وأما لفظ: (إني كنت أعمل في نخل، فخفت على الماء) فهذا أيضًا لفظ حديث بريدة، رواه حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وسبق الكلام على ما تفرد به حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة مما خالف فيه غيره.
فبقيت رواية الصحيحين هي المحفوظة، رواه البخاري بلفظ: (إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا … ).
ورواه مسلم، بلفظ (إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار. وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة).
فتبين أن هذه الاختلافات في الحديث ليست متساوية في القوة، فيمكن الترجيح بينها، ويحكم للأقوى. فلا يحكم على الحديث بالاضطراب، والله أعلم.
الاعتراض الثالث:
أن هذا كان في أول الإسلام، في وقت كان مأذونًا لهم في تكرار الفريضة، ثم نسخ.
ذكر الطحاوي جوابًا على فعل معاذ، بأنه يحتمل أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ في وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإسلام، حتى نهى عنه رسول الله ﷺ (١).
وقال أحمد كما في مسائل ابن هانئ: «سألته عن حديث معاذ في الصلاة، فقال: … لا أذهب إليه، ولا يعجبني أن يجمع بين فرضين» (٢).
وكلام الإمام أحمد لم يدع أن الفرض كان يصلي مرتين ثم نسخ، إنما لم يعجبه فعل معاذ؛ لأنه يرى أن الإمام إذا صلى بالمفترض فلا يصح منه إلا أن ينوي الفريضة، ولا يصح منه ذلك إلا إذا كان لم يصل فرضه.
(ح-٣٢٥٢) لما رواه أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال:
أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال:
стр. 9242
قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١).
[أومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢).
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أين الدليل على أنه كان في أول الإسلام يجوز للمسلم أن يصلي فرضه مرتين، ثم نسخ، فحديث ابن عمر -إذا صح- غايته أنه نهى عن صلاة الفرض مرتين، وليس فيه أنه كان في أول الأمر مشروعًا ثم نسخ، بل حديث ابن عمر دليل على أن معاذًا -وهو من أفقه الصحابة- لم يكن ليصلي بقومه فرضه، حتى لا يقع في النهي عن صلاة الفرض مرتين.
قال ابن حزم: «وما كان قط مباحًا أن تُصلِّي صلاة واحدة على أنها فرض مرتين، ولا خلاف في أن الله تعالى لم يفرض ليلة الإسراء إلا خمس صلوات فقط، حاشا ما اختلفوا فيه من الوتر فقط، وصح أنه ﷺ أخبر أنه قال له: (هُنَّ خمس، وهن خمسون، ما يُبدَّل القولُ لَدَيَّ)» (٣).
الوجه الثاني: أنه نسخ بالاحتمال، ذكره ابن دقيق العيد.
يقول ابن دقيق العيد جوابًا على دعوى الطحاوي.
«وعليه اعتراض من وجهين:
أحدهما: طلب الدليل على كون ذلك كان واقعًا -أعني صلاة الفريضة في اليوم مرتين- فلا بد من نقل فيه.
والثاني: أنه إثبات للنسخ بالاحتمال» (٤).
الاعتراض الرابع: أن هذا كان في أول الإسلام؛ لقلة القراء.
وإذا كان كذلك كان فعل معاذ يُحمل على أحد حالين:
стр. 9243
أن تكون إمامة معاذ ﵁؛ لعدم وجود قارئ آخر، فيكون إمام ضرورةٍ، فتجوز معها، ولا تجوز مع غيرها.
وهذا ما أومأ إليه الإمام أحمد ﵀، حيث قال: « .... وإذا ثبت -يعني: حديث معاذ- فله معنى دقيق، لا يجوز فعله اليوم» (١).
قال ابن رجب: «وقد قيل: إن هذا المعنى الذي أشار إليه الإمام أحمد، هو أنه كان في أول الإسلام، وكان من يقرأ القرآن قليلًا، فكان يرخص لهم في ذلك» (٢).
وقال بكر بن العلاء في أحكام القرآن: «وهذا الحديث -يعني حديث معاذ- يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة، ومن يحفظ القرآن قليل» (٣).
«وقال المهلب: إنما كان ذلك أول الإسلام لعدم القراء، وإنه لم يكن للقوم عوضٌ من معاذ، ولم يكن لمعاذ عوض من النبي ﷺ . قال القاضي عياض: فكأن هؤلاء ذهبوا إلى نسخ القصة» (٤).
وتفسير القاضي عياض ليس بلازم، فقد يكون إمام ضرورة، فلو وجدت الضرورة جاز الفعل.
وهذا القول ضعيف جدًّا.
واستغرب ابن حزم كيف ينسب إلى حَيٍّ عظيم من أحياء الأنصار، و حَيٍّ آخر صغير منهم، وهم بنو سلمة، وبنو أَدَى كيف بقوا المدة الطويلة التي ذكرنا بعد إسلامهم، ولم يتعلموا سورة يصلون بها، وهم أهل العربية، والبصائر في الدين، فليعلم أنه كان فيمن يصلي في مسجد بني سلمة الذي كان يؤم فيه معاذ بن جبل ثلاثون عقبيًّا، وثلاثة وأربعون بدريًّا سوى غيرهم، أفما كان في جميع هؤلاء الفضلاء أحد يحسن من القرآن ما يصلي به؟ وكان من جملتهم: جابر بن عبد الله
стр. 9244
ووالده، وكعب بن مالك، وأبو اليسر، والحباب بن المنذر، ومعاذ، ومعوذ، وخلاد بنو عمرو بن الجموح، وعقبة بن عامر بن نابئ، وبشر بن البراء بن معرور، وجبار ابن صخر، وغيرهم من أهل العلم والفضل (١).
الحال الثانية: أن تكون إمامة معاذ ﵁؛ لكونه أحق بالإمامة في قومه من غيره؛ لكونه أقرأهم، لقول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
فعلى القول بأنه إمام ضرورة يكون تقدم معاذ واجبًا. وعلى الثاني تكون إمامة معاذ مستحبة، وإذا كان تقدمه مستحبًّا لم تكن إمامته ممنوعة؛ لأن الممنوع لا ينتهك من أجل تحصيل السنة، والله أعلم.
يقول ابن دقيق العيد: «من الاعتذار عن الحديث: ما أشار إليه بعضهم، من أن الضرورة دعت إلى ذلك؛ لقلة القراء في ذلك الوقت، ولم يكن لهم غنى عن معاذ، ولم يكن لمعاذ غنى عن صلاته مع رسول الله ﷺ ، وهذا يحتمل أن يريد به قائله معنى النسخ، فيكون كما تقدم. ويحتمل أن يريد: أنه مما أبيح بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكم بزوالها، ولا يكون نسخًا.
وعلى كل حال: فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على تعيِّن ما ذكره هذا القائل علة لهذا الفعل؛ ولأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة ليس حَافِظُه بقليل، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة: فلا يصلح أن يكون سببًا لارتكاب ممنوع شرعًا، كما يقوله هذا المانع» (٢).
فالذي يظهر لي أن تقديم معاذ بالإمامة؛ لعلمه، لا لقراءته، فهو من تقديم المستحب، وليس من إمامة الضرورة، وهو دال على جواز إمامة المتنفل للمفترض، والله أعلم.
الاعتراض الخامس:
لا يمكن الجزم بأن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ فرضه، ويصلي مع قومه نافلة، فقد يكون العكس.
قال ابن دقيق العيد: «النية أمر باطن، لا يطلع عليه إلا بالإخبار من الناوي.
стр. 9245
فجاز أن تكون نيته مع النبي ﷺ الفرض. وجاز أن تكون النفل، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما. وإنما يعرف ذلك بإخباره» (١).
قال الطحاوي: «ليس في حديث معاذ هذا أن ما كان يصليه بقومه كان نافلة له أو فريضة، فقد يجوز أنه كان يصلي مع النبي ﷺ نافلة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم فريضة، فإن كان ذلك كذلك، فلا حجة لكم في هذا الحديث. ويحتمل أنه كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، ثم يصلي بقومه تطوعًا كما ذكرتم، فلما كان هذا الحديث يحتمل المعنيين، لم يكن أحدهما أولى من الآخر، ولم يكن لأحد أن يصرفه إلى أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدلالة تدله على ذلك» (٢).
وقال المازري جوابًا عن حديث معاذ: «لم ينقل أن النبي ﵊ علم بذلك فأقره، ولو علم به فأقره، لأمكن أن يكون معاذ صلى خلف النبي ﷺ بنية النفل، وصلى بقومه بنية الفرض» (٣).
وقال ابن الجوزي جوابًا عن حديث معاذ: «هذه قضية عين، فيحتمل أن يكون معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ نافلة» (٤).
ورد هذا الاعتراض بما يلي:
الرد الأول:
(ح-٣٢٥٣) روى الشافعي، قال: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار،
عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها، هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة العشاء (٥).
[اتفق العلماء على أن (قوله: (هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة) تفرد بذلك ابن
стр. 9246
جريج، فبعض العلماء عد ذلك زيادة ثقة؛ لأنه مقدم في ابن دينار، وأعله بعضهم؛ لأن جماعة رووه عن عمرو بن دينار، فلم يذكروها، كما رواه جماعة عن جابر، فلم يذكروا فيه هذا الحرف، وهو الحق] (١).
الرد الثاني:
قال الخطابي: «لا يجوز على معاذ أن يدرك الفرض، وهو أفضل العمل مع أفضل الخلق، فيتركه، ويضيع حظه منه، ويقنع من ذلك بالنفل الذي لا طائل فيه.
ويدل على فساد هذا التأويل: قول الراوي كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء، والعشاء هي صلاة الفريضة» (١).
وقال ابن عبد البر: «محال أن يرغب معاذ عن الصلاة الفريضة مع رسول الله ﷺ لصلاته مع قومه، وهو يعلم فضل ذلك، وفضل صلاة الفريضة في مسجد رسول الله ﷺ وخلفه ﷺ » (٢).
وأجيب:
«يجوز أن يكون النبي ﷺ أمره أن يؤم قومه، ويصلي بهم الفرض، فكان امتثاله لأمره أفضل من أداء فرضه معه».
ورد هذا الجواب:
هذا من باب التجويز، فتارة تردون فعل معاذ بالقول بأن النبي ﷺ لم يعلم به، ولم يُقرَّه، وتارة تردونه بأنه يجوز أن يكون فعل معاذ هذا بأمر من النبي ﷺ ، وكل ذلك لا يستقيم في الاستدلال، ولم يقم دليل أن معاذًا كان يصلي خلف النبي ﷺ نفله، ويصلي بقومه فرضه، فالأصل في فعل معاذ أنه صلى فرضه، وأعاده مع قومه، وإذا أعاد الرجل فرضه لسبب من الأسباب فالإعادة تكون نافلة، لا فرق في إعادة الفرض بين الإمام والمأموم، وبهذا صحت صلاة المفترض خلف المتنفل، والله أعلم.
الرد الثالث:
قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
ويقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
стр. 9252
فكيف يظن بمعاذ، وهو من أفقه الصحابة، أن يضيع فرض صلاته الذي قد تعين عليه، فيترك أداءه، ويشتغل بالتنفل، وصلاة الفرض قد أقيمت، لا سيما مع رسول الله ﷺ ، فليت شعري، إلى من كان يؤخر معاذ صلاة فرضه حتى يصليها معه راغبًا عن أن يصليها مع رسول الله ﷺ (١).
وأجيب على هذا:
جاء في إحكام الأحكام: «يمكن أن يقال فيه: إن المفهوم أن لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور: وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور منتف مع الاتفاق في الصلاة المقامة. ويؤيد هذا: الاتفاق من الجمهور على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض، ولو تناوله النهي المستفاد من النفي: لما جاز جوازًا مطلقًا» (٢).
ويرد على هذا:
بأن الرجل إذا لم يصلِّ فرضه، وسمع الإقامة ولو كان خارج المسجد كان مأمورًا بالسعي إلى المسجد؛ لأداء المكتوبة، فكيف يتصور أن معاذًا يتمكن من أداء الفريضة، ولا يصلِّيها.
قال ﷺ : إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. متفق عليه.
فالزعم أن معاذًا لم يصلِّ فرضه يحتاج إلى حجة قاطعة، لا نزاع فيها، وليس من قبيل الاحتمال.
انتهيت من مناقشة الدليل الأول على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وما ورد عليه من اعتراضات ومناقشات، وأنتقل إلى دليلهم الثاني.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٥٤) فقد روى مسلم من طريق يحيى (هو ابن أبي كثير)، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
стр. 9253
أن جابرًا أخبره أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات. وصلى بكل طائفة ركعتين (١).
ورواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن الحسن،
عن أبي بكرة، أنه قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين، ثم سلَّم، فتأخروا، وجاء آخرون، فكانوا في مكانهم فصلى بهم ركعتين، ثم سلَّم، فصار للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان (٢).
[صحيح] (٣).
فصلاة النبي ﷺ بالطائفة الثانية ركعتين كانت له نفل، وكانت لهم فريضة.
فرواية الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة ذكر أن النبي ﷺ سلم مرتين مرة مع الطائفة الأولى، ومرة مع الطائفة الأخرى.
ولم يصلَّ النبي قط صلاة الخوف في الحضر، وإذا صلاها مسافرًا فقد صلاها قصرًا، وهو المشروع في حق المصلِّي، والقصر للمسافر عزيمة عند الحنفية، وليس رخصة إلا أن يقتدي بمقيم. وبناء عليه إذا لم يذكر السلام في رواية مسلم فللعلم به.
стр. 9257
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٥٥) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (١)، فقال:
كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُقَرُّ في صدري … وفيه: فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وَبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (٢).
وجه الاستدلال:
قدم الصحابة هذا الصبي لإمامتهم وهو ابن ست أو سبع سنين، وصلاته نفل، ومن خلفه من المكلفين صلاتهم فريضة، فصحت إمامة المتنفل للمفترض، وقد اعترض على الحديث باعتراضات، نقلتها وناقشتها في إمامة الصبي، انظره في المجلد السابق دفعًا للتكرار، فلله الحمد.
(ث-٨٢٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبدة عن هشام
عن أبيه، قال: لما قدم الأشعث قدم غلامًا، فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته، ولكني قدمت القرآن.
стр. 9258
[صحيح إن ثبت سماع عروة من الأشعث] (١).
فقدمه؛ لكونه الأقرأ، وإن كان في القوم قارئ تصح به الصلاة.
وكونهم عابوا ذلك عليه، لا دليل فيه على أن الصلاة خلفه لا تصح، ولذلك لم يطلبوا منه تنحيته، ولا إعادة الصلاة لمن صلى خلفه، ولكن رأوا العيب في تقديم الصبي، وفي الناس من هو أكبر منه، ويحسن قراءة القرآن.
وقال ابن رجب: «ولعل الغلام هاهنا أريد به العبد، لا الصبي» (٢).
الدليل الرابع:
أنهما صلاتان متفقتان في الأفعال، يجوز الانفراد بكل واحد منهما، فجاز أن يؤدي إحداهما خلف الأخرى؛ قياسًا على فرضين متفقتين كالظهر والعصر، أو نفل خلف فرض، وفيه احتراز عن الجمعة خلف من يصلي الفرض؛ لأن الانفراد لا يجوز، ومن الظهر خلف من يصلي صلاة الكسوف، أو صلاة الجنازة؛ لأنهما مختلفتان في الأفعال (٣).
الراجح:
صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وقد قال به جمهور من السلف، وإن كان خلاف قول جمهور الفقهاء، والله أعلم.
стр. 9259
المبحث الثاني في صلاة المتنفل خلف المفترض
المدخل إلى المسألة:
قال ﷺ : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فللإمام نيته، وللمأموم نيته، لا تعلق لإحداهما بالأخرى.
شروط العبادة توقيفية، ولم يأت قط: قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس يوجب اتفاق نية الإمام والمأموم.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فتكليف المأموم موافقة نية إمامه في نوع الصلاة، ليس في وسعه؛ لأن النية لا يطلع عليها إلا الله، فلا يكلف الإمام ولا المأموم العلم بنية الآخر.
صلاتان متفقتان في الأفعال، فجاز أن يؤدي إحداهما خلف الأخرى.
الاختلاف على الإمام بالنية، لا يختلف فيه ترتيب الصلاة، فلا يكون فيه قطعًا ظاهرًا للقدوة.
الإمام المفترض معه نية الصلاة ونية الفريضة، والمتنفل ليس معه إلا نية الصلاة، فكانت نية الإمام متضمنة لنية المأموم وزيادة، فلا يضر اختلاف النية.
أمر النبي ﷺ الرجل بإعادة الفرض لسبب من الأسباب، كالصدقة على المنفرد، وإقامة الصلاة، والرجل في المسجد، أو لأنه أدرك الصلاة مع الأئمة الذين يؤخرونها عن وقتها، وقضى بأن الإعادة تكون نافلة، وهي من صلاة المفترض خلف المتنفل.
[م-١٠٦٢] اختلف العلماء في صحة صلاة المتنفل خلف المفترض:
стр. 9260
فقيل: تصح، وهو مذهب الأئمة الأربعة، إلا أن المالكية أجازوه مع الكراهة (١).
وقيل: لا تصح، وبه قال الزهري، والحسن البصري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
ونسب الماوردي هذا القول رواية عن مالك، وتبعه البغوي، والنووي من الشافعية، ولا يصح نسبة هذا القول للإمام مالك (٢).
стр. 9261
ولعل الماوردي أخذ ذلك من كلام للخطابي ليس صريحًا.
قال الخطابي: «قال مالك إذا اختلفت نية الإمام والمأموم في شيء من الصلاة لم يعتد المأموم بما صلى معه، واستأنف، وكذلك قال الزهري وربيعة» (١).
ففهموا من عموم قول مالك أن ذلك يشمل المتنفل خلف المفترض، وليس هذا مذهبًا للإمام مالك.
وأصحاب مالك ينقلون الإجماع على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، كاللخمي في التبصرة، وابن العربي في أحكام القرآن، وابن عبد البر في التمهيد، وغيرهم، وسوف أنقل لك عباراتهم في الأدلة إن شاء الله تعالى.
قال ابن دقيق العيد: «ومن نقل عن مذهب مالك، أنه لا يجوِّز اختلاف النيات، حتى لا يصلي المتنفل خلف المفترض، فليس بجيد، فليعلم ذلك» (٢).
وما نسبه الخطابي والماوردي للزهري وربيعة لم أقف عليه مسندًا عنهما، والمحفوظ عن الزهري مسندًا أنه منع المصلي أن يصلي فرضًا خلف من يصلِّي فرضًا آخر.
(ث-٨٢٣) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر،
عن الزهري في رجل دخل مع قوم يصلون العصر، وهو يظن أنها الظهر، قال: يصلي الظهر، ثم يصلي العصر، ولا يعتد بما صلَّى حتى يقدِّم ما قدَّم الله.
[صحيح] (٣).
فإن كان قول الزهري أخذ من قوله هذا، ففيه مجال للنظر؛ لأن الجمهور الذين صححوا صلاة المتنفل خلف المفترض يمنعون من صلاة الظهر خلف من يصلي العصر.
ونسب النووي هذا القول لأبي قلابة، وليس صريحًا عنه.
стр. 9262
(ث-٨٢٤) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن خالد،
عن أبي قلابة، لا تجزئ صلاة واحدة عن قَوْمَيْنِ شتى [وفي بعض النسخ: شيئًا] (١).
ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، لا تكون صلاة واحدة لشتى.
[صحيح] (٢).
وما قلته في قول الزهري أقوله في قول أبي قلابة،
قال إسحاق بن منصور في مسائله: قلت: قال سفيان: لو أنَّ رجلًا نسي الظهرَ فرأى قومًا يصلون الظهر مِنَ الغدِ، فذكر ما نسي؟.
قال: لا يدخل معهم يصليها وحده. وكان يقول: لا تكون صلاة واحدة لشتى.
قال الإمام أحمد ﵀: يُصلي معهم (٣).
فهذا الإمام أحمد لا يرى صحة صلاة المفترض خلف المتنفل في أصح الروايتين عنه، ولا يمنع من صلاة القضاء خلف الأداء، والمتنفل خلف المفترض، فما لم أقف على المنع صريحًا عن هؤلاء لا يمكن الجزم بنسبة هذا القول لهم، ولا يصح تخريج القول عنهم بالقياس على قول عام في بعض المسائل، فالجمهور يمنعون من الاختلاف على الإمام في النية، ويقولون بصحة صلاة المتنفل خلف المفترض عملًا بالنصوص الصريحة، حتى حكي إجماعًا، وألفاظ العلماء لا تعامل كألفاظ الشارع، فالعموم في النصوص الشرعية مرادة للشارع؛ لأنها من لدن حكيم عليم، وأما العلماء فقد يطلق العموم ويريد أكثر الأفراد، لا عمومها، ولفظه ليس معصومًا، والله أعلم.
دليل الجمهور على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض:
الدليل الأول:
لم يأت قط: قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس: يوجب اتفاق نية الإمام والمأموم، وكل شريعة لم يوجبها مثل ذلك، فهي غير واجبة (٤).
стр. 9263
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٥٦) روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٥٧) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (٢).
[صحيح] (٣).
(ح-٣٢٥٨) وروى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بُسْرُ بن مِحْجَنٍ،
عن أبيه مِحْجَنٍ، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى. يا رسول الله. ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصلِّ
стр. 9264
مع الناس، وإن كنت قد صليت (١).
[حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أمر النبي ﷺ الرجل إذا صلى فرضه في بيته، ثم أدرك الصلاة مع الناس، أن يصلي معهم، وتكون له نافلة، فدلَّ على صحة المتنفل خلف المفترض.
الدليل الرابع:
(ح-٣٢٥٩) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (٣).
[صحيح] (٤).
الدليل الخامس:
من الإجماع، قال الطحاوي: «رأيناهم لم يختلفوا أن للرجل أن يصلي تطوعًا خلف من يصلي فريضة» (٥).
وقال ابن عبد البر: «أجمعوا أنه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء» (٦).
وقال اللخمي: «ولا خلاف أنه يجوز أن يصلي متنفل خلف مفترض» (٧).
وقال ابن العربي: «اتفاق الأمة على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض» (٨).
стр. 9265
وقال بكر بن العلاء: «أجمعنا على أن من دخل المسجد، وقد صلى في بيته، أنه يصلي مع الناس، وصلاته تطوع» (١).
ونقل الإجماع ابن قدامة في المغني، وعبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير، وغيرهم (٢).
دليل من قال: لا تصح صلاة المتنفل خلف المفترض:
(ح-٣٢٦٠) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث، وقد رواه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (فلا تختلفوا عليه)، فالنهي عن الاختلاف على الإمام مطلق، يشمل الاختلاف عليه في النية وفي الفعل، فكما لا يختلف عليه في القيام الركوع والسجود، والجلوس، لا يختلف عليه في جنس الصلاة، فلا ينوي صلاة تخالف صلاة الإمام، فلا يصلي فرضًا خلف من يصلي فرضًا آخر، ولا نفلًا خلف من يصلي فرضًا آخر، فقد اختلفت نية المأموم عن نية الإمام.
ويجاب عنه بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
لا نسلم أن في الحديث دلالة على منع اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن قول النبي ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، فدل على أن المقصود بالحديث النهي عن الاختلاف عليه في الأفعال، فلا يدخل فيه الاختلاف بالنية بين الإمام والمأموم، كما لو كان أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا.
стр. 9266
الجواب الثاني:
لو سلمنا أن قوله: (فلا تختلفوا عليه) يعم الاختلاف عليه في النية والفعل، فقد وردت نصوصٌ كثيرة تدل على أن الاختلاف في النية لا يشمله النهي، ذكرتها في أدلة الجمهور، كحديث أبي سعيد: (من يتصدق على هذا)، وحديث يزيد بن الأسود، (صليا معهم تكن لكم نافلة)، وحديث أبي ذر في الصلاة خلف الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، حتى حكي إجماعًا، فهذه النصوص الخاصة إما أنها مفسرة لما أجمل من قوله: (فلا تختلفوا عليه)، أو أنها مقيدة لما أطلق، وقد قال أهل الأصول: إن المقيد والخاص مقدمان في الدلالة على المطلق والعام، فالخاص دلالته قطعية، وهما دلالتهما ظنية.
وقد ناقشت دلالة قوله: (فلا تختلفوا عليه) على الاختلاف على الإمام في النية في المسألة التي قبل هذا، فارجع إليه غير مأمور.
الراجح:
جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، والعكس.
стр. 9267
المبحث الثالث في صلاة المفترض خلف من يصلي فرضًا آخر
المدخل إلى المسألة:
انظر: مدخل المسألتين السابقتين.
[م-١٠٦٣] اختلف العلماء في رجل يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، أو المغرب.
فقيل: لا يصح الاقتداء، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
قال القدوري في التجريد: «ولا يجوز لمصلي الفرض أن يقتدي بمصلي فرض آخر» (٢).
وقال خليل: الثالث: -يعني: من شروط الاقتداء- أن يتحد الفرضان في ظهرية أو غيرها» (٣).
وقيل: يصح الاقتداء، بشرط توافق نظم الصلاتين في الأفعال الظاهرة في القيام والركوع والسجود، وإن اختلفا في عدد الركعات، فإن اختلفت أفعال الصلاتين،
стр. 9268
كمكتوبة وكسوف، أو مكتوبة وجنازة لم تصح القدوة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية،، ورواية عن أحمد، ورجحها ابن قدامة، وابن تيمية، وبه قال ابن حزم (١).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل، فإنه نوع من اختلاف النية بين صلاة الإمام والمأموم، فالمأموم نوى صلاة خلاف صلاة الإمام.
فمن منع قال: هذا من الاختلاف على الإمام، وقد نهينا عن الاختلاف عليه بقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
ومن أجاز قال: إن المنهي عنه هو الاختلاف في الأفعال الظاهرة، دون النيات، واستدل بحديث معاذ، وبإمامة عمرو بن سَلِمة لقومه، وهو صبي، وصحة صلاة المتنفل خلف المفترض، وحكي إجماعًا، وبأدلة أخرى ذكرتها في المسألة المشار إليها، فارجع إليها غير مأمور.
стр. 9269
المبحث الرابع في صلاة الأداء خلف القضاء أو العكس
المدخل إلى المسألة:
انظر: المدخل في مسألتي: اقتداء المفترض بالمتنفل، واقتداء المتنفل بالمفترض فقد استوعبت المسألتان جميع ما تفرع عنهما من وجوه اختلاف المأموم على الإمام بالنية في الصلاة.
[م-١٠٦٤] اختلف العلماء في الرجل يصلي أداءً خلف من يقضي الصلاة، كما لو صلى ظهر اليوم في وقتها خلف من يصلي ظهر الأمس، وبالعكس، كما لو صلى ظهر الأمس خلف من يؤدي ظهر اليوم في وقتها.
فقيل: لا تصح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن الإمام أحمد، نقلها صالح (١).
قال بهرام المالكي: «شَرْطٌ في الاقتداء: أن تتحد صلاتا الإمام والمأموم في الأداء والقضاء، فلا يصلي فائتة خلف من يصلي وقتية، ولا العكس» (٢).
وقيل: تصح الصلاة، وكذا لو قضى ظهر يوم خلف ظهر يوم آخر، وهو مذهب الشافعية، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليه، وهي المذهب، واختيار الخلال، وقال: المذهب عندي في هذا رواية واحدة، وغلط من نقل غيرها،
стр. 9270
واختاره ابن حزم (١).
قال ابن الملقن: «قال الشافعي: لا يضر اختلاف النية، فتصح قدوة المؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل، وبالعكس، وجعل الحديث مخصوصًا بالأفعال الظاهرة (٢).
وقال النووي في المنهاج: «وتصح قدوة المؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل، وفي الظهر بالعصر وبالعكوس» (٣). أي: بعكس كل ما ذكر.
وقال في الفروع: «ويصح ائتمام مُؤَدٍّ صلاةً بقاضيها، وعكسه، وَقَاضٍ ظهرَ يوم بقاضٍ ظهرَ آخرَ» (٤).
وقيل: لا يصح الأداء خلف القضاء، ويصح العكس، وهو رواية عن الإمام أحمد (٥).
وجه التفريق:
أن الإمام يجب أن يكون أكمل من المأموم، فلا يصح الأداء خلف القضاء؛ لنقصان القضاء عن الأداء.
والاختلاف في هذه المسألة فرع عن الاختلاف في النية بين الإمام والمأموم، وهل يشترط اتحاد نية الإمام ونية المأموم بالصلاة؟.
فهناك من يشترط اتحادهما مطلقًا، فلو اختلفت الصلاة ذاتًا كالظهر خلف
стр. 9271
العصر، أو اختلفت وصفًا كالقضاء خلف الأداء، أو العكس، لم تصح، وهذا مذهب الحنفية والمالكية؛ للنهي عن الاختلاف على الإمام بقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) ..
وهناك من لا يشترط اتحاد الصلاتين مطلقًا كالشافعية ورواية عن أحمد، ويحملون النهي عن الاختلاف على الإمام بالاختلاف في الأفعال، فلا يدخل فيه الاختلاف في النيات.
وتوسط الحنابلة في المشهور، فمنعوا من الصلاة، إذا اختلف الفرض ذاتًا، فلا يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل، وصححوا الصلاة إذا اختلف الفرض وصفًا، كالقضاء خلف الأداء، والعكس.
وعللوا ذلك: بأن الاختلاف ليس في النية، ولا في التعيين، ولكن في الوقت، وذلك لا تتوقف صحة الصلاة عليه.
ولأن من ظن خروج الوقت، فصلى بنية القضاء، ثم بان أن الوقت لم يخرج، أو ظن بقاء الوقت، فصلى بنية الأداء، فبان أن الوقت قد خرج، صحت صلاته، فدل على أن نية الأداء أو نية القضاء ليست بشرط لصحة الصلاة.
وانظر أدلة هذه المسألة في مسألتي: اقتداء المفترض بالمتنفل، واقتداء المتنفل بالمفترض، فقد استوعبت المسألتان جميع أدلة ما تفرع عنهما من وجوه اختلاف المأموم على الإمام بالنية في الصلاة، والله أعلم.
стр. 9272
الشرط الثالث مراعاة المأموم للموقف الشرعي في الصلاة
المبحث الأول موقف المأموم إذا كان واحدًا
المدخل إلى المسألة:
موقف المأموم الواحد لا يمكن أن يتقدم على الإمام؛ لأنه تابع، فلا يتقدم على متبوعه، ولا يقف الفذ الذكر خلف الإمام، فلم يبق إلا أن يقف محاذيًا للإمام.
السنة وقوف الذكر الواحد عن يمين الإمام، والأنثى خلفه.
وقوف الواحد عن يسار الإمام خلاف السنة، ولا يبطل صلاته.
إدارة الرسول ﷺ لابن عباس وجابر بن عبد الله من يساره إلى يمينه دليل على أنه هو الموقف المختار، ولا يفيد الوجوب؛ لأن أفعال النبي ﷺ على الاستحباب ما لم تكن بيانًا لمجمل.
إذا وقف الواحد عن يمين الإمام أداره الإمام من وراء ظهره ولا يديره من أمامه حتى لا يمر بين يدي الإمام أو يتقدم عليه، وذلك ممنوع منه.
الحركة اليسيرة في الصلاة لتحصيل مستحب مطلوبة، ولا تبطل الصلاة.
لا أعلم دليلًا صحيحًا على بطلان صلاة المأموم الواحد إذا وقف عن يسار الإمام، والأصل صحة صلاته، ولا تبطل إلا بدليل.
السنة في موقف الإمام أن يتقدم على المأموم، تركت هذا السنة مع المأموم الفذ ليقف بجنب الإمام؛ لأن المأموم لا يكون فذًّا، لا خلف الإمام، ولا خلف الصف.
[م-١٠٦٥] اتفق الأئمة الأربعة على أن المأموم الواحد إن كان ذكرًا وقف عن
стр. 9273
يمين الإمام رجلًا كان أو غلامًا، وإن كانت أنثى، وقفت خلفه، ولو كان مَحْرَمًا (١).
فإن وقف الواحد عن يساره، أدراه الإمام من خلفه إلى يمينه.
قال ابن رشد: «اتفق جمهور العلماء على أن سنة الواحد المنفرد أن يقوم عن يمين الإمام» (٢).
وقال سعيد بن المسيب: يقوم عن يساره (٣).
وقال إبراهيم النخعي: «يقف الواحد وراء الإمام، فإن جاء أحد وقف معه، فإن ركع الإمام، ولم يجيء أحد، تقدم، فوقف عن يمينه» (٤).
حجة سعيد بن المسيب أن الفذ يقف عن يسار الإمام:
(ح-٣٢٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر
стр. 9274
أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١).
[جلوس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر، تفرد به أبو معاوية عن الأعمش قال البخاري: وزاد أبو معاوية: جلس عن يسار أبي بكر].
قال ابن رشد: «أراه تأول أن النبي ﵇ ائتم بأبي بكر إذ خرج في مرضه الذي توفيه، وهو يصلي بالناس، كما تأول مالك».
يريد أن النبي ﷺ قام عن يسار أبي بكر ﵁ في صلاته في مرض موته، وكان الإمام أبا بكر على أحد القولين؛ لأن النبي ﷺ منع أبا بكر من التأخر في الصف إبقاء لإمامته، وإلا فالتبليغ عنه لا يحتاج فيه أن يصف بجانبه مخالفًا سنة الإمام في التفرد إذا كان الجماعة أكثر من اثنين، ورؤية أفعال الإمام، وهو خلفه أهون من رؤية أفعاله، وهو بجانبه خاصة إذا كان الإمام قاعدًا، والمبلغ واقفًا.
وقال المازري: «وأما ابن المسيب فإنه يتعلق بكون النبي ﷺ عن يسار أبي بكر في الصلاة التي كانت في مرضه ﷺ ، فإنا قد قدمنا اختلاف الرواة في كون أبي بكر ﵁ في تلك الصلاة إمامًا، على أن تلك القصة لو ثبت كون أبي بكر إمامًا فيها، لكان مقام النبي ﷺ إلى جنب أبي بكر من خصائصه التي لا تتعدى إلى غيره فلا تكون حجة لما قاله ابن المسيب» (٢).
وقد تكلمت على هذه المسألة، والخلاف فيها، أكان النبي ﷺ هو الإمام، أم كان الإمام أبا بكر ﵁؟ وما ذكر أن النبي ﷺ وقف عن يسار أبي بكر، أهو
стр. 9275
محفوظ في الحديث أم شاذ؟ فلا حاجة إلى إعادة البحث هنا (١).
وجه قول إبراهيم النخعي:
أن الإمام مظنة الاجتماع، فاعتبر في موقف المأموم أن يقف خلفه حتى يظهر خلاف ذلك، ولا يتحقق خلاف ذلك إلا إذا حان ركوع الإمام، ولم يجيء أحد، ففي هذه الحالة له أن يتقدم، فيقف عن يمين الإمام.
قال ابن حجر: «وهو حسن، لكنه مخالف للنص، وهو قياس فاسد. ثم ظهر لي أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظن ظنًّا قويًّا مجيء ثان.
وقد روى سعيد بن منصور أيضًا عنه، قال: ربما قمت خلف الأسود وحدي، حتى يجيء المؤذن» (٢). اه نقلًا من الفتح.
عفا الله عن الحافظ ابن حجر كيف يكون حسنًا، وهو مخالف للنص؟ إلا أن يريد أن هذا حسن، وموافقة النص أحسن، ويكفي أن ابن حجر سماه قياسًا فاسدًا؛ لأنه نظر في مقابل النص.
قال النووي عن مذهب سعيد والنخعي: «وهذان المذهبان فاسدان، ودليل الجمهور حديث ابن عباس، وحديث جابر، وغيرهما» (٣).
أدلة الجمهور على استحباب وقوف الفذ عن يمين الإمام:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٦٢) روى البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن الحكم قال: سمعت سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄ قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة، فصلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، فجئت، فقمت
стр. 9276
عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات … الحديث (١).
(ح-٣٢٦٣) وروى مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة ابن الوليد بن عبادة بن الصامت،
عن جابر بن عبد الله، قال: جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه .... الحديث (٢).
فإدارة الرسول ﷺ لابن عباس إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان المأموم واحدًا.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٦٤) وروى مسلم من طريق شعبة، عن عبد الله بن المختار، سمع موسى بن أنس يحدث،
عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته. قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا (٣).
فاشتمل حديث أنسٍ على كشف موقف الواحد: الذكر والأنثى.
الدليل الثالث:
من الإجماع، قال النووي: «وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فهم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه» (٤).
وجاء في البيان والتحصيل: «وسئل عن الرجل يصلي في منزله المكتوبة،
стр. 9277
أيصليها بزوجته وحدها؟ قال: نعم، وتكون وراءه.
قال محمد بن رشد: … هذا مما أجمع عليه العلماء، ولم يختلفوا فيه؛ لأن من سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال، وخلف الإمام، لا في صف واحد معه، ولامعهم، واحدة كانت، أو ثنتين، أو جماعة» (١).
فإن صلى الواحد عن يسار الإمام:
فقال الجمهور: صلاته صحيحة مع الكراهة، وهو رواية عن أحمد (٢).
قال النووي: صحت صلاته عندنا بالاتفاق (٣).
وذهب الحنابلة في المعتمد إلى بطلان صلاته إن صلى عن يسار الإمام ركعة فأكثر مع خلو يمينه (٤).
قال ابن مفلح في الفروع: «ومن صلى عن يساره ركعة فأكثر، مع خلو يمينه، لم يصح» (٥).
وجه قول الجمهور:
حديث ابن عباس المتفق عليه المتقدم، وفيه: (فجئت، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات … ) الحديث (٦).
فلو كانت الصلاة عن يسار الإمام لا تصح لما صحت التحريمة، فإذا صح
стр. 9278
جزء من الصلاة صحت الصلاة.
وأجيب:
بأن ما فعله الإمام قبل الركوع لا يُؤَثِّر، فالإمام يحرم قبل المأمومين، ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم، وكذلك المأمومون يحرم أحدهم قبل الباقين فلا يضر، ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة (١).
وجه قول الحنابلة:
أن النبي ﷺ أدار ابن عباس وجابرًا لما وقفا عن يساره، فلولا أنه لا يصح لما ارتكب في صلاته هذه الحركة الكثيرة، وكان بالإمكان تعليمه بعد الصلاة بالأفضل.
ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدامه.
وتعقب بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن إدارة النبي ﷺ لابن عباس ولجابر ﵃ فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، والحركة اليسيرة في الصلاة إذا كانت لتحصيل مستحب فهي مطلوبة، كالحركة في الصف والانتقال من صف إلى آخر لسد خلل أو سد فرجة.
الوجه الثاني:
بأن النبي ﷺ ردَّ جابرًا وجبارًا إلى ورائه مع صحة صلاتهما إلى جانبيه، فكونه رد ابن عباس إلى يمينه لا يدل على أن الفعل واجب.
الوجه الثالث:
قياس الصلاة عن يسار الإمام بالتقدم عليه قياس مع الفارق، فإن التقدم على الإمام ليس مكانًا للمأموم مطلقًا، وأما الوقوف عن يسار الإمام فهو مكان للمأموم بدليل أن الحنابلة يصححون الوقوف عن يسار الإمام إذا وقف الإمام في الوسط.
стр. 9279
الراجح:
قول الجمهور، وأن وقوف المأموم الواحد عن يسار الإمام خلاف السنة، ولا تبطل به صلاته.
стр. 9280
المبحث الثاني في موقف المأموم إذا كان أكثر من واحد
المدخل إلى المسألة:
لا يشرع الوقوف جانب الإمام إلا أن يكون المأموم فذًّا؛ فإنه لا صلاة لفذٍّ خلف الإمام، ولا خلف الصف في أصح قولي أهل العلم.
مخالفة الموقف المشروع للمأموم في الصلاة لا يفسد الصلاة، إلا أن يتقدم المأموم على إمامه بلا حاجة.
وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام من سنن الصلاة، فلو صلوا عن يمين الإمام، أو عن جنبيه صحت صلاتهم، وخالفوا سنة الصلاة.
[م-١٠٦٦] اتفق الأئمة الأربعة على أن الثلاثة فأكثر يقفون خلف الإمام.
قال ابن مفلح في الفروع: يستحب وقوف الجماعة خلف الإمام (و) يعني: وفاقًا للأئمة (١).
واختلفوا في الاثنين:
فقيل: يقفان خلف الإمام، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢).