عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات … الحديث (١).
(ح-٣٢٦٣) وروى مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة ابن الوليد بن عبادة بن الصامت،
عن جابر بن عبد الله، قال: جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه .... الحديث (٢).
فإدارة الرسول ﷺ لابن عباس إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان المأموم واحدًا.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٦٤) وروى مسلم من طريق شعبة، عن عبد الله بن المختار، سمع موسى بن أنس يحدث،
عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته. قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا (٣).
فاشتمل حديث أنسٍ على كشف موقف الواحد: الذكر والأنثى.
الدليل الثالث:
من الإجماع، قال النووي: «وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فهم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه» (٤).
وجاء في البيان والتحصيل: «وسئل عن الرجل يصلي في منزله المكتوبة،
стр. 9277
أيصليها بزوجته وحدها؟ قال: نعم، وتكون وراءه.
قال محمد بن رشد: … هذا مما أجمع عليه العلماء، ولم يختلفوا فيه؛ لأن من سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال، وخلف الإمام، لا في صف واحد معه، ولامعهم، واحدة كانت، أو ثنتين، أو جماعة» (١).
فإن صلى الواحد عن يسار الإمام:
فقال الجمهور: صلاته صحيحة مع الكراهة، وهو رواية عن أحمد (٢).
قال النووي: صحت صلاته عندنا بالاتفاق (٣).
وذهب الحنابلة في المعتمد إلى بطلان صلاته إن صلى عن يسار الإمام ركعة فأكثر مع خلو يمينه (٤).
قال ابن مفلح في الفروع: «ومن صلى عن يساره ركعة فأكثر، مع خلو يمينه، لم يصح» (٥).
وجه قول الجمهور:
حديث ابن عباس المتفق عليه المتقدم، وفيه: (فجئت، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات … ) الحديث (٦).
فلو كانت الصلاة عن يسار الإمام لا تصح لما صحت التحريمة، فإذا صح
стр. 9278
جزء من الصلاة صحت الصلاة.
وأجيب:
بأن ما فعله الإمام قبل الركوع لا يُؤَثِّر، فالإمام يحرم قبل المأمومين، ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم، وكذلك المأمومون يحرم أحدهم قبل الباقين فلا يضر، ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة (١).
وجه قول الحنابلة:
أن النبي ﷺ أدار ابن عباس وجابرًا لما وقفا عن يساره، فلولا أنه لا يصح لما ارتكب في صلاته هذه الحركة الكثيرة، وكان بالإمكان تعليمه بعد الصلاة بالأفضل.
ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدامه.
وتعقب بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن إدارة النبي ﷺ لابن عباس ولجابر ﵃ فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، والحركة اليسيرة في الصلاة إذا كانت لتحصيل مستحب فهي مطلوبة، كالحركة في الصف والانتقال من صف إلى آخر لسد خلل أو سد فرجة.
الوجه الثاني:
بأن النبي ﷺ ردَّ جابرًا وجبارًا إلى ورائه مع صحة صلاتهما إلى جانبيه، فكونه رد ابن عباس إلى يمينه لا يدل على أن الفعل واجب.
الوجه الثالث:
قياس الصلاة عن يسار الإمام بالتقدم عليه قياس مع الفارق، فإن التقدم على الإمام ليس مكانًا للمأموم مطلقًا، وأما الوقوف عن يسار الإمام فهو مكان للمأموم بدليل أن الحنابلة يصححون الوقوف عن يسار الإمام إذا وقف الإمام في الوسط.
стр. 9279
الراجح:
قول الجمهور، وأن وقوف المأموم الواحد عن يسار الإمام خلاف السنة، ولا تبطل به صلاته.
стр. 9280
المبحث الثاني في موقف المأموم إذا كان أكثر من واحد
المدخل إلى المسألة:
لا يشرع الوقوف جانب الإمام إلا أن يكون المأموم فذًّا؛ فإنه لا صلاة لفذٍّ خلف الإمام، ولا خلف الصف في أصح قولي أهل العلم.
مخالفة الموقف المشروع للمأموم في الصلاة لا يفسد الصلاة، إلا أن يتقدم المأموم على إمامه بلا حاجة.
وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام من سنن الصلاة، فلو صلوا عن يمين الإمام، أو عن جنبيه صحت صلاتهم، وخالفوا سنة الصلاة.
[م-١٠٦٦] اتفق الأئمة الأربعة على أن الثلاثة فأكثر يقفون خلف الإمام.
قال ابن مفلح في الفروع: يستحب وقوف الجماعة خلف الإمام (و) يعني: وفاقًا للأئمة (١).
واختلفوا في الاثنين:
فقيل: يقفان خلف الإمام، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢).
стр. 9281
وقيل: يتوسطهما، روي ذلك عن ابن مسعود وصاحبيه: علقمة، والأسود، وروي عن أبي يوسف من الحنفية (١).
قال النووي في المجموع: «إذا حضر إمام ومأمومان تقدم الإمام، واصطفَّا خلفه … هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا عبد الله بن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود، فإنهم قالوا: يكون الإمام والمأمومان كلهم صفًا واحدًا» (٢).
دليل الجمهور:
(ح-٣٢٦٥) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت،
عن جابر بن عبد الله، قال: جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بِيَدَيْنَا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه .... الحديث (٣).
وحجة من قال: يتوسط بينهما:
(ح-٣٢٦٦) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم،
عن علقمة، والأسود، أنهما دخلا على عبد الله، فقال: أَصَلَّى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ (٤).
стр. 9282
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن قول ابن مسعود (هكذا فعل رسول الله ﷺ ) كما في رواية إبراهيم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم به، تحتمل أن يكون الرفع لكامل الحديث، ويحتمل أن يكون الرفع للتطبيق فقط، وما عداه موقوف على ابن مسعود.
وقد بيَّنت رواية الأعمش والثوري، عن إبراهيم أن الرفع فقط للتطبيق.
(ح-٣٢٦٧) فقد رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، قالا:
أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أَصَلَّى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا، فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: فلما ركع، وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه، قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك؛ فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك؛ فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه، وليجنأ، وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ ، فأراهم (١).
كما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن علقمة: أن عبد الله صلى بعلقمة والأسود، فقام هذا عن يمينه، وهذا عن شماله، ثم قام بينهما.
[صحيح موقوف] (٢).
стр. 9283
فإذا كان التطبيق هو المرفوع، ويلحق به الإخبار عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها فهو مرفوع حكمًا، وأما التوسط بين الثلاثة فهو موقوف على ابن مسعود ﵁، والموقوف لا حجة فيه إذا خالف المرفوع.
والتطبيق قد كان مشروعًا في أول الأمر ثم نسخ، وقد يكون التوسط مثله مشروعًا في صدر الإسلام ثم نسخ، والله أعلم (١).
стр. 9284
الجواب الثاني:
أن ابن مسعود فعل ذلك لضيق المكان.
(ث-٨٢٥) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق معاذ بن معاذ،
عن ابن عون، قال: كنت أنا وشعيب بن الحبحاب عند إبراهيم، فحضرت العصر، فصلى بنا إبراهيم، فقمنا خلفه، فَجَرَّنَا، فجعلنا عن يمينه، وعن شماله، قال: فلما صلينا، وخرجنا إلى الدار، قال إبراهيم، قال ابن مسعود ﵁: هكذا فصلوا، ولا تصلوا كما يصلي فلان.
قال: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين، ولم أسمِّ له إبراهيم، فقال: هذا إبراهيم، قد قال ذاك عن علقمة، ولا أرى ابن مسعود ﵁ فعله إلا لضيق كان في المسجد، أو لعذر رآه فيه، لا على أن ذلك من السنة.
قال: وذكرته للشعبي، فقال: قد زعم ذاك علقمة، ابن عون القائل.
[إسناده صحيح] (١).
وحمله على ضيق المكان لا يساعد عليه اللفظ؛ فجاء في رواية مسلم: (وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله).
الراجح:
ما ذهب إليه جمهور العلماء، وأن الاثنين يقومان خلف الإمام.
فائدة: إذا جاء رجل فوجد إمامًا يصلي، ومأمومًا عن يمينه، فجذبه قبل التكبير، فهل تفسد صلاته:
فقيل: لا يضره سواء جذبه قبل التكبير أو بعده، وهو الصحيح عند الحنفية، والمذهب عند الحنابلة، نص عليه أحمد (٢).
стр. 9285
جاء في فتح القدير: «ولو اقتدى واحد بآخر، فجاء ثالث يجذب المقتدي بعد التكبير، ولو جذبه قبل التكبير لا يضره» (١).
وجاء في المغني: «وإن كبر واحد عن يمينه، فأحسَّ بآخر، فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني … صحت صلاتهم. وقد نصَّ أحمد، في رواية الأثرم، في الرجلين يقومان خلف الإمام، ليس خلفه غيرهما، فإن كبر أحدهما قبل صاحبه، خاف أن يدخل في الصلاة خلف الصف، فقال: ليس هذا من ذاك، ذاك في الصلاة بكمالها، أو صلى ركعة كاملة، وما أشبه هذا، فأما هذا فأرجو ألا يكون به بأس» (٢).
واختار القاضي أبو الطيب الطبري من الشافعية أنه يكره أن يجذب الذي عن يمين الإمام قبل إحرامه؛ لأنه لم يصر بعد في الصلاة، ولكنه يقف عن يسار الإمام، ويحرم، ثم يتقدم الإمام أو يتأخر المأموم.
قال في التعليقة الكبرى: «إذا جاء رجل، فوجد إمامًا يصلي، ومأمومًا عن يمينه، فلا يجذبه ويؤخره قبل إحرامه هو بالصلاة؛ لأنه ما لم يحرم بالصلاة فإن موقف المأموم الأول عن يمين الإمام، فلا يجوز أن ينقله من الموقف الذي سُنَّ له إلى موقف لم يُسَنَّ له، ولكنه يجيء ويقف على يسار الإمام، ويحرم، فإذا أحرم فإن الإمام بالخيار، إن شاء تقدم، وإن شاء أخرهما» (٣).
واختار أكثر الشافعية أن المأموم يتأخر إلى الثاني قبل الشروع في الصلاة، نقله الروياني عن أكثر الشافعية، قال: والصحيح ما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري (٤).
стр. 9286
وقيل: ينبغي أن يكبر أولًا ثم يجذبه، ولو جذبه أولًا، فتأخر، ثم كبر هو، قيل تفسد صلاة الذي تأخر، اختاره بعض الحنفية (١).
فصارت الأقوال ثلاثة:
- يكره أن يجذبه قبل إحرامه، اختاره الطبري من الشافعية، وصححه الروياني.
- يتأخر المأموم قبل إحرام الثالث، وعليه أكثر الشافعية كما نقله الروياني.
- يتخير، إن شاء أحرم قبل جذبه، وإن شاء أحرم بعده، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة.
والثالث أصحها؛ لأن الإمام يحرم قبل المأمومين، ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم، وكذلك المأمومون يحرم أحدهم قبل الباقين فلا يضر (٢).
جاء في كشاف القناع: «فإن تأخر الأيمن قبل إحرام الداخل ليصليا خلفه، جاز ذلك … كتفاوت إحرام اثنين خلفه؛ لأنه يسير» (٣).
وهل الأفضل أن يتقدم الإمام، أو الأفضل أن يبقى الإمام في مكانه ويتأخرا؟، قولان لأهل العلم.
فمن أهل العلم من قال: الأفضل أن يتأخرا، ويبقى الإمام في مقامه، كما صنع النبي ﷺ مع جابر، وجبار بن صخر، وإن تقدم جاز. نص عليه بعض المالكية، والقاضي حسين من الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة (٤).
وقال القفال: «الإمام يتقدم قليلًا دون المأموم؛ لأن الإمام يرى قدامه، فإذا تقدم لا يضره شيء، بخلاف المأموم، فإنه لا يرى ما خلف ظهره، فإذا تأخر ربما
стр. 9287
يضره شيء» (١).
وقال بعض الشافعية: إذا جاء الثالث أحرم عن يسار الإمام، ثم يتقدم الإمام أو يتأخران في حالة القيام والركوع، لا في حالة الجلوس والسجود (٢).
وقال بعض الحنفية: إن تقدم الإمام فلا يتجاوز موضع سجوده (٣).
والصحيح أن الأمر للإمام، يفعل ما يناسب المكان، فإن شاء دفعهما إلى الخلف، وإن شاء تقدم، ولو تقدما أو تأخرا من نفسيهما جاز. والله أعلم.
стр. 9288
المبحث الثالث في صلاة المنفرد خلف الصف
المدخل إلى المسألة:
حديث وابصة في إعادة صلاة من صلى خلف الصف عَمِل به جماعة من أهل الحديث على رأسهم: الإمام أحمد وإسحاق وابن معين وابن أبي شيبة وابن خزيمة ووكيع والنخعي وغيرهم.
قال ابن المنذر: قد ثَبَّت هذا الحديث: أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه.
قول النبي ﷺ : (لا صلاة لفرد خلف الصف) إن حمل على نفي الوجود، فالمقصود به نفي وجود الصلاة الشرعية، لا مطلق الوجود، وإلا حمل على نفي الصحة، ولا يصح حمله على نفي الكمال مع طلب الإعادة إلا على قواعد المالكية.
طلب النبي ﷺ من الرجل الذي صلى فذًّا إعادة الصلاة ولم يعذره بالجهل، وإن كان الجهل عذرًا على الصحيح، ولا تكليف قبل العلم، ولعلَّ ذلك؛ لأن الاستدراك لم يفت لبقاء الوقت، كما قال للمسيء: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ.
ترك الاصطفاف الواجب يدخل في ترك المأمور، وهو لا يسقط إلا بالعجز.
السنة في موقف الإمام أن يتقدم على المأموم، تركت هذا السنة مع المأموم الفذ ليقف بجنب الإمام؛ لأن المأموم لا يكون فذًّا، لا خلف الإمام، ولا خلف الصف.
قياس وقوف الرجل الفذ خلف الصف على وقوف المرأة خلف صف الرجال قياس مع الفارق.
وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ووقوف الرجل وحده خلف الصف منهي عنه بالاتفاق، فكيف يقاس المنهي عنه بالمأمور به.
[م-١٠٦٧] إذا وقف المصلي في الصف وحده، ثم جاء آخر فصف معه قبل
стр. 9289
أن يركع الإمام، فهذا جائز باتفاق الأئمة.
فإن صلى ركعة، وهو منفرد خلف الصف، فاختلف العلماء في صحة صلاته:
فقيل: تصح صلاته مع الكراهة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال الثوري، والليث، وابن المبارك، والأوزاعي، وداود (١).
وقيل: من صلى ركعة منفردًا خلف الصف، ولو امرأة خلف امرأة بطلت الفريضة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال مالك -في رواية ابن وهب- و إسحاق، وابن أبي شيبة والدارمي، وابن خزيمة، وأبو بكر الحميدي، وابن المنذر، ووكيع، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، وابن معين، ورجحه ابن حزم وغيرهم (٢).
стр. 9290
ولا يخرج عن كونه فذًّا عند الحنابلة إذا صف معه من ليس من أهل الوقوف معه كما لو صف معه كافر، أو امرأة، أو من عَلِم حَدَثَهُ أو تنجسه، وهي من مفردات الحنابلة (١).
стр. 9291
جاء في البيان والتحصيل: «روى ابن وهب عن مالك، أن من صلى خلف الصف وحده أعاد أبدًا». اه والمشهور من مذهبه أنه أساء، ولا إعادة عليه (١).
وقيل: يصح فرضه منفردًا، وهو وجه عند الحنابلة، وجزم به ابن عقيل في موضع من كتابه الأصول، وهو مروي عن النخعي، قال: صلاته تامة، وليس له تضعيف (٢).
وقيل: تصح صلاة الفذِّ خلف الصف في النفل دون الفرض، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقيل: تصح إذا كان معذورًا، وهو اختيار ابن تيمية كما لو لم يجد فرجة في الصف.
دليل من قال: تبطل صلاة المنفرد خلف الصف:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٦٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال:
أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، قال: فأقامني عليه، وقال: هذا حدثني أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا صلى في الصف وحده، فأمره فأعاد الصلاة. قال عبد الله بن أحمد: وكان أبي يقول بهذا الحديث (٤).
[صحيح] (٥).
قال ابن المنذر: «قد ثَبَّت هذا الحديث: أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه … » (٦).
وأجيب عن الحديث:
قال البيهقي: حديث وابصة مختلَف في إسناده (٧).
стр. 9292
ورد هذا:
بأن الاختلاف في إسناده لا يعل الحديث،
فالحديث رواه حصين، عن هلال بن يساف، قال: أراني زياد بن أبي الجعد، شيخًا يقال له وابصة بن معبد، وقال: حدثني هذا الشيخ، وهو يسمع … وذكر الحديث.
ورواه حصين في رواية أخرى، عن هلال، عن زياد، عن وابصة. وليس فيه قصة وقوف هلال على وابصة.
فسواء روى الحديث هلال عن وابصة أو رواه عن زياد بن الجعد عن وابصة فلا تعارض بينهما؛ ذلك أن هلالًا سمع الحديث من زياد بن أبي الجعد، ووابصة يسمع، فكان هلال تارة يروي الحديث عن زياد بن أبي الجعد باعتباره هو الذي عرض الحديث، وتارة يذكر أن وابصة كان يسمع، فكان كما لو سمع الحديث من وابصة، وقد بينت في تخريج الحديث أن مثل هذا الاختلاف لا يعل الحديث، فارجع إلى تخريج الحديث، والله أعلم (١).
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ملازم بن عمرو، حدثنا عبد الله بن بدر، أن عبد الرحمن بن علي حدثه،
أن أباه علي بن شيبان حدثه، أنه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فانصرف، فرأى رجلًا يصلي فردًا خلف الصف، فوقف نبي الله ﷺ حتى انصرف الرجل من صلاته، فقال له: استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 9293
ونوقش:
قوله: (لا صلاة … ) محمولة على نفي الكمال، لأن المصافة لا دخل لها في ماهية الصلاة، فالصلاة من حيث هي قد تمت بأركانها وشروطها، وصلاة الفذ خلف الصف وصلاة المنفرد والإمام لا فرق بينها.
والدليل على أن النفي من باب الكمال، فلأنه في حديث علي بن شيبان وقف النبي ﷺ عليه حتى فرغ من صلاته، ثم قال له: استقبل صلاتك، فلو كانت صلاته باطلة لأمره بالإعادة قبل إتمامها، ولما تركه يمضي في صلاة فاسدة.
فالنفي في حديث وابصة كالنفي في قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وأما أمر النبي ﷺ له بالإعادة فربما ذلك من باب الزجر على ارتكاب المكروه
стр. 9294
مع القدرة على تركه، والشرع أحيانًا يعزر على ارتكاب المكروه.
(ح-٣٢٧٠) فقد روى مسلم من طريق سعيد، عن قتادة،
عن أنس، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا ....
والنهي عند جماهير العلماء للكراهة؛ لثبوت الشرب قائمًا عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وفي البخاري من حديث علي ﵁.
ومع كراهة الشرب قائمًا فقد يعاقب النبي ﷺ بعض من يشرب قائمًا.
(ح-٣٢٧١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن أبي زياد الطحان، قال:
سمعت أبا هريرة، يقول من حديث أبي هريرة، أنّه ﷺ رأى رجلًا يشرب قائمًا، فقال قه. قال: لمه؟ قال أيسرك أن يشرب معك الهر؟. قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه الشيطان (١).
[صحيح غريب] (٢).
стр. 9295
وهذا من العقاب على فعل المكروه.
ولا يستفاد من أمر النبي ﷺ الرجل بالإعادة على بطلان صلاته، فالصلاة قد تعاد مع صحة الصلاة، كما يعيد الصلاة من صلَّى فرضه، ثم أقيمت الصلاة، وهو في المسجد، فهو مأمور بالصلاة معهم، وهي نافلة، وقد يعاد الفرض للتصدق على من صلَّي فرضه منفردًا، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد.
واستحب المالكية والحنفية إعادة الصلاة جماعة لمن صلى فرضه منفردًا تحصيلًا لفضيلة الجماعة.
وقد أخذ بعض الفقهاء من حديث وابصة استحباب الإعادة، إما مطلقًا، أو في الوقت، لكل صلاة أُدِّيت على الكراهة.
стр. 9296
ولأن المصافة على القول بوجوبها واجبة للصلاة، وليست واجبة فيها، وترك الواجب لها لا يبطلها، كما لو ترك الأذان والإقامة بخلاف ترك ما هو واجب فيها على القول بوجوده في أفعال الصلاة.
وأجيب:
أما قولكم: (لا صلاة … ) على أنه نفي كمال، فهذا خلاف الظاهر، فالأصل في النفي أن يكون نفيًا للوجود، كما لو قلت: لا خالق إلا الله، فهذا نفي للوجود، فلا يوجد خالق مع الله، فإذا وجدت الصلاة، حمل على نفي الصحة، كما لو قلت: لا صلاة بغير طهور، أي لا صلاة صحيحة، فإن ثبتت الصحة حمل على نفي الكمال، وحديث (لا صلاة لفرد خلف الصف) لا يصح حمله على الوجود؛ لأن الرجل قد صلى، فصورة الصلاة موجودة، فتعين حمله على الصحة، ومع أن هذا هو الأصل، فهناك قرينة تؤيده، وهو طلب الإعادة.
ولا يدخل في إعادة الفرض صلاتها مرة أخرى بنية النفل، فهو في غير مسألتنا، وإنما الكلام على إعادة الفرض بنية الفرض، فلا يشرع للمصلي أن يصلي فرضه مرتين مع الحكم بصحة الأولى.
وأما الجواب على وقوف النبي ﷺ عليه حتى فرغ من صلاته، ثم أمره بالإعادة، فيحمل إن كان محفوظًا في الحديث على أن الفرض إذا بطل، صح نفلًا، فما أحب النبي ﷺ أن يبطل منه نية مطلق الصلاة إذا بطلت نية الاقتداء.
الدليل الثالث:
السنة في موقف الإمام أن يتقدم على المأموم، تركت هذا السنة مع المأموم الفذ ليقف بجنب الإمام؛ لأن المأموم لا يكون فذًّا، لا خلف الإمام، ولا خلف الصف، ولو كان التزاحم بين سنتين لقدمت السنة المتعلقة بالإمام على السنة المتعلقة بالمأموم.
دليل من قال: صلاة الفذ خلف الصف صحيحة مع الكراهة:
أما الأدلة على الكراهة:
فحديث وابصة وحديث علي بن شيبان، حيث حملوا النفي بأنه بمعنى: النهي،
стр. 9297
أي: لا يصلي فرد خلف الصف، وحملوا النهي على الكراهة.
وأما الأدلة على صحة الصلاة خلف الصف:
فالدليل الأول:
(ح-٣٢٧٢) ما رواه الإمام البخاري من طريق همام بن يحيى، عن زياد الأعلم، عن الحسن،
عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ (١).
وجه الاستدلال:
لو كان أبو بكرة يعلم أنه يدرك الركوع في الصف لم يركع دونه، وإنما ركع قبل الدخول في الصف؛ لحرصه على إدراك الركوع، ولغلبة ظنه أنه لو انتظر حتى يدخل في الصف لفاته الركوع؛ ولأن ما بعد الركوع سيدركه أبو بكرة في الصف حتمًا، وإنما ركع مع الإمام قبل دخوله في الصف حرصًا على إدراك الركعة بإدراك الركوع، والأصل أن الأمر جرى على ما ظنه أبو بكرة حتى يثبت العكس، فلم يثبت من وجه صحيح أن أبا بكرة دخل في الصف قبل أن يرفع النبي ﷺ رأسه من الركوع. وقد صحح له النبي ﷺ إدراك الركعة، ولم يطالبه لا بإعادة الصلاة، ولا بإعادة الركعة التي أدرك ركوعها خارج الصف، والركوع أهم ما في الركعة، ولهذا فرق الحنابلة بين سبق الإمام بالركوع فأبطلوا به الصلاة، وبين سبقه بغير الركوع، ولأن إدراك الركعة معلق بإدراك الركوع، فإذا صح له إدراك الركوع فذًّا، صح له من باب أولى إدراك ما بعده، وهو فذٌّ، وإذا صحت له ركعة، صحت له سائر الركعات، وهو فذٌّ؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض، وصحة بعضها صحة لسائرها، والعكس صحيح: فساد بعضها فساد لسائرها.
جاء في مسائل ابن هانئ للإمام أحمد: «رجل أدرك القوم، وهم ركوع؟
قال أحمد: «إن خشي أن تفوته ركع، وإن علم أنه يدرك لم يركع؛ لحديث أبي بكرة: زادك الله حرصًا، ولا تعد.
стр. 9298
وقال أبو عبد الله: أرى إذا علم أنه يدرك الركوع لم يركع دون الصف، وإذا علم أنه لا يدرك الركوع ركع» (١).
وقال أحمد في رواية مهنأ: «في رجل ركع ركعة، وسجد سجدتين دون الصف، ثم جاء الناس، فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات، يعيد الصلاة كلها؟ ثم قال: لو ركع ركعة وحدها، ولم يسجد سجدتين لم يكن عليه إعادة؛ لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ولم يسجد» (٢).
فصحح له الإمام أحمد في هذه الرواية إدراك الركوع فذًّا محتجًا بحديث أبي بكرة.
وقال الشافعي: «فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردا مجزئًا عنه» (٣).
قال الماوردي: «فلو كان انفراده قادحًا في صلاته لأمره بالإعادة» (٤).
وقال ابن عبد البر: «إذا جاز للمصلي أن يركع خلف الصف وحده، جاز له أن يسجد، وأن يتم صلاته والله أعلم» (٥).
وإذا صح بعض الصلاة منفردًا خلف الصف صح سائر الصلاة.
قال البغوي: «لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل بقوله: (ولا تعد)، وهو نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة» (٦).
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن أبا بكرة دخل في الصف قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع.
قال ابن تيمية: «وأما حديث أبى بكرة: فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به
стр. 9299
مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر، فيصافه في القيام؛ فإن هذا جائز باتفاق الأئمة» (١).
(ح-٣٢٧٣) لما ما رواه ابن حزم في المحلى من طريق علي بن عبد العزيز حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن الأعلم هو زياد - عن الحسن،
عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله ﷺ يصلي، وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف، وهو راكع؛ فلما انصرف رسول الله ﷺ ، قال: أيكم دخل الصف، وهو راكع؟، فقال له أبو بكرة: أنا، قال: زادك الله حرصا ولا تعد (٢).
[انفرد حماد بقوله: (ثم دخل الصف، وهو راكع) على اختلاف عليه في ذكره] (٣).
والقطع بأن أبا بكرة دخل في الصف قبل أن يرفع النبي ﷺ رأسه من الركوع لم يثبت من حيث الرواية، والظاهر أنه لم يدرك الركوع في الصف، ولذلك ركع قبل أن يصل إلى الصف، ولو كان يغلب على ظنه أنه يدرك الركوع في الصف لما استعجل أبو بكرة ﵁، والأصل تحقق ظنه حتى يثبت العكس، وهذا ما فهمه الإمام أحمد، ولو كانت صحة الركعة متوقفة على دخوله في الصف قبل أن يرفع الإمام رأسه لسأله النبي ﷺ عن ذلك بيانًا للأمة، فترك الاستفصال في مقام الاحتمال دليل على عموم المقال كما ذكر الشافعي.
الجواب الثاني:
أن النبي ﷺ نهاه عن ذلك، فلا تصح الصلاة بعد النهي، وتصح إذا لم يعلم بالنهي، فيكون النبي ﷺ إنما عذره لجهله في الحكم، وأما بعد قول النبي ﷺ له:
стр. 9302
(ولا تعد)، فليس لأحد أن يعود لما نهى النبي ﷺ عنه، والأصل أن التكاليف لا تلزم قبل العلم.
قال ابن حزم تعليقًا على حديث أبي بكرة (زادك الله حرصًا ولا تعد): «نحن على يقين نقطع به أن الركوع دون الصف إنما حرم حين نهى النبي ﷺ ، فإذ ذلك كذلك فلا إعادة على من فعل ذلك قبل النهي، ولو كان ذلك محرمًا قبل النهي لما أغفل ﵇ أمره بالإعادة كما فعل مع غيره، فبطل أن يكون لمن أجاز صلاة المنفرد خلف الصف، وصلاة من لم يقم الصفوف حجة أصلًا» (١).
قال ابن قدامة: «قد نهاه النبي ﷺ : فقال: (ولا تعد) والنهي يقتضي الفساد، وعذره فيما فعله؛ لجهله بتحريمه، وللجهل تأثير في العفو» (٢).
وجاء في كتاب الروايتين والوجهين: «نقل أبو طالب وصالح فيمن ركع دون الصف جاهلًا: أجزأه، ويقال له: لا تعد. وإن كان عالمًا بذلك يعيد الصلاة؛ لأن الصلاة خلف الصف منهي عنها، فجاز أن يفرق بين العلم والجهل، ألا ترى أن الأكل في الصيام منهي عنه، وقد فرق بين العلم والجهل، كذلك هنا» (٣).
وقال الخرقي: «ومن أدرك الإمام راكعًا، فركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف، وهو لا يعلم بقول النبي ﷺ لأبى بكرة: (زادك الله حرصًا ولا تعد) قيل له: لا تعد، وقد أجزأته صلاته، فإن عاد بعد النهى لم تجزئه صلاته، ونص أحمد، ﵀، على هذا في رواية أبى طالب» (٤).
(ح-٣٢٧٤) وقد روى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عمرو بن علي، قال: حدثنا ابن عجلان، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف.
стр. 9303
[رفعه شاذ، والمحفوظ أنه موقوف على أبي هريرة] (١).
وكون الراجح فيه الواقف، فإن الموقوف حجة إذا لم يعارض مرفوعًا، ولم يعارضه موقوف مثله، وقد احتج الإمام أحمد بقول أبي هريرة.
ونوقش هذا:
بأن النبي ﷺ نهاه عن العود، بقول النبي ﷺ لأبي بكرة (لا تَعُدْ) وظاهره النهي عن العود إلى كل ما فعله في هذا الحديث، وما فعله منها:
(١) الركوع قبل الدخول في الصف.
(٢) المشي حتى دخل في الصف.
(٣) الاعتداد بالركعة التي أدرك ركوعها، وهو فذ، وظاهره أنه دخل في الصف بعد رفع النبي ﷺ رأسه من الركوع.
(٤) الإسراع لإدراك الركعة.
(ح-٣٢٧٥) فقد روى الطحاوي قال: حدثنا بكار بن قتيبة، قال: حدثنا أبو عمر الضرير، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، أن زيادًا الأعلم أخبرهم، عن الحسن،
عن أبي بكرة، قال: جئت ورسول الله ﷺ راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف، ثم مشيت إلى الصف، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال: أيكم الذي ركع دون الصف؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: زادك الله حرصًا، ولا تعد (٢).
[قوله: (حفزني النفس) تفرد بها حماد على اختلاف فيه فهي زيادة منكرة] (٣).
فتبين أن إسراع أبي بكرة لإدراك الركعة ليس محفوظًا في الحديث، فلا يدخل في قوله: (لا تعد) وعلى تقدير أن يكون محفوظًا، فالنهي عنه محفوظ.
(ح-٣٢٧٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١).
كما تبين أن أبا بكرة هو الذي أخبر النبي ﷺ بما فعل بعد الصلاة، كما هي رواية البخاري، فقال له النبي ﷺ : زادك الله حرصًا، ولا تعد.
فظاهر خطاب النبي ﷺ متوجه إلى ما أخبر به أبو بكر من كونه ركع قبل الصف، وأما المشي حتى دخل في الصف وإن كان من لازم الركوع قبل الصف، إلا أنه ليس مقصودًا بالنهي؛ لأن المصلي لو مشى من الصف إلى الصف الذي أمامه لسد فرجة لم يكن منهيًا عنه، فإن كان مشيه بهذا المقدار، فالصلاة تحتمله.
وهل يتوجه النهي إلى الاعتداد بالركعة؟
لا يظهر لي ذلك؛ لأنه لو كان هذا من محظورات الصلاة، وأن الركعة لا تصح إذا ركع دون الصف للزمه أحد أمرين:
إما إبطال الركعة التي وقع فيها ذلك، وإما إبطال الصلاة، والظاهر أنه لم يأمره بأي منهما، وليس تصحيحه للركعة راجعًا إلى كونه جاهلًا، فالنبي ﷺ أمر الرجل
стр. 9309
بإعادة الصلاة في حديث وابصة، ولم يعذره بالجهل، وكما في حديث المسيء صلاته أمره بالإعادة ما دام الوقت باقيًا، والاستدراك لم يفت، وسيأتي مزيد نقاش لعذر الجهل إن شاء الله تعالى، فينبغي أن يكون تصحيح الركعة راجعًا إلى أن الركوع قبل الصلاة، وإن كان منهيًا عنه، لا يبطل الصلاة.
فإن قيل: ولماذا لا يبطلها، والنهي يقتضي الفساد؟
فالجواب أحد ثلاث احتمالات:
- إما لحمل النهي على الكراهة.
- أو لأن النهي للتحريم، ولكنه لما كان يتعلق بواجب للصلاة وهي المصافة، وليس واجبًا فيها، لم يبطلها.
- أو لأن مقدار المخالفة قليل فما دون الركعة يحتمل لفاعله، بخلاف وابصة فإنه قد صلى الصلاة كلها، وهو فذ، وسيأتي مزيد بيان لهذا في الجواب الثالث.
فهذه ثلاث احتمالات لصحة فعل أبي بكرة مع توجيه النهي له، والله أعلم.
الجواب الثالث:
إن صلى ركعة كاملة فذًّا بطلت صلاته، وإن صلى أقل من ركعة، أو وقف معه آخر قبل إتمام الركعة، وكان جاهلًا صحت صلاته، وهذا رواية عن أحمد، واختارها الخرقي.
قال ابن قدامة: «من ركع دون الصف، ثم دخل فيه، لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يصلى ركعة كاملة، فلا تصح صلاته؛ لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لفرد خلف الصف).
والثاني: أن يدب راكعًا حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو أن يأتي آخر فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فإن صلاته تصح؛ لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة ....
الحال الثالث، إذا رفع رأسه من الركوع، ثم دخل في الصف، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة، فهذه الحال التي يحمل عليها قول الخرقي، ونصُّ أحمد. فمتى كان جاهلًا بتحريم ذلك، صحت صلاته، وإن علم لم تصح. وروى
стр. 9310
أبو داود، عن أحمد، أنه يصح، ولم يفرق» (١). اه نقلًا من المغني.
ونوقش:
الجهل عذر على الصحيح، ولكن إذا فات وقت العبادة، أما إذا كان الوقت ما زال قائمًا فالاستدراك ممكن بالإعادة، كما طلب النبي ﷺ من المسيء صلاته، فقال له: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل). رواه أبو هريرة، وهو مخرج في الصحيحين.
ولماذا عذر النبي ﷺ أبا بكرة لجهله، ولم يعذر الرجل الذي صلى خلف الصف في حديث وابصة، وفي حديث علي بن شيبان، فطلب منهما الإعادة؟ مع الجزم بأنهما لم يخالفا السنة، وهما يعلمان؛ لأن الصحابي أتقى وأجلُّ من أن يرتكب النهي مع علمه به.
قال ابن رجب: «وفي هذا الطريق نظر؛ فإن الذي أمره النبي ﷺ بالإعادة في حديث وابصة بن معبد الظاهر أنه لم يكن عالمًا بالنهي، ولم يسأله: هل علم النهي أم لا» (٢).
وترك السؤال عنه يدل على أنه لا أثر له في الحكم.
وإذا كان الجهل عذرًا فهو عذر في القليل والكثير، والتفريق في الجهل بين الركعة وما دون الركعة لا يقوم على حجة فقهية، وليس هذا من باب الاعتراض على النص، وإنما هو من قبيل النظر في فهم النص، فإدراك السجود في الصف ليس أهم من فوات الركوع في الصف، والأصل أن صحة إدراك السجود مبني على صحة إدراك الركوع مع الإمام، فلا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها مع الإمام، وقد أدرك الركوع مع الإمام، وهو فذٌّ، فكيف صار إدراك السجود في الصف إدراكًا للمصافة، وفوات السجود في الصف لا يبطل الركعة فقط، بل يبطل الصلاة كلها؟.
فإن كان العفو عن أبي بكرة لعذر الجهل، فليكن الجهل عذرًا مطلقًا، سواء أصلى ركعة أم أكثر، ويلزم من قال هذا: الجواب عن حديث وابصة.
وإن كان التفريق في العذر قائمًا على التفريق بين القليل والكثير، فليكن هو موجب الحكم حتى مع قيام العلم، فيقال: من ركع دون الصف، وأدرك السجود
стр. 9311
مع الإمام صحت ركعته، ولو كان عالمًا بأن الفذَّ منهي عن الصلاة خلف الإمام، ولكن اغتفر ذلك فيما دون الركعة؛ لقلته، ومن صلى ركعة كاملة قبل دخوله في الصف بطلت صلاته، وقد يعترض معترض بأن الركعة في الصلاة الرباعية ليست كثيرة بالنسبة لبقية الصلاة.
والذي حمل هؤلاء في التفريق بين إدراك السجود وفواته محاولة الجمع بين حديث أبي بكرة وبين حديث وابصة وعلي بن شيبان، ومع قوله ﷺ لأبي بكرة: (لا تَعُدْ)، فنهاه عن العود، وصحح صلاته (١).
стр. 9312
وقال ابن حبان: إن صلى فذًّا خلف الصف بمقدار ما أباحه النبي ﷺ لأبي بكرة صحت صلاته، ولو كان عالمًا بالنهي، وإن زاد على ذلك بطلت صلاته.
جاء في صحيح ابن حبان: «قوله ﷺ لأبي بكرة: (زادك الله حرصا، ولا تعد)، فإن عاد رجل في هذا الفعل المنهي عنه، وكان عالمًا بذلك النهي، كان مأثومًا في ارتكابه المنهي، وصلاته جائزة؛ لأنه ﷺ أباح هذا القدر لأبي بكرة مستثنى من جملة ما نهاه عنه في خبر وابصة، كالمزابنة، والعَرِيَّةِ، ولو لم تجز الصلاة بهذا الوصف لأبي بكرة، لأمره ﷺ بإعادة الصلاة» (١).
وجمع ابن حبان أقرب من جمع الحنابلة؛ لأن ابن حبان جعل الفرق بين حديث أبي بكرة وحديث وابصة وابن شيبان هو في مقدار ما صلاه فذًّا، ولو كان عالمًا، ولم يشترط الجهل؛ لأن الجهل قائم في الأحاديث الثلاثة، والله أعلم.
فصارت أقول العلماء في الجواب عن الحكم بصحة صلاة أبي بكرة ترجع إلى خمسة أقوال:
الأول: يعتد بالركعة إن دخل في الصف قبل أن يرفع الإمام رأسه، وحملوا عليه حديث أبي بكرة، فيكون قد زال انفراده قبل أن تفوته الركعة. فإن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة، ولا دليل عليه من لفظ الحديث.
الثاني: صحت صلاته لجهله بالحكم ولو أتم الركعة فذًّا، بل قال ابن رجب: ظاهر كلام أحمد وتعليله يدل على أنه مطرد فيما لو صلى فذٌّ الصلاة كلها جاهلًا بالنهي، وقد حكاه بعضهم رواية عن أحمد.
وفي هذا الجواب إشكال، كيف لم يعذر النبي ﷺ الرجل في حديث وابصة.
الثالث: صحت صلاته بشرطين:
стр. 9313
- الجهل بالحكم.
- وكون الفعل أقل من ركعة، فإن أتم الركعة فذًّا، أو كان عالمًا بالنهي أعاد صلاته، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي.
الرابع: النهي في قوله: (لا تعد) ليس للتحريم.
قال البغوي النهي عن قوله: (لا تعد)، نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة (١). وهذا قريب من رأي الجمهور: أن النهي للكراهة.
الخامس: قال ابن حبان: إن صلى الرجل فذًّا خلف الصف بمقدار ما أباحه النبي ﷺ لأبي بكرة صحت صلاته، ويأثم فقط إن كان عالمًا بالنهي عن الصلاة خلف الصف، فهو مستثنى من جملة ما نهاه في خبر وابصة، وإن كان قد صلى أكثر مما أباحه لأبي بكرة أعاد الصلاة.
ومعلوم أن أبا بكرة صلى جزءًا من ركعة، فقد فاته الركوع خلف الصف، وأدرك ما بعد الركوع في الصف.
وكل هذه الأقوال اجتهادات في محاولة الجمع بين حديث وابصة وحديث أبي بكرة، والله أعلم.
وبدا لي صورة من صور الجمع لم تذكر، وهو أن يحمل حديث وابصة على أن النبي ﷺ قد بلغ الصحابة النهي عن الصلاة خلف الصف، ومنهم هذا الرجل، ويكون الصحابي قد نسي ذلك، والنسيان ليس عذرًا في باب المأمورات بخلاف المنهيات، وأما أبو بكرة، فقد لا يكون بلغه علم المسألة، ولا تكليف إلا بعد العلم.
الدليل الثاني على صحة الصلاة خلف الصف:
(ح-٣٢٧٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فَأُصَلِّيَ لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسوَدَّ من طول
стр. 9314
ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (١).
وجه الاستدلال:
قال الشافعي: «أنس يحكي لنا أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله ﷺ ، ولا فرق بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا، كما تجزئها هي صلاتها (٢).
وأجيب:
بأن قياس الرجل على المرأة قياس مع الفارق، فوقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا على خلاف في بطلان صلاة من يحاذيها، فالجمهور على أن صلاتها بجانب الرجال مكروهة خلافًا للحنفية، وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمنهي عنه، وترك للسنة باتفاقهم، فيكف يقاس المنهي عنه على المأمور به، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده.
فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها.
فيقال: هذا غير مسلم، بل إذا كان هناك صف نساء، فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة، كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال، فلا يصح للمرأة أن تصلي فذة خلف صف النساء، لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على أن الرجل إذا تعذر عليه الدخول في الصف، ولم يجد من المصلين من يتراجع ليصلي معه في الصف، ولا أمكن الصلاة بجانب الإمام، فصلى فذًّا صحت صلاته للحاجة. وهذا هو القياس المحض، فإن كل واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها (٣).
ورد على الجواب:
إذا كانت مصافة المرأة للرجال مكروهة عند المالكية والشافعية والحنابلة،
стр. 9315
فلو صفت المرأة بجانب الرجال صحت صلاتها وصلاتهم، فلو كانت المصافة واجبة على الفذ رجلًا كان أو امرأة مع إمكان المصافة، لكانت الحاجة إلى المصافة ترفع الكراهة، وهذا دليل على أن المصافة في حق الرجل والمرأة مستحبة، فلو صلى الرجل فذًّا، أو المرأة فذةً، مع إمكان المصافة لصحت صلاتهما، ولهذا اختار القاضي أبو يعلى وابن عقيل وبعض الحنابلة أن الرجل لو صفت معه امرأة لخرج بذلك أن يكون فذًّا، وقدمه ابن تميم وابن حمدان في الرعاية الكبرى، وجزم به في المستوعب (١).
الدليل الثالث:
قياس صلاة الرجل منفردًا على صلاة الإمام أمام الصف في صلاة الجماعة، فالمنفرد خلف الصف لا يعدو أن يكون كتفرد الإمام، أو يكون كرجل يصلي لنفسه منفردًا.
ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
الوجه الثاني:
أن حقيقة القياس قياس فرع لم يرد فيه نص على أصل ورد فيه نص؛ لعلة جامعة، والفرع المقيس: وهو الوقوف خلف الصف قد ورد فيه نص بالنهي عنه، فكيف يقاس المنصوص على منصوص يخالفه في الحكم، فهو قياس باطل باتفاق العلماء، كقياس الربا على البيع، وقد أحل الله البيع، وحرم الربا (٢).
الدليل الرابع:
لو تبين أن من صلى بجنبه كان محدثًا جازت صلاته بالإجماع، وإن كان في الحقيقة أنه صلى منفردًا خلف الصف (٣).