← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

السفر، وهذا دليل على أن الفرع المقيس لا نص فيه، ومرض أبو بكر ولم ينقل أنه جمع، ولا يسلم أحد من الاعتلال بالمرض، ولا نقل عن أحد من الصحابة أنهم جمعوا للمرض، وهو أولى من الجمع للشغل أو من أجل إكمال الخطبة. وكان الصحابة أهل جهاد، تصيبهم الجراح أيصح استخدام القياس لفعل ما تعمد النبي ﷺ ترك الجمع فيه مع وجود المقتضي، أليس الترك من النبي ﷺ سنة؟ أليس استخدام القياس يلزم منه معارضة السنة التركية من النبي ﷺ ؟ الوجه الرابع: لا يصح تخريج الجمع في الحضر على الجمع في عرفة ومزدلفة، وبينهما فرق كبير، كيف يخرج الجمع الذي وقع في الحضر مرة واحدة، ولم ينقل لنا سببه، ولم ينقل أنه تكرر، وغايته أن يكون مباحًا عند انعقاد سببه، وتركه أفضل، كيف يخرج ذلك على جمع عرفة ومزدلفة ذلك الجمع الذي لم يختلف فيه، ولم يتخلف عنه منذ شرعه النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهو من السنن، وتركه مكروه، وحاجته عامة لجميع الحجاج؟ وقد قيل: إن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة فلا يقاس عليه جمع الرجل أو جماعة محدودة تنزل بهم حاجة؛ لعدم المساواة. أليس هذا القياس اعترافًا أن الجمع للمطر في الحضر ليس فيه نص مع وجود الأمطار وقت التشريع، ووقت الخلفاء، فلو كان هذا من القياس الصحيح لكان الجمع قد ثبت عن النبي ﵊ وعن خلفائه الراشدين. دليل من قال: لا يجوز الجمع في المطر. الدليل الأول: قال ابن المنذر: «لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك كما أُدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين» (١).

стр. 9732

وقال المعلمي اليماني: «الجمع للمطر لم تقم عليه حجة، وإنما يحتجون عليه بهذا الحديث (يعني حديث ابن عباس)» (١). والجمع في السفر، والنبي ﷺ مقيم في سفره نُقِل وحُفِظ في أكثر من حديث على قلة الجمع، كجمعه في الأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، وجمعه حين إقامته للاستراحة في الطريق إلى تبوك، كما في حديث معاذ ﵁ في مسلم، وجمعه في عرفة ومزدلفة، وهو في الصحيحين، فهذه الوقائع على قلتها حفظها لنا الصحابة ﵃، ونقلوها، فأين النقل عن جمع النبي ﷺ في المطر، هل يتصور أن النبي ﷺ يجمع، ولا ينقل؟ الدليل الثاني: (ح-٣٤١٣) روى الإمام البخاري من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (٢). وجه الاستدلال: أن هذه الأمطار قد استمرت أسبوعًا كاملًا حتى قال الناس: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، ولو كان هناك رخصة في الجمع بسبب المطر لما تجشموا الحضور مع هذه المشقة الشديدة، التي عمت حتى طالت الإنسان

стр. 9733

والحيوان والبنيان والطرق. وقد قالت عائشة: ما خيَّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١). فلما ترك الجمع دل على أنه إثم. ولو جمع لتوافرت الدواعي على نقله، والله أعلم. وقد مكث النبي ﷺ في المدينة عشر سنوات، وكان المطر ينزل، فإما أن يكون الصحابة قد قصَّروا في النقل، فلم يحفظوا لنا سنته في المطر -وحاشاهم عن ذلك- وإما أن يكون النبي ﷺ قد تعمد ترك الجمع مع وجود المقتضي، فيكون الترك سنة كالفعل، فما تركه النبي ﷺ فالسنة لنا تركه، وكيف يصح القياس لإدخال المطر مع أن السنة ترك الجمع فيه، فكان القياس من القياس الفاسد، أليس القول بالجمع استدراكًا على النبي ﷺ ؟ الدليل الثالث: (ح-٣٤١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذَّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٢). فإن قيل: هذا في السفر: لما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٣). فالجواب أن المطر يتكرر وقوعه، فكما يأتي بالسفر يأتي بالحضر وعلى التنزل أن هذه الحادثة لم تقع إلا في السفر، فقد رواه ابن عباس في الحضر. (ح-٣٤١٥) روى البخاري حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين،

стр. 9734

قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). فلما وجد الأمر بالصلاة في الرحال بسبب المطر في السنة المرفوعة، واتفق عليها الأئمة الأربعة في الصلوات الخمس، ولم يثبت في حديث مرفوع أن النبي ﷺ جمع في الحضر لعلة المطر مع قيام المقتضي وتكراره، علمنا أن المطر في الحضر ليس من أسباب الجمع، والله أعلم. ولو كان الجمع رخصة في المطر في الحضر لفعله النبي ﷺ ، ولنقله لنا صحابته، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، فلما لم يوجد في الأحاديث ما يدل على حصول الجمع للمطر مع قيام السبب وقت التشريع، ولم يوجد آثار عن الصحابة مع تفرقهم في البلدان، ولم يعرف هذا الفعل زمن التابعين إلا في المدينة، ومن صحابي واحد، وهو ابن عمر، ولم يجمع استقلالًا وإنما كان يتابع الأمير إذا جمع، وهي حكاية فعل، وليست سنة قولية، وأما فعل ابن عمر في المطر على وجه الاستقلال فكان يأمر مؤذنه أن ينادي: الصلاة في الرحل، وما كان يحب الجمع حتى في السفر، ولم يفعله في عمره إلا مرة واحدة حين استصرخ على زوجته. ولم ينقل أن مساجد المدينة كانت تفعله عند انعقاد سببه إلا في مسجد النبي ﷺ خلف أميرها، ولذلك قال الإمام مالك في رواية: أن الجمع خاص في مسجد النبي ﷺ ، لأن الجمع كان يقع في مسجده ﵊ خلف الأمراء. وقد أشرنا إلى هذه الرواية في الأقوال. كل هذا يدل على أن الجمع في المطر ليس من أسباب الجمع، والناس عندنا يفزعون إلى الجمع عند بَلِّ الثياب، وقد تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي على وقت النبي ﷺ حتى أمطروا أسبوعًا كاملًا، وحتى سأل الصحابي

стр. 9735

نبي الله ﷺ أن يدعو ربه بإيقاف المطر مع شدة حب العرب للمطر، ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع، والله أعلم. ويستنكر كثير من الناس النداء بالصلاة في الرحال لجهلهم بالسنة، وينشطون على الجمع، ولو كان المطر خفيفًا، ويلحون على الإمام بالجمع. فلا ندع سنة متفقًا عليها، وأحاديثها في الصحيحين، بإسقاط الجماعة بعذر المطر، وندع المحافظة على أهم شروط العبادة بعد الطهارة، وهو الوقت، ونأتي إلى سنة فيها اختلاف، والآثار فيها لا تشفي الصدر، ونقدم إحدى الصلاتين على وقتها، أو نؤخرها عن وقتها، وهذا خلاف الأصل. الأمر الثالث: هذا الجمع الذي وقع من النبي ﷺ في الحضر إما أن يكون قد تكرر من النبي ﷺ ، أو أنه وقع منه مرة واحدة. فإن كان قد تكرر فسوف ينشط كبار الصحابة على نقله، ولن يتجاهل. وإن كان حدث مرة على خلاف العادة، فسوف يكون موضع استغراب من قبل الصحابة، ويتوجهون بالأسئلة للنبي ﷺ عن سبب فعله، كما كان الصحابة يسألون النبي إذا فعل فعلًا على خلاف المعتاد، فلم ينقل لا هذا ولا ذاك، ولا تفسير لهذا التجاهل إلا أن يكون الجمع لم يقع، والله أعلم. دليل من قال: يجمع بين المغرب والعشاء فقط: الدليل الأول: لم يثبت الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر، فلو كان المطر علة في الجمع لثبت هذا، والأصل عدم الجمع. قال: «الأثرم: قيل لأبي عبد الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعت» (١). فاحتج أحمد على التفريق بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء على عدم

стр. 9736

ثبوت الجمع بين الظهر والعصر للمطر في الحضر. ويناقش: بأن قول الإمام أحمد ظاهر بأنه لا يرى العمل بحديث ابن عباس (جمع النبي ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر)، فما الجواب عن الإمام مالك، الذي روى حديث ابن عباس، وتأوله بالمطر، ثم لم يعمل بمقتضاه في الظهرين، فإن تأويله لذلك تسليم للاحتجاج به في الظهرين؟. وقد أخذ من هذا أبو القاسم ابن الكاتب وأبو الوليد الباجي جواز الجمع بين الظهر والعصر لعلة المطر. وهو مقتضى تأويل مالك ﵀، واستحسنه خليل في التوضيح (١). وقال ابن رجب: «والعجب من مالك ﵀، كيف حمل حديث ابن عباس على الجمع للمطر، ولم يقل به في الظهر والعصر، والحديث صريح في جمع الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» (٢). أجيب عن ذلك بأكثر من جواب: الجواب الأول: قال المازري: «ولم يقل مالك بذلك في صلاة النهار، وخص الحديث بضرب من القياس، وذلك أن الجمع للمشقة اللاحقة في حضور الجماعة. وتلك المشقة إنما تدرك الناس في الليل؛ لأنهم يحتاجون إلى الخروج من منازلهم إلى المساجد وهم في النهار متصرفون في حوائجهم، فلا مشقة تدركهم في حضور الصلاة» (٣). ويناقش: الجواب الأول: غاية هذا الدفع أن تكون المشقة في الليل أكثر من المشقة في النهار، وهذا لا يكفي لتخصيص الجمع بالعشاءين، خاصة أن حديث ابن عباس نصٌّ في

стр. 9737

الظهرين فدلالته على الظهرين من قبيل الخاص، ولو كان اللفظ ورد عامًا وكان دخول الظهرين مظنونًا جاز القول بالتخصيص، أما إذا نص على الظهرين ثم رددنا هذا بالقياس، فيكون من رد النص بالرأي. الجواب الثاني: يمكن أن يقال: إن الإمام مالكًا ظن أنه في المطر على سبيل الاحتمال؛ وإذ لم يكن المطر منصوصًا على أنه سبب الجمع، فلا يمنع من معارضته بما هو أقوى منه ولذلك خالفه الإمام مالك بالقياس وبالعمل، فأهل المدينة ما كانوا يجمعون بين الظهرين للمطر. فالإمام أحمد في رواية قدم أحاديث المواقيت على حديث ابن عباس، وفي رواية أخرى: حمله على الجمع الصوري، وفي رواية ثالثة حمله على المريض والمرضع، وكل واحد منها ينفي الاحتمال الآخر، ولكن ما سبيله الاحتمال لا يمنع من احتمال غيره؛ فليس الأمر كالمنصوص عليه، فلو أنه نص على المطر ما كان للإمام مالك أن يعارضه بالقياس. الجواب الثالث: وأجاب ابن اللباد بما معناه: أنه لم يصف عبد الله بن عباس ﵁ صفة الجمع، وفي أي وقت جمع؛ لأنه لا يجوز لنا تأخير ما عجل رسول الله ﷺ ، ولا تعجيل ما أخر، فإذا لم يعرف الإمام مالك صفة الجمع كيف هو، توقف عن استعمال الخبر في الظهرين، وكان الأخذ بحديث المواقيت أولى، وقلنا بالعشاءين لفعل ابن عمر: (أنه كان إذا جمع الأمراء جمع معهم)، وغير ابن عمر مع ابن عمر يجمع معهم بالمدينة، وهى دار رسول الله، ﷺ ، وموضع هجرته وهجرة أصحابه، ﵃، يقوم مقام الإجماع بالمدينة، فاتبع ما رواه عنهم؛ إذ وجده منصوصًا في الحديث عنهم في المغرب والعشاء، وأدرك العمل عليه قائمًا كما أدرك العمل في الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء قائمًا، معمولًا به في السفر، فأخذ به (١). فهذا الجواب يؤول إلى عمل الإمام أحمد، وهو تقديم أحاديث المواقيت

стр. 9738

على حديث ابن عباس. الدليل الثاني: (ث-٨٨٧) قال ابن عبد البر: روى أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: من السنة إذا كان يوم مطير، أن يجمع بين المغرب والعشاء» (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ث-٨٨٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم. [إسناده في غاية الصحة] (٣). الراجح: من جَمَعَ من الناس مقتديًا بالإمام أحمد وبالإمام مالك في العشاءين أو جمع في الظهرين مقتديًا بالإمام الشافعي فقد اقتدى بأئمة هدى. ومن ترك الجمع فهو أحب إلي: - لكونه رواية عن الإمام أحمد، وقول الأوزاعي والليث بن سعد، ولم يعرف

стр. 9739

الجمع عن التابعين عدا أهل المدينة. - وكونه من السنة التركية حيث لم يثبت الجمع في حديث مرفوع. - ولم يثبت عن صحابي إلا عن ابن عمر خلف الأمراء. - ولأن أكثر من رأى الجمع لم يقل: إن الجمع سنة حتى يكون من تمسك بالجمع يرى أن تركه من ترك السنن، فهو مباح عند المالكية، وتركه أفضل عند الشافعية والحنابلة خلا الجمع في عرفة ومزدلفة فهو من السنن، وهو من الجمع في السفر، فليس داخلًا في مسألتنا. - ولأن الإمام مالكًا والإمام أحمد إنما لم يذهبا إلى القول بجواز الجمع بين الظهرين؛ لأنه لا حديث في الباب ولا أثر. سئل الإمام أحمد عن الجمع بين الظهرين، فقال: ما سمعت. فإن قلت: لماذا قالا بجواز الجمع بين العشاءين، هل لأنه يوجد في المسألة حديث مرفوع؟ الجواب لا، إنما في الباب أثر وحيد عن ابن عمر كان إذا جمع أمراء بني أمية جمع معهم ﵁. فإذًا لا يوجد نص مرفوع في الجمع في المطر طيلة العصر النبوي وعصر الخلفاء، ولو أن ابن عمر جمع بينهما على وجه الاستقلال عن الأمراء أو أثر عنه القول بجواز الجمع من قوله لطابت نفسي، ولكني آثرت السنة التركية من النبي ﷺ طيلة إقامته في المدينة على اجتهاد ابن عمر ﵁ في متابعة الأمراء إذا جمعوا. فإن قلت: على أي أساس جمع الأمراء، إذا لم يكن هناك سنة مرفوعة؟ فالجواب: ربما اجتهدوا في قياس الحضر على السفر بجامع المشقة، وكان شيخ الإسلام قد استخدم هذه الطريقة في الاستدلال على الجمع، وتمت مناقشة ذلك في البحث، وترك ابن عمر رأيه لاجتهاد الأمراء؛ وإنما قلت ذلك؛ لأن ابن عمر لم يكن يفضل الجمع في السفر مع ظهور السنة فكيف يستحب الجمع في الحضر؟ والإمام الشافعي اجتهد في إلحاق الظهرين قياسًا على جمع ابن عمر في

стр. 9740

العشاءين خلف الأمراء؛ لأن العلة إذا كانت المطر فهي موجودة في الظهرين، ولم ير ذلك الإمامان تقديمًا للسنة التركية على القياس، وهو ما احتج به الإمام أحمد حين سئل عن الجمع فيهما، فقال: ما سمعت. والله أعلم.

стр. 9741

الفصل الرابع الجمع بسبب المرض المدخل إلى المسألة: الأصل في الصلوات عدم الجمع إلا بدليل. لا يحفظ في جمع المرض حديث صحيح، ولا أثر. سقط النبي ﷺ من فرسه حتى صلى جالسًا، وكان يوعك كما يوعك رجلان من الصحابة، وفي مرض موته كان يغمى عليه من شدة المرض، ولم يحفظ أنه جمع، ولو مرة واحدة. إذا ترك النبي ﷺ وأصحابه الجمع للمرض لم يكن لغيرهم أن يدخله في أسباب الجمع من باب القياس. كل ما وُجِد سببُه في عهد النبي ﷺ مع إمكان فعله، ولم يفعل فالسنة تركه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾. التأسي بالنبي ﷺ كما يكون في أفعاله ﷺ يكون أيضًا فيما تركه، ورغب عنه. المحافظة على الوقت أهم من المحافظة على الجماعة، فالوقت شرط بالإجماع، والجماعة تسقط بعذر المطر في قول الأئمة الأربعة. لا يصح تخريج الجمع في المرض على الجمع في السفر بجامع المشقة؛ لأنه قياس مخالف لعمل النبي ﷺ وأصحابه من ترك الجمع، فيكون قياسًا فاسدًا. الجمع والفطر للمسافر علته: السفر، فيباحان فيه، ولو لم يكن هناك مشقة، بخلاف الحضر، فلا يباحان على القول بهما إلا مع المشقة الظاهرة، وإذا اختلفت العلة فلا قياس. من خاف إغماء يستغرق جميع وقت الثانية فليس مكلفًا في القضاء إن وقع، فلا حاجة إلى الجمع بتقديم الصلاة على وقتها، راجع حكم الصلاة على المغمى عليه.

стр. 9742

[م-١٠٩٤] اختلف العلماء في الجمع بين الظهرين والعشاءين لعلة المرض، فقال الحنفية والشافعية: لا يجمع المريض مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن حزم (١). قال النووي: «المشهور في المذهب، والمعروف من نصوص الشافعي وطرق الأصحاب: أنه لا يجوز الجمع بالمرض» (٢). وجاء في الإنصاف: «وعنه -أي: عن الإمام أحمد- لا يجوز له الجمع. ذكرها أبو الحسين في تمامه، وابن عقيل» (٣). وقال الحنابلة في المشهور: يجمع المريض مطلقًا تقديمًا وتأخيرًا، ويقدم الأرفق به، فإن استوى الأمران فالتأخير أفضل (٤).

стр. 9743

وقال بجواز الجمع للمرض من لا يرى الجمع للمطر، كالليث وعطاء، واختاره من الشافعية الخطابي، والقاضي حسين، والروياني، والنووي (١). وألحق الحنابلة بالمريض كلًا من: - المستحاضة، ومثلها من ابتلي بسلس البول. - والعاجز عن الطهارة والتيمم لكل صلاة. - والعاجز عن معرفة الوقت كأعمى (٢). وهذان قولان متقابلان. وقال المالكية: يجوز جمع التقديم للمريض في حالين: الحال الأولى: أن يخاف إغماء يستغرق وقت الثانية فيجمعها إلى الأولى فقط، فإن جمع، ولم يغب عقله أعاد الثانية ما بقي الوقت، فإن خرج الوقت فليس عليه إعادة.

стр. 9744

أو يغمى عليه وقت الأولى كله فيصليها مع الثانية جميعًا. الحال الثانية: أن يخاف من حمى نافضة شديدة في وقت الثانية، فله التقديم إلى وقت الأولى (١). فواضح أن الجمع للمريض ليس من باب الحاجات عند المالكية؛ لأنهم خصوه بالمرض الذي يخاف منه تضييع الصلاة بالإغماء حتى يستغرق وقت الثانية. دليل من قال: لا يجوز الجمع للمرض: الأصل عدم الجمع إلا بدليل، وقد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلا تصلى الصلاة قبل وقتها، ولا تؤخر عنه إلا بدليل صحيح. يقول الإمام الشافعي: «لم يعلم أن رسول الله ﷺ جمع» (٢)، يعني للمرض. وقد مرض ﵊ حين سقط من فرسه حتى صلى جالسًا، كما في حديث أنس وعائشة في الصحيحين. ومرض النبي ﷺ أيامًا قبل وفاته حتى كان يغمى عليه. وكان النبي ﷺ يوعك كما يوعك الرجلان من أصحابه، تعظيمًا لأجره ورفعة لدرجاته، ولم ينقل في حياته كلها أنه جمع من أجل المرض. ومرض أبو بكر ﵁ مرض الموت، ولم ينقل عنه أنه جمع للمرض. وهؤلاء الصحابة ﵃ كانوا أهل جهاد، يصيبهم القرح، ويعتريهم المرض كغيرهم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه جمع للمرض. وإذا ترك النبي ﷺ وأصحابه الجمع للمرض لم يكن لغيرهم أن يدخله في أسباب الجمع من باب القياس، فلو كان من أسباب الجمع لفعله النبي ﷺ أو لفعله أصحابه قبل غيرهم، وما تركه النبي ﷺ وتركه أصحابه مع وجود المقتضي فليس من شريعته.

стр. 9745

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والإسوة الحسنة كما تكون في التأسي في أفعاله ﷺ تكون في التأسي فيما تركه، ورغب عنه، ومن رغب عن سنته فليس منه، فلو كان خيرًا ما سبقناهم إليه. دليل من قال: يجوز الجمع للمرض: الدليل الأول: (ح-٣٤١٦) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته. وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (١). (ح-٣٤١٧) ورواه مسلم من طريق من طريق حماد، عن الزبير بن الْخِرِّيتِ، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته (٢). وجه الاستدلال: إذا جاز الجمع لمصلحة إكمال الخطبة، لأن المتكلم قد يصيبه حرج في ربط كلامه السابق بكلامه اللاحق، فالمرض أولى بالجمع من إكمال الخطبة. وقد حمل الإمام أحمد حديث ابن عباس على جمع المرض.

стр. 9746

قال ابن رجب: «وقد روي عن الإمام أحمد، أنه قال: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع» (١). وقال النووي: «ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار. وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث؛ ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة؛ ولأن المشقة فيه أشد من المطر» (٢). وأجيب من وجوه: الوجه الأول: الحديث ليس نصًّا في جمع المرض. الوجه الثاني: لا يمكن حمل حديث ابن عباس على المرض؛ لأنه لو صح حمله على المرض لما صلى خلف النبي ﷺ إلا من كان مريضًا، ولما كان في الحديث حجة لابن عباس في جمعه لإكمال الخطبة، فإن ابن عباس لم يكن مريضًا. قال ابن حجر: «لو كان جمعه ﷺ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى إلا من به نحو ذلك العذر» (٣). وتفسير الإمام أحمد أحد تفسيراته للحديث، وهو معارض بتفسير غيره من العلماء: فراوي الحديث أبو الشعثاء، وعمرو بن دينار حملوه على الجمع الصوري. والإمام مالك حمله على جمع المطر، ولم يأخذ به في الظهرين. الوجه الثالث: قول ابن عباس: (فعل ذلك كي لا يحرج أمته) لفظ موقوف على ابن عباس،

стр. 9747

وليس من الفعل المرفوع، وفهم ابن عباس فهم غير معصوم. الوجه الرابع: نفي الحرج يعني نفي الإثم عن الفعل، ولا يلزم من نفي الإثم قصد التعليل فلو كانت جملة (أراد ألا يحرج أمته) تفيد التعليل، لوجدت التطبيقات العملية في جمع النبي ﷺ في الحضر، وفي عمل الصحابة ما يؤيد ذلك، فلا وجود لحديث مرفوع في الجمع في الحضر إلا هذا الحديث، ولا يعرف أثر صحيح إلا عن ابن عمر في جمع المطر، إذا جمع أمراء بني أمية تابعهم ابن عمر على الجمع، فلا حديث ولا أثر في جمع المريض. ولأن أحكام الشريعة كلها قد نفى الله عنها الحرج، ولا يلزم منه قصد التعليل، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والجمع فرد من أفراد العموم. وقد استخدم النبي ﷺ نفي الحرج على الفعل دليلًا على نفي الإثم وليس تعليلًا للحكم، (ح-٣٤١٨) لما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، وفيه: … قال: ما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر -يعني: من أعمال يوم النحر- إلا قال: افعل ولا حرج (١) الوجه الخامس: مما يؤكد أن ابن عباس أراد من نفي الحرج الجوازَ والتوسعةَ، وليس التعليل، كونه رغب في الجمع من أجل إكمال الخُطبة. والموقوف على ابن عباس ينازع فيه في أمرين: الأمر الأول: قول ابن عباس (أراد ألا يحرج أمته) هذا فهم من ابن عباس ﵁ لا يوافق عليه، سواء أراد به جواز الجمع بلا سبب، أم أراد به توسيع أسباب الجمع لمطلق الحاجة. الأمر الثاني: أن ابن عباس جمع لإكمال الخطبة، ولا يعلم أن أحدًا من الصحابة، ولا من الفقهاء ذكر من أسباب الجمع إكمالَ الخطبة. وإطباق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس يدل على أنها موعظة

стр. 9748

عامة، وليست في أمر نجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس المضي في الخطبة لتحقيق مصلحة ضرورية، أو دفع مفسدة واقعة، فليست خطبة ابن عباس بأولى من خطبة النبي ﷺ ، وقد خطب النبي ﷺ من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس، فكان ﵊ إذا حضرت الصلاة نزل فصلى، ثم أكمل خطبته، كما في صحيح مسلم، حتى قال الصحابي: فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا (١). فهذه الخطبة جلها عن الغيبيات، ولا تدرك إلا عن طريق الوحي، ومع أهميتها لم يجمع النبي ﷺ من أجلها. وقد ناقشت دلالة قول ابن عباس ﵄، وموقف العلماء منه، في جمع المطر، بقدر أوسع من هذا، فراجعه لزامًا. الدليل الثاني: (ح-٣٤١٩) روى أحمد وغيره من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في قصة استحاضتها، وفيه: … قال النبي ﷺ لها: وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي … الحديث (٢). [سبق تخريجه] (٣). ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قال ابن عبد البر: «وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة،

стр. 9749

وفي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وفي الوضوء لكل صلاة على المستحاضة، فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة» (١). وقال الحافظ ابن رجب: «واستدل من أباح الجمع للمريض، بأمر النبي ﷺ المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، وذلك ما روي عن النبي ﷺ من حديث حمنة بنت جحش، وعائشة، وأسماء بنت عميس، وفي أسانيدها بعض شيء» (٢). الجواب الثاني: مخالفتها لأحاديث الصحيحين، فأحاديث المستحاضة في الصحيحين من أحاديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش وأم حبيبة لم يرشدها إلى الجمع. الجواب الثالث: على القول بجوازه فإنما يجوز الجمع بالصورة التي ورد فيها الخبر. ومنه: أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة ومفهومه: أنها لا تجمع بينهما إذا أرادت أن تكتفي بالوضوء، وعليه فلا يكون سبب الجمع المرض، وإنما مشقة الاغتسال لكل صلاة (٣).

стр. 9750

وأن يكون الجمع بينهما بتأخير الأولى وتعجيل الثانية، فهو من الجمع الصوري. وهو جائز للصحيح فضلًا عن المريض. الدليل الثالث: قياس الأولى، فإذا جاز للمسافر الجمع لعلة المشقة فالمريض أولى بالجواز؛ لأن المشقة التي تلحق المريض أشد من المشقة التي تلحق المسافر، والله تعالى جمع بينهما وذكرهما في كلام واحد، فقال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فإذا كان حكم المريض حكم المسافر في الإفطار فكذلك حكمهما واحد في الجمع، وإذا كانت علة التخفيف المشقة، فذلك في المريض آكد وأظهر؛ لأن المسافر قد يكون مرفهًا محمولًا مستمتعًا قويًا نشيطًا في سفره، ومع ذلك تباح له الرخص، والمريض بخلافه، فكان أولى بالرخصة من المسافر. قال سحنون في المدونة: «جمع رسول الله ﷺ بينهما في السفر .... فالمريض أولى بالجمع لشدة ذلك عليه ولخفته على المسافر، وإنما الجمع رخصة لتعب السفر ومؤنته إذا جد به السير، فالمريض أتعب من المسافر وأشد مؤونة لشدة الوضوء عليه في البرد، ولما يخاف عليه منه» (١). ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: حقيقة القياس إلحاق فرع لا نص فيه بأصل ورد فيه نص في الحكم؛ لعلة جامعة، ومعنى ذلك أن الفقيه يعترف أن الفرع (الذي هو المرض) لا نص فيه، فيضطر إلى استخدام القياس، وإلحاقه بالسفر في حكم الجمع. وإذا كان المرض موجودًا وقت التشريع، وفي عصر الصحابة، ولا يوجد أحد منهم جمع لذلك، فاستخدام القياس خلاف السنة التركية؛ لأن كل ما وُجِد سببُه في عهد النبي ﷺ مع إمكان فعله، ولم يفعله فالسنة تركه، فإدخال جمع المرض

стр. 9751

بالقياس معارض لفعل النبي ﷺ وفعل أصحابه، واستدراك عليه، فيصدق عليه أنه من القياس الفاسد. الجواب الثاني: الجمع والفطر للمسافر علته: السفر، فيباحان فيه، ولو لم يكن هناك مشقة، بخلاف الحضر، فلا يباحان إلا مع المشقة الظاهرة، وإذا اختلفت العلة فلا قياس. جاء في سبل السلام: «قياس الجمع في السفر على الجمع في الحضر فوهم؛ لأن العلة في الأصل هي السفر، وهو غير موجود في الفرع، وإلا لزم مثله في القصر والفطر» (١). وما تركه النبي ﷺ فالسنة تركه. الجواب الثالث: احتج الإمام أحمد في جمع المرض بقول عطاء، ومعلوم أن عطاء من التابعين، فقوله كقول غيره من العلماء، يحتج له، ولا يحتج به، ولكن دلالة هذا أن الإمام أحمد لم يكن عنده سنة مرفوعة، ولا أثر عن صحابي في الجمع للمرض، وإذا لم يوجد فلا يصح تكلف استخدام القياس مع وجود المرض في حياة النبي ﷺ وأصحابه. دليل من قال: يجمع إن خاف إغماء يستغرق وقت الثانية: الارتفاق بتحصيل الصلاة بالجمع أولى من تضييع الصلاة حتى يخرج وقتها. ويجاب على ذلك: الجواب الأول: الصلاة خارج الوقت بعذر الإغماء أولى من تقديم الصلاة على وقتها عن طريق الجمع، وذلك لأن الصلاة قبل وقتها لا تصح بالإجماع، خاصة أن الجمع للمرض لا حديث ولا أثر في الباب، والصلاة خارج وقتها تصح من المعذور بالإجماع كالنائم والناسي. الجواب الثاني: الراجح أن الإغماء يغطي العقل، فيرفع التكليف كالجنون، فمن خاف إغماء

стр. 9752

يستغرق جميع وقت الثانية فليس مكلفًا في قضائها إن وقع، فلا حاجة إلى الجمع بتقديم الصلاة على وقتها، راجع حكم الصلاة على المغمى عليه. الراجح: أن المرض ليس سببًا في إباحة الجمع بين الصلاتين، والله أعلم.

стр. 9753

الفصل الخامس الجمع بسبب الوحل المدخل إلى المسألة: أسباب الجمع توقيفية، لا تثبت بالقياس. قال النووي: الجمع مضبوط بما جاءت به السنة، فلا يجوز بكل شاق. إذا لم يثبت الجمع بالمطر لم يثبت الجمع بالوحل؛ لأنه أثر من أثاره. المحافظة على الوقت أهم من المحافظة على الجماعة، فالوقت شرط بالإجماع، والجماعة تسقط بالعذر في قول الأئمة الأربعة. أحاديث المواقيت محكمة وصريحة، ولم يثبت ما يقتضي تخصيصها بالجمع للوحل، لا من السنة المرفوعة، ولا من آثار الصحابة ﵃. لا يثبت القول بجواز الجمع للحاجة عند الأئمة الأربعة؛ لأن أسباب الجمع عندهم معدودة، ولو كانت الحاجة سببًا للجمع لكانت أسباب الجمع ليست محصورة؛ لأن الحاجات تتجدد، ولا يمكن حصرها. القول بأن ما أسقط الجماعة أباح الجمع، لو عكس لكان أقرب، فلو قيل: كل عذر أسقط الجماعة لا يبيح الجمع؛ لأنه لو كان يبيح الجمع لما أسقط الجماعة. القواعد الفقهية ليست بمنزلة الأدلة شرعية، والاحتجاج بها له شروطه، ولا تنطبق على قاعدة الحنابلة هذه، راجع البحث. الجمعة والجماعة إذا سقطتا بالعذر فلهما بدل، فتصلى الجمعة ظهرًا، وتحصَّل الجماعة في البيت، والوقت إذا سقط سقط إلى غير بدل. [م-١٠٩٥] اختلف الفقهاء القائلون بالجمع للمطر، في الجمع للوحل، وهو

стр. 9754

أثر من نزول المطر على الأرض الطينية إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: قال الحنفية والشافعية: لا يجمع للوحل، وهو وجه في مذهب الحنابلة (١). أما الحنفية فلا يرون الجمع مطلقًا في غير النسك، وقد ذكرنا أدلتهم في جمع المسافر. وأما الشافعية فاستدلوا على قولهم بأدلة منها: الدليل الأول: السنة التركية، حيث لم يثبت الجمع للوحل من السنة، والأصل عدم الجمع. قال الرافعي: «المشهور: أنه لا جمع بالمرض والخوف والوحل؛ إذ لم ينقل أن رسول الله ﷺ جمع بهذه الأسباب مع حدوثها في عصره» (٢). وقال النووي: «الجمع مضبوط بما جاءت به السنة، فلا يجوز بكل شاق، ولهذا لم يجوزوه لمن هو قيم بمريض وشبهه، ولم تأت السنة بالوحل» (٣). وهذه الطريقة من الاستدلال صحيحة، ولو طبقت على جمع المطر لم يثبت القول به؛ لأن جمع المطر لم يثبت من السنة المرفوعة. الدليل الثاني: أحاديث المواقيت محكمة وصريحة، وقد جعلت لكل صلاة وقتها الخاص ابتداء وانتهاء، فتقديم الصلاة على وقتها، أو تأخيرها عن وقتها يحتاج إلى دليل خاص، يخصص به عموم أحاديث المواقيت، ولم يثبت من السنة ما يقتضي تخصيص أحاديث المواقيت بالوحل، لا من السنة المرفوعة، ولا من آثار الصحابة ﵃. وقد بينت في بحث الجمع للمطر أنه لا يثبت القول بجواز الجمع للحاجة عند الأئمة الأربعة، وأن أسباب الجمع عندهم معدودة، ولو كانت الحاجة سببًا للجمع

стр. 9755

لكانت أسباب الجمع ليست محصورة؛ لأن الحاجات تتجدد، ولا يمكن حصرها. القول الثاني: قال المالكية: يجمع للوحل بشرطين: أن تكون معه ظلمة، قال الدردير: لا ظلمة غيم، وأن يكون ذلك في جمع التقديم (١). وجه اشتراط الظلمة: علمنا فيما سبق أن المالكية لا يرون الجمع بين الظهرين للمطر؛ لأنه لم يثبت في الجمع بين الظهرين سنة ولا أثر، وإنما ثبت عن ابن عمر في الليلة المطيرة إذا جمع الأمراء، وصلى خلفهم ابن عمر جمع معهم، لهذا خصوا الجمع بين العشاءين في المطر؛ اقتداء بالأثر؛ ولأن المطر لا يشترط فيه الظلمة؛ لأنه يصيب الثياب، بخلاف الجمع في الطين، في الليلة المقمرة؛ فإن ضياء القمر يقوم مقام ضياء الشمس، فلا يشق التصرف في الطين إلا كما لا يشق التصرف فيه بالنهار. والجمع معتبر بالمشقة. القول الثالث: قال الحنابلة: يجمع بين العشاءين فقط للوحل ولو بلا ظلمة، ولا يجمع بين الظهرين، وهذا مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية (٢).

стр. 9756

واستدل الحنابلة على إباحة الجمع: الدليل الأول: كل دليل استدلوا به على مشروعية الجمع للمطر استدلوا به على مشروعية الجمع للوحل. وقد سبق ذكر أدلتهم في جمع المطر والجواب عنها، فأغنى ذلك عن إعادتها، ولله الحمد. الدليل الثاني: (ح-٣٤٢٠) روى الإمام البخاري، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: ثبت سقوط الجمعة فضلًا عن الجماعة بالوحل، وإذا ساوى الوحل المطر في سقوط الجمعة والجماعة دل على تساويهما في المشقة الداعية للجمع هذا من جهة، ومن جهة أخرى، قال القاضي أبو يعلى: كل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة فإنه يبيح الجمع (٢). وقال أبو الحسن الرجراجي المالكي: «النبي ﷺ أمر بالتخلف عن الجماعة

стр. 9757

إذا كانت الريح شديدة، والذي يبيح التخلف يبيح الجمع» (١). وقال العدوي: «إباحة التخلف لا تنافي أنهم يجمعون إذا لم يتخلفوا» (٢). ونوقش هذا: أما سقوط الجماعة بالمطر والوحل فأمر مسلم به، فالنصوص صريحة، وبه قال الأئمة الأربعة. وأما القول بأن ما أسقط الجماعة أباح الجمع، فلو عكس لكان أقرب فلو قيل: كل عذر أسقط الجماعة لا يبيح الجمع؛ لأنه لو كان يبيح الجمع لما أسقط الجماعة لما يلي. الأول: لا يحفظ نص ولا أثر في الجمع بسبب الوحل، مما يدل على أن الشريعة فرقت بين سقوط الجماعة بالوحل، وبين كونه سببًا للجمع. الثاني: لو كان الإمام أحمد والإمام مالك يقولان: إن ما أباح التخلف أباح الجمع لكان مقتضى ذلك أن يقولا بإباحة الجمع بين الظهرين؛ لأن المطر يبيح التخلف عن الجمعة والجماعة في الليل والنهار، والإمام مالك وأحمد لا يبيحان الجمع بين الظهرين. والمرض والوحل يبيحان التخلف، ولا يبيحان الجمع عند الشافعية. والريح الشديدة الباردة تبيح التخلف، ولا تبيح الجمع عند المالكية والشافعية مطلقًا، ولا تبيحه في الظهرين عند الحنابلة. قال الماوردي: «فالعذر العام -يعني: في التخلف عن الجماعة- المطر الشديد، والريح الشديدة الباردة، والوحل المانع، إلا أن المطر عذر في جواز التخلف عن الجماعة وجواز الجمع بين الصلاتين، والوحل والريح ليس بعذر في جواز الجمع بين الصلاتين» (٣). وقال النووي: «فإن قيل: لم ألحقتم الوحل بالمطر في أعذار الجمعة والجماعة دون الجمع؟ فالجواب من عدة وجوه أحدهما: جواب القاضي أبي الطيب، وهو أن تارك الجمعة يصلي بدلها الظهر وتارك الجماعة يصلي منفردًا فيأتي ببدل، والذي يجمع يترك الوقت بلا بدل. والثاني: أن باب الأعذار في ترك الجمعة والجماعة ليس مخصوصًا، بل كل ما لحق به

стр. 9758

مشقة شديدة فهو عذر، والوحل من هذا، وباب الجمع مضبوط بما جاءت به السنة فلا يجوز بكل شاق، ولهذا لم يجوزوه لمن هو قَيِّمٌ بمريض وشبهه، ولم تأت السنة بالوحل» (١). اه الثالث: سبب الجمع يحتاج إلى توقيف؛ ولو صح تخريج الوحل على جمع المطر لعمل به النبي ﷺ وصحابته، هذا على تسليم القول بثبوته في المطر. الرابع: سقوط الجمعة والجماعة لهما بدل، فالجمعة بدلها الظهر، والجماعة يمكن تحصيلها في البيت، بخلاف تقديم الصلاة على وقتها. الخامس: أن الجماعة تسقط لأدنى الأسباب، من ذلك حضرة الطعام، بخلاف الصلاة قبل وقتها، فقد شرع الله الصلاة حال المسايفة والتحام الصفين، ولا تؤخر عن وقتها. السادس: المحافظة على الوقت أهم من المحافظة على الجماعة، فالوقت شرط بالإجماع، والجماعة تسقط بعذر المطر في قول الأئمة الأربعة، ويمكن تحصيلها في المنزل، واتفق الأئمة الأربعة على سنية فعلها في المسجد إلا رواية عن أحمد ليست هي المذهب. السابع: القواعد الفقهية ليست أدلة شرعية، والاحتجاج بها له شروطه، من ذلك أن تكون مبنية على دليل من كتاب أو سنة، أو تستند إلى دليل أصولي مسلم به. وأن تكون من القواعد العامة التي قبلها الفقهاء، كقاعدة: (الأمور بمقاصدها)، (لا ضرر ولا ضرار)، (اليقين لا يزول بالشك)، (البينة على المدعي واليمين على من أنكر). فإذا كانت هذه القاعدة لا تتنزل إلا على أقوال بعض المذاهب الفقهية، فلا يمكن أن تكون حجة، ومنها قاعدتنا هذه، ولهذا لا يمكن الاحتجاج بهذه القاعدة على الشافعية والحنفية ممن لا يرى الجمع بالوحل، ولا بالمرض، وإن كانوا يبيحون ترك الجماعة بهما. جاء في كفاية النبيه: «إن قيل: جوزتم ترك الجمعة والجماعة بالوحل، ولم تجوزوا الجمع بسببه؟ قلنا: الفرق: أن تارك الجمعة يفعل الظهر بدلاً منها، وتارك الجماعة يصلي منفردًا في بيته، وأما الذي يجمع لأجل الوحل، فإنه يترك وقت الصلاة إلى غير بدل» (٢). والفقهاء عندما يصيغون قاعدة فقهية فهم إما صاغوا ذلك من أدلة متكاثرة خرجوا

стр. 9759

منها بقاعدة، أو من فروع فقهية كثيرة متفق على حكمها، فأرادوا أن يخرجوا منها بقاعدة كلية تجمع كل هذه الفروع. والجمع في الحضر ليس فيه نصوص تساعد على صياغة قاعدة فقهية، فالباب ليس فيه إلا حديث ابن عباس: (جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر)، وهو من الأحاديث المشكلة، وقد ترك العمل به كثير من العلماء، كما أفاده الترمذي والخطابي وغيرهما، وكما بينته عند الكلام على موقف الأئمة الأربعة من حديث ابن عباس. وفيه أيضًا أثر ابن عمر ﵁: (أنه كان إذا جمع الأمراء جمع معهم). وأسباب التخلف عن الجماعة ورد فيه نصوص محفوظة، في المطر، والوحل، والريح، لكن لا علاقة له بأن كل سبب أباح التخلف أباح الجمع، من أين جاء هذا الربط؟ كيف يكون السبب المسقط للجماعة بالنص الشرعي يكون في الوقت نفسه سببًا في تحصيلها بالاجتهاد وليس بالنص عن طريق الجمع، وتقديم الصلاة على وقتها، وسقوط الجماعة أخف بكثير من تقديم الصلاة على وقتها، أو من تأخيرها عن وقتها، فإن كان كل هذا حرصًا على الجماعة، فالأمر ممكن أن تصلى الثانية جماعة في وقتها في المنزل، فأكون قد حافظت على الوقت وعلى الجماعة. وإن كان هذا حرصًا على الصلاة في المسجد، فالأئمة الأربعة أن الصلاة في المسجد سنة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، فتحصيل السنة لا يبيح تقديم الصلاة على وقتها. الثامن: هذه القاعدة لها استثناءات عند الحنابلة، وذلك يضعف الاستدلال بها. فالمطر: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع بين الظهرين. والنعاس: يسقط الجماعة مطلقًا، ولا يبيح الجمع عند الحنابلة وغيرهم، فلا أعلم أن أحدًا من الأئمة الأربعة ذكره من أسباب الجمع. والسفر القصير يسقط الجمعة والجماعة، ولا يبيح الجمع. وحضور الطعام يسقط الجماعة عند الأئمة الأربعة، ولا يبيح الجمع (١).

стр. 9760

ومن يرغب في أكل الثوم والبصل، له أن يأكل، وتسقط عنه الجماعة، ولا يقال: صلِّ العشاء مع المغرب قبل أكل الثوم حرصًا على تحصيل الجماعة. فتبين أن هذه القاعدة لا تستند إلى أدلة شرعية، ومتنازع في دلالتها الفقهية. القول الرابع: يجوز الجمع للوحل الشديد مطلقًا بين الظهرين والعشاءين، تقديمًا وتأخيرًا، وإلى هذا القول ذهب بعض الشافعية، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام (١). جاء في روضة الطالبين: «وقال جماعة من أصحابنا: يجوز بالمرض والوحل. ممن قاله من أصحابنا: أبو سليمان الخطابي والقاضي حسين، واستحسنه الروياني» (٢). جاء في المهمات: «فعلى هذا يستحب أن يراعى الأرفق بنفسه في التقديم والتأخير» (٣). وحجتهم: تخريج الجمع للوحل على الجمع للمطر، فإذا ثبت الجمع بين العشاءين للمطر، فالجمع بين الظهرين قياسًا عليه؛ بجامع المشقة. الراجح: الصلاة من أعظم أركان الإسلام، بل هي أعظم ركن عملي، والحرص على صحتها وسلامتها من القوادح من أهم المهمات، والاحتياط لذلك من أسمى الغايات، ولا يكفي للجمع للوحل أن يقول به بعض الفقهاء، فما هو النص الذي يجعله العبد معذرة إلى ربه حجة له عنده، وهو يُقدِّم الصلاة على وقتها، فلو كان

стр. 9761

الجمع للمطر أو الوحل أو المرض من السنة لجاءت به النصوص متظاهرة؛ لأن هذه أسباب تتكرر كل عام غالبًا، ولوجدت آثار عن الصحابة متكاثرة تطبيقًا عمليًّا لما أخذوه من سنة النبي ﷺ ، فإذا كنت لا تجد حديثًا مرفوعًا في هذا، ولا أثرًا واحدًا عن الخلفاء، وفقهاء الصحابة فالاحتياط ألا يغامر العبد في صلاته، وهي من أعظم الأعمال التي يرجو منها العبد بعد رحمة الله وتوحيده أن تنجيه من النار، والفقهاء لا يقولون: إن الجمع واجب، ولا هو من السنن التي ينبغي المحافظة عليها، بل يرون أن ترك الجمع أفضل، عند الأئمة الثلاثة، لهذا لا أرى مشروعية الجمع في الحضر، لا للمطر، ولا للمرض، ولا للوحل، ولا لغيرهما، والله أعلم.

стр. 9762

الفصل السادس الجمع بسبب الريح المدخل إلى المسألة: راجع مدخل المسألة السابقة. [م-١٠٩٦] اختلف الفقهاء في الجمع بسبب الريح: فقيل: لا يجوز الجمع مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١). وقيل: يجوز الجمع بين العشاءين خاصة دون الظهرين تقديمًا وتأخيرًا، إن كانت الريح شديدة باردة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: مثله بشرط أن يكون معها ظلمة، وهذا قول لبعض الحنابلة (٣). وقيل: يجوز الجمع مطلقًا بين الظهرين والعشاءين تقديمًا وتأخيرًا بسبب الريح الشديدة الباردة، اختاره بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام (٤).

стр. 9763

قال النووي: «وأما الوحل والظلمة والريح والمرض والخوف فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز الجمع بسببها، وبه قطع المصنف والجمهور. وقال جماعة من أصحابنا بجوازه» (١). والقول فيها خلافًا واستدلالًا كالقول في الجمع بسبب الوحل، فلا داعي للتكرار، أذكر موجزًا منها. فمن قال بالجمع، قال بذلك: إما لعلة المشقة، وإما لأنه سبب يبيح التخلف عن الجماعة، فيبيح عنده الجمع. ومن قال بعدم الجمع؛ فلأن الجمع في الريح لم يثبت في السنة، ولا في آثار الصحابة، والأصل عدم الجمع. قال الشيرازي: «فأما الوحل والريح والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها؛ فإنها قد كانت في زمان النبي ﷺ ، ولم ينقل أنه جمع لأجلها» (٢). ولأن مشقتها ليست من جنس مشقة المطر، ولا ضابط يجمعهما، فلا يصح الإلحاق، ولأن المشقة فيها دون مشقة المطر. ومن خص الجمع بالعشاءين؛ فلأن الجمع فيه مخرج على الجمع بالمطر، ولم يثبت الجمع في المطر إلا من فعل ابن عمر خلف الأمراء، فكان إذا جمعوا في الليلة المطيرة، وصلى ابن عمر خلفهم جمع معهم. وإذا لم يثبت الجمع في المطر في الظهرين، وهو الأصل، لم يثبت في الريح وهو الفرع، من باب أولى. ومن قال بجواز الجمع بين الظهرين والعشاءين: استدل بحديث ابن عباس بسقوط الجمعة بالدحض، والطين، وهي صلاة نهارية.

стр. 9764

وبحديث ابن عمر في الصحيحين: أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في الرحل، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ألا صلوا في الرحال. وما أباح التخلف أباح الجمع. وإذا كانت الريح علة في الجمع بين العشاءين، فمقتضى القياس أنه يبيح الجمع في الظهرين. ومن اشترط الظلمة مع شدة الريح وبرودتها؛ رأى أن مشقة الريح الشديدة الباردة دون مشقة المطر، فاشترط الظلمة، لتكون المشقة فيها ظاهرة. وما رجحته في المطر، والمرض، والوحل، أرجحه في الريح، والله أعلم.

стр. 9765

الفصل السابع الجمع بسبب الخوف المدخل إلى المسألة: أمر الشارع بالمحافظة على الوقت في حال شدة القتال قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، ولم يستثن إمكان الجمع. لو كان فيه مجال للجمع لما تركت بعض شروط الصلاة وواجباتها، وبعض أركانها حفاظًا على الوقت. الخوف إن كان عامًّا فله صلاة تخصه بعضها مذكور في الكتاب وبعضها في السنة، وليس من صفاتها الجمع، وإن كان خاصًّا، كالخوف على النفس والأهل والمال فهو عذر يسقط الجمعة والجماعة، ولا حاجة للجمع. مفهوم حديث ابن عباس (جمع من غير خوف ولا مطر) لا يقدم على منطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. لا يصح تخريج الجمع قياسًا على السفر؛ لوجود الخوف في عصر الوحي، ولم يحفظ الجمع. وصف الله تعالى حال الصحابة في معركة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة مع هذا الزلزال الشديد، فأي خوف بعد هذا يكون مبررًا للجمع؟ ما وجد سببه في عصر الوحي، وأمكن فعله ولم يفعل فالمشروع تركه. الترك من النبي ﷺ مع إمكان الفعل سنة فعليه، فإدخال الخوف بالقياس معارض لفعل النبي ﷺ ، واستدراك عليه. لو صح القياس على السفر لقيل: المريض أولى بقصر الصلاة من المسافر.

стр. 9766

[م-١٠٩٧] اختلف العلماء في الجمع بين الصلاتين بسبب الخوف: فقيل: لا يجمع، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وأحد القولين في مذهب المالكية، ورجحه أبو الوليد الباجي (١). وقيل: يجمع بين الظهرين والعشاءين تقديمًا وتأخيرًا، وهو مذهب الحنابلة، وهو أحد القولين عند المالكية، واختاره جماعة من الشافعية (٢).

стр. 9767

دليل من قال: لا يجمع بسبب الخوف: أمر الشارع بالمحافظة على الوقت في حال شدة القتال؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فطلب الشارع أن تؤدى الصلاة مع الخوف على أي صفة أُدِّيت، جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، حتى ولو تركت بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها وأركانها من أجل المحافظة على الوقت، ولم يأمر بالجمع بين الصلاتين، ولا قيد الأمر بهذه الصفة بامتناع الجمع. (ح-٣٤٢١) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄، كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام، وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (١). [شك نافع في رفعه، والراجح رفعه إلا قوله: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا أو ركبانًا) فهو من قول ابن عمر موقوفًا عليه، وقد أدرجها بعضهم] (٢). وكونها موقوفة لا يبطل الاحتجاج بها؛ لموافقة كلام ابن عمر لما جاء به القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].

стр. 9768

دليل من قال: الخوف من أسباب الجمع: الدليل الأول: (ح-٣٤٢٢) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته. وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (١). وجه الاستدلال: قول ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف، فلولا أن الخوف من أسباب الجمع ما صح نفيه. ويجاب: الخوف إن كان عامًّا فله صلاة تخصه، ولها أكثر من صفة، فأحيانًا يكون العدو اتجاه القبلة، وأحيانًا يكون على غير جهة القبلة، وقد ذكر الله صفتها في القرآن، وبعضها مذكور في السنة. وليس من صفاتها الجمع بين الصلوات، وكانت حياة النبي ﷺ وحياة أصحابه في جهاد مستمر للكفار، و يتعرضون للخوف من العدو، ولم ينقل أنهم جمعوا بسبب الخوف. وإن كان الخوف خاصًّا، كالخوف على نفسه، أو على أهله، أو على ماله فهو عذر يسقط الجمعة والجماعة، ولا حاجة للجمع. ومفهوم حديث ابن عباس لا يقدم على منطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فأمره بالصلاة حال القتال راجلًا وراكبًا بحسب قدرته، حتى ولو ترك بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها وأركانها من أجل المحافظة على الوقت، ولم يستثن إمكان الجمع. ولم يأت على النبي ﷺ ولا على صحابته حدث مثل حفر الخندق، وقد

стр. 9769

تحزب عليهم العرب من أقطارها حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع فيه الجوع والخوف والشغل، وقد وصف الكتاب العزيز حال الصحابة قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١]. فلم ينقل أنهم جمعوا للصلاة مع هذا الزلزال الشديد، فأي خوف بعد هذا يكون مبررًا للجمع؟ الدليل الثاني: «الخوف عذر تلحق به المشقة، ومشقته أكثر من مشقة السفر والمرض والمطر، فإذا كان الجمع يجوز في السفر والمطر والمرض، فَلأَن يجوز للخوف من العدو أولى» (١). ونوقش: ما الحاجة إلى استخدام القياس، والخوف كان يتكرر في عصر الوحي، وصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الخوف، ولم يجمع، وأمر المسلمون بالصلاة رجالًا وركبانًا، ولم يؤمروا بالجمع، ولو كان القياس في هذا الباب جائزًا لاهتدى له صحابة رسول الله، فلا يوجد أثر في الباب يمكن الاعتماد عليه. ولو كان القياس سائغًا لقيل: إن المريض أولى بالقصر من المسافر، والمرض لا يبيح قصر الصلاة. قال النووي: «الجمع مضبوط بما جاءت به السنة فلا يجوز بكل شاق، ولهذا لم يجوزوه لمن هو قَيِّمٌ بمريض وشبهه، ولم تأت السنة بالوحل» (٢). ويقال أيضًا: ولم تأت السنة العملية بالخوف. والأئمة الأربعة يرون أسباب الجمع معدودة، وقد ذكرنا هذا عند الكلام على جمع المطر، وهذا يعني عدم فتح القياس بإدخال أسباب جديدة للجمع. راجع مناقشة صحة القياس في بحث الجمع بسبب المطر.

стр. 9770

الدليل الثالث: الخوف عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة، وما أسقط الجماعة أباح الجمع. ونوقش: سبق الجواب عن مدى صحة الاحتجاج بهذه القاعدة عند الكلام على حكم الجمع بسبب المرض، فارجع إليه إن شئت. الراجح: أن الجمع لا يشرع بسبب الخوف؛ لأن كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ وأمكن فعله، ولم يفعله فليس من هديه، والله أعلم.
следующие страницы →