التي ذكرنا بعد إسلامهم، ولم يتعلموا سورة يصلون بها، وهم أهل العربية، والبصائر في الدين، فليعلم أنه كان فيمن يصلي في مسجد بني سلمة الذي كان يؤم فيه معاذ بن جبل ثلاثون عقبيًّا، وثلاثة وأربعون بدريًّا سوى غيرهم، أفما كان في جميع هؤلاء الفضلاء أحد يحسن من القرآن ما يصلي به؟ وكان من جملتهم: جابر بن عبد الله
стр. 9244
ووالده، وكعب بن مالك، وأبو اليسر، والحباب بن المنذر، ومعاذ، ومعوذ، وخلاد بنو عمرو بن الجموح، وعقبة بن عامر بن نابئ، وبشر بن البراء بن معرور، وجبار ابن صخر، وغيرهم من أهل العلم والفضل (١).
الحال الثانية: أن تكون إمامة معاذ ﵁؛ لكونه أحق بالإمامة في قومه من غيره؛ لكونه أقرأهم، لقول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
فعلى القول بأنه إمام ضرورة يكون تقدم معاذ واجبًا. وعلى الثاني تكون إمامة معاذ مستحبة، وإذا كان تقدمه مستحبًّا لم تكن إمامته ممنوعة؛ لأن الممنوع لا ينتهك من أجل تحصيل السنة، والله أعلم.
يقول ابن دقيق العيد: «من الاعتذار عن الحديث: ما أشار إليه بعضهم، من أن الضرورة دعت إلى ذلك؛ لقلة القراء في ذلك الوقت، ولم يكن لهم غنى عن معاذ، ولم يكن لمعاذ غنى عن صلاته مع رسول الله ﷺ ، وهذا يحتمل أن يريد به قائله معنى النسخ، فيكون كما تقدم. ويحتمل أن يريد: أنه مما أبيح بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكم بزوالها، ولا يكون نسخًا.
وعلى كل حال: فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على تعيِّن ما ذكره هذا القائل علة لهذا الفعل؛ ولأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة ليس حَافِظُه بقليل، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة: فلا يصلح أن يكون سببًا لارتكاب ممنوع شرعًا، كما يقوله هذا المانع» (٢).
فالذي يظهر لي أن تقديم معاذ بالإمامة؛ لعلمه، لا لقراءته، فهو من تقديم المستحب، وليس من إمامة الضرورة، وهو دال على جواز إمامة المتنفل للمفترض، والله أعلم.
الاعتراض الخامس:
لا يمكن الجزم بأن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ فرضه، ويصلي مع قومه نافلة، فقد يكون العكس.
قال ابن دقيق العيد: «النية أمر باطن، لا يطلع عليه إلا بالإخبار من الناوي.
стр. 9245
فجاز أن تكون نيته مع النبي ﷺ الفرض. وجاز أن تكون النفل، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما. وإنما يعرف ذلك بإخباره» (١).
قال الطحاوي: «ليس في حديث معاذ هذا أن ما كان يصليه بقومه كان نافلة له أو فريضة، فقد يجوز أنه كان يصلي مع النبي ﷺ نافلة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم فريضة، فإن كان ذلك كذلك، فلا حجة لكم في هذا الحديث. ويحتمل أنه كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، ثم يصلي بقومه تطوعًا كما ذكرتم، فلما كان هذا الحديث يحتمل المعنيين، لم يكن أحدهما أولى من الآخر، ولم يكن لأحد أن يصرفه إلى أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدلالة تدله على ذلك» (٢).
وقال المازري جوابًا عن حديث معاذ: «لم ينقل أن النبي ﵊ علم بذلك فأقره، ولو علم به فأقره، لأمكن أن يكون معاذ صلى خلف النبي ﷺ بنية النفل، وصلى بقومه بنية الفرض» (٣).
وقال ابن الجوزي جوابًا عن حديث معاذ: «هذه قضية عين، فيحتمل أن يكون معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ نافلة» (٤).
ورد هذا الاعتراض بما يلي:
الرد الأول:
(ح-٣٢٥٣) روى الشافعي، قال: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار،
عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها، هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة العشاء (٥).
[اتفق العلماء على أن (قوله: (هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة) تفرد بذلك ابن