كان ذلك في نقلهم من مكان فاضل إلى آخر مفضول، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولكن لا نعمم هذا الحكم في كل الأماكن والبلدان مع أن هذه المفسدة قد تكون متوهمة، وليست هي القاعدة.
الراجح:
أرى أن مذهب الحنابلة أقوى، والله أعلم.
стр. 9487
الفصل الثامن في مصافة الصبي في الفرض والنفل
المدخل إلى المسألة:
كل من صحت صلاته صحت مصافته إلا بدليل.
حديث أنس: صففت أنا واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائنا، فإذا صحت مصافة اليتيم للبالغ في النافلة صحت في الفريضة.
كل حكم اختلف فيه حكم النافلة عن الفريضة فذلك لقيام نص صريح من الشارع اقتضى التفريق بينهما، وكلها من باب التخفيف، لا من باب التكليف، كالتطوع جالسًا والتطوع على الراحلة، فمثلها لا يقتضي منع المصافة.
لا دليل من النصوص على اختلاف حكم المصافة بين الفريضة والنافلة، والأصل عدم التفريق.
الصبي تصح منه الصلاة إجماعًا، ويؤمر بها، ويضرب على تركها إذا كان ابن عشر سنين، فإذا صحت صلاته صحت مصافته.
صحت إمامة الصبي، ومن صحت إمامته صحت مصافته من باب أولى.
المتنفل تصح مصافته مطلقًا في الفرض والنفل، فكذلك الصبي قياسًا عليه.
[م-١٠٨٣] اختلف العلماء في مصافة الصبي:
فقيل: تجوز مصافة الصبي المميز مطلقًا في الفرض والنفل، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية والشافعية، واختاره ابن عقيل من الحنابلة، وصوبه البعلي في القواعد، وقال ابن مفلح: وهو أظهر (١).
стр. 9488
قال مالك: «ويقوم الرجل والصبي وراءه -يعني: وراء الإمام- إذا كان الصبي يعقل الصلاة، لا يذهب ويتركه» (١).
قال النووي: «وفيه أن للصبي موقفًا من الصف، وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء» (٢).
وقال ابن عقيل: تصح مصافته؛ لأنه يصح أن يصاف الرجل في النفل فصح في الفرض، كالمتنفل يقف مع المفترض، ولا يشترط في صحة مصافته صحة إمامته، بدليل الفاسق، والعبد، والمسافر في الجمعة (٣).
وقيل: لا تجوز مصافته مطلقًا، لا في فرض ولا نفل، نقله ابن رجب، ولم يذكره المرداوي في الإنصاف، ولا ابن مفلح في الفروع (٤).
وهذان قولان متقابلان.
стр. 9489
وقيل: تجوز مصافته في النفل دون الفرض، نصَّ عليه أحمد، وهو المذهب عند أصحابه، فيقف الرجل والصبي عن يمين الإمام أو عن جانبيه (١).
قال صالح: «قلت لأحمد: الرجل يصلي، وخلفه رجل وغلام؟ قال: أما الفريضة فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع فلا بأس» (٢).
دليل من قال: لا تصح مصافة الصبي:
الدليل الأول:
أن كل من لم تصح إمامته في الفرض لم تصح مصافته.
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن الراجح صحة إمامة الصبي، وقد سبق بحثها، في المجلد السادس عشر، وبيان الراجح فيها، فارجع إليها غير مأمور.
الوجه الثاني:
لو سلمنا دعواكم فلا يشترط في صحة مصافته صحة إمامته، بدليل أن الفاسق، والأخرس، والعبد، والمسافر في الجمعة، وإمامة الأمي للقارئ، والمتنفل للمفترض فهؤلاء كلهم لا تصح إمامتهم عند الحنابلة، ومع ذلك تصح مصافتهم عندهم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٥٥) روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،
عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى
стр. 9490
يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (١).
[إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٢).
وإذا كان الصبي لا تكليف عليه، ولا إثم فذلك لقصور أهليته، ومن قصرت أهليته نقصت خشيته أو عدمت، ولذلك لا يوصف الصبي بالعدالة؛ لأن العدالة من صفات التكليف، فهي تستلزم البلوغ، والصبي مرفوع عنه القلم، ولهذا لا تقبل روايته إذا تحمل وأدَّى، وهو صبي؛ ولا يؤمن كذلك أن يصلي بغير طهارة؛ لقصور الوازع، ولانتفاء الحرج عليه في ذلك، ألا ترى أن شهادته إنما ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور؛ إذ لا حرج عليه في ذلك.
وأجيب بأكثر من جواب:
أما الجواب عن رفع القلم، فذلك يعني أمرين:
أحدهما: رفع الإثم، لا إبطال أفعاله.
الثاني: كونه لا يكتب عليه لا يعني: أنه لا يكتب له، وإذا كتب له صح منه الفعل، ومن صحت صلاته صحت مصافته.
الجواب الثاني:
إذا سلمنا أنه لا يوصف بالعدالة، فهو لا يوصف أيضًا بالفسق.
قال الشوكاني: «العدالة نقيض الفسق، وهو غير فاسق؛ لأن الفسق فرع تعلق الطلب، ولا تعلق» (٣).
ولو وصف الصبي بالفسق فهذا لا يمنع من صحة مصافته، ألا ترى أنه يصح مصافة الفاسق البالغ، فانتقض هذا الشرط، والله أعلم.
الجواب الثالث:
الحكم على الأمور بظاهرها، فالظاهر أن الصبي لا يصلي إلا متطهرًا، وإذا تبين أن الصبي لا يهتم بأمر طهارته احترز من مصافته، ولكن لا يعمم هذا الحكم على كل صبي.
стр. 9491
الجواب الرابع:
كونه لا تقبل شهادته، فذلك من باب الاحتياط لحقوق الناس، ولا يلزم من عدم قبول شهادته بطلان مصافته، فشهادة المرأة وحدها في الأمور المالية لا تقبل حتى تشهد معها امرأة أخرى، ومصافتها للمرأة صحيحة.
ولا تقبل شهادة الفرع والأصل لبعضهما، فلا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا العكس، وتصح المصافة منهما.
الجواب الخامس:
أن رواية الصبي محل خلاف بين العلماء، والصحيح قبول روايته وتحمله، وقد قبل الناس رواية أحداث الصحابة، كالحسن بن علي وابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأشباههم، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده، ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع ويعتدون بروايتهم، ومن رد روايته ردها احتياطًا من أجل الخوف من عدم الضبط، لا من أجل قصور في تدين الصبي، ولذلك حكى النووي عن الجمهور قبول أخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة، بخلاف ما طريقه النقل، كالإفتاء، ورواية الأخبار، ونحوه (١)، والله أعلم.
دليل من قال: تصح مصافته في النفل دون الفرض:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٥٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فَأُصَلِّيَ لكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسوَدَّ من طول ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (٢).
стр. 9492
وجه الاستدلال:
دل الحديث على صحة مصافة الصبي للبالغ في النفل، ولم يثبت في النصوص صحة مصافة الصبي للبالغ في الفرض، فاقتصرنا على ما رود فيه النص، والأصل في العبادات المنع.
ورد هذا:
الصلاة عبادة من جنس واحد، فما صح في النافلة صح في الفريضة، وكل ما يبطل النافلة يبطل الفريضة، إلا أن يأتي دليل خاص يدل على استثناء النافلة، ولهذا لما كانت صلاة النافلة تصح على الدابة، ولا يصح ذلك في الفرض جاء التصريح بالتفريق؛ لبيان ذلك.
(ح-٣٣٥٧) فقد روى البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على راحلته (١).
(ح-٣٣٥٨) ورواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٢).
فلولا قوله: (لا يصلي عليها المكتوبة) لكان فعل النافلة دليلًا على صحة الفريضة، فأين الدليل من الشارع على استثناء الفريضة، فإذا لم يثبت الاستثناء بمقتضى النص دل جواز فعله في النافلة على العموم، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل، والله أعلم.
الدليل الثاني:
النفل أوسع من الفرض، فلا تقاس الفريضة على النافلة، ولهذا جازت النافلة على الراحلة، ولغير القبلة، وصح النفل قاعدًا مع القدرة على القيام.
стр. 9493
ويرد:
لولا ورود النص الخاص على عدم جواز الجلوس في الفرض مع القدرة على القيام، وعدم صحة الفريضة على النافلة لكان مقتضى القياس صحة الفريضة لصحة النافلة في هذه الأحوال، فأين الدليل على اختلاف النافلة عن حكم الفريضة في مصافة الصبي.
دليل من قال: تصح مصافة الصبي مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٥٩) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَةَ، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (١)، فقال:
كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري … وفيه: فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (٢).
وجه الاستدلال:
صحت إمامة الصبي، ومن صحت إمامته صحت مصافته من باب أولى.
وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث ببعض الاعتراضات وقد أجبت
стр. 9494
عنها عند الكلام على إمامة الصبي فارجع إليها في المجلد السابق.
الدليل الثاني:
حديث أنس ﵁ السابق: صففت واليتيم وراء النبي ﷺ ، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (١).
فإذا صحت مصافة الصبي في النافلة صحت في الفريضة.
الدليل الثالث:
بأن الصبي تصح منه الصلاة إجماعًا، ويؤمر بها، ويضرب على تركها إذا كان ابن عشر سنين، فإذا صحت صلاته صحت مصافته.
(ح-٣٣٦٠) فقد روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع.
[منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
المتنفل تصح مصافته مطلقًا في الفرض والنفل، فكذلك الصبي قياسًا عليه بجامع أن صلاتهما نفل.
ونوقش:
صحت مصافة البالغ في النفل لكمال أهليته، وهذا ما ليس متحققًا في الصبي، فالصبي لا تجب عليه الصلاة، ولا يخاطب بها من قبل الشارع، بل الشارع يخاطب وليه بأن يأمره بالصلاة، فقد لا يحسن الطهارة، وقد يحصل منه إخلاله بشروط الصلاة، أو القراءة المفروضة إلى غير ذلك من الأحكام، ولا يجب عليه إعادة
стр. 9495
الصلاة لو فسدت صلاته لأي مفسد؛ فما يحصل له من تقصير فهو مغتفر؛ لأن صلاته على وجه التدريب، وليس على وجه التكليف، فافترقا.
ورد هذا:
الأصل صحة صلاته، وقيامه بما يجب للصلاة، وعلى وليه أن يعلمه كل ما يلزم لصحة صلاته، والأحكام بحسب الظاهر، والباطن لا يعلمه إلا الله.
الراجح:
صحة مصافة الصبي في الفرض والنفل، والله أعلم.
стр. 9496
الفصل التاسع في مصافة المرأة للرجل
المدخل إلى المسألة:
المرأة لا تصاف الرجل، ولو كانت زوجته أو إحدى محارمه.
وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة عند الجمهور، ولو وقفت في صف الرجال بلا مماسة لأحد منهم كره، وصحت صلاتهم وصلاتها خلافًا للحنفية.
الأحاديث الصحيحة في مقام المرأة في الصلاة خلف الرجال إما حكاية فعل كما في حديث أنس وابن عباس، وإما في فضل ابتعادها عن الرجال، كحديث: (خير صفوف الرجال أولها … وخير صفوف النساء آخرها)، وهي لا تقتضي الوجوب من حيث الدلالة اللفظية.
لم يأت أمر من الشارع بتأخر النساء، وإن كان هو الموروث من الصدر الأول إلى يومنا هذا حتى مع المحارم والأزواج.
على القول بوجوب تأخر المرأة، فهو واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها. الحنفية لا يفسدون الصلاة بترك الواجب فيها، وإنما تعاد لتدارك ما فات من الفضل، والصلاة الأولى صحيحة، فكيف قالوا بالبطلان إذا ترك واجبًا لها.
الأصل في العبادة الصحة، ولا تفسد إلا بدليل.
إذا كان وقوف المرأة التي لا تصلي بجانب الرجل لا يفسد صلاته، لم يفسد صلاته وقوفها، وهي في العبادة من باب أولى بشرط ألا يكون فذًّا.
لو فسدت صلاة الرجل لمصافته للمرأة لفسدت صلاة المرأة، وصلاة المرأة صحيحة عند الأئمة الأربعة.
قول الحنفية: إن الرجل لما كان مأمورًا بتأخيرها اختص بالبطلان، لا يكفي، فهي منهية أيضًا عن إفساد صلاة غيرها، فمن اعتدى فهو أولى بالبطلان.
стр. 9497
على فرض أن وقوف المرأة بجانب الرجل مبطل للصلاة، فليختص البطلان بالمعتدي منهما، أما أن تعتدي المرأة في الموقف، وتقف في صف الرجال، ثم تكون صلاتها صحيحة، وتبطل صلاة من بجانبها، فهذا خلاف القواعد.
وقوف المرأة بجانب الفذ لا يخرجه عن كونه فذًّا؛ لأن المرأة لا تصاف الرجل، فوجودها كعدمها.
إذا وقفت المرأة في الصلاة بجانب الفذ أساءت الموقف، وبطلت صلاة الفذ؛ لكونه فذًّا، وصحت صلاة المرأة إن كان لا يوجد معها امرأة أخرى تصافها على الصحيح.
[م-١٠٨٤] لا يختلف العلماء أن النساء جماعة أو امرأة لا تصاف الرجل، بل تقف خلفهم، فإن لم تفعل، فإما أن تقف بجانب رجل فذٍّ في الصف، أو تقف بجانب أكثر من رجل.
فإن وقفت بجانب أكثر من رجل، فاختلف العلماء في تأثير ذلك على صحة صلاتهم:
فقال الحنفية: لو قامت امرأة يشتهى مثلها في صف الرجال فسدت استحسانًا صلاة رجل كان عن يمينها، ورجل كان عن يسارها، ورجل خلفها؛ لأن الواحدة تحاذي هؤلاء الثلاثة، بشرط أن تشترك معهم في نفس الصلاة، وصلاتها هي صحيحة، واختاره أبو بكر من الحنابلة (١).
قال الكاساني: «ومنها محاذاة المرأة الرجل في صلاة مطلقة يشتركان فيها فسدت صلاته عندنا استحسانًا، والقياس ألا تكون المحاذاة مفسدة صلاة الرجل
стр. 9498
وبه أخذ الشافعي» (١).
وقال المالكية، والشافعية والحنابلة يكره وقوفها في صف الرجال، وصلاة الجميع صحيحة (٢).
قال ابن قدامة: «وإن وقفت المرأة في صف الرجال كره، ولم تبطل صلاتها، ولا صلاة من يليها، وهذا مذهب الشافعي» (٣).
وإن وقفت بجانب رجل فذٍّ في الصف:
فالحنفية يبطلون صلاته، لا لكونه فذًّا، فصلاة الفذ خلف الصف عندهم صحيحة، بل لوقوف المرأة بجانبه، وهما مشتركان في صلاة.
قال القدوري في التجريد: «قال أصحابنا: إذا وقعت المرأة إلى جنب الرجل أو بين يديه، وهما مشتركان في صلاة، بطلت صلاته» (٤).
ومن يصحح صلاة الفذ خلف الصف، كالمالكية والشافعية فصلاته صحيحة؛ لأن وقوف المرأة بجانب الرجل ليس مفسدًا، وصلاة الفذ عندهم صحيحة، وسبق بحث الخلاف في صحة صلاة الفذ خلف الصف.
قال النووي: «إذا صلى الرجل وبجنبه امرأة لم تبطل صلاته، ولا صلاتها، سواء كان إمامًا أو مأمومًا. هذا مذهبنا، وبه قال مالك والأكثرون» (٥).
وأما الحنابلة، وهم القائلون وحدهم لا صلاة لفذِّ خلف الصف، فاختلفوا في
стр. 9499
مصافة الفذ للمرأة، أيبقى فذًّا مع وقوفها بجانبه، فتبطل صلاته، أم يخرج عن كونها فذًّا بوقوفها معه، فتصح مصافته لها مع الكراهة؟
فقيل: لا يعد فذًّا، وهو وجه عند الحنابلة، صححه ابن عقيل، واختاره القاضي أبو يعلى، وقدمه ابن تميم وابن حمدان في الرعاية الكبرى، وجزم به في المستوعب (١).
وقيل: يعد فذًّا، فتبطل صلاته، وهو المذهب عند الحنابلة، جزم به أبو الخطاب، وابن حامد، وابن قدامة في المقنع، والمجد، وصححه في الإنصاف، واعتمده في الإقناع والمنتهى (٢).
قال المجد: «لا يختلف المذهب في البطلان به، قال: ومن تدبر هذا منهم، علم أن قول القاضي وابن عقيل سهو على المذهب» (٣).
وجاء في الإقناع: «ومن لم يقف معه إلا امرأة، أو كافر، أو مجنون، أو خنثى، أو محدث، أو نجس يعلم مصافة ذلك ففذ» (٤).
وعلل ذلك في كشاف القناع، فقال: «لأنهم من غير أهل الوقوف معه؛ ولأن وجود الكافر، والمجنون، والمحدث، والنجس، كعدمه. وكذا إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته، قاله في الشرح. فدل على أن من صحت صلاته صحت مصافته» (٥).
دليل من قال: تبطل الصلاة بالوقوف بجانب المرأة:
كلام الحنفية مبني على أن تأخير المرأة عن مقام الرجل في الصلاة واجب على الرجال، فإذا تركها تصلي بجانبه فقد ترك فرضًا من فروض المقام.
لقوله ﷺ : أخروهن من حيث أخرهن الله (٦).
وجه الاستدلال:
كلمة (حيث) للمكان، والأمر للوجوب والخطاب موجه للرجال، ولهذا
стр. 9500
اختص الرجل بفساد صلاته؛ لأنه هو المخاطب بهذا الترتيب، ولأن الرجال هم القوامون بإقامة الجماعات، وتسوية الصفوف، وإذا كان الخطاب للرجال دون النساء اختص الفساد بصلاة الرجل.
وقياسًا على المقتدي إذا تقدم على الإمام تفسد صلاة المقتدي، وإنما تفسد لتركه فرضًا من فروض المقام (١).
ونوقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
حديث (أخروهن من حيث أخرهن الله) ذكره المرغيناني في الهداية، وقال: وجه الاستحسان ما رويناه، وأنه من المشاهير.
فتعقبه ابن الهمام في فتح القدير، فقال: «لم يثبت رفعه فضلًا عن كونه من المشاهير، وإنما هو في مسند عبد الرزاق موقوف على ابن مسعود» (٢).
(ث-٨٥٢) فقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال:
كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة لها الخليل، تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخروهن حيث أخرهن الله. فقلنا لأبي بكر: ما القالبين؟ قال: رقيصان من خشب.
[صحيح] (٣).
فهذا الأثر كان في شرع من قبلنا، وحدث في بني إسرائيل، ولم يكن سياقه في مصافة المرأة للرجل، ولم تصلِّ المرأة بجانب الرجل، وإنما جرى في شأن امرأة اتخذت خليلًا من الرجال، وكانت تتطاول لتراه مع قيامها في غير مكان الرجال، حتى قال ابن مسعود ما قال، والحنفية لا يعللون الحكم بكون المرأة قد يفتتن بها، ولهذا لو وقفت بجانبه، وهي لا تصلي، أو تصلي ولكن لا تشترك معه في نفس
стр. 9501
الصلاة فصلاتهما صحيحة.
الوجه الثاني:
أن الخلاف مع الحنفية في مسألتين:
المسألة الأول: هل تأخر المرأة عن صف الرجال من باب الوجوب، أو هو من باب الاستحباب (١).
فالأحاديث الصحيحة في مقام المرأة في الصلاة: إما حكاية فعل كما في حديث أنس: (صففت أنا واليتيم، والعجوز من ورائنا).
وكما في حديث ابن عباس، عند أحمد والنسائي.
(ح-٣٣٦١) قال أحمد: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد، أن قزعة مولى لعبد القيس أخبره، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول:
قال ابن عباس: صليت إلى جنب النبي ﷺ ، وعائشة خلفنا تصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي ﷺ أصلي معه.
[صحيح] (٢).
стр. 9502
وإما في فضل ابتعادها عن الرجال، كحديث: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها أخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها).
وهذا الأحاديث لا تقتضي من حيث الدلالة اللفظية الوجوب، فلم يأت أمر من الشارع بتأخر النساء، وإن كان هو الموروث من الصدر الأول إلى يومنا هذا، لكن الكلام من حيث التأثيم والبطلان يحتاج إلى أكثر من مجرد الفعل.
فالجمهور يرون كراهة صلاتها بجانب الرجال، ولهذا لا يبطلون صلاتها، ولا صلاة من بجانبها من الرجال خلافًا للحنفية.
قال ابن تيمية: «وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا» (١).
فغاية ما في الباب أن وقوف الرجل بجنب المرأة أنه مسيء في موقفه، والإساءة
стр. 9503
في الموقف لا توجب بطلان الصلاة، بدليل أنه لو وقف عن يسار الإمام صحت صلاته مطلقًا عند الجمهور، وصحت صلاته عند الحنابلة إذا كان يمين الإمام ليس خاليًا.
فالرجال إنما قدموا على النساء لفضلهم، وأخر النساء لنقصانهن فليس في ترك هذا إلا ترك تأخير فاضل، وتقديم مفضول، أو تسوية بين فاضل ومفضول في الموقف وهذا غاية ما فيه الكراهة، ولا يتعدى إلى التحريم بدليل قوله ﵇: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى)، وإنما قدمهم لفضلهم وأخر غيرهم لنقصانهم، ثم كان هذا أمرًا مستحبًا، لا حتمًا واجبًا، فكذلك هاهنا.
المسألة الثانية: على القول بوجوبه، فهو واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، والحنفية إذا ترك واجبًا في الصلاة لم تفسد صلاته، وإنما تعاد لتدارك ما فات من فضل، وليس من أجل بطلان الصلاة الأولى، فكيف تبطل إذا ترك واجبًا لها، وقد تكلمت عن حكم ترك الواجب عند الحنفية في سجود السهو، فارجع إليه إن شئت.
وما هي العلة التي أوجبت بطلان الصلاة؟
فإن كانت العلة لاشتغال قلب الرجل بها، فالمرأة تشارك الرجل في هذا المعنى، فلماذا لا تفسد صلاتها؟
ولأن هذا المعنى يوجد في المحاذاة في صلاة لا يشتركان فيها، فلو صلت المرأة بجانب الرجل، في صلاة لا يشتركان فيها لم تبطل صلاتهما، قال الكاساني: بالإجماع (١)، فلم يكن سبب البطلان اقتراب المرأة من الرجل، ولا اشتغال القلب بها.
وعلى فرض أن وقوف المرأة بجانب الرجل مبطل للصلاة، فليختص البطلان بالمعتدي، فإذا وقفت المرأة بجانب صف الرجل فهي المعتدية في الموقف، فليختص البطلان بصلاتها، وإذا وقف الرجل في صف النساء اختص البطلان في صلاته؛ لأنه هو المعتدي، أما أن تعتدي المرأة في الموقف، وتقف في صف الرجال، ثم تكون صلاتها صحيحة، وتبطل صلاة من كان عن يمينها، وعن يسارها، وعن خلفها، فهذا خلاف قواعد الشريعة، وقولكم: إن الرجل مأمور بتأخيرها، فهذا
стр. 9504
ليس بجواب، فهي مأمورة أيضًا ألا تفسد صلاة غيرها، فهي لا تسلم من الخطاب، كيف وهي المتسببة، والمباشرة لإفساد صلاة من بجانبها ومن كان خلفها.
دليل من قال: وقوف المرأة بجانب الرجل لا يبطل الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٦٢) ما رواه مسلم من طريق وكيع، قال: حدثنا طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سمعته،
عن عائشة؛ قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض. وعلي مرط، وعليه بعضه إلى جنبه (١).
قال النووي: «وفي هذا دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة ﵁» (٢).
وقد يقال: إن الحنفية يشترطون لإبطال الصلاة أن تكون مشتركة معه في أداء الصلاة، وعائشة لم تكن تصلي.
وإن كان هذا الجواب لا يخلص الحنفية؛ لأمرين:
أحدهما: أن قيام المرأة بجانب الرجل إذا كان لا يبطل صلاته، وهي ليست في صلاة، فمن باب أولى ألا يبطل صلاته إذا كانت مشغولة بالعبادة.
الثاني: أن اشتراط أن تكون مشتركة معه في الصلاة لا دليل عليه، فالحديث المرفوع الذي استندوا إليه لا أصل له، والموقوف على ابن مسعود جرت في بعض نساء بني إسرائيل، ولم تكن مصلية بجانبه حتى يستدل بها على مسألتنا، وقد بينت هذا فيما سبق.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٦٣) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد،
عن ميمونة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا حذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد. الحديث (٣).
стр. 9505
دلالة الحديث على مسألتنا كدلالة الحديث السابق.
الدليل الثالث:
(ح-٣٣٦٤) ما رواه البخاري من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (١).
وجه الاستدلال:
دل هذا الحديث على جواز صلاة الرجل، وهو خلف المرأة بحذائها، فمجموع الأحاديث الثلاثة تدل على صحة صلاة الرجل، والمرأة بجنبه، أو كان خلف المرأة بحذائها.
دليل من قال: الفذ إذا وقفت معه امرأة فصلاته صحيحة:
الدليل الأول:
استدل المالكية والشافعية على صحة صلاة الفذ خلف الصف، وقد ذكرنا أدلتهم على صحة صلاة الفذ في مسألة مستقلة، فارجع إليها. فكل دليل استدلوا به هناك قد استدلوا به هنا، وكل جواب ذكرته هناك فهو جواب عنهم هنا.
الدليل الثاني:
أن الرجل إذا وقفت معه المرأة لا يعد فذًّا، فالمرأة بالغة، وصلاتها صحيحة، فيلزم من ذلك صحة مصافتها للفذ مع الكراهة، فأشبه ما لو وقف معه رجل، فكونك تصحح صلاة المرأة، وتبطل صلاة الرجل هذا خلاف القياس.
ورد من وجهين:
الوجه الأول:
قولكم: (لا يعد فذًّا) إن كان قصدكم في الصورة، فهما اثنان، ولكن هذا لا يكفي، وإن كان قصدكم (لا يعد فذًّا) في الحكم الشرعي، فهذه دعوى في محل
стр. 9506
النزاع، ولو كان للمرأة أن تقف مع الرجل لوقفت المرأة العجوز مع أهل بيتها كما في حديث أنس: صففت أنا واليتيم، والعجوز من ورائنا.
والمرأة يؤمها زوجها فتصلي خلفه فذة، ولو كان للمرأة أن تقف مع الرجل لوقفت المرأة مع زوجها.
الوجه الثاني:
أن الرجل كان له أن يقف بجانب الإمام، ولا يصلي فذًّا، فلم يفعل، فترك واجب المصافة مع قدرته عليها، بخلاف المرأة فليس معها امرأة أخرى يمكن مصفاتها، فكان وقوفها بجانب الرجل لم يخرجها عن كونها فذة، وإذا لم تجد المرأة من يصافها من النساء، فصلت وحدها صحت صلاتها.
دليل من قال: إذا وقفت المرأة مع الرجل لم يخرج عن كونه فذًّا:
الدليل الأول:
أن المرأة ليست من أهل الوقوف مع الرجل، فوجودها كعدمها.
الدليل الثاني:
أن المرأة لا تصح أن تكون إمامًا للرجل، فلا تكون معه صفًا.
ورد هذا:
بأنه لا يشترط لصحة المصافة صحة الإمامة، فتصح مصافة الأمي للقارئ، وإن كان الأمي لا يصح أن يكون إمامًا للقارئ.
الراجح:
أن المرأة إن وقفت في صف الرجال كره لها ذلك، ولم تبطل صلاتهم، وإن وقفت بجانب الفذ بطلت صلاته؛ لا لوقوف المرأة بجانبه، بل لكونه لم يخرج عن كونه فذًّا، وهل تبطل صلاة المرأة؟ إن كان معها نساء، وتركت مصافتهن ووقفت في صف الرجل بطلت صلاتها، لكونها فذَّةً، وإن لم يكن معها نساء صحت صلاتها؛ لسقوط المصافة عنها، والله أعلم.
стр. 9507
كتاب أحكام الجمع
تمهيد في تعريف الجمع
تعريف الجمع اصطلاحًا (١).
يراد بالجمع بين الصلوات: الجمع بين كل صلاتين نهاريتين أو ليليتين، لا فاصل بين وقتيهما، تقديمًا أو تأخيرًا بشرطه، ويعد ذلك أداءً، لا قضاء.
فقولي: (نهاريتين) كالظهر والعصر.
وقولي: (ليليتين) كالمغرب والعشاء، وخرج بهذا القيد الجمع بين العشاء
стр. 9508
والصبح؛ لأن العشاء صلاة ليلية والصبح صلاة نهارية، وخرج بهذا أيضًا: الجمع بين العصر والمغرب؛ للعلة نفسها.
وقولي: (لا فاصل بين وقتيهما) خرج بهذا القيد الصبح مع الظهر، فإنهما وإن كانتا نهاريتين؛ فإنه يوجد فاصل بين وقتيهما، من طلوع الشمس إلى زوالها، فهذا ليس وقتًا لأي منهما.
وقد نقل القاضي عياض وغيره: الإجماع على منع الجمع بين الصلوات التي لا اشتراك بينها من العصر والمغرب، والعشاء والفجر، والصبح والظهر (١).
وقال القرطبي في المفهم: «إنما يكون -يعني: الإجماع- في الصلوات المشتركة الأوقات، وهي: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولا يكون في غيرها بإجماع» (٢).
وقولي: (تقديمًا) أي تقديم إحدى الصلاتين عن وقتها الأصلي، وضمها إلى الصلاة الأولى.
وقولي (أو تأخيرًا) أي تأخير إحدى الصلاتين عن وقتها الأصلي وضمها إلى وقت الصلاة الأخرى.
وقولي: (بشرطه) أي تحقق الشرط المبيح للجمع، فالأصل عدم الجمع؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ومن ذلك استحباب الجمع بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة على خلاف في علة الجمع، أهو السفر أم النسك.
وكالجمع لعلة السفر والمطر في قول جمهور العلماء في الجملة.
واختلف القائلون بالجمع في جواز الجمع للحاجة كالمرض، وبلا عذر، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
стр. 9509
الباب الأول في أسباب الجمع
الفصل الأول الجمع بسبب النسك
المدخل إلى المسألة:
أسباب الجمع معدودة عند الأئمة الأربعة.
قال النووي: الجمع مضبوط بما جاءت به السنة، فلا يجوز بكل شاقٍّ.
الجمع في عرفة ومزدلفة متفق على الفعل مختلف في العلة.
علة الجمع عند الحنفية النسك، وعند الجمهور: السفر.
الحكمة من مشروعية الجمع دفع الحاجة، والعلماء مختلفون في التعليل بالحكمة.
الحكمة إذا كانت مطردة ومنضبطة لا مانع من تعليل الحكم بها.
علة الحكم على قسمين: علة قاصرة لا يقاس عليها، وعلة متعدية، والأصل في التعليل تعدية الحكم إلا بدليل.
إذا عللنا الجمع بالحاجة ودفع المشقة، أهي علة قاصرة، يقتصر فيها على الحاجات مورد النص، أم يمكن قياس غيرها عليها من الحاجات؟ الراجح الأول.
لما كان السفر مظنة الحاجة إلى الجمع أباح الشرع الجمع فيه مطلقًا قيامًا للمظنة مقام الحقيقة، كالنوم لما كان مظنة الحدث أقيم النوم مقام الحدث، فكل من جاز له القصر جاز له الجمع، وليس العكس.
لو كان الجمع من أحكام النسك لجمع النبي ﷺ مقامه في مكة، ويوم التروية، وأيام التشريق، فالنسك لم ينقطع.
الجمع في عرفة لداعي الحاجة للتفرغ للدعاء واستغلال اجتماع الناس قبل تفرقهم أوزاعًا في الموقف. والحاجة في جمع مزدلفة سنة الدفع مع الغروب ومواصلة السير إليها.
стр. 9510
[م-١٠٨٥] اتفق العلماء على استحباب الجمع في عرفة جمع تقديم وفي مزدلفة جمع تأخير.
وكل من نقل صفة حج النبي ﷺ ، لم يختلفوا أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر في عرفة جمع تقديم، وصلى المغرب والعشاء في مزدلفة جمع تأخير.
(ح-٣٣٦٥) لما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه:
ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا. وحين جاء ذكر الصلاة في مزدلفة، قال: «أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (١).
فصلى النبي ﷺ الظهر والعصر في عرفة جمع تقديم، والمغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد؛ وإقامتين؛ لأن الأذان للوقت، وقد صار وقتًا واحدًا، والإقامة للصلاة، فاحتاج لكل صلاة إقامة. وقد بحثنا الخلاف في الأذان والإقامة في المجلد الأول.
فقول جابر: (فصلى الظهر) دليل على أنه لم يصلها جمعة.
وليس هذا الدليل الوحيد فتقديم الخطبة في عرفة على الأذان، والإسرار بالقراءة في الصلاة كل ذلك يدل على أنه صلاها بنية الظهر، لا نية الجمعة.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإمام لا يجهر في صلاة الظهر والعصر بعرفة بالقراءة» (٢).
(ح-٣٣٦٦) وروى البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (٣).
وقد صلى خلف النبي ﷺ أصحابه المسافرون تلك الصلاة قصرًا.
стр. 9511
وعلة الجمع عند الحنفية النسك، وبه قال الثوري وداود وأبو الطيب الطبري من الشافعية (١).
وعند الجمهور: السفر (٢).
فعلى القول الأول: يجوز الجمع لكل من تلبس بالنسك، ولو كان مقيمًا، ولا يجوز أن يصلي المغرب والعشاء قبل مزدلفة، ولا قبل وقت العشاء (٣).
وعلى الثاني: لا يجوز الجمع إلا أن يكون مسافرًا، ويجوز الجمع قبل الوصول إلى مزدلفة، وفي وقت المغرب (٤).
وقد اجتمع في النسك سنة الجمع في صورتيه: التقديم والتأخير.
وعلى صحة الجمع، ولو كان المسافر نازلًا لم يجدَّ به السير. وسيأتي مزيد بحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وقد نقل الإجماع على مشروعية الجمع في هذين الموضعين جمع من الفقهاء على اختلاف مدارسهم:
قال ابن المنذر: «مما أجمع أهل العلم على القول به، وتوارثته الأئمة قرنًا عن قرن، وتبعهم الناس عليه منذ زمان رسول الله ﷺ إلى هذا الوقت: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة يوم عرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع في ليلة النحر» (٥).
وقال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن الجمع بين الصلاتين
стр. 9512
بعرفة: الظهر والعصر، في أول وقت الظهر، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، في وقت العشاء. وذلك سفر مجتمع عليه، وعلى ما ذكرنا فيه، فكل ما اختلف فيه من مثله، فمردود إليه» (١).
واختلفوا إذا فاته الجمع بعرفة مع الإمام، أيجمع في رحله؟
فقيل: لا يجمع، بل يصلي كل صلاة لوقتها، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والنخعي، والحسن بن حَيٍّ (٢).
وقال الجمهور: له أن يجمع في رحله، وبه قال محمد بن الحسن وأبو يوسف (٣).
قال الإمام البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم: «وكان ابن عمر إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما» (٤).
وقد يكون هذا الخلاف أثرًا عن الخلاف في حقيقة الجمع، أهو لعلة النسك، أم لعلة السفر؟
والحكمة من مشروعية الجمع داعي الحاجة، والتي لو ترك الجمع مع قيامها لوقع صاحبها في حرج، أو فوَّت عليه مصالح مقصوده. قال ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته، رواه مسلم، وسيأتي تخريجه والكلام عليه.
فالجمع في عرفة: لحاجة التفرغ للدعاء واستغلال اجتماع الناس قبل تفرقهم في الموقف.
وجمع التأخير في مزدلفة: الحاجة إلى تحقيق سنة الدفع مع الغروب ومواصلة السير إلى مزدلفة للوصول إليها مبكرًا، وطلب الراحة استعدادًا لأعمال يوم الحج الأكبر، من طواف، وسعي، ورمي، ونحر، وحلق.
وأبيح الجمع في السفر لمظنة الحاجة إليه، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم مظنة الحدث، والله أعلم.
стр. 9513
الفصل الثاني الجمع بسبب السفر
المبحث الأول في اشتراط إباحة السفر
المدخل إلى المسألة:
السفر ثلاثة أضرب: سفر قربة واجبًا كان أم مستحبًا، كالحج والجهاد، وسفر إباحة كسفر التجارة، وسفر عصيان، كسفر البغاة وقطاع الطرق.
السفر من أسباب نسخ وجوب قيام الليل من غير فرق بين المباح والواجب، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فعمَّ الحكم غيرهم من الأصحاء، والمقيمين، وهم الأكثر، فكذلك الرخص إذا انعقدت عمت المطيع والعاصي.
قال القرافي: العاصي في سفره مخالف للعاصي بسفره.
إذا عصى في سفره ترخص برخص السفر بالاتفاق، لأن السفر لم يعقد للمعصية.
الرخصة هل هي من باب الإعانة، والعاصي لا يحل أن يعان، أم هي تشريع عام فتتناول المطيع وغيره؟ الراجح الثاني.
النصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وقال ﷺ : يمسح المسافر، ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع.
على القول بأن الرخص لا تستباح بالمعاصي فهذا إنما يؤثر في رخصة
стр. 9514
تختص بالسفر كقصر الصلاة، وأما الرخصة التي تكون فيه وفي الحضر كالجمع والمسح على الخفين فلا أثر للعصيان بالسفر فيها.
السفر الذي هو مناط الجمع ليس معصية بعينه، وإنما الموصوف بالمعصية هو العاصي نفسه، فصار الشأن كمسح الخف المغصوب، والصلاة في الدار المغصوبة.
[م-١٠٨٦] هناك فرق بين العاصي بسفره، والعاصي فيه.
فالعاصي في سفره: كل سفر يكون الباعث عليه أمرًا مباحًا، فيقع المسافر في معصية، لم يعقد السفر من أجلها، كالغيبة، وشرب الدخان، وسماع الغناء وأمثلته كثيرة، فهذا يقال: عاصٍ في سفره، وليس عاصيًا بسفره.
والعاصي بسفره: كل سفر يكون الباعث على السفر أمرًا محرمًا لولا السفر لم يتمكن من فعلها، كقطع الطريق، والسفر لفعل الفواحش، وطلب العلوم المحرمة كالسحر والموسيقى، والأمثلة غير محصورة.
والعاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر؛ لأن سفره ليس سببًا في فعل المحرم، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عابدين من الحنفية، والدسوقي من المالكية، والنووي من الشافعية وغيرهم (١).
قال القرافي: «والعاصي في سفره مخالف للعاصي بسفره» (٢).
كما اشترط جمهور الفقهاء أن يقصد في سفره جهة معينة، فمن كان هائمًا على وجهه، وهو ما يسميه الفقهاء راكب التعاسيف؛ فلا يترخص. قال الشافعية: لأنه عابث، فلا يليق به الترخص (٣).
стр. 9515
وقال الحنابلة: لأن السياحة لغير موضع معين مكروهة، فيكون السفر ليس مباحًا (١).
واختلف العلماء في ترخص العاصي بسفره.
فقيل: يترخص مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، وهو قول مالك من رواية زياد بن عبد الرحمن، واختاره المزني من الشافعية، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن حزم، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
وقيل: لا يترخص، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣).
جاء في جامع الأمهات: «ولا يترخص العاصي بسفره كالآبق، والعاق بالسفر على الأصح، ما لم يتب، إلا في تناول الميتة على الأصح» (٤).
وجاء في الإقناع: «لا يترخص في سفر معصيةٍ بقصرٍ، ولا فطرٍ، ولا أكل لميتةٍ نصًّا، فإن خاف على نفسه إن لم يأكل قيل له: تب وكل، ولا في سفر مكروه للنهي عنه» (٥).
وقيل: لا يترخص إلا في سفر قربة، وهو مروي عن ابن مسعود (٦).
стр. 9516
ومرجع الخلاف: هل الرخصة من باب الإعانة. والعاصي لا يستحق أن يعان، أو هي تخفيف عام فتتناوله؟
فالنصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٥٨١] ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع.
وقد بسطت ذلك في كتابي موسوعة الطهارة، عند الكلام على المسح على الحائل، فارجع إليه إن شئت (١).
стр. 9517
المبحث الثاني في حكم الجمع في السفر
المدخل إلى المسألة:
أحاديث المواقيت عامة، خُصَّ منها الأحوال التي تبيح الجمع.
إذا جاز تخصيص أحاديث المواقيت بأحاديث الجمع في عرفة ومزدلفة، جاز تخصيصها بأحاديث الجمع في السفر.
الخاص مقدم على العام.
إذا جاز تخصيص الكتاب بالسنة في أصح أقوال أهل العلم، جاز تخصيص المتواتر بخبر الآحاد.
من أراد الجمع بين الصلاتين لا يصدق عليه أنه أخر الصلاة عن وقتها؛ لأن وقت الصلاتين صار وقتًا واحدًا، ولذلك الصلاتان تعدان أداء، وليست قضاء.
[م-١٠٨٧] اختلف العلماء في حكم الجمع للمسافر:
فقيل: لا يجمع إلا في عرفة ومزدلفة، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن مالك، وبه قال الحسن وابن سيرين (١).
قال القاضي عياض: «أَبَى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر، وحكى كراهته عن الحسن وابن سيرين، وروي عن مالك مثله» (٢).
وقيل: يجوز الجمع للمسافر، وهو مذهب الجمهور من المالكية،
стр. 9518
والشافعية والحنابلة (١).
وقيل: يكره الجمع في السفر، وهو مقابل المشهور من مذهب المالكية، رواه ابن القاسم عن مالك (٢).
وقيل: يكره للرجال، ويرخص فيه للنساء، ذكرها ابن شعبان في كتابه عن مالك (٣).
دليل من قال: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
فقوله: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضًا مؤقتًا.
فالأصل عدم الجمع، وأداء كل صلاة في وقتها، وهذا هو هدي النبي ﷺ الذي كان عليه حتى فارق الدنيا.
وأجيب:
قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ .. ﴾ (أل) في الصلاة للعموم، خُصَّ منه بعض الصلوات التي يصح جمعها بشرطه، كما خص من هذا العموم الجمع في عرفة ومزدلفة، والخاص مقدم على العام.
الدليل الثاني:
استدل الحنفية بقول النبي ﷺ : (الصلاة ما بين هذين) قاله جبريل ﵇ بعد ما صلى بالنبي ﷺ في مكة؛ لتعليمه أوقات الصلوات بعد أن فرضت على
стр. 9519
المسلمين، فصلى بالنبي ﷺ الصلوات الخمس، في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها به في اليوم التالي في آخر الوقت، ثم قال له: (الصلاة ما بين هذين) ورد ذلك من حديث ابن عباس، وهو حديث حسن بمجموع طرقه (١).
ومن حديث جابر، وهو حديث حسن لذاته (٢).
وقاله الرسول ﷺ في المدينة، وقد سأله رجل عن مواقيت الصلاة، فقال: صَلِّ معنا هذين اليومين، فصلى الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها في اليوم التالي في آخر الوقت، ثم قال للسائل: الصلاة ما بين هذين الوقتين، جاء ذلك من حديث بريدة، وحديث أبي موسى، وكلاهما في صحيح مسلم (٣).
فلا تصح الصلاة قبل وقتها، ولا يحل تأخيرها عن وقتها بلا عذر. كيف ومواقيت الصلاة ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر الآحاد.
و الجمع: إخراج عبادة عن وقتها المعتاد، إما تقديمًا لإحدى الصلاتين عن وقتها، وإما تأخيرًا لها عن وقتها.
قال محيي الدين نقلًا من حاشية ابن عابدين: «والذي أذهب إليه أنه لا يجوز الجمع في غير عرفة ومزدلفة؛ لأن أوقات الصلاة قد ثبتت بلا خلاف، ولا يجوز إخراج صلاة عن وقتها إلا بنص غير محتمل؛ إذ لا ينبغي أن يخرج عن أمر ثابت بأمر محتمل، هذا لا يقول به من شم رائحة العلم. وكل حديث ورد في ذلك فمحتمل أنه يتكلم فيه مع احتمال أنه صحيح، لكنه ليس بنص» (٤).
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أحاديث المواقيت لم تُتْرَك، بل هي عامة، خُصَّ منها الأحوال التي تبيح الجمع.
стр. 9520
الجواب الثاني:
كيف جاز لكم تخصيص أحاديث المواقيت بأحاديث الجمع في عرفة ومزدلفة، ومنعتم تخصيصها بأحاديث الجمع في السفر والحضر، وهي أحاديث صحيحة، فهذا تحكم، فإذا جاز تخصيصها بأحاديث الجمع في عرفة ومزدلفة، وهي ليست مقارنة لأحاديث المواقيت، صح تخصيصها بغيرهما، ولا تعارض، وكما أن القصر في السفر لا يعارض الإتمام في الحضر، فكذلك الجمع إذا انعقد سببه لا يعارض أحاديث المواقيت، ودعوى أن التخصيص إذا تأخر كان نسخًا لا دليل عليه، ولو سلمنا: فهو نسخ جزئي لبعض أفراد العام، وليس رفعًا لجميع أفراد العام، والله أعلم.
الجواب الثالث:
التفريق بين خبر الآحاد وغيره تفريق لا دليل عليه، وقد تحول الصحابة، وهم في الصلاة حين بلغهم أن القبلة حولت، ولم يترددوا في قبول ذلك بحجة أنه من أخبار الآحاد. وما صح عن رسول ﷺ فالعمل به واجب، وما ينطق عن الهوى.
وإذا جاز تخصيص الكتاب بالسنة في أصح أقوال أهل العلم، جاز تخصيص المتواتر بخبر الآحاد.
فقد خُصَّ عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله ﷺ : بحديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها. رواه البخاري من حديث جابر (١)، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة (٢).
وخُصَّ عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، بحديث أسامة بن زيد: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم). رواه البخاري (٣).
قال ابن قدامة: «لا نتركها -يعني: الأحاديث المتواترة- وإنما نخصصها،
стр. 9521
وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع، وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بالإجماع، فتخصيص السنة بالسنة أولى، وهذا ظاهر جدا» (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٣٦٧) روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن عبد الله قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب، والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها (٢).
وروى محمد بن الحسن، قال: أخبرنا سلام بن سليم الحنفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود،
عن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد قالا: كان عبد الله بن مسعود يقول: لا جمع بين الصلاتين إلا بعرفة: الظهر والعصر (٣).
[تفرد به محمد بن الحسن، وهو إمام في الفقه، وتكلم أحمد في حفظه، وباقي رجاله ثقات، والقول عن ابن مسعود مشهور وأصحابه أخذوه منه].
وجه الاستدلال:
قول ابن مسعود: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين … وذكرهما، وكلاهما في النسك)، فلو كان النبي ﷺ يجمع في غير النسك ما خفي ذلك على ابن مسعود، ولَمَا نفى هذا عن النبي ﷺ . وقد كان ابن مسعود مصاحبًا للنبي ﷺ في سفره وحضره.
ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
حديث ابن مسعود نفى الجمع، وأحاديث الجواز إثبات،؛ والإثبات مقدم على النفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.
стр. 9522
الوجه الثاني:
الاستثناء معيار العموم، ولم يستثن ابن مسعود ﵁ إلا صلاتين: الجمع في مزدلفة، وصلاة الصبح بها. وما عدا ذلك فهو على المنع.
ومقتضاه: نفي الجمع في عرفة، فلو كان الحصر من ابن مسعود ﵁ صحيحًا لم يصح جمع عرفة.
وفي الأثر الذي رواه محمد بن الحسن نفى الجمع عن شيء من الصلوات إلا في عرفة، ومقتضاه نفي الجمع في مزدلفة، وكلا الأثرين قاصر في إفادة النفي.
فإن قالوا: هذه دلالة مفهوم، ونحن لا نقول به.
قيل: منع الجمع في غير عرفة ومزدلفة من دلالة المفهوم، فكيف قلتم به؟
والصحيح أن دلالة المفهوم صحيحة إذا لم تقم قرينة على أن المفهوم غير مراد، فكيف إذا تأكد المفهوم بموافقته منطوقَ أحاديثَ كثيرةً في جمع النبي ﷺ في غير عرفة ومزدلفة، جاء ذلك من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس وغيرهم.
الوجه الثالث:
ظاهر كلام ابن مسعود أن صلاة الفجر صليت قبل وقتها، ولم يقل أحد بظاهره في إيقاع الفجر قبل ميقاتها. وقد فسره العلماء بأن المراد أنه بالغ في التعجيل، فلم يكن النص عن ابن مسعود صادرًا من المعصوم، ولذلك الحصر فيه غير صحيح لثبوت الجمع في عرفة، وظاهره في وقت صلاة الصبح غير مراد، فلم يبق من دلالته ما يمكن الاحتجاج به.
الوجه الرابع:
من جمع بين الصلاتين لا يقال: إنه صلى إحدى الصلاتين في غير وقتها؛ لأن الجمع يجعل الوقت للصلاتين وقتًا واحدًا، بدليل أنهما تعدان أداءً، لا قضاءً.
الوجه الخامس:
ابن مسعود مع ثناء النبي ﷺ عليه وعلى قراءته للقرآن، فهو بشر، وكثرة صلاته مع النبي ﷺ لا تعصمه من السهو، فقد كان يطبق يديه إذا ركع، وقد كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ، ونسي ابن مسعود الناسخ. وكانت السنة في الجماعة إذا كانوا ثلاثة
стр. 9523
أن يتوسطهم الإمام، ثم نسخ بتقدم الإمام، وقد نسي ذلك ابن مسعود حين صلى بعلقمة والأسود فأمر بتوسطهما (١)، وإذا لم تعصمه ملازمته للنبي ﷺ في هاتين المسألتين، فكذلك لا تعصمه في غيرها من المسائل مما خالف فيه المرفوع الثابت عن النبي ﷺ ، فلا نترك سنة الرسول ﷺ إذا نسي ابن مسعود ﵁، وحفظ غيره.
يقول الذهبي في تذكرة الحافظ: «يمكن أن يجمع سيرة ابن مسعود في نصف مجلد فلقد كان من سادة الصحابة وأوعية العلم وأئمة الهدي، ومع هذا فله قراءات وفتاوى ينفرد بها، مذكورة في كتب العلم، وكل إمام يؤخذ من قوله ويُترك إلا إمام المتقين الصادق المصدوق الأمين المعصوم صلوات الله وسلامه عليه» (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٣٣٦٨) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه:
أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٣).
وجه الاستدلال:
من أخَّر الصلاة حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، فقد وقع بالتفريط؛ ويصدق هذا على جمع التأخير، فإن حقيقته تأخير الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى.
وقد قال النبي ﷺ هذا الحديث حين نام هو وأصحابه في السفر، والسفر من أسباب الجمع عند القائلين به، فإذا كان هذا لا يقبل في السفر لم يقبل في الحضر من باب أولى.
وإذا كان هذا يصدق على جمع التأخير، فجمع التقديم أولى أن يكون مفرطًا؛
стр. 9524
لأن دخول الوقت شرط في صحة الصلاة بالإجماع، ومن صلى قبل دخول الوقت وجب عليه إعادتها؛ لأن دخول الوقت شرط في الصحة، بخلاف التأخير فإن صلاته صحيحة مع الإثم، والله أعلم.
ونوقش هذا من ثلاث وجوه:
الوجه الأول:
هذا الحديث عام، وأحاديث الجمع خاصة، والخاص مقدم على العام.
الوجه الثاني:
من أراد الجمع بين الصلاتين لا يصدق عليه أنه أَخَّر الصلاة عن وقتها؛ لأن وقت الصلاتين صار وقتًا واحدًا، ولذلك الصلاتان تعدان أداء، وليست قضاء.
الوجه الثالث:
إذا كان تأخير المغرب إلى وقت العشاء في مزدلفة لا يصدق عليه أنه أخر الصلاة حتى جاء وقت الصلاة الأخرى، لم يصدق على من أخر الصلاة بنية الجمع إذا انعقد سببه الشرعي؛ لأن ذلك كان بإذن من الشارع.
فبقي الحديث في حق من أخر الصلاة بغير عذر، أو أخر من الصلاة ما لا يصح جمعه كما لو أخر العصر حتى دخل المغرب، أو أخر العشاء حتى دخل وقت الصبح، أو أخر الصبح حتى دخل وقت الظهر، ولا يصدق على التأخير بنية الجمع إذا انعقد سببه.
الدليل الخامس:
أن الجمع الوارد في الأحاديث يراد به الجمع الصوري، أي: تأخير إحدى الصلاتين في آخر وقتها، وتعجيل الأخرى في أول وقتها.
(ح-٣٣٦٩) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا مغيرة بن زياد، عن عطاء،
عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء في السفر.
стр. 9525
[لم يروه عن عطاء إلا المغيرة بن زياد، وقد تكلم فيه] (١).
(ح-٣٣٧٠) وروى الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن غالب، أخبرنا غصن بن إسماعيل، عن ابن ثوبان، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل،
عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فجعل يجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها، ويصلي العصر في أول وقتها، ثم يسير ويصلي المغرب في آخر وقتها، ما لم يغب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها حين يغيب الشفق .... الحديث (٢).
[منكر] (٣).