← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

٢ - الوحل. ٣ - الريح الشديدة الباردة (١). ما يجوز الجمع فيه بين الظهرين والعشاءين: ١ - السفر الذي تقصر فيه الصلاة. ٢ - المرض، إذا لحقه بترك الجمع مشقة، ويدخل في المرض: المستحاضة، والعاجز عن الطهارة ولو تيممًا لكل صلاة؛ لأنه في معنى المريض، يجوز الجمع فيه تقديمًا وتأخيرًا. جاء في المغني: «قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: المريض يجمع بين الصلاتين؟ قال: إني لأرجو له ذلك إذا ضعف، وكان لا يقدر إلا على ذلك» (٢). وقال بعضهم: إن جاز له ترك القيام جاز له الجمع، وإلا فلا. وروي عن أحمد أنه لا يجوز الجمع للمريض (٣). ٣ - المرضع إذا شق عليها تفريق الصلاة؛ لكثرة النجاسة، نص عليه أحمد؛ لأن الغالب من حال المرضع أن ثوبها لا يسلم من النجاسة، ففي غسله أو خلعه لكل صلاة مشقة، ولا يطرد الحنابلة الجمع لكل مشقة. فلا يجمع الجزار، مع أنه يلحقه مشقة في غسل ثوبه أو خلعه لكل صلاة كالمرضع. ومنعوا الجمع للمشقة في السفر القصير، وفي الجمع للمطر بين الظهرين. ٤ - العاجز عن معرفة الوقت كأعمى. ٥ - الجمع لعذر أو شغل يبيح له ترك جمعة وجماعة كخوفه على نفسه، أو ماله، أو حرمته، قاله ابن حمدان. ونص أحمد فيما نقله ابن مشيش: يجمع في حضرٍ لضرورةٍ، مثل مرضٍ وشغل،

стр. 9697

وحمله القاضي: على ما يبيح ترك الجمعة والجماعة (١). وليس هذا على إطلاقه: فالمطر: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع بين الظهرين. والنعاس: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع. والسفر القصير يسقط الجماعة، ولا يبيح الجمع. وحضور الطعام يسقط الجماعة، ولا يبيح الجمع. من يرغب في أكل الثوم والبصل، له أن يأكل، وتسقط عنه الجماعة، ولا يقال: اجمع، ثم كل. ومع أن الحنابلة من أوسع المذاهب في الجمع، إلا أن أسباب الجمع عندهم معدودة، ولذلك قال الحنابلة بعد أن ذكروا ما يبيح الجمع. قال في الإنصاف: «لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب» (٢). وقال الموفق ابن قدامة: «ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا» (٣). فتبين أن أسباب الجمع عند الأئمة الأربعة معدودة، وليست مفتوحة، والله أعلم. وانفرد الحنابلة دون الجمهور بالقول بالجمع في المسائل التالية: - جواز جمع التأخير في المطر بين العشاءين. - جواز الجمع في المطر لمن كان يصلي في بيته، أو كان طريقه إلى المسجد تحت سقف ونحوه. - جواز الجمع بين العشاءين في الوحل ولو لم يكن فيه ظلمة، والريح الشديدة الباردة. - جواز الجمع تقديمًا وتأخيرًا للمستحاضة، ولعاجز عن الطهارة بالماء أو بالتراب لكل صلاة، ولعاجز عن معرفة الوقت كالأعمى.

стр. 9698

الموقف الثالث للعلماء من حديث ابن عباس: ما هو المحفوظ من حديث ابن عباس، أقال ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) فيدل بمفهومه على أن المطر من أسباب الجمع أم قال: (من غير خوف ولا سفر) فلا تكون فيه دلالة من هذا الوجه على أن المطر من أسباب الجمع؟. وللجواب على ذلك أقول: حديث ابن عباس رواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (من غير خوف ولا سفر)، وهذا هو المحفوظ على الصحيح. ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: (من غير خوف، ولا مطر)، وكلاهما في صحيح مسلم (١). واختلف العلماء في الراجح من الطريقين: فرجح ابن تيمية رواية حبيب بن أبي ثابت (من غير خوف ولا مطر)، ومستند الترجيح وجوه منها: الوجه الأول: أن حبيب بن أبي ثابت من رجال الشيخين، وهو ثقة فقيه، وأبا الزبير من رجال مسلم، وهو صدوق. يقول ابن تيمية: «تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له؛ فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال الصحيحين فهو أحق بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم» (٢). وهذا الوجه سوف أجيب عليه إن شاء الله تعالى ضمن وجوه ترجيح رواية أبي الزبير، فانظره هناك دفعًا للتكرار. الوجه الثاني: أن حبيب بن أبي ثابت كوفي، وسعيد بن جبير كوفي، وأهل بلده أعلم بحديثه، بخلاف أبي الزبير فإنه مكي، وقليل الرواية عن سعيد بن جبير مقارنة بما رواه حبيب عن سعيد بن جبير.

стр. 9699

ويجاب: بأن هذا الوجه لا شك أنه من علامات الترجيح، إلا أن هذا لا يمنع في حديث بعينه وجود ما يوجب تقديم الغريب على القريب لقرائن، من ذلك: ١ - أن الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير من رجال البخاري، إلا أن الإمام البخاري لم يخرج حديثًا واحدًا في صحيحه من رواية الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، وأخرج أحاديث في صحيحه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير. والسؤال المشروع: لماذا تجنب البخاري أحاديث حبيب من رواية الأعمش بالرغم من أن الأعمش وحبيب وسعيد بن جبير من رجال البخاري؟ ٢ - أن هذا الحديث لم يروه عن حبيب أحدٌ من أهل الكوفة إلا الأعمش، بخلاف حديث أبي الزبير فقد رواه عنه أهل الأمصار. رواه عنه المكي: كابن جريج وابن عيينة. والمدني: كالإمام مالك وهشام بن سعد. والكوفي: كسفيان الثوري، وزهير بن معاوية. والبصري: كحماد بن سلمة، وقرة بن خالد. والمصري: كخالد بن يزيد الجمحي. ٣ - إذا كان الثوري، وهو كوفي، ويروي عن الأعمش، ومكثر من الرواية عنه، ويروي كذلك عن حبيب بن أبي ثابت، لم يروه عنهما، وذهب الثوري ليرويه عن أبي الزبير المكي، فالسؤال المشروع: لماذا ترك الثوري سماع هذا الحديث منهما، وكل واحد منهما بلديه، وذهب ليسمعه من الغريب أبي الزبير المكي؟ وكذلك فعل شعبة، وهو عراقي، فقد روي هذا الحديث عن عمرو بن دينار اليمني المكي، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يسمع الحديث من الأعمش الكوفي وهو مكثر من الرواية عنه، ويروي شعبة كذلك عن حبيب بن أبي ثابت أيضًا. والسؤال المشروع: لماذا ترك شعبة العراقي سماع هذا الحديث منهما،

стр. 9700

وذهب ليسمع الحديث من الغريب المكي (١). فتبين أن الذي آثر الغريب على القريب هم رواة الحديث، وهذا له دلالته في ترجيح رواية أبي الزبير، على رواية حبيب بن أبي ثابت. الوجه الثالث من وجوه تقديم رواية حبيب: أن أبا الزبير قد اختلف عليه في روايته عن سعيد بن جبير، فتارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة بن خالد، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما هي رواية الأكثر عنه (٢). ويجاب: معاذ الله أن نأخذ أبا الزبير بوهم قرة بن خالد، فهذا الاختلاف ليس من أبي الزبير، فقد رواه عنه ما يقرب من عشرة حفاظ، لم يختلفوا عليه في لفظه، وإنما ذلك جاء من قِبَل قرة بن خالد حيث لم يضبط الحديث، وإعلال رواية قرة لا تعود بالبطلان على رواية أبي الزبير. الوجه الرابع: أن قتادة قد رواه عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بذكر المطر. (ح-٣٤٠٨) رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر … الحديث (٣). وهذا إسناد على شرط صحيح البخاري، فقد أخرج البخاري حديثًا واحدًا بهذا الإسناد (٤). وأجيب: قال الشيخ شعيب في تحقيقه للمسند: «ورد هذا الإسناد في النسخ المطبوعة

стр. 9701

من (المسند) وفي (ص) هكذا: (حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس)، وهو خطأ. وأثبتناه على الصواب من (ظ ٩) و (ظ ١٤) و (س) و (ش) و (ق) وأطراف المسند (١/ الورقة ١١٥) حيث ذكره ابن حجر في ترجمة سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ولم نره في ترجمة جابر بن زيد، عن ابن عباس» (١). وكيف وقع هذا الخطأ، فالناسخ لمسند أحمد دخل عليه حديث يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ذُكِر للنبي ﷺ ابنة حمزة، فقال: إنها ابنة أخي من الرضاعة. فانتقل بصره إلى متن الحديث الذي بعده، من طريق الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء .... إلخ، فركب متن طريق الأعمش على إسناد طريق شعبة، عن قتادة، فهذا الطريق وهم، فلا يدخل في المرجحات. الوجه الخامس من وجوه ترجيح حديث حبيب: أن مولى التوأمة قد رواه عن ابن عباس، بذكر المطر. وأجيب بأن حديث مولى التوأمة فيه ثلاث علل: اختلاطه، والاختلاف في سماعه من ابن عباس، والاختلاف عليه في لفظه: فروي (من غير سفر ولا مطر) وروي عنه (من غير خوف ولا مطر)، وقد بينت هذا في تخريج الحديث. وقد اختلط صالح اختلاطًا شديدًا حتى كان اللعاب يسيل على ذقنه، ولم يصح الحديث إلا من طريق داود بن قيس، عن صالح، ولم يذكر داود بن قيس فيمن سمع منه قبل الاختلاط، وقد خرجت الحديث ضمن تخريج حديث سعيد بن جبير.

стр. 9702

الوجه السادس: أنه لا حاجة لنفي السفر، وابن عباس قد قال: بأنه جمع النبي ﷺ في المدينة، فتعين أن يكون النفي للمطر. ويجاب بأكثر من جواب، منها: الأول: أن الإمام مالكًا، وهو أجل من روى هذا الحديث عن أبي الزبير لم يذكر فيه لفظ: (المدينة)، وقد ذكر غيره لفظ المدينة ممن روى الحديث، فهو محفوظ. الثاني: أن ألفاظ الصحابة ليست كألفاظ المعصوم ﵊، فالنصوص النبوية منطوقها ومفهومها مراد في الدلالة، وهي ألفاظ محكمة؛ لأنها عن معصوم، وأما ألفاظ الصحابة، فليست في الإحكام كلفظ النبي ﷺ ، ومفهومها ليس بحجة. الثالث: أن التكرار لا يمكن أن يكون علة يُرَدُّ به نفي (السفر)، فقد يراد بالتكرار توكيد الحضر، والتكرار للتوكيد لا تنكره العرب. قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز (١). الرابع: لما كان الجمع مستقرًا ثبوته في السفر، وكان ابن عباس يخطب في الحضر، وخشي ابن عباس من ربط الجمع بأسباب القصر، وأسباب القصر: هي السفر والخوف، ولا ثالث لهما، فأراد ابن عباس أن يبين أن النبي ﷺ جمع في المدينة من غير أسباب القصر، ليثبت أنه جمع في الحضر، ولا يلزم من نفي أسباب الجمع في السفر نفي غيرهما من الأسباب. الخامس: أن يكون ابن عباس أراد من نفي الخوف والسفر إثبات أن النبي ﷺ جمع بلا سبب، وقد ذكرت ستة وجوه لترجيح هذا الاحتمال، منها: أن ابن عباس لم يذكر سبب الجمع في جميع طرق الحديث مع أهميته لو كان هناك سبب، ومنها اقتصاره على نفي أسبابه، ومنها ترك أصحابه سؤاله عن سبب الجمع؛ ولا تفسير لهذا إلا لأنهم فهموا أن الجمع بلا سبب، ومنها أن جابر بن زيد راوي الحديث عن ابن عباس كان يجمع بلا سبب، وإنما أخذ ذلك بما فهمه من حديث ابن عباس.

стр. 9703

ولأن ابن عباس جمع من أجل إكمال الخطبة، وإكمالها ليس من أسباب الجمع باتفاق من يقول: إن الجمع لا يجوز بلا سبب. واتفاق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس يدل على أنها موعظة عامة، وليست في أمر نجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس المضي في الخطبة لتحقيق مصلحة ضرورية، أو دفع مفسدة واقعة، فليست خطبة ابن عباس بأولى من خطبة النبي ﷺ ، وقد خطب النبي ﷺ من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس، فكان ﵊ إذا حضرت الصلاة نزل النبي ﷺ ، فصلى، ثم أكمل خطبته، كما في صحيح مسلم، حتى قال الصحابي: فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا (١). ولم يجمع النبي ﷺ بين الظهرين من أجل إكمال خطبته، مع أن خطبته أطول، والمشقة على الناس أعظم، وموضوعها أهم؛ لتعلقها بالغيبيات،، والله أعلم. وهذا الجواب كررته؛ لأن الجواب الواحد قد يكون جوابًا لأكثر من سؤال. وجه ترجيح رواية أبي الزبير المكي، (من غير خوف ولا سفر): ذهب إلى ترجيح رواية أبي الزبير جماعة من أهل الحديث، منهم البزار، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن عبد البر والنووي. قال البزار: «وهذا الحديث زاد فيه حبيب: (من غير خوف ولا مطر)، وغيره لا يذكر المطر … ». وقال ابن خزيمة: «فأما ما روى العراقيون: أن النبي ﷺ جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فهو غلط وسهو، وخلاف قول أهل الصلاة جميعًا» (٢).

стр. 9704

وقال البيهقي: «ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه والله أعلم؛ لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير في متنه. ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظة» (١). وقال ابن عبد البر: «هكذا يقول الأعمش في هذا الحديث: عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر)، وحديث مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال فيه: (من غير خوف ولا سفر)، وهو الصحيح فيه إن شاء الله، والله أعلم. وإسناد حديث مالك عند أهل الحديث والفقه، أقوى وأولى، وكذلك رواه جماعة عن أبي الزبير كما رواه مالك: (من غير خوف ولا سفر)، منهم الثوري وغيره .... » (٢). ونقل النووي كلامًا للبيهقي ولم يتعقبه. جاء في خلاصة الأحكام: «قال البيهقي: رواية: (من غير خوف، ولا مطر) رواها حبيب بن أبي ثابت، وقال جمهور الرواة: (من غير خوف ولا سفر). قال: وهذا أولى بأن يكون محفوظًا» (٣). ومستندهم في ترجيح رواية أبي الزبير المكي وجهان: الوجه الأول: أن الحديث قد اشتهر عن أبي الزبير، حتى رواه عنه المكي، والمدني، والكوفي والبصري، والمصري، رواه عنه أكثر من عشرة حفاظ، على رأسهم: الإمام مالك، وابن جريج، والسفيانان: الثوري وابن عيينة وزهير بن معاوية، وغيرهم، بل فيهم من هو من أصحاب الأعمش المكثرين عنه، كالثوري وزهير، فلماذا تركوا حديث الأعمش، وذهبوا لحديث أبي الزبير، وقد تقدم تخريج طرقهم، بخلاف حديث حبيب بن أبي ثابت، فقد تفرد بالرواية عنه الأعمش، ولم يروه من أصحاب الأعمش إلا أربعة حفاظ: (أبو معاوية ووكيع والفضل بن موسى وعثام).

стр. 9705

يقول الشيخ ياسر آل العيد: «تَرْكُ الحفاظ المكثرين من أصحاب الأعمش لروايته عن الأعمش مع علمهم به، ولعلهم تحملوه عن الأعمش ثم امتنعوا من التحديث به عن الأعمش، لأجل هذه اللفظة التي تفرد بها حبيب، فأين أصحاب الأعمش على كثرتهم الكاثرة عن هذا الحديث، مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة، وابن نمير، وحفص بن غياث، وأبي عوانة، ويحيى بن سعيد القطان، وجرير ابن عبد الحميد، وحماد بن أسامة، وزهير بن معاوية، وأبي الأحوص، وشيبان النحوي، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وابن فضيل، وابن أبي زائدة، ويعلى بن عبيد الطنافسي، وغيرهم كثير» (١). الوجه الثاني: أن أبا الزبير وإن كان في الحفظ أقل من حبيب بن أبي ثابت، إلا أن تقديم الأحفظ ليس قاعدة مطلقة، فأبو الزبير قد دلت القرائن على تجويده وضبطه للحديث، من ذلك أنه روى حديثين مختلفين في الجمع بين الصلاتين: فروى أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديثه في الجمع بين الصلاتين في الحضر. وروى أيضًا عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل حديثه في الجمع بين الصلاتين في السفر، في غزوة تبوك. ولم يدخل على ابن الزبير روايته عن سعيد، بروايته عن أبي الطفيل، وهذا دليل على ضبطه، ولم يسلك بهما طريق الجادة بجعلهما عن جابر، فإذا جوَّد الراوي الحديث، واشتهر عنه، قُدِّم، ولو كان مفضولًا. فالنسائي روى في السنن حديث حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب، فرواه موصولًا، من طريق خالد بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله ﷺ وبنت لها، في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ … الحديث (٢).

стр. 9706

ورواه أيضًا، من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت حسين بن ذكوان المعلم البصري قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال: جاءت امرأة، ومعها ابنة لها إلى رسول الله ﷺ وذكر الحديث مرسلًا (١). قال النسائي: «خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب» (٢). فقدم رواية المعتمر، وإن كان في الحفظ أقل من خالد بن الحارث. وقال أبو بكر بن الأثرم: «ربما روى الثبت حديثًا فخالفه فيه من هو دونه، فيكون الذي هو دونه فيه أصوب، وليس ذلك في كل شيء، وسنفتح لك منها بابًا. قد كان سالم بن عبد الله يقدم على نافع. وقد قدم نافع في أحاديث على سالم. فقيل نافع فيها أصوب. وكان سفيان بن سعيد يقدم على شريك في صحة الرواية تقديمًا شديدًا، ثم قضي لشريك على سفيان في حديثين. ومثل هذا كثير» (٣). هذا ما يتعلق في مناقشة دلالة حديث ابن عباس أقال ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) فيدل بمفهومه على أن المطر من أسباب الجمع أم قال: (من غير خوف ولا سفر) فلا تكون فيه دلالة فيه من هذا الوجه على أن المطر من أسباب الجمع؟. وقد ترجح لي أن المحفوظ رواية أبي الزبير المكي، بلفظ: (من غير خوف ولا سفر)، فلا دلالة في حديث ابن عباس من هذا الوجه على أن المطر من أسباب الجمع، ولينظر في دلالته على الجمع على المطر من غير هذا الوجه. مناقشة دلالة حديث ابن عباس على جواز الجمع للمطر من باب أولى. يقول ابن تيمية: «وبهذا استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج

стр. 9707

الحاصل بهذه أولى من الجمع لغيرها» (١). ويقول أيضًا: «فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه أنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر» (٢). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: الإمام أحمد لم يَبْنِ مذهبه في الجمع على حديث ابن عباس، وقد بينت في فقرة سابقة أن الأئمة الأربعة لم يبنوا مذهبهم في الجمع على حديث ابن عباس، فليراجع الكلام دفعًا للتكرار. ولعل ابن تيمية قصد أن مذهب الإمام أحمد في الجمع لسبب غير المطر، فإن مذهبه في الجمع من أوسع المذاهب كما سبق بيانه لك في موقف سابق من البحث. وقد بينت في فقرة سابقة أن الجمع في المرض وفي العجز عن الطهارة وفي معرفة الوقت لا يدخل في جمع الحاجة، وإنما لأن التكليف بحسب القدرة، فقد سبق أن ذكرت لك أن الليث بن سعد لا يرى جواز الجمع للمطر، ويفتي بجواز الجمع للمرض. وقد احتج الإمام أحمد في جمع المرض بقول عطاء، ولو كان يحتج بفعل ابن عباس، أو بحديثه لما احتج بفعل تابعي، وقاس المشقة على المرض على مشقة السفر، ولا يضطر للقياس إلا مع غياب النص. وقد يكون احتج بالجمع في المرض بما ورد في حديث حمنة في جمع المستحاضة إذا أرادت أن تغتسل لكل صلاة، وهو حديث ضعيف، ومن أصول الإمام أحمد تقديم الحديث الضعيف على الرأي. وقد مرض النبي ﷺ مرات عديدة، بما فيه مرض موته ﵊، ولم ينقل حديث واحد أن النبي ﷺ جمع.

стр. 9708

وهؤلاء أصحابه ﵃ كانوا أهل جهاد، يصيبهم القرح، ويعتريهم المرض كغيرهم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه جمع للمرض، وإذا ترك النبي ﷺ وأصحابه الجمع للمرض لم يكن لغيرهم أن يدخله في أسباب الجمع من باب القياس، فلو كان من أسباب الجمع لعلمه الصحابة قبل غيرهم. وبينت فيما سبق أن الجمع في مذهب الإمام أحمد وإن كان أوسع المذاهب إلا أنه يرى أن أسبابه معدودة، ولو كان يأخذ بمذهب ابن عباس لكانت أسباب الجمع مفتوحة غير محدودة، وبينهما فرق كبير جدًّا. وأما قول الإمام أحمد في الجمع في العشاءين فلم يكن حجته في ذلك حديث ابن عباس؛ لأنه لا يجوز أن يأخذ ببعض الحديث ويدع بعضه، وإنما حجته فعل ابن عمر ﵁ إذا جمع الأمراء بين العشاءين، وصلى خلفهم. والإمام أحمد لا يأخذ بالآثار ويدع سنة مرفوعة إلا إذا كان له موقف من الحديث. والسؤال المشروع: لماذا قدم الإمام أحمد أثرًا موقوفًا على ابن عمر على سنة مرفوعة نقلها ابن عباس؟. ولماذا قدم أحاديث المواقيت على حديث ابن عباس، ولم يخصصها به؟ الوجه الثاني: القول: بأنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى من الجمع لغيرها. ويناقش هذا بأكثر من جواب: الجواب الأول: لم يصح في حديث ابن عباس نفي الثلاثة، وإنما الوارد إما نفي الخوف والسفر، وإما نفي الخوف والمطر، وإن كان تقي الدين ﵀ يرجح نفي الخوف والمطر، وقد تعرضت للراجح منهما من جهة الصنعة الحديثية في مناقشة سابقة. والذي أميل إليه أن المحفوظ في الحديث نفي الخوف والسفر، وأن النفي جاء لإثبات أن الجمع كان بلا سبب، وذكرت حجته فيما سبق. ولا يلزم من الجمع بما دون الخوف والسفر أن يكون الجمع للمطر من باب

стр. 9709

الأولوية؛ لأن الخوف والسفر أعظم مشقة من المطر، فالجمع والفطر في السفر جائز، ولو لم يكن فيه مشقة، -وهذا رأي تقي الدين ابن تيمية- ولا يجوز الجمع في الحضر إلا إذا لحقه من ذلك مشقة. فالجمع للمسافر علته: السفر. والجمع في الحضر علته: المشقة. ولهذا يمنع الحنابلة والشافعية الجمع في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة؛ لأن العلة في الجمع السفر، خلافًا للمالكية، وإذا اختلفت العلة لم يصح القياس. جاء في سبل السلام: «قياس الجمع في السفر على الجمع في الحضر فوهم؛ لأن العلة في الأصل هي السفر، وهو غير موجود في الفرع، وإلا لزم مثله في القصر والفطر» (١). هذا الجواب على دلالة نفي السفر على جواز الجمع في المطر. ويبقى دلالة نفي الخوف على جواز الجمع في المطر، فإن مفهوم حديث ابن عباس جواز الجمع بسبب الخوف. والسؤال: هل حُفِظ الجمع بين الصلوات بسبب الخوف في السنة المرفوعة مع إمكان أداء كل صلاة في وقتها؟ لو كان الجمع مشروعًا بسبب الخوف، فلماذا أمرنا بالصلاة حال المسايفة رجالًا وركبانًا قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، حتى ولو تركت بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها من أجل المحافظة على الوقت، ولم نؤمر بالجمع بين الصلاتين؟ وقد يُعَدُّ الجمع في الخوف من باب الضرورات؛ والضرورة قد تبيح المحرم؛ وقد صلى الصحابة في فتح تستر بعد خروج وقتها؛ لأن مثل هذا ضرورة، وليس البحث في الجمع في حال الضرورة، وإنما الجمع في حال الحاجة والمشقة. وقولهم: (جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثباتًا منه أنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا). قولهم: (وإن كان قد جمع بها أيضًا)، لو ثبت أن النبي ﷺ جمع للمطر، لانقطع

стр. 9710

النزاع، وقامت الحجة على المخالف، ولكن أين النص أن النبي ﷺ جمع للمطر؟ وقولهم: (ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر). فالجواب: لا يلزم من كون النبي ﷺ جمع لعذر أقلَّ من الخوف والسفر، أن يكون ذلك إيماء بجواز الجمع للمطر؛ لأن المطر يتكرر حدوثه مرات في العام الواحد، فلماذا لم يجمع، وإذا كان قد جمع فلماذا لم ينقل؟ وإذا لم ينقل عن النبي ﷺ جمعه للمطر لم نكن بحاجة إلى الاستدلال على أن جمعه من غير خوف، ولا سفر إيماء بجواز جمعه للمطر، إلا لو كان المطر صادف أنه احتبس عن النزول في جميع عصر التشريع؛ أما إذا كان ينزل، ويتكرر نزوله، حتى حصل منه أحيانًا ما أهلك المواشي وهدَّم البيوت وقطع السبل، ومع ذلك لم ينقل الجمع، ولو مرة واحدة، فالقاعدة تقول: كل ما وجد سببه في عصر النبي ﵊، وأمكن فعله، ولم يفعله فالسنة تركه. ألا يشعرك هذا النوع من الاستدلال على إعوازٍ في النصوص المرفوعة الدالة على جواز الجمع في المطر؟. ولم ينقل لنا ابن عباس في جميع طرق الحديث سبب جمع النبي ﷺ في الحضر حتى يمكن الجزم بأن جمع المطر مثله، أو أعلى منه أو أقل. وبهذا أكون قد انتهيت من مناقشة الوجه الثاني من وجوه الاستدلال بحديث ابن عباس على جمع المطر، والله أعلم. الدليل الثاني من أدلة الجمع للمطر: (ث-٨٧١) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم (١). [إسناده في غاية الصحة] (٢).

стр. 9711

(ث-٨٧٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، قال: كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم، لا يرى بذلك بأسًا. قال عبيد الله: ورأيت القاسم، وسالمًا يصليان معهم في مثل تلك الليلة (١). وهذا جمع في الوقت؛ لأن الصلاتين وقعا قبل مغيب الشفق. وروى ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي مع مروان، وكان مروان إذا كانت ليلة مطيرة جمع بين المغرب والعشاء وكان ابن عمر يصليهما معه (٢). قال ابن رجب: «وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة، فلو كان محدثًا لم يوافقهم عليه البتة» (٣). وقال ابن المنذر: «فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر. قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين جمع بينهما للمطر والريح والظلمة ولغير ذلك من الأمراض وسائر العلل» (٤). وكان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يجمعان إبان إمارتهما على المدينة في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء، فيجمع بجمعهما سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ولا ينكرون ذلك، والظاهر أن هؤلاء العلماء المدنيين تأسوا بابن عمر، وسوف يأتي تخريج آثارهم.

стр. 9712

ويناقش: عندنا من الصحابة أثر ابن عمر، ومن التابعين تأسي جماعة من الفقهاء السبعة بفعله، والأهم في الاستدلال هو فعل ابن عمر؛ لأنه فعل صحابي، وأما أفعال بعض التابعين فهي مما يستأنس بها، ولكنها ليست أدلة شرعية، فإذا عارضها مثلها كان النظر لحجة القائل، وليس لمجرد حكاية قوله. وسوف أَفْصُل مناقشة أثر ابن عمر، عن مناقشة آثار بعض التابعين من أهل المدينة. أما الجواب عن أثر ابن عمر، فمنه: أولًا: ما رود عن ابن عمر حكاية فعل، والفعل يقول أهل الأصول: لا عموم له، ولا يحفظ أثر قولي عن ابن عمر باستحباب الجمع للمطر في العشاءين. ثانيًا: لم يحفظ أثر عن ابن عمر أنه كان يجمع إذا لم يصلِّ خلف الأمراء. وموافقة الأمراء وحرص السلف على عدم مخالفتهم أمر معلوم، وقد يترك الرجل رأيه تبعًا للأمير. ثالثًا: إذا كان ابن عمر يدع الجمع في السفر مع ظهور السنة فيه، فما بالك برأيه في الجمع في الحضر. (ح-٣٤٠٩) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: جمع ابن عمر بين الصلاتين مرة واحدة، قال: جاءه خبر عن صفية ابنة أبي عبيد أنها وجعة، فارتحل بعد أن صلى العصر، ثم أسرع السير، فسار حتى حانت صلاة المغرب، فكلمه رجل من أصحابه، فقال: الصلاةَ، فلم يرجع إليه، ثم كلمه آخر فلم يرجع إليه، وكلمه آخر فلم يرجع إليه شيئًا، ثم كلمه آخر، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ إذا استعجل أخر هذه الصلاة حتى يجمع بين هاتين الصلاتين (١). وهذا من أصح الأسانيد، عبد الرزاق راوية ابن جريج، وابن جريج من أثبت أصحاب نافع] (٢).

стр. 9713

وتابع ابن جريج إسماعيل بن أمية، وهو ثقة، فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، أن ابن عمر كان يصلي في السفر كل صلاة لوقتها إلا صلاة حين أخبر بوجع امرأته، فإنه جمع بين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل، إذا جد به المسير أو إذا حزبه أمر (١). [صحيح] (٢). فهذا ابن جريج وإسماعيل بن أمية ينقلان عن نافع أن ابن عمر لم يكن يجمع في السفر إلا مرة واحدة حين استصرخ على زوجته. ولذلك استغرب أصحابه حين جمع، فسألوه عن ذلك. وإذا كان هذا اختيار ابن عمر في السفر، وسنة الجمع فيه محفوظة في أحاديث كثيرة، وبعضها مقطوع بصحتها، فما ظنك في اختيار ابن عمر في الجمع في الحضر للمطر، والذي لم يحفظ فيه حديث واحد مرفوع عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من صحابته إلا ما وقع منه خلف الأمراء. لقد كان الصحابة حريصين على عدم مخالفة الأمراء؛ لما في مخالفتهم من المفاسد، ورأينا كيف ابن مسعود استرجع لما بلغه أن عثمان أتم الصلاة في منى، ثم لما صلى خلفه أتم معه الصلاة، وقال: إن الخلاف شر، فما بالك بمخالفتهم في وقت الفتن، والاضطراب السياسي، فواضح أن جمع ابن عمر كان في آخر حياته؛ لأن الراوي كان يستشهد بفعل ابن عمر خلف الأمراء، ولو كان يصلي معه أحد من الصحابة ممن يحتج بقولهم لنقل ذلك، فكون الرواة يستشهدون بفعل ابن المسيب، وعروة، وأبي بكر بن الحارث وغيرهم من التابعين خلف الأمراء، فلو كان الناقل يجد صحابيًا غير ابن عمر لما احتاج إلى الاستشهاد بفعل بعض التابعين

стр. 9714

ويدع الصحابة، والفارق كبير جدًّا، فالتابعي يحتج له، والصحابي يحتج به. وقول نافع: (كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة … )، ظاهره أن نافعًا كان يصلي مع ابن عمر خلفهم؛ لأنه يحكي عن أمرائه، لا أمراء من سبقه، ومن روى عنه نافع من الصحابة ثلاثة عدا ابن عمر، فكيف يقال: إن هذا هو مذهب جميع الصحابة؛ لأنهم لم ينكروا عليهم، فقد روى نافع عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) وأبي سعيد الخدري (ت: ٦٤)، ورافع بن خديج (ت: ٧٤ هـ)، فلو أن أحدًا من هؤلاء الثلاثة كان يصلي مع ابن عمر، أترى الراوي يقتصر على ابن عمر، ويذهب يستشهد بسعيد بن المسيب، وعروة، وأبي بكر بن الحارث، ويدع الصحابة، وإذا كانوا لم ينقلوا الجمع عن سليمان بن يسار، ولا عن خارجة بن زيد، ولا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهؤلاء من الفقهاء السبعة، ومعاصرون لابن المسيب وعروة، وأبي بكر بن الحارث، بل نقل عن القاسم أنه كان يصلي الفرض في بيته ثم يصلي معهم لتأخيرهم الصلاة عن وقتها، فكيف يصح القول بأن الصحابة جميعهم كانوا يجمعون، ولا ينكرون الجمع، وإذا كان القاسم بن محمد لا يقدر أن ينكر عليهم تأخيرهم الصلاة عن وقتها، كما سيأتي، فكيف يقدر أحد على إنكار الجمع. وأمراء المدينة ممن كان يعتد بفقههم ونقل عنهم الجمع بالاسم: ثلاثة: أبان ابن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، ولم يدرك ابن عمر إمارتهما؛ لأن ابن عمر توفي (سنة: ٧٣ هـ) وتولى (أبان بن عثمان) الإمارة (سنة: ٧٥ هـ) في خلافة عبد الملك ابن مروان، وظل سبع سنوات حتى عزله عبد الملك (سنة: ٨٢ هـ). وتولى عمر بن عبد العزيز إمرته على المدينة (سنة: ٨٧ هـ). فكان الجمع المنقول في آخر حياة ابن عمر أي قبل عام ثلاث وسبعين من الهجرة، وكانت إمرة الحجاز ومنها المدينة في ذلك الحين متقلبة في تلك الفترة تارة تذهب للأمويين، فيعين الأمير من قبلهم، وتارة تذهب لابن الزبير، فيكون الأمير من قبله، وربما تقلد الإمارة في الشهر الواحد أكثر من أمير، وكان ابن عمر حريصًا أن ينأى بنفسه عن هذه الخلافات، ولا يظهر منه أي مخالفة للأمراء، سواء أكان مكلفًا بالإمارة من قبل الأمويين أم من قبل ابن الزبير، وكان غالب هؤلاء

стр. 9715

الأمراء ليس ممن تؤخذ منهم الفتوى، ولذلك جاء إطلاقهم في الروايات بقول الراوي (خلف الأمراء) ولم يسمَّ من هؤلاء الأمراء ممن صلى خلفهم عبد الله بن عمر، إلا مروان بن الحكم، فإنه صرح باسمه في إحدى الروايات؛ لأنه حين إمرته على المدينة كان حاله صالحًا، وتولى إمرة المدينة مرتين سنة (٤٩) وعزل في نفس العام، وسنة (٥٤ هـ) وبقي إلى عام (٥٧) في خلافة معاوية ﵁، وكان ذلك قبل أن يشهر سيفه طلبًا للخلافة، وأما رميه طلحة ﵁ بسهم فقد كان متأولًا كما نقله ابن حجر. وقال عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث. وقال ابن حزم: «لا نعلم لمروان شيئًا يجرح به قبل خروجه على ابن الزبير» (١). هذا هو الظرف الذي أحاط بصلاة ابن عمر خلف الأمراء إذا جمعوا بين المغرب والعشاء، وقد يقول قائل: لماذا لم يصلِّ معهم ويعدها نافلة؟. فالجواب: ربما رأى أنهم متأولون في الجمع لحصول المطر، فيدع اجتهاده ورأيه لرأي الأمير، لأن السؤال يعكس: لماذا لم يكن ابن عمر يجمع في السفر، ولم ينقل جمعه إلا حين استصرخ فيها على زوجه، وأنها قد تفوته قبل أن يصل إليها، ولماذا لا يجمع في الحضر إلا خلف الأمراء، ولا يجمع مع غيرهم، فليس له تأويل عندي إلا ما ذكرت، والله أعلم. ولقد تأسَّى بابن عمر بعض الفقهاء السبعة، فكانوا إذا جمع الأمراء صلوا خلفهم بين العشاءين اقتداء بفعل ابن عمر، ولي وقفات مع جمع ابن عمر. الوقفة الأولى: لماذا لم يحفظ الجمع في المطر في العصر النبوي، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. ولا يحفظ الجمع صحيحًا في المطر عن غير ابن عمر من الصحابة خلا من

стр. 9716

حاول أن يحمل حديث ابن عباس على المطر، وهو لم يذكر سبب الجمع في سائر طرق الحديث. وقد سبقت مناقشته؟. ولقد روي الجمع في المطر عن عمر، وهو ضعيف جدًّا، وروي عن ابن عباس، وهو ضعيف أيضًا، فليس في الباب صحيح إلا ما ورد عن ابن عمر. (ث-٨٧٣) فقد روى عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، قال: جمع عمر بن الخطاب بين الظهر، والعصر في يوم مطير (١). [ضعيف جدًّا] (٢). (ث-٨٧٤) وقال البيهقي في السنن: قال الشافعي ﵀ في القديم: أخبرنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق. [ضعيف] (٣). (ث-٨٧٥) وجاء في المدونة: قال سحنون: قال ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن سعيد بن هلال حدثه، أن ابن قسيط حدثه: إن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر المغرب والعشاء سنة، وأن قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك (٤).

стр. 9717

[ضعيف] (١). هذا هو ما ورد عن الصحابة، فلم يصح في الباب إلا أثر ابن عمر وحده، ومقيد بأمرين: إذا صلى خلف الأمراء، وبين العشاءين. وأما أثر ابن عباس فقد علمت ما فيه. وجاء في مجموع الفتاوى: «وجمع المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر. قال البيهقي: ورواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق. وروى الشافعي في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق … ثم ذكر تقي الدين صحة الجمع عن بعض التابعين من أهل المدينة خلف عمر بن عبد العزيز، عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن الحارث وعروة بن الزبير، ومشيخة ذلك الزمن ثم قال: فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك» (٢). ولم ينقل تقي الدين صحيحًا إلا عن ابن عمر، وهو مقيد بما سبق وذكرت لك، أنه كان يجمع خلف الأمراء، وقد سبق لك الجواب عنه. وأما ما نقله عن ابن عباس فهو ضعيف له أكثر من علة خرجته فيما سبق، وأما ما نقله عن بعض التابعين من أهل المدينة تأسيًا بابن عمر، فهؤلاء لا يحتج بهم، ومعارضون بأكثر منهم زمن التابعين، ممن لا يرى الجمع كما سيأتي بيانه. الموقف الثاني: فعل ابن عمر لا يكون حجة، وهو معارض برأي غيره من الصحابة.

стр. 9718

من ذلك، ابن مسعود ﵁. (ث-٨٧٦) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة والأسود قالا: قال عبد اللَّه: لا يجمع بين الصلاتين إلا بعرفة: الظهر والعصر (١). [صحيح]. وقال الترمذي في السنن: «والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين» (٢). فانظر يا رعاك الله دقة نقل الإمام الترمذي، فجعل العمل عند أهل العلم ألا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، وجعل الخلاف في المرض خلافًا بين التابعين فمن بعدهم، وفي المطر خلافًا بين الفقهاء، فمفهوم كلام الترمذي أن الجمع في المطر لم يكن من قول الصحابة رضوان الله عليهم. (ث-٨٧٧) وروى الطحاوي، قال حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: صحبت عبد الله بن مسعود ﵁ في حجة، فكان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء، ويسفر بصلاة الغداة. [صحيح] (٣). فلو كان يرى الجمع لم يتكلف الجمع الصوري، وإذا كان هذا في السفر فالحضر من باب أولى.

стр. 9719

(ث-٨٧٨) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعد يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، يقدم من هذه قليلًا، ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة. [صحيح] (١). وجه الاستدلال كالاستدلال بالأثر الذي قبله. هذا ما يخص النقاش حول أثر ابن عمر، وأنتقل منه إلى مناقشة ما ورد عن بعض التابعين من أهل المدينة. مناقشة ما ورد من آثار عن بعض التابعين من أهل المدينة: (ث-٨٧٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مهدي، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة: المغرب والعشاء، فيصليهما معه عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لا ينكرونه. [صحيح] (٢). (ث-٨٨٠) وروى البيهقي، من طريق بشر بن عمر، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا هشام بن عروة، أن أباه عروة، وسعيد بن المسيب، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكرون ذلك. [صحيح] (٣). وقوله: (إذا جمعوا) يقصد الأمراء.

стр. 9720

وأتبع البيهقي قائلًا: وبإسناده حدثنا سليمان بن بلال، عن موسى بن عقبة، أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم، ولا ينكرون ذلك. [وسنده صحيح كسابقة]. ويجاب عن ذلك بما يلي: الجواب الأول: ما قيل في الجواب عن أثر ابن عمر يقال في الجواب عن جمع هؤلاء الفقهاء فهو حكاية فعل منهم، وليس من الآثار القولية المنسوبة إليهم في استحباب أو جواز الجمع للمطر، وأن فعلهم في ذلك مقيد بالصلاة خلف الأمراء، وربما فعلوا ذلك تأسيًا بفعل ابن عمر، ونسب ابن قدامة القول بالجمع بين العشاءين للفقهاء السبعة، ولم أقف عليه من قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ولا عن سليمان بن يسار، ولا عن خارجة بن زيد، وإنما الثابت عن ابن المسيب، وعروة، وأبي بكر ابن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عند من يدخل الأخير في السبعة، وكانوا يفعلون ذلك إذا صلوا خلف عمر بن عبد العزيز أو خلف أبان بن عثمان، فإذا جمع الأمير صلوا بصلاته، ولم ينكر أحد عليه ما فعل. وربما من فعل ذلك كان تأسيًا بفعل ابن عمر ﵁، وقد علمت الجواب عن أثر ابن عمر، فإذا لم يكن فعل ابن عمر حجة مع مخالفة غيره له من الصحابة، لم يكن فعل هؤلاء الأئمة حجة أيضًا. ورد هذا: لو كان الجمع باطلًا ما كان هؤلاء العلماء من السلف يقرون ذلك، خاصة أن عمر بن عبد العزيز كان في ذلك الحين شابًا، وكان يوقر العلماء، لا سيما سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير. وحين كان عمر بن عبد العزيز يؤخر الصلاة ذكَّره عروة بن الزبير إمامة جبريل للنبي ﷺ وبيانه المواقيت، وذكر له عروة حديث أبي مسعود في صلاة جبريل في

стр. 9721

اليوم الأول، ولم يذكر صلاته في اليوم الثاني، ولعله كان يريد أن يحثه على التبكير، وإن كان التأخير عن أول الوقت جائزًا بالإجماع، وفواته من فوات الفضائل، ومع ذلك ذكَّره عروة، فما بالك بالجمع فهو أخطر؛ لأنه ينطوي على تأخير إحدى الصلاتين عن وقتها، أو تقديمها على وقتها، فكونهم يصلون خلفه، ولا ينكرون ذلك دليل على كونه سائغًا عندهم. ويجاب على هذا الرد: قد أشرت أن فعل ابن عمر كان قبل تولي عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان إمارة المدينة، فإن صدق ذلك على عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان لم يصدق على أمراء بني أمية وقت ابن عمر ﵁. وكانت سيرة عمر بن عبد العزيز -وقت إمارته على المدينة وقبل توليه الخلافة- سيرة حكام بني أمية في تأخير الصلاة عن وقتها. (ح-٣٤١٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (١). فقد ترك أنس الصلاة جماعة خلف عمر بن عبد العزيز لتأخيره الصلاة عن الوقت المختار الذي كان يصليها مع النبي ﷺ ، ولا أظن أن أنسًا سيترك الجماعة قبل النصيحة لولي الأمر. وعمر بن عبد العزيز كان أميرًا على المدينة في وقت الحجاج، ويعلم المطلع على أحوال أمراء بني أمية كيف كانوا يؤخرن الصلاة، ويعاقبون من ينكر عليهم. (ث-٨٨١) وقد روى مالك كما في المدونة، عن القاسم بن محمد حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة أنه كان يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد فيصلي

стр. 9722

معهم، فكُلِم في ذلك، فقال: أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئًا (١). فعدَّ القاسم الاكتفاء بالصلاة مع أمراء بني أمية كأنه لم يصلِّ شيئًا، وهذا يدل على أن تأخيرهم الصلاة أحيانًا إلى ما بعد الوقت، والقاسم بن محمد ولد في خلافة عثمان ومن الفقهاء السبعة، وقد سمع من عمته أم المؤمنين عائشة ﵂، ومن ابن عمر، وابن عباس، فهو قد أدرك الأمراء الذي كان يجمع معهم ابن عمر، وكان القاسم يصلي خلفهم إذا جمعوا. وكان يصلي في بيته ويعيد الصلاة خلفهم إذا أخروا الصلاة عن وقتها، ولم ينقل عن القاسم أنه أنكر عليهم تأخيرهم الصلاة عن وقتها، كما أدرك إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، لأنه توفي سنة (١٠٦ هـ) على الصحيح. الجواب الثاني: هل يعد قول بعض الفقهاء السبعة بما يعرف بالاحتجاج بإجماع أهل المدينة على ضعفه أصوليًّا؛ لأن الإجماع الحجة هو إجماع علماء الأمة، لا إجماع بعضهم؟ الجواب: لا يعد هذا من إجماع أهل المدينة؛ لأن هذا الفعل لم ينقل عن جميع فقهاء أهل المدينة، فثلاثة من الفقهاء السبعة لم أقف على نقل عنهم أنهم كانوا يجمعون في المطر، ولو كانوا يفعلون ذلك لنقل عنهم كما نقل عن غيرهم ممن كان يجمع، كما لم أقف على نقل فيه عن ابن شهاب، ولا عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا عمن بعدهم كابن أبي ذئب، وحمل ابن الماجشون حديث ابن عباس على الجمع الصوري، وهذا دليل على أنه لا يرى الجمع في الحضر، وإنما يكون الإجماع منهم، ما أدرك أتباع التابعين العمل عليه عن تابعي أهل المدينة بلا اختلاف بينهم، ويأثرونه عمن أدركوهم من الصحابة بلا خلاف بينهم، وهذا ما لم يتوفر هنا. ولأن بعض من قال بحجية إجماع أهل المدينة قد وضع شرطين: الشرط الأول: أن يكون الاحتجاج فيما سبيله النقل، وليس الاجتهاد، كمسألة الأذان،

стр. 9723

والصاع، وعدم وجوب الزكاة في الخضراوات (١). وعَدُّ المطر سببًا من أسباب الجمع يدخله الاجتهاد خاصة أنه لا يحفظ فيه نص من الشارع، وقد ألحقه بعضهم بالجمع في عرفة ومزدلفة؛ وبعضهم ألحقه بالجمع بالسفر بجامع المشقة، وهذا التوجه من الاستدلال استخدمه تقي الدين ابن تيمية عليه رحمة الله حين دلل على أن الجمع في السفر ليس سببه السفر، ولا المطر، ولا النسك، بل المشقة والحاجة. وإلحاق الحضر بالسفر ممتنع وقد ناقشته فيما سبق. وحتى ذلك الذي سبيله النقل من الأمور المحسوسة ليس معصومًا من الحدث والتغيير، فخذ مثالًا التكبير في الأذان، فأهل المدينة يعمل خلفهم عن سلفهم على التكبير مرتين في الأذان زمن التابعين، وهو محدث مخالف لأذان بلال والذي كان يربع التكبير بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد ناظر مالك بعض من احتج عليه في الأذان بأذان بلال فاحتج مالك عليه بعمل أهل المدينة وأن هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده إلى اليوم لم يحفظ عن أحد إنكار لهذا الأذان، ولا نسبته إلى التغيير (٢). والحق أن تثنية التكبير لم يكن من أذان أهل المدينة، وحتى أذان أبي محذورة كان التكبير فيه أربعًا على الصحيح. جاء في مسائل ابن هانئ للإمام أحمد، «قيل له: فإن بالمدينة من يؤذن بأذان أبي محذورة كثيرًا فقال: ما كان يؤذن بها إلا أهل مكة، وهذا محدث بالمدينة … » (٣). ولقد كان الرسول ﷺ يجهر بالتكبير كل ما خفَضَ أو رفعَ، وقد ترك الجهر بالتكبير، في وقت كان كبار الصحابة متواجدين، حتى صار هناك اعتقاد أن الإسرار به هو السنة. (ح-٣٤١١) روى البخاري من طريق همام، عن قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم ﷺ (٤).

стр. 9724

(ح-٣٤١٢) وروى البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد ﷺ (١). فانظر كيف أنكر عكرمة على الجهر بالتكبير، حتى نسب صاحبه إلى الحمق، وحتى أصبح فعله مستغربًا، وحتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ مع أن هذه السنة محسوسة. ولا أعلم أن أحدًا من الفقهاء السبعة قال بصيام الست من شوال، حتى قال الإمام مالك: لم أر أحدًا من السلف يصومها، وكان الناس يصومونها خارج المدينة. فالجمع في المطر إذا أحدثه أمراء بني أمية، وصلى ابن عمر خلفهم لا يمكن أن يكون هذا من النقل المتواتر عن الصحابة كلهم، ولا أنه من إجماع أهل المدينة. فالسؤال: أين الجمع في المطر، في عصر التشريع، بل أين الجمع في المطر عن الخلفاء الراشدين، بل أين الجمع في المطر عن غير ابن عمر، بل أين الجمع عن ابن عمر إذا لم يصلِّ خلف الأمراء؟ كلها أسئلة مشروعة. الشرط الثاني: في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة أن يكون العمل به متواصلًا (٢). وكيف يكون الجمع في المطر متواصلًا، وهو حادث أحدثه أمراء بني أمية، لم يعرفه أهل المدينة في عصر النبي ﷺ ، ولا في عصر الخلفاء الراشدين؟. فالتوصيف الصحيح أن يقال: إن الجمع بين العشاءين في المطر من عمل بعض أهل المدينة زمن التابعين، فلا ينزل فيه الخلاف في حجية إجماع أهل المدينة، والإمام مالك في الموطأ احتج على مسائل كثيرة بإجماع أهل المدينة، ولا أحفظ عنه

стр. 9725

أنه احتج للجمع في المطر بإجماع أهل المدينة، ولو كان يراه إجماعًا لاحتج به؛ لأنه من أصوله، وإنما احتج فقط بفعل ابن عمر ﵁، والله أعلم. وإذا كان عمل بعض أهل المدينة زمن التابعين الجمع بين العشاءين، فإن عمل سائر بلاد المسلمين زمن التابعين عدم الجمع. فهذه بلاد الشام، يتكلم عنهم الأوزاعي إمام أهل الشام في زمانه، والليث بن سعد المصري، وهما من طبقة الإمام مالك ينكران أن يكون أحد يجمع للمطر عدا أهل المدينة، وهذا خبر، وليس اجتهادًا. جاء في الأوسط لابن المنذر: «قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فقال: أهل المدينة يجمعون بينهما، ولم يزل من قبلنا يصلون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك» (١). فهذا الليث يقول: لم يزل من قبلنا يصلون كل صلاة في وقتها، ومن قبلهم هم التابعون والصحابة رضوان الله عليهم. وقال الأوزاعي:: يجتنب من قول أهل العراق: ..... وذكر أشياء، ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر … » (٢). ووافق الليث بن سعد الإمام الأوزاعي على قوله، بل جاء عن الليث ما هو أصرح من كلام الأوزاعي. قال الليث بن سعد في رسالته للإمام مالك: «مطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله ، لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر، وفيهم خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل .... وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح … وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها» (٣).

стр. 9726

فكل هؤلاء الذين ذكرهم الليث لا يعرف عن أحد منهم أنه جمع للمطر، فهؤلاء لم يثبت عنهم الجمع مع وجود سببه وهو المطر. وأما عن أهل مصر فيقول الليث: «وقد كان أبو ذر بمصر، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص … فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط» (١). وأما أهل مكة في زمن التابعين فهذه المصنفات التي تنقل آثار التابعين لم أقف فيها على أحد منهم أنه كان يجمع في المطر، لا من قوله، ولا من فعله، فهذا عطاء سيد من سادات أهل مكة حفظ عنه الجمع في السفر، والجمع للمرض ولا يعرف عنه قط القول بالجمع للمطر، كما لم يحفظ القول بالجمع لمجاهد، وعكرمة، وروى الحديث عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، وحملاه على الجمع الصوري، ولا يؤثر عنهما القول بالجمع في المطر، ولم يؤثر عن سعيد بن جبير إلا روايته حديث ابن عباس، ولم ينقل أحد من أهل المصنفات أن سعيد بن جبير كان يجمع في المطر من قوله أو من فعله، وقد يكون هذا من المرجحات أن المحفوظ من روايته عن ابن عباس: (جمع من غير خوف ولا سفر). وقل مثل ذلك عن أهل اليمن، فإني لم أقف فيها على أحد منهم من خلال مراجعة المصنفات في الآثار فلم ينقل عن أحد منهم القول بالجمع في المطر. فهذا طاوس ينقل عنه الجمع في السفر، ولا يحفظ عنه القول بالجمع في المطر. وأين النقل عن وهب بن منبه، أو حنش الصنعاني، أو الضحاك بن فيروز، أو صفوان بن يعلى، أو معمر بن راشد. وهذه بلاد العراق من كوفة وبصرة زمن التابعين فلم يكن يجمع الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس، ولا يحفظ الجمع عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، ولا عن إبراهيم النخعي، ولم يكن يجمع الحسن البصري، ولا محمد بن سيرين، وهو القول المسند عنه، وكل ما روي خلافه عن ابن سيرين فهو معلق عنه بلا إسناد، إلا ما ورد عن جابر ابن زيد أبي الشعثاء من الجمع بلا سبب، وأنكر عليه ابن سيرين، ولم يحفظ الجمع عن

стр. 9727

قتادة، ولا عن أيوب السختياني، ولا عن عبد الله بن عون، ولا عن سعيد بن أبي عروبة. يقول الليث في رسالته إلى الإمام مالك: « … وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، ونزلها على بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله ﷺ فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط» (١). (ث-٨٨٢) وقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: كان ينزل لوقت كل صلاة، ولو كان ينزل على حجر. [حسن] (٢). ورواه ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان به، ولفظه: كان ينزل لوقت الصلاة في السفر، ولو على حجر (٣). وإذا كان هذا فعله في السفر فما ظنك بالحضر. (ث-٨٨٣) وروى عبد الرزاق، عن هشام، عن الحسن أنه كان يقول: صلوا كل صلاة لوقتها (٤). (ث-٨٨٤) ويشهد له، ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، قال: سئل الحسن عن جمع الصلاتين في السفر، فكان لا يعجبه إلا من عذر. [صحيح] (٥). وروى ابن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام،

стр. 9728

عن الحسن ومحمد، قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر، ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع. [صحيح] (١). وتأمل أنهما نسبا هذا القول إلى السنة، وأخالفهما في السفر؛ لظهور السنة، وأما قولهم في الحضر فصحيح غير مدفوع، لم يثبت الجمع في السنة للمطر إلا عن بعض أهل المدينة. وقال ابن المنذر: «وكرهت طائفة الجمع بين الصلاتين إلا عشية عرفة وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين» (٢). فهذه بلاد المسلمين لا يعرف عنهم القول بالجمع في المطر في الزمن الأول. أيكون فعل ابن عمر وبعض التابعين خلف الأمراء من الإجماع المتواتر؟ الدليل الثالث: ثبت أن النبي ﷺ جمع في عرفة ومزدلفة، وأن جمعه لم يكن لعلة السفر، ولا الخوف، ولا المطر، ولا لخصوص النسك، فكذلك جمعه الذي رواه ابن عباس في المدينة، وإنما كان الجمع في الموضعين لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا. يقول ابن تيمية: «النبي ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف، ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما قال: (أراد أن لا يحرج أمته). ومعلوم أن جَمْع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا؛ فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها، ولجمع لمَّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك؛ فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم؛ فإنه من حينئذ صار محرمًا فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة

стр. 9729

لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا» (١). ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: قول ابن تيمية ﵀: (لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها)، هذا الإلزام ليس بلازم؛ فالفطر يجوز للمسافر، ولو لم يكن هناك مشقة، ولا يصح القول: لو كان فطره للسفر للزمه الفطر في كل سفره، فكذلك الجمع، فالقصر ملازم للسفر، وهو سنة، وقيل: واجب، والفطر والجمع من رخص السفر مطلقًا، يباحان مطلقًا، ويسنان مع المشقة، والسفر علة الترخص. الوجه الثاني: الجمع في عرفة ومزدلفة كالقصر سببهما السفر، (ث-٨٨٥) فقد روى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٢). [صحيح]. (ث-٨٨٦) وروى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، أنه سأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم. لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة (٣). فهذا عمر بن الخطاب حين قصر في مكة، علل قصره بالسفر، قائلًا: (أتموا فإنا

стр. 9730

قوم سفر) فهل كان قصر عمر في باقي المشاعر لعلة غير السفر؟ فمن ادعى أن قصر عمر في عرفة أو في مزدلفة، أو في منى للنسك، وأنه يختلف عن قصره في مكة فعليه الدليل. وإذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر وقد قاس حفيده سالم الجمع في السفر على الجمع في عرفة، فالقصر والجمع في عرفة ومزدلفة سببهما السفر. الوجه الثالث: القول بأن الجمع لرفع الحرج، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا، قد سبق الجواب عن هذا القول وأن قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته)؛ هذا الحرف من فهم ابن عباس، أراد به ابن عباس جواز الجمع بلا سبب نفيًا للإثم. فلم يثبت في حديث مرفوع أن النبي ﷺ جمع في المدينة في غير هذا الحديث، ولو كان الناس كل ما احتاجوا جمعوا، لتكرر وقوع الجمع في الحضر في عصر التشريع، فالناس لا يعدمون من الوقوع في حاجة عامة من برد، وريح، ومطر ووحل، أو من التعرض لحاجة خاصة من شغل كالحصاد والجذاذ، والنعاس، والمرض، وغيرها، والثابت عن النبي ﷺ في دفع أذى المطر قوله: (صلوا في رحالكم)، وهذا لا يختلف عليه الأئمة الأربعة. ولم يثبت أيضًا أن النبي ﷺ جمع للمطر في المدينة، وهو حاجة تتكرر سنويًا أكثر من مرة، وقد تحقق وقوعه في العصر النبوي حتى تهدمت البيوت وانقطعت السبل وهلكت المواشي ولم ينقل الجمع، أيكون الجمع جائزًا عند كل حرج، ثم لا ينقل ذلك في الحضر مرفوعًا إلا ما نقله ابن عباس، وهو حكى فعله مرة واحدة، ولم ينقل لنا سببه؟ ولم ينف ابن عباس إلا الخوف والسفر، وكلاهما من أسباب الجمع في غير الحضر. وقد مرض النبي ﷺ مرات كثيرة حتى صلى جالسًا، ومرض أيامًا قبل وفاته، ولم ينقل أنه جمع قط من أجل المرض، ومن قال بجمع المطر قاسه على مشقة

стр. 9731

السفر، وهذا دليل على أن الفرع المقيس لا نص فيه، ومرض أبو بكر ولم ينقل أنه جمع، ولا يسلم أحد من الاعتلال بالمرض، ولا نقل عن أحد من الصحابة أنهم جمعوا للمرض، وهو أولى من الجمع للشغل أو من أجل إكمال الخطبة. وكان الصحابة أهل جهاد، تصيبهم الجراح أيصح استخدام القياس لفعل ما تعمد النبي ﷺ ترك الجمع فيه مع وجود المقتضي، أليس الترك من النبي ﷺ سنة؟ أليس استخدام القياس يلزم منه معارضة السنة التركية من النبي ﷺ ؟ الوجه الرابع: لا يصح تخريج الجمع في الحضر على الجمع في عرفة ومزدلفة، وبينهما فرق كبير، كيف يخرج الجمع الذي وقع في الحضر مرة واحدة، ولم ينقل لنا سببه، ولم ينقل أنه تكرر، وغايته أن يكون مباحًا عند انعقاد سببه، وتركه أفضل، كيف يخرج ذلك على جمع عرفة ومزدلفة ذلك الجمع الذي لم يختلف فيه، ولم يتخلف عنه منذ شرعه النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهو من السنن، وتركه مكروه، وحاجته عامة لجميع الحجاج؟ وقد قيل: إن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة فلا يقاس عليه جمع الرجل أو جماعة محدودة تنزل بهم حاجة؛ لعدم المساواة. أليس هذا القياس اعترافًا أن الجمع للمطر في الحضر ليس فيه نص مع وجود الأمطار وقت التشريع، ووقت الخلفاء، فلو كان هذا من القياس الصحيح لكان الجمع قد ثبت عن النبي ﵊ وعن خلفائه الراشدين. دليل من قال: لا يجوز الجمع في المطر. الدليل الأول: قال ابن المنذر: «لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك كما أُدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين» (١).

стр. 9732

وقال المعلمي اليماني: «الجمع للمطر لم تقم عليه حجة، وإنما يحتجون عليه بهذا الحديث (يعني حديث ابن عباس)» (١). والجمع في السفر، والنبي ﷺ مقيم في سفره نُقِل وحُفِظ في أكثر من حديث على قلة الجمع، كجمعه في الأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، وجمعه حين إقامته للاستراحة في الطريق إلى تبوك، كما في حديث معاذ ﵁ في مسلم، وجمعه في عرفة ومزدلفة، وهو في الصحيحين، فهذه الوقائع على قلتها حفظها لنا الصحابة ﵃، ونقلوها، فأين النقل عن جمع النبي ﷺ في المطر، هل يتصور أن النبي ﷺ يجمع، ولا ينقل؟ الدليل الثاني: (ح-٣٤١٣) روى الإمام البخاري من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (٢). وجه الاستدلال: أن هذه الأمطار قد استمرت أسبوعًا كاملًا حتى قال الناس: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، ولو كان هناك رخصة في الجمع بسبب المطر لما تجشموا الحضور مع هذه المشقة الشديدة، التي عمت حتى طالت الإنسان

стр. 9733

والحيوان والبنيان والطرق. وقد قالت عائشة: ما خيَّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١). فلما ترك الجمع دل على أنه إثم. ولو جمع لتوافرت الدواعي على نقله، والله أعلم. وقد مكث النبي ﷺ في المدينة عشر سنوات، وكان المطر ينزل، فإما أن يكون الصحابة قد قصَّروا في النقل، فلم يحفظوا لنا سنته في المطر -وحاشاهم عن ذلك- وإما أن يكون النبي ﷺ قد تعمد ترك الجمع مع وجود المقتضي، فيكون الترك سنة كالفعل، فما تركه النبي ﷺ فالسنة لنا تركه، وكيف يصح القياس لإدخال المطر مع أن السنة ترك الجمع فيه، فكان القياس من القياس الفاسد، أليس القول بالجمع استدراكًا على النبي ﷺ ؟ الدليل الثالث: (ح-٣٤١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذَّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٢). فإن قيل: هذا في السفر: لما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٣). فالجواب أن المطر يتكرر وقوعه، فكما يأتي بالسفر يأتي بالحضر وعلى التنزل أن هذه الحادثة لم تقع إلا في السفر، فقد رواه ابن عباس في الحضر. (ح-٣٤١٥) روى البخاري حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين،

стр. 9734

قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). فلما وجد الأمر بالصلاة في الرحال بسبب المطر في السنة المرفوعة، واتفق عليها الأئمة الأربعة في الصلوات الخمس، ولم يثبت في حديث مرفوع أن النبي ﷺ جمع في الحضر لعلة المطر مع قيام المقتضي وتكراره، علمنا أن المطر في الحضر ليس من أسباب الجمع، والله أعلم. ولو كان الجمع رخصة في المطر في الحضر لفعله النبي ﷺ ، ولنقله لنا صحابته، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، فلما لم يوجد في الأحاديث ما يدل على حصول الجمع للمطر مع قيام السبب وقت التشريع، ولم يوجد آثار عن الصحابة مع تفرقهم في البلدان، ولم يعرف هذا الفعل زمن التابعين إلا في المدينة، ومن صحابي واحد، وهو ابن عمر، ولم يجمع استقلالًا وإنما كان يتابع الأمير إذا جمع، وهي حكاية فعل، وليست سنة قولية، وأما فعل ابن عمر في المطر على وجه الاستقلال فكان يأمر مؤذنه أن ينادي: الصلاة في الرحل، وما كان يحب الجمع حتى في السفر، ولم يفعله في عمره إلا مرة واحدة حين استصرخ على زوجته. ولم ينقل أن مساجد المدينة كانت تفعله عند انعقاد سببه إلا في مسجد النبي ﷺ خلف أميرها، ولذلك قال الإمام مالك في رواية: أن الجمع خاص في مسجد النبي ﷺ ، لأن الجمع كان يقع في مسجده ﵊ خلف الأمراء. وقد أشرنا إلى هذه الرواية في الأقوال. كل هذا يدل على أن الجمع في المطر ليس من أسباب الجمع، والناس عندنا يفزعون إلى الجمع عند بَلِّ الثياب، وقد تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي على وقت النبي ﷺ حتى أمطروا أسبوعًا كاملًا، وحتى سأل الصحابي

стр. 9735

نبي الله ﷺ أن يدعو ربه بإيقاف المطر مع شدة حب العرب للمطر، ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع، والله أعلم. ويستنكر كثير من الناس النداء بالصلاة في الرحال لجهلهم بالسنة، وينشطون على الجمع، ولو كان المطر خفيفًا، ويلحون على الإمام بالجمع. فلا ندع سنة متفقًا عليها، وأحاديثها في الصحيحين، بإسقاط الجماعة بعذر المطر، وندع المحافظة على أهم شروط العبادة بعد الطهارة، وهو الوقت، ونأتي إلى سنة فيها اختلاف، والآثار فيها لا تشفي الصدر، ونقدم إحدى الصلاتين على وقتها، أو نؤخرها عن وقتها، وهذا خلاف الأصل. الأمر الثالث: هذا الجمع الذي وقع من النبي ﷺ في الحضر إما أن يكون قد تكرر من النبي ﷺ ، أو أنه وقع منه مرة واحدة. فإن كان قد تكرر فسوف ينشط كبار الصحابة على نقله، ولن يتجاهل. وإن كان حدث مرة على خلاف العادة، فسوف يكون موضع استغراب من قبل الصحابة، ويتوجهون بالأسئلة للنبي ﷺ عن سبب فعله، كما كان الصحابة يسألون النبي إذا فعل فعلًا على خلاف المعتاد، فلم ينقل لا هذا ولا ذاك، ولا تفسير لهذا التجاهل إلا أن يكون الجمع لم يقع، والله أعلم. دليل من قال: يجمع بين المغرب والعشاء فقط: الدليل الأول: لم يثبت الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر، فلو كان المطر علة في الجمع لثبت هذا، والأصل عدم الجمع. قال: «الأثرم: قيل لأبي عبد الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعت» (١). فاحتج أحمد على التفريق بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء على عدم
следующие страницы →