منتقض في استدلال النووي ﵀، ولعله لم يطلع عليه.
القرينة الثانية: رواية من رواه بالشك: (فصلى الظهر أو العصر).
القرينة الثالثة: الاستدلال برواية مسلم، وما جاء فيها: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين .. ثم صلى العصر ركعتين) بالتعبير ب (ثم).
والرويتان: أعني رواية الشك، والتعبير ب (ثم) قد انفرد في روايتهما الإمام سفيان الثوري عليه رحمة الله، عن عون بن جحيفة، وهو دليل على أن سفيان لم يضبط الحديث، لأن كل من روى الحديث عن عون لم (يشك) ولم يعبر بالحرف (ثم). وقد انفرد سفيان بزيادات في حديث عون لم يروها غيره قد تكلمت على أكثرها في كتاب الأذان، وقد يكون الحمل في بعضها على الرواة عنه، وفي بعضها الحمل على سفيان، من هذه الألفاظ:
الأول: ذكر الدوران في الأذان (١).
стр. 9592
ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا، والاختلاف عليه في موضع الالتفات (١).
ومنها جعل الأصبعين في الأذنين (٢).
стр. 9593
ومنها: الاختلاف على سفيان في ذكر الصلاة، فمرة يقول: صلى الظهر، ولا يذكر العصر.
ومرة يقول: صلى العصر، ولا يذكر الظهر.
وفي ثالثة، صلى ركعتين بلا تحديد نوع الفرض.
وفي رواية رابعة: يرويه بالشك (صلى الظهر أو العصر).
وفي خامسة: يرويه بالحرف (ثم) في قوله: (صلى الظهر ثم صلى العصر ركعتين).
وفي رواية سادسة: يرويه بالواو: (صلى الظهر والعصر) كرواية الجماعة، وهي المحفوظة (١).
فالاختلاف على سفيان في لفظه، واضطرابه فيه لا يمكن أن يعترض به على رواية من ضبط الحديث، ولم يختلف عليه، فالمحفوظ رواية العطف بالواو (فصلى الظهر والعصر)، وما دام أنه قد ذكر خروجًا واحدًا بالهاجرة، ونداء واحدًا، وضوءًا واحدًا، فالظاهر أنه جمع بينهما، والله أعلم.
وجعل الحافظ ابن حجر الحديث محتملًا للأمرين:
قال في الفتح: «يستفاد منه -كما ذكره النووي- أنه ﷺ جمع حينئذ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله: والعصر ركعتين أي: بعد دخول وقتها» (١).
وقال المعلمي اليماني: «ظاهره أنه جمع تقديمًا» (٢).
وعلى التنزل أن يكون حديث أبي جحيفة محتملًا، فإن جمع النبي ﷺ في عرفة مجمع عليه، وكل اختلاف في الجمع فإنه مردود إلى الجمع في عرفة ومزدلفة.
الدليل على جواز جمع التأخير:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٨٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: … فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ … حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (٣).
وكان الأرفق في جمع في مزدلفة جمع التأخير؛ لتحقيق سنة الدفع من عرفة مع غروب الشمس، فكان تأخير المغرب أرفق بهم.
стр. 9596
وكل جمع اختلف عليه الفقهاء فإنه مردود إلى جمع عرفة ومزدلفة.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٨٧) ما رواه الإمام مسلم من طريق مالك، عن أبي الزبير المكي، أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره،
أن معاذ بن جبل أخبره قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله ﷺ هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم! فسبهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول .... (١).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على:
- جواز جمع التأخير، لقوله: (أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا).
- جواز الجمع، والمسافر نازل؛ لأن الدخول والخروج لا يكون إلا من موضع له مدخل ومخرج، والمسافر في الصحراء لا يتصور دخوله وخروجه إلا إذا كانت قد ضربت له خيمة؛ خاصة أن غزوة تبوك كانت في فصل الصيف.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ظاهره أنه كان نازلًا في خيمة في السفر» (٢).
- جواز جمع المسافر، ولو لم يكن هناك حاجة؛ لأن ظاهر الحديث أنه ليس هناك حاجة دعت لجمع التأخير، وإلا لذكرها الراوي، إلا أن تكون الحاجة طلب الإبراد، فكان الجو حارًا، وقد أشارت رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير بذكر الإبراد، وهذا
стр. 9597
يصدق على جمع الظهر مع العصر، وقد آخر المغرب إلى العشاء.
- أن هذه الإقامة كانت عارضة، بهدف راحة الجيش، والدواب، لأن الطريق طويل، والرواحل لا تتحمل مواصلة السير في الطريق الطويل مع شدة الحر، وحاجتها إلى الرعي، بخلاف البريد فإنه يواصل السير ويستبدل الراحلة براحلة أخرى من خلال محطات مخصوصة، فهذا التوقف من النبي ﷺ يعتبر إقامة عارضة، ولولا أن النبي ﷺ صلى الأربعة فروض جمعًا في محل إقامته لقلت: إن الجمع لا يعد من جمع المسافر، وهو نازل، فلما جمع بين الظهرين، وهو نازل، ثم أدركه العشاءان، وهو ما زال نازلًا، اعتبرته من الجمع في الإقامة، وإن كانت الإقامة قصيرة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٣٣٨٨) ما رواه أحمد الإمام، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة،
عن معاذ: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زَيْغِ الشمس، أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أَخَّرَ المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عَجَّلَ العشاء فصلاها مع المغرب (١).
[رجاله ثقات إلا أن الحديث مُعَلٌّ] (٢).
والحديث المعلُّ لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الوهم.
وروى أبو داود، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، حدثنا المفضل بن فضالة، والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل،
عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر، حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل، جمع
стр. 9600
بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس، أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما (١).
[تفرد به يزيد بن موهب الرملي، عن الليث بن سعد، والمفضل بن فضالة، بذكر جمع التقديم إذا ارتحل بعد أن زالت الشمس، وقد رواه جماعة عن الليث، عن هشام بن سعد، ولم يذكروا فيه جمع التقديم، كما رواه جماعة عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه جمع التقديم] (٢).
стр. 9601
الدليل الرابع:
(ح-٣٣٨٩) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني حسين ا بن عبد الله بن عباس، عن عكرمة، وعن كريب،
عن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر، والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا كانت العصر نزل فجمع بين الظهر، والعصر، وإذا حانت المغرب وهو في منزله يجمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن له في منزله ركب حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما (١).
[ضعيف جدًّا، والمعروف أنه موقوف على ابن عباس بسند منقطع] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٣٣٩٠) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق هارون بن عبد الله الحمال، أخبرنا يعقوب بن محمد الزهري، أخبرنا محمد بن سعد، أخبرنا ابن عجلان، عن عبد الله بن الفضل،
عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر، فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعًا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما
стр. 9604
في أول وقت العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن الفضل إلا ابن عجلان، ولا عن ابن عجلان إلا محمد بن سعد، تفرد به: يعقوب بن محمد الزهري» (١).
[ضعيف] (٢).
هذه الأحاديث التي وقفت عليها في جمع التقديم، صريح حديث جابر في جمع عرفة، وظاهر حديث أبي جحيفة في الأبطح، وهذان الحديثان صحيحان، وأثر عن ابن عباس موقوف عليه بسند منقطع، وما عداها فهي أحاديث معلة، وضعيفة جدًّا.
وجمع التأخير، منه ما وقع التأخير فيه؛ لأن النبي ﷺ قد جد به السير، وهذا مقطوع بصحته من حديث أنس وابن عمر، ومنه ما وقع للنبي ﷺ ، وهو نازل في إقامته العارضة، كحديث معاذ في مسلم، الله أعلم.
دليل من قال: لا يجمع إلا إذا جد به السير فيجمع جمع تأخير:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٩١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت، صلى الظهر ثم ركب (٣).
стр. 9605
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا إذا دخل عليه وقت الظهر، وقد جدَّ به السير، فإن دخل عليه الظهر، وهو نازل، صلى الظهر في وقتها، ولم يجمع معها العصر، ثم ركب.
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
لا نسلم أن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا إذا دخل عليه الوقت وهو راكب، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جمع التقديم، وهو نازل كما في حديث أبي جحيفة في الصحيحين، وحديث جابر في جمعه بعرفة في صحيح مسلم، وصح جمع التأخير وهو نازل، كما في حديث معاذ، وهو في مسلم، وهذا كافٍ في إباحة الجمع؛ لأن الجمع كما صح إذا جدَّ به السير صح عن النبي ﷺ وهو نازل، وليست هذه الأحاديث متعارضة.
يقول ابن عبد البر: «ليس فيما روي من الآثار عن النبي ﷺ أنه كان إذا جد به السير، جمع بين المغرب والعشاء، ما يعارض حديث معاذ بن جبل؛ لأن المسافر إذا كان له في السُّنَّةَ أن يجمع بين الصلاتين، نازلًا غير سائر، فالذي يجد به السير أحرى بذلك، وليس في واحد من الحديثين ما يعترض على الثاني به، وهما حالان، وإنما كانا يكونان متعارضين لو كان في أحدهما أن رسول الله ﷺ قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين، إلا أن يجد به السير.
وفي الآخر: أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك، نازلًا غير سائر. فأما أن يجمع، وقد جد به السير، ويجمع وهو نازل لم يجد به السير، فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم، وبالله التوفيق» (١).
الجواب الثاني:
كون النبي ﷺ يترك الجمع في حديث أنس إلا أن يجد به السير يفيد استحباب الترخص بالجمع إذا جد به السير، ولا يدل ذلك على أنه من شروط الجمع؛ فالجمع مباح في السفر
стр. 9606
كالفطر، وليس سنة ملازمة للمسافر كالقصر، والمباح يخير فيه المكلف بين فعله وتركه، وإنما يسن له الفطر والجمع إذا شق عليه الصيام أو شق عليه أداء كل صلاة في وقتها، وليست المشقة هي علة الجمع، بل السفر، وإنما المشقة علة في تفضيل الجمع على تركه، كالفطر.
الجواب الثالث:
لم يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المسافر عن الجمع إلا أن يجد به السير، فالجمع في السفر علته السفر، فما دام هذا الوصف قائمًا فالجمع مباح، من غير فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا، والبحث عن الأفضل مسألة أخرى، وليس بحثًا في المأذون والممنوع.
يقول ابن خزيمة: « … لم يقل ابن عمر: إن الجمع بينهما غير جائز إذا لم يجد به السير، لا أثرًا عن النبي ﷺ ذلك، ولا مخبرًا عن نفسه» (١).
الجواب الرابع:
كون النبي ﷺ لم يصلِّ العصر مجموعة إلى الظهر في حديث أنس؛ يحتمل أن النبي ﷺ نوى أن ينزل في وقت العصر، فاختار أن يصلي كل صلاة في وقتها المختار، وهذا أفضل في حق المسافر ما لم يشق عليه ترك الجمع.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٩٢) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سالم،
عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير (٢).
ورواه مسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء (٣).
ونوقش:
مفهوم الشرط (إذا جد به السير) غير مراد، بدليل حديث أبي جحيفة وحديث معاذ في الجمع، وهو نازل، فيستفاد من منطوقه: استحباب جمع التأخير إذا جد به
стр. 9607
السير، ولا دلالة لمفهومه؛ لمعارضته منطوق الأحاديث الأخرى.
دليل من قال: التأخير أفضل إذا لم يكن التقديم أرفق:
(ح-٣٣٩٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت، صلى الظهر ثم ركب (١).
وجه الاستدلال:
فحديث أنس ظاهر في تفضيل جمع التأخير؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دخل عليه الوقت، وهو نازل، صلى الظهر وحده، والعصر وحده، من غير فرق في وقت العصر، أيدخل عليه وهو سائر أم وهو نازل.
وعبر أنس ﵁ بالفعل (كان) الدال على الكثرة.
وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع الظهر مع العصر، فلم يكن جَمْعُ التقديم -وإن كان جائزًا- بمنزلة جمع التأخير.
الراجح:
جواز الجمع تقديمًا وتأخيرًا، والأفضل فعل الأرفق بالمصلي، وما يعود على الصلاة بزيادة الخشوع، وتفرغ القلب للصلاة، فإن استويا ففي كل واحدة فضيلة:
ففي التقديم المسارعة بالخيرات، وبراءة الذمة.
وفي التأخير احتياط من جهة أن تأخير الصلاة عن وقتها أخف من تقديم الصلاة على وقتها، فتقديم الصلاة على وقتها في غير صورة الجمع لا يصح ولا يجوز بالإجماع، وتأخير الصلاة عن وقتها في غير صورة الجمع منه الجائز الصحيح، كما في قضاء الصلاة لعذر، ومنه الصحيح غير الجائز كما في قضاء الصلاة بلا عذر على الصحيح، والله أعلم.
стр. 9608
المبحث السادس في جمع المسافر إذا كان نازلًا
المدخل إلى المسألة:
لم يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المسافر عن الجمع إلا أن يجد به السير.
ما أبيح لعلة السفر، فهو على الإباحة ما دام هذا الوصف قائمًا من غير فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا.
كان من هدي النبي ﷺ إذا امتدت إقامته نازلًا أكثر من يوم وليلة ترك الجمع.
دلَّ حديث أنس وابن عمر على تفضيل الجمع إذا جد به السير، ودلَّ حديث أبي جحيفة، ومعاذ على جواز الجمع للمسافر إذا كان نازلًا، ولا تنافي بينهما.
الجمع تارة يكون مستحبًا كما لو كان في تركه مشقة، كالجمع في عرفة ومزدلفة، ومنه الجمع إذا جدَّ به السير. وتارة يكون مباحًا إذا جمع، وهو نازل، من غير حاجة.
حكم الجمع في السفر حكم الفطر فيه، يسن مع المشقة، ويباح بدونها، ولا تعارض بينهما.
[م-١٠٩١] لم يختلف القائلون بجواز الجمع للمسافر، وهم الجمهور خلا الحنفية، أنه إذا جد به السير فله أن يجمع.
قال ابن يونس في الجامع: «وأما في جد السير فمجتمع عليه» (١)، يعني: الجمع.
وأما إذا نزل المسافر، سواء أكان نزوله عارضًا للراحة في أثناء سيره، أم كان نزوله لوصوله إلى مدينة يقصدها في سفره، ويقيم فيها مدة ولم يجمع على الإقامة فيها إقامة مطلقة، فهل يباح له الجمع، وهو نازل؟
стр. 9609
اختلف الفقهاء في ذلك:
فقيل: يباح له الجمع، والأفضل تركه إذا لم يكن في تركه مشقة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ونص ابن رشد أن هذا هو المشهور، والمذهب عند الشافعية، والحنابلة (١).
قال خليل في التوضيح: «ونقل في البيان عن ابن حبيب إجازة الجمع وإن لم يجدَّ به السير. وذكر في المقدمات: أن المشهور إجازة الجمع مطلقًا» (٢).
وقيل: لا يباح له الجمع إلا إذا جد به السير، ويخاف فوات أمر، فيجمع، وهذا نص مالك في المدونة، ورواية عن أحمد، اختارها القاضي أبو يعلى (٣).
قال خليل: «وهو مذهب المدونة؛ لقوله فيها: ولا يجمع المسافر إلا أن يَجِدَّ به السير، ويخاف فوات أمر فيجمع» (٤).
وقيل: يشترط جد السير للرجال دون النساء، قاله بعض شيوخ المالكية (٥).
стр. 9610
دليل الجمهور على جواز الجمع للمسافر وهو نازل:
استدل الجمهور بثلاثة أحاديث في المسألة:
الحديث الأول: حديث جابر بن عبد الله ﵄، في جمع النبي ﷺ في عرفة، والحديث في صحيح مسلم (١).
فالنبي ﷺ وأكثر أصحابه كانوا مسافرين، وقد جمعوا في عرفة الظهر والعصر جمع تقديم، مع علمهم أن نزولهم في عرفة سيمتد إلى غروب الشمس، لهذا يعد هذا الجمع من جمع النازل، وليس من جمع السائر.
الحديث الثاني: حديث أبي جحيفة في الصحيحين في جمعه بالأبطح.
(ح-٣٣٩٤) فقد روى البخاري حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، حدثنا الحكم، قال:
سمعت أبا جحيفة، يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيتمسحون به، فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، والعصر ركعتين وبين يديه عنزة (٢).
الحديث الثالث: حديث معاذ في جمعه في أثناء استراحته في طريقه إلى تبوك.
(ح-٣٣٩٥) فقد روى مسلم من طريق مالك، عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره،
أن معاذ بن جبل أخبره قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله ﷺ هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم! فسبهما
стр. 9611
النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول .... (١).
فقوله: (أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا).
وأضح أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا نازلين؛ لأنهم أدركوا الظهرين والعشاءين في مكان واحد؛ ولأن الدخول والخروج لا يكون إلا من موضع له مدخل ومخرج، والمسافر في الصحراء لا يتصور دخوله وخروجه إلا إذا كانت قد ضربت له خيمة؛ خاصة أن غزوة تبوك كانت في فصل الصيف.
يقول شيخ الإسلام تقي الدين: «ظاهره أنه كان نازلًا في خيمة في السفر» (٢).
وواضح من رواية الإمام مالك في صحيح مسلم، وفي الموطأ قد بينت أن إقامة النبي ﷺ كانت للراحة قرب تبوك وقبل بلوغه إياها؛ لقوله: (إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار)، فواضح أن الإقامة كانت عارضة، وبالقرب من تبوك وقبل الوصول إليها.
فهذه الأحاديث الثلاثة والتي جمع فيها النبي ﷺ في سفره، وهو نازل كانت مدة إقامته قصيرة، أقل من يوم وليلة، ففي جمعه في عرفة كان المقام نصف النهار، ثم دفع إلى مزدلفة، وفي مزدلفة كان المقام ليلة واحدة، ثم دفع قبل طلوع الشمس، وفي الجمع في الأبطح كان يستعد لطواف الوداع، ثم الرحيل، وفي طريقه إلى تبوك كان الجمع بهدف راحة الجيش، والدواب؛ لأن الطريق طويل، والرواحل لا تتحمل مواصلة السير في الطريق الطويل مع شدة الحر، وحاجتها إلى الرعي، فكأن النبي ﷺ أعطى حكم الإقامة القصيرة حكم الجمع وهو سائر.
وأما إذا امتدت مدة إقامة النبي ﷺ يومًا وليلة فأكثر، فكان من هديه ترك الجمع؛ ولذلك لم ينقل عنه الجمع مدة إقامته في مكة عام الفتح، ولم ينقل عنه الجمع مدة إقامته في مكة قبل يوم التروية، ولا مدة إقامته في منى أيام التشريق؛ لأن مدة إقامته
стр. 9612
تمتد أكثر من يوم، فكان الأفضل ترك الجمع، ولو جمع لكان مباحًا، لأن ما أبيح لعلة السفر، فهو مباح ما دام متلبسًا بهذا الوصف؛ كالقصر والفطر، والله أعلم.
دليل من قال: لا يجمع إلا إذا جد به السير
الدليل الأول:
(ح-٣٣٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت، صلى الظهر ثم ركب (١).
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا إذا دخل عليه وقت الظهر، وقد جدَّ به السير، فإن دخل عليه الظهر، وهو نازل، صلى الظهر في وقتها، ولم يجمع معها العصر، ثم ركب.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٩٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سالم،
عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير (٢).
ولفظ: (كان) يدل على الكثرة.
وفي رواية لمسلم: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء (٣).
ونوقش هذا:
لم يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المسافر عن الجمع إلا أن يجد به السير، فالجمع في السفر علته السفر، فما دام هذا الوصف قائمًا فالجمع مباح، من غير فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا، حتى يرتفع وصف السفر عنه، والبحث عن الأفضل هذه مسألة أخرى،
стр. 9613
فحديث أنس وابن عمر فيهما دلالة على تفضيل الجمع إذا جد به السير، ودل حديث أبي جحيفة، ومعاذ على جواز الجمع للمسافر إذا كان نازلًا، ولا تنافي بينهما.
والجمع تارة يكون مستحبًا كما لو كان في تركه مشقة، كالجمع في عرفة ومزدلفة، والجمع إذا جدَّ به السير. وهو أكثر جمع النبي ﷺ .
وأحيانًا يكون الجمع مباحًا كما لو جمع، وهو نازل من غير حاجة، فهذه رخصة، كالفطر يسن إن كان في الصيام مشقة، ويباح بدونها، ولا تعارض بين الحكمين، والله أعلم.
دليل من قال: يشترط جد السير للرجال دون النساء:
لعل السبب هو التخفيف على النساء؛ لأن مؤونة نزولها للصلاة يتطلب منها جهدًا وكلفة أكثر من الرجال، ولحاجتها إلى التستر، والله أعلم.
وهذا من مفردات المالكية، وهو استحسان، لا أعلم له دليلًا من النصوص، ولعل الذي نظر فيه، رأى أن الجمع شرع لدفع المشقة، والمشقة في ترك الجمع على المرأة أشق منها على الرجل، والله أعلم.
وهو استحسان ضعيف؛ لأن التخصيص يحتاج إلى توقيف، والأصل أن الأحكام عامة للرجال والنساء.
الراجح:
قول الجمهور، جواز الجمع مطلقًا، نازلًا وسائرًا، وقد سبق بحث صفة الجمع للمسافر تقديمًا وتأخيرًا، وتعرضت من خلال البحث مناقشة بعض أدلة هذه المسألة بشكل أوسع، فارجع إليها إن شئت. والله أعلم.
стр. 9614
المبحث السابع في ترخص المسافر إذا سافر بعد دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
الفعل إن ذُمَّ على تركه مطلقًا فهو الواجب المضَيَّق، وإن لم يُذَمَّ على تركه مطلقًا، فهو المندوب، وإن ذُمَّ على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولم يُذَمَّ على تركه إلى بعض أجزاء الوقت فهو الواجب الموَسَّع، والصلاة من الواجب الموَسَّع.
من فعل الصلاة في أول الوقت أو في وسطه، أو في آخر وقت الاختيار، فقد أدى ما فرض الله عليه بالإجماع.
المكلف مخير بين فعل الصلاة أول الوقت وبين تأخيرها إلى آخر الوقت، والتأخير إذا كان بإذن الشارع لا يسمى تركًا.
لو كان وجوب الصلاة يتعلق بأول الوقت لما وجبت الصلاة على الحائض والكافر والصبي إذا ارتفع عنهم المانع في وسط الوقت أو في آخره، فلما وجبت الصلاة عليهم عُلِم أن أول الوقت كآخره في سبب الوجوب
كل جزء من الوقت الموسع يعتبر سببًا تامًّا لوجوب الصلاة.
كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل.
لا يتعين الواجب الموسع إلا بتعيين المكلف أو أن يبقى من الوقت مقدار الفعل، وقيل: أو يبقى مقدار ركعة تامة بسجدتيها، والأول أصح.
إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، فأراد أن يصلي فله الجمع والقصر؛ لأن العبرة بالصلاة المؤداة وقت الأداء؛ لأنه لم يتعين أول الوقت وقتًا لأداء الصلاة.
العبرة بالصلاة المقضية وقت الوجوب، فإذا وجبت عليه صلاة حضر، فتذكرها في سفر صلاها أربعًا، أو وجبت عليه صلاة سفر، فتذكرها في حضر صلاها ركعتين.
[م-١٠٩٢] إذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام قبل أن يصلي
стр. 9615
فالعلماء متفقون على أن الإقامة تقطع حكم السفر، فليس له أن يجمع ولا يقصر (١).
واختلفوا في الرجل يدخل عليه الوقت، وهو مقيم، ثم يسافر في أثناء الوقت، فهل له أن يترخص برخص السفر، كالقصر عند الحنفية، أو القصر والجمع عند الجمهور؟
الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الاختلاف: متى تجب الصلاة على المكلف؟
فمن قال: تجب الصلاة في آخر الوقت، وهو قول أكثر العراقيين من الحنفية (٢).
أو قال: الوجوب يتعلق بزمن يسع فعل العبادة إلا أنه غير معين، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء، أو بأن يضيق الوقت. وهو ما عليه جمهور الحنفية، ورجحه ابن رشد من المالكية، وقال الباجي: «هذا هو الذي يجري على أصول المالكية، ورجحه ابن العربي» (٣).
أو قال: الوجوب يتعلق بجميع الوقت، وعليه جمهور المالكية (٤)، فهؤلاء لا يمنعون من الترخص برخص السفر، فإذا سافر بعد دخول الوقت فله أن يقصر الصلاة عند الحنفية، وله أن يقصر ويجمع عند المالكية، وهو رواية عن أحمد، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٥).
قال في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «ولو سافر في آخر الوقت يقصر عندنا وإن لم يبق من الوقت إلا مقدار التحريمة» (٦).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم متمكن
стр. 9616
من فعلها فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر وقد بقي من وقتها ما يمكنه أداؤها فيه فله أن يقصر. خلافاً لمن حكي عنه من أصحاب الشافعي أنه ليس له قصرها» (١).
وقال ابن قدامة: «وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فقال ابن عقيل: فيه روايتان؛ إحداهما: له قصرها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها.
والثانية: ليس له قصرها؛ لأنها وجبت عليه في الحضر، فلزمه إتمامها، كما لو سافر بعد خروج وقتها، أو بعد إحرامه بها، وفارق ما قبل الوقت؛ لأن الصلاة لم تجب عليه» (٢).
ومن قال: تجب الصلاة بأول الوقت، كالشافعية، والحنابلة، فاختلفوا:
فقال الشافعية: له الجمع والقصر، وخالفوا أصلهم (٣).
وجه التفريق:
فرق الشافعية بين وجوب الصلاة، فهذا يتعلق بأول الوقت، فإذا دخل ومضى منه ما يسع فعل الصلاة، وجبت عليه الصلاة، فلو حاضت المرأة بعد ذلك وجب عليها القضاء، وبين صفة الصلاة، فإن ذلك يتعلق بحال الأداء، لا بحال الوجوب، فإذا سافر في أثناء الوقت، فإن له أن يجمع ويقصر.
وقال الحنابلة: ليس له الترخص، فطردوا أصلهم، قال في الإنصاف: «وهو من المفردات»، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره المزني (٤).
стр. 9617
لأن الصلاة وجبت في ذمته وقت الحضر، فوجب أن يصليها أربعًا.
ورد عليهم:
بأن هذا ينتقض بمن دخل عليه الوقت في السفر، ثم دخل بلده، فإنكم توجبون عليه الإتمام، مع أنه حين وجبت عليه كان مسافرًا.
والراجح:
هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى، وهي: متى يتعين وجوب الصلاة على المكلف، والخلاف في هذه المسألة يتفرع منها مسائل كثيرها، منها:
مسألة البحث، إذا دخل عليه الوقت، ثم سافر، هل له أن يجمع ويقصر أم لا؟
ومنها: هل يمسح مسح مقيم أو مسح مسافر؟
ومنها: إذا دخل الوقت، فطرأ عليه مانع من الصلاة كالحيض، هل يجب على المرأة القضاء إذا طهرت أم لا؟
إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الأصل.
وقد بحثت مسألة: (متى يتعين الوقت وجوبًا لأداء الصلاة) في المجلد الثاني من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن إعادة أدلتها.
والراجح:
أن المسافر إذا سافر أثناء الوقت فله الجمع والقصر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١] ة
فهذا الخطاب عام، ولم يخص الضرب في أول الوقت ولا في آخره.
стр. 9618
الفصل الثالث الجمع بسبب المطر
المدخل إلى المسألة:
لا يصح حديث مرفوع في الجمع للمطر.
الوارد في الباب حديث ابن عباس (جمع النبي ﷺ في المدينة من غير خوف ولا سفر) وليس نصًّا في المطر، وأثر ابن عمر (كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم).
حديث ابن عباس عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت، وعارضه الإمام مالك بما عليه عمل أكثر أهل المدينة، فلم يذهبا إلى جواز الجمع في المطر بين الظهرين، ولم يلتزم الشافعي دلالته على جواز الجمع للمرض والوحل، ولا جواز جمع التأخير، فكان موقف الأئمة الأربعة يصدق قول الترمذي التالي.
قال الترمذي: حديث ابن عباس لم يأخذ به أهل العلم إشارة إلى ترك العمل به.
لا يصح نسبة القول بجواز الجمع بلا سبب لابن سيرين وربيعة وأشهب وأبي إسحاق المروزي، كما لم تصح نسبة القول عنهم بجواز الجمع للحاجة.
احتج الإمام أحمد في جمع المرض بقول عطاء، ولو كان يحتج بحديث ابن عباس أو في فعله لما احتج بفعل تابعي، وقاس جمع المرض على مشقة السفر، وليس على تعليل ابن عباس، والقياس لا يجري إلا فيما لا نص فيه.
احتج الإمام أحمد والإمام مالك في الجمع بين العشاءين بفعل ابن عمر، والاحتجاج بالأثر وترك السنة المرفوعة دليل على أن لهما موقفًا من الحديث المرفوع.
صح الجمع الصوري عن ثلاثة من الصحابة منهم ابن عباس راوي الحديث، ولم يصح في الجمع الصوري حديث واحد مرفوع.
أحاديث الجمع ومنها حديث ابن عباس سنة فعلية، والفعل لا صيغة له فلا عموم له.
стр. 9619
قول ابن عباس: (أراد أن لا يحرج أمته)، نفي الحرج عن الفعل يعني نفي الإثم، ولا يلزم من نفي الإثم التعليل، فالشريعة كلها قد نفي عنها الحرج بنص الكتاب، والجمع فرد من أفراد العام، وشرع الله التيمم لنفي الحرج، ولا يقصد به التعليل.
تلاميذ ابن عباس لم يسألوه عن سبب الجمع، وإنما سألوه ما ذا قصد النبي ﷺ بفعله هذا، ولا يعلم سبب لهذا إلا أنهم فهموا من نفي الخوف والسفر نفي سبب الجمع، والشيء نفسه الذي جعل ابن عباس في كل طرق الحديث لا يذكر سبب الجمع.
لو كان الجمع له سبب عند ابن عباس، أيتجاهل ابن عباس ذكره في كل طرق الحديث، ويقدم فهمه لفعل النبي ﷺ على ذكر سبب الجمع.
لو كان الجمع له سبب عند ابن عباس لكان نقله للأمة هو الأهم، ولكان السؤال عنه أهم من سؤال ابن عباس ما ذا أراد النبي ﷺ بهذا الفعل.
ما الفائدة من نفي الخوف والسفر؟ ألم يكن أبلغ وأقصر أن يذكر سبب الجمع صريحًا، ويلزم من ذكره نفي غيره من الأسباب، بدلًا من نفي بعض أسباب الجمع، والسكوت عن سبب الجمع وهو الأهم، أين فصاحة ابن عباس؟.
كان أبو الشعثاء الراوي عن ابن عباس يجمع بلا سبب، وهذا يؤكد أنه فهم من نفي الخوف والسفر نفي سبب الجمع.
مما يؤكد أن ابن عباس يرى جواز الجمع بلا سبب جمعه لإكمال الخطبة، ولا يعلم أن أحدًا من الصحابة، ولا من الأئمة الأربعة ذكر أن إكمال الخطبة من أسباب الجمع.
إطباق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس يدل على أنها موعظة عامة، وليست أمرًا يجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس تقديم الخطبة على الصلاة.
خطب النبي ﷺ أمته من صلاة الغداة إلى غروب الشمس كما في صحيح مسلم، ولم يجمع مع أن المشقة أكبر، والخطبة أهم؛ لتعلقها بالغيبيات.
لو كان وجود الحرج من أسباب الجمع لكان مقتضاه الجمع بين الظهرين،
стр. 9620
ولم يقل به إلا الإمام الشافعي.
لو كان وجود الحرج من أسباب الجمع لشرع الجمع لشدة الحر، والمشروع معه الإبراد، وهو صورة من صور الجمع الصوري فما صلوا الظهر حتى رأى الصحابة فيء التلول وفي رواية حتى ساوى الظل التلول قرب العصر.
لو كان وجود الحرج من أسباب الجمع لشرع الجمع في حال المسايفة، فإن الناس أمروا بالصلاة حال القتال رجالًا وركبانًا، ولم يؤمروا بالجمع.
ينازع ابن عباس في فهمه في قوله: (أراد ألا يحرج أمته)، سواء أراد به جواز الجمع بلا سبب، أو أراد به توسيع أسباب الجمع، وكان صبيًّا حين صلى خلف النبي ﷺ .
فهم ابن عباس معارض بفهم ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وليس فهم أحدهم بأولى من فهم الآخر.
يرى الأئمة الأربعة أن أسباب الجمع معدودة، لا يجوز الجمع لغير ما ذكروا، فالحنابلة وهم أوسع الناس بالجمع، قال في الإنصاف: لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم، وقال مثله ابن قدامة.
أيعقل أن تكون الحاجة من أسباب الجمع، ثم لا يعرف من جهة العمل في عصر التشريع، ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين إلا ما فهمه ابن عباس.
لم يمر بالنبي ﷺ ولا صحابته حدث مثل حفر الخندق وقد تحزب عليهم العرب من أقطارها حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع فيه الجوع والخوف والشغل، ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة، فأي شغل بعد هذا يكون مبررًا للجمع.
الأنصار أهل حرث ونخل، يعملون في مزارعهم، ويأتيهم مواسم الحصاد والجذاذ كل عام مرة أو مرتين، ولم ينقل عنهم الجمع.
أينقل الصحابة جمع النبي ﷺ في أسفاره، والسفر عارض ويتكرر النقل في بيان صفة الجمع، ومكانه، وهل كان من جمع التقديم أو التأخير، وهل كان نازلًا أو جَدَّ به السير، فإذا جاءت الإقامة، وهي الأصل في حياة النبي ﷺ وأصحابه وقد امتدت عشر سنوات، ويتكرر فيها أسباب الجمع من مطر، وبرَد، ورياح،
стр. 9621
ووحل، وقرٍّ وحرٍّ ومرض، ثم لا يوجد فيها نقل واحد مرفوع أن النبي ﷺ جمع لذلك إلا في حديث ابن عباس المشكل والذي شرق فيه الأئمة وغربوا.
نزل المطر في عهد النبي ﷺ حتى تهدمت البيوت، وهلكت المواشي، وانقطعت السبل، لو كانت هناك رخصة لجمع النبي ﷺ ، قالت عائشة: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. رواه البخاري.
تخريج الجمع في الحضر على الجمع في السفر لا يصح؛ لأن الجمع والفطر في السفر جائز، ولو لم يكن هناك مشقة، ولا يسوغ الجمع والفطر في الحضر إلا مع تحقق المشقة، فافترقا، ولو قيس الحضر على السفر لكان المريض أحق برخصة القصر.
لا يصح تخريج الجمع في الحضر على الجمع في عرفة ومزدلفة؛ لأن الجمع فيهما من السنن، ويكره تركه، والحاجة عامة، والجمع في الحضر رخصة وليس بسنة عند المالكية، وتركه أفضل عند الشافعية والحنابلة.
مكث النبي ﷺ في المدينة عشر سنوات، وكان المطر ينزل، فإما أن النبي كان يجمع وقصَّر الصحابة في النقل -وحاشاهم عن ذلك- وإما أن يكون النبي ﷺ قد تعمد ترك الجمع مع وجود المقتضي، فيكون الترك سنة كالفعل.
إذا لم ينقل الجمع عن النبي ﷺ في المطر مع تكرار نزوله لم نكن بحاجة إلى الاستدلال على أن جمعه من غير خوف ولا سفر إيماء بجواز جمعه للمطر.
كل ما وجد سببه في عصر الوحي، وأمكن فعله ولم يفعل فالسنة تركه.
الترك من النبي ﷺ مع إمكان الفعل سنة فعليه، فإدخال المطر بالقياس معارض لفعل النبي ﷺ ، واستدراك عليه.
السنة المتفق عليها في المطر الأمر بالصلاة في الرحال، لا يختلف عليه الأئمة الأربعة في الصلوات الخمس، وفعلها ابن عباس في الجمعة، وأخبر أن النبي ﷺ فعلها.
الجمع في المطر فعله أمراء بني أمية، وصلى خلفهم ابن عمر، ولم ينكر عليهم، وتأسَّى به بعض فقهاء المدينة.
أين الجمع في المطر في عصر التشريع، بل أين الجمع في المطر في عصر
стр. 9622
الخلفاء الراشدين، بل أين الجمع في المطر عن غير ابن عمر، بل أين الجمع عن ابن عمر إذا لم يصلِّ خلف الأمراء. (أسئلة مشروعة).
ما ورد عن ابن عمر في صلاته خلف الأمراء حكاية فعل، والفعل لا عموم له، ولا يحفظ أثر قولي عن ابن عمر باستحباب الجمع.
إذا كان ابن عمر لم يحفظ عنه الجمع في السفر إلا مرة واحدة حين استصرخ على زوجه، وخشي أن تفوته، فإذا كان هذا اختيار ابن عمر في السفر، وسنة الجمع فيه محفوظة، فما ظنك باختيار ابن عمر في الجمع في الحضر للمطر، والذي لم يحفظ فيه حديث واحد مرفوع.
قول نافع: (كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة … ) ظاهره أن نافعًا كان يصلي مع ابن عمر خلفهم؛ لأنه كان يحكي عن أمرائه، لا أمراء غيره.
جَمْعُ ابن عمر كان في آخر حياته، ولو كان يصلي معه أحد من الصحابة ممن يحتج بقولهم لنقل ذلك؛ فكون الراوي يستشهد بفعل ابن المسيب وعروة وأبي بكر بن الحارث، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، فلو كان يجد صحابيًّا غير ابن عمر لما احتاج إلى الاستشهاد بفعل بعض التابعين.
كان القاسم بن محمد يصلي في بيته، ويصلي خلف الأمراء، لتأخيرهم الصلاة، فلما قيل له في ذلك قال: أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئًا، وقد أدرك القاسم الأمراء الذين كان يجمع خلفهم ابن عمر.
ثلاثة من الفقهاء السبعة لم أقف على نقل عنهم أنهم كانوا يجمعون في المطر، سليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، زد عليهم الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحمل الماجشون حديث ابن عباس على الجمع الصوري.
أمراء المدينة ممن كان يعتد برأيهم ونقل عنهم الجمع أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ومروان بن الحكم، ولم يدرك ابن عمر إلا إمارة مروان.
غالب هؤلاء الأمراء ليسوا ممن تؤخذ عنهم الفتوى، ولذلك جاء تنكيرهم في الروايات بقول الراوي (خلف الأمراء) ولم يسمَّ من هؤلاء الأمراء ممن صلى خلفهم
стр. 9623
عبد الله بن عمر، إلا مروان بن الحكم، تولى الإمارة في خلافة معاوية ﵁.
كانت سيرة عمر بن عبد العزيز في إمارته على المدينة على عادة حكام بني أمية من تأخير الصلاة، حتى كان أنس يصلي في بيته لتأخير عمر بن عبد العزيز الصلاة عن وقتها الذي كان يصلي فيه أنس مع النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين.
من وفاة معاوية إلى وفاة ابن عمر حوالي ثلاثة عشر عامًا تقلد إمارة المدينة فيها أربعة عشر أميرًا، وكان ابن عمر حريصًا أن ينأى بنفسه عن الخلافات بين أمراء المدينة من قبل ابن الزبير وأمراء المدينة من قبل بني أمية.
لا يعرف الجمع في المطر في بلاد المسلمين زمن التابعين عدا المدينة، شهد بذلك الليث بن سعد والأوزاعي، وهذا من نقل الأخبار وليس من قبيل الاجتهاد الذي يدخله الخطأ، وقد صدَّق ذلك البحث في مصنفات الآثار.
الجمع في المطر من أهل المدينة لا يعد من الاحتجاج بما يسمى بإجماع أهل المدينة.
من شرط العمل بإجماع أهل المدينة عند من يحتج به أن يكون العمل متصلًا، وطريقه النقل كالأذان والصاع، والشرطان غير متحققين.
لا يعرف الجمع في المدينة إلا من أمراء بني أمية، وصلى خلفهم ابن عمر، وكون المطر من أسباب الجمع يدخله الاجتهاد؛ لعدم النص؛ ولقياس بعض أهل العلم الجمع فيه على الجمع في السفر وفي عرفة ومزدلفة؛ بجامع المشقة.
كل طالب علم يحب التيسير، ولكن ليس الضابط فيه ما تشتهيه العقول، بل ما يقتضيه الكتاب وسنة الرسول ﷺ ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
[م-١٠٩٣] لا تتنزل هذه المسألة على مذهب الحنفية، لأنهم لا يرون الجمع في حضر، ولا سفر، إلا في عرفة ومزدلفة.
واختلف السلف القائلون بمشروعية الجمع في الجملة، في حكم الجمع في الحضر بسبب المطر والبرَد والثلج:
فقيل: لا يجوز الجمع للمطر في الحضر مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال به من المالكية ابن القاسم، ومن الشافعية المزني وتقي الدين السبكي، وحكى
стр. 9624
الإمام الترمذي أن العمل عليه عند أهل العلم، وهو رواية عن الحسن البصري، وبه قال الإمام الأوزاعي من الشام، والليث بن سعد من مصر، واختاره داود وأكثر أصحابه، وابن حزم، ورجحه الشوكاني، وقال به المغربي والصنعاني، ولا يؤثر الجمع في بلد من بلاد المسلمين زمن التابعين إلا عن أهل المدينة (١).
وقيل: يجوز الجمع للمطر مطلقًا، وبه قال الإمام الشافعي، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، وبه قال القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب وابن تيمية من الحنابلة (٢).
стр. 9625
وقيل: يجوز الجمع بين العشاءين فقط، صح عن ابن عمر أنه كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم، وكان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يجمعان إبان إمارتهما على المدينة في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء، فيجمع بجمعهما سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ولا ينكرون ذلك (١).
وذكرهم أيضًا ابن المنذر، وزاد عليهم: أبا سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم (٢).
وأخذه الإمام مالك والإمام أحمد عن ابن عمر (٣).
стр. 9626
فتبين من الخلاف: أن الجمع للمطر بين العشاءين جائز عند الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية.
وأن الجمع بين الظهر والعصر غير جائز عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعية.
стр. 9627
وعده ابن كثير من مفردات الإمام الشافعي (١).
هذا ما وقفت عليه من أقوال في المسألة، وإليك أدلة كل قول.
دليل من قال: يجمع بين الظهرين والعشاءين للمطر:
الدليل الأول:
(ح-٣٣٩٨) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر.
في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته.
وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (٢).
(ح-٣٣٩٩) ورواه مسلم من طريق حماد، عن الزبير بن الْخِرِّيتِ،
عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته (٣).