← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

مع الإمام صحت ركعته، ولو كان عالمًا بأن الفذَّ منهي عن الصلاة خلف الإمام، ولكن اغتفر ذلك فيما دون الركعة؛ لقلته، ومن صلى ركعة كاملة قبل دخوله في الصف بطلت صلاته، وقد يعترض معترض بأن الركعة في الصلاة الرباعية ليست كثيرة بالنسبة لبقية الصلاة. والذي حمل هؤلاء في التفريق بين إدراك السجود وفواته محاولة الجمع بين حديث أبي بكرة وبين حديث وابصة وعلي بن شيبان، ومع قوله ﷺ لأبي بكرة: (لا تَعُدْ)، فنهاه عن العود، وصحح صلاته (١).

стр. 9312

وقال ابن حبان: إن صلى فذًّا خلف الصف بمقدار ما أباحه النبي ﷺ لأبي بكرة صحت صلاته، ولو كان عالمًا بالنهي، وإن زاد على ذلك بطلت صلاته. جاء في صحيح ابن حبان: «قوله ﷺ لأبي بكرة: (زادك الله حرصا، ولا تعد)، فإن عاد رجل في هذا الفعل المنهي عنه، وكان عالمًا بذلك النهي، كان مأثومًا في ارتكابه المنهي، وصلاته جائزة؛ لأنه ﷺ أباح هذا القدر لأبي بكرة مستثنى من جملة ما نهاه عنه في خبر وابصة، كالمزابنة، والعَرِيَّةِ، ولو لم تجز الصلاة بهذا الوصف لأبي بكرة، لأمره ﷺ بإعادة الصلاة» (١). وجمع ابن حبان أقرب من جمع الحنابلة؛ لأن ابن حبان جعل الفرق بين حديث أبي بكرة وحديث وابصة وابن شيبان هو في مقدار ما صلاه فذًّا، ولو كان عالمًا، ولم يشترط الجهل؛ لأن الجهل قائم في الأحاديث الثلاثة، والله أعلم. فصارت أقول العلماء في الجواب عن الحكم بصحة صلاة أبي بكرة ترجع إلى خمسة أقوال: الأول: يعتد بالركعة إن دخل في الصف قبل أن يرفع الإمام رأسه، وحملوا عليه حديث أبي بكرة، فيكون قد زال انفراده قبل أن تفوته الركعة. فإن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة، ولا دليل عليه من لفظ الحديث. الثاني: صحت صلاته لجهله بالحكم ولو أتم الركعة فذًّا، بل قال ابن رجب: ظاهر كلام أحمد وتعليله يدل على أنه مطرد فيما لو صلى فذٌّ الصلاة كلها جاهلًا بالنهي، وقد حكاه بعضهم رواية عن أحمد. وفي هذا الجواب إشكال، كيف لم يعذر النبي ﷺ الرجل في حديث وابصة. الثالث: صحت صلاته بشرطين:

стр. 9313

- الجهل بالحكم. - وكون الفعل أقل من ركعة، فإن أتم الركعة فذًّا، أو كان عالمًا بالنهي أعاد صلاته، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي. الرابع: النهي في قوله: (لا تعد) ليس للتحريم. قال البغوي النهي عن قوله: (لا تعد)، نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة (١). وهذا قريب من رأي الجمهور: أن النهي للكراهة. الخامس: قال ابن حبان: إن صلى الرجل فذًّا خلف الصف بمقدار ما أباحه النبي ﷺ لأبي بكرة صحت صلاته، ويأثم فقط إن كان عالمًا بالنهي عن الصلاة خلف الصف، فهو مستثنى من جملة ما نهاه في خبر وابصة، وإن كان قد صلى أكثر مما أباحه لأبي بكرة أعاد الصلاة. ومعلوم أن أبا بكرة صلى جزءًا من ركعة، فقد فاته الركوع خلف الصف، وأدرك ما بعد الركوع في الصف. وكل هذه الأقوال اجتهادات في محاولة الجمع بين حديث وابصة وحديث أبي بكرة، والله أعلم. وبدا لي صورة من صور الجمع لم تذكر، وهو أن يحمل حديث وابصة على أن النبي ﷺ قد بلغ الصحابة النهي عن الصلاة خلف الصف، ومنهم هذا الرجل، ويكون الصحابي قد نسي ذلك، والنسيان ليس عذرًا في باب المأمورات بخلاف المنهيات، وأما أبو بكرة، فقد لا يكون بلغه علم المسألة، ولا تكليف إلا بعد العلم. الدليل الثاني على صحة الصلاة خلف الصف: (ح-٣٢٧٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فَأُصَلِّيَ لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسوَدَّ من طول

стр. 9314

ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (١). وجه الاستدلال: قال الشافعي: «أنس يحكي لنا أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله ﷺ ، ولا فرق بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا، كما تجزئها هي صلاتها (٢). وأجيب: بأن قياس الرجل على المرأة قياس مع الفارق، فوقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا على خلاف في بطلان صلاة من يحاذيها، فالجمهور على أن صلاتها بجانب الرجال مكروهة خلافًا للحنفية، وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمنهي عنه، وترك للسنة باتفاقهم، فيكف يقاس المنهي عنه على المأمور به، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده. فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها. فيقال: هذا غير مسلم، بل إذا كان هناك صف نساء، فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة، كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال، فلا يصح للمرأة أن تصلي فذة خلف صف النساء، لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على أن الرجل إذا تعذر عليه الدخول في الصف، ولم يجد من المصلين من يتراجع ليصلي معه في الصف، ولا أمكن الصلاة بجانب الإمام، فصلى فذًّا صحت صلاته للحاجة. وهذا هو القياس المحض، فإن كل واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها (٣). ورد على الجواب: إذا كانت مصافة المرأة للرجال مكروهة عند المالكية والشافعية والحنابلة،

стр. 9315

فلو صفت المرأة بجانب الرجال صحت صلاتها وصلاتهم، فلو كانت المصافة واجبة على الفذ رجلًا كان أو امرأة مع إمكان المصافة، لكانت الحاجة إلى المصافة ترفع الكراهة، وهذا دليل على أن المصافة في حق الرجل والمرأة مستحبة، فلو صلى الرجل فذًّا، أو المرأة فذةً، مع إمكان المصافة لصحت صلاتهما، ولهذا اختار القاضي أبو يعلى وابن عقيل وبعض الحنابلة أن الرجل لو صفت معه امرأة لخرج بذلك أن يكون فذًّا، وقدمه ابن تميم وابن حمدان في الرعاية الكبرى، وجزم به في المستوعب (١). الدليل الثالث: قياس صلاة الرجل منفردًا على صلاة الإمام أمام الصف في صلاة الجماعة، فالمنفرد خلف الصف لا يعدو أن يكون كتفرد الإمام، أو يكون كرجل يصلي لنفسه منفردًا. ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا. الوجه الثاني: أن حقيقة القياس قياس فرع لم يرد فيه نص على أصل ورد فيه نص؛ لعلة جامعة، والفرع المقيس: وهو الوقوف خلف الصف قد ورد فيه نص بالنهي عنه، فكيف يقاس المنصوص على منصوص يخالفه في الحكم، فهو قياس باطل باتفاق العلماء، كقياس الربا على البيع، وقد أحل الله البيع، وحرم الربا (٢). الدليل الرابع: لو تبين أن من صلى بجنبه كان محدثًا جازت صلاته بالإجماع، وإن كان في الحقيقة أنه صلى منفردًا خلف الصف (٣).

стр. 9316

ويجاب: بأن مثل هذا معذور، ولذلك لو صلى الإمام ناسيًا حدثه، فلم يتذكر حتى فرغ من الصلاة صحت صلاة المأموم، حتى وإن كان المأموم لم يقرأ الفاتحة لقراءة إمامه، والذي تبين أن الإمام لم تصح صلاته، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وهذا دليل على أن المأموم لا قراءة عليه، وقول الفقهاء: الإمام يتحمل عنه هذا حكم فقهي، وليس نصًا شرعيًّا، والله أعلم. دليل من قال: يصح فرضه ويبطل اقتداؤه بالإمام: صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الاقتداء. والصلاة منفردًا خلف الصف مع قدرته على المصافة حكم يتعلق بالاقتداء، ولا يتعلق بمطلق الصلاة، فإذا دخل المصافة خلل بطل اقتداؤه بالإمام، وصار كما لو صلى منفردًا، ولم يكن له أجر الجماعة، ولا يلزم منه إبطال الصلاة. وهو مطرد في وجه عند الحنابلة في كل صلاة وجد فيها خلل يعود إلى الجماعة خاصة، كمن صلى فذًّا قدام الإمام، أو انتقل من الجماعة إلى الانفراد لغير عذر، أو عكسه، أو ائتم بمن لا يجوز الائتمام به، فبطلان الاقتداء لا يلزم منه بطلان صلاته منفردًا. ولأن المصافة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، والإخلال بالواجب لها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة. وهو قول قوي جدًّا لولا حديث وابصة، إلا أن تحمل الإعادة في الحديث من باب التعزيز على ارتكاب المكروه، وهو خلاف الظاهر. دليل من قال: تجوز صلاة الفذ خلف الصف في النفل فقط: هذا القول مبني على أن النفل أوسع من الفرض، ولهذا صح النفل قاعدًا من القادر على القيام، وكذلك صح النفل على الدابة إلى غير القبلة، ولا يصح ذلك في الفرض، فكذلك صلاة الفذ خلف الصف. دليل من قال: تصح صلاة الفذِّ خلف الصف إن كان معذورًا: لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ٦١].

стр. 9317

وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (ح-٣٢٧٨) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١). وجه الاستدلال: إذا سقطت أركان الصلاة بالعجز، والمجمع على أنها جزء من الماهية تقوم عليها الصلاة كالقيام والجلوس، فمن باب أولى سقوط المصافة بالعجز، وهي ليست جزءًا من الماهية، ولا واجبًا فيها، وإنما هي على القول بوجوبها واجب لها، لا فيها. فإذا لم يجد المصلي فرجة في الصف، فقد تعذر عليه الاصطفاف، فسقط عنه كسقوط سائر الفرائض والواجبات بالعجز. الراجح: أرى أن الخلاف في المسألة بين قوي وأقوى ومع ذلك أتمسك بحديث وابصة وعلي بن شيبان، وأن من صلى خلف الصف فعليه الإعادة؛ لأن هذا القول أسلم من الاعتراضات من غيره، وأن من صلى ركعة خلف الصف، ثم التحق بالصف لم تبطل صلاته عملًا بحديث أبي بكرة، ويأثم إن كان عالمًا متعمدًا، فإن استمر منفردًا خلف الصف أعاد الصلاة عملًا بحديث وابصة. والله أعلم.

стр. 9318

المبحث الرابع في حكم الجذب من الصف المدخل إلى المسألة: أمر النبي ﷺ الرجل الذي صلى خلف الصف بالإعادة، وقال ﷺ في حديث شيبان بن علي: لا صلاة لفذ خلف الصف. لم يسأل النبي ﷺ الرجل الفذ، أكان يجد فرجة في الصف أم لا؟ وترك السؤال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. من ادعى أن الرجل الذي صلى وحده خلف الصف كان يجد فرجة في الصف فعليه الدليل. الحديث المطلق جارٍ على إطلاقه، ولا يقيده إلا نص مثله أو إجماع، ولا يوجد نص ولا إجماع يقيد حديث وابصة وعلي بن شيبان بوجود فرجة في الصف. إذا صلى الفذ بجانب الإمام فصلاته صحيحة بالاتفاق، وكون الإنسان يصلي، والأمة كلها متفقة على صحة صلاته خير من أن يفعل فعلًا يختلف المسلمون في صحة صلاته. صلى أبو بكر إلى جانب النبي ﷺ في مرض موته، والصف خلفهما، فإذا كانت الحاجة إلى التبليغ تجوِّز الصلاة بجانب الإمام فالحاجة إلى الخروج من الخلاف في بطلان صلاة الفذ أولى؛ لأن المبلغ يمكنه أن يبلغ، وهو خلف النبي ﷺ . من يرى وجوب المصافة، ويبطل صلاة الفذِّ إذا صلى مع قدرته على الاصطفاف، كيف يسقط الواجب من أجل مراعاة أحد أمرين: إما سنة انفراد الإمام، وإما كراهة جذب المأموم، والسنة والكراهة لا تزاحم الواجب والمحرم، والحاجة ترفع الكراهة فكيف بالواجب.

стр. 9319

الشارع قدم الاصطفاف على سنة تفرد الإمام في الجماعة إذا كانت مكونة من اثنين، وذلك دليل على أن سنة الاصطفاف أهم من سنة تفرد الإمام. لو حضر اثنان، وفي الصف فرجة، فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح ابن تيمية الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب، فإذا كان ذلك مقدمًا في الابتداء، فليكن مقدمًا لو كان الداخل فذًّا، وأمكنه طلب المصافة من الصف. الحركة المترتبة على الجذب بالنسبة لآحاد المصلين حركة يسيرة جدًّا، فلو كانت لغير حاجة لكانت مباحة، فكيف إذا كانت هذه الحركة للخروج من الخلاف في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف. إذا ترك المصلي المكان الفاضل حسًّا لينفع أخاه، فهو في الحقيقة لم يتركه حكمًا؛ لأنه من تَرْك الشيء للعذر، فاجتمع له أجر المكان الفاضل، وتعاونه مع أخيه للخروج من الخلاف في بطلان صلاته. كراهة الجذب من بعض الفقهاء لا يقوم على وجود نهي محفوظ من الشارع عنه لا على سبيل الإلزام، كما هو في تعريف المكروه عند الأصوليين، وإنما هو اجتهاد فقهي مستنبط: إما من فوات صفة مرغوبة غير واجبة، أو من توهم حدوث صفة غير مرغوبة ليست محرمة، وهو ما يسمى خلاف الأولى، وإذا كان ذلك لدفع الخلاف في بطلان صلاة الفذِّ لم يبق مسوغ للكراهة. من قال بالجذب من الفقهاء لا يقصد التعبد بالجذب كوسيلة لطلب المصافة، وإنما مقصوده التوصل إلى الاصطفاف بطلب المصافة، سواء أكان ذلك بالجذب أو بالتنبيه بالكلام أو بالإشارة، أو بأي وسيلة تؤدي إلى الغرض المقصود، دون أن يؤدي ذلك إلى التشويش على المأموم. اكتمال الصف لا يجعل المصلي في حكم العاجز عن الاصطفاف، إلا أن يكون عاجزًا عن الصلاة بجانب الإمام، ولم يجبه أحد من الصف حين طلب المصافة، فحينئذ يكون حكمه حكم المرأة الفذة التي لا تجد من يصافها، وأما قبل ذلك فلا يتحقق العجز.

стр. 9320

[م-١٠٦٨] إذا جاء الرجل يصلي فلم يجد فرجة في الصف، فهل له أن يجذب أحدًا من الصف؛ ليصلي معه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: فقيل: يحرم جذبه، وهو قول شاذ منسوب لابن عقيل من الحنابلة (١). وقيل: يكره الجذب، وهو ظاهر مذهب المالكية، والحنابلة، واختاره البويطي وأبو الطيب الطبري من الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وبه قال إسحاق والأوزاعي على خلاف بينهم أين يقف: فقيل: يقف خلف الصف، وهذا مذهب المالكية، والبويطي والطبري، وابن تيمية (٢). وقال الحنابلة: يقف عن يمين الإمام، إن أمكنه، ولو بتخطي الصفوف، فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه بكلام، أو نحنحة أو إشارة، ويلزمه أن يتبعه، ويكره جذبه نصًّا، ولو كان عبده أو ابنه (٣).

стр. 9321

وقيل: له أن يجذب من يصلي معه، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، ونسبه ابن عقيل لأصحابه من الحنابلة، وصححه ابن قدامة، على خلاف بينهم في حكم الجذب: فقيل: يباح، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن قدامة وبعض الحنابلة (١). وقيل: يستحب الجذب، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٢). فصار الخلاف في الجذب يرجع إلى أربعة أقوال: - التحريم، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة. - والكراهة، وهو مذهب المالكية والحنابلة. - والجواز، وهو مذهب الحنفية، وبعض الحنابلة. -والاستحباب، وهو مذهب الشافعية. دليل من قال: لا يجذب أحدًا من الصف سواء قلنا بالكراهة أم بالتحريم: أن الجذب يتضمن جملة من المحاذير، منها: المحذور الأول: أن في ذلك جناية على الصف؛ لأنه يؤدي إلى الإخلال به؛ لأن جميع الصف سوف يتحرك من أجل سد الفرجة التي حدثت. ونوقش: الحركة بالنسبة لآحاد المصلين حركة يسيرة جدًّا، فلو كانت لغير حاجة لكانت مباحة، فكيف إذا كانت هذه الحركة للخروج من الخلاف في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف. المحذور الثاني: فيه إحداث صف ثاني قبل إتمام الصف الذي قبله، وهو خلاف السنة.

стр. 9322

ويناقش: نعم السنة أن يتم الصف الأول فالأول، ولا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هذه السنة قد عارضها الخروج من الخلاف في بطلان صلاة الفذ، وقد أمر النبي ﷺ من صلى وحده أن يعيد الصلاة، ولم يسأله، أوجد فرجة في الصف أم لم يجد؟ وترك السؤال في مقام الاحتمال يدل على عموم الحكم، فمن ادعى أن الرجل صلى وحده مع وجود فرجة في الصف فعليه الدليل. ولهذا لو دخل الرجلان للصلاة معًا، وكان الصف الأخير ليس فيه ما يسع إلا مكانًا واحدًا، استحب للاثنين أن يصليا معًا، ولو بقي الصف الأول ليس تامًا؛ لأن مراعاة الواجبات أولى من تحصيل السنن. المحذور الثالث: أن في ذلك اعتداءً على المصلي، وذلك بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول، وقد لا يرغب المصلي المجذوب بإيثار المتأخر ويناقش من وجهين: الوجه الأول: وصفه بالاعتداء لا يصدق إلا لو كان ذلك على سبيل الإكراه، فإذا كان المأموم لا يمانع من ذلك فلا وجه لهذا الوصف. الوجه الثاني: إذا ترك المصلي المكان الفاضل حسًا لينفع أخاه، فهو في الحقيقة لم يتركه حكمًا؛ وربما كان فعله خيرًا من فعل ذلك الذي بقي في الصف؛ لأنه من ترك الشيء للعذر، فكأنه لم يتركه؛ لقول النبي ﷺ : إن في المدينة لأقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كتب لهم، قالوا: وهم في المدينة يا رسول الله، قال: وهم في المدينة، حبسهم العذر، فله أجر المكان الفاضل، وله زيادة على ذلك أجر تعاونه مع أخيه للخروج من الخلاف في بطلان صلاته. المحذور الرابع: جذب المصلي فيه تشويش على المجذوب، فقد يجذبه على حين غفلة منه، فيفسد عليه صلاته، وربما تكلم.

стр. 9323

ونوقش: بأنه يمكنه أن ينبه من يقوم معه بكلام، أو نحنحة أو إشارة ولا يحتاج إلى جذبه على غفلة منه، ومن قال بالجذب لم يقصد التعبد بالجذب كوسيلة متعينة لطلب المصافة. المحذور الخامس: أن ذلك خلاف السنة، فإذا سقطت المصافة عن المرأة الفذة خلف صف الرجال كما في حديث أنس (صففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا) (١)، فإذا كان لها أن تصلي وحدها في الصف مع الجماعة إذا لم تجد من يصافها، فكذلك يقاس عليها الرجل إذا لم يجد فرجة في الصف، فله أن يصلى وحده، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي. ويناقش: هناك فرق بين المرأة التي لا تجد معها امرأة أخرى تصافها، فكان الخيار إما أن تصلي وحدها، وإما أن تدع صلاة الجماعة، بخلاف الرجل الذي لا يجد فرجة في الصف، فهذا يجد من يتطوع، ويتأخر معه، ويصافه، من أجل الخروج من خلاف العلماء في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، والله أعلم. ويمكنه أن يقف عن يمين الإمام، فقد صلى أبو بكر إلى جانب النبي ﷺ في مرض موته، والصف خلفهما، فإذا كانت الحاجة إلى التبليغ تجوِّز الصلاة بجانب الإمام فالحاجة إلى الخروج من الخلاف في بطلان صلاة الفذ أولى؛ لأن المبلغ يمكنه أن يبلغ، وهو خلف النبي ﷺ ، بل إن التبليغ، وهو خلف النبي ﷺ أسهل على المبلغ، خاصة إذا كان الإمام يصلي، وهو قاعد، فإن رؤية الإمام المتقدم أسهل على المبلغ من رؤية الإمام وهو جالس بجانبه. وإذا صلى الفذ بجانب الإمام فصلاته صحيحة بالاتفاق، وكون الإنسان يصلي، والأمة كلها متفقة على صحة صلاته خير من أن يفعل فعلًا يختلف المسلمون في صحة صلاته. والصلاة لا تقبل المخاطرة، وهي أعظم أركان الإسلام العملية. والله أعلم. هذه المحاذير إذا قالها من لا يرى وجوب الاصطفاف فهو متسق مع قوله، أما

стр. 9324

أن يقولها من يرى وجوب المصافة، ويبطل الصلاة إذا صلى الفذ مع قدرته على الاصطفاف، ويُحَرِّم على الفذ الصلاة خلف الصف مع وجود فرجة في الصف، فهذا هو الغريب، فكيف نسقط الواجب من أجل مراعاة: إما سنة انفراد الإمام، وإما كراهة جذب المأموم، والسنة والكراهة لا تزاحم الواجب والمحرم. والرجل إذا جاء، ووجد الصف مكتملًا ليس له إلا وأحد من ثلاثة أمور. الأول: الصلاة فذًّا خلف الصف: إما بنية الجماعة، وإما بنية الانفراد. الثاني: الصلاة بجانب الإمام. الثالث: طلب المصافة من الصف. وليس له خيار رابع. فالصلاة خلف الصف فذًّا بنية الانفراد، سيحرمه من الصلاة جماعة، وهو مخالف لحديث أنس حيث صلت المرأة فذَّةً بنية الجماعة. والصلاة فذًّا بنية الجماعة بدعوى أنه عاجز عن الاصطفاف، والواجبات تسقط بالعجز. والمخالف يعارض هذا بأمرين: الأمر الأول: أن حديث وابصة مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فلم يسأله النبي ﷺ أوجد فرجة في الصف أم لا؟، وافتراض أن الصف في حال وابصة كان فيه فرجة لا يمكن أخذه من حديث وابصة. الأمر الثاني: المخالف لا يسلم بأن اكتمال الصف يجعل المصلي عاجزًا عن الاصطفاف، إلا أن يكون عاجزًا عن الصلاة بجانب الإمام، ولم يجبه أحد من الصف حين طلب المصافة، فحينئذ يكون حكمه حكم المرأة الفذة التي لا تجد من يصافها، وأما قبل ذلك فلا يتحقق العجز. والدليل على جواز صلاته بجانب الإمام دليلان: أحدهما: الإجماع على أنه لو صلى كذلك صحت صلاته، بخلاف ما لو صلى فذًّا خلف الصف فالعلماء مختلفون في صحة صلاته. الثاني: صلاة أبي بكر بجانب النبي ﷺ في مرض موته كما في حديث عائشة

стр. 9325

في الصحيحين، سواء أكان النبي ﷺ هو الإمام أم كان الإمام أبا بكر. فإن قيل: صلاة أبي بكر بجانب الإمام ضرورة؛ لأن أبا بكر ليس له مكان في الصف، ولا يمكنه أن يتأخر إلى آخر الصفوف وهو في صلاة. فالجواب: قد وقعت مثل هذه الحالة من قبل كما في حديث سهل بن سعد في صحح البخاري، حيث ذهب النبي ﷺ ليصلح بين بني عوف، فحانت الصلاة، فتقدم أبو بكر، فصلى بالناس، وحضر النبي ﷺ ، وهم في الصلاة، فتراجع أبو بكر القهقرى حتى قام في الصف (١). وفي مرض موته هَمَّ أبو بكر بالتراجع ولم يمنعه من ذلك دعوى أنه لا يجد مكانًا في الصف، وإنما الذي منعه النبي ﷺ حيث أشار إليه النبي ﷺ أن يمكث مكانه. ففي البخاري: ( … لما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك) (٢). فإن قيل: ما الدليل على أنه يطلب المصافة من الصف؟. قيل: حديث وابصة؛ لأنه لما طلب منه الإعادة، وقلنا: إنه مطلق يشمل ما إذا وجد فرجة في الصف أو لم يجد؛ لأن الحديث لا يقيده إلا نص مثله، فلم يكن له بد من أحد الخيارين المتبقين: إما الصلاة بجانب الإمام، وإما طلب المصافة من الصف. ولأنه لو حضر اثنان، وفي الصف فرجة، فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح ابن تيمية الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب، فإذا كان ذلك مقدمًا في الابتداء، فليكن مقدمًا لو كان الداخل فذًّا، وأمكنه طلب المصافة من الصف. دليل من قال: يستحب أن يجذب رجلًا ليصلي معه: كونه لا يصلي فذًّا فذلك من أجل الخروج من الخلاف في بطلان صلاته. وكونه يجذب رجلًا من الصف؛ فمن أجل الخروج من كراهة الصلاة فذًّا، وليحقق الاصطفاف على القول بأنه سنة، وليس بواجب في أحد قولي العلماء.

стр. 9326

ومن قال من الفقهاء كالشافعية: يجذب أحدًا من الصف، فليس المقصود التعبد بالجذب كوسيلة لطلب المصافة، وإنما المقصود التوصل إلى الاصطفاف بطلب المصافة، سواء أكان ذلك بجذب أحد من الصف، أو تنبيهه بالكلام أو بالإشارة، أو بأي وسيلة تؤدي إلى الغرض المقصود دون أن يؤدي ذلك إلى التشويش على المأموم، وبهذا نعرف أن من رد الجذب بحجة التشويش، أن هذا التعليل مدفوع. دليل من قال: يباح الجذب: الاصطفاف إذا كان يتعلق بانتقال الشخص من الصف إلى الصف الذي يليه كان حكمه حكم الحركة في الصلاة لحاجة، وهي مباحة، فيكون الاصطفاف مباحًا، ولماذا لا يكون الفعل مستحبًا إذًا؛ لأن فيه تحصيلًا لمستحب؟ يمكن أن يقولوا: الاستحباب يتعلق بفعل الشخص نفسه، لا بفعل غيره، فإذا توقف الاستحباب على طلب الاصطفاف من الصف المكتمل لم نقدر على القول باستحباب الاصطفاف، ولم نمنعه، وهو يتوقف على حركة مباحة، فكان الحكم الجواز، وهو مقتضى قياس قول أبي حنيفة بأن كل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره، فيسقط أبو حنيفة صلاة الجماعة عن الأعمى إذا كان لا يقدر بنفسه للوصول إلى المسجد، ولو كان له قائد، ويسقط الحج عن الأعمى للعلة نفسها. الراجح: أن المنفرد إذا جاء، والصف مكتمل، فله أحد أمرين: إما الصلاة بجانب الإمام إن أمكن، وهذا خير الأمرين؛ لوجود الدلالة عليه من السنة. أو طلب المصافة من الصف. فإن امتنع المأموم من التأخر، ولم يمكنه الصلاة بجانب الإمام، فقد تحقق العجز، فسقط، وصار شأنه كالمرأة خلف الرجال، ولا يتحقق العجز بمجرد اكتمال الصف، خاصة أن حديث وابصة مطلق، ليس فيه قيد وجود فرجة في الصف، وكذلك القول في حديث علي بن شيبان، والله أعلم.

стр. 9327

المبحث الخامس في الصلاة بين السواري المدخل إلى المسألة: لا يثبت نهي صريح عن الصلاة بين السواري، والآثار الموقوفة في الباب لا يصح منها شيء. أصح ما ورد من المرفوع في الباب حديث أنس: (كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله ﷺ )، وغايته يدل على تفضيل المكان الذي ليس فيه أعمدة على مكان فيه أعمدة. والتفضيل شيء، والكراهة شيء آخر. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قول أنس: كنا نتقيه، ولو اتقى متقٍ كان حسنًا. المكروه قسمان: ما نهى عنه الشارع فهذا أعلاه، وآخر لم يثبت فيه نهي خاص، ويسمى خلاف الأولى، وهو أخف من الأول، ومسألة الباب من هذا النوع. خلاف الأولى وسط بين الكراهة الصريحة وبين الإباحة كترك الصلاة في النعال. من كره الصلاة بين الأساطين، إنما هو في صلاة الجماعة؛ لأن الأساطين تقطع الصفوف، ولا صفوف في صلاة الإمام والمنفرد. إذا دعت حاجة إلى الصلاة بين السواري؛ لكثرة الزحام لم تكره الصلاة بينها؛ لأنه لا مكروه مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة. [م-١٠٦٩] لا يكره للإمام ولا للمنفرد أن يصلي بين أعمدة المسجد (ح-٣٢٧٩) لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من وَلَجَ، فلقيت بلالًا

стр. 9328

فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين (١). ولأنه ليس ثم صف يقطع. وقيل: يكره قيام الإمام بين السواري، وهو قول عند الحنابلة (٢). قال العراقي: «من كره الصلاة بين الأساطين، إنما هو في صلاة الجماعة؛ لأن الأساطين تقطع الصفوف، فأما من صلى بينها منفردًا أو في جماعة، وكان الإمام هو الواقف بينها، أو المأمومين ولم يكثروا، بحيث تحول الأسطوانة بينهم فلا أعلم أحدًا كرهه» (٣). واختلفوا في المأموم: فقيل: لا يكره الصلاة بين السواري، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن سيرين والحسن البصري (٤).

стр. 9329

قال ابن سيرين: «لا أعلم بالصلاة بين السواري بأسًا» (١). وقيل: يكره مع سعة المسجد، فإن دعت حاجة إلى الوقوف بين السواري لم يكره، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، وبه قال إسحاق (٢). واختلفوا في الحكمة من الكراهة: فقيل: لكونها تقطع الصف، وهذا أقواها. وقيل: لأنها موضع النعال، فلا تخلو من نجاسة، واستبعده ابن سيد الناس؛ لكون هذا محدث، يقصد أنه لم يكن موجودًا زمن التشريع. وقيل: لأنها مأوى الشياطين، ومحلهم ينبغي التباعد عنهم، فقد ارتحل ﵊ عن الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وقال: لقد حضرنا فيه شيطان. والقول بأن النعال مأوى الشياطين يحتاج إلى توقيف، فالأول هو الأشبه (٣).

стр. 9330

دليل من قال: تكره الصلاة بين السواري: الدليل الأول: (ح-٣٢٨٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن يحيى بن هانئ، عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا، أو تأخرنا. فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ (١). ووراه النسائي من طريق أبي نعيم، عن سفيان به، قال: كنا مع أنس فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعونا حتى قمنا، وصلينا بين الساريتين، فجعل أنس يتأخر، وقال: قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ . [صحيح] (٢).

стр. 9331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9332

الدليل الثاني: (ح-٣٢٨١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا هارون أبو مسلم، قال: حدثنا قتادة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنا على عهد النبي ﷺ نُطْرَدُ طَرْدًا أن نقوم بين السواري في الصلاة (١). [ضعيف] (٢).

стр. 9333

الدليل الثالث: (ح-٣٢٨٢) روى البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خِدْرِهَا، حتى نخرج الحُيَّضَ فيكُنَّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وَطُهْرَتَهُ. هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: (يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) (١). وجه الاستدلال: طلب الشارع من الحُيَّض الخروج لمصلى العيد، وحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات طلب منهن أن يَكُنَّ خلف الصفوف، فإذا كانت المرأة الحائض تقطع الصف فالصلاة بين السواري كذلك. ونوقش: بأن قياس السواري على الحيِّض قياس مع الفارق، فالسواري فاصل طبيعي، لا يمكن إزالته، ووجوده ضروري لقيام سقف المسجد، بخلاف الحائض فجلوسها في الصف لا وجه له، وهي ليست مخاطبة في الصلاة مع إمكان وقوفها خلف الصف، فكيف إذا وجدت أكثر من امرأة حائض يتخللن الصف. الدليل الرابع: من الآثار. (ث-٨٢٦) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: أخبرنا

стр. 9334

سفيان، عن أبي إسحاق، عن معدي كرب، عن ابن مسعود، قال: لا تصفوا بين الأساطين ولا تأتموا بقوم يَمْتَرُونَ وَيَلْغُونَ. [ضعيف] (١). (ح-٣٢٨٣) ومنها ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق ابن المبارك، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بالصف الأول، وعليكم

стр. 9335

بالميمنة، وإياكم والصف بين السواري. [ضعيف] (١). (ث-٨٢٧) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة من طريق حصين، عن هلال، عن حذيفة: أنه كره الصلاة بين الأساطين. [ضعيف] (٢). دليل من قال: لا تكره الصلاة بين السواري: الدليل الأول: الأصل عدم الكراهة، والآثار الموقوفة في الباب لا يصح منها شيء، وأصح ما ورد من المرفوع في الباب حديث أنس: (كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله ﷺ )، وقد تفرد به عبد الحميد بن محمود، عن أنس، وليس معروفًا بالطلب، وأين أصحاب أنس ﵁، وليس له من الأحاديث المرفوعة إلا هذا الحديث فيما وصل إلينا، ولو كان ذلك محفوظًا لنقل ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإن جميع المساجد لا تخلو من أعمدة تقوم عليها، وكل ما زادت رقعة

стр. 9336

المسجد انتشرت الأعمدة، فلو كانت الصلاة بينها مكروهة لانتشر اتقاؤها بين الصحابة، وعلى التسليم بصحة حديث أنس، فليس فيه إلا أن الصحابة يفضلون من المكان ما ليس فيه أعمدة، وهذا ليس صريحًا بكراهية الصلاة بينها؛ لأن الكراهة تتوقف على ثبوت النهي عن الصلاة بينها، والأحاديث التي فيها التصريح بالنهي لا يثبت منها شيء، فغاية ما يدل عليه حديث عبد الحميد بن محمود، عن أنس تفضيل المكان الذي ليس فيه أعمدة على مكان فيه أعمدة، وتفضيله لا يعني كراهة الصلاة بين السواري، والنبي ﷺ تيمم لرد السلام، وعلل ذلك بأنه يكره أن يذكر الله إلا على طهر، ومع استخدام لفظ الكراهة إلا أنه لا يدل إلا على تفضيل الذكر مع الطهارة على غيره، ولا يقضي ذلك بكراهة الذكر من المحدث، فكذلك هنا. قال ابن المنذر: «ليس في هذا الباب خبر يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قول أنس: كنا نتقيه، ولو اتقى متقٍ كان حسنًا» (١). ويجاب: الترك المقصود فعل، فكون جماعة الصحابة يتقونه في عهد التشريع إيماء بكراهته، وإن كان أخف من المنهي عنه صريحًا، فالمكروه قسمان: - قسم نهى عنه الشارع فهذا أعلى درجات الكراهة. - وقسم من المكروه عند بعض الأصوليين، لم يثبت فيه نهي خاص، ويطلق عليه خلاف الأولى، وهو أخف من الأول، ومسألتنا من هذا النوع. ومنه قول النبي ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر)، ولا يقال لمن ذكر الله على غير طهر أنه قد أتى مكروهًا. وإن شئت قل: بين الكراهة والإباحة واسطة، وهي خلاف الأولى. الدليل الثاني: قطع الصف على القول بكراهته إنما يتوجه إذا تعمد المصلي قطعه بلا حاجة،

стр. 9337

وأما قطعه بحائل طبيعي كالسواري، فأقصى ما يلزم منه أن يكون ما بعد السارية في حكم الصف الجديد إن كانت السارية عريضة جدًّا، والصف الجديد لا يكره فكذلك هذا، وإن كانت السارية ليست بالعريضة، فمثله لا يقطع الصف، وكما لو قام في الصف صبي مع والده وكان لا يحسن الطهارة، فإن تركه والده في المسجد خاف عليه، أو خاف من عبثه، فيقيمه معه في الصف، فمثل ذلك لا يقطع الصف. وقد شرط بعض الحنابلة في السارية حتى تقطع الصف أن يكون عرض السارية ثلاثة أذرع؛ وقال في الفروع: ويتوجه أكثر، أو العرف، ومثله نظائره. وأكثر السواري في مساجدنا وجوامعنا لا يبلغ عرضها مثل ذلك إلا أن يكون ذلك في الجوامع الكبيرة جدًّا فقد يوجد فيها بعض الأعمدة العريضة، على أنها لا تكون صفة لجميع أعمدة المسجد. ولأن المساجد قديمًا وحديثًا لا تخلو من أعمدة، فتجنبها يلزم منه ابتعاد الصف عن الصف الذي أمامه، وتعطيل مساحة من المسجد عن الصلاة فيها. ويجاب: بأن الأعمدة زمن التشريع لم تكن عريضة جدًّا، بل كانت من جذوع النخل أو كانت بعرضها، ومثلها لا يبلغ ثلاثة أذرع، وكان الصحابة يتقونها. ولو كان ما بعد السارية بمنزلة الصف الجديد ما كان الصحابة يتقونها. وأما قيام الصبي في الصف فهذه حاجة، والحاجة ترفع المكروه، ولذلك لو احتاج الناس إلى الصلاة بين السواري لم تكره الصلاة بينها، والله أعلم. الدليل الثالث: قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين ساريتين، وهذا وإن كان في المنفرد، فيقاس الجماعة على الإمام والمنفرد. ويجاب: إذا كانت العلة هي قطع الصف، وهو الأظهر فلا يكره ذلك في حق المنفرد

стр. 9338

والإمام بخلاف الجماعة. الراجح: أن الصلاة بين السواري خلاف الأولى، ومن الفقهاء من يلحق هذا النوع بالمكروهات، وهو أخف من المكروهات التي ثبت فيها النهي الصريح، والله أعلم.

стр. 9339

الشرط الرابع في اشتراط اتحاد مكان الإمام والمأموم المبحث الأول أن يكون الإمام والمأموم في المسجد المدخل إلى المسألة: الشرط في الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام؛ ليتمكن من الاقتداء به. العلم بأفعال الإمام إما برؤية أفعاله، أو بسماع تكبيره، وأحدهما يقوم مقام الآخر، فالأصم يقتدي بالرؤية، ويقتدي الأعمى وفي حال الظلمة بالسماع. إذا لم ير المأموم الإمام، ولم يسمع صوته تعذر الاقتداء به. سماع الإمام أبلغ من رؤيته فقط؛ لأن الرؤية لا تحيط بكل انتقالات الإمام خاصة حال الرفع من السجود، بخلاف السماع. وجود حائل في المسجد يمنع من رؤية الإمام، أو مَنْ وراءه لا يمنع من صحة الاقتداء؛ لأن مشاهدة الإمام تراد للعلم بانتقالاته، والعلم يحصل بسماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية. المسجد بني للجماعة، فكل من اقتدى بالإمام داخل المسجد فقد اقتدى بموضع الجماعة؛ لأن بقاع المسجد كلها مجعولة في الحكم كبقعة واحدة. لا يشترط اتصال الصفوف في المسجد، ولا تقدير مسافة معينة بينها؛ لأن المقادير المرجع فيها إلى نص أو إجماع، ولا يعلم في هذا نص يرجع إليه، ولا إجماع يمكن الاعتماد عليه. [م-١٠٧٠] إذا كان الإمام والمأموم داخل المسجد صح الاقتداء بالإمام مطلقًا، سواء رأى الإمام أو بعض المأمومين أم لم يرهم، وسواء اتصلت الصفوف

стр. 9340

أم لم تتصل، وسواء جمعهما مكان واحد أم لا، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وحكاه النووي والمجد إجماعًا، بشرط إمكان الاقتداء بسماع الإمام، أو من يبلغ عنه، وزاد الحنابلة: ولم يكن فذًّا (١). فإذا كان الإمام والمأموم في المسجد، فلا يشترط إلا العلم بانتقالات إمامه. لأن المأموم يجب عليه أن يقتدي بإمامه، والعلم بأفعال الإمام لا يمكن أن يتم إلا بأحد أمرين: إما برؤية حركات إمامه، أو حركات مَنْ وراءَه، وإما بالسماع، بأن يسمع صوت إمامه، أو صوت مَنْ يبلغ عنه. ولا يشترط تقدير مسافة بين المأموم وبين إمامه، فلو كان الإمام في مقدمة المسجد، والمأموم في آخر المسجد، صح الاقتداء، ما دام المكان متحدًا في المسجد؛ لأن تقدير مسافة معينة لا يدرك إلا بنص، ولا توقيف فيها من قبل الشارع، والأصل عدم التقدير. ولأن المسجد مبني لهذه العبادة، ولإقامة الجماعة، فصارت بقاعه متساوية في حكم الاقتداء، حتى لو كان الإمام على السطح والمأموم على القرار، أو العكس، فالصلاة جائزة (٢). جاء في بدائع الصنائع: «ولو اقتدى بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب جاز؛ لأن المسجد على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد» (٣). وجاء في المجموع: «للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكونا في مسجد، فيصح الاقتداء، سواء قربت المسافة بينهما، أم بعدت؛ لكبر المسجد، وسواء اتحد البناء أم اختلف، كصحن المسجد، وصفته،

стр. 9341

وسرداب فيه، وبئر مع سطحه، وساحته، والمنارة التي هي من المسجد، تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها، إذا علم صلاة الإمام، ولم يتقدم عليه سواء كان أعلى منه أو أسفل، ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين» (١). وقال الزركشي في شرح الخرقي: «إن كان المؤتم في المسجد، والإمام فيه، فإنه لا يشترط اتصال الصفوف، بلا خلاف في المذهب، قاله الآمدي، وحكاه أبو البركات إجماعًا؛ لأنه في حكم البقعة الواحدة» (٢). وقال أيضًا في النكت على المحرر: «وأما في المسجد فلا يعتبر -يعني: اتصال الصفوف- حكاه في شرح الهداية إجماعًا» (٣). وقال أحمد في رواية: «إذا لم ير من وراء الإمام لم تصح، ولو كانا في المسجد» (٤). ونقَضَ غيرُ واحد بالأعمى، وبالظلمة، واقتداء ضرير بضرير (٥). ولأن الجماعة المقابلة للإمام في الحرم المكي تحول الكعبة عن رؤية الإمام، وصلاتهم صحيحة بلا خلاف، فدل على أن اشتراط الرؤية فيها نظر، فالعبرة إمكان الاقتداء بالإمام، وهذا يتحقق بسماع التكبير. ورد هذا: لا يعترض باقتداء الأعمى أو حال الظلمة؛ لأن هذا مانع يمنع من الرؤية، والمقصود من الرؤية إمكانها فلو ارتفع المانع لأمكن الرؤية. ولأن رؤية الإمام تراد للعلم بأفعاله، ولهذا جعلت رؤية من خلفه بمنزلة رؤيته، والعلم يحصل بسماع التكبير، وهو أبلغ من الرؤية وحدها، لأن بعض أفعال الإمام لا تدرك بالرؤية كالرفع من السجود، ولأن الصف الطويل خلف الإمام قد لا يتمكن من في طرف الصف الطويل من رؤية إمامه إلا بالالتفات، بخلاف السماع.

стр. 9342

ولأن الشروط والموانع من أحكام الوضع، لا فرق فيها بين مانع وآخر، فإذا كان المقصود من الرؤية إمكانها لو ارتفع المانع، فلماذا التفريق بين العمى والجدار؟ فكلاهما مانع، وكلاهما لو ارتفعا أمكنت الرؤية. وقيل: يصح الاقتداء إذا لم ير من وراء الإمام في التطوع دون الفريضة، وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد (١). وهذا مبني على أن أحكام النفل أوسع من الفرض، والله أعلم. ويجاب عنه: بأن الأصل عدم التفريق في الأحكام بين النفل والفرض إلا بدليل، ولم يأت في النصوص تفريق في أحكام الإمامة بين النفل والفرض، ولا بين الجمعة وغيرها، والله أعلم.

стр. 9343

المبحث الثاني في اقتداء المأموم وهو في الرحبة والإمام في المسجد المدخل إلى المسألة: إذا صح الاقتداء من خارج المسجد، صح الاقتداء لمن صلى في رحبة المسجد من باب أولى. صحح المالكية والشافعية الاعتكاف في رحبة المسجد، ولا اعتكاف إلا في مسجد، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. أعطيت رحبة المسجد حكم المسجد على سبيل التبع؛ والتابع للشيء معدود منه. لا يشترط لصحة الاقتداء في رحبة المسجد اتصال الصفوف. من اشترط اتصال الصفوف لصحة الاقتداء إنما اشترط ذلك للبقعة التي ليس لها حكم المسجد، بخلاف الرحبة فإنها جزء منه. رَحَبَةُ الْمَسْجِدِ بِفَتْحِ الْحَاءِ: سَاحَتُهُ، ومتسعه، التي تكون بجواره، وأصلُها من السَعَة والرُحْب والوَسَع، وَجَمْعُهَا رَحَبٌ وَرَحَبَاتٌ (١). قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تقول العرب للرجل: لا مرحبًا به، أي: لا رحبت عليك، أي: لا اتسعت (٢). قال النووي: رحبة المسجد: هي البناء المبني له حوله متصلًا به. وقال القاضي أبو الطيب: هي ما حواليه (٣). وقال ابن عابدين نقلًا من الخزائن: «فناء المسجد هو ما اتصل به وليس بينه

стр. 9344

وبينه طريق» (١). وعند المالكية ثلاثة أقوال في رحبة المسجد: قيل: صحن المسجد. و قيل: حريم بابه. وقيل: هو ما زيد في خارج محيطه لتوسعته. قال ابن راشد: «وهو عندي أنسب؛ لأن صحنه منه» (٢). [م-١٠٧١] ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، أن رحبة المسجد لها حكم المسجد، لا يشترط فيها اتصال الصفوف، ولا الرؤية، وبه قال إسحاق (٣).

стр. 9345

قال النووي: «اتفق الأصحاب على أن المأموم لو صلى في رحبة المسجد مقتديًا بالإمام الذي في المسجد صحت صلاته. وإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم يضره؛ لأن الرحبة من المسجد» (١). وقال النووي: قال الرافعي: عده الأكثرون من المسجد، ولم يفرقوا بين أن يكون بينهما وبين المسجد طريق أم لا. وقال ابن كج: «إن انفصلت فهي كمسجد آخر، والمذهب الأول، فقد نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف فيها» (٢). وفي مذهب الحنابلة ثلاث روايات: الأولى: أنها من المسجد. قال في رواية المرُّوذي: يخرج المعتكف إلى الرحبة، هي من المسجد. والرواية الثانية: رحبة المسجد ليست منه. قال أحمد في رواية ابن الحكم: «إذا سمع أذان العصر في رحبة المسجد الجامع انصرف، ولم يصلِّ، ليس هو بمنزلة المسجد، حد المسجد: هو الذي جعل عليه حائط وباب» (٣). وقال ابن قدامة: «وظاهر كلام الخرقي أن رحبة المسجد ليست منه، وليس للمعتكف الخروج إليها؛ لقوله في الحائض: يضرب لها خباء في الرحبة. والحائض ممنوعة من المسجد» (٤).

стр. 9346

الرواية الثالثة: أن رحبة المسجد ليست منه، إلا أن تكون محوطة، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (١). جاء في دقائق أولي النهى: «قال القاضي: إن كان عليها حائط وباب، كرحبة جامع المهدي بالرصافة هي كالمسجد؛ لأنها منه وتابعة له، وإن لم تكن محوطة، كرحبة جامع المنصور، لم يثبت لها حكم المسجد» (٢). جاء في كشاف القناع: «المَحوطة مِنْ المسجد، فحكمها حكمه» (٣). قال ابن قدامة: «فَكَأَنَّهُ -يعني القاضي أبا يعلى- جمع بين الروايتين، وحملهما على اختلاف الحالين» (٤). فتلخص في رحبة المسجد أربعة أقوال: فقيل: هي من المسجد مطلقًا. وقيل: هي ليست من المسجد مطلقًا. وقيل: من المسجد إن اتصلت، فإن انفصلت اعتبرت في حكم المسجد الآخر، وهذا وجه عند الشافعية. وقيل: إن كان عليها حائط وباب فهي من المسجد، وإلا فلا. وهذا المذهب عند الحنابلة. دليل من قال: الرحبة من المسجد مطلقًا: الدليل الأول: (ث-٨٢٨) ما رواه البيهقي من طريق ابن أبي يحيى يعني إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في رحبة المسجد والبلاط بصلاة الإمام.

стр. 9347

[ضعيف جدًّا] (١). الدليل الثاني: أعطيت رحبة المسجد حكم المسجد على سبيل التبع؛ والتابع للشيء معدود منه، وإن لم يكن من نفسه. ألا ترى أن التسليمة الثانية من الصلاة، وإن وقعت بعد التحلل، والرمي والمبيت في الحج من واجباته، وإن أتى بهما بعد زوال الإحرام (٢). دليل من قال: الرحبة ليست من المسجد: (ث-٨٢٩) روى الإمام ابن أبي شية في المصنف، قال: حدثنا محمد بن بشر، وابن نمير، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، أن أبا هريرة، أتى على رجال جلوس في الرحبة، فقال: ادخلوا المسجد؛ فإنه لا جمعة إلا في المسجد. [صحيح] (٣). هل هذا خاص في الجمعة؟ أو أن ما يشترط للجمعة يشترط لغيرها من الصلوات؛ لأنه لا معنى لتخصيص الجمعة بمثل هذا الحكم. دليل من قال: يصلى بالرحبة إن كانت متصلة بالمسجد أو كان عليها حائط: هذا القول حاول الجمع بين أدلة القولين، فأعطاها حكم المسجد في حال اتصلت بالمسجد، أو كان عليها باب وحائط، وليست من المسجد إن كانت منفصلة عنها، وكانت فضاء مفتوحًا لا حائط عليها، ولا باب، والله أعلم. الراجح: صحة الاقتداء لمن صلى بالرحبة لا ينبغي أن يكون فرعًا عن مسألة: هل الرحبة من المسجد أو منفصلة عنها؟ لأن الذين يشترطون اتصال الصفوف، وهم

стр. 9348

الحنفية لا يمنعون من الصلاة فيها، ولو لم تتصل الصفوف، ولو حال حائط بينها وبين المسجد. وأما الجمهور فهم لا يشترطون لصحة الاقتداء خارج المسجد اتصال الصفوف، فالمالكية لا يشترطون إلا إمكان الاقتداء بالسماع أو بالرؤية، والحنابلة لا يشترطون لصحة الاقتداء قرب المسافة، وإنما يشترطون الرؤية للإمام أو لبعض من يصلي خلفه، والشافعية وإن اشترطوا القرب من المسجد إلا أنهم اغتفروا المساحة الفاصلة إذا كانت بحدود ثلاثمائة ذراع تقريبًا فما دون، فإذا رجعنا إلى أقوالهم في صحة الاقتداء لمن هو خارج المسجد فهي لا تمنع من صحة الصلاة في رحبة المسجد من باب أولى.

стр. 9349

المبحث الثالث في الاقتداء إذا اختلف مكان الإمام عن مكان المأموم المدخل إلى المسألة: العبادات مبناها على الاتباع، وما كانت صلاة الجماعة تقام في عصر السلف إلا في بقعة واحدة. المقاصد الشرعية من إقامة الجماعة: هو اجتماع جماعة من المسلمين في بقعة واحدة مع إمكان الاقتداء؛ لما في ذلك من المصالح الدينية، والاجتماعية والسلوكية. اشتراط اتصال الصفوف، أو رؤية الإمام، أو من خلفه لا دليل عليها من النصوص، فلا يوجد نص من الكتاب، ولا من السنة، ولو ضعيفًا، ولا من قول صحابي، فكيف يصح إثبات شروط العبادة بتعاليل فقهية لا تخرج عن كونها دعوى في محل النزاع. كل شرط في العبادة فهو صفة فيها، والعبادات وصفاتها مبناها على التوقيف. شرط الاقتداء معية المأموم للإمام في بقعة واحدة مع إمكان الاقتداء؛ لأن هذا هو معنى الاجتماع لغة وشرعًا وعرفًا. إذا كان الفاصل الطويل بين الصفوف في المسجد مغتفرًا فلا تشترط الرؤية، ولا اتصال الصفوف، فنحتاج إلى دليل صحيح صريح يقوم على التفريق بين فاصل وآخر. القول بأن المسجد جعل في الحكم كالمكان الواحد لا يكفي حجة؛ لأن مثل هذا التعليل ليس دليلًا حتى يكون حجة، فهو دعوى في محل النزاع. إذا كان الإمام والمأموم في المسجد فلا يشترط اتصال الصفوف باتفاق الأئمة الأربعة، وإذا كانا خارج المسجد فلا توقيف في اشتراط مسافة معينة بين الصفوف، فنحتاج إلى دليل على اشتراط اتصال الصفوف إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد. إذا كانت المسافة بين الإمام والمأموم لا تمنع من إمكانية الاقتداء بسماع أو

стр. 9350

برؤية صح الاقتداء إذا كانوا في بقعة واحدة. الأماكن الكثيرة في البقعة الواحدة لها حكم المكان الواحد إذا أمكن الاقتداء، كالغرف مع البيت، فالغرف لها حكم البيت. البقعة الواحدة أعم من أن تكون مسجدًا، أو فضاء، أو دورًا متقاربة، أو سفنًا في مياه واحدة، أو خليطا من ذلك. الجماعة الواحدة لا يضرها إذا فصل بينها حائط، أو طريق، أو نهر، إذا أمكن الاقتداء، وكانوا في بقعة واحدة؛ وعليه يُخَرَّج صلاة أنس وبعض السلف في الصلاة خلف الإمام من الدور القريبة من الحرم. خرج باشتراط البقعة الواحدة الاقتداء عن طريق المذياع والتلفاز فلا تصح الصلاة خلفهما. الصلاة خلف المذياع والتلفاز لا يصح تخريجه على مذهب مالك؛ لأن هذا القول يترتب عليه مفاسد ومخالفات تؤدي إلى تغيير الشريعة، وإخلاء المساجد من عامريها، وإحداث هيئات لم يسبق إليها. الصلاة جماعة تلقى المسلمون صفتها جيلًا عن جيل من عصر الوحي إلى يومنا هذا، وليس منه الاقتداء مع اختلاف البلدان. اشتراك هذا القول مع قول مالك في جزئية كالاقتداء مع وجود فاصل من طريق، أو نهر، أو حائل لا يكفي لتخريج هذه المسألة على قول الإمام مالك، فهي تناقضه في كثير من الأحكام. [م-١٠٧٢] إذا صلى الإمام في مكان، والمأموم في مكان، فهل يصح الاقتداء. وللجواب على ذلك نقول: اختلاف المكان بين الإمام والمأموم يأخذ صورًا مختلفة، منها: الصورة الأولى: أن يكون الإمام في المسجد، وبعض المأمومين خارجه. فإن كانت الصفوف متصلة فالاقتداء صحيح، سواء أكان المكان متحدًا أم مختلفًا. قال ابن تيمية: «وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في
следующие страницы →