← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

فتبين من الخلاف: أن الجمع للمطر بين العشاءين جائز عند الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية. وأن الجمع بين الظهر والعصر غير جائز عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعية.

стр. 9627

وعده ابن كثير من مفردات الإمام الشافعي (١). هذا ما وقفت عليه من أقوال في المسألة، وإليك أدلة كل قول. دليل من قال: يجمع بين الظهرين والعشاءين للمطر: الدليل الأول: (ح-٣٣٩٨) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته. وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (٢). (ح-٣٣٩٩) ورواه مسلم من طريق حماد، عن الزبير بن الْخِرِّيتِ، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته (٣).

стр. 9628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9641

وجه الاستدلال من الحديث على جواز الجمع للمطر من أكثر من وجه: الوجه الأول: قول ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والمطر، فلولا أن الخوف والمطر من أسباب الجمع ما صح نفيهما. الوجه الثاني: إنْ لم يثبت الجمع للمطر، فابن عباس جعل جمع النبي ﷺ في المدينة معللًا بعلة، (كي لا يحرج أمته)، وتعليل الحكم يستفاد منه ثلاثة فوائد: أحدها: أن الجمع معقول المعنى. الفائدة الثانية: أن تعليل الحكم بنفي الحرج يستفاد منه تعديته إلى غيره متى ما وجدت العلة في الفرع. الفائدة الثالثة: أن أسباب الجمع ليست معدودة، بل محدودة، فكل حرج يلحق المصلي إذا ترك معه الجمع فإنه يباح له الجمع نفيًا للحرج. ومقتضى هذه الفوائد الثلاث: جواز الجمع للمطر؛ لأن الحرج اللاحق للناس بالخروج مع المطر إذا بلل الثياب في البرد أشد من الحرج اللاحق لهم من قطع

стр. 9642

الخطبة والعودة إليها بعد الصلاة، فإذا جاز الجمع لمصلحة إكمال الخطبة، لأن المتكلم قد يصيبه حرج في ربط كلامه السابق بكلامه اللاحق، فالمطر أذى بنص القرآن، وقد جعل قسيمًا للمرض. قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ و فِي [النساء: ١٠٢]. الوجه الثالث: دلالة حديث ابن عباس على جواز الجمع للمطر من باب أولى. فحديث ابن عباس صريح أن الجمع كان في الحضر، والحديث في الصحيحين. والجدل إنما هو في سبب الجمع. فمنهم من حمل حديث ابن عباس على جواز الجمع بلا سبب. وهؤلاء اختلفوا في الموقف من حديث ابن عباس. فمنهم من ترك العمل به، وإن كان صحيحًا؛ لمعارض أقوى منه. قال ابن رجب: «عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت» (١). ومنهم من جوز الجمع بلا سبب، بشرط ألا يتخذ عادة، وهؤلاء نفر قليل خلاف ما عليه الأئمة الأربعة، وسيأتي بحث الجمع بلا سبب. ومنهم من قال: سبب الجمع حرج ما دفعهم للجمع، إلا أن ابن عباس لم يسمِّ الحرج الذي وقع للنبي ﷺ وأصحابه حتى جمعوا في الحضر. وفي الحالين: إن كان الجمع بلا سبب، فالجمع للمطر جائز من باب أولى. وإن كان الجمع بسبب حرج (ما)، فالمشقة التي تلحق المصلي بسبب المطر يدل على جواز الجمع. يقول ابن تيمية: «وبهذا استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى من الجمع لغيرها» (٢).

стр. 9643

ويقول أيضًا: «فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه أنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر» (١). مناقشة دلالة حديث ابن عباس على جواز الجمع للمطر: وسوف أناقش حديث ابن عباس ودلالته على استحباب الجمع في المطر من خمسة وجوه: الأول: موقف العلماء من حديث ابن عباس. الثاني: المحفوظ من لفظ حديث ابن عباس، أقال (من غير خوف، ولا مطر) أم قال: (من غير خوف ولا سفر)؟. الثالث: دلالة حديث ابن عباس على جواز الجمع للمطر بالأولوية. الرابع: دلالة التعليل من فهم ابن عباس بقوله: (أراد ألا يحرج أمته) على التوسع في أسباب الجمع. الخامس: تعامل الأئمة الأربعة في أسباب الجمع، أهي معدودة بأسباب معينة، أم غير معدودة، بل محدودة بوصف، فتكون غير محصورة، بل الضابط وجود المشقة؛ لأي سبب ما، فمتى كان في ترك الجمع مشقة ظاهرة عامة أو خاصة جاز الجمع. أسأل الله وحده العون والتوفيق. الوجه الأول: موقف العلماء من حديث ابن عباس. حديث ابن عباس أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، واختلف العلماء في الموقف منه بين تارك للحديث، ومؤول له، وبين آخذ بظاهره من الجمع بلا عذر، وإليك أهم هذه المواقف. الموقف الأول: ترك العمل بحديث ابن عباس. لم يأخذ بحديث ابن عباس كثير من العلماء. قال الخطابي: «هذا حديث

стр. 9644

لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيد إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب» (١). وقال الترمذي: إن العلماء قد تركوا العمل به. قال أبو عيسى: «جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر ولا مطر. وحديث النبي ﷺ أنه قال: إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» (٢). وإطلاق الترمذي على ترك العمل بهذا الحديث محمول على السواد الأعظم من أهل العلم، وكثير من إجماعات ابن المنذر وابن عبد البر من هذا القبيل. وتارك العمل بالحديث فريقان: الفريق الأول: من العلماء من عارض حديث ابن عباس بما هو أقوى منه، وهذا ظاهر عمل الإمام أحمد والإمام مالك. جاء في مسائل أحمد رواية أبي الفضل: «قال صالح: قلت: حديث النبي ﷺ : أنه جمع بين الظهر والعصر في غير سفر ولا خوف؟ قال: يروى عن النبي ﷺ . قلت: قوله: صليت مع النبي ﷺ سبعًا جميعًا، وثمانيًا جميعًا، بالمدينة من غير خوف ولا مطر؟. قال: قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأما المريض فأرجو» (٣). فهذا النص من الإمام أحمد صريح بتقديم أحاديث المواقيت، وعدم تخصيصها بحديث ابن عباس، وهو صريح في ترك العمل بحديث ابن عباس.

стр. 9645

وسبق لنا قول ابن رجب: «عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت» (١). ولأن الإمام أحمد والإمام مالكًا لا يريان الجمع بين الظهرين في المطر. «قال: الأثرم: قيل لأبي عبد الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعت» (٢). فلو كان يأخذ بحديث ابن عباس لقال بالجمع بين الظهرين؛ لأنه سمع به؟ وقول الإمام أحمد والإمام مالك في الجمع في العشاءين لم يكن حجتهما في ذلك حديث ابن عباس؛ لأنه لا يجوز الأخذ ببعض الحديث وترك بعضه، وإنما حجتهما ما روى نافع، أن عبد الله بن عمر ﵁ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم (٣). وسوف نتعرض لهذا الدليل بعد الفراغ من حديث ابن عباس إن شاء الله تعالى. والإمام أحمد لا يأخذ بالآثار وهو يرى في الباب سنة مرفوعة. والسؤال: لماذا قدم الإمام أحمد أثرًا موقوفًا على ابن عمر على سنة مرفوعة نقلها ابن عباس؟. والسؤال المشروع: لماذا قدم الإمام أحاديث المواقيت على حديث ابن عباس، وكان يمكن تخصيصها بحديث ابن عباس؟ وروى مالك حديث ابن عباس في الجمع، بلفظ: (من غير خوف ولا سفر)، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، ومع تأوله بالمطر لم يأخذ بمقتضاه، فلم ير الجمع بين الظهرين، ولا جمع التأخير للمطر، وفعل ابن عباس في جمع التأخير، وعارضه بعمل أهل المدينة، فابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن الحارث

стр. 9646

وأبو سلمة بن عبد الرحمن كان إذا جمع الأمراء في الليلة المطيرة جمعوا معهم بلا نكير (١). وسوف يأتي تخريج هذه الآثار عن هؤلاء من التابعين إن شاء الله تعالى. وأَذِن أحمد للمريض أن يجمع، وحجته ليس حديث ابن عباس. لأن الجمع الذي نقله ابن عباس في المدينة لم يكن سببه المرض قطعًا؛ وإلا لكانت الرخصة تخص المرضى منهم، ولا تعمُّ. وقال أحمد كما في مسائله رواية أبي الفضل: «المريض يجمع بين الصلاتين، كان عطاء يرخص له أن يجمع» (٢). فلو كان الإمام أحمد يأخذ بمقتضى حديث ابن عباس هل يحتج بقول عطاء، وهو تابعي، ولا يحتج بسنة مرفوعة عن النبي ﷺ ؟ فيؤخذ من هذا أن حجة أحمد في الجمع للمريض وما في معناه، كالمستحاضة، والعاجز عن الطهارة لكل صلاة لم يكن اعتمادًا على حديث ابن عباس، وإلا لَمَا منع من الجمع بين الظهرين، ولما احتج للمريض بقول عطاء. وقسم المالكية المريض إلى قسمين: قسمٍ يخشى معه أن يغلب على عقله، فيخشى من المرض تضييع الصلاة، فهذا له أن يجمع بين الصلاتين جمعًا حقيقيًا، وهذا من باب الضرورات. وآخر يشق عليه الوضوء لكل صلاة، ويخشى زيادة الألم، فأباحوا له الجمع الصوري. قال الباجي: «وأما المريض فإنه على ضربين: أحدهما: أن يخاف أن يغلب على عقله إن أخر العصر إلى وقتها المختار، أو يخاف مانعًا من فعلها، أو حمى في وقتها. والثاني: أن يأمن ذلك، ولكنه يشق عليه تجديد الطهارة والقيام مرتين، ويخاف من ذلك زيادة ألم. فأما الأول: فقد روى ابن القاسم عن مالك في المدونة، فيمن خاف أن يغلب

стр. 9647

على عقله، أن له أن يجمع بين الظهر والعصر عند زوال الشمس، والمغرب والعشاء إذا غربت، ونحوه في العتبية فيمن خاف نافضًا عرف وقته ..... وجه ما قاله مالك: أن هذا احتياط للصلاة؛ لأن تأخيرها ربما أدى إلى تضييعها، وإذا جاز أن يقدم العصر مع الظهر إذا جد به السير فبأن يجوز ذلك إذا خاف على عقله أولى .... وأما من يشق عليه تجديد الوضوء والتحرك للصلاة وقتًا بعد وقت، فقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر» (١). فواضح أن المرجع في الجمع للمريض عند الإمام مالك ليس حديث ابن عباس، فابن عباس جمع لمجرد إكمال الخطبة. والشافعي وهو أوسع المذاهب في الجمع للمطر، لم يلتزم بدلالة حديث ابن عباس لدليلين: الدليل الأول: أن الشافعي اقتصر على عذر المطر في جمع الحضر، فلا يرى الجمع للمرض والوحل، ولو كان الشافعي يأخذ بتعليل ابن عباس لكان المرض والوحل أولى بالجمع من إكمال الخطبة. الدليل الثاني: أن الشافعي لا يقول بجمع التأخير في الجديد، مع أن جمع ابن عباس كان من جمع التأخير، فعارض حديث ابن عباس بأن استدامة المطر شرط، ولا تدخل تحت التكليف، فربما توقف قبل دخول وقت الثانية، وهذه من معارضة الحديث بالاجتهاد. فتبين أن الأئمة الأربعة يدخلون في عموم قول الترمذي: إن العلماء قد تركوا العمل بحديث ابن عباس، ولم يلتزم الشافعي دلالة كل ما يقتضيه. الفريق الثاني: من العلماء من فهم من قول الترمذي تركوا العمل به أن الحديث منسوخ. قال ابن رجب: «وقد اختلفت مسالك العلماء في حديث ابن عباس هذا، في الجمع من غير خوف ولا سفر، ولهم فيه مسالك متعددة:

стр. 9648

المسلك الأول: أنه منسوخ بالإجماع على خلافه، وقد حكى الترمذي في آخر كتابه: أنه لم يقل به أحد من العلماء. وهؤلاء لا يقولون: إن الإجماع ينسخ، كما يحكى عن بعضهم، وإنما يقولون: هو يدل على وجود نص ناسخ» (١). وقال الترمذي: «وقد بينا علة الحديثين جميعًا في هذا الكتاب». فعقب الحافظ ابن رجب على هذه العبارة في شرحه، بقوله: «فإنما بيِّن ما قد يستدل به للنسخ، لا أنه بيِّن ضعف إسنادهما» (٢). ووافق النووي الترمذي على ترك حديث قتل شارب الخمر، وقال: هو حديث منسوخ دلَّ الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال … ثم ذكرها (٣). ولا يلزم من ترك العمل بالحديث ضعفه، ولا نسخه، فلا تكفي صحة الحديث لوجوب العمل به حتى يكون سالمًا من معارضة ما هو أقوى منه، وهذا ما عمله الأئمة الأربعة مع حديث ابن عباس فمنهم من ترك كل الحديث كالإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنهم من لم يلتزم دلالة بعض ما يقتضيه الحديث كالإمام الشافعي، فلم يأخذ به في الحضر إلا بعذر المطر، وفي جمع التقديم خاصة. الموقف الثاني للعلماء: القول بجواز الجمع بلا سبب: ذهب جماعة من العلماء إلى أن ظاهر حديث ابن عباس يدل على جواز الجمع بلا سبب، منهم ابن سيرين، وربيعة الرأي، وأشهب وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، ولنأخذ هؤلاء واحدًا واحدًا للنظر في صحة نسبة هذا القول إليهم. أقدم من نسب له هذا القول هو الإمام ابن سيرين، بشرط ألا يتخذ عادة وهو من الطبقة الوسطى من التابعين (٤).

стр. 9649

والقول بأن ابن سيرين يرى جواز الجمع بلا سبب فيه نظر؛ لثلاثة أمور. الأمر الأول: أن هذا القول لم يثبت مسندًا عن ابن سيرين، والمتوفى (سنة: ١١٠ هـ)، ولم يذكره عنه أصحاب المصنفات كعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ولا الكتب التي تعنى بذكر الآثار مسندة كالطحاوي، والبيهقي، وابن جرير الطبري، وإنما أول من نسبه لابن سيرين بلا إسناد ابن المنذر في الأوسط (والمتوفى سنة: ٣١٩)، وبين وفاتيهما أكثر من مائتي سنة بحسب ما اطلعت عليه. ومن بعد ابن المنذر نسبه ابن بطال في شرح البخاري (والمتوفى سنة ٤٤٩)، ثم ابن عبد البر (المتوفى: سنة (٤٦٣)، وبين وفاتيهما ووفاة ابن سيرين قريب من (٣٥٠) سنة، ثم تتابع بعد ذلك النقلة عنهم، ونحن أمة إسناد، فما لم نقف على سنده لابن سيرين يبقى القول عنه معلقًا، وقابلًا للطعن في صحة نسبته لابن سيرين. الأمر الثاني: أن القول المسند عن ابن سيرين بسند صحيح يخالف ما نسبه له ابن المنذر بلا إسناد. (ث-٨٦١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن، ومحمد، قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع. [صحيح، وهشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين] (١). الأمر الثالث: أن القول المنسوب لابن سيرين ليس جواز الجمع بلا سبب، وإنما جواز الجمع، ولو لم يكن خوف أو مطر، أو مرض إذا دعت حاجة، فلما كان الجمع للحاجة لا يراه أكثر الفقهاء عذرًا للجمع عُدَّ ذلك من الجمع بلا سبب، هذا هو التفسير المعقول لاختلاف النقل.

стр. 9650

جاء في الأوسط لابن المنذر: «قال ابن سيرين: وروينا عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذ عادة» (١). قال ابن عبد البر: «كان ابن سيرين لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو عذر ما لم يتخذه عادة» (٢). وقال النووي: «وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين … » (٣). وهذا القول ثابت عنه مسندًا، وسيأتي النقل عن ذلك عند عرض قول جابر بن زيد أبي الشعثاء. فتبين أن نسبة القول بجواز الجمع بلا سبب لابن سيرين مخالف لما هو ثابت عنه بسند صحيح أنه لا يرى الجمع إلا في عرفة ومزدلفة. كما نسب القول بجواز الجمع بلا حاجة لجابر بن زيد. (ث-٨٦٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أزهر، عن ابن عون قال: ذكر لمحمد بن سيرين أن جابر بن زيد يجمع بين الصلاتين، فقال: لا أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر (٤). [سنده صحيح]. فقوله: (إلا من أمر) يعني: إلا من أمر حمله على الجمع. وكون ابن سيرين أطلق الأمر، ولم يحدده، فيحمل على حاجة دعته إلى الجمع. فواضح أن ابن سيرين أنكر على جابر بن زيد جمعه بلا سبب، وهو يضعف ما نسب لابن سيرين من جواز الجمع بلا سبب. كما نسب القول بعده لربيعة الرأي وهو من صغار التابعين، ممن رأى الواحد

стр. 9651

والاثنين من الصحابة، ولم يحصل له سماع منهم (١). جاء في شرح البخاري لابن بطال: «قال ابن سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين في الحضر إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة. وأجاز ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن» (٢). أول من وقفت عليه نسب هذا القول ابنُ بطال المتوفى سنة (٤٤٩ هـ) نسبه لربيعة بن أبي عبد الرحمن، والمتوفى سنة: (١٣٦ هـ)، وبين وفاتيهما أكثر من ثلاثمائة سنة، ولم نقف عليه مسندًا عنه، فهو قول معلق، والمعلق ضعيف. كما نسب القول به لأشهب من المالكية وهو من كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين. قال ابن رشد في المقدمات: «واختلفوا -يعني: مالكًا وأصحابه- في إباحة الجمع بينهما لغير عذر، فالمشهور أن ذلك لا يجوز. وقال أشهب: ذلك جائز على ظاهر حديث ابن عباس وغيره» (٣). وقال خليل في التوضيح: «حكى الباجي وصاحب المقدمات عن أشهب إجازة الجمع لغير سبب؛ لحديث ابن عباس: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر) .... والمذهب عدم جواز الجمع لغير سبب خلافًا لأشهب» (٤). والجمع الذي يقول به أشهب ليس من قبيل جمع الصلاتين في وقت إحداهما، فهو أشبه بالجمع الصوري (٥).

стр. 9652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9653

فتبين أن نسبة هذا القول لأشهب لا تصح أيضًا. ومن بعدهم قال بجواز الجمع بلا سبب ابن المنذر، وهذا تستطيع أن تجزم بنسبة القول إليه، ولكنه بناه على صحة نسبة القول به لمن سبقه، قد صرح بمذهبه في كتابه الأوسط، لكن ابن المنذر متأخر؛ لأنه متوفى في القرن الرابع سنة: ٣١٩ هـ (١). جاء في الأوسط لابن المنذر: «قالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك كما أُدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي بحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر لما سئل، لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» (٢).

стр. 9654

ونُسب القول بالجواز لأبي إسحاق المروزي، والمتوفى سنة: ٣٤٠ هـ قال الإمام الخطابي: سمعت أبا بكر القفال (ت: ٣٦٥)، يحكيه عن أبي إسحاق المروزي (١). وقول أبي إسحاق المروزي كقول ابن سيرين إنما هو في جواز الجمع في الحضر بلا خوف ولا مطر ولا مرض، إذا كان هناك حاجة. قال النووي: «وقد حكى الخطابي عن القفال الكبير الشاشي، عن أبي إسحاق المروزي جواز الجمع في الحضر للحاجة من غير اشتراط الخوف، والمطر، والمرض» (٢). وهناك فرق بين القول بالجمع بلا سبب، والقول بالجمع للحاجة، ولو لم يكن هناك خوف أو مطر أو مرض. فتبين أنه لا يصح القول بجواز الجمع بلا سبب إلا عن ثلاثة: جابر بن زيد، وأبي إسحاق المروزي، وابن المنذر، ولم يصح القول به عن أشهب بن عبد العزيز. وقال البغوي: «الحديث -يعني: حديث ابن عباس- يدل على جواز الجمع بلا عذر؛ لأنه جعل العلة ألا تحرج أمته. وقد قال به قليل من أهل الحديث» (٣). وقال الحافظ ابن رجب: «وحكي -يعني الجمع بلا عذر- عن أهل الحجاز

стр. 9655

جملة. وعده الأوزاعي مما يجتنب من أقوالهم، فروى الحاكم، عن الأصم، أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي، حدثنا أبو عبد الله بن بحر، قال: سمعت الأوزاعي يقول: يجتنب من قول أهل العراق: ..... وذكر أشياء، ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، والمتعة بالنساء، والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، وإتيان النساء في أدبارهن» (١). وإطلاق أن مذهب أهل الحجاز يرون الجمع بين الصلاتين بلا عذر، لا أدري ماذا قصد به الأوزاعي؟ فأهل مكة لم ينقل عنهم الجمع في المطر، وقد نقل عن عطاء الجمع للسفر والمرض ولم ينقل عنه قط الجمع للمطر. وهذا الإمام مالك من أهل الحجاز، وهو لا يرى الجمع في الحضر إلا في المطر، والمرض. ثم بدا لي أن مقصود الأوزاعي بأهل الحجاز أهل المدينة، فهم يرون الجمع للعشاءين في المطر، والمطر عند الأوزاعي ليس من أسباب الجمع، فنسب لهم القول بالجمع بلا عذر شرعي. قال الوليد بن مسلم: «سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغرب والعشاء في الليلة المطيرة. فقال: أهل المدينة يجمعون بينهما، ولم يزل من قبلنا يصلون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد وسعيد بن عبد العزيز، فقالا: مثل ذلك» (٢). وإذا خرج من هذا القول ابن سيرين وأبو إسحاق المروزي لأنهما لا يقولون بالجمع بلا سبب، وخرج منه أشهب؛ لأنه قصد الصلاة في الوقت المشترك بين الصلاتين، وخرج ربيعة؛ لأن القول عنه معلق، ومن حكاه عنه ليس معاصرًا له حتى يظن سماعه منه، وبينهما أكثر من ثلاثمائة سنة. فما بقي من هؤلاء من يصدق عليهم أن خلافهم خرق الإجماع الذي حكاه

стр. 9656

الترمذي إلا جابر بن زيد وأبا إسحاق المروزي، وابن المنذر. قال ابن عبد البر: «وأما في الحضر، فأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال البتة، إلا طائفة شذت» (١). فلم يعد ابن عبد البر خلافهم خارقًا للإجماع، وهذا الذي يظهر من صنيع الترمذي، فلا حاجة للاستدراك على الترمذي. انتهيت من حكاية قولين لأهل العلم من الموقف من حديث ابن عباس، ونأتي على الموقف الثالث. الموقف الثالث: تأويل حديث ابن عباس على الجمع الصوري. ذهب بعض أهل العلم إلى تأويل حديث ابن عباس على الجمع الصوري، وممن حمل الحديث على ذلك راوي الحديث عن ابن عباس جابر بن زيد أبو الشعثاء، وتلميذه عمرو بن دينار. (ح-٣٤٠٠) روى البخاري ومسلم، من طريق سفيان، عن عمرو، قال: سمعت أبا الشعثاء جابرًا قال: سمعت ابن عباس ﵄ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا. قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وعجل العشاء وأخر المغرب؟ قال: وأنا أظنه (٢). وسفيان بن عيينة أثبت أصحاب عمرو بن دينار. قال ابن عبد البر: «ومن روى حديثًا كان أعلم بمخرجه» (٣). وعلى هذا مذهب الحنفية يرون أن كل جمع ورد في النصوص عدا جمع عرفة ومزدلفة فهو محمول على الجمع الصوري: تأخير إحدى الصلاتين لآخر وقتها، وتقديم الأخرى (٤).

стр. 9657

ومال إليه البخاري في تراجمه، فترجم لحديث ابن عباس في صحيحه، فقال: باب تأخير الظهر إلى العصر (١). واختاره بعض المالكية، فقد ذكر محمد بن المواز في كتابه عن عبد الملك بن الماجشون أنه حمل حديث ابن عباس على الجمع الصوري (٢). وصححه أبو العباس القرطبي في المفهم (٣). ونص مالك في المدونة على استحباب الجمع الصوري في السفر (٤). ورجحه من الشافعية إمام الحرمين (٥). وقال النووي في المجموع: «وأما الجواب عن الجمع بالمدينة فمن وجهين:

стр. 9658

أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع. وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته، وهما أبو الشعثاء جابر بن زيد راويه عن ابن عباس. والآخر عمرو بن دينار ثبت ذلك عنهما في صحيح مسلم وغيره. والثاني: أنه جمع بعذر: إما بمطر، وإما مرض عند من يقول به» (١). وهذان الوجهان اللذان قدمهما النووي في المجموع جوابًا عن حديث ابن عباس ذكرهما في شرح مسلم، وضعفهما (٢). وهو رواية عن أحمد، بل نقل بعض أصحاب أحمد أنه الأظهر من مذهبه. جاء في الفروع: «قال ابن أبي موسى: الأظهر من مذهبه أن صفة الجمع: فعل الأولى في آخر وقتها، والثانية أول وقتها» (٣). وذكره الأثرم في مسائله عن أحمد، نقله ابن رجب (٤). وهو اختيار ابن حزم (٥). ورجحه من المعاصرين الشوكاني وصاحب أضواء البيان (٦). فالقول بالجمع الصوري ليس قولًا نكرة.

стр. 9659

واستدل من قال بالجمع الصوري بأدلة منها: الدليل الأول: أن الجمع الصوري ثبت من فعل ابن عباس بسند كالشمس. (ث-٨٦٣) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أن ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ليلة خَرَج من أرضه. قال: فكان من جمع بينهما يؤخر من الظهر ويعجل من العصر ثم يجمعان، ويؤخر من المغرب ويعجل من العشاء ثم يجمعان. [صحيح، ابن جريج مقدم في عطاء، وعبد الرزاق راوية ابن جريج] (١). فقوله: (يؤخر من الظهر) وليس يؤخر الظهر. وقوله: (ويعجل من العصر)، وليس يعجل العصر دليل على الجمع الصوري، فلو كان الجمع جائزًا في الحضر لما تكلف ابن عباس الجمع الصوري. ولأن الجمع الصوري كان معروفًا من فعل الصحابة، كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود ﵁. (ث-٨٦٤) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعد يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، يقدم من هذه قليلًا، ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة. [صحيح] (٢). (ث-٨٦٥) ومنها ما رواه الطحاوي، قال حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: صحبت عبد الله بن مسعود ﵁ في حجة، فكان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء، ويسفر بصلاة الغداة.

стр. 9660

[صحيح] (١). وإذا صح الجمع الصوري عن ابن عباس راوي الحديث، وصح عن بعض الصحابة لم يكن مستغربًا حمل هذا الحديث المشكل على الجمع الصوري. وقد روي الجمع الصوري مرفوعًا، ولا يصح (٢). الدليل الثاني: أن أبا الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس قد أوَّله بذلك، وكذلك عمرو بن دينار راويه عن أبي الشعثاء، ورواة الحديث أعلم من غيرهم. ويناقش: القول بأن الراوي أعلم من غيره ليس على إطلاقه، فرب مبلغ أوعى من سامع،

стр. 9661

وقد يصح هذا في الصحابي ومن شهد الواقعة دون غيره، والله أعلم. الدليل الثالث: قال ابن حجر: «يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى والله أعلم» (١). وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «ويدل على صحة هذا التأويل: أنه قد نفى فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي الخوف والسفر والمطر، وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم» (٢). وقال ابن سيد الناس: «وعندي أن ما اختاره القرطبي من التأويل أولى لأمور: أولها: أن أبا الشعثاء راويه عن ابن عباس قد أوَّله بذلك. الثاني: أن في ألفاظ الحديث نفي الأعذار المبيحة للجمع من الخوف والسفر والمطر … وإخراج الصلاة عن وقتها لغير عذر لا تجوز باتفاق. الثالثة: أن حديث عبد الله بن شقيق وقد استعمله النووي في رد ما اختاره القرطبي وترجيح ما ذهب هو إليه، وهو بالعكس أولى؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن ابن عباس خطبهم يومًا بعد العصر حتَّى غربت الشمس وبدت النجوم وذكر الحديث فليس في هذا مرض، وإنما فيه أنَّه لم يصلِّ المغرب حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، ثم من المعلوم أنه قضى عند ذاك الخطبة وصلى بالناس الصلاتين فأي بعد في أن يكون أتى بالأولى في آخر الوقت، والثانية في أوله؟ … » (٣). لم يذكر في حديث ابن عباس صفة صلاته بالناس، أجمع في وقت العشاء، أم صلى المغرب والعشاء قبل مغيب الشفق؟

стр. 9662

وإن كان الظاهر أنه فعل الأول؛ لأنه أخر الصلاة محتجًا بجمع النبي ﷺ في المدينة، وإذا جمع بين الصلاتين وأخر المغرب فالظاهر أنه جمع بينهما في وقت العشاء، والله أعلم. ونوقش تخريج حديث ابن عباس على الجمع الصوري من وجوه: الوجه الأول: لم يصح حديث مرفوع في الجمع الصوري، وقد بينت ذلك في معرض الرد على مذهب الحنفية عند الكلام على حكم الجمع في السفر، فهي بين منكر وشاذ، وإنما صح ذلك من آثار بعض الصحابة. ويجاب: بأن الجمع للمطر لم يثبت فيه حديث صحيح مرفوع، وكان عمدة القائلين به فعل ابن عمر في صلاته خلف الأمراء في آخر حياته، وسيأتي مناقشة أثر ابن عمر، فإن صح عندكم الجمع للمطر لفعل ابن عمر، فقد صح الجمع الصوري عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم ابن عباس راوي الجمع في الحضر. الوجه الثاني: الجمع الذي وقع في المدينة كان لرفع الحرج، والجمع الصوري لا يرفع حرجًا؛ لأنه متفق مع ما شرعه النبي ﷺ بمكة عند فرض الصلوات، وتحديد أولها وآخرها، والتي قال فيها الرسول ﷺ (الصلاة بين هذين)، فالظهر كله وقت ما لم يحضر العصر، والمغرب كله وقت ما لم يغب الشفق. والغاية من الجمع دفع الحرج، والتوسعة على العباد، والجمع الصوري أشد حرجًا على العبد من صلاة كل فرض في وقتها، وأي حرج أشد من تحويل واجب موسع يختار فيه المكلف الوقت الذي يؤدي فيه الصلاة إلى واجب مضيق، بحيث يوقع الصلاة الأولى في أخر وقتها، حتى إذا انصرف من الصلاة الأولى وافق ذلك دخول وقت الثانية، والناس لم يكن لديهم ساعات يضبطون بها الوقت، وتعويلهم في التوقيت على مراقبة الظل، أو مشاهدة غياب الشفق، وكيف يراقب الظل أو الشفق، وهو مشغول في الصلاة الأولى، وأي عنتٍ أشد على المكلف من هذا؟

стр. 9663

يقول ابن القيم: «ومن تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت، لا في جمع الفعل، وعَلِم أن جمع الفعل أشق وأصعب من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط، بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة، وهو مناف لمقصود الجمع، وألفاظ السنة الصحيحة الصريحة ترده كما تقدم، وبالله التوفيق» (١). وأجيب على هذا الوجه: الجواب الأول: الجمع الفعلي لا يشترط فيه الموالاة بين الصلاتين بالاتفاق حتى يقال: ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية. وأما الجمع في الوقت فاختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة فيه بين الصلاتين، والراجح فيه أن الموالاة أيضًا ليست بشرط، فلو تخلل الصلاتين فاصل لم يبطل الجمع، وسوف نبحث هذا الشرط إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط الجمع. الجواب الثاني: أن المقصود من الجمع الصوري هو التيسير على المكلف بحيث يكون الخروج للصلاتين خروجًا واحدًا بطهارة واحدة، والجمع الصوري من هذا الوجه فيه توسعة على المكلف دون أن نكون أخرجنا الصلاة عن وقتها لمجرد الحاجة، كإكمال الخطبة، ودون أن يتلاعب الناس في الجمع لأدنى حرج، والحرج والحاجة غير منضبطة، فهناك من يتساهل وهناك من يتشدد. وأقرب مثال على ذلك الإبراد في الظهر في شدة الحر، فالصحابة شكوا للنبي ﷺ شدة الحر فلم يشكهم، وعالج ذلك بالإبراد في الصلاة. وفي هذا الدليل رد على من يقول: إن أسباب الجمع مفتوحة في كل حرج أو حاجة تطرق المصلي عامة أو خاصة.

стр. 9664

فالخروج في شدة الحر، خاصة في أرض الحجاز فيه مشقة كبيرة على المصلين، ومع ذلك لم يشرع لهم الجمع لدفع مثل هذا الحرج، وإنما شرع لهم الإبراد، وذلك بتأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها. (ح-٣٤٠١) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١). قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا) أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: (أَبْرَدَ) إذا دخل في البرد، كأَظْهَرَ إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا، وأَتْهَمَ: إذا دخل تهامة. (ح-٣٤٠٢) وروى البخاري من طريق آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب، عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٢). ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٣). فكان الإبراد له غاية ينتهي عندها، وهو قول الراوي في الحديث: (حتى رأينا فَيْءَ التلول)، أي: مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء حتى ظهر للتل فيء، ولا يظهر للتل فيء إلا قرب وقت العصر. ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (٤). فإن قيل: أليس مساواة الظل للتلول يعني أن الظل صار بمقدار المثل، وهو وقت دخول العصر؟

стр. 9665

قيل: بقي ليدخل وقت العصر ظل الزوال نفسه؛ فإن العصر لا يدخل إلا بعد أن يكون ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وقد يكون الراوي قصد بذلك المبالغة، لا حقيقة المساواة، ولهذا كانت رواية الأكثر (حتى رأينا فيء التلول)، والله أعلم. وفي حديث بريدة في صحيح مسلم في بيان المواقيت، صلى النبي ﷺ الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، وصلاها في اليوم التالي في آخر الوقت، فحين أراد أن يبين آخر وقت الظهر، قال الراوي: فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها (١). فكان الإبراد تحري آخر وقت الظهر. والسؤال المشروع: فهل كان الإبراد، وهو تأخير الظهر إلى قرب وقت صلاة العصر، فيه حرج على المصلين وتضييق عليهم أم كان فيه توسعة عليهم؟ ألم يكن الحرج بوجود الحر الشديد داعيًا إلى الجمع؟ وأيهما أشد حرجًا على المكلف، قطع الخطبة، والعود إليها بعد الصلاة، أو الخروج إلى الصلاة في شدة الحر، في بلاد كالحجاز؟ وأما القول بأنه يتعذر ضبط الانصراف من الصلاة الأولى في آخر وقتها، فهذا أيضًا مجرد دعوى، فالإبراد بالظهر إيقاع للصلاة في آخر وقتها. وفي حديث أبي موسى حين أتى ﷺ النبي رجل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا … وفيه: ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم دعا السائل فقال: الوقت بين هذين (٢). فمعنى ذلك أن صلاته في اليوم التالي كانت في آخر الوقت؛ لتصح البينية، فدل ذلك على إمكان إيقاع الصلاة في آخر وقتها، فليس ذلك بالشيء المتعذر، فصلاة العصر في اليوم الأول وصلاة الظهر في اليوم التالي لا يفصل بينهما من جهة التوقيت إلا الانصراف من الصلاة، والدخول في الأخرى، وقل مثل ذلك في العشاءين، وهل
следующие страницы →