← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المبحث الثالث في حكم أمر الولي للصغير بالصلاة المدخل إلى المسألة: * المأمور غاية، والأمر وسيلة إليه، وإذا كانت الغاية ليست واجبة فكذا وسيلته؛ لأن الوسيلة لها حكم الغاية. * دلالة الصيغة في الأمر فيها خلاف قوي بين أهل الأصول. * هناك من يقول: المتيقن من دلالة الصيغة هو الاستحباب، ولا يصار إلى الوجوب إلا بقرينة، لوجود أوامر حملت على الاستحباب، ولا يعلم لها صارف إلا بتكلف. * من العلماء من يرى أن دلالة صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والاستحباب، ولا يصار لأحدهما إلا بقرينة. * الراجح أن صيغة (افعل) وإن دلت على الوجوب إلا أن الفقهاء يصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، كحديث: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فلا قرينة صارفة لهذا الأمر عن الوجوب إلا كون الأمر يتعلق بالإرشاد، وهي قرينة معنوية، لم تؤخذ من الصيغة، وأمثلتها كثيرة. [م-١٤٦] أمر الشارع الولي بأن يأمر الصبي بالصلاة، واختلفوا في أمر الشارع للولي أيحمل على الندب، أم على الوجوب؟ فقيل: يستحب للولي أن يأمر صغيره المميز بالصلاة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور (١). وقال الشافعية والحنابلة: بل يجب، وهو قول في مذهب المالكية (٢).

стр. 982

وقال الشافعية: ويلزم الأم كذلك إذا عدم الأب. جاء في حاشية الجمل: «والأمر والضرب واجبان على الولي أبًا كان، أو جدًّا، أو وصيًّا، أو قيمًا من جهة القاضي» (١). * حجة من قال: الأمر على وجه الاستحباب: أن قوله ﷺ : (مروا) أمر، وهو ظاهر في الوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب والاستحباب لأن المأمور به (وهو الصلاة) لا تجب على الصبي، فإذا كان المأمور به ليس واجبًا لم يكن الأمر به واجبًا؛ إذ كيف تكون الصلاة مستحبة، ويكون الأمر بها واجبًا؟ والعكس بالعكس، فالأمر بالشيء له حكم المأمور به، فكون الصبي ليس مكلفًا يمنع من حمل الأمر على حقيقته؛ لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب، أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها محرم عليه. * ونوقش هذا: أن ذلك إنما يلزم لو كان المحل متحدًا، وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب متوجه إلى الولي، ومحل عدم الوجوب متوجه إلى الصبي، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبي عدمه على الولي، فالخطاب في قوله ﷺ : (مروا أبناءكم) ليس خطابًا من الشرع للصبي، ولا إيجابًا عليه، وإنما هو خطاب للولي، وهو واجب عليه. * حجة من قال: الأمر للوجوب: الدليل الأول: (ح-٣٦٩) روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم

стр. 983

عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: أن الأصل في الأمر الوجوب. * ونوقش: بأن الحديث ضعيف كما قد علمت من التخريج. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية، [طه: ١٣٢]. وجه الاستدلال: قوله: (أهلك) مفرد مضاف، فيشمل جميع الأهل، صغارًا وكبارًا ممن يعقل الصلاة. * ويناقش: بأن الأمر للأهل بالصلاة منه ما هو واجب إذا كان ذلك واجبًا على المأمور، ومنه ما هو مستحب إذا لم تكن الصلاة واجبة على المأمور. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. * ويناقش: بأن الصبي ليس مكلفًا حتى يكون الأمر بالصلاة وقاية له من النار، وإنما الآية في حق من يكون ترك الفعل معصية في حقه وسببًا في دخول النار. الدليل الرابع: (ح- ٣٧٠) روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ -قال له في قصة صيامه وقيامه، وقراءته: وإن لولدك عليك حقًّا (٣).

стр. 984

وجه الاستدلال: هذا الحديث يذكر أن للولد حقًّا على الولي، من إحسان تربيته، والإنفاق عليه، وتعليمه أمور دينه، وتأديبه بالآداب الشرعية، وأعظم ذلك أمره بالصلاة، وتعليمه إياها. قال النووي: «فيه أن على الأب تأديب ولده، وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية. نص عليه الشافعي وأصحابه، قال الشافعي وأصحابه: وعلى الأمهات أيضًا هذا التعليم إذا لم يكن أب؛ لأنه من باب التربية، ولهن مدخل في ذلك، وأجرة هذا

стр. 985

التعليم في مال الصبي فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه والله أعلم» (١). * ويناقش: بأن الحديث ليس نصًّا في المسألة، والاشتغال بنفل العبادة كالصيام إنما يكون مذمومًا إذا أشغل عن القيام بواجب مستحق للأولاد، والقول بأن ذلك يشمل أمرهم بالصلاة دعوى في محل النزاع. الدليل الخامس: إذا وجب على الولي إصلاح ماله، وكفه عن المفاسد وجب عليه أمره بالصلاة قياسًا على ذلك، بل هو أولى؛ لأن صلاح الدين أولى من إصلاح المال. * ونوقش هذا الاستدلال: بأن هناك فرقًا بين المسألتين، فإصلاح مال الصغير ليس واجبًا على الولي، وإنما الواجب عليه حفظه، وأما كفه عن الفساد، فهذا من باب المنهيات، ولا شك أن المنهيات آكد من باب المأمورات، ولذلك يُنهى الصغير عما يُنهى عنه الكبير، من ترك الكذب، والغيبة، والسرقة، بخلاف الصلاة، فهي من باب المأمورات، وهي ليست واجبة على الصبي بالاتفاق، ولم يأمر الشرع الصبي بالصلاة، وإنما أمر وليه أن يأمره. (ح-٣٧١) وقد روى مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ -أبا بكر يأمرها أن تغتسلَ وتُهِلَّ (٢). فهل كان واجبًا على أبي بكر أن يأمرها بالاغتسال والإهلال، مع أن الاغتسال والإهلال من باب المندوبات في حقها. وفيه مسألة أصولية، هل الأمر بالأمر بالشيء، هو أمر بذلك الشيء؟

стр. 986

وهل لوازم صيغة الأمر، هي لوازم صيغة الأمر بالأمر، بمعنى: هل يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أم لا؟ هذه مسألة خلافية عند أهل الأصول، وفيها قولان: أحدهما: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ما لم يدل عليه دليل؛ فالأمر الموجه للأولياء ليس أمرًا للأبناء؛ لامتناع توجه الأمر على غير المكلف؛ لأن التكليف فرع عن خطاب الشارع، ولا خطاب من الشارع موجه لغير المكلف. * وحجتهم: بأنك لو قلت: مر عبدك أن يصنع لي ثوبًا لم يكن أمرًا منك للعبد بخياطته، وإلا عُدَّ مثل ذلك تعديًا. والقول الثاني: أن الأمر بالأمر أمر، فالأول بالمباشرة، والثاني بالواسطة. ويستدلون بأمر النبي ﷺ -لعمر بأن يأمر ابنه بمراجعة زوجه التي طلقها، وهي حائض، فقال: مره فليراجعها. * الراجح: حديث: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ) ضعيف، والصغير يؤمر بالتكاليف من باب التأديب والتمرين، ووليه مأمور بإحسان تربيته، والتكاليف الشرعية قسمان: مأمورات، ومنهيات، والمنهيات آكد في حق الصغير، فإن الصغير يمنع مما يمنع منه الكبير، وإن لم يكن على سبيل الإلزام (١). (ح-٣٧٢) فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : كخ كخ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ (٢). وأما المأمورات فهي أخف من المنهيات، لأن المأمور يتطلب الفعل، والفعل

стр. 987

فيه تكليف ومشقة، بخلاف المنهيات فإن المطلوب فيها مجرد الترك، وهو أسهل. ومع ذلك صح أمر الطفل في باب المأمورات، فقد قال عمر بن أبي سلمة كما في الحديث المتفق عليه: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام، سَمِّ الله تعالى، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك. قال عمر: فما زالت تلك طعمتي بعد (١). فإذا أمر الصغير بآداب الطعام، فلأن يؤمر بالصلاة، والتي هي آكد أركان الإسلام العملية من باب أولى فأولى، ولكن القول بأن الأمر للولي على سبيل الحتم والإلزام لم يتبين لي. وإذا كان الرجوع إلى دلالة صيغة الأمر، وأن الأصل فيها الوجوب فهذا ظاهر، وهو ما حمل الشافعية والحنابلة إلى القول بالوجوب إلا أن النزاع في دلالة الصيغة فيها خلاف قوي، فهناك من يرى أن المتيقن هو الاستحباب، ولا يصار إلى الوجوب إلا بقرينة، ويستدل بأن هناك أوامر شرعية تحمل على الاستحباب، ولا يعلم لها صارف عن الوجوب. وهناك من العلماء من يرى أن دلالة الأمر مشتركة بين الوجوب والاستحباب، ولا يصار لأحدهما إلا بقرينة. ومع أني أميل إلى القول بأن الأصل في الأمر الوجوب إلا أن الفقهاء الذين يقولون بهذا يتساهلون في الصارف، فيصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، وربما صرفوه بدلالة معنوية، كأن يكون الأمر يتعلق بالآداب، أو من جهة الصحة، كحديث: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فلْيغمسْه. فلا يوجد قرينة صارفة لهذا الأمر عن الوجوب إلا أن الأمر يتعلق بالإرشاد، وهي قرينة معنوية، فإذا جئنا للحديث: مروا أبناءكم للصلاة لسبعٍ. فالغاية من الأمر هو امتثال المأمور، وصيغة الأمر وسيلة إليه.

стр. 988

فإذا كان المأمور ليس واجبًا، فكيف تكون وسيلته واجبة؟ فهذه قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وهذه القرينة أولى بالاعتبار من كثير من الصوارف التي اعتمدها الجمهور في صرف بعض الأوامر الشرعية، والله أعلم. وقد تقدم في المبحث السابق كلام مهم يتعلق بهذه المسألة، لم أحب أن أعيده هنا اكتفاءً بذكره هناك، فراجعه يا رعاك الله.

стр. 989

المبحث الرابع في الصبي يبلغ في أثناء الصلاة أو بعد فراغه منها المدخل إلى المسألة: * الصبي في العبادات في مراعاة شروطها، وأركانها ومبطلاتها كالبالغ إلا في عورة الصلاة. * من أدى العبادة كما أمر شرعًا لم يؤمر بالإعادة إلا أن تفسد. أو بلفظ آخر: إعادة العبادة مع صحتها لا يشرع على الصحيح. * لو أعاد المكلف الظهر منفردًا بغير خلل في فعلها لكانت باطلة فكذلك الصبي إذا بلغ. * الصحة من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف * البلوغ في أثناء الصلاة إنما يمكن على قول من يرى البلوغ بالسن، وعن طريق الحساب. [م-١٤٧] اختلف العلماء في الصبي يبلغ في أثناء الصلاة، أو بعد فراغه منها، وقبل خروج الوقت: فقيل: يجب عليه أن يعيد تلك الصلاة، وهو مذهب الجمهور، واختيار المزني وابن سريج من الشافعية (١). وقال الشافعي: إن بلغ في أثنائها لزمه إتمامها ويستحب إعادتها، وكذا لو بلغ

стр. 990

بعد فراغه منها وقبل خروج الوقت (١). وقال داود الظاهري يلزمه إعادة الطهارة والصلاة (٢). * تعليل من قال: يجب إعادة الصلاة: التعليل الأول: لو أجزأته صلاته قبل البلوغ لأدى إلى جواز الفرض بنية النفل، وهذا لا يجوز. التعليل الثاني: أن الصلاة إذا ابتدأت نفلًا لم تنقلب فرضًا، قياسًا على تنفل البالغ. التعليل الثالث: أن هذه الصلاة دخل فيها قبل سبب الوجوب فلا يعتد بها كما لو صلى الفريضة قبل الوقت. التعليل الرابع: القياس على الحج، فكما أنه إذا حج وبلغ بعد الوقوف بعرفة كان مطالبًا بإعادة الحج، فكذلك الصلاة إذا صلى، وهو لم يبلغ، ثم بلغ في الوقت وجب عليه إعادتها. * ونوقش هذا: بأن الصلاة في حق الصبي مأمور بها، مضروب على تركها، بخلاف ما إذا حج ثم بلغ، فإن حجه ليس بمأمور به، ولا معاقب على تركه. ثم إن هذا الدليل ينقلب عليكم، فإذا بلغ في عرفة صح نسكه فرضًا، وانقلب إحرامه، وسعيه للحج -إن كان قد طاف وسعى بعد طواف القدوم- من النفل إلى الفرض. فإذا صح في نسك واحد أن يقع بعضه نفلًا، وبعضه فرضًا ويكفيه عن الإعادة صح هذا في الصلاة، والله أعلم. وقال بعضهم في الفرق: إن الحج لما كان وجوبه مرة واحدة في العمر اشترط

стр. 991

وقوعه في حال الكمال بخلاف الصلاة. * حجة من قال: لا يجب عليه إعادة الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٧٣) ما رواه أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١). [روي عن ابن عمر خلافه، وأومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢).

стр. 992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 993

* ونوقش: بأن قوله لا تصلوا صلاة في يوم مرتين محمول على نية الفرض، وأما إذا كانت إحداهما نفلًا والأخرى فريضة لم يتوجه المنع. (ح-٣٧٤) لما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء، قال: حدثني جابر بن يزيد بن الأسود العامري، عن أبيه، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ -حجته، قال: فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر المسجد لم يصليا معه، فقال: عليَّ بهما، فُأتِيَ بهما ترعد فرائصهما، قال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة. [صحيح] (١).

стр. 994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 996

الدليل الثاني: أن الصبي مأمور من قبل وليه بالصلاة، وصلاته صحيحة، ويثاب عليها، ويضرب على تركها، فإذا فعل المأمور به في أول الوقت فصادفه وقت الوجوب،

стр. 997

وقد فعل المأمور امتنع تعلق الوجوب به بعد ذلك، فانتهى المشروع في حقه كما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع، فلا يؤمر بإعادة الصلاة ثانية، وقياسًا على المتيمم إذا صلى في أول الوقت ووجد الماء في آخره لا يعيد، وصار الوقت في حقه كالمنقضي، وكالمستحاضة إذا صلت أول الوقت وانقطع الدم (١). فالزوال إنما جعله الله تعالى سببًا لصلاة واحدة وقد فعلها، فلو طلبنا منه صلاة أخرى لكان الزوال سببًا لصلاتين. الدليل الثالث: قال ابن تيمية: «اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة الوضوء» (٢). ومتفقون على أن أولَ ما يؤمر به العباد الشهادتان، وأن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ (٣). فكذلك لا يطالب بإعادة الصلاة قياسًا عليهما. * ونوقش هذا: بأن الطهارة وسيلة، والقصد غيرها، وأما الإسلام فلأنه أصل الدين فلا يصح نفلًا، فإذا وجد فعلى وجه الوجوب، ولأنه يصح بفعل غيره، وهو الأب (٤). الدليل الرابع: القياس على الصيام إذا بلغ في أثنائه، فكما لا يعيد الصيام، لا يعيد الصلاة إذا بلغ في أثنائها. * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الصيام ليس محل اتفاق بأنه لا يعيد إذا بلغ في أثنائه.

стр. 998

الوجه الثاني: أن عدم القضاء في الصيام على التسليم بصحته يرجع إلى أن الصيام قبل البلوغ ليس واجبًا، فإذا بلغ في أثناء اليوم كان الواجب في حقه إمساك بقية ذلك اليوم، وكونه لا يجب عليه قضاؤه؛ ليس راجعًا لكونه صام ذلك اليوم فأجزأ النفل عن الواجب، وإنما لم يجب القضاء؛ لأن الوجوب طرأ في أثناء اليوم، فهم في أول النهار ليسوا من أهل الوجوب، وفي آخر النهار صاروا من أهل الوجوب. والواجب صيام يوم كامل، فإذا سقط الوجوب عن بعض اليوم سقط عن اليوم كله، فلو أوجبنا عليه القضاء لزم منه إيجاب الصيام قبل البلوغ. الدليل الخامس: القياس على الأَمَةِ إذا صَلَّتْ مكشوفة الرأس، ثم أعتقت في الوقت، فإن صلاتها صحيحة، ولا إعادة عليها، مع أن الحرة لا تصح صلاتها، وهي مكشوفة الرأس، فكذلك الصبي إذا بلغ في الوقت لم تجب عليه الإعادة. * ويناقش هذا: لا تقاس العبادة على شرطها، فالمصلي إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة، وقبل خروج الوقت لا يطالب بإعادة الصلاة؛ لأن الشرط لم يكن واجبًا وقت الأداء بخلاف الصلاة. الدليل السادس: القياس على تعجيل الزكاة قبل وجوبها، فالزكاة إنما تجب بالحول، وأما قبل الحول فلا تجب، فإذا أخرجها بعد بلوغ النصاب وقبل وقت وجوبها صح ذلك، فإذا دخل وقت وجوبها لم يطالب بإعادة إخراجها بحجة أن أداءه لها كان قبل وجوبها. * وقد يناقش: بأن من عجل الزكاة كان من أهل الفرض بخلاف صلاة الصبي فهو ليس من أهل الفرض، فافترقا هذا من جهة، وقد يقال: إن الزكاة واجبة في عين المال؛ لهذا تجب على الصغير والمجنون، وتدخلها النيابة، فإذا أخرجت من المال سقط

стр. 999

الوجوب بخلاف الصلاة فإنها واجبة في الذمة، ولهذا لا تجب على الصغير. الدليل السابع: لو كانت إعادة الصلاة من دين الله لجاءت النصوص الكاشفة عن حكم الله في هذه المسألة، فإن مثل هذا يغلب على الظن حدوثه في عهد النبوة، فلم ينقل لنا أن النبي ﷺ -أمرهم بإعادة الفريضة، ولا نقل عنهم أنهم كانوا يتحرون ذلك للخروج من العهدة، فدل على أن الإعادة ليست واجبة. قال ابن تيمية: «لم يأمر النبي ﷺ -أحدًا من الصبيان بإعادة الصلاة مع العلم بأن كثيرًا منهم يحتلم بالليل، وقد صلى العشاء مع بقاء وقتها» (١). الدليل الثامن: أن الصبي قبل البلوغ لا يصلي الظهر بنية النفل المطلق، وإنما يصليها على أنها صلاة الظهر، وهو في مراعاة أركانها وشروطها كالبالغ، وإذا ارتكب مبطلًا من مبطلات العبادة بطلت كالبالغ، والحكم بأن جزءًا من الصلاة وقع قبل البلوغ، وجزءًا منها وقع بعد البلوغ هذا إنما يكون عند من يقول بالبلوغ بالسن، وهو أمر مختلف فيه، والبلوغ أهلية يكون بها الإنسان صالحًا للتكليف، وحين كان لا ينضبط علق الشارع الحكم بعلامات من الإنزال، والحيض والإنبات، والقواعد الفقهية تقول: إن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ومن عادة العرب أن تجبر الكسر، وكيف يقال: إن هذا العقل قبل دقيقة ليس له أهلية التكليف، وبعد دقيقة تغير حاله، وامتلك الأهلية، مع أن نمو العقل يتدرج بصورة خفية وينمو نموًّا بطيئًا إلى أن يصل حد التكليف، كالتمييز تراه في طفلك يبدأ في تمييز والديه عن غيرهما، ثم يتدرج بالطفل حتى يصل إلى كمال التمييز فيما يقارب السابعة، وإذا كان التمييز لا يحدث لحظة فالبلوغ لا يحدث لحظة، والله أعلم. الدليل التاسع: إذا صلى الظهر من لا جمعة عليه؛ لأجل العذر، ثم زال العذر قبل تجميع

стр. 1000

الإمام فإنه لا يلزمه إعادة الجمعة مع الإمام، فكذلك القياس في حق الصبي إذا صلى لم تلزمه الإعادة (١). * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذه مسألة خلافية، وقد رأى بعضهم أن وقت الظهر في حق من لا جمعة عليه إنما يدخل بفعل الإمام الجمعة، كما لا يدخل وقت الذبح في الأضاحي إلا بعد صلاة الإمام، والله أعلم. الوجه الثاني: أن صلاة الظهر في حقه ليست نفلًا قام عن واجب، وإنما هو واجب بدل عن واجب آخر فافترقا، والله أعلم. * حجة من قال: يعيد الطهارة مع الصلاة: دليل وجوب إعادة الطهارة هي أدلة وجوب إعادة الصلاة نفسها، وهي قائمة على أن الطهارة والصلاة في حقه نفل، والنفل لا يغني عن الواجب. * الراجح: أرى أن مذهب الشافعية أقوى، وأن من امتثل الأمر لا يطلب منه الإعادة إلا بدليل، ولم أقف على نص في المسألة يوجب الإعادة، ومثل هذا لو كان واجبًا لبين في الشرع بما تقوم به الحجة، ويقطع النزاع، والله أعلم.

стр. 1001

المبحث الخامس أمر الصغير بالصلاة أمر بتعليمه كل ما يلزم لصحتها المدخل إلى المسألة: * قال ﷺ -لا تقبل صلاة بغير طهور. ف (صلاة) نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة سواء أكانت من صبيٍّ أم بالغ. * الصبي في شروط العبادة ومبطلاتها كالبالغ إلا في السترة. * الأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به. * صحة إمامة الصبي فرع عن قيامه بكل شروطها، وبكل ما يلزم لصحتها. * الصبي ممنوع من الصلاة دون طهارة، قال ابن رجب: وهذا متفق عليه. * الصبي لا يلزمه قضاء الصلاة إذا فسدت بالإجماع؛ لأن الصلاة نفسها ليست لازمة، فكذا الإعادة. [م-١٤٨] إذا كان الولي مأمورًا بأن يأمر الصغير بالصلاة، فإنه يلزم من ذلك أن يعلمه كيف يصلي، وكيف يتطهر من الحدث، وكيف يستنجي، وكيف يتجنب الخبث في ثوبه وبقعته، فعلى الولي أن يعلمه كل ما يلزم لصحة الصلاة من قيام بأركانها وواجباتها، وأن يراعي وقتها كما يفعل البالغ (١). لأن الأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به. ولقوله ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور. ف (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، سواء أكانت الصلاة من صبي

стр. 1002

أم بالغ، وسواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا. وإذا صحت مصافة الصبي وإمامته على الصحيح، فإنه لا يتصور إمامة صبي لبالغ، ومصافته له، وهو لم يصح منه إقامة الصلاة بشروطها وفروضها. (ح-٣٧٥) فقد روى البخاري من طريق أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، وفيه: قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ -حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين … الحديث (١). وإذا صحت إمامة الصبي فالصحة فرع عن قيامه بكل شروطها، وبكل ما يلزم لصحتها. (ح-٣٧٦) وروى الشيخان من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة، دعت رسول الله ﷺ -لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فأصلي لكم، قال أنس بن مالك فقمت إلى حصير لنا قد اسوَدَّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ -وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا … الحديث (٢). قال ابن نجيم: «وأما قيامه في صلاة الفريضة؛ فظاهر كلامهم أنه لا بد منه للحكم بصحتها، وإن كانت أركانها وشرائطها لا توصف بالوجوب في حقه» (٣). وفي غمز عيون البصائر: «هل لا بد في صلاته من الطهارة؟ الظاهر أنه لا بد

стр. 1003

منها، وإن كانت لا توصف بالوجوب في حقه. وفي جامع أحكام الصغار وإن صلت المراهقة بلا وضوء تؤمر بالإعادة بطهارة على سبيل الاعتياد، وكذا إذا صلت عريانة، وأفهم التقييد بالمراهقة أن غيرها لا تؤمر بالإعادة، وإن لم تصح صلاتها لعدم الطهارة والستر» (١). جاء في الفواكه الدواني: «الأمر بالطهارة للصلاة (٢)، يستلزم الأمر بها؛ لأنها شرط لصحتها ووجوبها أيضًا» (٣). وقال الشافعي: «على الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارة والصلاة، ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا» (٤). وترجم البيهقي في السنن، فقال: «باب ما على الآباء والأمهات من تعليم الصبيان أمر الطهارة والصلاة» (٥). قال ابن رجب ﵀: «وأما أن الصبي ممنوع من الصلاة دون الطهارة فمتفق عليه» (٦). وقال السيوطي: «إذا أحدث الصبي، أو أجنب، وتطهر، فطهارته كاملة، فلو بلغ صلى بها، ولم تجب إعادتها. وفي وجه، حكاه المتولي عن المزني: «أنها ناقصة، فتلزمه الإعادة إذا بلغ» (٧). وقال ابن رجب: «ولا نعلم خلافًا أن الصبي المميز تصح طهارته، ويرتفع حدثه، ولو بلغ بعد أن توضأ لجاز أن يصلي بذلك الوضوء الفرض، ولا نعلم في ذلك خلافًا، إلا وجهًا شاذًّا للشافعية، لا تعويل عليه، ولكن هل يوصف وضوؤه قبل بلوغه بالوجوب؟ فيه لأصحابنا وجهان .... » (٨).

стр. 1004

واستثنى الحنفية والحنابلة ورواية ابن المواز عن أشهب تغطية الرأس للصَّبِيَّةِ فتصح صلاتها وإن لم تخمر رأسها (١). جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من أحكام الصغار للأسرونشي: «وجواز صلاة الصغيرة بغير قناع استحسان؛ لأنه لا خطاب مع الصبا، والأحسن أن تصلي بقناع؛ لأنها إنما تؤمر بالصلاة للتعود، فتؤمر على وجه يجوز أداؤها بعد البلوغ، ثم قال: المراهقة إذا صلت بغير قناع لا تؤمر بالإعادة استحسانًا، وإن صلت بغير وضوء تؤمر، ولو صلت عريانة تعيد، وفي كل موضع تعيد البالغة الصلاة فهي تعيد على سبيل الاعتياد» (٢). وقوله: تؤمر بالإعادة ليس على سبيل الإلزام، لأن الصلاة نفسها ليست لازمة، فكذلك الإعادة. جاء في العناية شرح الهداية: «نفل الصبي دون نفل البالغ حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع» (٣). ونفي اللزوم لا يعني نفي غيره، فيؤمر بالإعادة لا على سبيل الإلزام للتدريب والاعتياد. وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ويشترط لصلاته يعني الصبي ما يشترط لصلاة الكبير إلا في السترة» (٤). وقال ابن قدامة: «ويعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ، إلا أن قول النبي - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) يدل على صحة صلاة غير الحائض بغير الخمار» (٥).

стр. 1005

ولم يفرق الشافعية والمالكية بين المميزة وغيرها في ستر الرأس. فالمالكية قالوا: تعيد البالغة والمميزة في الوقت إذا صلت بدون خمار (١). والشافعية قالوا: حكم الصبية المميزة حكم البالغة في تخمير الرأس. قال ابن حبيب: «المأمورة بالصلاة من الصغار تستر كالكبيرة» (٢). وجاء في خلاصة الأحكام للنووي: «وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار .... والمراد بالحائض الحرة البالغة، وحكم الصبية المميزة حكمها» (٣). وسيأتي الكلام على سترة الصبي إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل، أسأل المولى العون والتوفيق.

стр. 1006

المبحث السادس بم يحصل التمييز؟ المدخل إلى المسألة: * التمييز: أهلية تجعل الصبي إذا كُلِّم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه، وأحسن الجواب عنه. * التمييز إذا أطلق لا يقصد به مطلق التمييز وبداياته وهو كونه إذا دعي أو سئل أجاب. * يتدرج التمييز بالصبي فيبدأ من تمييز والديه حتى يبلغ كماله وهو المقصود بالحكم بأن يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده. * التمييز بالصلاة أن يقدر على القيام بشروطها والالتزام بواجباتها، وفي البيع أن يحسن التصرف فيه بيعًا وشراءً، وأن يعرف النافع والضار، ويتقي الغبن غالبًا. * حصول التمييز مرتبط بالقدرة على التعليم، ونسبة الذكاء وهذا يتفاوت فيها الصبية كما يتفاوت فيها الكبار، فلا ضبط لذلك بسن معين. [م-١٤٩] هل يبلغ الطفل التمييز بالسن، أو بالوصف؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم: فقيل: التمييز بالوصف، ولا يتقدر ذلك بسن معين، ولهذا قالوا في تعريف المميز: هو الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب (١). وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: وهو الصواب، والاشتقاق يدل عليه (٢).

стр. 1007

وقال الدسوقي: «والمراد بفهم الخطاب ورد الجواب: أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه، وأحسن الجواب عنه، لا أنه إذا دعي أجاب» (١). وقيل: أن يصير الصغير بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده (٢). وقيل: حده أن يعرف يمينه من شماله (٣). وقيل: «بأن يعرف أن البيع سالب للملك والشراء جالب له، ويعلم الغبن الفاحش من اليسير، ويقصد به تحصيل الربح والزيادة» (٤). وفي الجوهرة النيرة: «ومن علامة كونه غير عاقل، إذا أعطى الحلواني فلوسًا، فأخذ الحلوى، وجعل يبكي، ويقول: أعطني فلوسي، فهذا علامة كونه غير عاقل، وإن أخذ الحلوى، وذهب، ولم يسترد الفلوس فهو عاقل» (٥). وذكر بعضهم: أن ابن ثلاث سنين يصح إسلامه إذا عقله، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة (٦). ومنهم مَنْ حَدَّ التمييزَ بالسن. فقيل: إذا بلغ الصبي سبعَ سنين أو ثمانيَ تقريبًا، صار مميزًا، وعليه جمهور الشافعية (٧).

стр. 1008

وقيل: إذا بلغ سبع سنين، بمعنى أتمها، و عليه أكثر الحنابلة (١). وقيل: إذا أتم ست سنين، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقد ذكرت أدلة الأقوال في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله، وقد رجحت أن التمييز كما يفهم من اشتقاق الكلمة: أن يميز الشيء عن الشيء، بحيث يفصل ويفضل بعضه على بعض، بأن يميز ما ينفعه عما يضره، ويفضله عليه، وهذا يختلف من صبي لآخر كما هو مُشَاهَد، فالقدرة على التعليم، ونسبة الذكاء يتفاوت فيها الصبية كما يتفاوت فيها الكبار، فلا ضبط له بالسن، فالمدار على التمييز، لا على السن، والله أعلم (٣).

стр. 1009

الشرط الثالث عدم قيام مانع يمنع من الصلاة المبحث الأول في مانع الحيض والنفاس الفرع الأول الحائض والنفساء لا تصلي ولا تقضي المدخل إلى المسألة: * سقوط الواجبات عن المكلف، ووجوب قضائها مُتَلَقًّى من جهة الشارع، لا دخل للقياس فيه. * الموانع منها ما يرفع الأهلية رفعًا كاملًا كالجنون. ومنها ما يمنع الأداء والقضاء عن عبادة مخصوصة كالحيض والنفاس بالنسبة للصلاة. ومنها ما يمنع الأداء، ويوجب القضاء، كمانع النوم والنسيان بالنسبة للصلاة، وكالحيض بالنسبة للصيام. [م-١٥٠] يتعرض المكلف إلى موانع تمنعه من الصلاة، كالنوم، والنسيان، والإغماء، والحيض، والنفاس، وهي مختلفة، منها ما يمنع الأداء ويسقط القضاء، كالجنون، والكفر، ومنها ما يعتبر عذرًا في سقوط الأداء، ولا يسقط القضاء كالنوم والنسيان، وأحيانًا يطرق المانعُ المكلَّفَ بعد دخول الوقت، وقبل الصلاة، فهل يؤمر بقضاء الصلاة بعد ارتفاع المانع؟ وسوف نأخذ هذه المسائل مسألة مسألة إن شاء الله تعالى، ونبدأ بمانع الحيض والنفاس.

стр. 1010

فهل يعتبر الحيض مانعًا من الأداء والقضاء؟ اختلف في ذلك: فقيل: يحرم على الحائض فعل الصلاة، ولا يستحب لها أن تقضي، هذا قول العلماء من السلف والخلف (١). وخالف في ذلك بعض الخوارج، فقالوا بوجوب القضاء على الحائض (٢). ولا عبرة بخلافهم، وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في كتابي موسوعة الطهارة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (٣).

стр. 1011

الفرع الثاني في جلوس الحائض في مصلاها للذكر بمقدار الصلاة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: * العبادات مبناها على التوقيف، وليس على الاستحسان المصادم للنص. * تسقط الصلاة عن الحائض إلى غير بدل، ومن شرع لها عبادة بدلًا عن الصلاة فقد ابتدع. [م-١٥١] عرفنا في المسألة السابقة أن الحائض والنفساء لا تصليان، واختُلِفَ في استحباب الوضوء لها وقت الصلاة والذكر بمقدار الصلاة. فقيل: يستحب لها ذلك، وهذا مذهب الحنفية، واختاره جماعة من السلف (١).

стр. 1012

قال النووي: «مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح، ولا ذكر في أوقات الصلوات، ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، حكاه عنهم ابن جرير» (١). وكلام النووي في نسبة القول لأبي حنيفة مخالف لما نقلته عن ابن نجيم في البحر الرائق في القول الأول ويظهر لي أن ابن نجيم كان عالمًا فيما قاله النووي (٢). وقد ذكرت أدلة المسألة في كتابي موسوعة الطهارة فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد (٣).

стр. 1013

الفرع الثالث إذا طرأ المانع بعد دخول الوقت مدخل إلى المسألة: * العبادة المؤقتة بوقت يمكن إيقاعها في بعضه كالصلاة، بماذا يتعلق الوجوب من الوقت؟ هل يتعلق بأوله، أو بآخره، أو بجزءٍ من الوقت غير معين؟ * وجوب الصلاة متعلق بوقتها لكنه غير معين، وإنما يتعين الوقت إذا أوقع المكلف العبادة فيه، أو بقي منه مقدار ما يؤدي به الصلاة. * إذا وجد العذر المسقط للصلاة قبل تعين الوقت سقطت الصلاة، ولا عبرة بما وجد من الوقت قبل ذلك سالمًا من العذر، وكذلك إذا ارتفع المانع آخر الوقت فطهرت الحائض وجبت الصلاة، ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت، أو وسطه. * الصلاة واجب موسع، والواجب يتعلق بجميع الوقت، فمن صلاها في آخر الوقت كمن صلاها في أوله أداءً لا قضاءً. [م-١٥٢] إذا طرأ المانع بعد دخول الوقت، كما لو طرأ مانع من حيض، أو جنون، ثم ارتفع المانع بعد خروج وقت الصلاة، فهل يجب القضاء؟ فقيل: لا يجب القضاء مطلقًا، سواء أحصل المانع في أول الوقت أم في آخره، وهذا القول هو مذهب الحنفية (١)، ورواية في مذهب المالكية (٢)،

стр. 1014

وجزم به ابن حزم (١)، وخرجه ابن سريج قولًا في مذهب الشافعية (٢). وقيل: إذا حصل المانع وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة كاملة بسجدتيها سقطت الصلاة، وإن كان الباقي من الوقت حين حاضت أدنى من ركعة وجب عليها القضاء؛ لأنها استقرت في ذمتها، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣). وقيل: إذا حصل المانع وقد أدرك من الوقت قدرًا يسع تلك الصلاة وجب القضاء (٤)، وإن كان الذي أدركه من الوقت لا يسع تلك الصلاة لم يجب القضاء، وهذا مذهب الشافعية (٥). وقيل: إن أدرك من الوقت مقدار ركعة كاملة، وجب القضاء وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية، ومنهم أبو يحيى البلخي (٦). وقيل: إن أدرك من الوقت قدر تكبيرة الإحرام، ثم حصل المانع، وجب القضاء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٧). وقيل: إن كان الباقي من الوقت حين حصول المانع مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه، فليس عليه قضاء تلك الصلاة، وإن كان دون ذلك فعليه القضاء وهو اختيار الإمام زفر من الحنفية (٨)، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من

стр. 1015

الحنابلة (١). * وسبب الخلاف في هذه المسألة: اختلافهم في وقت استقرار وجوب الصلاة على المكلف إذا دخل الوقت: أتجب الصلاة في أول الوقت، أم تجب في آخره، أم أن جميع الوقت زمن للوجوب، أم أن الوجوب زمن يسع فعل العبادة، إلا أنه غير معين، ويتعين إما بفعل المكلف، أو حين يضيق الوقت؟ ومن قال: تجب في أوله، هل تجب بإدراك مقدار تكبيرة الإحرام منه، أو تجب بإدراك وقت يسع فعل الصلاة؟ فإذا دخل الوقت ومضى معه مقدار ما يسع الأداء أصبحت الصلاة دينًا في ذمة المكلف، فلو سافر من بلده لم يقصر تلك الصلاة؛ لأنها وجبت عليه في وقت الحضر وسوف تأتي إن شاء الله تعالى أدلة مسألة متى تجب الصلاة على المكلف؟ في مبحث (شرط الوقت)، عند الكلام على مسألة: حكم تأخير الصلاة عن أول وقتها، فقد ذكرت ولله الحمد أدلة هذه المسألة هناك. وأما أدلة مسألتنا فيما إذا طرأ مانع بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجب القضاء؟ فقد ذكرتُ أدلتها في كتابي موسوعة الطهارة، في المجلد الخاص بالحيض والنفاس فانظره هناك مشكورًا حرصًا على عدم التكرار.

стр. 1016

المبحث الثاني من موانع الصلاة تغطية العقل الفرع الأول تغطية العقل بالنوم والنسيان المدخل إلى المسألة: * سقوط الواجبات عن المكلف، ووجوب قضائها متلقى من جهة الشارع، لا دخل للقياس فيه. * الموانع منها ما يزيل الأهلية كالجنون، ومنها ما يزيل أهلية الأداء والقضاء كالصلاة في حق الحائض والنفساء، ومنها ما يزيل أهلية الأداء، ولا يسقط القضاء، كمانع النوم والنسيان بالنسبة للصلاة، وكالصيام في حق الحائض والنفساء، ومنها ما هو متردد بين النوم والجنون، وذلك كالإغماء. * العقل هو مناط التكليف، والنائم والناسي عاقلان بخلاف المجنون. * وجوب القضاء فرع عن وجوب الأداء. [م-١٥٣] يجب القضاء على النائم والناسي، وهو قول العامة، وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك (١). * والحجة في ذلك: (ح-٣٧٧) ما رواه البخاري حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ -قال: من نسي صلاة فلْيُصَلِّ إذا ذكرها،

стр. 1017

لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: وأقم الصلاة للذكرى. ورواه مسلم من طريق هداب بن خالد، حدثنا همام به، بلفظ: من نسي صلاة فلْيُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فظاهر رواية هداب أن الآية مدرجة من قول قتادة، والصحيح أنها مرفوعة من قول النبي ﷺ (١). ورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. هذا لفظ سعيد. ولفظ المثنى: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢). فزادا في الحديث: ذكر النوم، وهي زيادة محفوظة (٣).

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1019

(ح-٣٧٨) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ -وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى .... الحديث (١). وقيل: النائم إذا نام أكثر من يوم وليلة: أي أكثر من خمس صلوات فلا قضاء عليه، وهو رواية محمد بن رستم، عن محمد بن الحسن (٢). * وجه قول محمد بن الحسن: إلحاق النوم الطويل بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده إذا زاد عن

стр. 1020

يوم وليلة، فيكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان، وأما إذا أطبق حتى نام أكثر من يوم وليلة فهذا ملحق بالمرض. ولأن الحائض يسقط عنها الصلاة، وعلله بعض أهل العلم بالمشقة لكثرة ذلك، وتكرر الحيض، ولم يسقط الصوم؛ لأن ذلك ليس موجودًا فيه. قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا قال هذا القول من الفقهاء غير محمد بن الحسن في هذه الرواية عنه، والمشهور عنه في كتبه غير ذلك كسائر العلماء، ورواية ابن رستم عنه خلاف السنة فيمن نام أو نسي أنه يقضي، وقد أجمعوا أنه من نام خمس صلوات فدون أن يقضي، فكذلك في القياس ما زاد على الخمس» (١). ولأن النصوص المطلقة يجب العمل بها على إطلاقها، فأمر النبي ﷺ -النائم بقضاء ما نام عنه من الصلوات، ولم يحد في ذلك حدًّا، ولا يجوز تقييد نصوص الشارع إلا بنص منه أو إجماع. [م-١٥٤] وقد اختلف العلماء هل النائم مكلف؟ على قولين: فقيل: النائم ليس بمكلف، وهو قول الجمهور، ونسبه النووي لأهل الفقه والأصول (٢). بدليل سقوط الإثم على النائم والناسي، ولو كانا مكلفين لكانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها. ومنهم من قال: النائم والناسي مكلفان، بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما؛ إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب القضاء عند اليقظة والذكر، ولأن ما لا يجب أداؤه، لا يجب قضاؤه، فوجوب القضاء من آثار الوجوب الأصلي وتوابعه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
следующие страницы →