← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

وقد يصح هذا في الصحابي ومن شهد الواقعة دون غيره، والله أعلم. الدليل الثالث: قال ابن حجر: «يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى والله أعلم» (١). وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «ويدل على صحة هذا التأويل: أنه قد نفى فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي الخوف والسفر والمطر، وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم» (٢). وقال ابن سيد الناس: «وعندي أن ما اختاره القرطبي من التأويل أولى لأمور: أولها: أن أبا الشعثاء راويه عن ابن عباس قد أوَّله بذلك. الثاني: أن في ألفاظ الحديث نفي الأعذار المبيحة للجمع من الخوف والسفر والمطر … وإخراج الصلاة عن وقتها لغير عذر لا تجوز باتفاق. الثالثة: أن حديث عبد الله بن شقيق وقد استعمله النووي في رد ما اختاره القرطبي وترجيح ما ذهب هو إليه، وهو بالعكس أولى؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن ابن عباس خطبهم يومًا بعد العصر حتَّى غربت الشمس وبدت النجوم وذكر الحديث فليس في هذا مرض، وإنما فيه أنَّه لم يصلِّ المغرب حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، ثم من المعلوم أنه قضى عند ذاك الخطبة وصلى بالناس الصلاتين فأي بعد في أن يكون أتى بالأولى في آخر الوقت، والثانية في أوله؟ … » (٣). لم يذكر في حديث ابن عباس صفة صلاته بالناس، أجمع في وقت العشاء، أم صلى المغرب والعشاء قبل مغيب الشفق؟

стр. 9662

وإن كان الظاهر أنه فعل الأول؛ لأنه أخر الصلاة محتجًا بجمع النبي ﷺ في المدينة، وإذا جمع بين الصلاتين وأخر المغرب فالظاهر أنه جمع بينهما في وقت العشاء، والله أعلم. ونوقش تخريج حديث ابن عباس على الجمع الصوري من وجوه: الوجه الأول: لم يصح حديث مرفوع في الجمع الصوري، وقد بينت ذلك في معرض الرد على مذهب الحنفية عند الكلام على حكم الجمع في السفر، فهي بين منكر وشاذ، وإنما صح ذلك من آثار بعض الصحابة. ويجاب: بأن الجمع للمطر لم يثبت فيه حديث صحيح مرفوع، وكان عمدة القائلين به فعل ابن عمر في صلاته خلف الأمراء في آخر حياته، وسيأتي مناقشة أثر ابن عمر، فإن صح عندكم الجمع للمطر لفعل ابن عمر، فقد صح الجمع الصوري عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم ابن عباس راوي الجمع في الحضر. الوجه الثاني: الجمع الذي وقع في المدينة كان لرفع الحرج، والجمع الصوري لا يرفع حرجًا؛ لأنه متفق مع ما شرعه النبي ﷺ بمكة عند فرض الصلوات، وتحديد أولها وآخرها، والتي قال فيها الرسول ﷺ (الصلاة بين هذين)، فالظهر كله وقت ما لم يحضر العصر، والمغرب كله وقت ما لم يغب الشفق. والغاية من الجمع دفع الحرج، والتوسعة على العباد، والجمع الصوري أشد حرجًا على العبد من صلاة كل فرض في وقتها، وأي حرج أشد من تحويل واجب موسع يختار فيه المكلف الوقت الذي يؤدي فيه الصلاة إلى واجب مضيق، بحيث يوقع الصلاة الأولى في أخر وقتها، حتى إذا انصرف من الصلاة الأولى وافق ذلك دخول وقت الثانية، والناس لم يكن لديهم ساعات يضبطون بها الوقت، وتعويلهم في التوقيت على مراقبة الظل، أو مشاهدة غياب الشفق، وكيف يراقب الظل أو الشفق، وهو مشغول في الصلاة الأولى، وأي عنتٍ أشد على المكلف من هذا؟

стр. 9663

يقول ابن القيم: «ومن تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت، لا في جمع الفعل، وعَلِم أن جمع الفعل أشق وأصعب من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط، بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة، وهو مناف لمقصود الجمع، وألفاظ السنة الصحيحة الصريحة ترده كما تقدم، وبالله التوفيق» (١). وأجيب على هذا الوجه: الجواب الأول: الجمع الفعلي لا يشترط فيه الموالاة بين الصلاتين بالاتفاق حتى يقال: ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية. وأما الجمع في الوقت فاختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة فيه بين الصلاتين، والراجح فيه أن الموالاة أيضًا ليست بشرط، فلو تخلل الصلاتين فاصل لم يبطل الجمع، وسوف نبحث هذا الشرط إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط الجمع. الجواب الثاني: أن المقصود من الجمع الصوري هو التيسير على المكلف بحيث يكون الخروج للصلاتين خروجًا واحدًا بطهارة واحدة، والجمع الصوري من هذا الوجه فيه توسعة على المكلف دون أن نكون أخرجنا الصلاة عن وقتها لمجرد الحاجة، كإكمال الخطبة، ودون أن يتلاعب الناس في الجمع لأدنى حرج، والحرج والحاجة غير منضبطة، فهناك من يتساهل وهناك من يتشدد. وأقرب مثال على ذلك الإبراد في الظهر في شدة الحر، فالصحابة شكوا للنبي ﷺ شدة الحر فلم يشكهم، وعالج ذلك بالإبراد في الصلاة. وفي هذا الدليل رد على من يقول: إن أسباب الجمع مفتوحة في كل حرج أو حاجة تطرق المصلي عامة أو خاصة.

стр. 9664

فالخروج في شدة الحر، خاصة في أرض الحجاز فيه مشقة كبيرة على المصلين، ومع ذلك لم يشرع لهم الجمع لدفع مثل هذا الحرج، وإنما شرع لهم الإبراد، وذلك بتأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها. (ح-٣٤٠١) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١). قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا) أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: (أَبْرَدَ) إذا دخل في البرد، كأَظْهَرَ إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا، وأَتْهَمَ: إذا دخل تهامة. (ح-٣٤٠٢) وروى البخاري من طريق آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب، عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٢). ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٣). فكان الإبراد له غاية ينتهي عندها، وهو قول الراوي في الحديث: (حتى رأينا فَيْءَ التلول)، أي: مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء حتى ظهر للتل فيء، ولا يظهر للتل فيء إلا قرب وقت العصر. ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (٤). فإن قيل: أليس مساواة الظل للتلول يعني أن الظل صار بمقدار المثل، وهو وقت دخول العصر؟

стр. 9665

قيل: بقي ليدخل وقت العصر ظل الزوال نفسه؛ فإن العصر لا يدخل إلا بعد أن يكون ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وقد يكون الراوي قصد بذلك المبالغة، لا حقيقة المساواة، ولهذا كانت رواية الأكثر (حتى رأينا فيء التلول)، والله أعلم. وفي حديث بريدة في صحيح مسلم في بيان المواقيت، صلى النبي ﷺ الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، وصلاها في اليوم التالي في آخر الوقت، فحين أراد أن يبين آخر وقت الظهر، قال الراوي: فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها (١). فكان الإبراد تحري آخر وقت الظهر. والسؤال المشروع: فهل كان الإبراد، وهو تأخير الظهر إلى قرب وقت صلاة العصر، فيه حرج على المصلين وتضييق عليهم أم كان فيه توسعة عليهم؟ ألم يكن الحرج بوجود الحر الشديد داعيًا إلى الجمع؟ وأيهما أشد حرجًا على المكلف، قطع الخطبة، والعود إليها بعد الصلاة، أو الخروج إلى الصلاة في شدة الحر، في بلاد كالحجاز؟ وأما القول بأنه يتعذر ضبط الانصراف من الصلاة الأولى في آخر وقتها، فهذا أيضًا مجرد دعوى، فالإبراد بالظهر إيقاع للصلاة في آخر وقتها. وفي حديث أبي موسى حين أتى ﷺ النبي رجل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا … وفيه: ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم دعا السائل فقال: الوقت بين هذين (٢). فمعنى ذلك أن صلاته في اليوم التالي كانت في آخر الوقت؛ لتصح البينية، فدل ذلك على إمكان إيقاع الصلاة في آخر وقتها، فليس ذلك بالشيء المتعذر، فصلاة العصر في اليوم الأول وصلاة الظهر في اليوم التالي لا يفصل بينهما من جهة التوقيت إلا الانصراف من الصلاة، والدخول في الأخرى، وقل مثل ذلك في العشاءين، وهل

стр. 9666

كان النبي ﷺ يراقب الشفق وهو يصلي؟. وفي حديث ابن عباس في إمامة جبريل، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى فيه العصر في اليوم الأول حين كان ظله مثله .... فلما كان الغد صلى به الظهر حين كان ظله مثله (١). ومعنى ذلك: أن النبي ﷺ حين فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني كان ظل كل شيء مثله: أي دخل وقت العصر بمجرد الانصراف من صلاة الظهر؛ لأنه لبيان آخر الوقت، وحتى تصدق البينية في قوله ﷺ : الصلاة بين هذين. ودفع الشوكاني الإشكال، فقال: «قد عرَّف النبي ﷺ أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان، حتى إنه عينها بعلامات حسية، لا تكاد تلتبس على العامة فضلًا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل الأولى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها كما كان ذلك ديدنه ﷺ حتى قالت عائشة: ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله تعالى. ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة، والخروج إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر. وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح: أن قوله ﷺ : (لئلا تحرج أمتي) يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج» (٢). الوجه الثالث: لو كان ما تأولوه جمعًا لجاز مثله بين العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح (٣). ويجاب: قولك: (أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب … ).

стр. 9667

إن كنت تقصد الجمع الوقتي فهذا لا يجوز بالإجماع، وليس مانعًا من حمل حديث ابن عباس على الجمع الصوري. وإن كنت تقصد الجمع الفعلي، فهذا جائز خاصة عند من يرى جواز تأخير العصر إلى ما قبل غروب الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل طلوع الفجر لغير المعذور. أما من يرى أن وقت العصر يخرج باصفرار الشمس، ووقت العشاء يخرج بانتصاف الليل، فيتعذر الجمع الفعلي بينهما؛ كما يتعذر الجمع بين الصبح والظهر؛ لوجود فاصل بينهما ليس وقتًا لأداء الصلاة، وهي مسألة خلافية، تكلمت عليها في شروط الصلاة، وبينت أن الراجح في وقت العصر امتداده إلى غروب الشمس، وامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر، فارجع إليه إن شئت. الوجه الرابع: لو كان جمع ابن عباس جمعًا صوريًا لما صار الناس ينادونه: الصلاة الصلاة، وهو مستمر في صلاته لا يجيبهم حتى أكثر عليه التميمي، فأجابه بأن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهرين والعشاءين. ولو كان ابن عباس يقصد بالجمع الجمع الصوري لدفع الاعتراض عليه بأن الوقت لا زال موسعًا، وأن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق، فلما عدل إلى الاحتجاج بالجمع دل على أنه قصد الجمع الوقتي. ويجاب عن ذلك بأمرين: الأمر الأول: السنة في المغرب أن تصلى إذا وجبت الشمس، أي: غابت، حتى قيل: إن المغرب ليس لها إلا وقت واحد إذا غربت الشمس -وهو رواية عن مالك، حكاها العراقيون عن المذهب، والشافعي في الجديد- استدلالًا بحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ حيث صلى المغرب في اليومين في وقتٍ واحدٍ خلافًا لبقية الأوقات، فكون الناس ينادونه الصلاة الصلاة لا يعني نفي الجمع الصوري ولا إثباته؛ فتأخير المغرب لآخر وقتها مخالف للسنة التي واظب عليها النبي ﷺ ، من كونه يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب، ولا حرج على من رأى غيره يخالف السنة أن ينبهه.

стр. 9668

الأمر الثاني: لا يلزم من إنكار الناس على ابن عباس أن يكون عندهم علم بالجمع الصوري حتى يقال: لو كان ابن عباس قصد الجمع الصوري لما أنكر عليه الناس؟ ومن أين يعرف الناس نية ابن عباس، أقصد بتأخيره الجمع الصوري أم الجمع الوقتي؟. بل إنكار الناس دليل على أن أهل العراق على خلاف أهل المدينة لا يرون الجمع في الحضر. نعم يبقى جوابهم بأن ابن عباس لو قصد الجمع الصوري لقال: ما زال في الوقت متسع. هذا اعتراض صحيح، وهو دليل على أن ابن عباس لم يقصد الجمع الصوري. إلا أن فعل ابن عباس هذا موقوف عليه، فابن عباس جمع لإكمال الخطبة، ولا أعلم أن أحدًا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من الأئمة الأربعة قال: إن إكمال الخطبة من أسباب الجمع، وقد خطب النبي ﷺ خطبة من صلاة الغداة إلى غروب الشمس، فكانت المشقة فيها أكبر، ومع ذلك لم يجمع النبي ﷺ فيها، والحديث في صحيح مسلم، فكونك تحتج بجمع ابن عباس، ثم لا ترى إكمال الخطبة سببًا للجمع هذا تناقض، وسيأتي من يقول: الجمع بسبب العلم، فالطالب في المذاكرة له أن يجمع؛ لأنه منشغل بالعلم كما اشتغل ابن عباس في خطبته للناس. الوجه الخامس: لو كان صوريًا لما حاك في صدر عبد الله بن شقيق شيء من خبر ابن عباس حتى سأل أبا هريرة، فصدقه. هذا تكرار للوجه السابق. الوجه السادس: قال ابن عباس: (جمع النبي ﷺ … ) والجمع إذا أطلق فهو محمول على الحقيقة الشرعية، وليس على الحقيقة اللغوية، والجمع الشرعي: هو تقديم إحدى الصلاتين عن وقتها الأصلي، وضمها إلى الصلاة الأولى، أو تأخيرها عن وقتها الأصلي وضمها إلى وقت الصلاة الأخرى، ومن ادعى خلاف الحقيقة الشرعية فعليه الدليل. يقول المعلمي: الصحابي أطلق الجمع، والمفهوم عند الإطلاق: الجمع

стр. 9669

الحقيقي، ولو أراد الجمع الصوري لقال: أخَّر الصلاة إلى آخر وقتها. وأيضًا -وهو أظهر- أنه قال: (جمع .. من غير عذر ولا سفر) فظهر من فحواه أنه أراد الجمع الذي يكون للسفر، وهو الحقيقي. كما لو قال قائل: قصر فلان الصلاة، لاحتمل إرادة القصر المعروف في السفر -وهو أن يصلي الرباعية ثنتين- وإرادة القصر المقابل للتطويل. فإذا قال: قصر فلان الصلاة من غير سفر تعين الأول، وهو صلاة الرباعية اثنتين» (١). وجاء في مجموع الفتاوى: «لفظ الجمع في عرف ابن عباس وعادته إنما الجمع في وقت إحداهما، أما الجمع في الوقتين فلم يعلم أنه تكلم به، فكيف يعدل به عن عادته التي تكلم بها إلى ما ليس كذلك؟» (٢). ويجاب: (ث-٨٦٦) بأن عبد الرزاق روى عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أن ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ليلة خَرَج من أرضه. قال: فكان من جمع بينهما يؤخر من الظهر ويعجل من العصر ثم يجمعان، ويؤخر من المغرب ويعجل من العشاء ثم يجمعان، وسبق تخريجه. وهذا إسناد في غاية الصحة. فهذا عطاء يقول عن ابن عباس (جمع بين المغرب والعشاء) مع أنه جمع صوري، صلى كل صلاة في وقتها؛ لأن قوله: (يؤخر من الظهر) فقوله: (من الظهر) لا يصدق إلا إذا كان التأخير لا يبلغ بالظهر حتى تخرج عن وقتها. وقوله (ويعجل من العصر) أي كذلك، فلا يصدق هذا الوصف إلا على الجمع الصوري، فأطلق الجمع وأراد الجمع الصوري وإذا صح ذلك لم يمتنع إطلاق الجمع في لفظ ابن عباس وإرادة الجمع الصوري. (ث-٨٦٧) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعد يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء،

стр. 9670

يقدم من هذه قليلًا، ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة. [صحيح، وسبق تخريجه] (١). فقوله: (يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء) فأطلق الجمع على الجمع الصوري، وصح الجمع الصوري من فعل ابن مسعود ﵄، وسبق تخريجه. وإذا أطلق الجمع في عرفهم على الجمع الصوري، لم يمتنع أن يطلقه ابن عباس على الجمع الصوري؛ ولأن ابن عباس نفى الأعذار المبيحة للجمع من خوف أو سفر، وإخراج الصلاة عن وقتها لغير عذر لا يجوز باتفاق، فحملوه على الجمع الصوري. (ح-٣٤٠٣) وقد روى أحمد وغيره من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في قصة استحاضتها، وفيه: … قال النبي ﷺ لها: وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي … الحديث (٢). [سبق تخريجه] (٣). الوجه السابع: الناس يقصدون المسجد بمجرد دخول الوقت، فإذا قصد النبي ﷺ الجمع الصوري فسوف يحبس النبي ﷺ الناس في المسجد من دخول الظهر إلى قرب العصر، وفي المغرب إلى قرب دخول العشاء، وهذا فيه مشقة على الناس، فتحول الجمع الذي قصد به التيسير إلى كلفة ومشقة غير محتملة. ويجاب: يحتمل أن النبي ﷺ منع بلالًا من الأذان، والناس غالبًا يأتون إذا دعوا إلى فعل الصلاة، كما جاء في حديث أبي ذر، (أراد بلال أن يؤذن، فقال له: أبرد. ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد حتى رأينا فيء التلول).

стр. 9671

والفرق أن حديث أبي ذر كان في السفر، وحديث ابن عباس كان في الحضر، وقد لا يشكل هذا فرقًا؛ لأن الناس في السفر يتفرقون تحت الأشجار كتفرقهم في البيوت، والمدينة في ذلك الحين كانت صغيرة، وكان البقيع خارج البيوت. وفي حديث مسلم: (أمره فأبرد بالظهر) أي أمر بلالًا، وهو متوجه للأذان أو للإقامة، أو لهما، فعلى الاحتمال الأول والثالث سينتظر الناس أذان بلال ليأتوا إلى المسجد. ويحتمل أن يكون الجمع الذي نقله ابن عباس فعل مرة واحدة كما هو ظاهر لفظ حديث ابن عباس، لأنه حكى أن النبي ﷺ جمع، والفعل يصدق على المرة الواحدة، ولا يصار إلى التكرار إلا بدليل، وإذا كان حدث مرة واحدة فيحتمل منه ما لا يحتمل من التكرار، وقد تأخر النبي ﷺ على صحابته في صلاة العشاء حتى رقد النساء والصبيان، فمثله لا يعترض به. (ح-٣٤٠٤) فقد روى مسلم من طرق عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي (١). وقد سأل رجل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة كما في حديث أبي موسى في مسلم، فلم يرد عليه شيئًا، فصلى في اليوم الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، وصلى النبي ﷺ الصلوات الخمس في اليوم التالي في آخر وقتها، ثم دعا السائل، فقال: الوقت بين هذين (٢). فالإشكال الذي اعترض به على الجمع الصوري متصور حدوث مثله في صلاة اليوم التالي، لأن النبي لم يفصح عن نيته للناس في تأخير الصلاة، ولم يرد على السائل شيئًا، فهناك من المصلين من سوف يأتي إلى المسجد لقصد الصلاة فينحبس في المسجد انتظارًا للإمام، وليس هذا في وقت واحد، بل في خمس صلوات، فما يكون جوابًا على هذه الواقعة يكون جوابًا على تلك، إلا أن يكون

стр. 9672

الأذان في اليوم التالي لم يؤذن لدخول الوقت، وإنما أذن عند حضور فعل الصلاة، كأذان الجمعة الثاني لا يؤذن إلا بين يدي الإمام، فكذلك الحال في الجمع الصوري. هذه أقوى الوجوه التي دفع بها القول بالجمع الصوري، وقد تركت وجوهًا أخرى لضعفها، ولست بالذي يذهب إلى حمل الحديث على الجمع الصوري، ولكن ليس ذكره بهذا الضعف الذي صوره مخالفوه، وقد قال به الإمام أحمد في رواية، وهو ظاهر ما ترجم به البخاري في صحيحه،، وذهب إليه طائفة من الفقهاء من كل مذهب، وقال به مالك في المدونة في السفر، وطبقه النبي ﷺ بالإبراد في الظهر، والله أعلم. والذي حمل الناس على تأويل حديث ابن عباس أو على تركه ما فيه من إشكال، حيث لم ينقل لنا ابن عباس صفة الجمع الذي وقع في المدينة، أكان من جمع التقديم أم كان من جمع التأخير، أم كان من الجمع الفعلي، بحيث أخر الظهر وعجل العصر؟، كما لم ينقل لنا ابن عباس سبب الجمع؛ وجمع من أجل إكمال الخطبة، وليس إكمالها من أسباب الجمع، لهذا كان الحديث مشكلًا، واختلف العلماء في العمل به، وفي توجيهه، وفي وجاهة الاستدلال به على جمع المطر، وفي توسيع أسباب الجمع على الناس وتسهيلها لكل حرج عام أو خاص دون أن يأتي في الشريعة ضابط لتقدير هذا الحرج، والله أعلم. وقد رجح المعلمي «أن عمل النبي ﷺ الغالب عليه التوقيت، وعمل الأئمة مستمر عليه، ولكن غايته أن يكون الجمع مكروهًا فقط، وفعله ﷺ لبيان الجواز، وتركه الأئمة لكونه مكروهًا، فلا يلزم من هذا عدم الجواز» (١). اه ولم يبين المعلمي هل فعل الجمع لبيان الجواز بلا سبب، أو فعل الجواز للحاجة، والظاهر أنه يريد الأول؛ لأنه رجح قبل ذلك أن الجمع بلا عذر. والقول بجواز الجمع بلا سبب قول ضعيف جدًّا. الموقف الرابع: حمل حديث ابن عباس على أنه جمع بعذر المطر. روى الإمام مالك الحديث برواية أبي الزبير، (من غير خوف ولا سفر)، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وروى البخاري في صحيحه حديث ابن عباس، وفيه: قال أيوب: لعله في ليلة

стр. 9673

مطيرة؟ قال: عسى (١). قال الحافظ: «فقال أيوب: هو السختياني، والمقول له هو: أبو الشعثاء، قوله: عسى. أي أن يكون كما قلت» (٢). قال ابن رجب: «ومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى: (من غير خوف ولا مطر) كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما. ومن حمل الحديث على هذا فإنه يلزم من قوله جواز الجمع في الحضر للمطر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد اختلف في ذلك» (٣). وقال أيضًا: «وأما الجمع بين الظهر والعصر في المطر، فالأكثرون على أنه غير جائز: وقال أحمد: ما سمعت فيه شيئًا … » (٤). الموقف الخامس: حمله الإمام أحمد على جمع المرض. قال ابن رجب: «وقد روي عن الإمام أحمد، أنه قال: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع» (٥). وقال النووي: «ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار. وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث؛ ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة؛ ولأن المشقة فيه أشد من المطر» (٦). وتعقبه ابن حجر: «وفيه نظر؛ لأنه لو كان جمعه ﷺ بين الصلاتين لعارض

стр. 9674

المرض لما صلى إلا من به نحو ذلك العذر» (١). الموقف السادس: حمل حديث ابن عباس على جواز الجمع للحاجة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث ابن عباس دليل على جواز الجمع للحاجة، ولو لم يكن خوف، ولا مطر، ولا سفر، ولا مرض، فكل حاجة أو شغل إذا لحق المصلي مشقة في ترك الجمع فإنه يشرع له الجمع، سواء أكانت الحاجة عامة أم خاصة. ونحتاج في مناقشة هذا الاستدلال إلى بيان أمور منها: أولًا: هل نفي الحرج عن فعل ما يستفاد منه التعليل؟، حتى يقال: متى ما كان في ترك الجمع حرج فله الجمع؛ ليتوسع الناس في أسباب الجمع مما لم يذكره الفقهاء، حتى ولو كان هذا السبب موجودًا في عصر التشريع، ولم يجمع النبي ﷺ من أجله كالمطر والشغل مثلًا، وبحيث يستجد في كل عصر من أسباب الجمع ما لم يكن موجودًا في عصر التشريع. وهل يتحمل حديث ابن عباس كل هذا، وهو لم يقع إلا مرة واحدة في المدينة جمع فيهما بين الظهرين والعشاءين، وليس في الجمع في الحضر حديث مرفوع صحيح غيره، ولماذا لم يوقف على سبب الجمع؟. وهل انقطع الحرج والمشاغل في عصر التشريع حتى لم يتعرض النبي ﷺ ولا أصحابه إلى حرج أو شغل عام أو خاص دعاهم للجمع؟ ثانيًا: الوقوف على من قال بجواز الجمع للحاجة. ثالثًا: الأدلة على أن الحاجة ليست من أسباب الجمع. رابعًا: ما موقف الأئمة الأربعة من أسباب الجمع، وهل هي عندهم معدودة بعدد معين، أو هي غير معدودة، بل محدودة، والضابط وجود المشقة، فمتى كان في ترك الجمع مشقة ظاهرة جاز الجمع؟ فكل أحد يتعرض لحاجة -والحاجات لا يمكن حصرها-، فله أن يؤجل إحدى الصلاتين أو يقدم الأخرى.

стр. 9675

وهل كون الحنابلة من أوسع المذاهب للجمع يفهم منه أن الأسباب عندهم غير معدودة؟ فلنأخذ هذه واحدة فواحدة. هل يستفاد التعليل من نفي الحرج في قول ابن عباس (أراد أن لا يحرج أمته)؟ حديث ابن عباس المرفوع منه سنة فعلية، (جمع النبي ﷺ في المدينة). وفي أصول الفقه: الفعل لا عموم له؛ لأن العموم يستفاد من الصيغة، والفعل لا صيغة له، فلا ندري ما الذي أحاط بالفعل من ظرف حتى جمع النبي ﷺ ، أجمع النبي ﷺ بلا سبب، أم قصد التوسعة لأدنى سبب، أم كان هناك عنت لو ترك الجمع؟ وفي العذر، أكان من الأعذار العامة، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة كجمع عرفة ومزدلفة، فلا تساويها حاجة جماعة محدودة العدد، أو حاجة فرد من المسلمين، أم أن هذا كان من الأعذار الخفيفة، والتي يستوي فيها الأمة، والجماعة المحدودة والواحد؟ والسؤال: ما ذا أراد ابن عباس من قوله: (أراد ألا يُحْرِج أمته)، هل أراد من هذه الجملة إثبات بيان علة الجمع، وأن النبي ﷺ جمع في المدينة لوجود حرج عام حملهم على الجمع، وبالتالي يشرع الجمع متى ما كان في ترك الجمع حرج؛ لتكون أسباب الجمع ليست معدودة، كما توجه إليه بعض أهل العلم، أو أن ابن عباس أراد أن يقول: الجمع جائز بلا سبب نفيًا للحرج؛ لكون ابن عباس جمع لمجرد إكمال الخطبة، وهي ليست من أسباب الجمع بالإجماع عند من يقول: لا يجوز الجمع إلا لسبب، وهم السواد الأعظم من الأمة، ولكون ابن عباس اعتمد على صحة الجمع بنفي سببه من خوف أو سفر، وليس على إثبات سبب الجمع؛ فابن عباس في جميع طرق الحديث لم يذكر سبب الجمع في المدينة. والظاهر أن النبي ﷺ لم يجمع من أجل إكمال موعظة ألقاها على أصحابه؛ لأن ذلك لو كان هو سبب الجمع في المدينة لاحتج به ابن عباس بدلًا من أن يحتج على صحة فعله بنفي السفر والخوف؛ لأن نفي السفر والخوف فقط لا يسوغ الجمع لأي سبب، ولا يلزم من نفيهما نفي غيرهما من الأسباب. وإذا لم يتفق سبب الجمع بين ما وقع للنبي ﷺ في المدينة وبين سبب جمع ابن عباس في العراق، فيكون ابن عباس قد استخدم القياس، والقياس يقتضي وجود علة

стр. 9676

جامعة بين الفرع (الذي هو الجمع لمجرد إكمال الموعظة) والأصل المقيس عليه (وهو الجمع الذي وقع من النبي ﷺ في المدينة). ولو أن ابن عباس صرح بسبب جمع النبي ﷺ في المدينة لأمكن النظر بين سبب الجمع في الحديث المرفوع وبين سبب الجمع في الأثر الموقوف. وإذا احتج ابن عباس على صحة جمعه بنفي أسباب الجمع في المدينة، فالظاهر أنه فعل ذلك ليدلل على صحة الجمع بلا سبب، وليس على إثبات سبب الجمع. وهو الحرج، وإليك بيان الأدلة على ما أقول. الدليل على أن ابن عباس لم يقصد التعليل بقوله: (أراد ألا يحرج أمته): الدليل الأول: أن نفي الحرج يعني نفي الإثم عن الفعل، ولا يلزم من نفي الإثم قصد التعليل. لأن أحكام الشريعة كلها قد نفى الله عنها الحرج، ولا يلزم منه قصد التعليل، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والجمع فرد من أفراد العموم. وقد استخدم النبي ﷺ نفي الحرج على الفعل دليلًا على نفي الإثم وليس تعليلًا للحكم، (ح-٣٤٠٥) لما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا، وفيه: … قال: ما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر -يعني: من أعمال يوم النحر- إلا قال: افعل ولا حرج (١). فنفي الحرج هنا ليس علةَ الحكم، بل دليل السعة والجواز بنفي الإثم عنه. وكما كان الغسل والوضوء بالماء، وبالتيمم بدلًا عنهما من نفي إرادة الحرج، ونفي إرادة الحرج أبلغ من نفي الحرج نفسهِ، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وليس نفي الحرج هنا من باب التعليل، بدليل أنه

стр. 9677

لا يقاس على الماء والتراب غيرهما. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] يقتضي نفيَ الحرج عن التطواف بالصفا والمروة، وليس علةً، وكون ذلك واجبًا أو غير واجب يثبت بدليل آخر. وإذا لم يفهم من قول ابن عباس التعليل سقطت حجة من أراد أن يوسع الجمع بكل حرج عام أو خاص يطرق المصلي. الدليل الثاني: أن تلاميذ ابن عباس لم يسألوه عن سبب الجمع، كسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وسألوه ما ذا أراد النبي ﷺ بهذا الفعل؟ ولا يعرف لذلك سبب إلا أنهم فهموا من نفي الخوف والسفر نفي سبب الجمع، لهذا لم يسأله أحد منهم قط عن سبب الجمع، وهو نفسه الذي جعل ابن عباس في كل طرق الحديث لا يذكر سبب الجمع، وإنما حرص على نفي أسبابه من خوف أو سفر. والسؤال: لو كان الجمع له سبب، أيتجاهل ابن عباس ذكره في كل طرق الحديث، ويقدم فهمه لهذا الفعل، وأنه فَهِم من فعل النبي ﷺ نفي الإثم عن الفاعل، وكذلك فعل كل من روى الحديث عن ابن عباس، تركوا سؤاله عن سبب الجمع، وتوجه سؤالهم فقط، ما ذا أراد النبي ﷺ بهذا الفعل؟ فلو كان الفعل له سبب لكان نقله للأمة من ابن عباس هو الأهم، وكان السؤال عنه أهم من سؤال ابن عباس عن رأيه بقصد النبي ﷺ بهذا الفعل. ما الفائدة من نفي الخوف والسفر؟ ألم يكن أبلغ وأقصر أن يذكر سبب الجمع صريحًا ويلزم من ذكره نفي غيره من الأسباب، بدلًا من نفي بعض أسباب الجمع، والسكوت عن سبب الجمع، أين فصاحة ابن عباس؟. ويلزم من نفي ابن عباس السفر والخوف أن أسباب الجمع معدودة، وإلا ما الفائدة من نفي بعض الأسباب إذا كانت الأسباب غير محصورة؛ لأن حاجات الإنسان تستجد، ولا يأتي عليها العدد.

стр. 9678

الدليل الثالث: الدليل على صحة هذا التأويل أن جابر بن زيد نقل عنه الجمع بلا سبب. (ث-٨٦٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أزهر، عن ابن عون قال: ذكر لمحمد بن سيرين أن جابر بن زيد يجمع بين الصلاتين فقال: لا أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر (١). يقصد: إلا من سبب. [سنده صحيح]. فهذا الأثر يؤكد أن طلاب ابن عباس إنما تركوا سؤاله عن سبب الجمع؛ لأنهم فهموا من نفي الخوف والسفر نفي سبب الجمع، وأن النبي ﷺ جمع بلا سبب؛ لنفي الإثم عن الأمة. ويستفاد من هذا الأثر فائدتان: الأولى: بطلان ما نسب لابن سيرين أنه يرى الجمع بلا سبب. والثانية: أن جابر بن زيد فهم من ابن عباس جواز الجمع بلا سبب، والعجب أن كل من نقل عن بعض العلماء جواز الجمع بلا سبب لم يذكر منهم جابر بن زيد، مع أن النقل عنه أولى من غيره فالنقل عنه مروي بسند صحيح، وأكثر من نقل عنهم القول هي أقوال مرسلة بلا أسانيد، فيضاف قول جابر بن زيد إلى من نسب له القول بجواز الجمع بلا سبب. الدليل الرابع: مما يؤكد أن ابن عباس أراد من نفي الحرج الجوازَ والتوسعةَ، وليس التعليل، كونه رغب في الجمع من أجل إكمال الخُطبة، ولا يعلم أن أحدًا من الصحابة، ولا من الفقهاء ذكر من أسباب الجمع إكمالَ الخطبة. وإذا لم يؤثر عن أحد من السلف أن مثل ذلك من أسباب الجمع، كان جمع ابن عباس بلا سبب. ولو فعله اليوم أحد من الناس لاشتد النكير عليه.

стр. 9679

وأجيب: «كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إنْ قطعه ونزل فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع» (١). ويرد على هذا: إطباق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس يدل على أنها موعظة عامة، وليست في أمر نجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس المضي في الخطبة لتحقيق مصلحة ضرورية، أو دفع مفسدة. ولو قيل: إن تعليم الناس من أسباب الجمع لقيل: يجوز للمدرس أن يجمع حتى لا يقطع درسه، ويجوز للطالب في أيام الامتحانات حتى لا يقطع مذاكرته، ولم يقل بهذا أحد فيما أعلم. وقد فهم بعض العلماء أن جمع ابن عباس من الجمع بلا سبب. قال البغوي: «الحديث يدل على جواز الجمع بلا عذر؛ لأنه جعل العلة أن لا تحرج أمته، وقد قال به قليل من أهل الحديث» (٢). وفهم ابن المنذر من قوله: (أراد أن لا يحرج أمته) جواز الجمع بلا عذر. قال ابن المنذر: «وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر … بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر لما سئل: لما فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته … » (٣). وكذلك فهم النووي من قول ابن عباس أراد ألا يحرج أمته أن الجمع من غير علة.

стр. 9680

قال النووي: «ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته) فلم يعلله بمرض، ولا غيره» (١). وهذا يدل على أنهم لم يفهموا من قوله: (أراد ألا يحرج أمته) التعليل، وإنما نفي الإثم عن الفاعل. والقول بالجمع بلا سبب قول شاذ حكى الإجماع على تحريمه ابن عبد البر (٢). وقال ابن خزيمة: «لم يختلف العلماء كلهم أن الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير المطر غير جائز … » (٣). وجاء في المغني: «أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر» (٤). وقال الجصاص: «ولا خلاف بين الفقهاء أن الجمع لا يجوز في الإقامة من غير عذر» (٥). وبصرف النظر عن دقة هذه الإجماعات لكنها تدل بلا شك على أن أسباب الجمع محصورة عند عامتهم، وليست مفتوحة، وإذا كان عند الإنسان شغل فلا يعالجه بالجمع، بل تسقط عنه الجماعة إذا كان ذلك يؤثر على خشوعه، ولا يعالج مثل ذلك بتقديم الصلاة على وقتها، ولا تأخيرها عن وقتها، فإذا حضر الطعام سقطت الجماعة، ولم يرشد إلى الجمع، فكذلك إذا كان عند الإنسان شغل يؤثر على خشوعه لو ذهب إلى الصلاة قبل الفراغ منه كان من فقه المرء إقباله على شغله، وسقطت عنه الجماعة حتى إذا أقبل على صلاته كان أخشع لقلبه، وليس ذلك سببًا للجمع، وسقوط الجماعة أهون في الشرع من الجمع، فالجماعة عند أكثر العلماء ليست واجبة بخلاف الوقت، وسقوط الجماعة بالعذر عليه نصوص كالشمس، والجمع في الحضر إما مبني على حديث ابن عباس، وقد عرفت ما فيه، وإما على قياس الحضر على السفر، وكيف يصح القياس؟، وإما على أثر

стр. 9681

ابن عمر، وهو ليس فيه هذا العموم من توسيع أسباب الجمع، ومعارض بمثله من أقوال الصحابة، كما سيأتي بيانه عند الكلام على أثر ابن عمر. الدليل الخامس: ومما يدل على أن نفي الحرج لا يراد به التعليل أن الأئمة الأربعة لم يفهموا من حديث ابن عباس التعليل فهذا الإمام مالك يروي حديث ابن عباس في الموطأ والإمام أحمد يرويه في المسند: (من غير خوف ولا سفر)، ثم لا يأخذان به في الجمع بين الظهرين للمطر، وكذلك فعل الإمام أحمد، فإن أحمد لما سئل عن الجمع بين الظهرين للمطر، قال: ما سمعت. ولو كان يذهب إلى مذهب ابن عباس في توسيع أسباب الجمع لم ينف السماع. وقولهما بالجمع في العشاءين للمطر أخذاه من فعل ابن عمر خلف الأمراء، وليس من حديث ابن عباس. الدليل السادس: لو كانت الحاجة من أسباب الجمع لشرع الجمع لمن كان منزله بعيدًا عن المسجد بعدًا كثيرًا مع المشقة الظاهرة، بل يقال له: تسقط عنك الجماعة، ولا يباح لك الجمع. ولو كانت الحاجة من أسباب الجمع لحفظ الجمع للمطر من السنة المرفوعة، فلا يوجد حديث مرفوع عن النبي ﷺ أنه جمع في المطر حتى ذلك المطر الذي قال فيه الصحابي تهدمت البيوت وانقطعت السبل، وهلكت المواشي، لم يحفظ فيه أن النبي ﷺ جمع بسبب ذلك، وأي حرج أكبر من هذا. ولو كانت الحاجة من أسباب الجمع لكان مقتضاه الجمع بين الظهرين للمطر، ولم يقل بالجمع به إلا الشافعية، وهم لا يجمعون في الحضر لغير المطر، فلا يجمعون للمرض ولا لغيره من الأسباب. ولا يقول الشافعي بجمع التأخير، مع أن جمع ابن عباس كان من جمع التأخير، فتبين أنه لا يوجد إمام من الأئمة الأربعة فهم من كلام ابن عباس التعليل. ولو كانت الحاجة من أسباب الجمع لجمع في شدة الحر، والمشروع الإبراد، وهو صورة من الجمع الصوري.

стр. 9682

ولو كانت الحاجة من أسباب الجمع لشرع الجمع في حال المسايفة، فإن الناس أمروا بالصلاة رجالًا وركبانًا، ولم يؤمروا بالجمع. فإن قيل: حديث ابن عباس حديث صحيح، رواه الشيخان، فلا مطعن في صحته، ورواه أكثر من واحد عن ابن عباس. فالجواب: هذا صحيح، ولكن ليس كل حديث صحيح يجب العمل به إذا كان معارضًا بمثله أو بما هو أقوى منه، فالحديث الصحيح حتى يجب العمل به يجب أن يتحقق صحته، وصحة دلالته، وسلامته من معارض مثله أو أقوى، وأن يكون محكمًا غير منسوخ، وقد عرف ما في دلالة حديث ابن عباس من الإشكال الذي أوجب أن يعرض عنه أكثر الأمة فيما نقل الترمذي، ونقلناه عنه، هذا فيما يخص المرفوع من رواية ابن عباس. وأما الموقوف من رواية ابن عباس فينازع فيه في أمرين: الأمر الأول: قول ابن عباس (أراد ألا يحرج أمته) فهذا الفهم من ابن عباس لا يوافق عليه، سواء أراد به جواز الجمع بلا سبب، أم أراد به توسيع أسباب الجمع لمطلق الحاجة، وابن عباس حين صلى مع النبي ﷺ كان صبيًّا لم يبلغ الحلم. الأمر الثاني: أن ابن عباس جمع لإكمال الخطبة. وفعل ابن عباس حجة لولا أنه معارض بأمور منها: أحدها: لا أعلم أن أحدًا من الصحابة أو من التابعين أو من الأئمة الأربعة وافق ابن عباس على جواز الجمع بلا سبب، ولا على جواز الجمع لإكمال الخطبة، وعلى جواز الجمع لمطلق الحاجة. وقد دللت على بطلانه من ستة أدلة ذكرتها قبل قليل. الثاني: قد خالف ابن مسعود ﵁، ابن عباس فلا يرى هو، ولا أصحابه الجمع في الحضر. وسوف أورد أثر ابن مسعود عند الاحتجاج بآثار الصحابة ﵃، وليس فهم ابن عباس بأولى من فهم ابن مسعود. الثالث: معارض بأدلة المواقيت الصحيحة القطعية الدلالة قال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 9683

الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. الرابع: الإجماع فقد نقل ابن قدامة إجماع المسلمين على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة (١). الخامس: أثر عمر ﵁، بأن الجمع بلا عذر من الكبائر. (ث-٨٦٩) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب وقتادة، عن أبي العالية، أن عمر كتب إلى أبي موسى: واعلم أن جمعًا بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر. [حسن بمجموع طريقيه، وروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح] (٢).

стр. 9684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9685

قال البيهقي في الخلافيات: مفهومه: جواز الجمع بين الصلاتين بالعذر. وإن كانت دلالة المفهوم من نصوص الصحابة أضعف منها في النصوص الشرعية؛ لأن النصوص الشرعية محكمة، ومعصومة، والسؤال: ما هو العذر الذي شهدت له النصوص بالاعتبار، أهو السفر، أم المطر أم والمرض، فالسفر عذر بدلالة النصوص القطعية الواضحة. وإنما خصت أحاديث المواقيت بأحاديث القصر والجمع لأسباب معلومة، منها السفر، ومنها الجمع في عرفة ومزدلفة، ولم يثبت الجمع للمرض بحديث صحيح مرفوع، ولم يثبت الجمع للبرد، ولا للريح، ولا للوحل، واختلفوا في المطر. فيؤخذ بالمتيقن المجمع عليه، ويحتاط للصلاة فيما اختلفوا فيه. وقد دللت على أن ابن عباس جمع بلا سبب، وذلك لكونه جمع لإكمال الخطبة، ولتركه بيان سبب الجمع، ولاقتصاره على نفي سبب الجمع، ولترك أصحابه سؤاله عن سبب الجمع؛ لأنهم فهموا أن الجمع بلا سبب، ولفعل جابر بن زيد راوي حديث ابن عباس حيث كان يجمع بلا سبب، وإنما أخذ ذلك من ابن عباس، وهو راوي الحديث. وابن عباس من كبار فقهاء الصحابة، وله اجتهادات ينفرد بها، ومنها ما لا يوافق عليه، كالقول بنكاح المتعة، والقول بمسح القدم في الوضوء، وجواز ربا الفضل، وقد دخل على ابن عباس شباب من بني هاشم فقالوا لشاب منه: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ

стр. 9686

في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى (١). وفي رواية عنه على الشك: قد حفظت السُّنَّةَ كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر، أم لا .... الحديث (٢). وصح عن ابن عباس القول بالقراءة في الصلاة السرية، فلعله رجع عن قوله السابق. فهذه المسألة من مسائل معدودة انفرد فيها ابن عباس، ولا أعلم أن أحدًا قال بأن إتمام الخطبة من أسباب الجمع، حتى روي عن أبي جعفر المنصور أنه قال للإمام مالك: «ضع كتابًا للناس ينتفعون به، وتجنب فيه رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر (يقصد احتياطه)، ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ» (٣). والله أعلم بصحة ذلك، وكل من اجتهد وأكثر من مسائل الاجتهاد فإنه عرضة للخطأ، وابن عباس بحر لا ساحل له، ولو وزنت أخطاؤه بأخطاء الأئمة الأربعة لكانت نقطة في بحر، وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصحابة غير معصومين. الوقوف على من قال بجواز الجمع للحاجة: صح القول بجواز الجمع بلا سبب عن ثلاثة: جابر بن زيد أبي الشعثاء، وأبي إسحاق المروزي، وابن المنذر. وكل من قال: يجوز الجمع بلا سبب فإنه يجوز الجمع للحاجة من باب أولى، وقد سبق بحث ذلك وإثباته. كما صح القول بجواز الجمع للحاجة عن ابن سيرين في أحد قوليه، وسبق ذلك. فهؤلاء أربعة يصح نسبة القول عنهم بجواز الجمع للحاجة إما تخريجًا على تجويزهم الجمع بلا سبب، وإما تصريحًا عنهم بجواز الجمع للحاجة. ونسب القول بجواز الجمع لربيعة الرأي، وعبد الله بن شبرمة، وسعيد بن المسيب، وحكي رواية عن الإمام أحمد، وانتصر لهذا القول ابن تيمية وابن القيم.

стр. 9687

وقبل هؤلاء يمكن القول بأن إمامهم ابن عباس ﵁، حيث جمع لإكمال الخطبة، إنْ عُدَّ إكمال الخطبة حاجة. وسوف أؤجل الكلام على رأي ابن عباس لأنه سيتداخل مع مناقشة قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته). وأما ما نسب القول بجواز الجمع للحاجة لربيعة الرأي (والمتوفى: سنة ١٣٦ هـ) نسبه له ابن بطال في شرح البخاري (والمتوفى سنة: ٤٤٩ هـ). جاء في شرح البخاري لابن بطال: «قال ابن سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين في الحضر إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة. وأجاز ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن» (١). وبين وفاة ربيعة وابن بطال أكثر من ثلاثمائة سنة، ولم أقف عليه مسندًا عن ربيعة، ولا عن أحد ممن عاصر ربيعة حتى يقال ربما سمعه منه، فهو قول معلق، والمعلق ضعيف. وقد نقل سحنون الجمع للمطر بين العشاءين عن جماعة من التابعين وذكر منهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولم يذكر عنه جواز الجمع للحاجة (٢). فلو كان هذا القول ثابتًا عن ربيعة لماذا لم تنقله كتب الآثار والمصنفات التي تجمع آثار التابعين مسندة، ولماذا يكون أول من ينقله عنه ابن بطال وبينهما مفازة عظيمة. ونسب ابن قدامة القول بجواز الجمع للحاجة لابن شبرمة قاضي الكوفة (المتوفى: ١٤٤ هـ)، حكاه عنه في المغني معلقًا (والمتوفى: ٦٢٠)، ولم أقف عليه مسندًا. وسيأتي نقل كلام ابن قدامة إن شاء الله تعالى. فتبين أن ربيعة، وابن شبرمة لم يثبت عنهما صحة نسبة القول بجواز الجمع للحاجة؛ لأن أقوالهما ذكرت معلقة، لم نقف لها على إسناد، والذي يحكيها ليس معاصرًا لمن قالها. نأتي لما ورد عن سعيد بن المسيب، ومدى صحة ما روي عنه، ونسبته إلى القول

стр. 9688

بجواز الجمع عند كل حاجة أو شغل. (ث-٨٧٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، أن رجلا جاء إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني راعي إبل أحلبها، حتى إذا أمسيت صليت المغرب، ثم طرحت فرقدت عن العتمة، فقال: لا تنم حتى تصليها، فإن خفت أن ترقد فاجمع بينهما. [فيه عبد الرحمن بن حرملة صدوق سيئ الحفظ] (١). هل يصح الأخذ من هذه الفتوى جواز الجمع عند كل شغل أو حاجة، فهذا الراعي يراعى طيلة النهار، ثم يأتي المغرب فيصليها في وقتها، ثم ينام عن صلاة العشاء غلبة، فلا يصليها حتى يخرج وقتها من شدة الإعياء، فنهاه سعيد بن المسيب عن النوم حتى يصلي العشاء ما دام يقدر على ذلك، فإذا خاف من تضييعها بالنوم أذن له بالجمع. فهل يستوي رجل يخاف من نفسه تضييع الصلاة؛ لكونه قد بلغه الإعياء من رعيه طيلة النهار، فلا يدخل في استطاعته البقاء إلى العشاء، وإذا نام لم يصلِّ العشاء إلا وقد خرج وقتها، هل يستوي هذا برجل يقدم شغله وحاجته مع قدرته على أداء كل صلاة في وقتها؟، وهل جمع هذا الرجل يشبه الجمع من أجل إكمال الخطبة. فالجمع من الراعي هذا ملحق بجمع الضرورات، وليس بالحاجات كالمرض. وهب أن القول هذا لا يعرف عن أحد من التابعين إلا عن سعيد بن المسيب، أيكون هذا القول بهذا التفرد زمن التابعين ثم يكون دينًا للعامة عند كل شغل أو حاجة تطرق المكلف، وهل قول سعيد ممن يحتج بقوله أم يحتج لقوله؟ فإن كان عمدة ابن المسيب حديث ابن عباس، فقد أوقفتك على كلام الأئمة في حديث ابن عباس، ومنهم الأئمة الأربعة ونقلت لك من نصوصهم ومذاهبهم

стр. 9689

ما لا يتفق مع حديث ابن عباس ﵁ في الموقف الأول من الحديث. بقي ما نقل رواية عن الإمام أحمد، وهي تخالف الراوية المشهورة في مذهبه، وما عليه عامة أصحابه، فلنأخذ النص المنقول عن الإمام أحمد. قال في الفروع: ونقل ابن مشيش: يجمع في حضرٍ لضرورةٍ، مثل مرض وشغل (١). هذا النص من الإمام أحمد يجب ألا يكون مفصولًا عن الروايات الأخرى له، فهو يتكلم عن جمع الضرورة، قال أحمد: (يجمع في حضرٍ لضرورةٍ) ومفهومه: أنه لا يجمع في الحضر للحاجة. وأما المثال الذي ساقه مثل مرض وشغل، فهذا ما دام ساقه مثالًا للضرورة، فيحمل على المرض الشديد الذي يكون فيه الجمع من الضرورات، ولا يحمل على المريض الذي يكون معه بعض المشقة، ومثله يقال في الشغل. جاء في الإرشاد لابن أبي موسى (ت: ٤٢٨): «وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف» (٢). وقال القاضي أبو يعلى: «وأما المرض، فإنما جعل له الجمع بين الظهر والعصر إذا خشي أن يغلب على عقله، ويشق عليه الوضوء» (٣). فتبين أن جمع المريض من جمع الضرورات، ولذلك يرى الجمع للمرض من لا يرى الجمع للحاجة كالإمام مالك. بل يرى الجمع للمرض من لا يرى الجمع للمطر كالليث بن سعد وعطاء (٤). وذكر الإمام أحمد مع المرض الشغل، قال القاضي أبو يعلى: «أراد بالشغل ما يجوز معه ترك الجمعة والجماعة من الخوف على نفسه أو ماله» (٥).

стр. 9690

فهذا الشغل من باب الضرورات، وليس المراد بالشغل اشتغاله بحاجاته. وقال الموفق ابن قدامة: «ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا -يعني من الأسباب السابقة- وقال ابن شبرمة: يجوز إذا كانت حاجة أو شيء لم يتخذ عادة» (١). وهذا النص من ابن قدامة يستفاد منه أمران: الأمر الأول: بيان أن أسباب الجمع في مذهب الإمام أحمد معدودة، لا يجوز الجمع في غيرها، ولو كان الجمع مما تبيحه الحاجة لكانت الحاجات غير محصورة. الأمر الثاني: أنه جعل جواز الجمع للحاجة قولًا لابن شبرمة، ولو كان يعرف أنه رواية عن الإمام أحمد لم يكتف في نسبته لابن شبرمة. وقال في الإنصاف: «لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب» (٢). وقال ابن مفلح في الفروع: «واختار شيخنا -يعني: ابن تيمية- الجمع لتحصيل الجماعة … ولخوفِ تحرجٍ في تركه، أي: مشقة» (٣). ولو كان الجمع للحاجة رواية عن أحمد لذكره ابن مفلح رواية، فهو من أعلم أهل عصره بروايات الإمام أحمد، فكونه ينسب الجمع للمشقة لشيخه تقي الدين فهذا دليل على أنه ليس رواية عن الإمام أحمد. فالمرض والشغل الذي نقله ابن مشيش عن أحمد كانا مثالين لجمع الضرورة، وليس لجمع الحاجة. وكيف يكون الجمع في مذهب أحمد يجوز دفعًا للمشقة، وقد نص الإمام على أنه لا يجمع للمطر في الظهرين كما مر معك. وأسقط الحنابلة الجمعة والجماعة لغلبة النعاس ولم يجعلوه سببًا يبيح الجمع

стр. 9691

مع مشقة مقاومة النوم، فقد ذكر في الوجيز أنه يجوز الجمع لكل شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة عدا النعاس (١). ومنع الحنابلة الجمع للمشقة في السفر القصير. وبقي ممن نسب له هذا القول بجواز الجمع للحاجة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم عليهما رحمة الله، وقد نصر ابن تيمية القول في جواز الجمع للحاجة محتجًا بحديث ابن عباس، وبالقياس على جمع السفر، وأباح الجمع في كل عذر يسقط الجمعة والجماعة، وسوف أورد من نصوص الإمام ابن تيمية في البحث إن شاء الله تعالى ما احتج به لجمع المطر، ومدارسته عند استكمال أدلة القائلين بجواز الجمع للمطر. فخلاصة القول: أنه قد صح القول بجواز الجمع للحاجة عن ابن سيرين في أحد قوليه، وابن تيمية، وابن القيم. ولم يصح نسبة القول به عن الإمام أحمد، ولا عن وربيعة الرأي، ولا عن ابن شبرمة، وأما ما روي عن سعيد بن المسيب، فهو من جمع المضطر إذا خاف أن يضيع الصلاة بغلبة النوم، والله أعلم. والقول بجواز الجمع للحاجة: عمدتهم فعل ابن عباس حيث جمع للخطبة، وما فهمه من جمع النبي ﷺ في المدينة حيث فهم ذلك بأنه أراد نفي الحرج عن أمته، وكلاهما موقوفان على ابن عباس. وإذا ثبت أن التعليل في حديث ابن عباس لا يفهم منه القول بجواز الجمع للحاجة، بل نفي الإثم عن الجمع سقط القول تبعًا. وقد وصف ابن عبد البر هذا القول بالشاذ. قال ابن عبد البر: «وقالت طائفة شذت عن الجمهور الجمع بين الصلاتين في الحضر، وإن لم يكن مطر مباح إذا كان عذر وضيق على صاحبه، ويشق عليه،

стр. 9692

وممن قال بذلك محمد بن سيرين … » (١) ونفى النووي أن يكون الجمع للحاجة من أقوال الأئمة الأربعة. قال النووي: «في مذاهبهم في الجمع في الحضر بلا خوف، ولا سفر، ولا مرض مذهبنا ومذهب أبي حنفية، ومالك وأحمد، والجمهور أنه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب، قال: وجوزه ابن سيرين لحاجة، ما لم يتخذه عادة» (٢). هؤلاء هم من نسب لهم القول بالجمع للحاجة، وأكثرهم لا تصح نسبة القول إليه. والدليل على أن الجمع للحاجة غير مشروع: لا يوجد دليل صحيح صريح يدل على جواز الجمع للحاجة. ولو كانت الحاجة سببًا من أسباب الجمع، لعرف هذا من جهة العمل في عصر التشريع، ولانتشر في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين. هل يعزى ذلك؛ لأن الصحابة لم يتعرضوا في حياتهم إلى حاجة تدعو إلى الجمع إلا ما نقله ابن عباس، ولم ينقل سبب الجمع في سائر طرق الحديث. لقد اشتغل الصحابة في حفر الخندق، وكان هذا من الشغل العام، ومصلحته الدفاع عن الملة والأمة رجالًا ونساء وأطفالًا، ولم يمر بالنبي ﷺ ولا صحابته حدث مثل حفر الخندق وقد تحزب عليهم العرب من أقطارها حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع فيه الجوع والخوف والشغل، ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة، فأي شغل بعد هذا يكون مبررًا للجمع. (ح-٣٤٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى التراب بياض بطنه … الحديث (٣). وفي رواية: حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر … الحديث (٤).

стр. 9693

وأي شغل أصاب الناس حتى كان النبي ﷺ -بأبي هو وأمي- وهو أعلى رجل في الدولة يشارك في نقل التراب، وفي حفر الخندق. (ح-٣٤٠٧) وروى البخاري من طريق سعيد بن ميناء قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا … من حديث طويل (١). فإذا كان هذا الشغل لم يسوغ الجمع، فأي شغل بعده يمكن أن يبرر الجمع؟ وإذا لم يجمع المسلمون في مثل ذلك اليوم والذي اجتمع فيه العمل، والجوع، والخوف، وكانوا يسارعون الوقت قبل أن يداهمهم العدو لم يجمع المسلم لما هو دونه من الحاجات الخاصة أو العامة، أليس هذا الاستدلال أقوى من القول بأنه إذا جمع لما دون الخوف والسفر دل على جواز الجمع للمطر بالأولوية؟ ولقد كان الأنصار أهل حرثٍ ونخل، يعملون في مزارعهم، ويأتيهم مواسم الحصاد والجذاذ، كل عام مرة أو مرتين، ثم لا ينقل عنهم الجمع. والسؤال المشروع: أيكون الشغل من أسباب الجمع، وهو لا ينفك عن الحياة جماعة وأفرادًا، ثم لا ينقل الجمع من فعل النبي ﷺ ، ولا من فعل أصحابه، ولا من فعل التابعين إلا ما كان من حديث ابن عباس -وقد وقفتَ على مواقف العلماء منه، وابن عباس لم يذكر في جميع طرق الحديث سبب الجمع؟ أينقل الصحابة جمع النبي ﷺ في أسفاره، والسفر عارض في حياة الحضري، ويتكرر النقل في بيان صفته، ومكانه كالأبطح، وأثناء استراحته في طريقه إلى تبوك، وفي عرفة ومزدلفة، وهل كان من جمع التقديم أو من التأخير، وهل كان في حال نزوله أو كان في حال جَدَّ به السير، ثم إذا جاءت الإقامة في الحضر، وهي الأصل في حياة النبي ﷺ وأصحابه، والتي امتدت في المدينة عشر سنوات، ويتعرض فيها المجتمع لأسباب الجمع المتكررة من مطر، وبرَد، ورياح، ووحل، وقَرٍّ وحرٍّ شديدين كما هو معهود في

стр. 9694

أرض الحجاز، ثم لا يوجد فيها حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ أنه جمع لذلك؟ ولا يؤثر في ذلك إلا حديث ابن عباس المشكل، والذي شرَّق العلماء فيه وغربوا، أيقال بعد ذلك بمشروعية الجمع للمطر، أو للحاجة عامة أو خاصة؟ لو كان الحرج يبيح الجمع لما أذن النبي ﷺ لأبي ذر إذا أدرك أئمة الجور ممن يؤخرون الصلاة عن وقتها أن يصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركها معهم صلى معهم، وتكون له نافلة، ولم يرشده إلى الجمع، أليس جمع الكلمة من الحاجة؟ وبهذا أكون قد انتهيت من تحقيق نسبة القول بجواز الجمع للحاجة، والدليل على ضعف منزع القول من حيث السنة. النقطة الأخيرة في هذا الموقف: ما أسباب الجمع عند الأئمة الأربعة؟ أريد أن أقف على مذاهب الأئمة الأربعة في أسباب الجمع، أهي معدودة عندهم، أم محدودة بوصف، لا يمكن حصرها بالعدد؟ فإن كانوا فهموا من قول ابن عباس ﵁: (أراد ألا يحرج أمته) التعليل، فإن أسباب الجمع ستكون مفتوحة عندهم، فيجمع متى كان في ترك الجمع حرج. وإن قالوا: إن أسباب الجمع معدودة عندهم، فذلك يعني: أحد أمرين: إما أنهم فهموا من قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته) نفي الإثم، وليس التعليل. أو أنهم لم يأخذوا بفهم ابن عباس ﵁، فهو اجتهاد صحابي غير معصوم. والهدف من هذا البحث ليس بيان الراجح من أسباب الجمع، فإن كل سبب من أسباب الجمع سوف أفرد له مبحثًا خاصًا إن شاء الله تعالى، وإنما الهدف النظر بإجمال إلى مذاهب الأئمة الأربعة، أقالوا: أسباب الجمع مفتوحة لكل حاجة، أم ذهبوا إلى أن أسباب الجمع معدودة، على اختلاف بينهم بين موسع ومضيق. أسباب الجمع عند الحنفية: الحنفية: لا يرون الجمع في حضر، ولا سفر إلا في النسك للحاج في عرفة ومزدلفة (١).

стр. 9695

أسباب الجمع عند الشافعية: الشافعية يحصرون أسباب الجمع بسببين: الأول: السفر الذي تقصر فيه الصلاة (١). الثاني: المطر في الحضر، فيجمع له جمع تقديم (٢). أسباب الجمع عند المالكية محصورة بالأسباب التالية: ١ - السفر، ولو كان قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة. ٢ - المرض، إن خاف أن يغلب على عقله، جمع أول الوقت، فإن جمع ولم يغب عقله أعاد الثانية في وقتها. ٣ - المطر، ومنه البرَد والثلج بين العشاءين خاصة فيجمع له جمع تقديم. ٤ - الطين (الوحل) مع ظلمة، لا الطين فقط، ولا الظلمة فقط جمع تقديم. ٥ - الجمع في عرفة، وفي مزدلفة. ٦ - وفي الخوف قولان لابن القاسم (٣). أسباب الجمع عند الحنابلة: الحنابلة: من أوسع المذاهب في الجمع، ومع ذلك فهي معدودة عندهم بالآتي: ما يجوز الجمع فيه بين العشاءين فقط: ١ - المطر، ومنه البرَد والثلج والجليد، فيجمع بين العشاءين فقط تقديمًا أو تأخيرًا ولا يجوز الجمع فيها بين الظهرين.

стр. 9696

٢ - الوحل. ٣ - الريح الشديدة الباردة (١). ما يجوز الجمع فيه بين الظهرين والعشاءين: ١ - السفر الذي تقصر فيه الصلاة. ٢ - المرض، إذا لحقه بترك الجمع مشقة، ويدخل في المرض: المستحاضة، والعاجز عن الطهارة ولو تيممًا لكل صلاة؛ لأنه في معنى المريض، يجوز الجمع فيه تقديمًا وتأخيرًا. جاء في المغني: «قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: المريض يجمع بين الصلاتين؟ قال: إني لأرجو له ذلك إذا ضعف، وكان لا يقدر إلا على ذلك» (٢). وقال بعضهم: إن جاز له ترك القيام جاز له الجمع، وإلا فلا. وروي عن أحمد أنه لا يجوز الجمع للمريض (٣). ٣ - المرضع إذا شق عليها تفريق الصلاة؛ لكثرة النجاسة، نص عليه أحمد؛ لأن الغالب من حال المرضع أن ثوبها لا يسلم من النجاسة، ففي غسله أو خلعه لكل صلاة مشقة، ولا يطرد الحنابلة الجمع لكل مشقة. فلا يجمع الجزار، مع أنه يلحقه مشقة في غسل ثوبه أو خلعه لكل صلاة كالمرضع. ومنعوا الجمع للمشقة في السفر القصير، وفي الجمع للمطر بين الظهرين. ٤ - العاجز عن معرفة الوقت كأعمى. ٥ - الجمع لعذر أو شغل يبيح له ترك جمعة وجماعة كخوفه على نفسه، أو ماله، أو حرمته، قاله ابن حمدان. ونص أحمد فيما نقله ابن مشيش: يجمع في حضرٍ لضرورةٍ، مثل مرضٍ وشغل،

стр. 9697

وحمله القاضي: على ما يبيح ترك الجمعة والجماعة (١). وليس هذا على إطلاقه: فالمطر: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع بين الظهرين. والنعاس: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع. والسفر القصير يسقط الجماعة، ولا يبيح الجمع. وحضور الطعام يسقط الجماعة، ولا يبيح الجمع. من يرغب في أكل الثوم والبصل، له أن يأكل، وتسقط عنه الجماعة، ولا يقال: اجمع، ثم كل. ومع أن الحنابلة من أوسع المذاهب في الجمع، إلا أن أسباب الجمع عندهم معدودة، ولذلك قال الحنابلة بعد أن ذكروا ما يبيح الجمع. قال في الإنصاف: «لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب» (٢). وقال الموفق ابن قدامة: «ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا» (٣). فتبين أن أسباب الجمع عند الأئمة الأربعة معدودة، وليست مفتوحة، والله أعلم. وانفرد الحنابلة دون الجمهور بالقول بالجمع في المسائل التالية: - جواز جمع التأخير في المطر بين العشاءين. - جواز الجمع في المطر لمن كان يصلي في بيته، أو كان طريقه إلى المسجد تحت سقف ونحوه. - جواز الجمع بين العشاءين في الوحل ولو لم يكن فيه ظلمة، والريح الشديدة الباردة. - جواز الجمع تقديمًا وتأخيرًا للمستحاضة، ولعاجز عن الطهارة بالماء أو بالتراب لكل صلاة، ولعاجز عن معرفة الوقت كالأعمى.

стр. 9698

الموقف الثالث للعلماء من حديث ابن عباس: ما هو المحفوظ من حديث ابن عباس، أقال ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) فيدل بمفهومه على أن المطر من أسباب الجمع أم قال: (من غير خوف ولا سفر) فلا تكون فيه دلالة من هذا الوجه على أن المطر من أسباب الجمع؟. وللجواب على ذلك أقول: حديث ابن عباس رواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (من غير خوف ولا سفر)، وهذا هو المحفوظ على الصحيح. ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: (من غير خوف، ولا مطر)، وكلاهما في صحيح مسلم (١). واختلف العلماء في الراجح من الطريقين: فرجح ابن تيمية رواية حبيب بن أبي ثابت (من غير خوف ولا مطر)، ومستند الترجيح وجوه منها: الوجه الأول: أن حبيب بن أبي ثابت من رجال الشيخين، وهو ثقة فقيه، وأبا الزبير من رجال مسلم، وهو صدوق. يقول ابن تيمية: «تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له؛ فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال الصحيحين فهو أحق بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم» (٢). وهذا الوجه سوف أجيب عليه إن شاء الله تعالى ضمن وجوه ترجيح رواية أبي الزبير، فانظره هناك دفعًا للتكرار. الوجه الثاني: أن حبيب بن أبي ثابت كوفي، وسعيد بن جبير كوفي، وأهل بلده أعلم بحديثه، بخلاف أبي الزبير فإنه مكي، وقليل الرواية عن سعيد بن جبير مقارنة بما رواه حبيب عن سعيد بن جبير.

стр. 9699

ويجاب: بأن هذا الوجه لا شك أنه من علامات الترجيح، إلا أن هذا لا يمنع في حديث بعينه وجود ما يوجب تقديم الغريب على القريب لقرائن، من ذلك: ١ - أن الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير من رجال البخاري، إلا أن الإمام البخاري لم يخرج حديثًا واحدًا في صحيحه من رواية الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، وأخرج أحاديث في صحيحه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير. والسؤال المشروع: لماذا تجنب البخاري أحاديث حبيب من رواية الأعمش بالرغم من أن الأعمش وحبيب وسعيد بن جبير من رجال البخاري؟ ٢ - أن هذا الحديث لم يروه عن حبيب أحدٌ من أهل الكوفة إلا الأعمش، بخلاف حديث أبي الزبير فقد رواه عنه أهل الأمصار. رواه عنه المكي: كابن جريج وابن عيينة. والمدني: كالإمام مالك وهشام بن سعد. والكوفي: كسفيان الثوري، وزهير بن معاوية. والبصري: كحماد بن سلمة، وقرة بن خالد. والمصري: كخالد بن يزيد الجمحي. ٣ - إذا كان الثوري، وهو كوفي، ويروي عن الأعمش، ومكثر من الرواية عنه، ويروي كذلك عن حبيب بن أبي ثابت، لم يروه عنهما، وذهب الثوري ليرويه عن أبي الزبير المكي، فالسؤال المشروع: لماذا ترك الثوري سماع هذا الحديث منهما، وكل واحد منهما بلديه، وذهب ليسمعه من الغريب أبي الزبير المكي؟ وكذلك فعل شعبة، وهو عراقي، فقد روي هذا الحديث عن عمرو بن دينار اليمني المكي، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يسمع الحديث من الأعمش الكوفي وهو مكثر من الرواية عنه، ويروي شعبة كذلك عن حبيب بن أبي ثابت أيضًا. والسؤال المشروع: لماذا ترك شعبة العراقي سماع هذا الحديث منهما،

стр. 9700

وذهب ليسمع الحديث من الغريب المكي (١). فتبين أن الذي آثر الغريب على القريب هم رواة الحديث، وهذا له دلالته في ترجيح رواية أبي الزبير، على رواية حبيب بن أبي ثابت. الوجه الثالث من وجوه تقديم رواية حبيب: أن أبا الزبير قد اختلف عليه في روايته عن سعيد بن جبير، فتارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة بن خالد، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما هي رواية الأكثر عنه (٢). ويجاب: معاذ الله أن نأخذ أبا الزبير بوهم قرة بن خالد، فهذا الاختلاف ليس من أبي الزبير، فقد رواه عنه ما يقرب من عشرة حفاظ، لم يختلفوا عليه في لفظه، وإنما ذلك جاء من قِبَل قرة بن خالد حيث لم يضبط الحديث، وإعلال رواية قرة لا تعود بالبطلان على رواية أبي الزبير. الوجه الرابع: أن قتادة قد رواه عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بذكر المطر. (ح-٣٤٠٨) رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر … الحديث (٣). وهذا إسناد على شرط صحيح البخاري، فقد أخرج البخاري حديثًا واحدًا بهذا الإسناد (٤). وأجيب: قال الشيخ شعيب في تحقيقه للمسند: «ورد هذا الإسناد في النسخ المطبوعة
следующие страницы →