← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع، وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بالإجماع، فتخصيص السنة بالسنة أولى، وهذا ظاهر جدا» (١). الدليل الثالث: (ح-٣٣٦٧) روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب، والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها (٢). وروى محمد بن الحسن، قال: أخبرنا سلام بن سليم الحنفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد قالا: كان عبد الله بن مسعود يقول: لا جمع بين الصلاتين إلا بعرفة: الظهر والعصر (٣). [تفرد به محمد بن الحسن، وهو إمام في الفقه، وتكلم أحمد في حفظه، وباقي رجاله ثقات، والقول عن ابن مسعود مشهور وأصحابه أخذوه منه]. وجه الاستدلال: قول ابن مسعود: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين … وذكرهما، وكلاهما في النسك)، فلو كان النبي ﷺ يجمع في غير النسك ما خفي ذلك على ابن مسعود، ولَمَا نفى هذا عن النبي ﷺ . وقد كان ابن مسعود مصاحبًا للنبي ﷺ في سفره وحضره. ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: حديث ابن مسعود نفى الجمع، وأحاديث الجواز إثبات،؛ والإثبات مقدم على النفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.

стр. 9522

الوجه الثاني: الاستثناء معيار العموم، ولم يستثن ابن مسعود ﵁ إلا صلاتين: الجمع في مزدلفة، وصلاة الصبح بها. وما عدا ذلك فهو على المنع. ومقتضاه: نفي الجمع في عرفة، فلو كان الحصر من ابن مسعود ﵁ صحيحًا لم يصح جمع عرفة. وفي الأثر الذي رواه محمد بن الحسن نفى الجمع عن شيء من الصلوات إلا في عرفة، ومقتضاه نفي الجمع في مزدلفة، وكلا الأثرين قاصر في إفادة النفي. فإن قالوا: هذه دلالة مفهوم، ونحن لا نقول به. قيل: منع الجمع في غير عرفة ومزدلفة من دلالة المفهوم، فكيف قلتم به؟ والصحيح أن دلالة المفهوم صحيحة إذا لم تقم قرينة على أن المفهوم غير مراد، فكيف إذا تأكد المفهوم بموافقته منطوقَ أحاديثَ كثيرةً في جمع النبي ﷺ في غير عرفة ومزدلفة، جاء ذلك من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس وغيرهم. الوجه الثالث: ظاهر كلام ابن مسعود أن صلاة الفجر صليت قبل وقتها، ولم يقل أحد بظاهره في إيقاع الفجر قبل ميقاتها. وقد فسره العلماء بأن المراد أنه بالغ في التعجيل، فلم يكن النص عن ابن مسعود صادرًا من المعصوم، ولذلك الحصر فيه غير صحيح لثبوت الجمع في عرفة، وظاهره في وقت صلاة الصبح غير مراد، فلم يبق من دلالته ما يمكن الاحتجاج به. الوجه الرابع: من جمع بين الصلاتين لا يقال: إنه صلى إحدى الصلاتين في غير وقتها؛ لأن الجمع يجعل الوقت للصلاتين وقتًا واحدًا، بدليل أنهما تعدان أداءً، لا قضاءً. الوجه الخامس: ابن مسعود مع ثناء النبي ﷺ عليه وعلى قراءته للقرآن، فهو بشر، وكثرة صلاته مع النبي ﷺ لا تعصمه من السهو، فقد كان يطبق يديه إذا ركع، وقد كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ، ونسي ابن مسعود الناسخ. وكانت السنة في الجماعة إذا كانوا ثلاثة

стр. 9523

أن يتوسطهم الإمام، ثم نسخ بتقدم الإمام، وقد نسي ذلك ابن مسعود حين صلى بعلقمة والأسود فأمر بتوسطهما (١)، وإذا لم تعصمه ملازمته للنبي ﷺ في هاتين المسألتين، فكذلك لا تعصمه في غيرها من المسائل مما خالف فيه المرفوع الثابت عن النبي ﷺ ، فلا نترك سنة الرسول ﷺ إذا نسي ابن مسعود ﵁، وحفظ غيره. يقول الذهبي في تذكرة الحافظ: «يمكن أن يجمع سيرة ابن مسعود في نصف مجلد فلقد كان من سادة الصحابة وأوعية العلم وأئمة الهدي، ومع هذا فله قراءات وفتاوى ينفرد بها، مذكورة في كتب العلم، وكل إمام يؤخذ من قوله ويُترك إلا إمام المتقين الصادق المصدوق الأمين المعصوم صلوات الله وسلامه عليه» (٢). الدليل الرابع: (ح-٣٣٦٨) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٣). وجه الاستدلال: من أخَّر الصلاة حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، فقد وقع بالتفريط؛ ويصدق هذا على جمع التأخير، فإن حقيقته تأخير الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى. وقد قال النبي ﷺ هذا الحديث حين نام هو وأصحابه في السفر، والسفر من أسباب الجمع عند القائلين به، فإذا كان هذا لا يقبل في السفر لم يقبل في الحضر من باب أولى. وإذا كان هذا يصدق على جمع التأخير، فجمع التقديم أولى أن يكون مفرطًا؛

стр. 9524

لأن دخول الوقت شرط في صحة الصلاة بالإجماع، ومن صلى قبل دخول الوقت وجب عليه إعادتها؛ لأن دخول الوقت شرط في الصحة، بخلاف التأخير فإن صلاته صحيحة مع الإثم، والله أعلم. ونوقش هذا من ثلاث وجوه: الوجه الأول: هذا الحديث عام، وأحاديث الجمع خاصة، والخاص مقدم على العام. الوجه الثاني: من أراد الجمع بين الصلاتين لا يصدق عليه أنه أَخَّر الصلاة عن وقتها؛ لأن وقت الصلاتين صار وقتًا واحدًا، ولذلك الصلاتان تعدان أداء، وليست قضاء. الوجه الثالث: إذا كان تأخير المغرب إلى وقت العشاء في مزدلفة لا يصدق عليه أنه أخر الصلاة حتى جاء وقت الصلاة الأخرى، لم يصدق على من أخر الصلاة بنية الجمع إذا انعقد سببه الشرعي؛ لأن ذلك كان بإذن من الشارع. فبقي الحديث في حق من أخر الصلاة بغير عذر، أو أخر من الصلاة ما لا يصح جمعه كما لو أخر العصر حتى دخل المغرب، أو أخر العشاء حتى دخل وقت الصبح، أو أخر الصبح حتى دخل وقت الظهر، ولا يصدق على التأخير بنية الجمع إذا انعقد سببه. الدليل الخامس: أن الجمع الوارد في الأحاديث يراد به الجمع الصوري، أي: تأخير إحدى الصلاتين في آخر وقتها، وتعجيل الأخرى في أول وقتها. (ح-٣٣٦٩) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء في السفر.

стр. 9525

[لم يروه عن عطاء إلا المغيرة بن زياد، وقد تكلم فيه] (١). (ح-٣٣٧٠) وروى الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن غالب، أخبرنا غصن بن إسماعيل، عن ابن ثوبان، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فجعل يجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها، ويصلي العصر في أول وقتها، ثم يسير ويصلي المغرب في آخر وقتها، ما لم يغب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها حين يغيب الشفق .... الحديث (٢). [منكر] (٣).

стр. 9526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9527

(ح-٣٣٧١) ومنها ما رواه الطبراني في الكبير من طريق أبي مالك النخعي، واسمه عبد الملك بن الحسين، عن حجاج، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء، ويؤخر هذه في آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها. [رفعه منكر، والمعروف أنه مرسل] (١).

стр. 9528

(ح-٣٣٧٢) وروى النسائي من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جابر، قال: حدثني نافع، قال: خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر يريد أرضًا له، فأتاه آت، فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لَمَّا بها، فانظر أن تدركها، فخرج مسرعًا، ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس، فلم يصلِّ الصلاة، وكان عهدي به، وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ، قلت: الصلاة يرحمك الله. فالتفت إليَّ، ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق، نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء، وقد توارى الشفق، فصلى

стр. 9529

بنا، ثم أقبل علينا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به السير صنع هكذا (١). [المحفوظ أنه صلى المغرب والعشاء بعد غياب الشفق] (٢).

стр. 9530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9534

(ث-٨٥٣) ومنها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أن ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ليلة خَرَج من أرضه. قال: فكان من جمع بينهما يؤخر من الظهر ويعجل من العصر ثم يجمعان، ويؤخر من المغرب ويعجل من العشاء ثم يجمعان. [صحيح، ابن جريج مقدم في عطاء، وعبد الرزاق ثبت في ابن جريج] (١). وأجيب: بأن هذا معارض بما رواه ابن عباس مرفوعًا بصحة الجمع في الحضر، وحديثه في الصحيحين: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا. هذا لفظ مسلم، وزاد: في غير خوف ولا سفر (٢). والمرفوع مقدم على الموقوف. ولي وقفة مع حديث ابن عباس عند الكلام على الجمع في المطر. (ث-٨٥٤) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى

стр. 9535

مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعد يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، يقدم من هذه قليلًا، ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة. [صحيح] (١). (ث-٨٥٥) ومنها ما رواه الطحاوي، قال حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: صحبت عبد الله بن مسعود ﵁ في حجة، فكان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء، ويسفر بصلاة الغداة. [صحيح] (٢). فالأحاديث التي ظاهرها الجمع بين الصلاتين محمول ظاهرها على هذه الأحاديث التي تبين أن المقصود بالجمع: الجمع الصوري، وهو جواز الجمع بين الصلاتين في الفعل لا في الوقت: أي فعل الأولى في آخر وقتها، وفعل الثانية في أول وقتها، فلا تترك أحاديث المواقيت وهي صريحة الدلالة نص في دلالتها على وجوب الالتزام بالمواقيت، لأحاديث محتملة، وإن كانت صحيحة في نفسها. ويحمل تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على التجوز كقوله تعالى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي قاربن بلوغ الأجل؛ إذ لا يقدر على الإمساك بعد بلوغ الأجل، أو يحمل على أن الراوي ظن ذلك. ونظيره ما وقع في إمامة جبريل فإنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، أي في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، فيحمل على أنه قريب منه، أو على ظن الراوي أنهما وقعا في وقت واحد (٣).

стр. 9536

ويجاب عن ذلك بأكثر من جواب: الجواب الأول: لم يصح حديث مرفوع في الجمع الصوري،، وقد أبان ذلك تخريج الأحاديث السابقة، فهي بين منكر، وشاذ، وما صح من ذلك فهي آثار صحيحة، معارضة بمثلها، بل ومعارضة بما هو أقوى منها من أحاديث مرفوعة صحيحة في صحة الجمع الحقيقي، وليس الصوري في السفر. الجواب الثاني: أن الغاية من الجمع دفع الحرج، والتوسعة على العباد، والجمع الصوري أشد حرجًا على العبد من صلاة كل فرض في وقتها، وأي حرج أشد من تحويل واجب موسع يختار فيه المكلف الوقت الذي يؤدي فيه الصلاة إلى واجب مضيق، بحيث يوقع الصلاة الأولى في أخر وقتها، حتى إذا انصرف من الصلاة الأولى وافق ذلك دخول وقت الثانية، والناس لم يكن لديهم ساعات يضبطون بها الوقت، وتعويلهم في التوقيت على مراقبة الظل، أو مشاهدة غياب الشفق، وكيف يراقب الظل أو الشفق وهو مشغول في الصلاة الأولى، وأي عنت أشد على المكلف من هذا؟ ويناقش: الجمع الصوري لا حرج فيه، ولكن لا حاجة إليه مع ثبوت الجمع الوقتي في السفر، نعم قد يقال بالجمع الصوري في الحضر، حيث النصوص في الجمع فيها إعواز، ولأن الجمع الصوري قد ثبت في الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، حيث أخر النبي ﷺ الصلاة حتى رأى الصحابة فيء التلول. وفي حديث أبي موسى وحديث بريدة في مسلم حين سئل النبي عن المواقيت صلى في اليوم الأول أول الوقت، وصلى الصلوات الخمس في اليوم الثاني آخر الوقت، وقال: (الصلاة ما بين هذين). وإذا أمكن إيقاع الصلاة في آخر الوقت بلا حرج أمكن الجمع الصوري. انظر الجواب على الاعتراض على الجمع الصوري في الجمع في المطر، فقد ناقشت دعوى الحرج بتوسع هناك، والله أعلم.

стр. 9537

الجواب الثالث: إذا كان الجمع في عرفة ومزدلفة ليس محمولًا على الجمع الصوري، ولا يخالف أحاديث المواقيت، فكذلك الجمع في السفر ليس محمولًا على الجمع الصوري، ولا يخالف أحاديث المواقيت، بل يخصصها. الجواب الرابع: ما تأوله الحنفية ليس بجمع؛ لأن كل واحدة من الصلاتين يؤتى بها في وقتها، ولو كان ما تأولوه جمعًا لجاز مثله بين العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح (١). ورد بأكثر من وجه: الوجه الأول: قولك: (الجمع الصوري ليس بجمع)، إن كنت تنفي عنه الجمع الوقتي فصحيح، وإن كنت تنفي أن يطلق الجمع على الجمع الصوري فذلك ليس بصحيح، فقد أطلق الصحابة الجمع على الجمع الصوري، راجع ما سبق من أثر ابن عباس وأثر سعد بن أبي وقاص، فقد أطلقا الجمع بين الظهرين والعشاءين على الجمع الصوري. الوجه الثاني: قولك: (أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب … ). إن كنت تقصد الجمع الوقتي فهذا لا يجوز بالإجماع، وليس مانعًا من حمل بعض أحاديث الجمع على الجمع الصوري خاصة حديث ابن عباس في الجمع في الحضر. وإن كنت تقصد الجمع الفعلي، فهذا جائز خاصة عند من يرى جواز تأخير العصر إلى ما قبل غروب الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل طلوع الفجر لغير المعذور. أما من يرى أن وقت العصر يخرج باصفرار الشمس، ووقت العشاء يخرج بانتصاف الليل، فيتعذر الجمع الفعلي بينهما؛ كما يتعذر الجمع بين الصبح والظهر؛ لوجود فاصل

стр. 9538

بينهما ليس وقتًا لأداء الصلاة، وهي مسألة خلافية، تكلمت عليها في شروط الصلاة، وبينت أن الراجح في وقت العصر امتداده إلى غروب الشمس، وامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر، فارجع إليه إن شئت. الوجه الثالث: أن الجمع الصوري ورد في حديث حمنة بنت جحش حين استحيضت، مما يدل على أنه هو المراد بالجمع عند العذر. (ح-٣٣٧٣) فقد روى أبو داود في السنن من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فكان فيما قال لها ﵊ .... وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إلي (١). وأجيب عن هذا الحديث: الأول: أن هذا الحديث قد تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، والأكثر على ضعفه، ولا يحتمل تفرده. الثاني: أنه مخالف لأحاديث أصح منه بينت ما يجب على المستحاضة، كحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت جحش في الصحيحين. وحديث عائشة في استحاضة أم حبيبة في مسلم. وليس في هذه الأحاديث الإرشاد إلى الجمع الصوري، وهو المحفوظ (٢).

стр. 9539

دليل من قال: يباح الجمع في السفر: الدليل الأول: (ح-٣٣٧٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر، ثم ركب (١). الدليل الثاني: (ح-٣٣٧٥) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير (٢). (ح-٣٣٧٦) ورواه مسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء (٣). الدليل الثالث: (ح-٣٣٧٧) روى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق مالك بن مغول، قال: سمعت عون بن أبي جحيفة، ذكر عن أبيه قال: دفعت إلى النبي ﷺ ، وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة خرج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ فوقع الناس عليه يأخذون منه ثم دخل، فأخرج العنزة، وخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إلى وبيص ساقيه،

стр. 9540

فركز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والمرأة (١). ورواه البخاري ومسلم من طريق شعبة قال: حدثنا عون بن أبي جحيفة قال: سمعت أبي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فصلى بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها. وهذا لفظ البخاري (٢). ورواه البخاري حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، حدثنا الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة، يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيتمسحون به، فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، والعصر ركعتين وبين يديه عنزة (٣). وجه الاستدلال: قوله: (خرج بالهاجرة، فتوضأ، فصلى الظهر والعصر … ). الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، فكما أن الخروج واحد، والوضوء واحد، والنداء واحد، ورتب على ذلك الصلاتين، فظاهر الحديث أنه جمع بينهما، ولم يذكر خروجًا ولا وضوءًا ولا نداء خاصًّا للعصر، ورواية الحكم موافقة لرواية عون بن أبي جحيفة. الدليل الرابع: (ح-٣٣٧٨) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره، أن معاذ بن جبل أخبره قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أَخَّر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله ﷺ هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم! فسبهما

стр. 9541

النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول .... (١). فهذه الأحاديث الصحيحة منها ما دل على جواز جمع التقديم، ومنها ما دل على جواز جمع التأخير، ومنها ما دل على جواز الجمع وهو نازل، ومنها ما دل على جواز الجمع إذا جد به السير، ولا تعارض بينها، فدل على جواز الجمع في كل هذه الأحوال. دليل من قال: يكره الجمع في السفر: القول بالكراهة مراعاة لخلاف ابن مسعود ﵁، ومن أخذ بقوله من الحنفية. قال المازري: «ما وقع عندنا من الكراهة فقد ذكرنا ما تأول عليه. ويمكن أن يتأول فيه الاحتياط من الاختلاف الذي ذكرناه عن أبي حنيفة» (٢). وتعليل الكراهة بالخلاف قول ضعيف؛ وقد زاد من الخلاف، ولم يخفف منه، لوجهين: الوجه الأول: تعليل الكراهة بالخلاف يختلف عن الخروج من الخلاف؛ لأن الخروج من الخلاف يأتي بقول يحتاط فيه لكل قول منهما حتى لا يكون مخالفًا لكل قول منهما، والتعليل بالكراهة لوجود الخلاف أحدث قولًا ثالثًا في المسألة، لا لدليل شرعي، ولكن لوجود خلاف في المسألة، فهو زاد من الخلاف، والكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع. الوجه الثاني: لو أخذنا بالخلاف دليلًا أو تعليلًا للحكم الشرعي للزم أن كل مسألة خلافية نقول إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد. دليل من قال: يكره للرجال دون النساء: قال المازري: «التفرقة في الكراهة بين الرجال والنساء يمكن أن يكون لشدة

стр. 9542

حاجة النساء إلى الصون عن الحط والترحال بخلاف الرجال» (١). الراجح: قول الجمهور، وأن الجمع رخصة في السفر كالفطر، ويختلف حكمه بحسب حال المسافر، فإذا جد به السير، أو كان في ترك الجمع مشقة استحب، وإلا كان مباحًا.

стр. 9543

المبحث الثالث في الجمع بين الجمعة والعصر المدخل إلى المسألة: المسافر فرضه الظهر، فإذا حضر الجمعة، نابت الجمعة عن الظهر إذا نابت الجمعة عن فرض الظهر في حق المسافر، لم تمنعه من الجمع، فالبدل يأخذ حكم المبدل. الجمهور مع أنهم يمنعون من الاختلاف على الإمام في النية، فلا يصلي فرضًا خلف من يصلي فرضًا آخر، لا يمنعون المصلي لو فاتته الركعة الثانية في الجمعة أن يدخل معه بنية الظهر، ولا يرون هذا من الاختلاف على الإمام؛ لأنه انتقال من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت. من دخل بنية صلاة الجمعة، ثم تبين أنه لم يدرك الركعة الثانية فقد فاتته الجمعة، وانقلبت صلاته ظهرًا على الصحيح. كيف صح بناء الظهر على تحريمة الجمعة، والأصل أن الفرض لا يبنى على تحريمة فرض آخر مما يدل على أن أحدهما ينوب مناب الآخر، ولأن انقلاب الصلاة أخف من الانتقال من نية إلى أخرى. ليست علة الجمع مسمى الصلاة، حتى يختص الجمع بمسمى الظهر، فهذه نزعة ظاهرية، بل كل صلاة نهارية أو ليلية، لا فاصل بين وقتيهما، قامت فيهما علة الجمع كالسفر، فإنه يجمع بينهما، ومنها الظهر والجمعة مع العصر. قال بعضهم: الأعذار التي تسقط الظهر هي نفسها التي تسقط الجمعة، كالوحل، والمطر، والريح الباردة، فاشتراكهما في الأعذار دليل على اشتراكهما في الجمع. إذا أدخلتم الجمع في المرض والوحل والريح الباردة بناء على قول ابن عباس

стр. 9544

موقوفًا عليه: (أراد ألا يحرج أمته) عن طريق القياس، ولو لم يوجد في السنة ما يؤيد ذلك، فالمسافر أولى بالإلحاق؛ لأن المسافر ثبت له الجمع بين الظهر والعصر؛ لعلة السفر، ولم يثبت الجمع في الحضر لهذه الأسباب عدم ثبوت الجمع بين الجمعة والعصر في حق المسافر راجع إلى سقوط الجمعة عنه. المسافر إذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة قضاها ظهرًا، فيحق له الجمع، مع أنه أدرك جزءًا من الصلاة مع الإمام، وإذا أدرك ركعة قيل له: لا يحق لك الجمع!! حضور المسافر الجمعة لا يقطع سفره، فلا يقطع أحكامه، فعلة الجمع كونه مسافرًا. [م-١٠٨٨] علمنا من المسألة السابقة أن الجمع بين العشاءين جائز عند الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية، فهم لا يرون الجمع في غير النسك. وأن الجمع بين الظهر والعصر غير جائز عند الأئمة الثلاثة، خلافًا للشافعية، وهل يختلف القول في الجمع بين الجمعة والعصر؟ فالشافعية، قالوا: يجوز الجمع بين الجمعة والعصر جمع تقديم، كقولهم في الجمع بين الظهرين (١). وقال الحنابلة: لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر، كقولهم في المنع من الجمع بين الظهرين، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورجحه الروياني (٢). ولم أعثر على نص عند المالكية في المسألة، وإن كان قياس مذهبهم في الظهرين يقتضي المنع، وقد منعوا الإبراد بالجمعة (٣).

стр. 9545

دليل من قال: تجمع الجمعة مع العصر: الدليل الأول: كل صلاة نهارية أو ليلية، لا فاصل بين وقتيهما، قامت فيهما علة الجمع كالسفر، فإنه يجمع بينهما، ومنها الظهر والجمعة مع العصر. فقولنا: (نهارية) كالظهر والجمعة مع العصر. وقولنا: (ليلية) كالمغرب مع العشاء. وخرج بهذا القيد الجمع بين العشاء والصبح؛ لأن العشاء صلاة ليلية والصبح نهارية. وخرج بهذا أيضًا: الجمع بين العصر والمغرب؛ للعلة نفسها. وقولي: (لا فاصل بين وقتيهما) خرج بهذا القيد الصبح مع الظهر أو مع الجمعة؛ فإنهما وإن كانتا نهاريتين؛ فإنه يوجد فاصل بين وقتيهما يمنع من جعل وقت الصلاتين المجموعتين وقتًا واحدًا. فهذه المعاني هي التي تجعل الجمع ممكنًا أو ممتنعًا، وليس اختصاص الجمعة بأحكام تختلف عن صلاة الظهر. وإذا ثبت ذلك صح الجمع بين الجمعة والعصر للمسافر. فكان الجمع بين الظهرين في السفر يقتضي الجمع بين الجمعة والعصر، إما لعدم الفارق، وإما للنظر لعلة الجمع، فالسفر الذي أباح الجمع للمسافر بين الظهرين يبيح له الجمع بين الجمعة والعصر إذا حضر المسافر وصلى الجمعة.

стр. 9546

وليست علة الجمع مسمى الصلاة، حتى يختص الجمع بمسمى الظهر، أو بمسمى الجمعة، فهذه نزعة ظاهرية. ونوقش: قياس الجمعة على الظهر قياس مع الفارق، لوجود الفروق بين الجمعة والظهر، وسيأتي إن شاء الله ذكر بعض الفروق بينهما في أدلة القول الثاني. ويجاب: إلحاق الجمعة بالظهر من باب نفي الفارق، فلا حاجة إلى القياس، فالجمع بين الظهرين يقتضي الجمع بين الجمعة والعصر؛ لكونهما صلاتين نهاريتين لا فاصل بين وقتيهما، ولا تأثير لكون أحدهما حملت اسم الجمعة أو اسم الظهر، ولا تأثير لكون أحدهما ركعتين والأخرى أربعًا، ولا كون أحدهما صلاة جهرية والأخرى سرية، بدليل أن المسافر يجمع بين الظهرين، سواء أتمهما أم قصرهما. وعدم ثبوت الجمع بين الجمعة والعصر في حق المسافر راجع إلى سقوط الجمعة عنه، فهاتوا أن النبي ﷺ أو أحدًا من صحابته صلى الجمعة في السفر، وامتنع من الجمع لكونها جمعة. الدليل الثاني: أن المسافر فرضه الظهر، لا يختلفون في ذلك، وليس كالحاضر حتى يدخل فيه النزاع الفقهي، هل الجمعة فرض مستقل أو هي بدل عن الظهر؟ فإذا حضر المسافر الجمعة صارت الجمعة بدلًا عن الظهر، لا ينبغي الخلاف في ذلك، والبدل له حكم المبدل منه. الدليل الثالث: (ح-٣٣٧٩) روى البخاري حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال:

стр. 9547

فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: استدل الشافعية بهذا الحديث على أن الشارع لم يفرق بين الظهر والجمعة في الأعذار التي تبيح التخلف عنهما، كالوحل، والمطر، والريح الباردة، فاشتراكهما في الأعذار دليل على اشتراكهما في الأحكام. ويناقش: هذا الدليل استدل به الشافعية، وإن كان يمكن أن يعكس، فيقال: كل عذر أباح التخلف عن الجماعة والجمعة لا يكون سببًا في الجمع؛ لأن الجمع إنما كان من أجل تحصيل الجماعة، فما كان سببًا في إسقاطها كيف يكون سببًا في تحصيلها؟ خاصة أن الجمع يقتضي تقديم الصلاة على وقتها، والمحافظة على الوقت أهم من تحصيل الجماعة، فالوقت شرط بالاتفاق، ووجوب الجماعة مختلف فيه، وعلى القول بوجوبها فالواجب ليس بمنزلة الشرط. الدليل الرابع: الجمع بين الجمعة والعصر من جمع التقديم، والرخصة لا تتعلق بالجمعة لوقوعها في وقتها وبشروطها، وإنما تتعلق بتقديم العصر، ولا فرق بين تقديم العصر يوم السبت أو الخميس أو الجمعة، ومن أخرج عصر الجمعة من الصلوات المجموعة في حق المسافر فيطالب بالدليل. قياسه: المسافر يصلي الظهر خلف مقيم، فيلزمه صلاة حضر، وإذا لزمت المسافر صلاة الحضر انتفت في حقه علة الجمع بسبب السفر بالنظر إلى الصلاة الأولى الظهر، إلا أن الرخصة تتعلق بالعصر، فإذا انصرف منها صلى العصر قصرًا وجمعًا، فكان حكم الجمع والقصر مختصًا بالصلاة الثانية دون الأولى، كما تختص نية الجمع في الصلاة الثانية دون الأولى، فكذلك الشأن في الجمعة مع العصر.

стр. 9548

فالمالكية استثنوا من اشتراط نية الجمع في الصلاة الأولى مسألة: إذا صلى المغرب في بيته، ثم أتى المسجد فوجدهم في العشاء ليلة الجمع فله الدخول معهم، علل القرافي الحكم بقوله: «لأن الرخصة لا تتعلق بالمغرب؛ لوقوعها في وقتها، وإنما تتعلق بالعشاء» (١). فكذلك الشأن في الجمع بين الجمعة العصر، الرخصة تتعلق بتقديم العصر. الدليل الخامس: صحح كثير من الفقهاء انقلاب الجمعة ظهرًا إذا افتتح الجمعة ثم تبين أنها قد فاتته في صور مختلفة، وإذا صح بناء الظهر على تحريمة الجمعة دل على أن أحدهما يأخذ حكم الآخر عند العذر، ومنه الجمع مع العصر. فلو دخل المصلي مع الإمام بنية الجمعة، ثم تبين أنه لم يدرك ركعة فالأصح من أقوال أهل العلم أنه يصلي أربعًا ظهرًا، ويبني على تحريمة الجمعة. وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وذكر ابن عقيل أنها رواية عن أحمد، اختارها من الحنابلة أبو إسحاق بن شاقلا، والقاضي أبو يعلى، وقال في موضع من التعليق: هذا المذهب، وبه قال قتادة وأيوب ويونس، ورجحه شيخنا ابن عثيمين ﵀ (٢).

стр. 9549

وسواء أقلنا: إن الجمعة انقلبت ظهرًا، وهو الأصح، أم قلنا: إنه انتقل من الجمعة إلى الظهر بالنية، فكل ذلك يدل على أن إحداهما تنوب عن الأخرى. جاء في الجامع لمسائل المدونة: «قال ابن القاسم: … لا يضره إحرامه للجمعة إذا آلت ظهرًا؛ لأن الجمعة ظهر، وهي صلاة حضر» (١). وقال ابن القاسم: «ما لم تتم له ركعة بإمام لم تجزئه الجمعة، ولكن يسجد، ويبني عليها ثلاث ركعات، فتصير ظهرًا … » (٢). وقال الرافعي: «إذا فاتت الجمعة، هل يتمها ظهرًا، أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يجب عليه أن يتمها ظهرًا، ولا بأس ببنائها عليها؛ لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء أطولهما على أقصرهما، كصلاة الحضر مع السفر» (٣). وقال النووي: «وإن أدرك بعد ركوعها لم يدرك الجمعة بلا خلاف عندنا، فيقوم بعد سلام الإمام إلى أربع للظهر، وفي كيفية نية هذا الذي أدركه بعد الركوع وجهان حكاهما صاحب البيان وغيره .... أصحهما، وبه قطع الروياني وآخرون، وهو ظاهر كلام المصنف والجمهور: ينوي الجمعة موافقة للإمام» (٤).

стр. 9550

وقال الخطيب في مغني المحتاج: «ومحل الخلاف فيمن علم حال الإمام، وإلا بأن رآه قائمًا، ولم يعلم أمعتدل هو أو في القيام، فينوي الجمعة جزمًا» (١). وقال أبو إسحاق بن شاقلا من الحنابلة: «ينوي نية الجمعة؛ لئلا يخالف نية إمامه، ويصلي أربعًا، ولا يجوز أن ينوي الظهر، كما لو أدرك معه ركعة؛ ولأنه وإن لم يدرك ما يعتد به، فهو في حكم ما يعتد به، بدليل أن المسافر لو دخل في صلاة المقيم، وهو في التشهد لزمه الإتمام كما لو أدرك ما يعتد به» (٢). ومِثلُ ذلك في الحكم عند جمهورهم لو انفض العدد، وهم في الصلاة، أو زحم على الركوع والسجود حتى سلم الإمام، أو خرج وقت الجمعة قبل الفراغ منها على أحد القولين، أو قبل أن يدرك منها ركعة بسجدتيها على القول الآخر، بنى عليها ظهرًا. قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «إذا انفضوا عنه بعد أن أحرم بهم، فإن كان قبل أن يتم ركعة بسجدتيها أتمها ظهرًا أربعًا، وإن كان بعد أن عقد ركعة بسجدتيها ضم إليها أخرى، وكانت جمعة، وسواء بقي وحده، أو بقي معه من لا تنعقد بهم جمعة» (٣). فلم يمنع من بناء الظهر على تحريمة الجمعة. وقال الشافعي في الأم: «إن دخل أول وقت العصر قبل أن يسلم منها فعليه أن يتم الجمعة ظهرًا أربعًا» (٤). ونقل المازري في التلقين عن أبي بكر الأبهري، قوله: «إن عقد ركعة بسجدتيها قبل خروج وقتها أتمها جمعة، وإن لم يعقد ذلك بنى، وأتمها ظهرًا» (٥). لأن الجمعة لا تبطل بخروج وقتها كسائر الصلوات. وجاء في المدونة عن ابن القاسم، أنه قال: «وبلغني عن مالك أنه قال في رجل

стр. 9551

أتى المسجد يوم الخميس، وهو يظن أنه يوم الجمعة، فدخل المسجد، والإمام في الظهر، فافتتح معه الصلاة ينوي الجمعة، فصلى الإمام الظهر أربعًا، قال: أراها مجزئة عنه؛ لأن الجمعة ظهر» (١). وقال ابن المنذر في الإشراف: «واختلفوا فيمن زحم في يوم الجمعة عن الركوع والسجود حتى فرغ الإمام من صلاته، فقال الحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي: يصلي ركعتين. وقال قتادة، وأيوب، ويونس، والشافعي، وأبو ثور: يصلي أربعًا. وقال مالك: أحبُّ إليّ أن يصلي أربعًا. قال أبو بكر: يصلي أربعًا؛ لأن هذا لم يدرك من الإمام ركعة فيكون مدركاً للصلاة» (٢). فكل من قال: يصلي أربعًا، فإنه يصحح بناء الظهر على تحريمة الجمعة. وكيف صح بناء الظهر على تحريمة الجمعة، والأصل أنه لا يُبنى فرضٌ على نية فرض آخر، ولا نفل معين على نية نفل معين آخر؟ إما لاشتراكهما في الأحكام، فيجوز الانتقال من الأصل إلى البدل وعكسه؛ لأن كلًا منهما فرض الوقت، وهذا توجيه شيخنا ابن عثيمين ﵀، وسبق نقل قوله من الشرح الممتع في صدر الدليل. وإما لأن ذلك من باب الانقلاب، وليس من باب الانتقال من نية إلى أخرى، والانقلاب أخف من الانتقال كما لو أحرم قبل الوقت انقلبت نفلًا، مع أنه لم ينو النفل، وأحرم بنية الفرض، وهذا أقوى. وفي كلا الافتراضين لا يمنع ذلك من الجمع بين الجمعة والعصر، والله أعلم. وقد استدلوا على ذلك ببعض الأدلة والتعليلات، منها:

стр. 9552

(ح-٣٣٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (١). (ح-٣٣٨١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا هشيم، قال أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: من أدرك ركعة من الجمعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصلِّ أربعًا. [صحيح] (٢). ولأنهما صلاتان يسقط فرض إحداهما بفعل الأخرى، فجاز بناء الأكثر منهما على تحريمة الأقل، كالإتمام والقصر (٣). ولأن انقلاب الجمعة ظهرًا، إن كان ممن تجب عليه الجمعة فهو انتقال من أصل إلى بدل، وإن كان ممن لا تجب عليه الجمعة كالمسافر فهو رجوع عن البدل إلى الأصل، وكلاهما فرض الوقت (٤). ولأن المسافر إذا أحرم بالصلاة بنية القصر، وهو في سفينة، ويعلم أنه يدخل في البلد قبل إكمالها؛ فإنه يصح ويلزمه إتمامها بعد دخوله، فكذلك هاهنا (٥). فبنى الإتمام على نية القصر. ولأن الجمعة عندهم أقوى من الظهر، فكانت نيتها مقام نية الظهر؛ لأنها إما أن

стр. 9553

تكون في معنى المقصورة، أو بدلًا عن الظهر، فجاز أن يبنى الظهر على الجمعة. ولأن المأموم إذا دخل بنية الجمعة لم يختلف على إمامه في النية بخلاف لو دخل بنية الظهر خلف من يصلي الجمعة، فلا ينوي الظهر حتى ينصرف الإمام. وضعفه صاحب المحرر، فقال: «وهو ضعيف؛ فإنه فرَّ من اختلاف النية ثم التزمه في البناء» (١). وقال في مجمع البحرين: «قوله بعيد جدًا ينقض بعضه بعضًا» (٢). وقد يقال: التزام مخالفة الإمام في البناء بعد الانصراف من الصلاة، وانقطاع المتابعة أخف من المخالفة مع الإمام، وإن كنت لا أرى مانعًا من الاختلاف على الإمام بالنية، وسبق بحث المسألة. والجمهور منعوا من الاختلاف في النية على الإمام، فلا يصلي فرضًا خلف من يصلي فرضًا آخر، وصححوا لمن فاتته الجمعة الدخول مع الإمام بنية الظهر، وهذا دليل آخر على أنهم يرون أن نية الظهر خلف إمام الجمعة ليس من الاختلاف عليه. وإذا صح بناء الظهر على تحريمة الجمعة صح الجمع بين الجمعة والعصر لمن يباح لهم الجمع، وأحق الناس بذلك المسافر إذا حضر وصلى الجمعة، فإن الجمع للمسافر بين الظهرين والعشاءين ثابت في السنة في أحاديث صحيحة. ويناقش هذا: النصوص واضحة حيث علق الشارع إدراك الصلاة وإدراك الوقت بإدراك ركعة. فحديث أبي هريرة السابق: (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) (٣). في بيان ما تدرك به الصلاة، والجمعة من سائر الصلوات. (ح-٣٣٨٢) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل

стр. 9554

أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (١). وهذا الحديث في بيان إدراك الوقت. والحديثان لهما منطوق ومفهوم. فمنطوق الحديث: إدراك الصلاة بإدراك الركعة. ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة. ومنطوق الحديث الثاني: إدراك وقت العصر بإدراك ركعة منه قبل أن تغرب الشمس. ومفهومه: أن من أدرك من الوقت أقل من ركعة فقد فاته الوقت، والاحتجاج بالمفهوم خاصة مفهوم الشرط عليه أكثر الأصوليين، ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى. ولكنَّ الحديثين لم يكشفا عن الحكم في حال عدم إدراك الجمعة مثلًا، بماذا ينوي المسبوق، لو أنه دخل معه في التشهد، أيدخل معه بنية الجمعة، ثم يبني عليها الظهر، أم يدخل معه بنية الظهر، حتى لو اختلفت نية المأموم عن نية إمامه عند من يشترط عدم الاختلاف على الإمام في النية، وهم الجمهور، أم يستقبل الظهر، وتكون صلاته مع الإمام إما نافلة أو باطلة؛ لأن الظهر لا تصح خلف من يؤدي الجمعة؛ لاختلاف النيتين؟ وكل هذه أقوال قيلت في المسألة، والموضع محل اجتهاد، ولا نصوص قاطعة تحسم الأمر، وإذا كانت المسألة خلافية فلا تلزم المخالف. فذهب الحنابلة في المشهور: أن المسبوق في الجمعة إذا أدرك الإمام بالتشهد، فإن دخل بنية الظهر صحت ظهرًا، إن كان الظهر قد دخل وقته، وإلا كانت نافلة، اختار ذلك الخرقي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).

стр. 9555

قال القاضي أبو يعلى: «اختلف أصحابنا فيه إذا أدرك الإمام في التشهد، ودخل معه، هل ينوي الظهر أم الجمعة؟ فقال الخرقي: ينوي الظهر؛ لأنه لم يدرك ما يعتد به من الجمعة، فلم يجز أن ينوي فيه الجمعة .... » (١). ولأنه إن نوى الجمعة، نوى فرضًا قد فاته وترك نية الظهر، وهو الفرض الذي عليه، فيشبه من نوى العصر، وهو عليه الظهر. وإن كان لم يدخل وقت الظهر، انقلبت صلاته نفلًا؛ قياسًا على من أحرم بفرض، فبان قبل وقته. والدليل على اشتراط نية الظهر: حديث عمر بن الخطاب: إنما الأعمال بالنيات، مفهومه: أن من لم ينو العمل فليس له. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين انقلاب العمل إلى ظهر، وبين الانتقال بالنية من فرض إلى فرض آخر، فانقلاب العمل إلى الظهر لا يحتاج نية، فالصلاة فرض واحد: فإذا لم تصح الصلاة جمعة انقلبت إلى بدلها، خاصة أن المسافر فرضه الظهر، وكما لو صلى قبل

стр. 9556

الوقت انقلبت الصلاة نفلًا، وهو لم ينو بتحريمته النفل، وكيف صح له النفل وهو لم ينوه؛ لأن ذلك من باب الانقلاب، وليس الانتقال، والجمعة أعلى من الظهر فانقلابها إلى ظهر أهون من الانتقال من الظهر إلى الجمعة. وقد سبق لنا ما جاء في المدونة، عن ابن القاسم قوله: «وبلغني عن مالك أنه قال في رجل أتى المسجد يوم الخميس وهو يظن أنه يوم الجمعة، فدخل المسجد، والإمام في الظهر فافتتح معه الصلاة ينوي الجمعة، فصلى الإمام الظهر أربعًا، قال: أراها مجزئة عنه؛ لأن الجمعة ظهر، وإن أتى المسجد يوم الجمعة، وهو يظن أنه يوم الخميس، فأصاب الإمام في الصلاة، فدخل معه في الصلاة، وهو ينوي الظهر، فصلى الإمام الجمعة، قال: يعيد صلاته، وذلك رأيي» (١). ففرق في الحكم بين انقلاب الجمعة إلى ظهر، فصححه، ومنع من انقلاب الظهر إلى جمعة. وقيل: الخلاف مبني على أن الجمعة، أهي ظهر مقصورة، أم صلاة مستقلة؟ فيه وجهان عند الحنابلة (٢). والصحيح أن الجمعة ركعتان تمام غير قصر. ومن الحنابلة من منع صحة الصلاة مع الإمام في هذه الحال مطلقًا؛ لأن الجمعة فاتته، والظهر لا تصح خلف من يؤدي الجمعة؛ لاختلاف النيتين (٣). وفرق الحنفية بين إدراك الوقت، وإدراك الصلاة، فإدراك الصلاة ومنه الجمعة يكفي فيه إدراك جزء منها قبل السلام، فمن دخل مع الإمام قبل السلام، ولو في سجود السهو فقد أدرك الجمعة. وأما إدراك وقت الجمعة فلا يكفي فيه إدراك ركعة منها، فإذا خرج الوقت، وهو فيها بطلت الجمعة، واستأنف الظهر. جاء في بداية المبتدئ: «وإن كان أدركه في التشهد، أو في سجود السهو بنى عليها

стр. 9557

الجمعة عندهما. وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر» (١). وجاء في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «وتصح -يعني: الجمعة- في وقت الظهر، ولا تصح بعده، حتى لو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر، ولا يبني الظهر على الجمعة؛ لأنهما مختلفان. وعند مالك يبني» (٢). وحجة الحنفية بعدم بناء الظهر على الجمعة: أن الجمعة تحتاج إلى شرائط لا يفتقر الظهر إليها، وهي المكان، والإمام، والعدد، والوقت، والخطبة، وإذا اختلفت شرائطهما دل على أنهما فرضان مختلفان، فلم يجز بناء أحدهما على الآخر. والحنفية يرون أن الظهر هو الأصل، والجمعة بدل منها. فهذه أربعة أقوال في المسألة، والله أعلم. وسوف تأتينا هذه المسألة بحول الله وقوته في أحكام صلاة الجمعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وإذا تخلف هذا الدليل للاحتجاج به على مسألتنا يغني عنه الأدلة السابقة. دليل من قال: لا تجمع الجمعة مع العصر: الدليل الأول: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، ولا دليل على صحة الجمع بين الجمعة والظهر. ويجاب: بأن هذا دليل صحيح، وهو يسري على الجمع في الحضر من مرض، ووحل، وريح شديدة، وخوف، بل وعلى الجمع في المطر، فكلها في الحضر لا يوجد في الجمع فيها حديث مرفوع صحيح، وإذا كنتم أدخلتم الجمع فيها بناء على قول ابن عباس موقوفًا عليه: (أراد ألا يحرج أمته) عن طريق القياس، ولو لم يوجد في السنة العملية ما يؤيد ذلك، وخرجتم القياس في الحضر على القياس في السفر بجامع المشقة، فالمسافر أولى بالإلحاق؛ لأن المسافر ثبت له الجمع بين الظهر والعصر؛ لعلة السفر، ولم يثبت الجمع في الحضر بين الظهرين في المطر، والمرض والوحل

стр. 9558

والخوف والريح الباردة، وإذا كان شيخ الإسلام يرى علة الجمع في عرفة ومزدلفة المشقة، وينفي أن تكون علة الجمع السفر، أو النسك، ويقيس عليهما الجمع في الحضر، فإن الجمع بين الجمعة والعصر أولى بالإلحاق، وعدم ثبوت الجمع بين الجمعة والعصر في حق المسافر راجع إلى سقوط الجمعة في السفر، فإذا حضر المسافر صلاة الجمعة مع كونها ليست واجبة عليه، ونابت الجمعة عن الظهر الذي هو فرضه الأصلي، فكيف يمنع من الجمع؟، أليس هما صلاتين نهاريتين لا فاصل بين وقتيهما، فما الفرق بينهما وبين الجمع بين الظهرين؟ والله أعلم. الدليل الثاني: أن الجمعة فرض مستقل، وليس بدلًا عن الظهر، لوجود الفروق بينهما، فالجمعة لا تصح من الواحد بالإجماع، وتسبقها خطبتان، ولا تصلى في السفر، ولا تقضى إذا فات وقتها، ولا تلزم النساء، والقراءة فيها جهرية، وليس لها راتبة قبلية، ولا يصح البيع والشراء بعد ندائها الثاني ولها شعائر قبلها، كالغسل، والطيب، ولبس أحسن الثياب ونحو ذلك بخلاف الظهر، وقد أوصلها شيخنا ابن عثيمين إلى ثلاثة وعشرين فرقًا، وقد انتقيت منها أقواها بحسب ما ظهر لي (١). ويجاب بأجوبة منها: الجواب الأول: ليس مناط الحكم في الجمع عدد ركعات الظهر، ولا سرية القراءة فيها، ولا خلوها من الخطبة، وكون الجمعة تختص ببعض الأحكام عن الظهر لا يمنع من صحة الجمع؛ فالجمع يمس وقت الصلاة تقديمًا أو تأخيرًا؛ لعلة أباحت الجمع، لا يتعلق بكنه العبادة. فكأن المانعين جعلوا الظهر علة في جواز الجمع، حتى إذا تغير الفرض بالجمعة تخلف الحكم، والحق أن مناط الحكم كما سبقت الإشارة إليه، علة تبيح الجمع، واشتراك في الوقت بين صلاتين إما نهاريتين وإما ليليتين لا فاصل بين وقتيهما، وهذا متحقق في الجمعة كما هو متحقق في العصر. ولهذا الشافعية يرون الجمعة فرضًا مستقلًا، ويرون الجمع بينها وبين العصر.

стр. 9559

الجواب الثاني: لو سلمنا أن الجمعة فرض الوقت بالنسبة للحاضر، وليست بدلًا عن الظهر، فالمسافر بالإجماع فرضه الظهر، والجمعة بدل عنها في حقه، والبدل له حكم المبدل منه. الجواب الثالث: هذه الفروق لا تنفي أن الجمعة إذا فاتت فإنه يقضيها ظهرًا. والمسافر إذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة قضاها ظهرًا، فيحق له الجمع، مع أنه أدرك جزءًا من الصلاة مع الإمام، وإذا أدرك ركعة قيل له: لا يحق لك الجمع!! الجواب الرابع: وقت ابتداء الجمعة هو وقت ابتداء الظهر عند الجمهور من زوال الشمس، وأحاديث المواقيت، منها إمامة جبريل كما في حديث جابر وابن عباس، ومنها حديث عبد الله بن عمرو وحديث بريدة وحديث أبي موسى في مسلم، وكلها ذكرت مواقيت الصلوات الخمس، ولم تذكر الجمعة؛ لأنها داخلة في صلاة الظهر. الجواب الخامس: هذه الفروق التي ذكرت بين الجمعة والظهر لا تمس أحكام الجمع، فالجمع لم يعقد بين الظهرين لخلو الظهر من هذه الفروق حتى يعترض بها على الجمع، فالمسافر يجمع بين الظهرين سواء أتمهما أم قصرهما، وقل مثل ذلك في بقية الفروق. الدليل الثالث: (ح-٣٣٨٣) روى البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون

стр. 9560

الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: لم ينقل أن النبي ﷺ جمع الجمعة مع العصر. وأجيب: ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع في ذلك الأسبوع بين الظهرين للمطر، بل لم يحفظ أن النبي ﷺ جمع للمطر في الحضر مطلقاً، وهذا دليل يؤكد صحة ما رجحته بأنه لا يشرع الجمع في الحضر، ولكن يشرع الجمع لعلة السفر، فإذا صلى المسافر الجمعة، فله أن يقوم ويجمع معها العصر؛ لعلة السفر، راجع الجمع بسبب المطر. الراجح: من خص الجمع بالظهرين، إما يرى أن الظهر علة الجمع، حتى إذا تغير الفرض بالجمعة تخلفت العلة عنده فتخلف الحكم، وليس الأمر كذلك. وإما يرى أن الجمع بين الجمعة والعصر من جهة العمل ليس محفوظًا فرده لذلك، وهل كان الجمع بين الظهرين محفوظًا في الحضر حتى يصح التفريق؟ سئل الإمام أحمد عن الجمع بين الظهرين فقال: ما سمعت. أتراك تحفظ الجمع بين الظهرين في الحضر وخفي ذلك على الإمام أحمد ومالك؟ فلا الظهر علة في الجمع، ولا كون الجمع في الحضر مشروعًا بين الجمعة والعصر. والذي أرى أن علة الجمع بين الصلاتين لا يتعلق بمسمى الصلاة، هل كانت الصلاة ظهرًا أو جمعة، بل إن الحكم يجب أن يرد إلى الأسباب التالية: السبب الأول: تحقق علة تبيح الجمع. السبب الثاني: اشتراك في الوقت يمكن معه تحويل وقت الصلاتين إلى وقت واحد، ولا يكون ذلك إلا بشرط أن تكون الصلاة إما نهارية أو ليلية، ولا فاصل بين وقتيهما. فإذا تحقق هذا أمكن القول بمشروعية الجمع. فالسفر علة تبيح الجمع، والنصوص على ذلك متظاهرة. والجمعة والعصر صلاتان نهاريتان، لا فاصل بين وقتيهما، فيمكن معه أن يتحول إلى وقت واحد؛ كوقت الظهر والعصر.
следующие страницы →