← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

الوقت انقلبت الصلاة نفلًا، وهو لم ينو بتحريمته النفل، وكيف صح له النفل وهو لم ينوه؛ لأن ذلك من باب الانقلاب، وليس الانتقال، والجمعة أعلى من الظهر فانقلابها إلى ظهر أهون من الانتقال من الظهر إلى الجمعة. وقد سبق لنا ما جاء في المدونة، عن ابن القاسم قوله: «وبلغني عن مالك أنه قال في رجل أتى المسجد يوم الخميس وهو يظن أنه يوم الجمعة، فدخل المسجد، والإمام في الظهر فافتتح معه الصلاة ينوي الجمعة، فصلى الإمام الظهر أربعًا، قال: أراها مجزئة عنه؛ لأن الجمعة ظهر، وإن أتى المسجد يوم الجمعة، وهو يظن أنه يوم الخميس، فأصاب الإمام في الصلاة، فدخل معه في الصلاة، وهو ينوي الظهر، فصلى الإمام الجمعة، قال: يعيد صلاته، وذلك رأيي» (١). ففرق في الحكم بين انقلاب الجمعة إلى ظهر، فصححه، ومنع من انقلاب الظهر إلى جمعة. وقيل: الخلاف مبني على أن الجمعة، أهي ظهر مقصورة، أم صلاة مستقلة؟ فيه وجهان عند الحنابلة (٢). والصحيح أن الجمعة ركعتان تمام غير قصر. ومن الحنابلة من منع صحة الصلاة مع الإمام في هذه الحال مطلقًا؛ لأن الجمعة فاتته، والظهر لا تصح خلف من يؤدي الجمعة؛ لاختلاف النيتين (٣). وفرق الحنفية بين إدراك الوقت، وإدراك الصلاة، فإدراك الصلاة ومنه الجمعة يكفي فيه إدراك جزء منها قبل السلام، فمن دخل مع الإمام قبل السلام، ولو في سجود السهو فقد أدرك الجمعة. وأما إدراك وقت الجمعة فلا يكفي فيه إدراك ركعة منها، فإذا خرج الوقت، وهو فيها بطلت الجمعة، واستأنف الظهر. جاء في بداية المبتدئ: «وإن كان أدركه في التشهد، أو في سجود السهو بنى عليها

стр. 9557

الجمعة عندهما. وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر» (١). وجاء في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «وتصح -يعني: الجمعة- في وقت الظهر، ولا تصح بعده، حتى لو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر، ولا يبني الظهر على الجمعة؛ لأنهما مختلفان. وعند مالك يبني» (٢). وحجة الحنفية بعدم بناء الظهر على الجمعة: أن الجمعة تحتاج إلى شرائط لا يفتقر الظهر إليها، وهي المكان، والإمام، والعدد، والوقت، والخطبة، وإذا اختلفت شرائطهما دل على أنهما فرضان مختلفان، فلم يجز بناء أحدهما على الآخر. والحنفية يرون أن الظهر هو الأصل، والجمعة بدل منها. فهذه أربعة أقوال في المسألة، والله أعلم. وسوف تأتينا هذه المسألة بحول الله وقوته في أحكام صلاة الجمعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وإذا تخلف هذا الدليل للاحتجاج به على مسألتنا يغني عنه الأدلة السابقة. دليل من قال: لا تجمع الجمعة مع العصر: الدليل الأول: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، ولا دليل على صحة الجمع بين الجمعة والظهر. ويجاب: بأن هذا دليل صحيح، وهو يسري على الجمع في الحضر من مرض، ووحل، وريح شديدة، وخوف، بل وعلى الجمع في المطر، فكلها في الحضر لا يوجد في الجمع فيها حديث مرفوع صحيح، وإذا كنتم أدخلتم الجمع فيها بناء على قول ابن عباس موقوفًا عليه: (أراد ألا يحرج أمته) عن طريق القياس، ولو لم يوجد في السنة العملية ما يؤيد ذلك، وخرجتم القياس في الحضر على القياس في السفر بجامع المشقة، فالمسافر أولى بالإلحاق؛ لأن المسافر ثبت له الجمع بين الظهر والعصر؛ لعلة السفر، ولم يثبت الجمع في الحضر بين الظهرين في المطر، والمرض والوحل

стр. 9558

والخوف والريح الباردة، وإذا كان شيخ الإسلام يرى علة الجمع في عرفة ومزدلفة المشقة، وينفي أن تكون علة الجمع السفر، أو النسك، ويقيس عليهما الجمع في الحضر، فإن الجمع بين الجمعة والعصر أولى بالإلحاق، وعدم ثبوت الجمع بين الجمعة والعصر في حق المسافر راجع إلى سقوط الجمعة في السفر، فإذا حضر المسافر صلاة الجمعة مع كونها ليست واجبة عليه، ونابت الجمعة عن الظهر الذي هو فرضه الأصلي، فكيف يمنع من الجمع؟، أليس هما صلاتين نهاريتين لا فاصل بين وقتيهما، فما الفرق بينهما وبين الجمع بين الظهرين؟ والله أعلم. الدليل الثاني: أن الجمعة فرض مستقل، وليس بدلًا عن الظهر، لوجود الفروق بينهما، فالجمعة لا تصح من الواحد بالإجماع، وتسبقها خطبتان، ولا تصلى في السفر، ولا تقضى إذا فات وقتها، ولا تلزم النساء، والقراءة فيها جهرية، وليس لها راتبة قبلية، ولا يصح البيع والشراء بعد ندائها الثاني ولها شعائر قبلها، كالغسل، والطيب، ولبس أحسن الثياب ونحو ذلك بخلاف الظهر، وقد أوصلها شيخنا ابن عثيمين إلى ثلاثة وعشرين فرقًا، وقد انتقيت منها أقواها بحسب ما ظهر لي (١). ويجاب بأجوبة منها: الجواب الأول: ليس مناط الحكم في الجمع عدد ركعات الظهر، ولا سرية القراءة فيها، ولا خلوها من الخطبة، وكون الجمعة تختص ببعض الأحكام عن الظهر لا يمنع من صحة الجمع؛ فالجمع يمس وقت الصلاة تقديمًا أو تأخيرًا؛ لعلة أباحت الجمع، لا يتعلق بكنه العبادة. فكأن المانعين جعلوا الظهر علة في جواز الجمع، حتى إذا تغير الفرض بالجمعة تخلف الحكم، والحق أن مناط الحكم كما سبقت الإشارة إليه، علة تبيح الجمع، واشتراك في الوقت بين صلاتين إما نهاريتين وإما ليليتين لا فاصل بين وقتيهما، وهذا متحقق في الجمعة كما هو متحقق في العصر. ولهذا الشافعية يرون الجمعة فرضًا مستقلًا، ويرون الجمع بينها وبين العصر.

стр. 9559

الجواب الثاني: لو سلمنا أن الجمعة فرض الوقت بالنسبة للحاضر، وليست بدلًا عن الظهر، فالمسافر بالإجماع فرضه الظهر، والجمعة بدل عنها في حقه، والبدل له حكم المبدل منه. الجواب الثالث: هذه الفروق لا تنفي أن الجمعة إذا فاتت فإنه يقضيها ظهرًا. والمسافر إذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة قضاها ظهرًا، فيحق له الجمع، مع أنه أدرك جزءًا من الصلاة مع الإمام، وإذا أدرك ركعة قيل له: لا يحق لك الجمع!! الجواب الرابع: وقت ابتداء الجمعة هو وقت ابتداء الظهر عند الجمهور من زوال الشمس، وأحاديث المواقيت، منها إمامة جبريل كما في حديث جابر وابن عباس، ومنها حديث عبد الله بن عمرو وحديث بريدة وحديث أبي موسى في مسلم، وكلها ذكرت مواقيت الصلوات الخمس، ولم تذكر الجمعة؛ لأنها داخلة في صلاة الظهر. الجواب الخامس: هذه الفروق التي ذكرت بين الجمعة والظهر لا تمس أحكام الجمع، فالجمع لم يعقد بين الظهرين لخلو الظهر من هذه الفروق حتى يعترض بها على الجمع، فالمسافر يجمع بين الظهرين سواء أتمهما أم قصرهما، وقل مثل ذلك في بقية الفروق. الدليل الثالث: (ح-٣٣٨٣) روى البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون

стр. 9560

الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: لم ينقل أن النبي ﷺ جمع الجمعة مع العصر. وأجيب: ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع في ذلك الأسبوع بين الظهرين للمطر، بل لم يحفظ أن النبي ﷺ جمع للمطر في الحضر مطلقاً، وهذا دليل يؤكد صحة ما رجحته بأنه لا يشرع الجمع في الحضر، ولكن يشرع الجمع لعلة السفر، فإذا صلى المسافر الجمعة، فله أن يقوم ويجمع معها العصر؛ لعلة السفر، راجع الجمع بسبب المطر. الراجح: من خص الجمع بالظهرين، إما يرى أن الظهر علة الجمع، حتى إذا تغير الفرض بالجمعة تخلفت العلة عنده فتخلف الحكم، وليس الأمر كذلك. وإما يرى أن الجمع بين الجمعة والعصر من جهة العمل ليس محفوظًا فرده لذلك، وهل كان الجمع بين الظهرين محفوظًا في الحضر حتى يصح التفريق؟ سئل الإمام أحمد عن الجمع بين الظهرين فقال: ما سمعت. أتراك تحفظ الجمع بين الظهرين في الحضر وخفي ذلك على الإمام أحمد ومالك؟ فلا الظهر علة في الجمع، ولا كون الجمع في الحضر مشروعًا بين الجمعة والعصر. والذي أرى أن علة الجمع بين الصلاتين لا يتعلق بمسمى الصلاة، هل كانت الصلاة ظهرًا أو جمعة، بل إن الحكم يجب أن يرد إلى الأسباب التالية: السبب الأول: تحقق علة تبيح الجمع. السبب الثاني: اشتراك في الوقت يمكن معه تحويل وقت الصلاتين إلى وقت واحد، ولا يكون ذلك إلا بشرط أن تكون الصلاة إما نهارية أو ليلية، ولا فاصل بين وقتيهما. فإذا تحقق هذا أمكن القول بمشروعية الجمع. فالسفر علة تبيح الجمع، والنصوص على ذلك متظاهرة. والجمعة والعصر صلاتان نهاريتان، لا فاصل بين وقتيهما، فيمكن معه أن يتحول إلى وقت واحد؛ كوقت الظهر والعصر.

стр. 9561

قال زروق في شرحه على الرسالة: «لا جمع إلا بين مشتركتين» (١). فكان مناط الجمع الاشتراك في الوقت، وليس مسمى الصلاة. وقال المازري: «أما الصلوات التي لا اشتراك بينهما في الوقت، كالعصر والمغرب، والعشاء والصبح، أو الصبح والظهر فلا خفاء في منع الجمع بينهما» (٢). فإذا تحققت هذه الأمور أبيح الجمع، ولا دخل في حكم الجمع كون صلاة الجمعة خصت ببعض الأحكام عن الظهر، فهي أوصاف لا تأثير لها في حكم الجمع فالظهر ليس علة الجمع، فسواء سميت الصلاة الأولى بالظهر، أو بالجمعة أو بالهاجرة، وهناك من الصحابة من يسمي الظهر بالصلاة الأولى؛ لأن جبريل بدأ بها في تعليم النبي ﷺ أوقات الصلاة، فلا تأثير للتسمية لمنع الجمع، فإذا صلى المسافر خلف إمام يصلي الجمعة، فإن له بعد أن ينصرف من الجمعة أن يقوم ويصلي العصر جمعًا، ولا يشرع الجمع بين الجمعة والعصر في الحضر، كما لا يشرع الجمع بين الظهرين في الحضر، وهو مذهب الإمام مالك وأحمد، والله أعلم.

стр. 9562

المبحث الرابع في صفة السفر الذي يباح فيه الجمع المدخل إلى المسألة: الأصل في الصلوات عدم الجمع إلا بدليل. لا يختلف العلماء في جواز الجمع في عرفة ومزدلفة، وإن اختلفوا في علة الجمع. لم ينقل الجمع في السفر القصير وما قيل في جمع المكي في عرفة ومزدلفة فالعلة فيه ليس السفر القصير، ولا النسك على الصحيح. جاز الجمع للمكي والعرفي والمزدلفي في عرفة ومزدلفة تبعًا لأهل الموقف وأكثرهم مسافر سفرًا طويلًا، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، فيجوز الجمع لمن صلى معهم، ولو لم يكن محرمًا، ولا يجوز القصر إلا لمن كان مسافرًا. إذا قلنا بالجمع في الحضر بشرطه، وصلت المرأة في المسجد جمعت مع الناس إذا جمعوا، وإن لم تكن من أهل الجماعة، ويجمع المعتكف مع أهل المسجد، وإن كان لا يتأذى في المطر، فكذلك القول في جمع المكي والعرفي. لا نسلم أن الحاجة تبيح الجمع، فلا تجد أثرًا واحدًا يدل على جواز الجمع للمرض أو الخوف أو الوحل أو الريح الباردة، وكلها من الحاجات العامة الشديدة، والمتكررة، والجمع بسببها أولى من الجمع من مطلق الحاجة الخاصة، والمحفوظ في السنة أن هذه الأسباب تبيح التخلف عن الجماعة، فلو كان الجمع مشروعًا للحاجة لحفظ الجمع لهذه الأسباب، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. أسباب الجمع بين الصلاتين معدودة على الصحيح، ليس منها مطلق الحاجة. لو كانت الحاجة سببًا للجمع لكانت أسباب الجمع ليست محصورة. لا تستقل الحاجة وحدها سببًا للجمع إلا مع السفر. لو كانت الحاجة من أسباب الجمع لشرع الجمع لشدة الحر، والمشروع معه الإبراد، وهو صورة من صور الجمع الصوري فما صلوا الظهر حتى رأى

стр. 9563

الصحابة فيء التلول وفي رواية حتى ساوى الظل التلول قرب العصر. لو كان وجود الحرج من أسباب الجمع لشرع الجمع في حال المسايفة، فأمر الناس بالصلاة حال القتال رجالًا أو ركبانًا، ولم يؤمروا بالجمع. لم يمر بالنبي ﷺ ولا صحابته حدث مثل حفر الخندق وقد تحزب عليهم العرب من أقطارها حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع فيه الجوع والخوف والشغل، ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة، فأي شغل بعد هذا يكون مبررًا للجمع. القصر سنة ملازمة لسببه، فإذا سافر لم يدع القصر حتى يرجع. الجمع رخصة، وليس سنة ملازمة للسفر، فلم يجمع النبي ﷺ وهو محرم إلا في عرفة ومزدلفة، فلم يجمع في إقامته في مكة قبل خروجه إلى منى، ولا في إقامته في منى يوم التروية، وأيام التشريق، فسلك الشارع في سنة الجمع في المشاعر سنة الجمع في غيرهما، إن احتاج المسافر جمع، وإلا ترك، وهذا يبعد القول: إن الجمع من أحكام النسك، أو من أحكام الحاجة فقط. إذا كانت سنة القصر والجمع في المشاعر تشبه سنة القصر والجمع في غيرهما، فالأصل أن الشيء يلحق بشبهه إلا لنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع على أن العلة النسك. إذا كان السفر هو علة الجمع، فذلك مختص بالسفر الذي يبيح القصر والفطر، وليس لمجرد الظهور خارج المصر. تعليل الجمعُ بالمشقة لا ينضبط. الجمع محكوم بما جاءت به السنة، فلا يجوز بكل شاق، ولهذا لم يجوِّزوه لمن هو قائم على المريض وشبهه. الجمع مباح للمسافر ولا يسن له إلا إذا شق عليه ترك الجمع كالفطر، والمشقة ليست علة الجمع، وإنما المشقة وصف في تفضيل الجمع على الترك. الرخص في السفر على ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز إلا في السفر الطويل، كالقصر، والمسح ثلاثة أيام، وقسم: يجوز في قصير السفر وطويله كالتنفل على الدابة والتيمم، وأكل الميتة، وقسم مختلف فيه، وهو الجمع بين الصلاتين.

стр. 9564

[م-١٠٨٩] اتفق الأئمة الأربعة أن القصر لا يكون في السفر القصير، على اختلاف بينهم في تقدير المسافة التي تقصر فيها الصلاة. واختلفوا في الجمع للمسافر، أيشترط أن يكون في سفر تقصر فيه الصلاة، أم يكفي مطلق السفور، أي: الظهور بحيث يكون خارج المصر؟ فقال الحنفية: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة (١). وقيل: يجوز الجمع في طويل السفر وقصيره، وهذا مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9565

قال القاضي عبد الوهاب: «يجوز الجمع في طويل السفر وقصيره» (١). وقيل: لا يجوز الجمع إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهو الجديد من قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9566

دليل من قال: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة: ذكرنا أدلتهم وما ورد عليها من مناقشة في مسألة: (حكم الجمع في السفر)، فارجع إليها مشكورًا. دليل من قال: يجوز الجمع في السفر القصير: الدليل الأول: القياس على جمع المكي في عرفة ومزدلفة فهو محمول على الجمع في السفر القصير؛ لأن المسافة بين مكة وبين عرفة ومزدلفة قريبة، لا تبلغ مسافة قصر. قال المازري: «يجوز الجمع في السفر وإن كان سفرًا لا تقصر في مثله الصلاة خلافًا لأحد قولي الشافعي في أنه لا يجوز إلا في سفر القصر. ودليلنا جمع أهل مكة بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة» (١). وهذا النص من المازري يدل على اختيار المالكية في أكثر من مسألة: الأولى: جواز الجمع في السفر القصير مطلقًا للنسك وغيره. الثانية: أن علة الجمع في عرفة ومزدلفة السفر القصير، ولو كان الجمع للنسك لم يصح من المازري قياس الحلال على المُحْرِم. الثالثة: أن المازري وبعض المالكية يعللون الجمع في عرفة ومزدلفة بالمشقة، وهذا يدل على جواز تعليل الحكم بأكثر من علة. وسواء أكانت العلة السفر القصير أم المشقة، فلا يذكر أحد من المالكية النسك علة للجمع (٢).

стр. 9567

ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: الجمع في عرفة ومزدلفة للمكي والعرفي الداعي له أحد أمرين: الأمر الأول: لو كان جمع المكي في عرفة سببه السفر ما جاز للعرفي أن يجمع في عرفة، وهي موضع إقامته، ومثله يقال للمزدلفي في مزدلفة، والمالكية وهو رواية عن أحمد يرون أن العرفي والمزدلفي له أن يجمع في موضع إقامته. الأمر الثاني: قد يكون الجمع للعرفي في عرفة جاء تبعًا لأهل الموقف، وأكثرهم مسافر سفرًا طويلًا يباح فيه القصر، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، كما لو صلت المرأة في المسجد -وقلنا: بجواز الجمع في الحضر- جمعت مع الناس، وإن لم تكن من أهل الجماعة، ويجمع المعتكف مع أهل المسجد، وإن كان لا يتأذى في المطر، فكذلك المكي والعرفي وغير المحرم يجمع مع أهل الموقف، وإن لم يكونوا مسافرين. الوجه الثاني: بأن الجمع في عرفة ومزدلفة اختلف في مشروعيته، وفي توصيفه: فقيل: لا يجمع في عرفة ومزدلفة إلا من كان مسافرًا سفرًا طويلًا، فلا يجمع المكي فيهما، ومن باب أولى لا يجمع العرفي في عرفة، ولا المزدلفي في مزدلفة، وهو الجديد من قولي الشافعي وهو المذهب، والصحيح من مذهب الحنابلة (١).

стр. 9568

قال أبو زرعة العراقي: «قد يوهم أن هذا الجمع للنسك … لكن الأصح في الروضة وأصلها وغيرهما: أنه للسفر، فلا يجوز للحاضر، ولا للمكي في الأصح؛ لقصر سفره» (١). وجاء في الإنصاف: «لا يجوز لهم -يعني: المكي- القصر، ولا الجمع على الصحيح من المذهب، ونص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وجزم به في المستوعب وغيره، وقدمه في الفروع، وقال: اختاره الأكثر» (٢). وقيل: يجمع المكي في عرفة، والعلة النسك. وهذا مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (٣). جاء في المجموع: «وهل هذا الجمع بسبب النسك أم بسبب السفر؟ فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين: أحدهما: بسبب النسك، فيجوز الجمع لكل أحد هناك، سواء كان من أهل مكة، أو عرفات، أو المزدلفة، أو غيرهم، أو مسافرًا. وبهذا قطع الصيمري، والماوردي في الحاوي» (٤). وقيل: يجمع الجميع في عرفة ومزدلفة، والعلة المشقة، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، قال في الفروع: «الأشهر عن أحمد الجمع فقط». أي دون القصر، وبه قال ابن قدامة (٥).

стр. 9569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9570

وقيل: يجمع المكي، والعلة السفر. ولو كان قصيرًا، وهو القول القديم من قولي الشافعي، واختيار ابن تيمية (١). ومقتضاه: لا يشرع الجمع لمن كان من أهل عرفة في عرفة، ولا يشرع الجمع لمن كان من أهل مزدلفة في مزدلفة. فتبين أن الاحتجاج بجمع المكي في عرفة لا يصح مع اختلاف العلماء في مشروعية الجمع، فمنهم من منع الجمع مطلقًا للمكي، كالشافعي في الجديد، والحنابلة على الصحيح من المذهب ومن قال منهم قال بالجمع على اختلاف بينهم في العلة، فمنهم من علل بالنسك كالحنفية، ومنهم من علل بالمشقة كالحنابلة، ومنهم من علل بالمشقة والسفر

стр. 9571

القصير كالمالكية، وهو قول الشافعي في القديم، واختيار ابن تيمية. وإذا جمع النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة وجمع معه أهل مكة، ولم يكن هناك تعليل منصوص لعلة الجمع، فيحمل الجمع على جنسه من أحوال الجمع المشروعة. فالسفر من أسباب الجمع، فمن كان مسافرًا سفرًا طويلًا فهذا ظاهر، ومن كان من أهل مكة فهو محمول على جواز الجمع لهم: إما تبعًا لأهل الموقف، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. وإما لداعي الحاجة، وهو التفرغ للدعاء، واستغلال اجتماع الناس قبل تفرقهم أوزاعًا في الموقف. وهذا يستوي فيه المكي والآفاقي، ومن كان مقيمًا في موضعه. وإما لجواز الجمع في السفر القصير، باعتبار أن الجمع أوسع من القصر، وعلى هذا التخريج، لا يدخل العرفي في جمع عرفة ونحوه. ولا مانع من تعليل الحكم بكلها مجتمعة، لجواز تعليل الحكم بأكثر من علة في أصح أقوال أهل العلم. اعترض على هذا: أن الحجيج كلهم في عرفة جمعوا وقصروا خلف النبي ﷺ ، ولو كان السفر شرطًا ولو قصيرًا لقال النبي ﷺ لأهل عرفة: أتموا فإنا قوم سفر، والجمع قد يتسامح فيه؛ لجوازه في الحضر على قول، أما القصر فلا يكون إلا في سفر، فلما قصر أهل عرفة خلف النبي ﷺ ، وقصر أهل مزدلفة خلف النبي ﷺ علم أن القصر للنسك. (ث-٨٥٦) فقد روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (١). [صحيح] ورواه مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن عمر، وزاد سعيد: ثم

стр. 9572

صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا (١). ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: من أين لكم أن النبي ﷺ ترك أهل عرفة يقصرون الصلاة خلفه؟ ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر خلفه لا في حديث صحيح، ولا ضعيف. قالوا: لو أمرهم بالإتمام لنقل؛ لتوافر الدواعي على نقله. قيل: قد صلى النبي ﷺ الظهر والعصر قصرًا وجمعًا بالأبطح وذلك بعد نفوره من منى، وقبل طواف الوداع، وقد صلى الناس خلفه، وفيهم المكي وغير المكي، وهذا الجمع والقصر بعد فراغ المكي من نسكه؛ لأنه لا وداع عليهم (٢). ولم ينقل أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام ولا نهاهم عن الجمع، فهل تقولون: يجوز للمكي أن يقصر الصلاة في مكة بعد فراغه من النسك؟ وأقام النبي ﷺ في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأهل مكة يصلون خلفه، وهم حديثو عهد بكفر، ولم يصح أن النبي ﷺ أمرهم بالإتمام. وكذلك صلى النبي أربعة أيام في مكة عام حجة الوداع قبل خروجه لمنى، ولم يصح في السنة أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام. وما ورد في ذلك فمداره على ابن

стр. 9573

جدعان، وهو ضعيف (١). فإن قلتم: لعل النبي ﷺ لم يأمرهم؛ لأنه سبق أن بيَّن هذا الحكم لهم، واكتفى به. أو أن النبي ﷺ أمرهم ولم ينقل. قيل: ما كان جوابًا لكم كان جوابًا عن الصلاة خلفه في عرفة ومزدلفة، فلعله لم يأمرهم بالإتمام يوم عرفة اكتفاء بأمر سابق، أو أنه أمرهم ولم ينقل. وهذا من أوضح الأدلة على أن عدم النقل ليس حجة، فلا يعد نقلًا للعدم، ولم يأت عن الشارع فرق بين جمعه وقصره بعرفة ومزدلفة قبل فراغه من النسك، وبين جمعه وقصره بالأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، والأصل أن السبب واحد فيهما، وفي كلها قد صلى خلفه من لا يشرع له القصر والجمع. وإذا كان الأئمة الأربعة متفقين أن العرفي لا يقصر في عرفة، فالأصل أنه يتم، حتى يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، أو يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، وكلاهما لا يمكن إثباته، والأصل أن يطبق على القصر مقتضيه، وهو السفر الطويل. الجواب الثاني: أن عمر حين قصر في مكة، علل قصره بالسفر، فقال: (أتموا فإنا قوم سفر) فهل كان قصر عمر في باقي المشاعر لعلة غير السفر؟ فمن ادعى أن قصر عمر في عرفة أو في مزدلفة، أو في منى للنسك، وأنه يختلف عن قصره في مكة فعليه الدليل. وإذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر. (ث-٨٥٧) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس، فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة، أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر الصلاة إلا في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم،

стр. 9574

فإن ذهبت إلى الطائف، أو إلى جدة، أو إلى قدر ذلك من الأرض، إلى أرض لك، أو ماشية فاقصر الصلاة، فإذا قدمت فَأَوْفِ. [صحيح موقوفًا] (١). وجه الاستدلال: قوله: (لا تقصر إلى عرفة أو إلى منى) مطلقه يشمل المحرم وغير المحرم، ومن قيده بغير المحرم فعليه الدليل. (ث-٨٥٨) وروى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، أنه سأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم. لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة (٢). (ث-٨٥٩) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: جاءت امرأة إلى طاوس، فقالت: إن كَرِيًّا لي، حملني على الجمع بين الصلاتين. قال: لا يضرك. أما ترين أن الناس يجمعون بين الهاجرة والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بجمع. [وهذا إسناد حسن] (٣). فاعتبر سالم وطاوس السفر هو علة القصر في عرفة، ولو كان للنسك ما صح قياس الحلال على المحرم.

стр. 9575

وقال الزرقاني: «فقاس سالم المختلف فيه على المتفق عليه بجامع أن العلة السفر» (١). وقال عبد الله بن أحمد كما في مسائله: «قال أبي: كان ابن عيينة لا يقصر الصلاة إذا خرج من مكة إلى منى، ثم قصر، واحتج بحديث عمرو، عن جابر بن زيد قال: اقصر بعرفة. قال ابن عيينة وأي سفر أشد منه» (٢). يقصد أحمد بحديث عمرو بن دينار، عن جابر: فتواه لعمرو بن دينار مقطوعًا عليه، ولا يقصد أنه حدثه بحديث مرفوع. (ث-٨٦٠) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو -يعني: ابن دينار- قال: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة. [صحيح موقوفًا على جابر بن زيد] (٣). وقد فهم ابن عيينة من فتوى جابر بن زيد أن العلة في ذلك السفر، ولذلك قال ابن عيينة فيما رواه أحمد عنه، قال: وأي سفر أشد منه؟! الجواب الثالث: القول بأن القصر لا يباح إلا في السفر الطويل، هذا محل نزاع بين الفقهاء، والخلاف قديم، وقد ذهب ابن قدامة والنووي إلى إباحة القصر في كل سفر ولو كان قصيرًا، وروي عن ابن عمر، وسيأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى. الجواب الرابع: إذا رجعنا إلى أقوال الأئمة نجد أن الأئمة الأربعة متفقون أن العرفي لا يقصر في عرفة، وكذلك لا يقصر المنوي في منى، ولا المكي في مكة، ولو كان أحد منهم يرى أن العلة النسك لم يتفقوا على منعه من القصر في محل إقامته. ولم يختلف الحنفية أن المكي لا يقصر في عرفة ومزدلفة، وإن قالوا بالجمع. ولم يختلف الشافعية أن المكي لا يقصر في عرفة ومزدلفة ومنى، والأصح

стр. 9576

والجديد أنه لا يجمع أيضًا. ولم يختلف قول أحمد أن المكي لا يقصر في عرفة ومزدلفة، وفي الجمع روايتان، والمشهور من مذهبه لا يجمع. وقال المالكية: يقصر المكي بشرط أن يكون مسافرًا، ولو سفرًا قصيرًا، ويجمع الجميع في عرفة ومزدلفة (١). وقيد داود القصر بسفر القربة، فقال: إن سافر في حج، أو عمرة، أو غزو قصر الصلاة في قصير السفر وطويله (٢). فتبين أن من يقول: إن العلة النسك إنما قال به الحنفية، وهو وجه عند الشافعية. وأما القصر فلم أقف على أحد علل القصر في عرفة ومزدلفة ومنى بالنسك وحده، ومن قال منهم: علة القصر النسك فهم جعلوا العلة مركبة من النسك والسفر، ولو كان قصيرًا، كالمالكية. والذي يجعل النسك ليس هو علة الجمع والقصر أمران. الأمر الأول: أن القصر سنة ملازمة لسببه، فالقصر ملازم للسفر، فلو كان القصر سببه

стр. 9577

النسك لكان ملازمًا للنسك، ولقصر أهل مكة فيها من حين أحرموا بالحج، ولكان القصر ينتهي مع التحلل من النسك، فلما لم يقصر المكي المحرم فيها، ولم يقصر العرفي في عرفة دل على أن علة القصر ليست النسك. وكذلك الشأن في الجمع، فالشارع سلك بالجمع في عرفة ومزدلفة مسلك الجمع في غيرهما؛ لأن الجمع ليس سنة ملازمة للسفر، بل رخصة للمسافر عند الحاجة إليه كالفطر للمسافر، فلذلك النبي ﷺ لم يجمع إلا في عرفة ومزدلفة، فلم يجمع في منى وقد مكث فيها يوم التروية، وأربعة أيام: يوم النحر، وأيام من التشريق. ولم يجمع النبي ﷺ في إقامته في مكة قبل خروجه إلى منى يوم التروية، فسلك الشارع في سنة الجمع في المشاعر سنة الجمع في غيرهما، فلم يكن الجمع سنة ملازمة للمشاعر كما أن الجمع ليس سنة ملازمة للسفر. وإذا كانت سنة القصر والجمع في المشاعر تشبه سنة القصر والجمع في غيرهما، فالأصل أن الشيء يلحق بشبهه إلا لنص أو إجماع، ولا نص على أن العلة النسك، ولا إجماع أيضًا. والقصر سنة في السفر، والجمع رخصة فيه؛ وإذا اجتمعت الحاجة والسفر كان الجمع سنة كالفطر يباح للمسافر، ومع المشقة يسن له الفطر. والحاجة نفسها لا تستقل بالعلة في الجمع، انظر: مناقشة ذلك في مسألة الجمع للمطر، والجواب عن قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته). وقد ورد الجمع في السفر في أحاديث صحيحة، فلنحمل الجمع والقصر في عرفة ومزدلفة على الجنس المقطوع به، والله أعلم. الأمر الثاني: لو كان القصر والجمع في عرفة ومزدلفة مختلفًا عن القصر والجمع في غيرهما لكان لزامًا أن يبين الشارع أن ذلك خاص بالمشاعر حتى لا يقاس عليهما غيرهما مع قرب المسافة بين المشاعر، وترك البيان مع شدة الحاجة إليه لا يجوز، فلما ترك الشارع تعليل القصر والجمع في عرفة ومزدلفة علم أن الجمع والقصر

стр. 9578

فيهما من جنس الجمع والقصر في غيرهما، فمن افترض الاختلاف فعليه الدليل السالم من النزاع؛ لأن الأصل عدم إخراج الشيء عن شبيهه. الدليل الثاني على جواز الجمع في السفر القصير: قالوا: كل رخصة جازت بالصلاة في الحضر لعذر، فإن ذلك يقتضي جوازها في قصير السفر وطويله، قياسًا على التطوع على الدابة. فالجمع أخف من القصر، فالحاجة تبيحه، وإذا عُلِّلَ الحكم بالحاجة مع علم الشارع أن الحاجة ليست منضبطة دل ذلك على إرادة التوسعة والتخفيف على الناس. والسفر القصير مظنة الحاجة؛ لعلة التردد ذهابًا وإيابًا، فإذا نزل ليصلي إحدى الصلاتين جمع معها الأخرى دفعًا لمشقة النزول مرة أخرى، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين السفر الطويل والقصير، فكما تمس الحاجة إلى فعل ذلك في الأسفار الطويلة تمس إلى فعلها في الأسفار القصيرة، بل السفر القصير هو الأغلب في أفعال الناس وحركاتهم، ولأن الجمع ليس سنة ملازمة لسببه، وإنما تفعل أحيانًا مع قيام الحاجة فخُفِف فيه، بخلاف القصر لما كان سنة ملازمة لسببه منع منه في الحضر، واشترط لجوازه: أن يكون السفر مبيحًا للفطر، والله أعلم. وأجيب بجوابين: الجواب الأول: القول بأن كل رخصة جازت في الحضر بالعذر فإنها تجوز في السفر القصير، هذا القول دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على هذه الكلية؟ هذا من جهة. وإذا كان السفر القصير هو الغالب على حركات الناس فلماذا لم ينقل الجمع فيها من جهة السنة العملية، فإذا لم ينقل فالأصل عدم المشروعية إلا ما قيل عن جمع مزدلفة وعرفة، وقد علمت توجيه الجمع والقصر فيهما. الجواب الثاني: لا نسلم أن الحاجة تبيح الجمع، فلا تجد أثرًا واحدًا يدل على جواز الجمع للمرض أو الخوف أو الوحل أو الريح الباردة، وكلها من الحاجات العامة الشديدة المتكررة، والجمع بسببها أولى من الجمع من مطلق الحاجة الخاصة، وإنما المحفوظ

стр. 9579

في السنة أن هذه الأسباب تبيح التخلف عن الجماعة، فلو كان الجمع مشروعًا للحاجة لحفظ الجمع لهذه الأسباب، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. الجواب الثالث: لا يصح قياس الجمع على قياس التطوع على الدابة، فالتطوع على الدابة خاص بالنفل، وليس بالفرض، والنفل مبني على التخفيف، ولهذا جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، مع أن القيام من آكد أركان الصلاة. والجمع يتعلق بالفرض تقديمًا أو تأخيرًا لإحدى الصلاتين عن وقتها، والذي هو من آكد شروط الصلاة، فيحتاط للفرض، فلا يجمع إلا بالسفر الطويل. ولأن الحكمة الشرعية في جواز النفل في السفر القصير: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، أو يحمله ذلك إلى قطع النوافل أوتقليلها، وهذا لا فرق فيه بين السفر الطويل والقصير، والله أعلم. الدليل الثالث: القياس على التيمم، فالله أجاز التيمم في كتابه للمريض والمسافر، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾. إلى قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا لِلَّهِ [المائدة: ٦]. فأباح الله التيمم بشرطين: المرض والسفر، فإذا جاز التيمم في قصير السفر وطويله جاز الجمع في قصير السفر وطويله. ونوقش هذا: بأن العلة في مشروعية التيمم هو فقد الماء نص عليه في آية التيمم، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وذكر السفر في الآية لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر وقليل، والوصف إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، ولا يفيد تقييدًا، كالرهن ذكر فيه السفر على سبيل الشرط، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومفهوم الشرط أقوى من غيره، ومع ذلك ليس السفر شرطًا في جواز الرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر،

стр. 9580

جاز التيمم في الحضر أيضًا. وإذا كان التيمم للمريض المقيم يجوز بالإجماع مع وجود الماء، فجوازه للمقيم عند فقد الماء جائز أيضًا، ولا فرق؛ لأن المرض هو عجز حكمي، وفقد الماء عجز حسي، والعجز الحسي أولى بالمراعاة؛ لأنه يستحيل معه الفعل بخلاف العجز الحكمي، فقد يستعمل الماء إلا أنه قد يلحقه ضرر بذلك. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه تيمم لرد السلام في الحضر كما في حديث أبي الجهيم الأنصاري في الصحيحين (١)، مع أن الطهارة لرد السلام ليست شرطًا، بل ولا واجبًا، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة، والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى، والتيمم في الحضر هو مذهب المالكية والحنابلة وأحد القولين في مذهب الحنفية، وقد سبق بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة فلتراجع منه. دليل من قال: لا يجوز الجمع إلا في السفر الطويل: الدليل الأول: العبادات مبناها على الاتباع، ولم ينقل في السنة الجمع بالسفر القصير مع كثرة السفر القصير، وكونه هو الغالب على حركة الناس. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. فقوله: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: فرضًا مؤقتًا. وقد بين النبي ﷺ مواقيت كل صلاة دخولًا وخروجًا بيانًا عمليًا فصلى الصلوات الخمس في أول وقتها في اليوم الأول ثم صلى الصلوات نفسها في آخر وقتها في اليوم

стр. 9581

التالي، ثم قال: (الصلاة ما بين هذين)، كما في حديث بريدة وأبي موسى في صحيح مسلم (١). فلا تصح الصلاة قبل وقتها، ولا يحل تأخيرها عن وقتها بلا عذر. و الجمع إخراج عبادة عن وقتها المعتاد، إما تقديمًا لإحدى الصلاتين عن وقتها، وإما تأخيرًا لها عن وقتها، ولم نجد في السنة أن مثل ذلك قد استبيح في السفر القصير، إلا ما كان من أهل مكة في عرفة ومزدلفة، وقد علمت توجيه ذلك، وإنما الثابت الجمع لعلة السفر الطويل كالفطر والقصر، والعبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز الجمع في صورة لم ترد في السنة. ولأن الجمع رخصة جُعلت عونًا على السفر، فهي كالقصر، فلما لم يستبح القصر في السفر القصير، فكذلك الجمع لا يستباح لعلة السفر القصير منه، والله أعلم. الراجح: إذا كانت علة الجمع السفر، فهو يشترط فيها السفر الشرعي، وليس مطلق السفر، فلا يصح الجمع في السفر القصير. وأرى أن علة الجمع في عرفة ومزدلفة إن كان مسافرًا فقد اجتمع في حقه علتان للجمع: السفر والحاجة العامة. وإن كان مقيمًا فإن قلنا: لا يجمع كما أنه لا يقصر؛ لأن علة الجمع والقصر واحدة فهذا ظاهر، وهو الأقرب. وإن قلنا: له أن يجمع مع أهل الموقف فإنما جاز دخوله تبعًا لأهل الموقف، فلو قلنا بالجمع للمطر، وجمع أهل المسجد، وصلى معهم رجل معتكف جمع معهم تبعًا. ولا أرى الجمع في منى ولا في غيرها من المشاعر إلا أن يكون مسافرًا سفرًا طويلًا؛ فإن السفر يباح فيه الجمع مطلقًا، ويسن مع الحاجة، والأفضل ترك الجمع اقتداء بالنبي ﷺ ، وقد جمع النبي ﷺ بالأبطح كما هو ظاهر حديث أبي جحيفة، وكانت قد ضربت له القبة، والله أعلم.

стр. 9582

المبحث الخامس في صفة جمع المسافر تقديمًا أو تأخيرًا المدخل إلى المسألة: يجوز جمع التقديم والتأخير لإجماعهم على مثل ذلك في الصلاتين بعرفة ومزدلفة، وكان النبي ﷺ وكثير من أصحابه مسافرين، وكل ما اختلف فيه من مثله فمردود إليه. ثبت عن النبي ﷺ جمع التقديم والتأخير وهو نازل في غير النسك، فالأول ظاهر حديث أبي جحيفة في الصحيحين، والثاني ثبت من حديث معاذ في الطريق إلى تبوك. الجمع من رخص السفر فلم يختص بما إذا جد به السير كسائر رخصه. ما أبيح لعلة السفر، فهو على الإباحة ما دام هذا الوصف قائمًا من غير فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا. الجمع للمسافر مباح كالفطر، وليس سنة ملازمة للسفر كالقصر، والمباح على التخيير بين الفعل والترك. لا يسن الجمع للمسافر إلا إذا شق عليه ترك الجمع كالفطر، والمشقة ليست علة الجمع، وإنما المشقة علة في تفضيل الجمع على الترك. كون النبي ﷺ يترك الجمع في حديث أنس إلا أن يجد به السير يدل على استحباب الجمع إذا جد به السير؛ لمشقة النزول، ولا يدل ذلك على أنه شرط في الجمع. الأفضل فعل الأرفق بالمصلي؛ لأن ذلك سيعود على الصلاة بزيادة الخشوع، وتفرغ القلب للصلاة. [م-١٠٩٠] سبق لنا في المسألة السابقة بيان حكم الجمع للمسافر، وبيان صفة السفر الذي يبيح الجمع، وأريد أن أخصص هذا المبحث لبيان صفة جمع المسافر تقديمًا أو تأخيرًا.

стр. 9583

وقد اختلف العلماء في صفة الجمع للمسافر. فاتفقوا على أن صفة الجمع في عرفة، أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، وفي مزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير. واختلفوا في صفة الجمع في غيرهما إلى أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية: قالوا: يجوز الجمع فعلًا لا وقتًا، وتفسيره: أن يؤخر الظهر أو المغرب إلى آخر وقتها، ويقدم العصر أو العشاء إلى أول وقتها، وهذا ما يسمى بالجمع الصوري، وهو اختيار ابن حزم الظاهري (١). القول الثاني: مذهب الشافعية: يجوز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء تقديمًا وتأخيرًا، فإن كان سائرًا في وقت الأولى، فالأفضل التأخير، وإن كان نازلًا في وقت الأولى فالأفضل التقديم، وإن كان سائرًا في وقتيهما، أو نازلًا فيهما فالتأخير أفضل، وبه قال أبو الحسن الآمدي من الحنابلة (٢). القول الثالث: مذهب الحنابلة: يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، والأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير، فإن استويا فالتأخير أفضل. واختلف الإقناع والمنتهى في الأفضل في جمع عرفة: فاختار صاحب الإقناع: الأفضل في عرفة التقديم وفي مزدلفة التأخير

стр. 9584

مطلقًا اتباعًا للسنة. واختار صاحب المنتهى: الأفضل فيهما اتباع السنة ما لم يخالف ذلك الأرفق به. فإن عدم الأرفق في عرفة ومزدلفة كان التقديم في عرفة أفضل، والتأخير في مزدلفة أفضل، وإن عدم الأرفق في غيرهما فالتأخير أفضل (١). وقيل: الأفضل في حق من يريد الارتحال في وقت الأولى، ولا يغلب على ظنه النزول في وقت الثانية: أن يقدم الثانية. وفي غير هذه الحالة الأفضل تأخير الأولى إلى دخول وقت الثانية، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: جمع التقديم أفضل مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: جمع التأخير أفضل مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، واستثنى بعضهم جمع المطر (٤).

стр. 9585

القول الرابع: مذهب المالكية: أخرت مذهب المالكية لكثرة التفصيلات فيه، وفي مذهب المالكية ثلاث روايات: الرواية الأولى: يباح الجمع تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا بلا كراهة، سواء أجد به السير أم لا، وسواء أكان جَدُّه لإدراك أمر أم لأجل قطع المسافة، قال ابن رشد الجد: وهو المشهور (١). الرواية الثانية: رواية ابن القاسم عن مالك. جاء في المدونة: «قال مالك: فأحب ما فيه إليَّ أن يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، يجعل الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، إلا أن يرتحل بعد الزوال، فلا أرى بأسًا أن يجمع بينهما تلك الساعة في المنهل -يقصد: مكان نزول المسافر وإن لم يكن به ماء- قبل أن يرتحل، والمغرب والعشاء في آخر وقت المغرب قبل أن يغيب الشفق يصليهما، فإذا غاب الشفق صلى العشاء» (٢). فهذا النص عن مالك فضل الجمع الصوري إلا أن يرتحل بعد الزوال، فلا بأس بجمع التقديم، ولم يذكر في المغرب والعشاء إلا الجمع الصوري (٣).

стр. 9586

وفصل أصحابه في كتب المتون الأفضل في صفة الجمع، فقالوا: المسافر له حالتان: الحال الأولى: أن تزول عليه الشمس، وهو نازل، ويريد الرحيل، فله ثلاث صور: الصورة الأولى: أن ينوي أن ينزل بعد اصفرار الشمس، أو بعد الغروب، فهذا يجمع بينهما جمع تقديم. وجه هذا القول: أننا لو منعناه من الجمع لزمه النزول لصلاة العصر قبل خروج وقتها، وفي النزول إضرار به. وإن لم ينزل صلى العصر بعد خروج الوقت، وهذا لا يجوز. فلما تقابل الإضرار به في تكليف النزول، أو إيقاع العصر في وقت الاضطرار، كانت الصلاة في وقت الضرورة، أخف على المكلف من مراعاة الاختيار في الوقت (١). فكان تقديم العصر هو الأرفق بالمكلف. الصورة الثانية: أن ينوي النزول قبل الاصفرار، فهذا يصلى الظهر أول وقتها، ويؤخر العصر وجوبًا غير شرطي. وجه هذا القول: أن هذا المصلي يمكنه من إيقاع كل صلاة في وقتها، فإن جمعها مع الظهر أجزأت، وندب إعادتها في الوقت. وكأن هذا القول مبني على أن الأفضل للمسافر ألا يجمع إلا إذا جد به السير، فإذا كان نازلًا في وقت الظهر، وفي وقت العصر لم يجمع بينهما. ولا تنافي بين الوجوب والإجزاء عندهم؛ لأن ترك الواجب لا يبطل الصلاة عندهم، ما لم يكن هذا الواجب شرطًا أو ركنًا، أي: فرضًا، وهذا معنى قوله: (ويؤخر العصر وجوبًا غير شرطي). الصورة الثالثة: أن ينوى النزول وقت الاصفرار، فهذا يخير، إن شاء قدم العصر فجمعها، وإن شاء أخرهما إليه، وهو الأولى؛ لترجيح التأخير عن الوقت على التقديم

стр. 9587

عليه؛ ولأنه إذا أخرهما فقد أوقعهما في وقت ضروري لهما، والخروج عن وقت الاختيار يسوغ عند العذر، والسفر عذر، وهو أولى من تقديم الصلاة على وقتها. فهذه ثلاث صور إذا زالت عليه الشمس، وهو نازل. الحال الثانية: أن يرحل قبل أن تزول الشمس: فإن نوى النزول بعد الاصفرار أو بعد الغروب، جمعهما جمعًا صوريًا، فصلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها. وإن نوى بنزوله الاصفرار أو قبله أخرهما إليه، ويكون هذا قد أخر الأولى فأوقعها في وقت الضرورة والثانية في وقت الاختيار، عكس الراحل بعد الزوال. والراجح في مذهب المالكية: أن حكم المغرب والعشاء حكم الظهرين، فمن غربت عليه الشمس، وهو نازل، ويريد الرحيل فإن نوى النزول بعد الفجر جمعهما في وقت الأولى، وإن نوى النزول في الثلثين الأخيرين قدم المغرب، وخير في العشاء، وإن نوى النزول في الثلث الأول قدم المغرب، وأخر العشاء وجوبًا غير شرطي (١). الرواية الثالثة: قيل: لا يجمع إلا أن يجد به السير، ويخاف فوات أمر (٢). قال خليل: «وهو مذهب المدونة؛ لقوله فيها: ولا يجمع المسافر إلا أن يجدَّ به السير، ويخاف فوات أمر فيجمع» (٣). يعني باستثناء جمع عرفة، فإن الحاج يجمع، وهو نازل فيها إلى الغروب.

стр. 9588

هذا ما وقفت عليه من أقوال الأئمة في صفة الجمع في السفر ممن يقول بجواز الجمع. وملخصه الآتي: الأئمة الثلاثة يقولون بجواز جمع التقديم والتأخير، ولهم تفصيل في الأفضل، فالحنابلة: الأفضل الأرفق به، والتعيين راجع للمكلف على خلاف في جمع عرفة ومزدلفة، فيما إذا تعارض فعل السنة مع الأرفق. والشافعية اجتهدوا في تعيين الأرفق، فقالوا: إن كان نازلًا في وقت الأولى، فالأرفق به التقديم، وإن كان سائرًا فالأرفق به التأخير، واتفق الشافعية والحنابلة بأنهما: إذا استويا فالتأخير أفضل. وكان المالكية أكثر تفصيلًا في تلمس الأرفق، بالنسبة إلى وقت النزول، فإن زالت عليه الشمس، وهو نازل، فإن كان سينزل قبل الاصفرار، لم يجمع وصلى كل صلاة في وقتها، أو كان سينزل بعده أو بعد الغروب اختار جمع التقديم، وإن كان سينزل في وقت الاصفرار خير بين جمع التقديم والتأخير. وإن زالت الشمس عليه وهو راكب، فإن كان ينوي النزول بعد الاصفرار أو بعد الغروب جمع بينهما جمعًا صوريًا. وإن نوى النزول في الاصفرار أو قبله أخرهما إليه. والحكم في العشاءين كالحكم في الظهرين في الأصح، وقد وقفت على التعليل لكل حكم. والله أعلم. دليل الجمهور على جواز جمع التقديم: الدليل الأول: (ح-٣٣٨٤) ما رواه النسائي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا (١).

стр. 9589

والحديث بتمامه في صحيح مسلم (١). وكان الأرفق في جمع عرفة تقديم العصر حتى يتفرغ أهل الموقف للدعاء، ولأنهم سوف يتفرقون أوزاعًا في الموقف، فيشق جمعهم مرة أخرى. الدليل الثاني: (ح-٣٣٨٥) روى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق مالك بن مغول، قال: سمعت عون بن أبي جحيفة، ذكر عن أبيه قال: دفعت إلى النبي ﷺ ، وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة خرج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ فوقع الناس عليه يأخذون منه ثم دخل، فأخرج العنزة، وخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إلى وبيص ساقيه، فركز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والمرأة (٢). ورواه البخاري ومسلم من طريق شعبة قال: حدثنا عون بن أبي جحيفة قال: سمعت أبي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فصلى بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها. وهذا لفظ البخاري (٣). وجه الاستدلال: قوله: (خرج بالهاجرة، فتوضأ، فصلى الظهر والعصر … ). الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، فكما أن الخروج واحد، والوضوء واحد، والنداء واحد، ورتب على ذلك الصلاتين، فظاهر الحديث أنه جمع بينهما، ولم يذكر خروجًا ولا وضوءًا ولا نداء خاصًّا للعصر، ورواية الحكم موافقة لرواية عون بن أبي جحيفة. فدل الحديث على ثلاثة أحكام: الأول: جواز جمع التقديم؛ لأن خروج النبي ﷺ لصلاة الظهر والعصر كان بالهاجرة: أي وقت الظهيرة. الثاني: جواز الجمع للمسافر، ولو لم يكن هناك حاجة دعت للجمع، لأن الحديث

стр. 9590

لم يذكر حاجة دعت لجمع الصلاتين، والأصل عدم وجود الحاجة إلا بدليل. الثالث: جواز جمع المسافر، وهو نازل؛ لأن الراوي ذكر نداء واحدًا وصلاتين، وهذا لا يكون إلا مع الجمع، وقد ضربت له القبة. قال النووي: «فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع، وهو نازل في وقت الأولى، أن يقدم الثانية إلى الأولى» (١). ونوقش هذا: قال ابن رجب: «وحديث أبي جحيفة قد يوهم أن النبي ﷺ صلى بالهاجرة الظهر والعصر، فجمع بينهما في أول وقتهما، وهو مقيم بمكة، ولم يستدل به أحد فيما نعلم على الجمع بين الصلاتين، وقد جاء في رواية للإمام أحمد: (فصلى الظهر أو العصر) بالشك … وقد خرجه مسلم، ولفظه: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين … ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة)، وهذا يدل على أنه إنما صلى العصر في وقتها» (٢). وقد رواه البخاري ومسلم من طريق عمر بن أبي زائدة، حدثنا عون، عن أبي جحيفة، وفيه: ( … صلى إلى العنزة بالناس ركعتين … ) (٣). ولم يذكر نوع الفرض. ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي جحيفة، فذكر أنه صلى العصر ركعتين، ولم يذكر فرض الظهر (٤). ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وقد استند الحافظ ابن رجب على أنه صلى العصر في وقتها إلى القرائن التالية: أحدها: أنه لا يعلم أنه قد استدل به أحد في الجمع بين الصلاتين، وهذا

стр. 9591

منتقض في استدلال النووي ﵀، ولعله لم يطلع عليه. القرينة الثانية: رواية من رواه بالشك: (فصلى الظهر أو العصر). القرينة الثالثة: الاستدلال برواية مسلم، وما جاء فيها: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين .. ثم صلى العصر ركعتين) بالتعبير ب (ثم). والرويتان: أعني رواية الشك، والتعبير ب (ثم) قد انفرد في روايتهما الإمام سفيان الثوري عليه رحمة الله، عن عون بن جحيفة، وهو دليل على أن سفيان لم يضبط الحديث، لأن كل من روى الحديث عن عون لم (يشك) ولم يعبر بالحرف (ثم). وقد انفرد سفيان بزيادات في حديث عون لم يروها غيره قد تكلمت على أكثرها في كتاب الأذان، وقد يكون الحمل في بعضها على الرواة عنه، وفي بعضها الحمل على سفيان، من هذه الألفاظ: الأول: ذكر الدوران في الأذان (١).

стр. 9592

ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا، والاختلاف عليه في موضع الالتفات (١). ومنها جعل الأصبعين في الأذنين (٢).

стр. 9593

ومنها: الاختلاف على سفيان في ذكر الصلاة، فمرة يقول: صلى الظهر، ولا يذكر العصر. ومرة يقول: صلى العصر، ولا يذكر الظهر. وفي ثالثة، صلى ركعتين بلا تحديد نوع الفرض. وفي رواية رابعة: يرويه بالشك (صلى الظهر أو العصر). وفي خامسة: يرويه بالحرف (ثم) في قوله: (صلى الظهر ثم صلى العصر ركعتين). وفي رواية سادسة: يرويه بالواو: (صلى الظهر والعصر) كرواية الجماعة، وهي المحفوظة (١).

стр. 9594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9595

فالاختلاف على سفيان في لفظه، واضطرابه فيه لا يمكن أن يعترض به على رواية من ضبط الحديث، ولم يختلف عليه، فالمحفوظ رواية العطف بالواو (فصلى الظهر والعصر)، وما دام أنه قد ذكر خروجًا واحدًا بالهاجرة، ونداء واحدًا، وضوءًا واحدًا، فالظاهر أنه جمع بينهما، والله أعلم. وجعل الحافظ ابن حجر الحديث محتملًا للأمرين: قال في الفتح: «يستفاد منه -كما ذكره النووي- أنه ﷺ جمع حينئذ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله: والعصر ركعتين أي: بعد دخول وقتها» (١). وقال المعلمي اليماني: «ظاهره أنه جمع تقديمًا» (٢). وعلى التنزل أن يكون حديث أبي جحيفة محتملًا، فإن جمع النبي ﷺ في عرفة مجمع عليه، وكل اختلاف في الجمع فإنه مردود إلى الجمع في عرفة ومزدلفة. الدليل على جواز جمع التأخير: الدليل الأول: (ح-٣٣٨٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: … فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ … حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (٣). وكان الأرفق في جمع في مزدلفة جمع التأخير؛ لتحقيق سنة الدفع من عرفة مع غروب الشمس، فكان تأخير المغرب أرفق بهم.
следующие страницы →