стр. 9766
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.
стр. 9767
دليل من قال: لا يجمع بسبب الخوف:
أمر الشارع بالمحافظة على الوقت في حال شدة القتال؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فطلب الشارع أن تؤدى الصلاة مع الخوف على أي صفة أُدِّيت، جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، حتى ولو تركت بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها وأركانها من أجل المحافظة على الوقت، ولم يأمر بالجمع بين الصلاتين، ولا قيد الأمر بهذه الصفة بامتناع الجمع.
(ح-٣٤٢١) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر ﵄، كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام، وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (١).
[شك نافع في رفعه، والراجح رفعه إلا قوله: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا أو ركبانًا) فهو من قول ابن عمر موقوفًا عليه، وقد أدرجها بعضهم] (٢).
وكونها موقوفة لا يبطل الاحتجاج بها؛ لموافقة كلام ابن عمر لما جاء به القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
стр. 9768
دليل من قال: الخوف من أسباب الجمع:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٢٢) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر.
في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته.
وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (١).
وجه الاستدلال:
قول ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف، فلولا أن الخوف من أسباب الجمع ما صح نفيه.
ويجاب:
الخوف إن كان عامًّا فله صلاة تخصه، ولها أكثر من صفة، فأحيانًا يكون العدو اتجاه القبلة، وأحيانًا يكون على غير جهة القبلة، وقد ذكر الله صفتها في القرآن، وبعضها مذكور في السنة. وليس من صفاتها الجمع بين الصلوات، وكانت حياة النبي ﷺ وحياة أصحابه في جهاد مستمر للكفار، و يتعرضون للخوف من العدو، ولم ينقل أنهم جمعوا بسبب الخوف.
وإن كان الخوف خاصًّا، كالخوف على نفسه، أو على أهله، أو على ماله فهو عذر يسقط الجمعة والجماعة، ولا حاجة للجمع.
ومفهوم حديث ابن عباس لا يقدم على منطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فأمره بالصلاة حال القتال راجلًا وراكبًا بحسب قدرته، حتى ولو ترك بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها وأركانها من أجل المحافظة على الوقت، ولم يستثن إمكان الجمع.
ولم يأت على النبي ﷺ ولا على صحابته حدث مثل حفر الخندق، وقد
стр. 9769
تحزب عليهم العرب من أقطارها حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع فيه الجوع والخوف والشغل، وقد وصف الكتاب العزيز حال الصحابة
قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].
فلم ينقل أنهم جمعوا للصلاة مع هذا الزلزال الشديد، فأي خوف بعد هذا يكون مبررًا للجمع؟
الدليل الثاني:
«الخوف عذر تلحق به المشقة، ومشقته أكثر من مشقة السفر والمرض والمطر، فإذا كان الجمع يجوز في السفر والمطر والمرض، فَلأَن يجوز للخوف من العدو أولى» (١).
ونوقش:
ما الحاجة إلى استخدام القياس، والخوف كان يتكرر في عصر الوحي، وصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الخوف، ولم يجمع، وأمر المسلمون بالصلاة رجالًا وركبانًا، ولم يؤمروا بالجمع، ولو كان القياس في هذا الباب جائزًا لاهتدى له صحابة رسول الله، فلا يوجد أثر في الباب يمكن الاعتماد عليه.
ولو كان القياس سائغًا لقيل: إن المريض أولى بالقصر من المسافر، والمرض لا يبيح قصر الصلاة.
قال النووي: «الجمع مضبوط بما جاءت به السنة فلا يجوز بكل شاق، ولهذا لم يجوزوه لمن هو قَيِّمٌ بمريض وشبهه، ولم تأت السنة بالوحل» (٢).
ويقال أيضًا: ولم تأت السنة العملية بالخوف.
والأئمة الأربعة يرون أسباب الجمع معدودة، وقد ذكرنا هذا عند الكلام على جمع المطر، وهذا يعني عدم فتح القياس بإدخال أسباب جديدة للجمع.
راجع مناقشة صحة القياس في بحث الجمع بسبب المطر.
стр. 9770
الدليل الثالث:
الخوف عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة، وما أسقط الجماعة أباح الجمع.
ونوقش:
سبق الجواب عن مدى صحة الاحتجاج بهذه القاعدة عند الكلام على حكم الجمع بسبب المرض، فارجع إليه إن شئت.
الراجح:
أن الجمع لا يشرع بسبب الخوف؛ لأن كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ وأمكن فعله، ولم يفعله فليس من هديه، والله أعلم.
стр. 9771
الفصل الثامن الجمع بسبب الحاجة
المدخل إلى المسألة:
الأصل في الصلوات عدم الجمع إلا بدليل.
إذا لم يثبت في السنة، ولا في الآثار الجمع للوحل والمرض، والخوف، لم يثبت الجمع لما هو دونهما من الحاجات.
أسباب الجمع عند الأئمة الأربعة معدودة، لا يجوز الجمع لغيرها، ولو كان الجمع مما تبيحه الحاجة لكانت الأسباب غير محصورة.
لو كانت الحاجة من أسباب الجمع لتكرر وقوعه في عصر التشريع، لكثرة الحاجات وتنوعها من برد، وريح، ووحل وخوف، ومرض، وكلها حاجات عامة.
أمر الناس بالصلاة حال القتال رجالًا وركبانًا حفاظًا على الوقت، ولم يؤمروا بالجمع، وكل حرج لن يكون بقدر ما يصيب المجاهد حال القتال.
تحزب العرب من أقطارها على المسلمين ليبيدوا خضراءهم، حتى كان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع عليهم الجوع والخوف والشغل، ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة.
الخروج في شدة الحر، خاصة في أرض الحجاز فيه مشقة كبيرة على المصلين، حتى شكا الصحابة من ذلك، ومع ذلك لم يشرع لهم الجمع لدفع مثل هذا الحرج، وإنما شرع لهم الإبراد، وذلك بتأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها.
الأنصار أهل حرث ونخل، يعملون في مزارعهم، ويأتيهم مواسم الحصاد والجذاذ كل عام مرة أو مرتين، ولم ينقل عنهم الجمع.
стр. 9772
إطباق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس، ولا سببها يدل على أنها موعظة عامة، وليست أمرًا يجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس تقديم الخطبة على الصلاة.
خطب النبي ﷺ من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس ولم يجمع من أجل إكمال خطبته، مع أن خطبته أطول، والمشقة فيها على الناس أعظم، وموضوعها أهم من خطبة ابن عباس؛ لتعلقها بالغيبيات التي لا تدرك إلا عن طريق تلقيها من النبي ﷺ .
[م-١٠٩٨] اختلف العلماء في الجمع بسبب الحاجة،
فقيل: لا يجوز الجمع للحاجة، وهو قول الأئمة الأربعة (١).
стр. 9773
وقيل: يجوز الجمع للحاجة، ونسب هذا القول لجماعة، منهم: ابن سيرين، وربيعة الرأي، وأشهب من المالكية، وابن شبرمة قاضي الكوفة، وسعيد بن المسيب، وحكاه القفال عن أبي إسحاق المروزي، ونسب رواية عن الإمام أحمد، ونافح عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وإمامهم ابن عباس ﵀ حيث جمع لإكمال الخطبة (١).
وتعالوا ننظر من يثبت عنه صحة هذا القول:
الأول: الإمام محمد بن سيرين، والمتوفى سنة (١١٠ هـ)، روي عنه في الجمع ثلاث روايات،
الرواية الأولى: جواز الجمع بلا سبب، بشرط ألا يتخذ عادة (٢).
وهذا القول أول من نسبه لابن سيرين بلا إسناد -بحسب علمي- ابن المنذر في الأوسط (والمتوفى سنة: ٣١٩)، وبين وفاتيهما أكثر من مائتي سنة.
ومن بعد ابن المنذر نسبه ابن بطال في شرح البخاري (والمتوفى سنة ٤٤٩)، ثم ابن عبد البر (المتوفى: سنة (٤٦٣)، وبين وفاتيهما ووفاة ابن سيرين قريب من (٣٥٠) سنة، ثم تتابع بعد ذلك النقلة عنهم، ونحن أمة إسناد، فما لم نقف على سنده لابن سيرين يبقى القول عنه معلقًا، وقابلًا للطعن في صحة نسبته لابن سيرين، خاصة مع الاختلاف في النقل عن ابن سيرين.
ويحتمل أن القول المنسوب لابن سيرين على فرض ثبوته عنه ليس القول بجواز الجمع بلا سبب، وإنما جواز الجمع للحاجة، فلما كان الجمع للحاجة لا يراه أكثر الفقهاء عذرًا للجمع عُدَّ ذلك من الجمع بلا سبب، هذا هو التفسير المعقول لاختلاف النقل.
الرواية الثانية: عن الإمام ابن سيرين أن الجمع لا يجوز إلا في عرفة ومزدلفة، وهذه الرواية صحيحة مسندة عن ابن سيرين.
стр. 9774
(ث-٨٨٩) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن، ومحمد، قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع.
[صحيح، وهشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين] (١).
الرواية الثالثة عن ابن سيرين: جواز الجمع للحاجة (٢).
(ث-٨٩٠) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أزهر، عن ابن عون قال:
ذكر لمحمد بن سيرين أن جابر بن زيد يجمع بين الصلاتين فقال: لا أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر (٣).
[سنده صحيح].
فقول: (إلا من أمر) يعني: إلا من أمر حمله على الجمع. وكون ابن سيرين أطلق الأمر، ولم يحدده، فيحمل على حاجة دعته إلى الجمع.
وجاء في الأوسط لابن المنذر: «قال ابن سيرين: وروينا عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذ عادة» (٤).
فهذه ثلاث روايات عن ابن سيرين، أحدهما: جواز الجمع بلا حاجة، وهذه لم تثبت مسندة عنه، والثانية: جواز الجمع إذا دعت له حاجة، والثالثة: لا يجمع إلا في عرفة ومزدلفة، والروايتان الأخيرتان ثابتتان عن ابن سيرين ﵀، والله أعلم.
الثاني: جابر بن زيد أبو الشعثاء.
ثبت عنه الجمع بلا سبب، وإذا جاز عنده الجمع بلا سبب، جاز الجمع للحاجة من باب أولى.
стр. 9775
فقد سبق لنا قبل قليل رواية ابن أبي شيبة من طريق ابن عون قال:
ذكر لمحمد بن سيرين أن جابر بن زيد يجمع بين الصلاتين فقال: لا أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر (١).
[سنده صحيح].
فواضح أن ابن سيرين أنكر على جابر بن زيد جمعه بلا سبب.
الثالث: ربيعة بن فروخ المتوفى (سنة: ١٣٦ هـ).
وقد نسب له القول بجواز الجمع للحاجة ابن بطال في شرح البخاري (والمتوفى سنة: ٤٤٩ هـ).
جاء في شرح البخاري لابن بطال: «قال ابن سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين في الحضر إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة. وأجاز ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن» (٢).
وبين وفاتيهما أكثر من ثلاثمائة سنة، ولم أقف عليه مسندًا عن ربيعة، ولا عن أحد ممن عاصر ربيعة حتى يقال ربما سمعه منه، فهو قول معلق، والمعلق ضعيف.
وقد نقل سحنون الجمع للمطر بين العشاءين عن جماعة من التابعين وذكر منهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولم يذكر عنه جواز الجمع للحاجة (٣).
فلو كان هذا القول ثابتًا عن ربيعة لماذا لم تنقله كتب الآثار والمصنفات التي تجمع آثار التابعين مسندة، ولماذا يكون أول من ينقله عنه بينه وبينه مفازة عظيمة.
الرابع: أشهب بن عبد العزيز من أصحاب الإمام مالك.
نسب له القول بجواز الجمع بلا سبب، وإذا جاز الجمع بلا سبب جاز الجمع للحاجة من باب أولى.
قال ابن رشد في المقدمات: «واختلفوا -يعني: مالكًا وأصحابه- في إباحة الجمع بينهما لغير عذر، فالمشهور أن ذلك لا يجوز. وقال أشهب: ذلك جائز على
стр. 9776
ظاهر حديث ابن عباس وغيره» (١).
وقال خليل في التوضيح: «حكى الباجي وصاحب المقدمات عن أشهب إجازة الجمع لغير سبب؛ لحديث ابن عباس: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر) .... والمذهب عدم جواز الجمع لغير سبب خلافًا لأشهب» (٢).
إلا أن هذا القول عن أشهب لا يصح عنه، وقد قدمت أن المنقول عنه هو الجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وهو يقول: إن هذا الوقت وقت مشترك للصلاتين، راجع النقول عن أشهب، في الموقف الثاني من مواقف العلماء من حديث ابن عباس، في بحث الجمع للمطر (٣).
الخامس: ابن شبرمة قاضي الكوفة (المتوفى: ١٤٤ هـ).
نسب له ابن قدامة القول بجواز الجمع للحاجة، حكاه عنه في المغني معلقًا، وابن قدامة متوفى: (سنة: ٦٢٠ هـ)، وبين وفاتيهما أكثر من نصف قرن، ولم أقف عليه مسندًا.
قال الموفق ابن قدامة: «ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا -يعني من الأسباب السابقة- وقال ابن شبرمة: يجوز إذا كانت حاجة أو شيء لم يتخذ عادة» (٤).
السادس: سعيد بن المسيب.
(ث-٨٩١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة،
أن رجلا جاء إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني راعي إبل أحلبها، حتى إذا أمسيت
стр. 9777
صليت المغرب، ثم طرحت فرقدت عن العتمة، فقال: لا تنم حتى تصليها، فإن خفت أن ترقد فاجمع بينهما.
[فيه عبد الرحمن بن حرملة صدوق سيئ الحفظ] (١).
هل يصح الأخذ من هذه الفتوى -لو ثبتت عن ابن المسيب- جواز الجمع عند كل شغل أو حاجة، فهذا الراعي يرعى طيلة النهار، ثم يأتي المغرب فيصليها في وقتها، ثم ينام عن صلاة العشاء غلبة، فلا يصليها حتى يخرج وقتها من شدة الإعياء، فنهاه سعيد بن المسيب عن النوم حتى يصلي العشاء ما دام يقدر على ذلك، فإذا خاف من تضييعها بالنوم أذن له بالجمع.
فهل يستوي رجل يخاف من نفسه تضييع الصلاة؛ لكونه قد بلغه الإعياء من رعيه طيلة النهار، فلا يدخل في استطاعته البقاء إلى العشاء، وإذا نام لم يصلِّ العشاء إلا وقد خرج وقتها، هل يستوي هذا برجل يقدم شغله وحاجته مع قدرته على أداء كل صلاة في وقتها؟، وهل جمع هذا الرجل يشبه الجمع من أجل إكمال الخطبة.
فالجمع من الراعي هذا ملحق بجمع الضرورات، وليس بالحاجات كالمرض.
وهب أن القول هذا لا يعرف عن أحد من التابعين إلا عن سعيد بن المسيب، أيكون هذا القول بهذا التفرد زمن التابعين ثم يكون دينًا للعامة عند كل شغل أو حاجة تطرق المكلف، وهل قول سعيد ممن يحتج بقوله أم يحتج لقوله؟.
فإن كان عمدة ابن المسيب حديث ابن عباس، فقد نقلت موقف المحدثين والفقهاء منه، ونقلت لك من نصوصهم ومذاهبهم ما لا يتفق مع حديث ابن عباس ﵁ في الموقف الأول من حديث ابن عباس عند الكلام على جمع المطر.
السابع: أبو إسحاق المروزي، المتوفى سنة: ٣٤٠ هـ
وقال الخطابي: سمعت أبا بكر القفال (ت: ٣٦٥)، يحكيه عن أبي إسحاق المروزي (٢).
стр. 9778
الثامن: ابن المنذر، من أصحاب الشافعية، والمتوفى سنة: ٣١٩ هـ.
يرى جواز الجمع بلا سبب، وإذا جاز الجمع بلا سبب جاز الجمع للحاجة من باب أولى، وقد بنى قوله بناء على صحة نسبة القول به لمن سبقه.
جاء في الأوسط لابن المنذر: «قالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك كما أُدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي بحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر لما سئل، لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» (١).
التاسع: ما يروى عن الإمام أحمد أنه أجازه للشغل، والشغل بإطلاقه من الحاجات.
فلنأخذ النص المنقول عن الإمام أحمد.
قال في الفروع: ونقل ابن مشيش: يجمع في حضرٍ لضرورةٍ، مثل مرض وشغل (٢).
هذا النص من الإمام أحمد يجب ألا يكون مفصولًا عن الروايات الأخرى له،
стр. 9779
فهو يتكلم عن جمع الضرورة، قال أحمد: (يجمع في حضرٍ لضرورةٍ) ومفهومه: أنه لا يجمع في الحضر للحاجة.
وأما المثال الذي ساقه مثل مرض وشغل، فهذا ما دام ساقه مثالًا للضرورة، فيحمل على المرض الشديد الذي يكون فيه الجمع من الضرورات، ولا يحمل على المريض الذي يكون معه بعض المشقة، ومثله يقال في الشغل.
جاء في الإرشاد لابن أبي موسى (ت: ٤٢٨): «وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف» (١).
وقال القاضي أبو يعلى: «وأما المرض، فإنما جعل له الجمع بين الظهر والعصر إذا خشي أن يغلب على عقله، ويشق عليه الوضوء» (٢).
فتبين أن جمع المريض من جمع الضرورات، ولذلك يرى الجمع للمرض من لا يرى الجمع للحاجة كالإمام مالك.
بل يرى الجمع للمرض من لا يرى الجمع للمطر كالليث بن سعد وعطاء (٣).
وذكر الإمام أحمد مع المرض الشغل، قال القاضي أبو يعلى: «أراد بالشغل ما يجوز معه ترك الجمعة والجماعة من الخوف على نفسه أو ماله» (٤).
فهذا الشغل من باب الضرورات، وليس المراد بالشغل اشتغاله بحاجاته.
وقال الموفق ابن قدامة: «ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا -يعني من الأسباب السابقة- وقال ابن شبرمة: يجوز إذا كانت حاجة أو شيء لم يتخذ عادة» (٥).
وهذا النص من ابن قدامة يستفاد منه أمران:
الأمر الأول:
بيان أن أسباب الجمع في مذهب الإمام أحمد معدودة، لا يجوز الجمع في
стр. 9780
غيرها، ولو كان الجمع مما تبيحه الحاجة لكانت الحاجات غير محصورة.
الأمر الثاني:
أنه جعل جواز الجمع للحاجة قولًا لابن شبرمة، ولو كان يعرف أنه رواية عن الإمام أحمد لم يكتف في نسبته لابن شبرمة.
وقال في الإنصاف: «لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب» (١).
وقال ابن مفلح في الفروع: «واختار شيخنا -يعني: ابن تيمية- الجمع لتحصيل الجماعة … ولخوفِ تحرجٍ في تركه، أي: مشقة» (٢).
ولو كان الجمع للحاجة رواية عن أحمد لذكره ابن مفلح رواية، فهو من أعلم أهل عصره بروايات الإمام أحمد، فكونه ينسب الجمع للمشقة لشيخه تقي الدين فهذا دليل على أنه ليس رواية عن الإمام أحمد.
فالمرض والشغل الذي نقله ابن مشيش عن أحمد كانا مثالين لجمع الضرورة، وليس لجمع الحاجة.
وكيف يكون الجمع في مذهب أحمد يجوز دفعًا للمشقة، وقد نص الإمام على أنه لا يجمع للمطر في الظهرين كما مر معك.
وأسقط الحنابلة الجمعة والجماعة لغلبة النعاس ولم يجعلوه سببًا يبيح الجمع مع مشقة مقاومة النوم، فقد ذكر في الوجيز أنه يجوز الجمع لكل شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة عدا النعاس (٣).
ومنع الحنابلة الجمع للمشقة في السفر القصير.
وبقي ممن نسب له هذا القول بجواز الجمع للحاجة تقي الدين ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم عليهما رحمة الله، ويقصدان بالحاجة تلك التي لو ترك
стр. 9781
الجمع معها لوقع المكلف في حرج، وليس مطلق الحاجة، فالوقوع في الحرج: ضرب من المشقة، والجمع شرع دفعًا للمشقة (١).
هؤلاء هم من وقفت عليهم ممن نسب له القول بجواز الجمع للحاجة، إما صريحًا وإما تخريجًا على قوله بجواز الجمع بلا سبب، وقد تبين أنه لا يصح القول بجواز الجمع بلا سبب إلا عن ثلاثة: جابر بن زيد، وأبي إسحاق المروزي، وابن المنذر، ولم يصح القول به عن أشهب بن عبد العزيز.
وصح القول بجواز الجمع للحاجة عن ابن سيرين في أحد قوليه، وابن تيمية، وابن القيم.
ولم يصح نسبة القول به عن الإمام أحمد، ولا عن ربيعة الرأي، ولا عن ابن شبرمة، وأما ما روي عن سعيد بن المسيب، فهو من جمع المضطر إذا خاف أن يضيع الصلاة بغلبة النوم، والله أعلم.
دليل من قال: يجوز الجمع للحاجة إذا كان في ترك الجمع معها حرج:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٢٣) روى الإمام مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر.
في حديث وكيع: قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته.
وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته (٢).
(ح-٣٤٢٤) ورواه مسلم من طريق حماد، عن الزبير بن الْخِرِّيتِ،
عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟
стр. 9782
لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته (١).
وجه الاستدلال:
دلالته على جواز الجمع للحاجة ما فهمه ابن عباس من جمع النبي ﷺ حين سئل: (لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمته)، ففهموا من جملة ابن عباس أنها تعليلية، وأن الجمع مشروع لدفع كل حرج، ومنه الحاجة العامة والخاصة تنزل بالرجل، فيجد أنه لو ترك الجمع لوقع في الحرج.
وإذا جاز الجمع لمصلحة إكمال الخطبة؛ لأن المتكلم قد يصيبه حرج في ربط كلامه السابق بكلامه اللاحق، وإكمال الخطبة من الحاجات الخفيفة فأولى بالجمع من إكمال الخطبة إذا نزل بالإنسان حاجة تدعو إلى الجمع لدفع الحرج والعنت.
ويجاب:
ناقشت في بحث الجمع للمطر دلالة حديث ابن عباس من وجوه كثير، منها: موقف علماء الحديث، وموقف الفقهاء من حديث ابن عباس.
وقوله: (أراد ألا يحرج أمته)، هذه الجملة موقوفة على ابن عباس، والسؤال:
أقصد ابن عباس بهذه الجملة التعليل، بحيث لا يجمع إلا إذا وجد في ترك الجمع حرج، وكلما وجد حرج لأي سبب من الأسباب شرع الجمع، فتكون أسباب الجمع مفتوحة، أم قصد ابن عباس من نفي الحرج نفي الإثم عن الفعل، وتجويز الجمع بلا سبب، حتى جمع ابن عباس لإكمال الموعظة، ولم يقل أحد من الصحابة، ولا من الأئمة الأربعة بأن ذلك من أسباب الجمع.
وإطباق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس، ولا سببها يدل على أنها موعظة عامة، وليست أمرًا يجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس تقديم الخطبة على الصلاة.
لماذا لم يذكر ابن عباس في جميع طرق الحديث سبب الجمع في المدينة؟
стр. 9783
ولماذا ابن عباس احتج على صحة جمعه بنفي أسباب الجمع في قوله: (من غير خوف ولا سفر) وفي رواية: (من غير خوف ولا مطر)؟
ولماذا تلاميذ ابن عباس لم يسألوه عن سبب الجمع، وسألوه ما ذا أراد النبي ﷺ بهذا الفعل؟
ما الفائدة من نفي الخوف والسفر؟ أو الخوف والمطر، ألم يكن أبلغ وأقصر أن يذكر سبب الجمع صريحًا ويلزم من ذكره نفي غيره من الأسباب، بدلًا من نفي بعض أسباب الجمع، والسكوت عن سبب الجمع، أين فصاحة ابن عباس؟
لو كان جمع النبي ﷺ له سبب ألم يكن نقله للأمة من ابن عباس هو الأهم، وكان السؤال عنه أهم من سؤال ابن عباس عن رأيه بقصد النبي ﷺ بهذا الفعل؟
أترى لو كان الجمع له سبب، أيتجاهل ابن عباس ذكره في كل طرق الحديث، ويقدم فهمه لهذا الفعل، وأنه فَهِم من فعل النبي ﷺ نفي الحرج عن الفاعل، وكذلك فعل كل من روى الحديث عن ابن عباس، حيث تركوا سؤاله عن سبب الجمع، وتوجه سؤالهم فقط عن رأي ابن عباس عن نية النبي ﷺ بهذا الجمع؟
لو كان الجمع مشروعًا كلما وجد حرج لأي سبب من الأسباب، فلماذا كانت أسباب الجمع معدودة عند الأئمة الأربعة، وقد ذكرت في صدر هذه المسألة أسباب الجمع عند الأئمة الأربعة.
هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها، فارجع إليها بوركت في جمع المطر، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
الدليل الثاني:
ثبت أن النبي ﷺ جمع في عرفة ومزدلفة، وأن جمعه لم يكن لعلة السفر، ولا الخوف، ولا المطر، ولا لخصوص النسك، فكذلك جمعه الذي رواه ابن عباس في المدينة، وإنما كان الجمع في الموضعين لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.
يقول ابن تيمية: «النبي ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف، ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما قال: (أراد أن لا يحرج أمته). ومعلوم أن جَمْع النبي ﷺ
стр. 9784
بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا؛ فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها، ولجمع لمَّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك؛ فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم؛ فإنه من حينئذ صار محرمًا فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا» (١).
ويناقش:
الجواب الأول:
قول ابن تيمية ﵀: (لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها)، هذا الإلزام ليس بلازم؛ فالفطر يجوز للمسافر، ولو لم يكن هناك مشقة، ولا يصح القول: لو كان فطره للسفر للزمه الفطر في كل سفره، فكذلك الجمع، فالقصر ملازم للسفر، وهو سنة، وقيل: واجب، والفطر والجمع من رخص السفر، يباحان مطلقًا، ويستحبان مع المشقة.
الجواب الثاني:
قياس الجمع في الحضر على مشقة السفر، لا يصح؛ لأن الجمع في السفر مباح، ولو لم يكن هناك مشقة كالفطر، بخلاف الجمع في الحضر على القول به لا يجوز إلا مع المشقة الظاهرة.
لأن إثبات الجمع عن طريق القياس اعتراف بأن الفرع المقيس لا نص فيه، وإذا كان الجمع للحاجة لا نص فيه، فلا يصح استخدام القياس فيما ترك النبي ﷺ فيه الجمع مع وجود المقتضي، أليس الترك من النبي ﷺ سنة؟ ويلزم منه الجمع فيما ترك النبي ﷺ فيه الجمع؟
стр. 9785
الجواب الثالث:
لا يصح تخريج الجمع في الحضر على الجمع في عرفة ومزدلفة؛ لأن الجمع فيهما من السنن، ويكره تركه، والحاجة عامة، والجمع في الحضر رخصة وليس بسنة عند المالكية، وتركه أفضل عند الشافعية والحنابلة، فلا يقاس الأدنى على الأعلى.
الدليل الثالث:
يقول ابن تيمية: «المواقيت لأهل الأعذار ثلاثة ولغيرهم خمسة فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، فذكر ثلاثة مواقيت والطرف الثاني يتناول الظهر والعصر، والزلف يتناول المغرب والعشاء.
وكذلك قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، والدلوك هو الزوال في أصح القولين. يقال: دلكت الشمس وزالت وزاغت ومالت. فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلى الظهر والعصر وفي الغسق تصلى المغرب والعشاء، ذكر أول الوقت وهو الدلوك وآخر الوقت وهو الغسق، والغسق اجتماع الليل وظلمته. ولهذا قال الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره: المرأة الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء. وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر. وهذا مذهب جمهور الفقهاء كمالك والشافعي» (١).
ويناقش بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أما الاحتجاج بالآيات فلا يظهر لي أن فيها دلالة على الجمع، فهي تأمر بإقامة الصلوات بأوقاتها على سبيل الإجمال، ولم تتعرض للجمع، ففي آية الإسراء ذكرت الأوقات الخمسة، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
فلو فهم منها الجمع لفهم منها مشروعية جمع العصر مع المغرب، ولا قائل به.
الجواب الثاني:
وأما الاحتجاج بأثر عبد الرحمن بن عوف وما يعضده من آثار في الباب، وكلها
стр. 9786
آثار ضعيفة (١)، ولكن الاعتبار بها بالمجموع، وكونه لا يعرف ما يخالفها من أقوال الصحابة، فهي وإن دلت على أن المانع من الصلاة من حيض أو جنون، إذا ارتفع في وقت العصر صلى معه الظهر، وإذا ارتفع في وقت العشاء صلى معه المغرب، إلا أنه لا يدل على مشروعية الجمع للعذر، بدليل أن من وجبت عليه صلاة الظهر، ثم طرأ مانع لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، ولا يعتبر وجوب الظهر وجوبًا للعصر، وهذا بالاتفاق، مع أن وقت الظهر وقت له وللعصر في حال الجمع، فما الفرق بين المسألتين؟
فكان القياس يقتضي أن المانع لو ارتفع في صلاة العصر لم تجب الظهر، وكذلك لو ارتفع في وقت العشاء لم تجب المغرب؛ لحديث عبد الله بن عمرو، قال: النبي ﷺ : وقت الظهر ما لم يحضر العصر. رواه مسلم، وإنما ترك القياس؛ لما ورد من آثار عن الصحابة ﵃، ولم يرد ما يخالفها عن غيرهم، وإطباق التابعين على موافقة الصحابة إلا ما ورد عن الحسن البصري ثم متابعة جمهور الفقهاء في الجملة من المالكية والشافعية والحنابلة، فكان المقتضي اتباع الأثرِ، وما ورد خلاف القياس لا يقاس عليه إلا لو كان منصوصًا على علته، فلو كانت هذه الآثار تدل
стр. 9787
على مشروعية الجمع للحاجة لم يكن هناك فرق بين طروء المانع وبين ارتفاعه في الصلاتين المجموعتين، فإما أن نقول: إن هذا التفريق يدل على ضعف قول الجمهور بأن درك العصر درك للظهر، والآثار ضعيفة، وهذا قول الحنفية، وإما أن نقتصر على ما تقتضيه هذه الآثار، ولا ندعي أنها تفيد جواز الجمع للحاجة، ما دمنا لا نلتزمه في طروء المانع، وهذا أقرب، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أخذوا بهذه الآثار، وقالوا: تدرك الظهر بإدراك العصر، وتدرك المغرب بإدراك العشاء ولم يفهموا من هذه الآثار مشروعية الجمع للحاجة، فدل على أن هذه الآثار لا تدل على ذلك.
وقد نفى النووي أن يكون الجمع للحاجة من أقوال الأئمة الأربعة.
قال النووي: «في مذاهبهم في الجمع في الحضر بلا خوف، ولا سفر، ولا مرض: مذهبنا ومذهب أبي حنفية، ومالك وأحمد، والجمهور أنه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب، قال: وجوزه ابن سيرين لحاجة ما لم يتخذه عادة» (١).
وقال ابن عبد البر: «وقالت طائفة شذت عن الجمهور الجمع بين الصلاتين في الحضر، وإن لم يكن مطر مباح إذا كان عذر وضيق على صاحبه، ويشق عليه، وممن قال بذلك محمد بن سيرين … » (٢).
الجواب الرابع:
لو كان أثر عبد الرحمن بن عوف وما يعضده من أثر أبي هريرة وابن عباس تدل على مشروعية الجمع للحاجة لوجدت ما يدل على ذلك من التطبيق العملي للصحابة، فلا تجد أثرًا واحدًا يدل على جواز الجمع للمرض أو الخوف أو الوحل أو الريح الباردة، وكلها من الحاجات العامة الشديدة، والجمع بسببها أولى من الجمع من مطلق الحاجة الخاصة، وإنما المحفوظ في السنة أن هذه الأسباب تبيح التخلف عن الجماعة، فلو كان الجمع مشروعًا للحاجة لحفظ الجمع لهذه الأسباب، ﴿وَمَا كَانَ
стр. 9788
رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ولو كان الناس كل ما احتاجوا جمعوا، لتكرر وقوع الجمع في الحضر في عصر التشريع، فالناس لا يعدمون من الوقوع في حاجة عامة من برد، وريح، ومطر ووحل، ومن التعرض لحاجة خاصة من شغل كالحصاد والجذاذ، والنعاس، والمرض، وغيرها، والثابت عن النبي ﷺ في دفع أذى المطر قوله: (صلوا في رحالكم)، وهذا لا يختلف عليه الأئمة الأربعة.
وقد استمر المطر أسبوعًا في المدينة حتى تهدمت البيوت وانقطعت السبل وهلكت المواشي ولم ينقل الجمع.
وقد مرض النبي ﷺ مرات كثيرة حتى صلى جالسًا، ومرض أيامًا قبل وفاته، حتى تخلف عن الجماعة، ولم ينقل أنه جمع قط.
فما هي الحاجات إذًا التي تبيح الجمع، إذا كانت كل هذه الحاجات التي ذكرتها لم يثبت فيها الجمع من السنة العملية؟
دليل من قال: لا يجوز الجمع للحاجة:
الدليل الأول:
الحاجة ملازمة للحياة جماعة وأفرادًا، فلو كانت من أسباب الجمع، لتكرر الجمع، لكثرة الحاجات وتنوعها، ولو فعل الجمع لحفظ، فلا سنة في الباب، ولا آثار عن الصحابة إلا ما كان من حديث ابن عباس، وقد وقفت على مواقف العلماء منه عند الكلام على جمع المطر.
أينقل الصحابة جمع النبي ﷺ في أسفاره، والسفر عارض ويتكرر النقل في بيان صفة الجمع، ومكانه، وهل كان من جمع التقديم أو التأخير، وهل كان نازلًا أو جَدَّ به السير، فإذا جاءت الإقامة، وهي الأصل في حياة النبي ﷺ وأصحابه وقد امتدت عشر سنوات، ويتكرر فيها أسباب الجمع من مطر، وبرَد، ورياح، ووحل، وقرٍّ وحرٍّ ومرض، ثم لا يوجد فيها نقل واحد مرفوع أن النبي ﷺ جمع بسبب هذه الحاجات إلا ما كان في حديث ابن عباس المشكل، والذي شرق فيه الأئمة وغربوا.
كل ذلك يدل على عدم ثبوت الجمع بسبب الحاجة، والله أعلم.
стр. 9789
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
فلو كان وجود الحرج من أسباب الجمع لشرع الجمع في حال المسايفة، فإن الناس أمروا بالصلاة حال القتال رجالًا وركبانًا حفاظًا على الوقت، ولم يؤمروا بالجمع، وكل حرج لن يكون بقدر الحرج الذي يصيب المقاتل حال القتال.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٢٥) روى مسلم من طريق أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب،
عن خباب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا (١).
ورواه مسلم من طريق زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق به، وزاد: قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم (٢).
فالصحابة شكوا للنبي ﷺ شدة الحر، وذلك يعني أن هناك حاجة وحرجًا في الصلاة في شدة الظهر، فلم يشكهم، وعالج النبي ﷺ ذلك بالإبراد في الصلاة.
فالخروج في شدة الحر، خاصة في أرض الحجاز فيه مشقة كبيرة على المصلين، ومع ذلك لم يشرع لهم الجمع لدفع مثل هذا الحرج، وإنما شرع لهم الإبراد، وذلك بتأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها.
(ح-٣٤٢٦) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (٣).
قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا) أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: (أَبْرَدَ) إذا دخل في البرد، كأَظْهَرَ إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا،
стр. 9790
وأَتْهَمَ: إذا دخل تهامة.
(ح-٣٤٢٧) وروى البخاري من طريق آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب،
عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (١).
ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٢).
فكان الإبراد له غاية ينتهي عندها، وهو قول الراوي في الحديث: (حتى رأينا فَيْءَ التلول)، أي: مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء حتى ظهر للتل فيء، ولا يظهر للتل فيء إلا قرب وقت العصر.
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (٣).
فما بقي ليدخل وقت العصر إلا ظل الزوال نفسه؛ فإن العصر لا يدخل إلا بعد أن يكون ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وقد يكون الراوي قصد بذلك المبالغة، لا حقيقة المساواة، ولهذا كانت رواية الأكثر (حتى رأينا فيء التلول)، والله أعلم.
فأيهما أشد حرجًا على المكلف، قطع خطبة ابن عباس، والعود إليها بعد الصلاة، أو الخروج إلى الصلاة في شدة الحر، في بلاد كالحجاز؟
فلو كان الجمع مشروعًا إذا وجدت حاجة أو حرج لكانت الحاجة العامة من شدة الحر أولى بالجمع من الحاجة الخاصة.
الدليل الرابع:
اشتغل الصحابة في حفر الخندق، وكان هذا من الشغل العام، ومصلحته الدفاع عن الملة والأمة رجالًا ونساء وأطفالًا، ولم يمر بالنبي ﷺ ولا صحابته حدث مثل حفر الخندق وقد تحزب عليهم العرب من أقطارها ليبيدوا خضراءهم،
стр. 9791
فكان النبي ﷺ يشارك في نقل التراب، وقد اجتمع عليهم الجوع والخوف والشغل، وقد وصف الكتاب العزيز حال الصحابة.
قال تعالى: ﴿) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].
ولم ينقل أنهم جمعوا للصلاة، فأي شغل بعد هذا يكون مبررًا للجمع.
(ح-٣٤٢٨) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق،
عن البراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى التراب بياض بطنه … الحديث (١).
وفي رواية: حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر … الحديث (٢).
وأي شغل أصاب الناس حتى كان النبي ﷺ -بأبي هو وأمي- وهو أعلى رجل في الدولة يشارك في نقل التراب، وفي حفر الخندق.
(ح-٣٤٢٩) وروى البخاري من طريق سعيد بن ميناء قال:
سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا … من حديث طويل (٣).
فإذا كان هذا الشغل لم يسوغ الجمع، فأي شغل بعده يمكن أن يبرر الجمع؟
وإذا لم يجمع المسلمون في مثل ذلك اليوم والذي اجتمع فيه العمل، والجوع، والخوف، وكانوا يسارعون الوقت قبل أن يداهمهم العدو لم يشرع الجمع لما هو دونه من الحاجات الخاصة أو العامة.
الدليل الخامس:
خطب النبي ﷺ من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس، فكان عليه الصلاة
стр. 9792
والسلام إذا حضرت الصلاة نزل النبي ﷺ ، فصلى، ثم أكمل خطبته، كما في صحيح مسلم، حتى قال الصحابي: فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا (١).
ولم يجمع النبي ﷺ بين الظهرين من أجل إكمال خطبته، مع أن خطبته أطول، والمشقة فيها على الناس أعظم، وموضوعها أهم من خطبة ابن عباس؛ لتعلقها بالغيبيات التي لا تدرك إلا عن طريق تلقيها من النبي ﷺ .
الراجح:
أن الجمع كما لا يباح للوحل والمرض والخوف لا يباح للحاجة، والله أعلم.
стр. 9793
الباب الثاني في شروط الجمع
الشرط الأول في اشتراط نية الجمع
المبحث الأول في اشتراط نية الجمع في جمع التقديم
المدخل إلى المسألة:
شروط العبادة صفة فيها، لا تثبت إلا بنص أو إجماع.
لا يحفظ في السنة أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه أمر بنية الجمع، مع أن أكثر المأمومين قد يجهل نية الإمام.
حقيقة الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى نوى الجمع أم لا.
رخصة الجمع لا تتعلق بالصلاة الأولى؛ لأنها فعلت في وقتها المشروع، فتخلف نية الجمع عنها لا يضر حكم الجمع، والنظر إنما هو في نية الجمع قبل الصلاة الثانية.
نية الصلاة الثانية لا تستلزم نية الجمع.
قد يعجل المأموم الصلاة الثانية متابعة لإمامه، ويغفل عن نية الجمع، فنية الأعم لا تستلزم نية الأخص.
خرج النبي ﷺ في حجة الوداع فصلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وصلى خلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه يسافر لأول مرة، لا سيما النساء، ولم يأمرهم بنية القصر.
стр. 9794
إذا صح القصر بلا نية صح الجمع بلا نية من باب أولى؛ لأن نية القصر تغير بنية الصلاة، فلو تأخرَتْ لتأدَّى بعض الصلاة على نية الإتمام، بخلاف نية الجمع فإنها نية متعلقة بالصلاتين معًا من جهة الوقت، وهو أمر خارج عن كنه الصلاة.
اشتراط الموالاة على القول به لا يستلزم نية الجمع بدليل أفعال الصلاة، فالموالاة بينها شرط، ولا تشترط نية خاصة للركوع والسجود، وقد تحصل الموالاة بلا نية الجمع.
[م-١٠٩٩] ليس الكلام في مطلق اشتراط النية للعبادة فإن الفقهاء لا يختلفون في اشتراطها للعبادة، فالصلاة لا تصح إلا بنية، وإنما الخلاف في نية الجمع، وهو قدر زائد على نية الصلاة، واختلفوا أيضًا في محلها: أتشترط نية الجمع في بداية الثانية؛ لأن الأولى وقعت في وقتها، أم لا بد أن تكون نية الجمع معقودة في بداية الأولى باعتبار أن الصلاتين صارا في حكم الصلاة الواحدة، أم تشترط نية الجمع قبل الفراغ من الأولى، وإن عرى أول الصلاة من نية الجمع؟
في ذلك خلاف بين فقهائنا عليهم رحمة الله:
فقيل: تجب نية الجمع عند إحرام الأولى، وهو المشهور من مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١).
стр. 9795
قال ابن شاس المالكي: «صفة الجمع، أن يقدم الأولى منهما، وينويه في أولها، ولا يجزيه أن ينوي في أول الثانية، وقيل: يجزي» (١).
وقيل: له أن ينوي الجمع عند الإحرام بالثانية، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
قال في جامع الأمهات: «وينوي الجمع أول الأولى، فإن أخرها إلى الثانية فقولان» (٣).
وقيل: إذا نوى الجمع قبل الفراغ من الأولى أجزأته، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٤).
قال النووي: «ونية الجمع ومحلها أول الأولى وتجوز في أثنائها» (٥).
قال الرملي شارحًا: «وتجوز في أثنائها ولو مع تحللها؛ إذ لا يتم خروجه منها حقيقة إلا بتمام تسليمه» (٦).
وقيل: في التفريق بين المطر والسفر، ففي المطر: ينوي الجمع عند افتتاح
стр. 9796
الصلاة الأولى، وفي السفر ينوي الجمع مع التسليمة في الصلاة الأولى أوقبلها، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
وقيل: لا تشترط نية الجمع، وهو ظاهر مذهب الحنفية، واختاره المزني من الشافعية، وأبو بكر من الحنابلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال به بعض المالكية في جمع عرفة ومزدلفة (٢).
قال أبو بكر من الحنابلة في كتاب الخلاف: «الجمع لا يفتقر إلى نية الجمع» (٣).
ما معنى القول: الجمع لا يفتقر إلى نية الجمع؟.
أيعني هذا النفي: أنه لا تشترط نية الجمع عند الصلاة الأولى، بل تكفي نية الجمع قبل الشروع في الثانية؟
إن حُمِل هذا النفي على هذا المعنى، رجع هذا القول إلى القول الثاني، والقائل: يصح الجمع إذا نوى عند الإحرام بالثانية.
فما الحاجة إلى إطلاق النفي حتى يوهم أن نية الجمع ليست بشرط؟
وإن حُمِل النفي على أن الجمع لا يشترط فيه نية الجمع، بحيث لو صلى الصلاة الثانية في وقت الأولى وغفل عن نية الجمع، أو تابع إمامه على الصلاة الثانية دون نية الجمع، صح منه ذلك إذا وجد سببه، فنية الصلاة تكفي عن نية الجمع.
إن حمل القول على ذلك، فإن مثل هذه الصورة نادرة، فلا يتصور نية الفرض الثاني في وقت الأولى إلا وقد قصد الجمع.
стр. 9797
وظاهر كلام الشافعية أنهم حملوا نفي المزني على المعنى الثاني.
جاء في المهذب: «قال المزني: يجوز الجمع من غير نية الجمع، وهذا خطأ؛ لأنه جمع؛ فلا يجوز من غير نية، كالجمع في وقت الثانية.
ولأن العصر قد يفعل في وقت الظهر على وجه الخطأ، فلا بد من نية الجمع؛ ليتميز التقديم المشروع من غيره» (١).
وقال النووي شارحًا: «نية الجمع شرط لصحة الجمع على المذهب.
وقال المزني وبعض الأصحاب: لا تشترط؛ لأن النبي ﷺ جمع، ولم ينقل أنه نوى الجمع، ولا أمر بنيته، وكان يجمع معه من تخفى عليه هذه النية، فلو وجبت لبينها. ودليل المذهب: أن الصلاة الثانية قد تفعل في وقت الأولى جمعًا، وقد تفعل سهوًا، فلابد من نية تميزها» (٢).
فظاهر كلام النووي أن المزني قصد بقوله: (لا تشترط نية الجمع) أي: حتى للصلاة الثانية، فلو كان المزني يقصد نفي النية عن الصلاة الأولى لم يعترض عليه الشافعية بقولهم: إن الصلاة الثانية قد تفعل في وقت الأولى جمعًا، وقد تفعل سهوًا، فلابد من نية تميزها.
وقال إمام المحرمين: «مذهب المزني أن نية الجمع ليست مشروطة، ولكن إذا وقع الجمع على شرطه كفى، وليس كنية القصر؛ فإن الأصل الإتمامُ، ونية القصر تُغيّر الصلاة الواحدة، فلا بد من نيةٍ تُزيل أصلَ الصلاة، وأما الجمع؛ فإنه متعلق بصلاتين، فلا معنى لاشتراط نيةٍ تتعلق بالصلاتين» (٣).
هذا ما يخص تفسير قول المزني، فما ذا كان يقصد شيخ الإسلام بقوله: لا تشترط نية الجمع؟
جاء في الإنصاف: «وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع، يعني أحدها: نية الجمع. وهذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب.
стр. 9798
وقيل: لا تشترط النية للجمع. اختاره أبو بكر، كما تقدم في كلام المصنف، والشيخ تقي الدين. وقدمه ابن رزين» (١).
فظاهر قوله: لا تشترط النية للجمع، أي مطلقًا، لا في الأولى، ولا في الثانية،
لأن المرداوي، وهو يحكي الخلاف، ذكر الخلاف على مرحلتين:
المرحلة الأولى: الخلاف في اشتراط نية الجمع، وجعل المسألة على قولين:
الأول: أن النية شرط، هكذا بإطلاق، ونسبه للمذهب، وقابله بضده: لا تشترط نية الجمع، ونسبه لابن تيمية.
ثم انتقل المرداوي يبين الاختلاف في محلها على القول بأن النية شرط، فذكر أن النية شرط عند إحرام الأولى، وقيل: تجزئه النية قبل سلامها، وقيل: بعد الفراغ من الأولى، وقيل: عند إحرام الثانية لا قبلها ولا بعدها، ونسب هذه الأقوال، ولم ينسب أيًّا منها لابن تيمية.
فصنيع المرداوي ظاهره من نفي اشتراط النية الإطلاق، وأنها ليست بشرط لا عند الأولى ولا عند الثانية، كقول المزني.
وهذا ما فهمه الشيخ عبد الله بابطين، فقد سئل كما في الدرر السنية، عن إعلام
стр. 9799
الإمام بنية الجمع، فأجاب: « … أرجو أنه لا بأس أن يعلمهم أنه ناوٍ الجمع؛ ولم أسمع في ذلك شيئًا عن الصحابة؛ كما هو حجة من لم يشترط النية للجمع، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لكن الخروج من الخلاف لا بأس به» (١).
والذي يظهر لي أن هذا غير مراد لشيخ الإسلام؛ لأننا إذا رجعنا ونقلنا مذهب شيخ الإسلام من كتبه تبين المراد منه.
قال في مجموع الفتاوى: «وهكذا اختلفوا في الجمع والقصر، هل يشترط له نية؟
فالجمهور: لا يشترطون النية، كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه.
والثاني: تشترط. كقول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد كالخرقي وغيره. والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه» (٢).
فلو نسب ابن تيمية القول بنفي الاشتراط لنفسه لحمل على ظاهره، أما أن ينسبه للجمهور، فالذي وقع فيه الاختلاف بين الأئمة إنما هو في اشتراط النية عند الصلاة الأولى، ولم يختلفوا قط في اشتراط النية للثانية، فضلًا أن يكون مقتضى نصوص الإمام أحمد عدم اشتراط النية مطلقًا، فتعين حمل كلام ابن تيمية على نفي اشتراط النية للصلاة الأولى. والله أعلم.
إذا تبين ذلك نأتي على خلاصة الأقوال:
قيل: النية شرط للجمع.
وقيل: النية ليست بشرط، بل تكفي عنها نية الصلاة.
والقائلون بأن النية شرط اختلفوا في محلها:
فقيل: النية شرط عند الشروع في الصلاة الأولى.
وقيل: تجزئه النية إذا عقدها قبل السلام من الأولى
وقيل: تجزئه بعد السلام من الأولى وقبل إحرام الثانية.
وقيل: محل النية: إحرام الثانية، لا قبله، ولا بعده.
стр. 9800
وقيل: في المطر ينوي الجمع عند افتتاح الصلاة الأولى، وفي السفر ينوي الجمع مع التسليمة في الصلاة الأولى أوقبلها.
دليل من قال: نية الجمع شرط في صحة الجمع:
الصلاة عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى يقصد بها القربة فقط لا تصح إلا بنية، وهذا بالإجماع، وإنما يختلف الفقهاء في النية أهي شرط أم ركن، وسبق لنا الخلاف، ونية الجمع جزء من نية الصلاة، فهي مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الجمع، كما أن نية الظهر مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الفريضة، والأولى جنس، والثانية: نوع، فلو نوى الصلاة وحدها، ولم يعين نوعها لم تنعقد الفريضة، فكذلك لو نوى الصلاة ولم ينو الجمع، فكان لا بد مع نية الصلاة أن ينوي الجمع؛ لأن حقيقة الجمع ضم إحداهما إلى الأخرى، وهو عمل، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه من مسند عمر ﵁ مرفوعًا: إنما الأعمال بالنيات.
ويناقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن نية الجمع ليست جزءًا من نية الصلاة، فنية الصلاة، كل صلاة لها نية خاصة، ونية الجمع متعلقة بالصلاتين معًا من جهة الوقت تقديمًا أو تأخيرًا.
الوجه الثاني:
قال البلقيني نقلًا من فتح الباري: «الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة. ويقوي ذلك أنه ﵊ جمع في غزوة تبوك، ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطا لأعلمهم به.
واستدل به على أن العمل إذا كان مضافًا إلى سبب ويَجمعُ مُتَعَددَهُ جنسٌ: أن نية الجنس تكفي، كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره؛ لأن معنى الحديث: أن الأعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة -وشك
стр. 9801
في سببها- أجزأه إخراجها بغير تعيين» (١).
ورد هذا:
«بأن الجمع ضم إحداهما إلى الأخرى، فهو عمل حقيقة، بخلاف التفريق؛ فإنه تركٌ حقيقةً، أو أقرب إلى الترك، فاتضح ما قالوه، وبطل ما اختاره» (٢).
ولأن الضم قد يكون بنية الجمع وقد يقع سهوًا، ونية الجمع هي التي تميز.
ويجاب:
لا جمع إلا بسبب، وإذا جمع بلا سبب لم يصح الجمع، ووجود سبب الجمع مع نية الصلاة كافٍ في التمييز، فلا يحتاج الأمر إلى نية الجمع.
دليل من قال: لا تشترط نية الجمع:
الدليل الأول:
الشروط توقيفية، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، ولا يحفظ في السنة أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه أمر بنية الجمع، مع أن أكثر المأمومين قد يجهل نية الإمام.
وقد صلى النبي ﷺ بالناس في عرفة كما في حديث جابر المتفق عليه، وجمع بالأبطح كما في حديث أبي جحيفة المتفق عليه، وجمع في أثناء استراحته في طريقه إلى غزوة تبوك كما في حديث معاذ في مسلم، ولم يأمرهم بنية الجمع قبل إحرام الأولى، وكان يجمع معه من تخفى عليه هذه النية، فلو وجبت نية الجمع لبينها لهم.
الدليل الثاني:
الغرض من الجمع، وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، نوى الجمع أو لم ينو، ونية الصلاة تكفي عن نية الجمع؛ فالمصلي ينوي الصلاة الأولى، حتى إذا فرغ منها نوى الصلاة الثانية، وأما نية الجمع فهي نية ثالثة زائدة على نية الصلاة تتعلق بالصلاتين معًا، ووجوبها يحتاج إلى دليل خاص، فلو أنه تابع إمامه وغفل عن نية الجمع فأين الدليل على بطلان جمعه، فيكفي نية الصلاة عن نية الجمع.
стр. 9802
ويناقش:
بأن الإقامة للصلاة الثانية ومتابعة الناس للإمام للقيام لها دليل على أن النية قد أحضرت عند إحرام الثانية، وهذا يتكرر فقد يصلي الرجل خلف الإمام، ولا يعلم عن نيته بالجمع إلا بعد أن ينصرف من الأولى ويأمر المؤذن بإقامة الثانية، فمتابعة الإمام على الصلاة الثانية دليل على أنه نوى الجمع قبل الشروع.
ورد هذا:
بأن الكلام فيما لو غفل رجل عن نية الجمع، وتابع إمامه على فعل الصلاة ساهيًا عن نية الجمع، مكتفيًا بنية الصلاة الثانية، فما هو الدليل على بطلان صلاته؟
فإن قلتم: إن نية الصلاة الثانية تكفي عن نية الجمع أبطلتم القول بالشرطية، وإن قلتم: إنها باطلة، فما هو الدليل على البطلان، والأصل صحة الصلاة؟
فكانت نية الصلاة الثانية كافية في تحقق الجمع، وهو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، ولو لم ينو الجمع.
الدليل الثالث:
قياس نية الجمع على نية القصر، فالنبي ﷺ لما خرج في حجة الوداع صلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وخلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله: كلهم خرجوا يحجون معه، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، فهؤلاء صلوا معه، ولم يأمرهم بنية القصر.
وإذا صح القصر بلا نية القصر صح الجمع بلا نية من باب أولى؛ لأن نية القصر تغير أصل الصلاة، فلو تأخرت لتأدى بعض الصلاة على نية التمام، وهذا يمنع من القصر عند من يشترط النية للقصر، بخلاف نية الجمع فإنها نية متعلقة بالصلاتين معًا من جهة الوقت، وهو أمر خارج عن كنه الصلاة (١).
стр. 9803
الدليل الرابع:
القياس على التمتع في النسك، فإن حقيقته جمع النسكين بسفرة واحدة، ولا تشترط نية التمتع، فإذا أحرم بالعمرة، وتحلل منها، ثم أحرم بالحج في سفرة واحدة فقد حصل التمتع، نوى التمتع أو لم ينو، فكذلك الجمع، إذا صلى الصلاتين في وقت الأولى، فقد حصل له الجمع، نوى الجمع أو لم ينو.
فإن قيل: هل يتصور أن يعجل الثانية دون أن ينوي الجمع؟
فالجواب: نعم يتصور، خاصة في حق المأموم فقد يقع منه متابعة لإمامه، فينوي الصلاة الثانية، ويغفل عن نية الجمع، فنية الأعم لا تستلزم نية الأخص، فنية الصلاة الثانية لا تستلزم نية الجمع، كما لو أراد أن يصلي الوتر لا يكفيه نية الصلاة حتى ينوي الوتر، فكذلك هنا، فلولا أنه متصور لما جعلتم نية الجمع شرطًا.
دليل من قال: محل النية قبل الشروع في الصلاة الأولى:
الدليل الأول:
كل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها، ك (نية الصلاة).
وأجيب:
قولهم: (كل عبادة اشترطت فيها النية) إن قصد بذلك نية الصلاة فهذا لا نزاع فيه، وإن قصد نية الجمع فهذه دعوى في محل النزاع، فهناك من لا يرى نية الجمع شرطًا مطلقًا، وهناك من يرى جواز تأخير نية الجمع إلى قبل تحريمة الصلاة الثانية.
ولأن الرخصة لا تتعلق بالصلاة الأولى؛ لأنها فعلت في وقتها المشروع، فتخلف نية الجمع عنها لا يضر حكم الجمع.
الدليل الثاني:
وجوب النية في الصلاة الأولى مستفاد من أمرين:
الأول: من معنى الجمع، فإن الجمع هو الضم، أي ضم الثانية إلى الأولى، ولا بد أن يكون الضم مشتملاً لجميع الصلاة حتى تكون الصلاتان كالصلاة الواحدة.
الثاني: أن سبب وجوب الصلاة هو الوقت، ولهذا تتكرر الصلاة بتكرر الوقت،
стр. 9804
فلما كان وقت الصلاتين المجموعتين وقتًا واحدًا، كانتا في حكم الصلاة الواحدة في باب النية، والصلاة الواحدة لابد من وجود النية في ابتدائها، فكذلك نية الجمع، وبدلالة أنه إذا طال الفصل بينهما لم يجز الجمع على أحد القولين.
وأجيب:
قولكم: الصلاتان المجموعتان في حكم الصلاة الواحدة، هذا بالنسبة للوقت، وإلا فكل صلاة مستقلة عن الأخرى لها تحريم وتحلل مستقل، ولها أركان وشروط مستقلة عن الأخرى، وفساد الثانية لا يسري إلى الأولى، والسهو في الأولى لا يوجب سجود السهو في الثانية.
والاستدلال بوجوب الموالاة على اشتراط النية في ابتداء الصلاة فيه نظر من جهتين:
الجهة الأولى: الأصح في الموالاة أنها ليست بشرط، ولا دليل على الشرطية، وسوف أتعرض لبحث هذه المسألة على وجه الاستقلال.
الجهة الثانية: على فرض أن الموالاة شرط، فذلك يتعلق بالصلاة الثانية، ولا تستلزم اشتراط النية، وإنما تستلزم ألا يوجد فاصل طويل بين الصلاتين، فلو صلى الصلاة الثانية على التوالي، ولم ينو الجمع تحققت الموالاة مع تخلف نية الجمع، وليست الموالاة بين الصلاتين بأشد من الموالاة بين أفعال الصلاة، وهي شرط لصحتها، ومع ذلك لا تشترط نية خاصة لأفعال الصلاة من ركوع وسجود وقعود؛ حتى لو ذهل عن النية لم تنقطع الموالاة حكمًا، فكذلك الموالاة بين الصلاتين لا تستلزم نية الجمع.
الدليل الثالث:
لا تجوز الصلاة قبل وقتها باتفاق أهل العلم إلا بنية الجمع، كما أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مع إمكان فعلها إلا بنية الجمع، لهذا كانت نية الجمع هو ما يبيح تقديم الصلاة عن وقتها أو تأخيرها، فكانت شرطًا لصحة الجمع.
ويجاب:
فيه فرق بين نية التقديم والتأخير وبين نية الجمع المقارنة للعبادة.
стр. 9805
فالرجل إذا خرج من بيته متجهًا إلى مكة، فهو يريد النسك، ولكن هذه النية لا تدخله في النسك، ولا يلزمه أحكام النسك، حتى يقصد بنيته التلبس بالنسك، فيحرم عليه ما كان حلالًا، فنية تأخير الصلاة من أجل الجمع يبيح له التأخير، ولكن هذه النية غير نية الجمع التي يعقدها عند الشروع في الجمع، وتكون مقارنة للتحريمة، فلو أن الرجل عندما سمع أذان الظهر نوى تأخير الظهر إلى العصر بنية الجمع، فهذه النية تبيح له تأخير الصلاة عن وقتها، ولا تجعلها قضاء، فهل هذه النية تكفيه عن نية الجمع إذا دخل وقت العصر، وأراد الصلاة مع وجود هذا الفاصل الطويل؟
فالذين يوجبون نية الجمع لا يكتفون بهذه النية، فلا يصح الاحتجاج بالنية التي تبيح التقديم والتأخير على نية الجمع التي تقارن الشروع في الصلاة، وتكون شرطًا عند من يراها شرطًا لصحة الجمع.
دليل من قال: يجوز أن تكون نية الجمع قبل الشروع في الثانية:
الدليل الأول:
لو كانت نية الجمع واجبة في الصلاة الأولى لكان النبي ﷺ ذكرها لأصحابه قبل أن يصلي الظهر في عرفة، وفي الأبطح، وفي غزوة تبوك؛ لأن أكثر من صلى معه لا يعلم شيئًا عن نية النبي ﷺ ، ولم يخبرهم النبي ﷺ أنه سيجمع الصلاة الثانية معها، فالظاهر أنهم لم يعلموا بالجمع إلا عندما أقام بلال للصلاة الثانية، وهذا دليل على أن نية الجمع لا تشترط للصلاة الأولى.
الدليل الثاني:
أن الرخصة لا تتعلق بالأولى لوقوعها في وقتها، فتكفيها نية الصلاة، وإنما تتعلق الرخصة بتعجيل الصلاة الثانية، فاعتبرت نية الجمع قبل الشروع فيها.
ولأن حقيقة الجمع هو ضم الثانية إلى الأولى، فاعتبرت النية عند افتتاح الثانية.
دليل من فرق بين المطر والسفر:
لما كانت استدامة سبب الجمع في السفر شرطًا كفى وجوده عن اشتراط النية من أولها، بخلاف المطر، فيشترط وجوده أول الصلاة دون دوامه، فاحتاج إلى