وقيل: إنه مأخوذ من المسافة بين الصفين في حال الاقتتال؛ إذْ سهام العرب لا تجاوز ذلك.
الشرط الثاني: ألا يوجد حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة.
وجه هذا الشرط: قالو: إن الحائل يمنع من الاجتماع، فصار اشتراط الرؤية من أجل تحقق الاجتماع، لا من أجل التمكن من الاقتداء.
(ث-٨٣٩) ويستدلون بما رواه البيهقي من طريق الربيع، قال: قال الشافعي: قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي ﷺ في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب.
[لم أقف عليه مسندًا عن عائشة] (١).
هذا تقريبًا ما ذكره الشافعية دليلًا على مذهبهم.
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
القول بأن الشافعية أعطوا الموات حكم المسجد؛ لأن الناس شركاء فيه، بخلاف الاقتداء من البيوت، فالصحيح أن الشافعية لا يمنعون أن يكون الإمام في بيت، والمأموم في آخر، أو يكون الإمام في سفينة، والمأموم في آخر، إذا كانت المسافة بينهما لا تزيد على ثلاثمائة ذراع، ولم يكن هناك حائل بين البيتين يمنع من الاستطراق.
الوجه الثاني:
ليس المقصود من الاقتداء الاجتماع في بقعة واحدة، لأن المكان مجرد ظرف، غير مقصود في العبادة، ولهذا أجاز الشافعية الاقتداء، ولو حال بين مكانهما طريق أو نهر، بل المقصود من الاقتداء إقامة الصلاة جماعة، ولو اختلف المكان، وإذا جاز أن يصلي المأموم على سطح المسجد، والإمام بداخله ولو بلا حاجة، فكذلك يجوز الاقتداء، ولو اختلفت البقعة إذا أمكن الاقتداء.
الوجه الثالث:
أن تقدير القرب بأن تكون المسافة بينهما لا تزيد على ثلاثمائة ذراع أي: ما يعادل ١٥٠
стр. 9382
مترًا تقريبًا، يحتاج إلى توقيف؛ لأن المقادير لا سبيل إلى معرفتها بالاجتهاد.
ولهذا قال المزني: قد أجاز القرب (في الإملاء) بلا تأقيت، وهو عندي أولى؛ لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر (١).
وقال إمام الحرمين: «كنت أودُّ لو قال قائل من أئمة المذهب: يُرعى في التواصل مسافةٌ يبلغ فيها صوتُ الإمام المقتدي لو رفع صوتَه قاصدًا تبليغًا على الحد المعهود في مثله، وهذا قريب مما ذكره الشافعي، وهو نوع من تواصل الجماعات في الصلاة» (٢).
وإذا اعتبرنا في المسافة إمكان السماع رجعنا إلى أن القول المعتبر هو إمكان الاقتداء، وليس الاعتبار وحدة المكان.
الوجه الرابع:
أن مثل هذه المسافة بين الصف والصف سواء أكانا في فضاء، أم كان أحدهما في مسجد والآخر في فضاء، لا يمكن القول باتحاد المكان حسًّا مع وجود هذا الفاصل الطويل، وأين الدليل على أنه لو زاد خمسة أذرع أي ما يقارب مترين فقط على الثلاثمائة فسدت الصلاة، وأصبح المكان متعددًا، وإذا نقص هذان المتران صار مكانهما متحدًا، هذا تحكم بلا دليل.
الوجه الخامس:
إذا كان المحكم في تقدير هذه المسافة هو العرف، فأي عرف تقصدون؟ أهو عرف الصحابة، فأين النقل عنهم؟ أوعرف غيرهم، والعرف من طبيعته متغير من جماعة لأخرى، ومن مكان لآخر، ومن وقت لآخر، فليكن التقدير للعرف، فما عد فاصلًا طويلًا عرفًا منع الاقتداء، وما لا فلا.
دليل من قال: يشترط الرؤية وإمكان الاقتداء ما لم يكن بينهما طريق أو نهر:
المقتضي لصحة الاقتداء عند الحنابلة في غير المسجد: الرؤية وإمكان الاقتداء، فلا يشترط القرب، ولا اتصال الصفوف، واشترطوا في الحائل ألا يمنع رؤية الإمام أو رؤية من خلفه ولو في بعض الصلاة، ما لم يكن طريقًا أو نهرًا.
стр. 9383
أما الدليل على اشتراط الرؤية:
الدليل الأول:
استدلوا بما استدل به الشافعية على اشتراط المشاهدة، ولم يشترطوا الاستطراق كالشافعية، فتكفي الرؤية من طاق صغيرة وشباك.
والعلة في اشتراط الرؤية عند الحنابلة إمكان الاقتداء، فلا يشترطون القرب، ولا يكفي سماع التكبير.
وإذا كانت العلة إمكان الاقتداء كما يعللون ذلك في شروحهم، فلماذا لا يعلق الحكم على العلة، ويدور الحكم معها وجودًا وعدمًا، وليس على الرؤية التي قد لا يتحقق فيها الاقتداء بكل أحوال الإمام، كما في حال السجود، فالسماع يتحقق به إمكان الاقتداء في كل أحوال الإمام.
والعلة في اشتراط الرؤية عند الشافعية؛ لتحقق الاجتماع بالقرب من مكان الإمام إلا أنهم اغتفروا الفاصل إذا لم يزد على ثلاثمائة ذراع تقريبًا.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٩٠) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (تقدموا فائتموا بي) فالإمام إنما شرع تقدمه على المأمومين ليتمكنوا من رؤيته؛ وليقتدوا به، فاقتداء الصف الأول بالإمام بالرؤية وبالسماع.
وقوله: (وليأتم بكم من بعدكم) فأمر الصفوف المتأخرة بالاقتداء بمن قبلهم وليس برؤية الإمام، وهو من الاقتداء بالأفعال، لا بسماع التكبير؛ لأن جميع الصف المتقدم محل القدوة لن يجهر بالتكبير، فلا يكون الاقتداء به إلا بالرؤية، فدل على اعتبار الرؤية؛ لصحة الاقتداء لمن لم ير الإمام، ويدخل فيهم من صلى خارج
стр. 9384
المسجد، ولا يصح الاعتراض بالأعمى وفي حال الظلمة؛ لأن هذا مانع ضرورة، فيعتبر في مكانهما ما لو زال هذا المانع لتمكنا من الرؤية.
ويناقش:
المخالف لا يمنع من صحة الاقتداء بالرؤية، ولكن لا يدل على حصر الاقتداء بها لمن هو خارج المسجد، حتى ولو سمع التكبير، فأين النهي عن الاقتداء بالسماع وحده لمن اقتدى من خارج المسجد؟.
وأين الدليل على أن الرؤية شرط لصحة الاقتداء؟
وشروط العبادة توقيفية؛ لأنها صفات في العبادة، والعبادة الأصل فيها المنع، فكذلك صفاتها، والعبادة لا تثبت بالتعليل النظري، والاستحسان العقلي، فكذلك صفاتها، ومنها شروطها، فلا بد من نص أو إجماع لثبوت العبادة وشروطها، والمطلوب من المأموم الاقتداء بالإمام، فإذا كانت المسافة التي بين الإمام والمأموم لا تمنع من إمكان الاقتداء به صح الاقتداء، سواء رأى الإمام أو من خلفه أو لا، فإذا سمع صوت الإمام أو صوت من يبلغ عنه، فكبر بتكبيره، وركع بركوعه، وسجد بسجوده، ولم يشتبه عليه حال الإمام وانتقالاته صح الاقتداء به، وسواء أكان بينهما طريق أو نهر، أم لا، وسواء أكان المكان متحدًا أم لا، فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهل تراد الرؤية إلا لإمكان الاقتداء، والمنصوص عليه العلم بتكبير الإمام؛ لقوله ﷺ : (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، والرؤية تقوم مقام السماع عند تعذره، ولهذا لو تمكن من رؤية الإمام بحيث كان المأموم في الصف الأول، فاقتدى به بالسماع وحده، ولم ير الإمام؛ لكونه في طرف الصف صحت صلاته بالإجماع، فتبين أننا لا نتعبد برؤية الإمام من أجل الرؤية، فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء، فكذلك الحال لمن هو خارج المسجد إذا أمكن الاقتداء بالإمام ولم يره لم تبطل صلاته؛ لحصول المقصود، والرؤية وحدها قد لا تكفي، ولأن المأموم إذا سجد فلا طريق له إلى العلم برفع الإِمام رأسه إلا عن طريق الصوت، فإذا لم يسمع صوت الإمام لم يتمكن من الاقتداء، فكان السماع أبلغ من الرؤية في صحة الاقتداء.
стр. 9385
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٩١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك، جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل (١).
وجه الاستدلال:
أن الصحابة اقتدوا بالنبي ﷺ ، مع اختلاف المكان، ومع وجود الحائل حيث كان الحائل لا يمنع من رؤية الإمام، ولو في بعض الصلاة.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذا الدليل دليل على الحنابلة، وليس دليلًا لهم؛ لأن الصحابة الذين اقتدوا بالنبي ﷺ لم يكونوا يرونه في حال السجود والجلوس والتشهد، وربما لا يرونه حتى في حال الركوع، فإذا صح الاقتداء مع عدم الرؤية في جميع هذه الأركان صح الاقتداء إذا لم يروه في سائر أركان الصلاة، فما صح في بعض الصلاة صح في سائرها، فاضطر الحنابلة إلى القول بأنه يكفي في المشاهدة حصولها في بعض الصلاة، واستدل لذلك ابن قدامة بحديث عائشة، وقال: «الظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه» (٢).
وأين الدليل على اشتراط الرؤية:
فالرؤية للإمام في بعض الصلاة وقعت اتفاقًا، فهي حكاية فعل، لا تفيد الوجوب فضلًا عن الشرطية، وقد سبق بيان أن رؤية الإمام مطلوبة للعلم بانتقالاته من ركوع وسجود وجلوس، ولا يتعبد برؤية الإمام لغير هذه الحاجة، فإذا علم بحال إمامه عن طريق سماع تكبيراته أغنى ذلك عن الرؤية، والله أعلم.
стр. 9386
الوجه الثاني:
أن الإضافة في قوله: (في حجرته) للاختصاص، وليست للملكية، فالمقصود أنه كان يتحجر مكانًا في المسجد؛ لرواية زيد بن ثابت ﵁، وإذا كان الاقتداء بالمسجد صح الاقتداء مطلقًا سواء أمكنت رؤية الإمام أم لا، وسواء وجد الحائل بينهما أم لا، وسواء أتصلت الصفوف أم لا، وهو محل اتفاق بين المذاهب.
(ح-٣٢٩٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا موسى بن عقبة: سمعت أبا النضر يحدث، عن بسر بن سعيد،
عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة (١).
(ح-٣٢٩٣) وروى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عروة:
أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها (٢).
الدليل الرابع:
(ث-٨٤٠) قال الشافعي: قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي ﷺ في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب.
стр. 9387
[لم يوقف عليه مسندًا عن عائشة] (١).
الدليل الخامس:
(ث-٨٤١) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند،
عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام قال إذا كان بينهما نهر أو طريق أو جدار فلا يأتم به.
[ضعيف] (٢).
دليل من أجاز الصلاة خارج المسجد مع الحاجة ولو لم تتصل الصفوف:
استدل ابن تيمية بجواز الصلاة خارج المسجد ولو لم تتصل الصفوف إذا وجد باب المسجد مغلقًا، محتجًا بأن جميع واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر.
فكأن ابن تيمية قاس سقوط الواجبات على سقوط الأركان بالعذر.
(ح-٣٢٩٤) لما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن بن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٣).
الراجح:
تبين من خلال البحث أن اتصال الصفوف لا دليل عليه، وإذا لم يشترط في المسجد لم يشترط خارج المسجد، فإذا كان الفاصل الطويل بين الصفوف في المسجد مغتفرًا فنحتاج إلى دليل صحيح صريح يقوم على التفريق بين فاصل وآخر، ولا يكفي القول بأن المسجد جعل في الحكم كبقعة واحدة؛ لأن هذه دعوى في محل النزاع.
ومثله يقال في الحائل والطريق والنهر، وأن الرؤية تراد لإمكانية الاقتداء،
стр. 9388
فلا تطلب لذاتها، وأن ما حول المسجد من الدور، والساحات لها حكم المسجد؛ إذا أمكن الاقتداء؛ لأن البقعة واحدة، وعليه يُخَرَّج صلاة أنس وبعض السلف في الصلاة خلف الإمام من الدور القريبة من الحرم، فالبقعة الواحدة أعمُّ من أن تكون مسجدًا، أو فضاء، أو دورًا متقاربة، أو سفنًا في مياه واحدة، أو خليطا من ذلك، فمن صلى قريبًا من المسجد عرفًا، وأمكن الاقتداء به صحت صلاته، سواء أكان في ساحة أم في بيت، أم على سطح، باعتبار أن البقعة الواحدة لها حكم المكان الواحد، فإذا بعدت المسافة عرفًا بحيث لا يمكن أن يحكم للمكان بأنه بقعة واحدة لم يصح الاقتداء، والله أعلم.
стр. 9389
المبحث الرابع في اشتراط ألا يتقدم المأموم على إمامه
المدخل إلى المسألة:
العبادات مبناها على الاتباع، والقول في صفة العبادة، كالقول في العبادة الأصل فيها المنع إلا بتوقيف.
تقدم الإمام على المأموم صفة مورثة عن النبي ﷺ ، فعلها في حياته، ونقلها عنه أصحابه إلى من بعدهم، وتلقاها المسلمون جيلًا عن جيل، حتى وصلت إلينا بالصفة المتواترة القطعية.
إحداث هيئة في الصلاة تخالف الموروث عن النبي ﷺ ، وعن صحابته بلا إذن من الشارع حدث في العبادة.
لا يجوز التقدم على الإمام في الأفعال، فلا يركع، ولا يسجد قبل إمامه، فكذلك لا يجوز التقدم على الإمام في المكان.
تقدم الإمام على المأموم لو قيل بوجوبه لم تبطل الصلاة بفواته؛ لأنه واجب للعبادة، لا واجب فيها، فالواجب للجماعة أخف من الواجب في أصل الصلاة.
إذا تزاحم فعلان: إما التقدم على الإمام، وإما ترك الصلاة مع الجماعة، كانت فضيلة ا لجماعة أولى بالمراعاة؛ لأن ترك التقدم على الإمام فضيلة تتعلق بالمكان، والصلاة مع الجماعة فضيلة تتعلق بالعبادة نفسها.
[م-١٠٧٣] يستحب وقوف الجماعة خلف الإمام، قال ابن مفلح: وفاقًا للأئمة (١).
فإن تقدم المأموم على الإمام:
فقيل: لا تصح مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، والجديد من قولي الشافعي (٢).
стр. 9390
وقيل: تصح مع الكراهة، وهو مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي، ووجه عند الحنابلة، وبه قال إسحاق (١).
جاء في المدونة: «وقال مالك: ومن صلى في دُوْرٍ أمام القبلة بصلاة الإمام، وهم يسمعون تكبير الإمام، فيصلون بصلاته، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، فصلاتهم تامة، وإن كانوا بين يدي الإمام، قال: ولا أحب لهم أن يفعلوا ذلك» (٢).
وقيل: تصح مع العذر، كالجمع والأعياد. قال ابن تيمية: وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها (٣).
стр. 9391
دليل من قال: لا تصح صلاة من تقدم على الإمام:
الدليل الأول:
قال النبي ﷺ من حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
فالعبادات مبناها على الاتباع، والقول في صفة العبادة، كالقول في العبادة الأصل فيها المنع إلا بتوقيف، وتقدم الإمام على المأموم صفة مورثة عن النبي ﷺ ، فعلها في حياته، ونقلها عنه أصحابه إلى من بعدهم، وتلقاها المسلمون جيلًا عن جيل، حتى وصلت إلينا بالصفة المتواترة القطعية، وهذه الصفة العملية الموروثة من أقوى الأدلة، فمن أحدث صفة في صلاة الجماعة لم تعرف عن النبي ﷺ ، ولا عن صحابته، فذلك من الحدث في العبادة.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٩٥) روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به … الحديث (٢).
ولا يمكن الائتمام به إلا برؤيته والتي تستلزم تقدمه.
(ح-٣٢٩٦) وقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال:
قلت لخباب بن الأَرَتِّ: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته (٣).
فلو لم يكن الإمام متقدمًا على المأموم لم يكن ليرى المأموم اضطراب لحية الإمام.
الدليل الثالث:
قال النبي ﷺ لأصحابه كما في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
стр. 9392
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١).
ولم يكن للمأموم أن يرى كيف يصلي الإمام إلا إذا كان الإمام متقدمًا عليه، يمكنه رؤيته، والاقتداء به.
فإن قيل: إن هذه الهيئة الموروثة عن النبي ﷺ وصحابته مجرد أفعال، والفعل لا يدل على الوجوب.
فالجواب: أن هذه الهيئة، وإن كانت أفعالًا، إلا أنها وقعت بيانًا للمجمل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والأمر للوجوب، وبيان الواجب واجب.
ولأن العبادة طريق إلى الجنة، وكل طريق يخالف طريق رسول الله ﷺ فلن يوصل صاحبه إلى مراده.
ونوقش هذا:
لا يلزم من كون المأموم لا يشرع في حقه التقدم على الإمام أن يكون تقدم الإمام واجبًا، فلو صلى الإمام في وسط الصف، صحت صلاته؛ لقيامه بشروطها وأركانها، وكره الفعل لمخالفته المشروع في مقامه (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٣٢٩٧) روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
فقوله: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بي، وليقتد بكم
стр. 9393
من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي به، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه، فإذا كان المأموم الذي قد يأتم به من خلفه مأمورًا بالتقدم، فموضع القدوة الجامع وهو الإمام مأمور بالتقدم من باب أولى. فلا يمكن تصور الائتمام بالإمام، وهو خلفهم؛ لأنه قد يضطر حينئذ إلى الالتفات وراءه حتى يتمكن من متابعة الإمام والاقتداء به وإدراك سهوه.
الدليل الخامس:
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الجماعة لا يجوز لها أن يكون إمامها خلفها متعمدًا» (١).
وأجاب بعض المالكية على قول ابن عبد البر: بأن عدم الجواز صادق بالكراهة (٢).
وقد يقال: هذا في حق تقدم جميع الجماعة، فلو صلى أكثر الجماعة خلف الإمام، وتقدم عدد منهم على الإمام لا يدخل في كلام ابن عبد البر.
والحامل على تأويل كلام ابن عبد البر أن مذهب المالكية لا يحرم التقدم على الإمام، وهو نص الإمام، وهو خارق لدعوى الإجماع، ولا أظن أن الإمام ابن عبد البر لا يعرف المشهور من مذهب مالك، فلا بد من تأويل كلامه بأحد التأويلين السابقين.
الدليل السادس:
القياس على التقدم على الإمام في الأفعال فكما لا يجوز التقدم على الإمام في الأفعال، فلا يركع، ولا يسجد قبل إمامه، فكذلك لا يجوز التقدم على الإمام في المكان.
ويجاب:
لا يقاس الأفحش والأغلظ على الأخف، فالتقدم في المكان لا يخالف الائتمام، بخلاف التقدم عليه في الأفعال فإنه منافٍ للائتمام وقاطع له.
стр. 9394
دليل المالكية على جواز التقدم على الإمام مع الكراهة:
الدليل الأول:
لم يحفظ نهي من الشارع ينهى المصلي عن التقدم على الإمام في المكان كالنصوص التي جاءت عن الشارع في النهي عن التقدم على الإمام في الأفعال، وعن مسابقة الإمام، فدل على التفريق بين المسألتين، ولو كان النهي عن التقدم على الإمام في المكان ممنوعًا لجاءت النصوص التي توضح ذلك، وتحذر من التقدم، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
والأصل أن المصلي إذا صلى مُؤَدِّيًا للصلاة بشروطها، وأركانها أن صلاته صحيحة، ولا يجوز إبطالها إلا بدليل من الشرع، ولم يوجد دليل يقضي بإعادة الصلاة إذا صلى متقدمًا على إمامه.
الدليل الثاني:
جاء في المدونة: «قال مالك: وقد بلغني أن دارًا لآل عمر بن الخطاب، وهي أمام القبلة، كانوا يصلون بصلاة الإمام فيها فيما مضى من الزمان» (١).
وذكره القرافي، وقال: «ولم ينكر عليهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين» (٢).
وأجيب:
بأن هذا بلاغ، والبلاغ منقطع، لا حجة فيه، والله أعلم.
ورد هذا:
بأن بلاغات الإمام مالك، وإن كان ظاهرها الانقطاع، إلا أن هذه البلاغات كلها موصولة، وصلها الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر سوى أربعة، وهذه الأربعة وصلها ابن الصلاح في جزء مستقل وهو مطبوع أيضًا.
وأجيب:
بأن وصلها لا يعني صحتها، حتى ننظر في رجال الإسناد، فقد يكون إسناده ضعيفًا، والله أعلم.
стр. 9395
الدليل الثالث:
أن الإمام ب (مكة) يقف خلف المقام، والناس مستديرون بالكعبة، وفيهم من يكون أقرب إلى الكعبة من الإمام، وكذلك يصلون في البيت، والإمام متوجه إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى أقرب إلى الجدار من الامام، فدل على أن التقدم على الإمام لا يبطل الصلاة.
ونوقش:
بأن المصلي خلف الإمام في الحرم إن كان أقرب إلى الكعبة منه، وهو في جهة الإمام، ففي صحة صلاته الخلاف المتقدم. وإن كان في غير جهته، فطريقان، والجمهور على صحة صلاته؛ لأن التقدم ليس في جهة الإمام، فلا يوصف بأنه متقدم على الإمام.
ولأن القرب من الكعبة لا يكاد ينضبط، ويشق مراعاته؛ بخلاف غيرهم؛ فإنه لا يشق مراعاتهم أن يكونوا خلفه، فكان هذا الحكم مخصوصًا في الكعبة، فلا يصح الاعتراض به (١).
الدليل الرابع:
تقدم المأموم على الإمام فرع عن حكم تقدم الإمام على المأمومين، فتقدم الإمام من سنن الصلاة، فلو صلى الإمام وسط الصف صحت الصلاة، وخالف المشروع، فكذلك إذا تقدم المأموم على الإمام، فليس في التقدم على الإمام أكثر من مخالفة الموقف المسنون، ومخالفة الموقف المسنون لا يمنع من الصحة.
قال الشافعي: «ولو أم اثنين فوقفا عن يمينه، أو يساره، أو أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره … كرهت ذلك، ولا إعادة، ولا سجود سهو» (٢).
ومثل ذلك لو خالفت المرأة الموقف المشروع لها في الصلاة لم تبطل الصلاة
стр. 9396
خلافًا للحنفية.
«قال ابن القاسم في المرأة تصلي في صف من صفوف الرجال، عن يمينها رجل، وعن يسارها رجل، قال ابن القاسم: لا تفسد صلاتهم» (١).
وقال الشافعي أيضًا: «وإن صلت إلى جنبه امرأة صلاة هو فيها لم تفسد عليه» (٢).
ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن الإمام إذا صلى وسط الصف، أو صلى المأموم عن يسار الإمام لم يتقدم أحد على الإمام، وقياس ذلك على التقدم على الإمام قياس مع الفارق، فكما أن المأموم مطلوب منه أن يركع بعد ركوع الإمام، ولو ركع مع الإمام خالف الأمر الشرعي، ومع ذلك لا يكون بمنزلة من ركع قبل الإمام، فلا يقاس الأغلظ على الأخف.
الوجه الثاني:
بأن وقوف الإمام وسط الصف، أو وقوف المرأة بجانب الرجل لا يفسد الصلاة؛ لأن النهي ليس مختصًا بواحد منهما، بل هما مشتركان في النهي، بخلاف التقدم على الإمام، أو الصلاة فذًّا خلف الصف فهؤلاء يخصان المأموم وحده بالنهي (٣).
ويجاب:
اشتراكهما في النهي لا يغير من طبيعة النهي، بل إن كثرة محل النهي يكون أولى بالمراعاة من الواحد؛ لكثرة الخروق.
الوجه الثالث:
هناك من الفقهاء من يبطل صلاة المأموم إذا صلى عن يسار الإمام مع خلو يمينه كالحنابلة، فالاحتجاج على المخالف بموضع النزاع لا يلزمه.
الدليل الخامس:
لا تبطل الصلاة إلا بترك شروطها وأركانها (فروضها)، فلو سلمنا أن تقدم
стр. 9397
الإمام واجب، فإن ترك الواجب في العبادة ينقص من ثوابها، ولا يبطلها على الصحيح خلافًا للحنابلة؛ بدليل أن هناك من العلماء من قال بوجوب تسوية الصف، كالإمام البخاري وابن حزم وابن تيمية وبعض المتأخرين؛ لحديث: (النعمان بن بشير، قال النبي ﷺ : لَتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم)، متفق عليه، ولا يلزم من ترك التسوية إبطال الصلاة.
وهناك من العلماء من حرَّم النظر إلى السماء في الصلاة خلافًا للأئمة الأربعة؛ لحديث أنس في البخاري: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم) ولو فعل أثم، ولم تبطل صلاته.
والحنفية يقولون بوجوب التشهد الأول، ولو تركه عمدًا لم تبطل صلاته عندهم.
والحنابلة يرون وجوب سجود السهو، ولو ترك سجود السهو الذي بعد السلام عمدًا صحت صلاته.
والأئمة الأربعة يقولون بوجوب متابعة الإمام بالتكبير، فلا يتقدم عليه، ولو سبقه إلى الركن لم تبطل صلاته عندهم.
ولأن تقدم الإمام على القول بوجوبه، هو واجب للعبادة، وليس واجبًا فيها، وهناك فرق بين ترك الواجب لها، وترك الواجب فيها، فالتقدم ليس من ماهية الصلاة.
دليل من قال: يجوز التقدم على الإمام مع العذر:
أن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبًا من واجبات الصلاة في الجماعة، والوجبات كلها تسقط بالعذر، وإن كانت واجبة في أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط؛ ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك (١).
وإذا تزاحم واجبان: إما التقدم على الإمام، وإما ترك الصلاة مع الجماعة، كانت فضيلة الجماعة أولى بالمراعاة؛ لأن ترك التقدم على الإمام فضيلة تتعلق
стр. 9398
بالمكان، والصلاة مع الجماعة فضيلة تتعلق بالعبادة نفسها.
الراجح:
القول بالتفصيل، وأن التقدم جائز مع العذر، وبلا عذر يأثم المصلي، ولا تبطل صلاته؛ لأن الواجب ليس في أصل الصلاة، وإنما وجب لها من أجل الجماعة، والله أعلم.
стр. 9399
المبحث الخامس في علو بعض المصلين على بعض
الفرع الأول في علو الإمام على المأموم
المدخل إلى المسألة:
تميز الإمام عن المأموم في المكان منه ما هو مشروع كتقدمه عليهم إذا كانت الجماعة اثنين فأكثر، ومنه ما هو منهي عنه كعلوه في المكان عليهم.
الإمامة تعطي الإمام حق التقدم على المأموم، لا حق العلو عليهم في المكان.
صح النهي عن علو الإمام على المأموم بنص له حكم الرفع، وأثر صحيح موقوف.
النهي عن علو الإمام على المأموم حكم معلل، وليس تعبديًّا.
إذا قال الصحابي أُمِرنا أو نُهِينا فإن له حكم الرفع على الصحيح؛ لأنه محمول على أن الناهي والآمر من يملك الأمر والنهي الشرعي، وهو النبي ﷺ ، واحتمال أن يكون الآمر هو الخليفة نادر، والأمور محمولة على الغالب.
علة النهي مستنبطة، وليست منصوصة.
بعض الفقهاء يرى العلة منع التشبه بالنصارى، والبعض يرى العلة أن الإمامة ولاية شرعية، والولاية نوع من التكليف لا تعطي للإمام حق العلو على المأموم في مقام العبادة، وحتى لا يحمله هذا على التكبر عليهم، وهذه طريقة المالكية، وهكذا سائر الولايات هي تكليف، لا تشريف.
صلى النبي ﷺ على المنبر بقصد تعليم الصحابة صلاته ﷺ .
فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله.
إذا نهى النبي ﷺ عن شيء وفعله كان النهي محمولًا على الكراهة، إلا أن يأتي دليل صريح يدل على أن الفعل خاص به ﷺ .
стр. 9400
[م-١٠٧٤] اختلف الفقهاء في حكم علو الإمام على المأموم في مكان الصلاة:
قال الحنفية: يكره انفراده في مكان مرتفع بلا عذر، فإن كان مع الإمام بعض القوم لم يكره في الأصح، وكذا إن كان الارتفاع لعذر (١).
جاء في البحر الرائق: «قيد بالانفراد؛ لأنه لو قام بعض القوم مع الإمام، قيل: يكره. والأصح أنه لا يكره، وبه جرت العادة في جوامع المسلمين في أغلب الأمصار» (٢).
وقال المالكية: إن قصد بِعُلِوِّه الكِبْرَ بطلت صلاتُه، وإن لم يقصده ففي المذهب قولان، أحدهما: الكراهة، قال الدردير: وهو المعتمد (٣).
والثاني: يحرم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، واختاره جماعة المالكية (٤).
стр. 9401
ويستثنى من ذلك ما لو قصد التعليم، أو كان لضرورة كضيق المكان، أو لم يدخل على ذلك كما لو صلى منفردًا بمكان عالٍ، فاقتدى به شخص أو أكثر.
وهل الكراهة أوالتحريم مطلقًا، سواء أكان الإمام وحده عاليًا، أم كان معه غيره، أم يجوز إن كان مع الإمام غيره من سائر الناس، خلاف في المذهب، وظاهر المدونة: المنع مطلقًا، قال سند: ظاهر المذهب الإطلاق (١).
واختار ابن الجلاب الجواز إذا كان معه غيره من عموم الناس، أو مثل غيرهم في الشرف. قال الدسوقي: وهو المعتمد (٢).
هذا خلاصة المسألة في مذهب المالكية.
وقال الشافعية: يكره أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم إلا لتعليم.
قال الشيرازي في التنبيه: «والمستحب -وفي المهذب: والسنة- أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم إلا أن يريد تعليمهم أفعال الصلاة» (٣).
وصرح النووي بالمنهاج وبالمجموع بالكراهة، ونسبه للأصحاب (٤).
стр. 9402
قال النووي: «قال أصحابنا: يكره أن يكون موضع الإمام، أو المأموم أعلى من موضع الآخر، فإن احتيج إليه لتعليمهم أفعال الصلاة، أو ليبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام ونحو ذلك استحب الارتفاع؛ لتحصيل هذا المقصود .... » (١).
وفي مذهب الحنابلة أربعة أقوال:
الأولى: الكراهة مطلقًا، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أم لم يرد، وهذا هو المعتمد في المذهب (٢).
وقيل: يكره إلا لإرادة التعليم، وعلى القولين، إن فعل فصلاته صحيحة.
وقيل: إن فعل، وكان كثيرًا لم تصح صلاته، وهو وجه في مذهب الحنابلة، قاله ابن حامد، وصححه ابن عقيل (٣).
وقال ابن قدامة: «وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره» (٤).
فخلصت الأقوال في المسألة كالتالي:
الأول: التحريم، فإن فعل بطلت صلاته، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة، وبه قال الأوزاعي (٥).
الثاني: الجواز، حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وهو اختيار ابن حزم (٦).
الثالث: الكراهة، والقائلون بالكراهة اختلفوا:.
فقيل: مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل الأصح، وقول في مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة.
وقيل: بشرط تفرده، فإن شاركه بعض المأمومين لم يكره، وهو الأصح عند
стр. 9403
الحنفية، والمعتمد عند المالكية.
واستثنى المالكية والشافعية من الكراهة الارتفاع بقصد التعليم، وهو قول في مذهب الحنابلة. وقيل: هو رواية عن أبي حنفية، ذكر ذلك في شرح منية المصلي.
واستثنى الحنفية والمالكية الارتفاع لضرورة المكان، زاد المالكية: أو لم يدخل على ذلك، بأن صلى منفردًا في مكان عالٍ، فاقتدى به بعد ذلك شخص أو أكثر في مكان أسفل من الإمام.
واختلفوا في مقدار العلو المنهي عنه:
فقيل: ما جاوز قامة الإنسان، قاله الطحاوي من الحنفية، وأبو المعالي من الحنابلة (١).
وجهه: لأنه لا يمكنه أن يقتدي بالإمام إلا بعد رفع رأسه إليه، وهو منهي عنه؟
وقيل: الكثير ذراع فأكثر، وما دونه يسير، وهو قول الحنابلة والمالكية واختاره بعض مشايخ الحنفية (٢).
وقيل: ما زاد على علو الدرجة فهو كثير، وهو قول المجد ابن تيمية، وابن قدامة (٣).
لحديث سهل، ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة، وهذا يخص الكثير.
انظر: أدلة الأقوال في مكروهات الصلاة، وإنما ذكرتك بالأقوال لتجدد المناسبة الفقهية، فأغنى ذلك عن إعادتها كاملة هنا، ولله الحمد.
стр. 9404
الفرع الثاني في علو المأموم على الإمام
المدخل إلى المسألة:
النهي عن العلو في المكان ورد في حق الإمام، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
النهي عن علو الإمام على المأموم حكم معلَّلٌ، وليس تعبديًّا.
تَعْدِيَةُ الحكم من الإمام إلى المأموم مشروط بوجود العلة في حق المأموم.
العلة في نهي الإمام عن العلو مستنبطة، وليست منصوصة.
الحكم المعلل بعلة مستنبطة تنشر الحكم على الصحيح وهو قول الجمهور بشرط وجود العلة الجامعة في الفرع.
العلة في نهي الإمام، إن كانت هي التشبه، فالعلة منتفية في حق المأموم، وإن كانت العلة حتى لا يتكبر أصحاب الولايات الشرعية على متبوعيهم، فالمأموم تابع لإمامه، فهذا المعنى منتفٍ أيضًا في حق المأموم، فيمتنع الإلحاق.
[م-١٠٧٥] اختلف الفقهاء في علو المأموم على الإمام:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (١).
وقيل: لا بأس أن يصلي المأموم في مكان أرفع من الإمام نصَّ عليه الطحاوي من الحنفية، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (٢).
وقال به جماعة من التابعين (٣).
стр. 9405
وقد ذكرت هذه المسألة بأدلتها في مكروهات الصلاة، وإنما أعدت ذكر المسألة هنا في أحكام اقتداء المأموم بإمامه؛ لتجدد المناسبة الفقهية، فاقتصرت من المسألة بذكر أقوالها حتى لا يظن القارئ أن البحث خلو منها، وأحلت ذكر الأدلة على المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها كاملة هنا، ولله الحمد.
стр. 9406
الباب الثاني في أحكام الصف
الفصل الأول في فضل الصف الأول
المدخل إلى المسألة:
الصف من سمات صلاة الجماعة، ولا صلاة لفذ مع صلاة الجماعة، فإن كان المأموم واحدًا وقف بجانب إمامه صفًا، وإن كانوا أكثر وقفوا خلف الإمام.
ثبوت تفاوت الفضل بين الصفوف، وأعظمها ثوابًا الصف الأول للرجال.
من بكر إلى الصلاة فقد حاز أربع فضائل: أول الوقت، والصف الأول، والقرب من الإمام، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة.
الإيثار بالصف الأول مرده إلى الجهل بمقدار الثواب.
قال ﷺ : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، فهذا أمر من النبي ﷺ لأولئك بالتبكير لإدراك القرب من الإمام، فلا يليق بأهل العلم والفضل التأخر عن الصف الأول.
الصف الأول: هو ما يلي الإمام، ومن بكر إليه، فمنع منه بغير حق فقد حاز ثوابه.
لو سبق اثنان إلى فرجة في الصف، وتنازعاها، أقرع بينهما؛ لحديث: الاستهام في الصف الأول، ويؤخذ منه مشروعية القرعة عند تزاحم الحقوق.
إدراك الركعة في الصف الأخير أولى من تحصيل الصف الأول مع فواتها؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها.
إطلاق وصف الشر على الصف الأقل خيرًا بالنسبة لغيره ترغيبًا في التبكير، وتنفيرًا عن قرب أحد الجنسين للآخر، وإيماء لاستحباب عزل مكان النساء
стр. 9407
عن مكان الرجال إذا دعت إليه حاجة.
كلما ابتعد صف الرجل والنساء عن بعض ازداد الخير في الصف، فما ظنك بالموقف من اختلاط المرأة ومحاورتها للرجال في غير العبادة، وضَحِكها بينهم، وخضوعها بالقول، ومعارضتهم بالحديث، وقد بلينا في هذا العصر باسترجال النساء.
فيه العمل بسد الذرائع، وخير للمرأة البعد عن الرجال، ولو في أماكن العبادة.
[م-١٠٧٦] الصف الأول للرجال أفضل، والصف الأخير للنساء أفضل من الأول إن كن خلف الرجال، وليس بينهن وبينهم حائل، وهذا محل اتفاق بين العلماء.
فإن كان النساء منفردات عن الرجال، أو كان بينهن وبين الرجال حائل، فالصف الأول في حقهن أفضل (١).
قال النووي: «يستحب الصف الأول ثم الذي يليه … وهذا الحكم مستمر في صفوف الرجال بكل حال، وكذا في صفوف النساء المنفردات بجماعتهن عن جماعة الرجال. أما إذا صلت النساء مع الرجال جماعة واحدة، وليس بينهما حائل، فأفضل صفوف النساء آخرها؛ لحديث أبي هريرة» (٢).
وجاء في مطالب أولي النهى: «ويتجه محل تأخيرِ نساءٍ إن صلين خلف رجال، لا مع بعضهن، فإن صلين مع بعضهن فكالرجال وهو متجه» (٣).
واختار بعض الفقهاء كراهة ترك الصف الأول مع القدرة عليه، وهو قول في مذهب الحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 9408
قال ابن الهمام: «وفي كراهة ترك الصف الأول مع إمكان الوقوف فيه اختلاف» (١).
قال ابن عابدين: «هذا قبل الشروع، فلو شرعوا، وفي الصف الأول فرجة فله خرق الصفوف» (٢).
وجاء في الإنصاف: «فلو ترك الأول كره على الصحيح من المذهب، وهو المشهور. قال في النكت: هذا المشهور، وهو أولى، وعند ابن عقيل: لا يكره» (٣).
قال ابن رشد: «أجمع العلماء على أن الصف الأول مرغب فيه» (٤).
وقال النووي: «اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب الصف الأول والحث عليه، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح» (٥).
(ح-٣٢٩٨) ومستند الإجماع ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ، قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا (٦).
واختلف العلماء في معنى الصف الأول:
فقيل: معناه السبق إلى المسجد، وإن صلى في صف متأخر (٧).
قال ابن حجر: «وكأن صاحب هذا القول لحظ المعنى في تفضيل الصف الأول دون مراعاة لفظه» (٨).
وقيل: الصف الأول: ما يلي الإمام مطلقًا، سواء أجاء صاحبه متقدمًا أم متأخرًا،
стр. 9409
وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، اختاره بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، وأحد الروايتين عن الإمام أحمد، رجحه ابن قدامة، والبهوتي في كشاف القناع (١).
قال النووي في شرح مسلم: «واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون» (٢).
وقيل: أول صف تام يلي الإمام، لا ما تخلله مقصورة يمنع الناس من دخولها وأخذ به بعض الحنفية، وهو قول في مذهب المالكية، وقال ابن رجب: هو المنصوص عن الإمام أحمد (٣).
قال ابن حجر: وكأن صاحب هذا القول لحظ أن المطلق ينصرف إلى الكامل وما فيه خلل فهو ناقص (٤).
стр. 9410
والمراد بالمقصورة هنا: ما ذكره ابن عابدين بقوله: «والظاهر أن المقصورة في زمانهم اسم لبيت في داخل الجدار القبلي من المسجد، كان يصلي فيها الأمراء الجمعة، ويمنعون الناس من دخولها خوفًا من العدو، فعلى هذا اختلف في الصف الأول، هل هو ما يلي الإمام من داخلها، أم ما يلي المقصورة من خارجها؟» (١).
وكان أصحاب ابن مسعود يرون أن الصف الأول ما يلي المقصورة؛ لأنهم كانوا يمنعون العامة من دخول المقصورة (٢).
ومستند من كره الصلاة في المقصورة التي يمنع الناس منها اختلاف العلماء في صحة الصلاة في الأرض المغصوبة.
وقيل: كلاهما صف أول في المعنى، هذا بصورته، وهذا بسبقه، حكاه القاضي عياض، ورجح غيره (٣).
وقيل: الصف الأول أفضل إلا إذا كان يرى فيه منكرًا لا يستطيع إنكاره، فالتأخر له أسلم، اختاره الغزالي في الإحياء، وقال: فعل ذلك جماعة من العلماء طلبًا للسلامة (٤).
وليس هذا قولًا مستقلًا، لأن هجر المكان إذا كان فيه منكر، لا يمكنه إنكاره، واجب، ولو بترك الصلاة في ذلك المسجد إلى مسجد آخر.
стр. 9411
دليل من قال: الصف الأول هو الذي يلي الإمام:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٩٩) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر،
عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ … ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا (١).
وله شاهد من حديث ابن مسعود في مسلم (٢).
ويستفاد من الحديث أن الصف الفاضل هو الصف الأول مما يلي الإمام.
قال ابن الجوزي: «الأحلام: العقول. والنهى: اسم للعقل أيضًا، لأنه ينهى عن القبيح. وإنما أمر بهذا لثلاثة معان:
أحدها: تفضيلهم بالتقدم.
الثاني: ليعقلوا عنه ما ينقل من فعله.
والثالث: لأنه ربما احتاج إليهم، إما بتذكيره ما أخل به، أو في استنابتهم إن نابه أمر» (٣).
وقال ابن الرفعة الشافعي: «لو حضر الصبيان أولاً، ثم الرجال، وقد استوعب الصبيان الصف الأول، فليس لهم إزالتهم عن موضعهم، قاله القاضي الحسين وغيره» (٤).
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٠٠) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (٥).
стр. 9412
الدليل الثالث:
(ح-٣٣٠١) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها (١).
دليل من قال: الصف الأول: هو الذي سبق إلى المسجد:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٠٢) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٠٣) روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، يقول:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : … لا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (٣).
ما ورد في فضل التهجير إلى الصلاة، أي التبكير لها، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وسبق ذكره.
وما ذكر في فضل الصف الأول فالمعنى منه فضل التبكير إلى الصلاة، فرتب الفضل على التبكير بذكر لازمه، فإنه يلزم من التبكير إليها الصلاة في الصف الأول،
стр. 9413
فيشمله الفضل، ولو صلى في الصف الأخير.
قال ابن عبد البر: «ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بكر، وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول أفضل ممن تأخر، ثم تخطى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول، وأنه ورد من أجل البكور إليه والتقدم، والله أعلم» (١).
ويجاب:
بأن النبي ﷺ فرق بين فضل الصف الأول وفضل التهجير في حديث واحد، فعلم أن لكل واحد منهما فضلًا مستقلًا عن الآخر.
(ح-٣٣٠٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الإمام مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه … الحديث (٢).
قال الأزهري: «يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال، وهو غلط، والصواب ما رواه أبو داود المَصاحِفِيّ، عن النضر بن شميل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير؛ سمعت الخليل بن أحمد يقول ذلك في تفسير هذا الحديث» (٣).
وقال ابن الأثير: «التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه. يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا، فَهُوَ مُهَجِّرٌ، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة» (٤).
تعليل من قال: الصف الأول الذي يلي المقصورة إن كان الناس يمنعون منها:
هذه المقصورة التي أحدثها الأمراء في زمن بني أمية إن كانت بحق؛ لداعي
стр. 9414
الحاجة إلى الأمن، وكانت بقدر الحاجة، وكان من يصلي فيها يحضر قبل الناس، فيكون أحق بها من غيره، فالصف الأول هو الذي يلي الإمام.
وإن كانت هذه المقصورة لا حاجة لها، وكان من يصلي فيها يحضر آخر الناس، وكان الناس يدفعون عنها، ويمنعون من دخولها، وكان التحجير أكثر من الحاجة، فهذا نوع من الغصب، فإذا بكر أحد إلى المسجد، وصلى في الصف الذي يلي المقصورة فله أجر الصف الأول؛ لأن الممنوع معذور، فلا يحرم أجر الصف الأول، بعدوان غيره، والله أعلم.
الراجح:
أن من بكر إلى المسجد وصلى في الصف الأول فقد حاز فضيلتين: فضيلة التهجير، والصف الأول.
ومن تأخر، وصلى في الصف الأخير فقد فاتته الفضيلتان.
أما من بكر، وصلى في الصف الأخير، أو تأخر وصلى في الصف الأول فقد فاتته إحدى الفضيلتين، وحاز الأخرى.
قال ابن العربي: هي أربع مراتب:
الأولى: السبق إلى المسجد ودخول الصف الأول، وهو أفضلها.
ثانيها: تأخر إقباله، وصلى في الصف الآخر، فذلك شرها. (يعني أقلها خيرًا).
ثالثها: سبق إلى النداء لكنه صلى في الآخر.
رابعها: تأخر عن إجابة الداعي، فلما جاء المسجد دخل في الصف الأول. قال العلماء: هما سواء. وعندي أن الرابع أفضل من الثالث (١). اه
وإنما كان أفضل؛ لأن تصرفه يدل على زهد في الثواب، وإيثار في القرب، وعدم مبالاة، بخلاف هذا المتأخر الذي كان حريصًا على المكان الفاضل، إلا أن يكون تأخره لمعنى صحيح دعاه لذلك.
стр. 9415
الفصل الثاني في التفضيل بين إدراك الركعة أو إدراك الصف الأول
المدخل إلى المسألة:
يقدم الأهم على المهم، والمهم على ما دونه عند تزاحم الفضائل والسنن والفرائض إذا تعذر الجمع بينها.
ما اتفق على وجوبه مقدم على ما اختلف فيه، وما اختلف في وجوبه مقدم على ما اتفق على سنيته، وتقدم السنة المؤكدة على السنة غير المؤكدة.
يقدم المتصل بذات العبادة على المتصل بزمانها ومكانها في الجملة، فلا يضيع جزءًا من الصلاة من أجل تحصيل سنة السواك، أو يمين الصف الأبعد، ولا يترك الرمل في الطواف من أجل الدنو من البيت.
إدراك الركعة في الصف الأخير أولى من تحصيل الصف الأول مع فواتها؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها.
[م-١٠٧٧] اختلف الفقهاء في الرجل: إن دخل في الصف المتأخر أدرك الركعة، وإن طلب الصف الأول فاتته الركعة، فأيهما يقدم؟.
فقيل: يقدم إدراك الصف الأول، ولو فاتته الركعة، إلا أن تكون الركعة الأخيرة فإدراكها أفضل من الصف الأول، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وظاهر إطلاق الحنابلة (١).
стр. 9416
قال الزرقاني: «إدراك الصف الأول أفضل من الركعة» (١).
وقال في الإقناع: «وظاهر كلامهم يحافظ على الصف الأول وإن فاتته الركعة، إلا إن خاف فوت الجماعة» (٢).
واستدلوا لقولهم:
(ح-٣٣٠٥) بما رواه البخاري من طريق همام، عن الأعلم وهو زياد، عن الحسن،
عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصا ولا تعد (٣).
واستدل على هذا بقوله ﷺ لأبي بكرة: زادك الله حرصًا ولا تعد.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ قدم إدراك الصف على إدراك الركعة فذًّا، ونهاه عن العود إلى الركوع دون الصف حرصًا على إدراك الركعة (٤).
ويجاب:
بأن القياس على هذه المسألة قياس مع الفارق، فالمسألة مفروضة في رجل ركع فذًّا، قبل الدخول في الصف، وفي إدراك الركعة إذا رفع الإمام رأسه قبل الدخول في الصف خلاف بين العلماء، والبحث وإنما هو في رجل أدرك الصف المتأخر، فتركه، وهو يعلم أن
стр. 9417
الركعة سوف تفوته حرصًا على إدراك الصف الأول، فلا يصدق عليه هذا الدليل، والله أعلم.
وقيل: إدراك الركعة أفضل من إدراك الصف الأول، وهو مذهب الحنفية.
قال ابن نجيم: «إذا أدرك الإمام راكعًا فشروعه لتحصيل الركعة في الصف الأخير أفضل من وصل الصف الأول مع فوتها» (١).
وهذا هو الصواب؛ لأن إدراك الركعة فضيلة تتعلق في ذات العبادة، وإدراك الصف الأول فضيلة تتعلق بمكانها، وإدراك ما يتعلق بذاتها أولى؛ لأن المكان ليس جزءًا من الماهية، فهو مجرد ظرف.
والدليل على صحة هذه القاعدة قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام.
فقدم الطعام على فضيلتين: الجماعة وأول الوقت، من أجل تفريغ القلب عن كل ما يشغله، أو يذهب بكمال خشوعه؛ لأن الخشوع يتعلق بذات العبادة بخلاف الوقت والجماعة.
ونوقش:
بأننا لو قلنا بتفضيل ما اتصل بالعبادة على ما اتصل بمكانها لساغ للرجل إذا لم يتمكن من التورك في الصف الأول أن يتأخر عن الصف الأول لفضيلة التورك! لكون التورك فضيلةً متصلةً بالعبادة ذاتها، والصف الأول فضيلةٌ متصلةٌ بالمكان، ولم يقل أحد: إنه يشرع التأخر إلى الصف الثاني من أجل التورك.
ولكان القريب من الإمام في الصف الثاني ممن يسمع تلاوته، ويرى أفعاله أفضل من الرجل الذي في طرف الصف الأول ممن لا يسمع قراءة الإمام، ولا يرى أفعاله.
والصلاة جماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين ضعفًا، فإذا صلى في الحرم كان التضعيف بمائة ألف صلاة فيما سواه، فكان صلاته فذًّا في الحرم أكثر مضاعفة من صلاته جماعة في غيره، والجماعة فضيلة تتعلق بذات العبادة، والحرم فضيلة تتعلق بمكانها.
стр. 9418
ورد هذا:
إذا كان الصف الأول يتعذر معه التورك فالصف الثاني مثله، فكون هذا أول، وهذا ثانٍ، هذا بالنسبة للإمام، ولا فرق بينهما من جهة التمكن من التورك.
والسبب في تفضيل البعيد عن الإمام ممن لا يسمع قراءته من أصحاب الصف الأول على القريب من الإمام في الصف الثاني ممن يسمع قراءته، ويرى أفعاله: وقوع الخلاف بين العلماء في حكم إتمام الصف الأول، فهناك من العلماء من يرى كراهة الوقوف في صفٍ قبل إكمال الذي يليه، حتى قال الشافعية: من وقف قبل إتمام ما قبله فاته فضل الجماعة، وهناك من العلماء من يرى وجوب إتمام الصف لقوله في حديث أنس في مسلم: (أتموا الصفوف)، فاختلاف الحكم يمنع من القول بالتزاحم.
قال أبو عوانة في مستخرجه: بيان إيجاب قيامة الصفوف … وإيجاب إتمام الصف الأول، ثم الذي يليه (١).
فيقدم ما اختلف في وجوبه على ما اتفق على سنيته.
وأما تفضيل الصلاة فذًّا في الحرم على الصلاة جماعة في غيره، فهي مسألة خلافية ترجع إلى الخلاف في حكم الجماعة، فمن يرى وجوب الجماعة سوف يقول بفضيلة الجماعة على الصلاة فذًّا بالحرم؛ لأن المقارنة لا تعقد بين واجب ومستحب، والجماعة ليست جزءًا من ذات العبادة، وإنما هي واجبة لها، وليست واجبة فيها. فخرجت من الاعتراض.
ولو سلمنا الاعتراض في كل الصور الثلاثة المتقدمة، فالفضائل المتعلقة بذات العبادة تتفاوت، وكذلك الفضائل المتعلقة بالمكان، فالتورك لم ينص على مقدار ثوابه، ولم يوجه الشارع أمرًا خاصًا يطلب من المكلف فعله، والثابت فيه مجرد الفعل الدال على المشروعية، على خلاف بين الفقهاء في مشروعيته، بينما الصف الأول مجمع على فضيلته، وقد ورد الأمر من الشارع بالمبادرة إليه، والتزاحم على تحصيله، ولو بطريق القرعة.
стр. 9419
والقواعد أغلبية، وهي ليست بمنزلة النصوص، ولا يسقطها عن الاحتجاج كونها غير مطردة في جميع فروعها، وكثير من القواعد لها فروع مستثناة، ولم يمنع ذلك من احتجاج الفقهاء بها، والله أعلم.
الراجح:
أن إدراك الركعة في الصف المتأخر أفضل من فواتها لإدراك الصف الأول.
стр. 9420
الفصل الثالث في حكم تسوية الصف
المدخل إلى المسألة:
ضابط تسوية الصفوف: اعتدالها على سمت واحد، وسد الْفُرَجِ، وإتمام الأول فالأول.
الأمر بتسوية الصفوف ثابت بالسنة المتواترة، وعمل الخلفاء الراشدين.
تسوية الصفوف من وظيفة الإمام، فكان النبي ﷺ يُقَوِّم الصف ويعدله بقوله وفعله، وكان بعض الخلفاء يوكل بالناس من يسوِّي صفوفهم، وعلى آحاد المصلين أن يأمر بذلك؛ لأنه من الأمر بالمعروف والتعاون على البر.
التقصير في بعض العبادات سبب لاختلاف القلوب وتنافرها وتباينها، لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، فإما التسوية وإما المخالفة، اختلاف صفوف المسلمين في الظاهر يقود لاختلاف البواطن.
الوعيد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، ظاهره يدل على تحريم ما توعد عليه.
تسوية الصف من تمام الصلاة، وتمام الشيء يكون واجبًا ومستحبًّا.
التام: تارة يراد به ما يقابل الناقص، وتارة يراد به الكمال: وهو الزيادة على مطلق التمام، والأول واجب، والثاني مستحب.
[م-١٠٧٨] أجمع العلماء على مشروعية تعديل الصفوف (١)،
قال ابن عبد البر: «وأما تسوية الصفوف في الصلاة فالآثار فيها متواترة من طرق شتى صحاح كلها ثابتة في أمر رسول الله ﷺ تسوية الصفوف، وعمل الخلفاء