الرواية الثالثة: أن رحبة المسجد ليست منه، إلا أن تكون محوطة، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (١).
جاء في دقائق أولي النهى: «قال القاضي: إن كان عليها حائط وباب، كرحبة جامع المهدي بالرصافة هي كالمسجد؛ لأنها منه وتابعة له، وإن لم تكن محوطة، كرحبة جامع المنصور، لم يثبت لها حكم المسجد» (٢).
جاء في كشاف القناع: «المَحوطة مِنْ المسجد، فحكمها حكمه» (٣).
قال ابن قدامة: «فَكَأَنَّهُ -يعني القاضي أبا يعلى- جمع بين الروايتين، وحملهما على اختلاف الحالين» (٤).
فتلخص في رحبة المسجد أربعة أقوال:
فقيل: هي من المسجد مطلقًا.
وقيل: هي ليست من المسجد مطلقًا.
وقيل: من المسجد إن اتصلت، فإن انفصلت اعتبرت في حكم المسجد الآخر، وهذا وجه عند الشافعية.
وقيل: إن كان عليها حائط وباب فهي من المسجد، وإلا فلا. وهذا المذهب عند الحنابلة.
دليل من قال: الرحبة من المسجد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ث-٨٢٨) ما رواه البيهقي من طريق ابن أبي يحيى يعني إبراهيم، عن داود بن الحصين،
عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في رحبة المسجد والبلاط بصلاة الإمام.
стр. 9347
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثاني:
أعطيت رحبة المسجد حكم المسجد على سبيل التبع؛ والتابع للشيء معدود منه، وإن لم يكن من نفسه. ألا ترى أن التسليمة الثانية من الصلاة، وإن وقعت بعد التحلل، والرمي والمبيت في الحج من واجباته، وإن أتى بهما بعد زوال الإحرام (٢).
دليل من قال: الرحبة ليست من المسجد:
(ث-٨٢٩) روى الإمام ابن أبي شية في المصنف، قال: حدثنا محمد بن بشر، وابن نمير، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
أن أبا هريرة، أتى على رجال جلوس في الرحبة، فقال: ادخلوا المسجد؛ فإنه لا جمعة إلا في المسجد.
[صحيح] (٣).
هل هذا خاص في الجمعة؟ أو أن ما يشترط للجمعة يشترط لغيرها من الصلوات؛ لأنه لا معنى لتخصيص الجمعة بمثل هذا الحكم.
دليل من قال: يصلى بالرحبة إن كانت متصلة بالمسجد أو كان عليها حائط:
هذا القول حاول الجمع بين أدلة القولين، فأعطاها حكم المسجد في حال اتصلت بالمسجد، أو كان عليها باب وحائط، وليست من المسجد إن كانت منفصلة عنها، وكانت فضاء مفتوحًا لا حائط عليها، ولا باب، والله أعلم.
الراجح:
صحة الاقتداء لمن صلى بالرحبة لا ينبغي أن يكون فرعًا عن مسألة: هل الرحبة من المسجد أو منفصلة عنها؟ لأن الذين يشترطون اتصال الصفوف، وهم
стр. 9348
الحنفية لا يمنعون من الصلاة فيها، ولو لم تتصل الصفوف، ولو حال حائط بينها وبين المسجد.
وأما الجمهور فهم لا يشترطون لصحة الاقتداء خارج المسجد اتصال الصفوف، فالمالكية لا يشترطون إلا إمكان الاقتداء بالسماع أو بالرؤية، والحنابلة لا يشترطون لصحة الاقتداء قرب المسافة، وإنما يشترطون الرؤية للإمام أو لبعض من يصلي خلفه، والشافعية وإن اشترطوا القرب من المسجد إلا أنهم اغتفروا المساحة الفاصلة إذا كانت بحدود ثلاثمائة ذراع تقريبًا فما دون، فإذا رجعنا إلى أقوالهم في صحة الاقتداء لمن هو خارج المسجد فهي لا تمنع من صحة الصلاة في رحبة المسجد من باب أولى.
стр. 9349
المبحث الثالث في الاقتداء إذا اختلف مكان الإمام عن مكان المأموم
المدخل إلى المسألة:
العبادات مبناها على الاتباع، وما كانت صلاة الجماعة تقام في عصر السلف إلا في بقعة واحدة.
المقاصد الشرعية من إقامة الجماعة: هو اجتماع جماعة من المسلمين في بقعة واحدة مع إمكان الاقتداء؛ لما في ذلك من المصالح الدينية، والاجتماعية والسلوكية.
اشتراط اتصال الصفوف، أو رؤية الإمام، أو من خلفه لا دليل عليها من النصوص، فلا يوجد نص من الكتاب، ولا من السنة، ولو ضعيفًا، ولا من قول صحابي، فكيف يصح إثبات شروط العبادة بتعاليل فقهية لا تخرج عن كونها دعوى في محل النزاع.
كل شرط في العبادة فهو صفة فيها، والعبادات وصفاتها مبناها على التوقيف.
شرط الاقتداء معية المأموم للإمام في بقعة واحدة مع إمكان الاقتداء؛ لأن هذا هو معنى الاجتماع لغة وشرعًا وعرفًا.
إذا كان الفاصل الطويل بين الصفوف في المسجد مغتفرًا فلا تشترط الرؤية، ولا اتصال الصفوف، فنحتاج إلى دليل صحيح صريح يقوم على التفريق بين فاصل وآخر.
القول بأن المسجد جعل في الحكم كالمكان الواحد لا يكفي حجة؛ لأن مثل هذا التعليل ليس دليلًا حتى يكون حجة، فهو دعوى في محل النزاع.
إذا كان الإمام والمأموم في المسجد فلا يشترط اتصال الصفوف باتفاق الأئمة الأربعة، وإذا كانا خارج المسجد فلا توقيف في اشتراط مسافة معينة بين الصفوف، فنحتاج إلى دليل على اشتراط اتصال الصفوف إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد.
إذا كانت المسافة بين الإمام والمأموم لا تمنع من إمكانية الاقتداء بسماع أو
стр. 9350
برؤية صح الاقتداء إذا كانوا في بقعة واحدة.
الأماكن الكثيرة في البقعة الواحدة لها حكم المكان الواحد إذا أمكن الاقتداء، كالغرف مع البيت، فالغرف لها حكم البيت.
البقعة الواحدة أعم من أن تكون مسجدًا، أو فضاء، أو دورًا متقاربة، أو سفنًا في مياه واحدة، أو خليطا من ذلك.
الجماعة الواحدة لا يضرها إذا فصل بينها حائط، أو طريق، أو نهر، إذا أمكن الاقتداء، وكانوا في بقعة واحدة؛ وعليه يُخَرَّج صلاة أنس وبعض السلف في الصلاة خلف الإمام من الدور القريبة من الحرم.
خرج باشتراط البقعة الواحدة الاقتداء عن طريق المذياع والتلفاز فلا تصح الصلاة خلفهما.
الصلاة خلف المذياع والتلفاز لا يصح تخريجه على مذهب مالك؛ لأن هذا القول يترتب عليه مفاسد ومخالفات تؤدي إلى تغيير الشريعة، وإخلاء المساجد من عامريها، وإحداث هيئات لم يسبق إليها.
الصلاة جماعة تلقى المسلمون صفتها جيلًا عن جيل من عصر الوحي إلى يومنا هذا، وليس منه الاقتداء مع اختلاف البلدان.
اشتراك هذا القول مع قول مالك في جزئية كالاقتداء مع وجود فاصل من طريق، أو نهر، أو حائل لا يكفي لتخريج هذه المسألة على قول الإمام مالك، فهي تناقضه في كثير من الأحكام.
[م-١٠٧٢] إذا صلى الإمام في مكان، والمأموم في مكان، فهل يصح الاقتداء.
وللجواب على ذلك نقول:
اختلاف المكان بين الإمام والمأموم يأخذ صورًا مختلفة، منها:
الصورة الأولى: أن يكون الإمام في المسجد، وبعض المأمومين خارجه.
فإن كانت الصفوف متصلة فالاقتداء صحيح، سواء أكان المكان متحدًا أم مختلفًا.
قال ابن تيمية: «وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في
стр. 9351
المسجد، وبينهما حائل، فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة» (١).
إذا علمنا هذه الصورة محل الاتفاق، نأتي إلى ذكر الخلاف بين المذاهب فيما إذا اختلف المكان بين الإمام والمأموم.
فقال الحنفية في الأصح: اتحاد المكان بين الإمام والمأموم شرط لصحة الاقتداء، فإذا صلى الإمام في المسجد، والمأموم خارجه لم يصح الاقتداء، إلا أن تتصل الصفوف،، ولو لم تشتبه على المأموم أفعال الإمام، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وابن تيمية (٢).
وأما الحائل فلا تأثير له عند الحنفية إذا اتصلت الصفوف، وكان لا يشتبه معه العلم بانتقالات الإمام بسماع أو رؤية (٣).
قال أبو جعفر الطحاوي: «والصلاة خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد جائزة، إذا كانت الصفوف متصلة» (٤).
وجاء في بدائع الصنائع: «ولو اقتدى خارج المسجد بإمام في المسجد: إن كانت الصفوف متصلة جاز، وإلا فلا؛ لأن ذلك الموضع بحكم اتصال الصفوف
стр. 9352
يلتحق بالمسجد» (١).
وقال الخرقي في مختصره: «ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد، وغير المسجد، إذا اتصلت الصفوف» (٢).
وقال ابن رجب: «واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي -: إيصال الصفوف دون قرب الإمام.
وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام: إن كان بينهما طريق أو نهر فلا. قيل له: فأنس صلى يوم الجمعة في سطح؟ فقال: يوم جمعة لا يكون طريق الناس.
يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين، فتتصل الصفوف» (٣).
وفرق بين قول أحمد واختيار الخرقي وأبي بكر والقاضي، فالخرقي يشترط اتصال الصفوف مطلقًا، والرواية التي ذكرها ابن رجب عن الإمام أحمد يذكر اتصال الصفوف إذا حال بين الإمام والمأموم طريق، فإن لم يكن طريق أو نهر فلا يشترط اتصال الصفوف، وهذا هو المعتمد عند الحنابلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في حال وجود فاصل من طريق أو نهر» (٤).
وقال جماعة من المتأخرين من الحنفية: يصح الاقتداء، ولو اختلف المكان، إذا لم يشتبه عليه حال الإمام (٥).
وقال المالكية: إذا علم المأموم بفعل الإمام إما بمشاهدة الإمام، أو مشاهدة بعض المأمومين، أو بسماع صوت الإمام، أو صوت المبلغ عنه صح الاقتداء
стр. 9353
مطلقًا، سواء أكان الإمام والمأموم في مكان واحد، أم كانا مفترقين.
فالشرط: هو إمكان الاقتداء، بحيث يقف المأموم على حالات الإمام، وانتقالاته، وهو رواية عن أحمد، وقال به جماعة من السلف كعطاء وأبي مجلز، وعروة والأوزاعي وغيرهم (١).
قال عطاء: يصلي بصلاة الإمام من علمها (٢).
وقال أبو مجلز لاحق بن حميد في المرأة تصلي وبينها وبين الإمام حائط: إذا كانت تسمع التكبير أجزأها (٣).
وجاء في المغني: «قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة، وأبواب المسجد مغلقة: أرجو ألا يكون به بأس» (٤).
وقال ابن رجب: «اشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام، أو يسمع قراءته -نقله عنه حنبل- ولم يشترط غير ذلك» (٥).
стр. 9354
واشتراط القرب لا من أجل القرب، بل من أجل التمكن من الاقتداء، ولذلك قال: (أو يسمع قراءته)، ويقصد بسماع القراءة العلم بحال الإمام حتى لا يشتبه عليه أحوال إمامه، وإلا فسماع القراءة ليست شرطًا لصحة الاقتداء إذا سمع تكبيره، أو تكبير من يبلغ عنه.
وهذان قولان متقابلان.
وقال الحنابلة في الأصح: لا بد من رؤية الإمام، أو من وراءه، ولو في بعض الصلاة، فإن لم ير أحدهما لم يصح الاقتداء، ولو سمع التكبير، ولا يشترط اتصال الصفوف، ولا تقدير مسافة معينة، فلو جاوزت المسافة ثلاثمائة ذراع صح الاقتداء (١).
جاء في الإقناع: «ولا يشترط اتصال الصفوف أيضًا إذا حصلت الرؤية المعتبرة وأمكن الاقتداء، ولو جاوز ثلاثمائة ذراع» (٢).
فالحنابلة في المعتمد أعطوا حكم صلاة الرجل خارج المسجد حكم من صلى داخله إذا رأى الإمام أو من خلفه، وجعلوا الرؤية أهمَّ من سماع التكبير، إذا أمكن الاقتداء بها، والسماع وحده لا يكفي إلا لمن كان في المسجد.
وقيل: يجوز الاقتداء مع وجود الحائل مع الحاجة، ولا يجوز بدونها، وهو قول آخر في مذهب الحنابلة (٣).
стр. 9355
وقيل: يجوز في التطوع، ولا يجوز في الفرض، وهو رواية عن أحمد.
جاء في فتح الباري: «قال أبو طالب: فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم.
فقال: أحمد: ذاك تطوع» (١).
وقالت الشافعية: إذا صلى الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد وأمكن الاقتداء به صح ذلك بشرطين:
стр. 9356
الشرط الأول: أن يكون قريبًا منه، وقدر الشافعي القرب بحيث لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع، وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ الأصح أن ذلك تقريب، فزيادة ثلاثة أذرع لا يضر، وتقدر المسافة من جدار المسجد؛ لأن المسجد كله شيء واحد.
الشرط الثاني: ألا يحول بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فإن حال بينهما حائل لم يصح الاقتداء. وإن منع الاستطراق دون المشاهدة -بأن يكون بينهما شباك- لم يمنع صحة الاقتداء في أحد الوجهين (١).
ولم يشترط الشافعية اتصال الصفوف كالحنفية.
هذا تفصيل الأقوال في المسألة، وبناء عليه:
فأشد المذاهب الحنفية، والذين يشترطون لاتحاد المكان اتصال الصفوف لإعطاء ما هو خارج المسجد حكم المسجد.
وأوسعها مذهبًا المالكية، والذين قالوا: إن المعتبر إمكان الاقتداء، ولا يشترط اتحاد المكان، فسواء أكان من يصلي خارج المسجد في الفضاء، أم كان في بيت من البيوت المجاورة للمسجد فإذا كان يسمع صوت الإمام، أو من يبلغ عنه، أو يرى أفعال الإمام، أو أفعال من خلفه صح الاقتداء، ولو حال بينهما طريق أو نهر.
والشافعية والحنابلة بين القولين:
فالشافعية أعطوا ما قرب من المسجد حكم المسجد، فلم يكتف الشافعي في جواز الاقتداء بالوقوف على حالات الإمام وانتقالاته عن طريق السماع، بل لا بد أن يكون قريبًا منه، وحد القرب بأن تكون المسافة بينهما بحدود ثلاثمائة ذراع فما دون، وبشرط ألا يحول بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فاشترطوا القرب والرؤية، ولم يشترطوا اتصال الصفوف.
واشترط الحنابلة في المعتمد من المذهب: الرؤية، رؤية الإمام أو من خلفه، ولم يشترطوا القرب، ولا اتصال الصفوف، ولم يجعلوا العلم بأحوال الإمام عن طريق السماع كافيًا في صحة الاقتداء، بل لا بد من الرؤية.
стр. 9357
وعليه فمن يصلِّ من الناس بالقرب من الحرم المكي أو المدني، وهو يرى الإمام، أو من خلفه، فالاقتداء صحيح عندهم، ولو لم تتصل الصفوف إذا أمكن الاقتداء.
واختلف الفقهاء فيما إذا فصل طريق أو نهر هل يصح الاقتداء:
فقال الحنفية والحنابلة، وأشهب من المالكية، وهو وجه في مذهب الشافعية: لا يصح الاقتداء إلا إذا اتصلت الصفوف بالطريق، أو كان على النهر جسر، واتصلت من خلاله الصفوف (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «وإن كان على النهر جسر، وعليه صفوف متصلة لا يمنع صحة الاقتداء … » (٢).
جاء في النوادر والزيادات: «قال أشهب: إلا الطريق العريض جدًّا حتى يكون كأنه ليس مع الإمام، فهذا لا تجزئه صلاته، إلا أن يكون في الطريق قوم يصلون بصلاة الإمام صفوفًا متصلة، فصلاته تامة» (٣).
(ث-٨٣٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان،
стр. 9358
عن الأعمش،
عن إبراهيم، أنه كان يكره أن يصلي بصلاة الإمام إذا كان بينهما طريق، أو نساء.
[صحيح] (١).
(ث-٨٣١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن مهدي، عن إسرائيل، عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، قال: سألته عن المرأة تأتم بالإمام، وبينهما طريق، فقال: ليس لها ذلك.
[حسن] (٢).
وقال المالكية والشافعية في الأصح: لا يمنع الطريق والنهر من صحة الاقتداء، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة، وبه قال ابن حزم، واستثنى المالكية الجمعة (٣).
стр. 9359
جاء في المدونة: «وسألنا مالكا عن النهر الصغير يكون بين الإمام وبين قوم، وهم يصلون بصلاة الإمام؟ قال: لا بأس بذلك، إذا كان النهر صغيرًا. قال: وإذا صلى رجل بقوم، فصلى بصلاة ذلك الرجل قوم آخرون، بينهم وبين ذلك الإمام طريق، فلا بأس بذلك. قال: وذلك أني سألته عن ذلك، فقلت له: إن أصحاب الأسواق يفعلون ذلك عندنا في حوانيتهم، فقال: لا بأس بذلك» (١).
وجاء في المدونة: «قال مالك: ومن صلى في دور أمام القبلة بصلاة الإمام، وهم يسمعون تكبير الإمام، فيصلون بصلاته، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، فصلاتهم تامة، وإن كانوا بين يدي الإمام، قال: ولا أحب لهم أن يفعلوا ذلك.
قال ابن القاسم: قال مالك: وقد بلغني أن دارًا لآل عمر بن الخطاب، وهي أمام القبلة، كانوا يصلون بصلاة الإمام فيها فيما مضى من الزمان. قال مالك: وما أحب أن يفعله أحد، ومن فعله أجزأه» (٢).
والكراهة متوجهة للتقدم على الإمام، وليس للاقتداء بالإمام من البيت.
стр. 9360
وفي النوادر والزيادات: «وقال مالك: كانت دار لآل عمر في قبلة المسجد، يصلي أهلها بصلاة الإمام، فلم ير به بأسًا» (١).
(ث-٨٣٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن عدي، عن ابن عون، قال: سئل محمد -يعني: ابن سيرين- عن الرجل يكون على ظهر بيت يصلي بصلاة الإمام في رمضان، فقال: لا أعلم به بأسًا إلا أن يكون بين يدي الإمام.
[صحيح].
وظاهره لم يشترط عدم وجود طريق؛ لأنه لم يستثن إلا أن يتقدم على الإمام.
(ث-٨٣٣) وروى عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه،
عن أبي مجلز (لاحق بن حميد) قال: تصلي المرأة بصلاة الإمام، وإن كان بينهما طريق أو جدار بعد أن تسمع التكبير فلا بأس.
[صحيح] (٢).
فلم يشترط إلا إمكان الاقتداء بسماع التكبير، فلم يشترط الرؤية، ولم يشترط اتصال الصفوف، ولا عدم وجود حائل.
(ث-٨٣٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة،
أن عروة كان يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار حميد بن عبد الرحمن بن الحارث، وبينهما وبين المسجد طريق.
[صحيح] (٣).
стр. 9361
(ث-٨٣٥) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا جرير، عن منصور، قال: كان إلى جنب مسجدنا سطح عن يمين المسجد أسفل من الإمام، فكان قوم هاربين في إمارة الحجاج، وبينهم وبين المسجد حائط طويل، يصلون على ذلك السطح، ويأتمون بالإمام، فذكرته لإبراهيم فرآه حسنًا.
[صحيح] (١).
قال حرب: «سألت إسحاق أيضًا، قلت: صلى، وبينه وبين الإمام حائط، وهو لا يرى الإمام؟ قال: إذا سمع قراءته واقتدى به جاز» (٢).
فعلق الاقتداء على سماع الإمام، وليس على رؤيته أو رؤية من خلفه.
ولم يعتبر إسحاق الفاصل بالطريق والنهر مانعًا من صحة الاقتداء إلا أن يمر فيه الناس وتجري في النهر السفن وقت الصلاة، فصار المانع مرور الناس، وليس قيام الفاصل (٣).
وقال حرب في مسائله: «قلت لأحمد: يا أبا عبد الله إن مسجد البصرة زحامهم كبير، وخارج المسجد دور يصلي فيها الناس بصلاة الإمام، وبينها وبين المسجد طريق تمر فيه الناس، أيجوز هذا؟ قال: نعم، واحتج بحديث أنس بن مالك أنه صلى على غرفة مشرفة على المسجد بصلاة الإمام (٤).
فهذان قولان متقابلان في الطريق والنهر إذا فصلا المأموم عن الإمام:
стр. 9362
الجواز مطلقًا.
والمنع مطلقًا.
واختار ابن تيمية الجواز مع الحاجة.
قال ابن تيمية: وإما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق، ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره … ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقًا، مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة … » (١).
هذه الأقوال في المسألة، وهو ما إذا صلى الإمام في المسجد، وبعض المأمومين يقتدي به من خارج المسجد، سواء أكان ذلك مع وجود حائل من جدار أو طريق أو نهر، أم لا، وسوف أؤجل أدلة المسألة إلى حين عرض بقية الصور؛ لأن أدلتها واحدة، ومتعلق المسألة واحد: هل يشترط اتحاد المكان بين الإمام والمأموم، أم يجوز أن يختلف مكانهما، واختلاف مكانهما قد يأخذ صورة أن يكون الإمام في المسجد، والمأموم خارجه، وكون المأموم خارج المسجد قد يكون في فضاء، وقد يقتدي به من داخل بيت مجاور للمسجد، وقد يكون كلٌّ من الإمام والمأموم في فضاء، وبدلًا من تكرار الأدلة، نعرض صور المسألة ثم نورد أدلتها، فلا يحوجنا ذلك إلى تكرار الأدلة، والله أعلم.
الصورة الثانية: إذا كان الإمام والمأموم في صحراء أو فضاء.
فقال الحنفية: إذا كان الإمام والمأموم يصليان في الصحراء، وكان بينهما قدر صفين فأكثر لم يصح الاقتداء، ودونه يصح (٢).
جاء في البحر الرائق: «ولو اقتدى بالإمام في الصحراء وبينهما قدر صفين فصاعدا لا يصح الاقتداء ودونه يصح» (٣).
стр. 9363
وقال في الفتاوى الهندية: «والمانع من الاقتداء في الفلوات قدر ما يسع فيه صفين» (١).
وقال المالكية: إذا علم المأموم بفعل الإمام إما بمشاهدة الإمام، أو مشاهدة بعض المأمومين، أو بسماع صوت الإمام، أو صوت المبلغ عنه صح الاقتداء مطلقًا، سواء أكان الإمام والمأموم في مكان واحد، أم كانا مفترقين.
فالشرط: هو إمكان الاقتداء، بحيث يقف المأموم على حالات الإمام وانتقالاته، واتحاد المكان ليس بشرط، وهو رواية عن أحمد، وقال به جماعة من السلف كعطاء وأبي مجلز، وعروة والأوزاعي وغيرهم.
قال ابن عبد البر: «وكل من رأى إمامه، أو سمعه، وعرف خفضه ورفعه، وكان خلفه، جاز أن يأتم به في غير الجمعة، اتصلت الصفوف به، أو لم تتصل، إذا ركع بركوعه، وسجد بسجوده ولم يختلط شيء من ذلك عليه، وسواء كان بينهما نهر، أو طريق، أو لم يكن» (٢).
فعلق الاقتداء على أمرين: الرؤية أو السماع، وأحدهما يغني عن الآخر، ولم يشترط القرب من الإمام، ولا اتصال الصفوف، ولا الرؤية إذا أمكن السماع، ولا اتحاد المكان، وهو أوسع المذاهب.
وقال الشافعية: إن كان الإمام والمأموم في فضاء صح الاقتداء، بشرط ألا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبًا. وقيل: تحديدًا، والأول أصح، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع فأقل (٣).
وقال الحنابلة: إذا كانا خارج المسجد، ورأى الإمام، أو رأى بعض المأمومين، ولو في بعض الصلاة صح الاقتداء، ولا يشترط اتصال الصفوف، ولو جاوز المسافة بينهما
стр. 9364
ثلاثمائة ذراع. وإذا لم ير الإمام ولا من خلفه، ولو سمع التكبير لا يصح الاقتداء (١).
فتبين من عرض الأقوال: أن مذهب الجمهور لا يختلف سواء أكان الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد، أو كان كلٌّ منهما في فضاء.
والذي اختلف قوله في المسألتين هو مذهب الحنفية، فالحنفية في المسألة الأولى: إذا كان أحدهما داخل المسجد، والآخر خارجه، قالوا: لا يصح الاقتداء إلا باتصال الصفوف.
وقالوا في المسألة الثانية: لا يصح الاقتداء إذا كان بينهما مسافة تسع صفين، وهم بهذا يعتبرون هذه المسافة قاطعة لاتصال الصفوف، فرجع قولهم في هذه المسألة إلى قولهم السابق، وهو اتصال الصفوف.
الصورة الثالثة: إذا كان الإمام والمأموم في بناءين مختلفين أو كانا في سفينتين.
اختلف العلماء في هذه المسألة:
القول الأول:
ذهب الحنفية في الأصح: أن شرط الاقتداء اتحاد المكان، فلا يصح الاقتداء بين سفينتين إلا أن تكونا مقرونتين، واختاره الإصطخري من الشافعية (٢).
стр. 9365
جاء في البحر الرائق: «لو اقتدى به رجل في سفينة أخرى، فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز؛ لأنهما بالاقتران صارتا كشيء واحد» (١).
وجاء في البحر الرائق: «إذا اقتدى من سطح داره المتصلة بالمسجد، فإنه لا يصح مطلقًا» (٢).
وقال في درر الحكام: «وإن قام على سطح داره، وداره متصلة بالمسجد، لا يصح اقتداؤه، وإن لم يشتبه عليه حال الإمام؛ لأن بين المسجد وبين سطح داره كثير التخلل، فصار المكان مختلفًا، أما في البيت مع المسجد لم يتخلل إلا الحائط، ولم يختلف المكان، وعند اتحاد المكان يصح الاقتداء إلا إذا اشتبه عليه حال الإمام» (٣).
وقال جماعة من المتأخرين من الحنفية: يصح الاقتداء ولو اختلف المكان، إذا لم يشتبه عليه حال الإمام.
جاء في الدر المختار: «ولو اقتدى من سطح داره المتصلة بالمسجد لم يجز؛ لاختلاف المكان، درر وبحر وغيرهما، وأقره المصنف، لكن تعقبه في الشرنبلالية، ونقل عن البرهان وغيره: أن الصحيح اعتبار الاشتباه فقط.
قلت: وفي الأشباه، وزواهر الجواهر، ومفتاح السعادة: أنه الأصح.
وفي النهر، عن الزاد: أنه اختيار جماعة من المتأخرين» (٤).
стр. 9366
القول الثاني: مذهب المالكية:
أجاز المالكية ورواية عن أحمد الاقتداء بالإمام من البيوت المجاورة في غير الجمعة، كما أجازوا اقتداء ذوي سفن متقاربة، ولو سائرة بإمام واحد، إذا أمكن الاقتداء، إما بسماع تكبيره، أو من يبلغ عنه، أو برؤية أفعاله أو أفعال من خلفه (١).
ومراد المالكية من اشتراط التقارب في السفن ليس لذاته، وإنما من أجل التمكن من الاقتداء بسماع تكبيره، أو برؤية أفعاله.
وقال ابن القيم: نقل حَرب، وحَنبل، وأبو الحارث الجوازَ مطلقًا: أن يصلي المأمومُ، وهو يسمعُ قراءةَ الإمام في دار، أو فوق سطح، أو في الرَّحَبة، أو رجل منزلُه مع المسجد يُصَلي على سطحه بصلاة الإمام، أو على سطح المسجد بصلاة الإمام أسفلَ، وذكر الآثار بذلك عن أبي هريرة ﵁، وابن عمر، وابن عباس (٢).
стр. 9367
القول الثالث: مذهب الشافعية.
قال الشافعية: إن كانا في بناءين، كصحن وصفة، أو بيت، فطريقان:
الطريق الأول: حكمهما كالفضاء، يصح الاقتداء بشرطين: ألا يزيد ما بينهما ولا ما بين كل صفين أو شخصين على ثلاثمائة ذراع، وألا يحول مانع بينهما يمنع الاستطراق والمشاهدة، فإن منعهما لم يصح الاقتداء باتفاق الشافعية، وإن منع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك، فوجهان مشهوران، أصحهما: لا تصح لأنه يعد حائلًا.
جاء في تحرير الفتاوى: «لا فرق في ذلك بين أن يكونا في فضاء أو بناءين، وهو طريق العراقيين، وصححه النووي» (١).
الطريق الثاني: إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالًا وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، ولا تضرُّ فرجةٌ لاتسع واقفًا في الأصح.
وإن كان خلف بناء الإمام، اشترط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع، والطريق الأول أصح (٢).
وإن كانا في البحر، والإمام في سفينة والمأموم في أخرى، فإن كانتا مكشوفتين، كان حكمهما حكم الصلاة في الفضاء، من اعتبار القرب والبعد المذكور في الصلاة في الصحراء، ألا يفصل بينهما ما يزيد على ثلاثمائة ذراع.
وإن كانتا مسقفتين، فيشترط في صحة الاقتداء فيهما ما يشترط في الدارين: اعتبار المسافة، وعدم وجود حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، وقد تقدم (٣).
القول الرابع: مذهب الحنابلة.
إذا كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى ففي مذهب الحنابلة في صحة
стр. 9368
الاقتداء وجهان:
الوجه الأول: لا يصح الاقتداء إلا في شدة خوف؛ وهو المعتمد في المذهب، لأن الماء طريق، والصفوف ليست متصلة (١).
قال القاضي أبو يعلى في التعليقة: «فإن كان المأموم في سفينة، والإمام في أخرى، لم يصح ائتمامه به، وكان الماء حائلًا وطريقًا» (٢).
الوجه الثاني: أن الاقتداء صحيح، واختاره ابن قدامة (٣).
وقال في المبدع: «إذا اقتدى به خارج المسجد وهو يراه، أو من خلفه في بعض الصلاة صح … ولو جاوز ثلاثمائة ذراع، أو كانت جمعة في دار ودكان، واعتبر جماعة اتصال الصفوف عرفًا» (٤).
ونص على الجمعة في الدار والدكان إشارة إلى خلاف مالك في الجمعة، وذكر الثلاثمائة ذراع إشارة إلى خلاف الشافعي، والله أعلم.
والمراد من اشتراط الرؤية إمكانها، فلا يضر مع وجود مانع من عمى وظلمة.
قال في كشاف القناع: «والظاهر أن المراد: إمكان الرؤية لولا المانع، إن كان بالمأموم عمى، أو كان في ظلمة، وكان بحيث يرى لولا ذلك صح اقتداؤه حيث أمكنته المتابعة، ولو بسماع التكبير، وكذا إن كان المأموم وحده بالمسجد، أو كان كل منهما بمسجد غير الذي به الآخر، فلا يصح اقتداء المأموم إذن، إن لم ير الإمام
стр. 9369
أو بعض من وراءه» (١).
وبهذا نكون قد استعرضنا أقوال الفقهاء في الصور الثلاثة المختلفة:
- إذا كان الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد.
- إذا كان الإمام والمأموم في صحراء أو فضاء.
- إذا كان الإمام والمأموم في بيتين، أو كانا في سفينتين.
ولم أشأ أن أبحث مسألة الاقتداء خلف المذياع والتلفاز؛ لأنها نازلة، ولا يمكن ردها إلى أقوال سلفنا من الفقهاء والمحدثين، ولأن الخلاف فيها شاذٌّ جدًّا ومآلاته الفقهية خطيرة، فلا أرى أن يعبأ بهذا القول، والإخوة الذين اجتهدوا، بعضهم قال به بعد أن منع الناس من الصلاة في المسجد بسبب وباء كورونا الذي حلَّ في الناس، ولكن الحمد لله بإمكان إقامة الجماعة في البيوت، ولا يفتحون باب شر على الأمة يستغلها المتربصون لإيقاف عمارة المساجد، وتعطيل القائم منها، والله أعلم.
والآن حان وقت ذكر أدلة هذه المسائل.
دليل من قال: يشترط اتحاد المكان:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
(ح-٣٢٨٤) وروى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه. وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٢).
(ح-٣٢٨٥) وروى البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة،
стр. 9370
وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١).
وجه الاستدلال:
دل حديث ابن عمر أن الصحابة كانوا يسمعون قراءة الإمام من البيوت، ودلت الآية الكريمة وحديث أبي هريرة أنهم مأمورون بالسعي إلى الصلاة للجمعة عند سماع النداء، وللصلوات الخمس عند سماع الإقامة، فلو كان الاقتداء بالإمام يصح من البيوت، ولم يكن اتحاد المكان شرطًا لإقامة الجماعة لم يؤمر عموم الصحابة بالسعي إلى الصلاة عند سماع النداء والإقامة، ولخص بالسعي إليها من لم يمكنه الاقتداء بالإمام.
ونوقش هذا:
هذه الأدلة ما سيقت لبيان شرط الاقتداء، ولو قلنا بظاهرها لقلنا: لا يصح الاقتداء إلا بالمسجد، ولهذا لو صلى الجماعة في البيت، أو في صحراء خلف الإمام صح الاقتداء، وجمهور الفقهاء يصححون الاقتداء من خارج المسجد إما مطلقًا كالمالكية، وإما بشرط الرؤية فقط للإمام أو لمن خلفه كالحنابلة، أو بشرط الرؤية، وأن تكون المسافة بينهما أقل من ثلاثمائة ذراع كالشافعية.
ولو أخذنا بظاهر هذه الأدلة لقلنا بوجوب الجماعة بالمسجد، والأئمة الأربعة لا يرون وجوب الجماعة في المسجد إلا رواية عن أحمد، وهي خلاف المعتمد في مذهبه؛ لحديث جابر: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، (وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل). متفق عليه.
وروى الشيخان من حديث أبي ذر مرفوعًا: (حيثما أدركتك الصلاة فصله، فإنه لك مسجد). هذا لفظ مسلم، وكانت الأمم السابقة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فامتن الله على هذه الأمة بصحة الصلاة في كل مكان إلا المقبرة والمكان النجس، وقد ناقشت في المجلد الخامس عشر حكم الجماعة، وحكم الجماعة في المسجد، فأغنى ذلك عن إعادة مناقشتها هنا.
стр. 9371
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٨٦) روى مسلم من طريق الفضل بن دكين عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله؛ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ..... (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (ولو أنكم صليتم في بيوتكم … لضللتم)، فلو كان يمكن الاقتداء بالإمام من البيت ما قال ابن مسعود ما قال، وهذا دليل على أن شرط الاقتداء اتحاد المكان بين الإمام والمأموم.
ونوقش هذا:
الجواب عن هذا الأثر كالجواب عن الدليل السابق، وأن هذا الأثر ما سيق لبيان شرط الاقتداء، ولذلك لو صلى الجماعة في البيت خلف إمام منهم صحت صلاتهم وصح الاقتداء، وظاهر قول ابن مسعود أنه يرى وجوب الجماعة في المسجد، والصحابة مختلفون في هذه المسألة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول ابن مسعود حجة بنفسه، وطلب له مرجح، وقد ناقشت دلالة قول ابن مسعود على وجوب الجماعة في المسجد عند بحث حكم الجماعة في المسجد، فارجع إليه.
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٨٧) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة؛ قال:
خرج علينا رسول الله ﷺ . فقال: .... ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف
стр. 9372
الأول. ويتراصون في الصف (١).
(ح-٣٢٨٨) وروى أحمد، من طريق أبان، حدثنا قتادة،
عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يقول: راصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من الصف كأنه الحذف.
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أمر النبي ﷺ في حديث جابر بإتمام الصفوف: الأول فالأول.
قال ابن تيمية: فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة، ولا يصف في الحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب … » (٣).
وقال ﷺ في حديث جابر ﵁ (وقاربوا بينها): أي قاربوا بين الصفوف، والمقاربة: ضد المباعدة؛ ليشاهد كل صف أفعال الصف الذي أمامه، والأصل في الأمر الوجوب، فيستفاد من مجموع الحديثين: وجوب إتمام الصفوف الأول فالأول، ووجوب تقاربها، فمن صلى خارج المسجد، والصفوف ليست متصلة فقد خالف الأمر النبوي.
ويناقش:
بأن قول النبي ﷺ : (ألا تصفون كما تصف الملائكة … ) قوله: (ألا) للتحضيض، وهو حثهم على أن يصفوا كصف الملائكة وهذا العرض يدل على الاستحباب، ولكن لا يبلغ الوجوب؛ وإذا كان التراص والتلاصق في الصف مستحبًا، فكذلك إتمام الصفوف الأول، فيستفاد من الحديث: استحباب إتمام الصف الأول، واستحباب التَراص في الصفوف.
وأما حديث جابر، وفيه: (الأمر بمقاربة الصفوف) فالأمر هنا محمول على الاستحباب بقرينة أن الشارع لم يذكر مقدار التقارب، والواجبات لا يتركها الشارع
стр. 9373
بدون بيان مقدار الواجب ليتبين الحلال من الحرام، والطاعة من الإثم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو كان هذا الأمر للوجوب لوجبت مقاربة الصفوف حتى في المسجد، والأئمة الأربعة قد اتفقوا على أن تقارب الصفوف في المسجد ليس واجبًا، فجعله واجبًا خارج المسجد يحتاج إلى دليل صحيح صريح.
جاء في بدائع الصنائع: «ولو اقتدى بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب جاز؛ لأن المسجد على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد» (١).
وجاء في المجموع: «للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكونا في مسجد، فيصح الاقتداء، سواء قربت المسافة بينهما، أم بعدت .... ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين» (٢).
وقال الزركشي في شرح الخرقي: «إن كان المؤتم في المسجد، والإمام فيه، فإنه لا يشترط اتصال الصفوف، بلا خلاف في المذهب، قاله الآمدي، وحكاه أبو البركات إجماعًا؛ لأنه في حكم البقعة الواحدة» (٣).
وقال ابن مفلح في النكت على المحرر: «وأما في المسجد فلا يعتبر -يعني: اتصال الصفوف- حكاه في شرح الهداية إجماعًا» (٤).
الدليل الرابع:
(ث-٨٣٦) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن نعيم ابن أبي هند، عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام قال إذا كان بينهما نهر أو طريق أو جدار فلا يأتم به.
[ضعيف] (٥).
стр. 9374
الدليل الخامس:
(ث-٨٣٧) روى الإمام ابن أبي شية في المصنف، قال: حدثنا محمد بن بشر، وابن نمير، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
أن أبا هريرة، أتى على رجال جلوس في الرحبة، فقال: ادخلوا المسجد، فإنه لا جمعة إلا في المسجد.
[صحيح] (١).
الذي اشترط اتحاد المكان كالحنفية يعتبرون رحبة المسجد منه، وهو قول الأئمة الأربعة إلا أحمد فقد روي عنه ثلاث رويات، رواية توافق الجمهور، ورواية تخالفهم، ورواية اشترط أن تكون محوطة ولها باب، وهذا الخلاف من أحمد هل تعتبر من المسجد أم لا، وليس لصحة الصلاة فيها، فالمعتمد في المذهب أنه لو صلى خارج المسجد لم يشترط القرب من المسجد، وإنما يشترط الرؤية للإمام أو لمن خلفه، فالصلاة في الرحبة صحيحة من باب أولى، فخرجنا أن الأئمة الأربعة يرون صحة الصلاة في الرحبة.
وهل أثر أبي هريرة هذا خاص في الجمعة، فالمالكية يفرقون بين الائتمام بالإمام من خارج المسجد بين الجمعة وغيرها، خلافًا لغيرهم.
الدليل السادس:
أن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها.
ونوقش:
نسلم أن المكان من لوازم الصلاة؛ لأن المصلي لا بد له من قرار؛ ليقوم عليه، ويركع، ويسجد، سواء على الأرض، أو على سفينة، أو طائرة، فلا يمكنه الصلاة
стр. 9375
على الهواء، ولكن أين الدليل على وحدة المكان، فلا يوجد دليل من نص، أو إجماع على اشتراط وحدة المكان.
الدليل السابع:
اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي، فتتعذر عليه المتابعة التي هي شرط الاقتداء.
ونوقش:
العلم بحال الإمام لا يتوقف على وحدة المكان، فقد يتحد المكان، ويشتبه على المأموم حال إمامه؛ لوجود حائل يمنع السماع والرؤية، وقد يختلف المكان ويتمكن من الاقتداء لسماع صوت الإمام أو رؤيته، فإذا كان المطلوب في الاقتداء هو العلم بحال الإمام فليعلق الحكم به، فمتى خفي عليه حال إمامه امتنع الاقتداء، وما لا فلا.
دليل من قال: يصح الاقتداء بسماع الإمام أو رؤيته ولو اختلف المكان:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، على اشتراط وحدة المكان بين الإمام والمأموم، والشروط توقيفية، لا تثبت إلا بنص صحيح صريح، أو إجماع، ولا يحل لأحد أن يمنع أحدًا من الصلاة في موضع إلا موضعًا جاء النص بالمنع من الصلاة فيه.
وإذا كان الفاصل الطويل في المسجد مغتفرًا بين الإمام والمأموم، فلا يشترط رؤية، ولا اتصال الصفوف، فنحتاج إلى دليل صحيح صريح يقوم على التفريق بين فاصل وآخر، ولا يكفي القول بأن المسجد جعل في الحكم كالمكان الواحد؛ فهذه دعوى في محل النزاع، وهذا التعليل صنعة فقهية، لم يتلق من نص الكتاب، ولا من لفظ المعصوم؛ لأن المخالف يقول ما الدليل على أن المسجد جعل كبقعة واحدة، أعلاه كأسفله، وآخره كأوله، مع اختلاف مساحة المساجد، فمنها الكبير جدًّا كالمسجد الحرام والنبوي، وبعض الجوامع في حواضر المدن الإسلامية، ومنها المتوسط، ومنها الصغير.
والكبير منها قد يوجد فيها حوائل، فإذا لم تجب الرؤية واتصال الصفوف في الجوامع الكبيرة لم تجب خارج المسجد، وشروط العبادة صفة فيها لا تثبت إلا بتوقيف، وكما لا تثبت
стр. 9376
العبادة بالتعليل النظري، كذلك لا تثبت صفتها بالتعليل النظري، والأصل في صلاة الناس الصحة، ولا يجوز الحكم بفسادها إلا ببرهان من الشارع يجب التسليم له.
هل يمكن أن يكون اتصال الصفوف شرطًا في صحة صلاة الجماعة ثم لا يأتي في النصوص نص جلي واضح في بيان هذا الشرط، تقوم به الحجة، ويعلم به المسلم ما تصح به صلاته؟ حتى تجد الإمام أحمد عنه أربع روايات في المسألة: الجواز مطلقًا، والجواز بداعي الحاجة، والجواز بشرط الرؤية، والجواز بشرط ألا يفصل طريق أو نهر، فإن فصل طريق أو نهر اشترط اتصال الصفوف، وفي مذهبه قول خامس لبعض أصحابه كالخرقي والقاضي وأبي بكر يشترطون اتصال الصفوف.
وجمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المعتمد لا يشترطون اتصال الصفوف، وعلى هذا جماعة من التابعين من أهل الحديث، كعطاء والحسن البصري، وابن سيرين وعروة بن المغيرة وعروة بن الزبير، فلو كانت مسألة اشتراط الصفوف بهذا الوضوح والحسم هل تجد مثل هذا القدر من الخلاف.
فإذا رأيت العبادة أو شرطها الذي لا تصح إلا به لا دليل عليها من الكتاب، ولا من السنة ولو حديثًا ضعيفًا، ولا من قول صحابي، فاعلم أن هذه العبادة أو شرطها لا أصل له، وكيف يتصور أن الشارع لم يبين للناس ما تصح به صلاتهم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٨٩) روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون (١).
стр. 9377
وجه الاستدلال:
ذكر الرسول ﷺ ما الذي يجب على المأموم من التبعية لإمامه، وذلك بمتابعته في التكبير، والركوع، والجلوس، والسجود، وهذا لا يتوقف على وحدة المكان، ولو كانت وحدة المكان شرطًا لصحة الاقتداء لجاءت النصوص صريحة صحيحة لوجوب البيان على الرسول ﷺ ، ولحاجة عامة المسلمين إلى معرفة ما تصح به صلاتهم، فلما لم يوجد في وحدة المكان إلا تعاليل فقهية معارضة بمثلها علم أن ذلك ليس بشرط.
الدليل الثالث:
رؤية المأموم لإمامه إنما تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير، وإذا كان سماع الإمام كافيًا للاقتداء في المسجد، ولو لم ير الإمام، فكذلك يكفي خارج المسجد إذا سمع المأموم تكبير إمامه، ومن اشترط مسافة معينة بين المأموم وإمامه، أو اشترط اتصال الصفوف، أو اشترط الرؤية فقد اشترط ذلك بلا حجة؛ لأن الحجة: نص أو إجماع، ولا يوجد في المسألة إلا حديث: (إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا)، والوقوف على أحوال الإمام ليس متوقفًا على ما اشترط، فالأعمى يقتدي بالسماع، والأصم يقتدي بالرؤية، وأحدهما يغني عن الآخر؛ لأنه يحصل بأحدهما العلم بحال الإمام، ولو اختلف المكان.
الدليل الرابع:
(ث-٨٣٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا هشيم،
عن حميد، قال: كان أنس يجمع مع الإمام، وهو في دار نافع بن عبد الحارث، بيت مشرف على المسجد، له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه، ويأتم بالإمام.
[صحيح] (١).
стр. 9378
قوله: (كان أنس يجمع مع الإمام وهو في دار نافع بن عبد الحارث) يشعر لفظ (كان) بأنه لم يكن عارضًا، بل هو الغالب من فعل أنس ﵁.
وصلاته في الحجاز لا يدل على أنه فعله بدافع الحاجة كما هو فعله في البصرة، ولهذا الإمام أحمد تارة يحتج بفعل أنس على الجواز مطلقًا، وتارة يحتج به بداعي الحاجة كما هو ظاهر فعله في البصرة في الزحام، وهل من قيده بالحاجة أراد الضرورة؛ لأن الحاجة تبيح المكروه، والواجب لا يسقط بالحاجة بل بالعجز.
وهذا صحابي لم يجعل من وحدة المكان شرطًا لصحة الاقتداء، فدل على أنه ليس بشرط، وقد قال بفعل أنس من علمت من التابعين.
ولو كان اتصال الصفوف شرطًا لصحة الجماعة لوجدت الآثار متكاثرة عن الصحابة بذكر هذا الشرط، فغياب مثل هذه الآثار دليل على أنه ليس بشرط؛ لأن إثبات شرط للعبادة يحتاج إلى دليل وجودي، وليس دليلًا عدميًّا، فعدم الدليل على وجوب اتصال الصفوف يدل على أنه ليس بشرط.
ولا يصح الاحتجاج بفعل أنس، أو بفعل التابعين أو بمذهب المالكية على جواز الاقتداء خلف المذياع والتلفاز؛ لأن العبادات مبناها على الاتباع، وما كانت الصلاة جماعة تقام في عصر النبوة إلا في بقعة واحدة، والأماكن الكثيرة في البقعة الواحدة لها حكم المكان الواحد إذا أمكن الاقتداء، كالغرف مع البيت، فالغرف لها
стр. 9379
حكم البيت، والبقعة الواحدة أعم من أن تكون مسجدًا، أو فضاء، أو دورًا متقاربة أو سفنًا في مياه واحدة، فالجماعة الواحدة لا يضر إذا فصل بينها حائط، أو طريق، أو نهر، أو لم تتصل الصفوف، إذا كانت المسافة بين الإمام والمأموم لا تمنع من إمكانية الاقتداء بسماع أو برؤية، وكانوا في بقعة واحدة؛ لأن هذا هو معنى الاجتماع لغة وشرعًا وعرفًا، فالصلاة جماعة تلقى المسلمون صفتها جيلًا عن جيل من عصر الوحي إلى يومنا هذا، فإذا دخل وقتها نادى المنادي لهم: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. قال الفراء: معنى حيَّ في كلام العرب: هَلُمَّ وأَقبِلْ. فالمعنى: أقبلوا إلى الصلاة والفلاح، فيتداعى لها جماعة من المسلمين ممن يسمعون النداء، فيجتمعون على أدائها في بقعة واحدة خلف إمامهم، والأصل في العبادات الاتباع، وإحداث صفة لا تعرف عن السلف لا يجوز.
وقد توهم بعض المعاصرين من أتباع الإمام مالك بأنه يمكن تخريج الاقتداء عن طريق المذياع والتلفاز على مذهب مالك؛ باعتبار أن مذهبه لا يشترط في الاقتداء إلا السماع أو الرؤية، ولا يضر عدم اتصال الصفوف، ولا وجود فاصل من طريق أو نهر.
وفي الحقيقة هذا القول لا يمكن تخريجه على مذهب مالك، ولم يَدُرْ في خَلَدِ الإمام مالك ولا أصحابه السابقين الاقتداء عن طريق المذياع والتلفاز عندما قالوا ما قالوا؛ لأن هذا القول يترتب عليه مفاسد ومخالفات، بل يؤدي إلى تغيير الشريعة، وإخلاء المساجد من عامريها، وإحداث هيئات لم يسبق إليها، فاشتراكها مع قول مالك في جزئية كالاقتداء مع وجود فاصل من طريق، أو نهر، أو حائل لا يكفي لتخريج هذه المسألة على قول الإمام مالك، فهي تناقضه في كثير من الأحكام، فيجب أن ينتبه الإخوة القائلون بهذا القول إلى فقه المآلات، والحرص على سد الذرائع، فهذا القول إذا انتشر ستجد غدًا من يطالب بالتوقف عن إعمار المساجد، ويطالب بدلًا من ذلك بصرف نفقاتها على المستشفيات والتعليم وغيرها، وستختفي شعائر إسلامية ما زالت تتميز بها دار الإسلام عن دار الكفر، وهي إقامة شعائر الأذان والصلاة جماعة في المساجد، فنهدم حصوننا بأيدينا، وقد قال النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
стр. 9380
دليل الشافعية على اشتراط القرب وتقديره بما دون ثلاثمائة ذراع:
الشافعي ﵀ لا يرى سماع الإمام كافيًا لصحة الاقتداء، بل اشترط مع ذلك شرطين:
الشرط الأول: اجتماع المأموم والإمام في مكان واحد.
والاجتماع قد يكون حسيًّا بأن يكونا في المسجد.
وقد يكون حكميًا، بأن يكون مكان المأموم قريبًا من مكان الإمام، بحيث يعدان مجتمعين حكمًا في بقعة؛ لأن ما قرب من الشيء أخذ حكمه.
وجه هذا الشرط: أن من مقاصد الاقتداء: إقامة الصلاة جماعة، ولا يعد من الجماعة أن يقف الإنسان في منزله المملوك، وهو يسمع صوت الإمام أو المبلغ عنه في المسجد ويصلي بصلاة الإمام.
ومستنده في ذلك: أن الشعائر المتعلقة بالصلاة مبنية على الاتباع؛ لأن مبنى العبادات عليها، فكان المسلمون يصلون في المسجد جماعة، وما كان الإمام في مكان، والمأموم في مكان آخر، فالاجتماع في المسجد لما كان جامعًا للإمام والمأموم، لم يضر إفراط البعد؛ لأن المساجد إنما بنيت لهذا الشأن، فيحمل الأمر على أن المجتمعين فيه للصلاة متواصلان وإن تباعدت أبدانهما.
فأما الصحراء الموات، فمحطوط عن المسجد، من جهة أنه ليس مكانًا مهيَّأً لجمع الجماعات، وهي مشابهة من وجهٍ للمسجد؛ فإن الناس مشتركون فيه اشتراكهم في المسجد؛ لهذا لا يشترط في الموقف اتصال الصفوف، ثم ضبَطَ القربَ المعتبر بثلاثمائة ذراع. والأصح أن هذا تقريب، وليس بتحديد، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع فما دون.
وقد اجتهد أصحابه في تخريج هذا التقدير، مع أن المقادير سبيلها التوقيف (١).
وقد ذكر النووي أن التقدير مأخوذ من العرف على الصحيح، وهو قول جمهور الشافعية، لا من صلاة الخوف (٢).
стр. 9381
وقيل: إنه مأخوذ من المسافة بين الصفين في حال الاقتتال؛ إذْ سهام العرب لا تجاوز ذلك.
الشرط الثاني: ألا يوجد حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة.
وجه هذا الشرط: قالو: إن الحائل يمنع من الاجتماع، فصار اشتراط الرؤية من أجل تحقق الاجتماع، لا من أجل التمكن من الاقتداء.
(ث-٨٣٩) ويستدلون بما رواه البيهقي من طريق الربيع، قال: قال الشافعي: قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي ﷺ في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب.
[لم أقف عليه مسندًا عن عائشة] (١).
هذا تقريبًا ما ذكره الشافعية دليلًا على مذهبهم.
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
القول بأن الشافعية أعطوا الموات حكم المسجد؛ لأن الناس شركاء فيه، بخلاف الاقتداء من البيوت، فالصحيح أن الشافعية لا يمنعون أن يكون الإمام في بيت، والمأموم في آخر، أو يكون الإمام في سفينة، والمأموم في آخر، إذا كانت المسافة بينهما لا تزيد على ثلاثمائة ذراع، ولم يكن هناك حائل بين البيتين يمنع من الاستطراق.
الوجه الثاني:
ليس المقصود من الاقتداء الاجتماع في بقعة واحدة، لأن المكان مجرد ظرف، غير مقصود في العبادة، ولهذا أجاز الشافعية الاقتداء، ولو حال بين مكانهما طريق أو نهر، بل المقصود من الاقتداء إقامة الصلاة جماعة، ولو اختلف المكان، وإذا جاز أن يصلي المأموم على سطح المسجد، والإمام بداخله ولو بلا حاجة، فكذلك يجوز الاقتداء، ولو اختلفت البقعة إذا أمكن الاقتداء.
الوجه الثالث:
أن تقدير القرب بأن تكون المسافة بينهما لا تزيد على ثلاثمائة ذراع أي: ما يعادل ١٥٠
стр. 9382
مترًا تقريبًا، يحتاج إلى توقيف؛ لأن المقادير لا سبيل إلى معرفتها بالاجتهاد.
ولهذا قال المزني: قد أجاز القرب (في الإملاء) بلا تأقيت، وهو عندي أولى؛ لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر (١).
وقال إمام الحرمين: «كنت أودُّ لو قال قائل من أئمة المذهب: يُرعى في التواصل مسافةٌ يبلغ فيها صوتُ الإمام المقتدي لو رفع صوتَه قاصدًا تبليغًا على الحد المعهود في مثله، وهذا قريب مما ذكره الشافعي، وهو نوع من تواصل الجماعات في الصلاة» (٢).
وإذا اعتبرنا في المسافة إمكان السماع رجعنا إلى أن القول المعتبر هو إمكان الاقتداء، وليس الاعتبار وحدة المكان.
الوجه الرابع:
أن مثل هذه المسافة بين الصف والصف سواء أكانا في فضاء، أم كان أحدهما في مسجد والآخر في فضاء، لا يمكن القول باتحاد المكان حسًّا مع وجود هذا الفاصل الطويل، وأين الدليل على أنه لو زاد خمسة أذرع أي ما يقارب مترين فقط على الثلاثمائة فسدت الصلاة، وأصبح المكان متعددًا، وإذا نقص هذان المتران صار مكانهما متحدًا، هذا تحكم بلا دليل.
الوجه الخامس:
إذا كان المحكم في تقدير هذه المسافة هو العرف، فأي عرف تقصدون؟ أهو عرف الصحابة، فأين النقل عنهم؟ أوعرف غيرهم، والعرف من طبيعته متغير من جماعة لأخرى، ومن مكان لآخر، ومن وقت لآخر، فليكن التقدير للعرف، فما عد فاصلًا طويلًا عرفًا منع الاقتداء، وما لا فلا.
دليل من قال: يشترط الرؤية وإمكان الاقتداء ما لم يكن بينهما طريق أو نهر:
المقتضي لصحة الاقتداء عند الحنابلة في غير المسجد: الرؤية وإمكان الاقتداء، فلا يشترط القرب، ولا اتصال الصفوف، واشترطوا في الحائل ألا يمنع رؤية الإمام أو رؤية من خلفه ولو في بعض الصلاة، ما لم يكن طريقًا أو نهرًا.
стр. 9383
أما الدليل على اشتراط الرؤية:
الدليل الأول:
استدلوا بما استدل به الشافعية على اشتراط المشاهدة، ولم يشترطوا الاستطراق كالشافعية، فتكفي الرؤية من طاق صغيرة وشباك.
والعلة في اشتراط الرؤية عند الحنابلة إمكان الاقتداء، فلا يشترطون القرب، ولا يكفي سماع التكبير.
وإذا كانت العلة إمكان الاقتداء كما يعللون ذلك في شروحهم، فلماذا لا يعلق الحكم على العلة، ويدور الحكم معها وجودًا وعدمًا، وليس على الرؤية التي قد لا يتحقق فيها الاقتداء بكل أحوال الإمام، كما في حال السجود، فالسماع يتحقق به إمكان الاقتداء في كل أحوال الإمام.
والعلة في اشتراط الرؤية عند الشافعية؛ لتحقق الاجتماع بالقرب من مكان الإمام إلا أنهم اغتفروا الفاصل إذا لم يزد على ثلاثمائة ذراع تقريبًا.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٩٠) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (تقدموا فائتموا بي) فالإمام إنما شرع تقدمه على المأمومين ليتمكنوا من رؤيته؛ وليقتدوا به، فاقتداء الصف الأول بالإمام بالرؤية وبالسماع.
وقوله: (وليأتم بكم من بعدكم) فأمر الصفوف المتأخرة بالاقتداء بمن قبلهم وليس برؤية الإمام، وهو من الاقتداء بالأفعال، لا بسماع التكبير؛ لأن جميع الصف المتقدم محل القدوة لن يجهر بالتكبير، فلا يكون الاقتداء به إلا بالرؤية، فدل على اعتبار الرؤية؛ لصحة الاقتداء لمن لم ير الإمام، ويدخل فيهم من صلى خارج
стр. 9384
المسجد، ولا يصح الاعتراض بالأعمى وفي حال الظلمة؛ لأن هذا مانع ضرورة، فيعتبر في مكانهما ما لو زال هذا المانع لتمكنا من الرؤية.
ويناقش:
المخالف لا يمنع من صحة الاقتداء بالرؤية، ولكن لا يدل على حصر الاقتداء بها لمن هو خارج المسجد، حتى ولو سمع التكبير، فأين النهي عن الاقتداء بالسماع وحده لمن اقتدى من خارج المسجد؟.
وأين الدليل على أن الرؤية شرط لصحة الاقتداء؟
وشروط العبادة توقيفية؛ لأنها صفات في العبادة، والعبادة الأصل فيها المنع، فكذلك صفاتها، والعبادة لا تثبت بالتعليل النظري، والاستحسان العقلي، فكذلك صفاتها، ومنها شروطها، فلا بد من نص أو إجماع لثبوت العبادة وشروطها، والمطلوب من المأموم الاقتداء بالإمام، فإذا كانت المسافة التي بين الإمام والمأموم لا تمنع من إمكان الاقتداء به صح الاقتداء، سواء رأى الإمام أو من خلفه أو لا، فإذا سمع صوت الإمام أو صوت من يبلغ عنه، فكبر بتكبيره، وركع بركوعه، وسجد بسجوده، ولم يشتبه عليه حال الإمام وانتقالاته صح الاقتداء به، وسواء أكان بينهما طريق أو نهر، أم لا، وسواء أكان المكان متحدًا أم لا، فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهل تراد الرؤية إلا لإمكان الاقتداء، والمنصوص عليه العلم بتكبير الإمام؛ لقوله ﷺ : (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، والرؤية تقوم مقام السماع عند تعذره، ولهذا لو تمكن من رؤية الإمام بحيث كان المأموم في الصف الأول، فاقتدى به بالسماع وحده، ولم ير الإمام؛ لكونه في طرف الصف صحت صلاته بالإجماع، فتبين أننا لا نتعبد برؤية الإمام من أجل الرؤية، فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء، فكذلك الحال لمن هو خارج المسجد إذا أمكن الاقتداء بالإمام ولم يره لم تبطل صلاته؛ لحصول المقصود، والرؤية وحدها قد لا تكفي، ولأن المأموم إذا سجد فلا طريق له إلى العلم برفع الإِمام رأسه إلا عن طريق الصوت، فإذا لم يسمع صوت الإمام لم يتمكن من الاقتداء، فكان السماع أبلغ من الرؤية في صحة الاقتداء.
стр. 9385
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٩١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك، جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل (١).
وجه الاستدلال:
أن الصحابة اقتدوا بالنبي ﷺ ، مع اختلاف المكان، ومع وجود الحائل حيث كان الحائل لا يمنع من رؤية الإمام، ولو في بعض الصلاة.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذا الدليل دليل على الحنابلة، وليس دليلًا لهم؛ لأن الصحابة الذين اقتدوا بالنبي ﷺ لم يكونوا يرونه في حال السجود والجلوس والتشهد، وربما لا يرونه حتى في حال الركوع، فإذا صح الاقتداء مع عدم الرؤية في جميع هذه الأركان صح الاقتداء إذا لم يروه في سائر أركان الصلاة، فما صح في بعض الصلاة صح في سائرها، فاضطر الحنابلة إلى القول بأنه يكفي في المشاهدة حصولها في بعض الصلاة، واستدل لذلك ابن قدامة بحديث عائشة، وقال: «الظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه» (٢).
وأين الدليل على اشتراط الرؤية:
فالرؤية للإمام في بعض الصلاة وقعت اتفاقًا، فهي حكاية فعل، لا تفيد الوجوب فضلًا عن الشرطية، وقد سبق بيان أن رؤية الإمام مطلوبة للعلم بانتقالاته من ركوع وسجود وجلوس، ولا يتعبد برؤية الإمام لغير هذه الحاجة، فإذا علم بحال إمامه عن طريق سماع تكبيراته أغنى ذلك عن الرؤية، والله أعلم.