← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

وإن كانت من التابعين؛ فإن عمل المسلمين في الصلاة متلقى من العمل المورث، فالصحابة أخذوا ذلك من رسول الله ﷺ ، والتابعون تلقوه من عمل الصحابة، وهكذا. الدليل الخامس: (ث-٨٤٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا معن بن عيسى عن سلمة بن أبي يحيى قال: رأيت أنس بن مالك يصلي في الشق الأيسر من المسجد. [ضعيف] (١). دليل من قال: اليمين أفضل مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٣٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (٢).

стр. 9452

ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن الحديث دليل على تقديم اليمين في شأن الإنسان من التنعل والترجل والتطهر، لا في شأن غيره، فمن أخذ يمين الإمام فقد قدم يساره على يمينه؛ لأن يمين الإمام يسار المأموم، والعكس صحيح، فاستحباب تقديم اليمين في شأن الإنسان لا يؤخذ منه عموم استحباب تقديم اليمين في كل شيء. (ح-٣٣٢٧) فقد روى مسلم، من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، أن عبد الله بن عمر حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي:

стр. 9453

كبر، فدفعته إلى الأكبر (١). الوجه الثاني: لو أخذنا بظاهر قول عائشة، لقلنا: يستحب التيمن في كل شيء، وهذا مخالف للإجماع، من أن الشمال مقدم فيما كان من أذى كالاستنجاء والاستجمار ونحوهما. الدليل الثاني: (ح-٣٣٢٨) روى مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (٢). وجه الاستدلال: ترجم النسائي لهذا الحديث في السنن، فقال: باب المكان الذي يستحب من الصف (٣). وترجم له ابن ماجه في السنن فقال: (باب فضل ميمنة الصف) (٤). وأجيب عن حديث البراء بأجوبة منها: الأول: الاختلاف في إسناده. فقيل: عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، ورواية الأكثر بإبهام ابن البراء، واختلف بعض الرواة في تسمية المبهم: فسماه وكيع وابن عيينة يزيد بن البراء. وسماه أبو أحمد الزبيري وأحمد بن عبدة الضبي عبيد بن البراء، ورجح ذلك المزي في تهذيب الكمال، وابن أبي خيثمة في تاريخه. وقيل: عن ثابت بن عبيد، عن البراء، بإسقاط الواسطة.

стр. 9454

الثاني: أن ابن البراء قد انفرد بذكر هذه السنة، وابن البراء لو لم يخرج له الإمام مسلم لكان مجهولًا؛ لأنه لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي. وقد خالفه اثنان: أبو إسحاق السبيعي، وربيع بن لوط بن البراء، فروياه عن البراء، وجعلا هذا الدعاء في أذكار النوم، وهذا هو المحفوظ. الثالث: الاختلاف في لفظه، فحديث البراء مداره على مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن أبيه. وقد اختلف الرواة عليه في ذكر العلة في التي من أجلها كان الصحابة يفضلون يمين الصف: فرواه سفيان بن عيينة، عن مسعر، وفيه: أن تفضيل اليمين من أجل كون النبي ﷺ يبدأ بالسلام عن يمينه. ورواه الجماعة عن مسعر: أن ذلك كان من أجل أن النبي ﷺ كان يقبل عليهم بوجهه، وهذا يقتضي أن النبي ﷺ كان يقبل على يمين الصف دون يساره. وإذا كانت العلة هي استقبال وجه النبي ﷺ ، فهذا يفيد أمرين: الأمر الأول: أن ذلك ليس مرده إلى تفضيل اليمين من حيث كونه يمينًا. الأمر الثاني: أن هذا الحرص على استقبال وجه الإمام إنما هو خاص بالنبي ﷺ ، فليس استقبال وجه النبي ﷺ كاستقبال وجه غيره من الناس. ورواه وكيع، عن مسعر، بلفظ: (كنا إذا صلينا مع رسول الله، مما أحب أو نحب أن نقوم عن يمينه فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تجمع عبادك أو تبعث عبادك). ولم يقل: (يقبل علينا بوجهه)، وقد سبق تخريج الحديث (١). وفي ترجيح رواية الجماعة نقع في معارضة الأحاديث الأخرى والتي ظاهرها أن النبي ﷺ كان يقبل على جميع المصلين بوجهه، كما في حديث جمع من الصحابة ﵃. (ح-٣٣٢٩) فقد روى البخاري من طريق جرير بن حازم، حدثنا أبو رجاء، عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٢).

стр. 9455

(ح-٣٣٣٠) وروى البخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: أَخَّر رسول الله الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة (١). ورواه مسلم من طريق قرة بن خالد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: نظرنا رسول الله ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة (٢). (ح-٣٣٣١) وروى مسلم من طريق المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي .... الحديث (٣). وفي الباب حديث زيد بن خالد الجهني (٤)، وآخر لابن مسعود (٥). وعلى كل حال فحديث البراء لم يحرص الصحابة على اليمين لفضل اليمين، وإنما من أجل إقبال النبي ﷺ عليهم بوجهه، فلم تكن دلالة الحديث مطابقة لمسألة الباب، وإن احتج به بعض الأئمة، والله أعلم. الدليل الثالث: إذا كان موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام عند العلماء كافة، حتى نقل جماعة الإجماع فيه، فذلك دليل على شرف اليمين، وتقديمه على اليسار. (ح-٣٣٣٢) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن الحكم قال: سمعت سعيد بن جبير،

стр. 9456

عن ابن عباس ﵄ قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فصلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، فجئت، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات … الحديث (١). (ح-٣٣٣٣) وروى مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله، قال: جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه .... الحديث (٢). فإدارة الرسول ﷺ لابن عباس إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان المأموم واحدًا. (ح-٣٣٣٤) وروى مسلم من طريق شعبة، عن عبد الله بن المختار، سمع موسى بن أنس يحدث، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه، أو خالته. قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا (٣). وجه الاستدلال: ترجم البخاري لحديث ابن عباس، فقال: باب ميمنة المسجد والإمام (٤). قال ابن رجب معلقًا: «مراد البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أن النبي ﷺ لما حول ابن عباس من عن يساره إلى يمينه، دل على أن موقف المأموم عن يمين الإمام، وأن جهة اليمين أشرف وأفضل، فلذلك يكون موقف المأموم الواحد منها، فيستدل بذلك على أن جهة يمين الإمام للمأمومين الذين يقومون خلف الإمام

стр. 9457

أشرف وأفضل من جهة يساره» (١). ويجاب: كون المأموم الواحد عن يمين الإمام فيه دليل على تفضيل اليمين، لكن لا دلالة فيه على تفضيل اليمين الأبعد على الأيسر الأقرب إلى الإمام. قال ابن حجر: «أورد فيه -يعني البخاري- حديث ابن عباس مختصرًا، وهو موافق للترجمة، أما للإمام فبالمطابقة، وأما للمسجد فباللزوم. وقد تعقب من وجه آخر: وهو أن الحديث إنما ورد فيما إذا كان المأموم واحدًا، أما إذا كثروا فلا دليل فيه على فضيلة ميمنة المسجد» (٢). الدليل الرابع: (ح-٣٣٣٥) ما رواه البخاري، حدثنا آدم. ورواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ : إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه (٣). وجه الاستدلال: نهى الشارع المصلي عن البصاق جهة اليمين، دليل على تنزيه جهة اليمين، وهو أمر مطرد في الشريعة، فكذلك يمين الصف أفضل من يساره قياسًا عليه. ويناقش: لا يلزم من تنزيه جهة اليمين أن تكون مقدمة في الفضل على الأقرب من الإمام، فهذا الطائف يجعل البيت عن يساره حال الطواف، ولا يلزم منه عدم تعظيم البيت. الدليل الخامس: (ح-٣٣٣٦) ما رواه أبو داود من طريق معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 9458

إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف. [انفرد بقوله: (يصلون على ميامين الصفوف)، معاوية بن هشام، ولا يحتمل تفرده، ومخالفته لغيره] (١).

стр. 9459

الدليل السادس: (ح-٣٣٣٧) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق ابن المبارك، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة،

стр. 9460

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بالصف الأول، وعليكم بالميمنة، وإياكم والصف بين السواري. [ضعيف] (١). دليل من قال: الأفضل الأقرب إلى الإمام فإن تساويا فالأيمن: أما الأدلة على تفضيل اليمين إذا تساويا في القرب فأدلة منها: الدليل الأول: استدلوا بأدلة من قال: بتفضيل اليمين مطلقًا. منها: حديث عائشة: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله .... ) وسبق ذكره. وحديث البراء في مسلم، وغيرها من الأدلة التي ذكرتها في أدلة القول السابق، فأغنى ذلك عن إعادتها. الدليل الثاني: استدلوا كذلك بالنصوص العامة التي تدل على تقديم اليمين فيما هو من باب التكريم. قال ابن تيمية: «قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء، والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك. اه» (٢). وقال النووي: «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل، ولبس الثوب، والنعل، والخف،

стр. 9461

والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه. ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط، والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف، والسراويل، والثوب، والنعل، وفعل المستقذرات وأشباه ذلك» (١). ويدل على ما قعدوه مجموعة من الأدلة، منها: (ح-٣٣٣٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع (٢). (ح-٣٣٣٩) ومنها: ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء. رواه مسلم، ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (٣). (ح-٣٣٤٠) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى. قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه.

стр. 9462

[الراجح في إسناده الانقطاع] (١). (ح-٣٣٤١) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن المسيب، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وكانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، وكانت شماله لما سوى ذلك، وكان يصوم الاثنين والخميس. [إسناده مضطرب] (٢). ولو قيل: إن الأمور ثلاثة: ما كان ظاهرًا أنه من باب التكريم، فتقدم فيه اليمنى. وما كان ظاهرًا أنه من باب الأذى، فتقدم فيه اليسرى. وما لا يمكن إلحاقه في أحد منهما، فالأصل فيه اليمين. ونوقش: استخدام القياس على بعض العبادات التي ورد فيها تفضيل اليمين اعتراف من الفقيه بأنه لا يوجد لديه نص في الفرع؛ لأن حقيقة القياس: قياس فرع لا نص فيه على أصل ورد فيه نص؛ لعلة جامعة. والعجب أن مثل هذا الحكم الذي يتكرر في اليوم خمس مرات، لا يحفظ فيه حديث صحيح صريح مرفوع في تفضيل يمين الصف، وأصح ما ورد فيه حديث البراء، مع ما في ثبوته ودلالته على المسألة من نقاش سبق ذكره، ومعارضته لأحاديث أصح منه في كون الإمام يقبل على المصلين بوجهه، فظاهره أنه يقبل على الجميع وليس على يمين الصف. وورد أحاديث ضعيفة، كحديث صلاة الملائكة على ميامين الصفوف، مما يضطر الفقيه إلى الاستدلال: إما بالعمومات، وإما بالقياس. هذا من حيث الاستدلال على استحباب اليمين إذا تساويا في القرب.

стр. 9463

وأما الاستدلال على استحباب الأقرب إلى الإمام إذا كان الأيمن بعيدًا: (ح-٣٣٤٢) فمنها: ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ … ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا (١). وله شاهد من حديث ابن مسعود في مسلم (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فهذا أمر من النبي ﷺ لأولئك بالتبكير لإدراك القرب من الإمام، ويستفاد منه أن الصف المفضل هو الصف الأول مما يلي الإمام، وليس مطلق اليمين منه. (ح-٣٣٤٣) ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (٣). وجه الاستدلال: فقوله: (تقدموا فائتموا بي) فأمرهم بالتقدم ليقتدوا به، ومعلوم أنه كلما كان المأموم قريبًا من الإمام كان ذلك أمكن في الاقتداء به، ورؤية أفعاله، فالصف الأول أفضل من غيره من الصفوف، والأقرب من الإمام من أصحاب الصف الأول أفضل من الأبعد. (ح-٣٣٤٤) ومنها: ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فأحسن

стр. 9464

الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا، وأنصت، واستمع، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، قال: ومن مسَّ الحصى فقد لغا (١). [اختلف على أبي معاوية في ذكر الدنو من الإمام، وهو في صحيح مسلم بدونها، وهو المحفوظ] (٢).

стр. 9465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9466

وجه الاستدلال: ذكر الحديث فضل الدنو من الإمام في الجمعة، وذلك من أجل سماع الذكر، والقرآن أعلى الذكر وأشرفه، فالدنو من الإمام بالصلاة أسمع لقراءة الإمام، وأمكن لرؤية أفعاله للاقتداء به من الأبعد. (ح-٣٣٤٥) ومنها: ما رواه أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها. [حسنه الترمذي في السنن إشارة إلى ضعفه] (١).

стр. 9467

وجه الاستدلال من الحديث كوجه الاستدلال من الحديث السابق. الراجح: أن من كان وراء الإمام فهو أفضل ممن كان عن يمينه أو عن يساره؛ لحديث ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. وكل صف في الصلاة أفضل من الصف الذي يليه، ويمين كل صف أفضل إذا استويا في القرب، فإن اختلافا، فما كان أقرب إلى الإمام فهو أفضل، والله أعلم.

стр. 9468

الفصل السابع في اجتماع الصبيان مع البالغين في الصف المدخل إلى المسألة: مطلق حديث: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) يشمل ما إذا حضروا معًا، أو جاءوا متفرقين. جلس الفتى قيس بن عباد في مقدمة الصف، فجبذه أبي بن كعب، وقام مقامه، وقال: إن هذا عهد النبي ﷺ إلينا أن نليَه. فَعَلَ هذا أبي بن كعب بحضرة عمر بن الخطاب وجماعة من كبار الصحابة، وأقروا فعله، ولم ينكروه، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًّا. فِعْلُ الصحابة ﵃ يخصص العام، ويقيد المطلق، ويبين المجمل من النصوص في أصح أقوال أهل العلم. رواية ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: نهى أن يقيم الرجل أخاه من مجلسه، محمولة على رواية مالك وعبيد الله بن عمر عن نافع: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه). حديث ابن عمر (لا يقيم الرجل أخاه من مجلسه) عام في كل مجلس، وحديث (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) خاص في المقام خلف الإمام، والخاص مقدم على العام. ما زال الناس في اجتماعاتهم يتركون مقدمة المجلس للكبار إذا حضروا، ويتأخر من دونهم ولو كانوا كبارًا فضلًا عن الشباب وصغار القوم، ولا يعتبر هذا كسرًا لقلوبهم، ولا تنفيرًا لهم؛ بل يعدونه من الأدب للكبير، والاحترام له، وحفظ حقه، فكيف بمقام الصلاة، والتي قد يحتاج إلى العالم والفقيه أن يكون خلف الإمام ليفتح عليه، وليستخلفه عند الحاجة. إذا خيف العبث من اجتماع الغلمان وجب تفريقهم، ولو كانوا في مقدمة الصف، وليس هذا قاعدة حتى نعطل سنة لمفسدة متوهمة حتى يتحقق حصولها.

стр. 9469

[م-١٠٨٢] إذا حضر الرجال والغلمان معًا إلى الصلاة قدم الرجال في الصف، ثم يليهم الغلمان، ومن خلفهم النساء، وعليه عامة العلماء (١). فإن كان الصبيان يكثر منهم اللعب إذا اجتمعوا صفًّا بانفرادهم فرقوهم في الصف. وقيل: يوقف بين كل رجلين صبيًّا؛ ليتعلموا منهم أفعال الصلاة، وهو وجه عند الشافعية حكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب وغيرهم (٢). وقيل: يقدم الرجل على الصبيان إن كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل قدموا، اختاره بعض الشافعية (٣). واختلفوا في الصبي إذا سبق إلى المكان الفاضل، هل يؤخر عن مكانه؛ ليقوم فيه من هو أفضل منه: فقيل: لا يؤخر، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، وهو ظاهر مذهب المالكية، والشافعية، وقطع به المجد بن تيمية، ومال إليه في الفروع، وصوبه المرداوي في الإنصاف (٤). قال القرافي: «والصبي مع الرجل بمنزلة الرجلين» (٥).

стр. 9470

وكلام القرافي محمول على صحة مصافة الصبي. قال البغوي في تهذيب فقه الإمام الشافعي: «فلو وقف صبي في صف الرجال، ثم دخل رجل لا ينحيه» (١). وجاء في الإنصاف للمرداوي: «لو سبق مفضول هل يؤخر الفاضل؟ جزم المجد أنه لا يؤخر» (٢). وقيل: يؤخر، رجحه ابن العربي من المالكية، وهو مذهب الحنابلة، وصوبه المرداوي في تصحيح الفروع (٣). جاء في قواعد ابن رجب: «الصبي إذا قام في صف فاضل أو في وسط الصف؛ فإنه يجوز نقله عنه، صرح به القاضي، وهو ظاهر كلام أحمد، وعليه حمل فعل أبي بن كعب بقيس بن عباد» (٤). دليل من قال: يؤخر الصبي من المكان الفاضل إلى المفضول: الدليل الأول: (ح-٣٣٤٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ … ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا (٥). وجه الاستدلال: هذا الحديث رتب الصف فبدأ بأكمل الرجال عقلًا ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فالغلمان في مؤخرة الصف، ومطلق هذا الحديث يشمل ما إذا حضروا معًا،

стр. 9471

أو جاءوا متفرقين؛ لأن المطلق جارٍ على إطلاقه، وقد تبين من تطبيق الصحابة لهذا الحديث، وعملهم بمقتضاه أنهم لا يفرقون: سواء أحضروا جميعًا أم حضروا متفرقين، فمقدم الصف لأولي الأحلام والنهى. يقول ابن العربي: «ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد، وإنما هي كما قال النبي ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى). فما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته، فإن نزلها غيره أُخِّر له وتقدم هو إلى هذا الموضع؛ لأنه حقه بأمر صاحب الشريعة، كالمحراب هو موضع الإمام تقدم أو تأخر» (١). ونوقش هذا: هذا الخطاب حث من النبي ﷺ لأولي الأحلام والنهى أن يبادروا بالحضور حتى يكونوا خلف النبي ﷺ ، ولا يدل الحديث على جواز تحجير مكان لأولي الأحلام والنهى، وإبعاد من بادر وحرص على الصف الأول من مكانه الذي سبق إليه ليعطيه المتأخر. ويجاب على هذا: بأن هذا الحديث حث من النبي ﷺ على المبادرة بالحضور قبل الشروع في الصلاة؛ لأنهم إذا شرعوا في الصلاة فقد تأخروا في الصف، ولا يمكنهم الصلاة خلفه، وأما إذا حضروا قبل الشروع في الصلاة فهم أولى من الغلمان في مقدمة الصف وأولى من غيرهم ممن هم دونهم في الأحلام والنهى؛ ليكونوا خلف الإمام؛ للحاجة إليهم في الاستخلاف، والفتح، يفسره الأثر التالي. الدليل الثاني: (ح-٣٣٤٧) روى النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن مقدم، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: أخبرني التيمي، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدم، فجبذني رجل من خلفي جبذة، فنحاني، وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا

стр. 9472

هو أُبَيُّ بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه، ثم استقبل القبلة، فقال: هلك أهل الْعُقَدِ ورب الكعبة ثلاثًا، ثم قال: والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلوا. قلت: يا أبا يعقوب ما يعني بأهل الْعُقَدِ؟ قال: الأمراء (١). [صحيح، وهو من أفراد النسائي] (٢).

стр. 9473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9475

وجه الاستدلال: هذا الفعل من أبي بن كعب ﵁ تطبيق عملي لحديث (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) ولو كان هذا فهم أبي وحده لقيل: اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، ولكن كان هذا الفعل بحضرة الفاروق عمر وجماعة من كبار الصحابة، فأقروا فعله، ولم ينكروه، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًّا، وفهمهم مقدم على فهمنا.

стр. 9476

وأجيب بجوابين: الجواب الأول: هذا يمكن التسليم به في حق الصبيان، ولكنه مشكل في ترتيب البالغين وظاهر الحديث أنه لا يختص بالغلمان، بل يرتب حتى البالغ منهم، فإذا كان البالغ دون أولي الأحلام والنهى؛ فإنه يدع مكانه لمن هو أفضل منه؛ لقوله في الحديث: (ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فجعل المصلين على درجات فيكون الأقرب إلى الإمام الأفضل فالأفضل. وإذا كان البالغ مأمورًا أن يبادر؛ ليأخذ المكان الأفضل فكيف نأمره بأن يدع مكانه لمن هو أفضل منه، فتعين أن يكون المراد من الحديث: حث أولي الأحلام والنهى إلى المبادرة لأخذ المكان الفاضل. ورد هذا: اختلف العلماء في تفسير قوله: (أولو الأحلام والنهى)، فقيل: الحالم: هو البالغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ مَا. ولحديث: أمر النبي ﷺ معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا (١). وقيل: الأحلام واحدها حِلْمٌ، بِالْكَسْرِ، وكأنه من الحِلْم: الأَناة والتثبُّت فِي الأُمور، وحليم: صيغة مبالغة. والنهى: جمع مفرده نُهْيَة، بالضَّم، وهى: العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عن القبيح، فيكون ترتيب الصف كالآتي: البالغ العاقل ثم الذين يلونهم ممن ناهز الاحتلام، ثم

стр. 9477

المميز من الصبيان. وقيل: أولي الأحلام: العقلاء، ويكون لفظ (النهى) توكيدًا، وليس تأسيسًا، قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور: ٣٢]، ولما اختلف اللفظان عطف أحدهما على الآخر (١). وفي كلا التفسيرين لا يلزم منه ترتيب البالغين، وإنما هو ترتيب البالغ، ثم من قرب منه سنًا: الأقرب فالأقرب. الجواب الثاني: بأن حديث قيس بن عباد، عن أبي بن كعب مُعَلٌّ بأكثر من علة منها: العلة الأولى: أن قيس بن عباد كان في عهد عمر ﵁ رجلًا كبيرًا، فهو مخضرم، أدرك الجاهلية، فكيف يحتج به على حكم تأخير الصبي. وأجيب: بأن في رواية أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال أبي بن كعب: يا فتى لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه. وفي رواية إياس بن قتادة، عن قيس، وفيه: قال أبي بن كعب: يا بني لا يسؤك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة … إلخ. فكونه ناداه بلفظ: (يا فتى) وفي رواية بلفظ: (يا بني) دليل على أن قيسًا لم يكن كبيرًا. وجاء في بدائع الفوائد عن الإمام أحمد: «قال -في رواية علي بن سعيد في الرجل الجاهل يقوم خلف الإمام، فيجيء من هو أعلم بالسنة منه، فيؤخره أو يدفعه ويقوم في مقامه-: لا أرى ذلك، فذكر له حديث قيس بن عباد حين أخره أبي ابن كعب؛ فقال: إنما كان غلامًا. قال القاضي: إنما لم يجز تأخيره؛ لأنه كبير قد سبق إلى ذلك الموضع. وأجاب أحمد عن حديث أبى بأن قيسًا كان غلامًا» (٢).

стр. 9478

وعلى التنزل فإن النبي ﷺ لم يطلب أن يليه مطلق الكبار، بل أمر أن يليه أولو الأحلام والنهى، وكان يحب أن يليه المهاجرون والأنصار. العلة الثانية: أن قيسًا عاب على الأمراء في ذلك الوقت، فقال: (هلك أهل العُقْدة، ورب الكعبة ألا لا عليهم آسى، ولكن أسى على من يهلكون من المسلمين)، فكيف يقال مثل ذلك في عهد عمر ﵁، وهل عرفت الأرض بعد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ عهدًا أكثر عدلًا من خلافة عمر ﵁، وكانت عين عمر رضي الله على نوابه، وكان مهيبًا فكيف يصح ما يقوله أبي بن كعب. ويجاب: الكلام الصادر من أبي بن كعب صادر من غير معصوم، وإذا أخطأ أبي في قوله فهذا لا يعود على السنة بالإبطال، فأبي احتج على قيس بإبعاده بعهد النبي ﷺ إليهم، وليس بفقهه، وأقره الصحابة ﵃، وفي مقدمتهم عمر ﵁، هذا هو موضع الاحتجاج، وأما كلام أبي في الأمراء فقد يكون رأى ما يغضبه، فخرج منه هذا الكلام ساعة الغضب، وهو بشر ليس بمعصوم، والحجة في روايته، وفهمه للرواية، وليس لقوله في الأمراء، والله أعلم. وقد يكبر الشيء الصغير في عيون الصالحين؛ لصلاح المجتمع حينئذٍ، وهو في عيون غيرهم من الأمور الصغيرة، كما قال أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعد -وفي نسخة: نعدها- على عهد النبي ﷺ الموبقات. قال الإمام البخاري: يعني بذلك المهلكات. رواه البخاري (١). الدليل الثالث: (ح-٣٣٤٨) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا معتمر، عن حميد، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار في الصلاة. [صحيح] (٢).

стр. 9479

هذا الحديث بمعنى حديث: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وأن الأمر فيه للاستحباب، وليس للوجوب. الدليل الرابع: (ح-٣٣٤٩) روى البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف .... الحديث، ورواه مسلم (١). وروى البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل: وفيه: … فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًّا حتى قام

стр. 9480

في الصف الأول … الحديث (١). ورواه البخاري من طريق أبي غسان، قال: حدثني أبو حازم به، وفيه: … ثم جاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول … (٢). ورواه البخاري من طريق حماد، حدثني أبو حازم به، وفيه: … وجاء النبي ﷺ وأبو بكر في الصلاة فشق الناس حتى قام خلف أبي بكر (٣). ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن أبي حازم به، وفيه: .... فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم … (٤). وجه الاستدلال: كون الرسول ﷺ شق الصفوف حتى خلص إلى أبي بكر، وقد كان من هديه ﵊ الجلوس حيث ينتهي به المجلس، كما كان ﵊ ينهى أن يقيمَ الرجلُ أخاه من مكانه ليجلس فيه، فإذا كان هذا هديه في المجلس المباح، فالعبادة أولى، ومع ذلك تقدم حتى خلص إلى أبي بكر. يقول ابن بطال: «وفيه: أنه لا بأس بتخلل الصفوف والمشي إلى الصف الأول لمن يليق به الصلاة فيه؛ لأن شأن الصف الأول أن يقوم فيه أفضل الناس علمًا ودينًا، لقوله ﷺ : (ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى)، يعنى: -والله أعلم- ليحفظوا عنه ويَعُوا ما كان منه في صلاته، وكذلك يصلح أن يقوم في الصف الأول من يصلح أن يلقن الإمام ما تعامى عليه من القراءة، ومن يصلح للاستخلاف في الصلاة» (٥). الدليل الخامس: (ح-٣٣٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال:

стр. 9481

قال أبو مالك الأشعري لقومه: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصف الرجال، ثم صف الولدان خلف الرجال، ثم صف النساء خلف الولدان. [مداره على شهر بن حوشب، والأكثر على ضعفه] (١). ونوقش هذا: إن كان المقصود بجعل الغلمان صفًّا مستقلًّا عن الرجال كما يصف النساء صفًّا مستقلًّا عن الرجال، فهذه السنة لا تعرف إلا من طريق شهر بن حوشب، وهو ضعيف، ويعارضه أحاديث كثيرة من السنة، من أشهرها: (ح-٣٣٥١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ (٢). وإن كان المقصود أن الصف يبدأ بالرجال أولًا، ثم يكمل الصف من الغلمان، فهذا يدل عليه أحاديث سبقت منها حديث: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).

стр. 9482

دليل من قال: لا يؤخر الصبي عن مكانه: الدليل الأول: (ح-٣٣٥٢) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتَّى يؤخرهم الله (١). وجه الاستدلال: أن من أراد أن يكون في مقدمة الصف ليأتم بالنبي ﷺ ويكون إمامًا لمن بعده فهو مأمور بالتقدم، ولو كان أولو الأحلام والنهى يستحقون التقدم ولو تأخروا لما أمرهم النبي ﷺ بالتقدم، وحذرهم من التأخر، حتى لا يؤخرهم الله. ونوقش هذا: أمرهم بالتقدم وحذرهم من ضده، وهو التأخر حتى لا يفوتهم فيما يفوتهم المكان الفاضل خلف رسول الله ﷺ ، فمن حضر قبل الشروع في الصلاة فلا يصدق عليه أنه تأخر، ولا يشمله الوعيد: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، وإذا حضر قبل الشروع في الصلاة وكان خلف الإمام غلمان فهو مقدم عليهم، وأما من حضر بعد الشروع في الصلاة، فهذا يصدق عليه أنه تأخر، وليس له أن يؤخر الغلام عن مكانه؛ لأن ذلك سيؤدي إلى إفساد صلاته، فكان الحديث يحذر كبار الصحابة من التأخر إلى ما بعد الشروع في الصلاة مما يؤدي إلى تأخرهم في الصف وحرمانهم من المكان الفاضل، فلا دليل فيه على مسألة البحث. الدليل الثاني: (ح-٣٣٥٣) روى البخاري من طريق ابن جريج قال: سمعت نافعًا يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه. قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.

стр. 9483

وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: بأن البخاري رواه من طريق مالك (١)، (ح-٣٣٥٤) ورواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه. زاد عبيد الله: ولكن توسعوا وتفسحوا (٢). ورواه مسلم من طريق الليث، عن نافع به، بلفظ: لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه (٣). فكان المقصود بقوله: (نهى أن يقيم الرجل أخاه): أي الرجل البالغ. الجواب الثاني: حديث (نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مجلسه) عام في كل مجلس. وحديث (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) خاص في مقام الصلاة خلف الإمام، والخاص مقدم على العام، وقد فهم أبي بن كعب بمحضر عمر وجمع من الصحابة هذا التخصيص، ولا يعلم لهم مخالف. ولفظ: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه)، والمساجد تقصد للصلاة، ولا تقصد بالجلوس، والله أعلم. الدليل الثالث: لا يعرف إخراج الصغار من الصفوف في رواية صحيحة، ولو وجد لنقل في وقائع متعددة، فهو مما يتكرر في كل صلاة، وفي كل مسجد. ونوقش: بأنه لا يلزم نقل كل الوقائع التي تقع، فإذا حفظت الشريعة ولو في حادثة واحدة كفى ذلك في الاحتجاج خلافًا للحنفية القائلين بأن ما تعم به البلوى يجب

стр. 9484

أن ينقل نقلًا مشهورًا. وأثر أبي بن كعب في حضور عمر بن الخطاب مع جماعة من كبار الصحابة، ولم ينكر، ولا يعلم له مخالف كافٍ في الاستدلال وفي حفظ الشريعة، وكم من الأحكام المحفوظة في الشريعة نقلها أفراد من الصحابة، وأوضح مثال على ذلك ما خطب به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، وسمعه كبار الصحابة (إنما الأعمال بالنيات) ومع ذلك هو غريب الإسناد، وهو من الدين بمكان. (ث-٨٥٠) وقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: كان عمر يقول: تقدم يا فلان، تقدم يا فلان، وأراه قال: لا يزال قوم يستأخرون حتى يؤخرهم الله. [صحيح] (١). وقد ترجم له عبد الرزاق في المصنف، باب: من ينبغي أن يكون في الصف الأول، ولا يصح حمله على التقدم لاستواء الصف؛ لقوله: لا يزال قوم يستأخرون حتى يؤخرهم الله. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن رجل، عن أبي عثمان، أن عمر كان يأمر بتسوية الصفوف، ثم يقول: تقدم يا فلان، تقدم يا فلان، تأخر يا فلان. قال سفيان: يقدم صالحيهم، ويؤخر الآخرين (٢). وهذا وإن كان في إسناده إلى أبي عثمان النهدي رجل مبهم، لكنه يفسر رواية التيمي، عن أبي عثمان النهدي السابقة بإسناد صحيح، وهذا التفسير من الثوري موافق لفعل أبي بن كعب بمحضر عمر ﵁ وجماعة من كبار الصحابة. (ث-٨٥١) وروى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن رجل منهم قال: رأى حذيفة رجلا في الصف الأول فأخره، وقال: لست منهم.

стр. 9485

[ضعيف؛ لإبهام الرجل، لكنه شاهد صالح لأثر عمر بن الخطاب ﵁] (١). وما فهمه الصحابة قد عمل به بعدهم، فقد اختاره الإمام أحمد، وهو المعتمد في مذهبه. الدليل الرابع: أن في تأخير الغلام مفاسد كثيرة، منها: أن في هذا إهانة للغلام وكسرًا لقلبه، وتنفيرًا له عن الصلاة، وزرعًا للحقد والبغضاء في قلبه، وتزهيدًا للصغار في التبكير إلى الصلاة. ويناقش: السبب في هذا يرجع إلى عدم نشر الحكم الفقهي بين الناس، حتى يرى الغلام أنه من الاعتداء على حقه، أما لو انتشر فقه المسألة بين الناس، لم تترك مثل هذه الآثار، وما زال الناس إلى اليوم في مجالسهم واجتماعاتهم يتركون مقدمة المجلس للكبير إذا حضر، ويتأخر من دونهم ولو كانوا كبارًا فضلًا عن الشباب وصغار القوم، ولا يجدون في هذا أدنى غضاضة أو كسرًا لقلوبهم، أو تنفيرًا لهم؛ بل يعدونه من الأدب للكبير، والاحترام له، وحفظ حقه، فكيف بمقام الصلاة، والتي قد يحتاج إلى العالم والفقيه أن يكون خلف الإمام ليفتح عليه، وليستخلفه عند الحاجة. الدليل الخامس: لو أخرنا الصبيان إلى آخر الصفوف لاجتمعوا في صف واحد وحصل منهم اللعب والعبث في الصلاة. ويناقش: إذا خيف العبث من اجتماع الغلمان وجب تفريقهم، ولو كانوا في مقدمة الصف، وليس هذا قاعدة حتى نعطل سنة لمفسدة متوهمة، فإذا تحقق حصول مثل ذلك فهو وضع طارئ، يمكن علاجه بالتربية أولًا، وبالتوبيخ والتقريع لمن حصل منه ذلك، ثم بتفريق الصغار إذا لم يكن هناك علاج إلا بهذا، ويجوز تفريقهم، ولو

стр. 9486

كان ذلك في نقلهم من مكان فاضل إلى آخر مفضول، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولكن لا نعمم هذا الحكم في كل الأماكن والبلدان مع أن هذه المفسدة قد تكون متوهمة، وليست هي القاعدة. الراجح: أرى أن مذهب الحنابلة أقوى، والله أعلم.

стр. 9487

الفصل الثامن في مصافة الصبي في الفرض والنفل المدخل إلى المسألة: كل من صحت صلاته صحت مصافته إلا بدليل. حديث أنس: صففت أنا واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائنا، فإذا صحت مصافة اليتيم للبالغ في النافلة صحت في الفريضة. كل حكم اختلف فيه حكم النافلة عن الفريضة فذلك لقيام نص صريح من الشارع اقتضى التفريق بينهما، وكلها من باب التخفيف، لا من باب التكليف، كالتطوع جالسًا والتطوع على الراحلة، فمثلها لا يقتضي منع المصافة. لا دليل من النصوص على اختلاف حكم المصافة بين الفريضة والنافلة، والأصل عدم التفريق. الصبي تصح منه الصلاة إجماعًا، ويؤمر بها، ويضرب على تركها إذا كان ابن عشر سنين، فإذا صحت صلاته صحت مصافته. صحت إمامة الصبي، ومن صحت إمامته صحت مصافته من باب أولى. المتنفل تصح مصافته مطلقًا في الفرض والنفل، فكذلك الصبي قياسًا عليه. [م-١٠٨٣] اختلف العلماء في مصافة الصبي: فقيل: تجوز مصافة الصبي المميز مطلقًا في الفرض والنفل، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية والشافعية، واختاره ابن عقيل من الحنابلة، وصوبه البعلي في القواعد، وقال ابن مفلح: وهو أظهر (١).

стр. 9488

قال مالك: «ويقوم الرجل والصبي وراءه -يعني: وراء الإمام- إذا كان الصبي يعقل الصلاة، لا يذهب ويتركه» (١). قال النووي: «وفيه أن للصبي موقفًا من الصف، وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء» (٢). وقال ابن عقيل: تصح مصافته؛ لأنه يصح أن يصاف الرجل في النفل فصح في الفرض، كالمتنفل يقف مع المفترض، ولا يشترط في صحة مصافته صحة إمامته، بدليل الفاسق، والعبد، والمسافر في الجمعة (٣). وقيل: لا تجوز مصافته مطلقًا، لا في فرض ولا نفل، نقله ابن رجب، ولم يذكره المرداوي في الإنصاف، ولا ابن مفلح في الفروع (٤). وهذان قولان متقابلان.

стр. 9489

وقيل: تجوز مصافته في النفل دون الفرض، نصَّ عليه أحمد، وهو المذهب عند أصحابه، فيقف الرجل والصبي عن يمين الإمام أو عن جانبيه (١). قال صالح: «قلت لأحمد: الرجل يصلي، وخلفه رجل وغلام؟ قال: أما الفريضة فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع فلا بأس» (٢). دليل من قال: لا تصح مصافة الصبي: الدليل الأول: أن كل من لم تصح إمامته في الفرض لم تصح مصافته. ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الراجح صحة إمامة الصبي، وقد سبق بحثها، في المجلد السادس عشر، وبيان الراجح فيها، فارجع إليها غير مأمور. الوجه الثاني: لو سلمنا دعواكم فلا يشترط في صحة مصافته صحة إمامته، بدليل أن الفاسق، والأخرس، والعبد، والمسافر في الجمعة، وإمامة الأمي للقارئ، والمتنفل للمفترض فهؤلاء كلهم لا تصح إمامتهم عند الحنابلة، ومع ذلك تصح مصافتهم عندهم. الدليل الثاني: (ح-٣٣٥٥) روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى

стр. 9490

يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (١). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٢). وإذا كان الصبي لا تكليف عليه، ولا إثم فذلك لقصور أهليته، ومن قصرت أهليته نقصت خشيته أو عدمت، ولذلك لا يوصف الصبي بالعدالة؛ لأن العدالة من صفات التكليف، فهي تستلزم البلوغ، والصبي مرفوع عنه القلم، ولهذا لا تقبل روايته إذا تحمل وأدَّى، وهو صبي؛ ولا يؤمن كذلك أن يصلي بغير طهارة؛ لقصور الوازع، ولانتفاء الحرج عليه في ذلك، ألا ترى أن شهادته إنما ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور؛ إذ لا حرج عليه في ذلك. وأجيب بأكثر من جواب: أما الجواب عن رفع القلم، فذلك يعني أمرين: أحدهما: رفع الإثم، لا إبطال أفعاله. الثاني: كونه لا يكتب عليه لا يعني: أنه لا يكتب له، وإذا كتب له صح منه الفعل، ومن صحت صلاته صحت مصافته. الجواب الثاني: إذا سلمنا أنه لا يوصف بالعدالة، فهو لا يوصف أيضًا بالفسق. قال الشوكاني: «العدالة نقيض الفسق، وهو غير فاسق؛ لأن الفسق فرع تعلق الطلب، ولا تعلق» (٣). ولو وصف الصبي بالفسق فهذا لا يمنع من صحة مصافته، ألا ترى أنه يصح مصافة الفاسق البالغ، فانتقض هذا الشرط، والله أعلم. الجواب الثالث: الحكم على الأمور بظاهرها، فالظاهر أن الصبي لا يصلي إلا متطهرًا، وإذا تبين أن الصبي لا يهتم بأمر طهارته احترز من مصافته، ولكن لا يعمم هذا الحكم على كل صبي.
следующие страницы →