← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

في سببها- أجزأه إخراجها بغير تعيين» (١). ورد هذا: «بأن الجمع ضم إحداهما إلى الأخرى، فهو عمل حقيقة، بخلاف التفريق؛ فإنه تركٌ حقيقةً، أو أقرب إلى الترك، فاتضح ما قالوه، وبطل ما اختاره» (٢). ولأن الضم قد يكون بنية الجمع وقد يقع سهوًا، ونية الجمع هي التي تميز. ويجاب: لا جمع إلا بسبب، وإذا جمع بلا سبب لم يصح الجمع، ووجود سبب الجمع مع نية الصلاة كافٍ في التمييز، فلا يحتاج الأمر إلى نية الجمع. دليل من قال: لا تشترط نية الجمع: الدليل الأول: الشروط توقيفية، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، ولا يحفظ في السنة أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه أمر بنية الجمع، مع أن أكثر المأمومين قد يجهل نية الإمام. وقد صلى النبي ﷺ بالناس في عرفة كما في حديث جابر المتفق عليه، وجمع بالأبطح كما في حديث أبي جحيفة المتفق عليه، وجمع في أثناء استراحته في طريقه إلى غزوة تبوك كما في حديث معاذ في مسلم، ولم يأمرهم بنية الجمع قبل إحرام الأولى، وكان يجمع معه من تخفى عليه هذه النية، فلو وجبت نية الجمع لبينها لهم. الدليل الثاني: الغرض من الجمع، وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، نوى الجمع أو لم ينو، ونية الصلاة تكفي عن نية الجمع؛ فالمصلي ينوي الصلاة الأولى، حتى إذا فرغ منها نوى الصلاة الثانية، وأما نية الجمع فهي نية ثالثة زائدة على نية الصلاة تتعلق بالصلاتين معًا، ووجوبها يحتاج إلى دليل خاص، فلو أنه تابع إمامه وغفل عن نية الجمع فأين الدليل على بطلان جمعه، فيكفي نية الصلاة عن نية الجمع.

стр. 9802

ويناقش: بأن الإقامة للصلاة الثانية ومتابعة الناس للإمام للقيام لها دليل على أن النية قد أحضرت عند إحرام الثانية، وهذا يتكرر فقد يصلي الرجل خلف الإمام، ولا يعلم عن نيته بالجمع إلا بعد أن ينصرف من الأولى ويأمر المؤذن بإقامة الثانية، فمتابعة الإمام على الصلاة الثانية دليل على أنه نوى الجمع قبل الشروع. ورد هذا: بأن الكلام فيما لو غفل رجل عن نية الجمع، وتابع إمامه على فعل الصلاة ساهيًا عن نية الجمع، مكتفيًا بنية الصلاة الثانية، فما هو الدليل على بطلان صلاته؟ فإن قلتم: إن نية الصلاة الثانية تكفي عن نية الجمع أبطلتم القول بالشرطية، وإن قلتم: إنها باطلة، فما هو الدليل على البطلان، والأصل صحة الصلاة؟ فكانت نية الصلاة الثانية كافية في تحقق الجمع، وهو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، ولو لم ينو الجمع. الدليل الثالث: قياس نية الجمع على نية القصر، فالنبي ﷺ لما خرج في حجة الوداع صلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وخلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله: كلهم خرجوا يحجون معه، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، فهؤلاء صلوا معه، ولم يأمرهم بنية القصر. وإذا صح القصر بلا نية القصر صح الجمع بلا نية من باب أولى؛ لأن نية القصر تغير أصل الصلاة، فلو تأخرت لتأدى بعض الصلاة على نية التمام، وهذا يمنع من القصر عند من يشترط النية للقصر، بخلاف نية الجمع فإنها نية متعلقة بالصلاتين معًا من جهة الوقت، وهو أمر خارج عن كنه الصلاة (١).

стр. 9803

الدليل الرابع: القياس على التمتع في النسك، فإن حقيقته جمع النسكين بسفرة واحدة، ولا تشترط نية التمتع، فإذا أحرم بالعمرة، وتحلل منها، ثم أحرم بالحج في سفرة واحدة فقد حصل التمتع، نوى التمتع أو لم ينو، فكذلك الجمع، إذا صلى الصلاتين في وقت الأولى، فقد حصل له الجمع، نوى الجمع أو لم ينو. فإن قيل: هل يتصور أن يعجل الثانية دون أن ينوي الجمع؟ فالجواب: نعم يتصور، خاصة في حق المأموم فقد يقع منه متابعة لإمامه، فينوي الصلاة الثانية، ويغفل عن نية الجمع، فنية الأعم لا تستلزم نية الأخص، فنية الصلاة الثانية لا تستلزم نية الجمع، كما لو أراد أن يصلي الوتر لا يكفيه نية الصلاة حتى ينوي الوتر، فكذلك هنا، فلولا أنه متصور لما جعلتم نية الجمع شرطًا. دليل من قال: محل النية قبل الشروع في الصلاة الأولى: الدليل الأول: كل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها، ك (نية الصلاة). وأجيب: قولهم: (كل عبادة اشترطت فيها النية) إن قصد بذلك نية الصلاة فهذا لا نزاع فيه، وإن قصد نية الجمع فهذه دعوى في محل النزاع، فهناك من لا يرى نية الجمع شرطًا مطلقًا، وهناك من يرى جواز تأخير نية الجمع إلى قبل تحريمة الصلاة الثانية. ولأن الرخصة لا تتعلق بالصلاة الأولى؛ لأنها فعلت في وقتها المشروع، فتخلف نية الجمع عنها لا يضر حكم الجمع. الدليل الثاني: وجوب النية في الصلاة الأولى مستفاد من أمرين: الأول: من معنى الجمع، فإن الجمع هو الضم، أي ضم الثانية إلى الأولى، ولا بد أن يكون الضم مشتملاً لجميع الصلاة حتى تكون الصلاتان كالصلاة الواحدة. الثاني: أن سبب وجوب الصلاة هو الوقت، ولهذا تتكرر الصلاة بتكرر الوقت،

стр. 9804

فلما كان وقت الصلاتين المجموعتين وقتًا واحدًا، كانتا في حكم الصلاة الواحدة في باب النية، والصلاة الواحدة لابد من وجود النية في ابتدائها، فكذلك نية الجمع، وبدلالة أنه إذا طال الفصل بينهما لم يجز الجمع على أحد القولين. وأجيب: قولكم: الصلاتان المجموعتان في حكم الصلاة الواحدة، هذا بالنسبة للوقت، وإلا فكل صلاة مستقلة عن الأخرى لها تحريم وتحلل مستقل، ولها أركان وشروط مستقلة عن الأخرى، وفساد الثانية لا يسري إلى الأولى، والسهو في الأولى لا يوجب سجود السهو في الثانية. والاستدلال بوجوب الموالاة على اشتراط النية في ابتداء الصلاة فيه نظر من جهتين: الجهة الأولى: الأصح في الموالاة أنها ليست بشرط، ولا دليل على الشرطية، وسوف أتعرض لبحث هذه المسألة على وجه الاستقلال. الجهة الثانية: على فرض أن الموالاة شرط، فذلك يتعلق بالصلاة الثانية، ولا تستلزم اشتراط النية، وإنما تستلزم ألا يوجد فاصل طويل بين الصلاتين، فلو صلى الصلاة الثانية على التوالي، ولم ينو الجمع تحققت الموالاة مع تخلف نية الجمع، وليست الموالاة بين الصلاتين بأشد من الموالاة بين أفعال الصلاة، وهي شرط لصحتها، ومع ذلك لا تشترط نية خاصة لأفعال الصلاة من ركوع وسجود وقعود؛ حتى لو ذهل عن النية لم تنقطع الموالاة حكمًا، فكذلك الموالاة بين الصلاتين لا تستلزم نية الجمع. الدليل الثالث: لا تجوز الصلاة قبل وقتها باتفاق أهل العلم إلا بنية الجمع، كما أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مع إمكان فعلها إلا بنية الجمع، لهذا كانت نية الجمع هو ما يبيح تقديم الصلاة عن وقتها أو تأخيرها، فكانت شرطًا لصحة الجمع. ويجاب: فيه فرق بين نية التقديم والتأخير وبين نية الجمع المقارنة للعبادة.

стр. 9805

فالرجل إذا خرج من بيته متجهًا إلى مكة، فهو يريد النسك، ولكن هذه النية لا تدخله في النسك، ولا يلزمه أحكام النسك، حتى يقصد بنيته التلبس بالنسك، فيحرم عليه ما كان حلالًا، فنية تأخير الصلاة من أجل الجمع يبيح له التأخير، ولكن هذه النية غير نية الجمع التي يعقدها عند الشروع في الجمع، وتكون مقارنة للتحريمة، فلو أن الرجل عندما سمع أذان الظهر نوى تأخير الظهر إلى العصر بنية الجمع، فهذه النية تبيح له تأخير الصلاة عن وقتها، ولا تجعلها قضاء، فهل هذه النية تكفيه عن نية الجمع إذا دخل وقت العصر، وأراد الصلاة مع وجود هذا الفاصل الطويل؟ فالذين يوجبون نية الجمع لا يكتفون بهذه النية، فلا يصح الاحتجاج بالنية التي تبيح التقديم والتأخير على نية الجمع التي تقارن الشروع في الصلاة، وتكون شرطًا عند من يراها شرطًا لصحة الجمع. دليل من قال: يجوز أن تكون نية الجمع قبل الشروع في الثانية: الدليل الأول: لو كانت نية الجمع واجبة في الصلاة الأولى لكان النبي ﷺ ذكرها لأصحابه قبل أن يصلي الظهر في عرفة، وفي الأبطح، وفي غزوة تبوك؛ لأن أكثر من صلى معه لا يعلم شيئًا عن نية النبي ﷺ ، ولم يخبرهم النبي ﷺ أنه سيجمع الصلاة الثانية معها، فالظاهر أنهم لم يعلموا بالجمع إلا عندما أقام بلال للصلاة الثانية، وهذا دليل على أن نية الجمع لا تشترط للصلاة الأولى. الدليل الثاني: أن الرخصة لا تتعلق بالأولى لوقوعها في وقتها، فتكفيها نية الصلاة، وإنما تتعلق الرخصة بتعجيل الصلاة الثانية، فاعتبرت نية الجمع قبل الشروع فيها. ولأن حقيقة الجمع هو ضم الثانية إلى الأولى، فاعتبرت النية عند افتتاح الثانية. دليل من فرق بين المطر والسفر: لما كانت استدامة سبب الجمع في السفر شرطًا كفى وجوده عن اشتراط النية من أولها، بخلاف المطر، فيشترط وجوده أول الصلاة دون دوامه، فاحتاج إلى

стр. 9806

اشتراط النية من أول الصلاة. الراجح: الأصل أن العاقل لا يفعل فعلًا مخالفًا للعادة إلا وقد قصده، وهذا حقيقة النية، وهو قصد الفعل، فإذا تصور أن هناك مصليًّا جمع بين الصلاتين جمع تقديم، وهو غافل عن نية الجمع، وكان سبب الجمع قائمًا كالسفر، فصلاته صحيحة إن شاء الله تعالى قياسًا على القصر، فلو شرع المسافر في الصلاة ولم ينو القصر، ثم تفطن لذلك أثناء الصلاة، فقصر الصلاة صحت صلاته؛ لأن عدد الركعات لا يجب على المصلي أن يعقد لها نية خاصة على الصحيح فكذلك الجمع، وقد يعترض أحدهم بأن المسافر السنة في صلاته القصر، وهناك من أهل العلم من يرى وجوب القصر بخلاف الجمع فإنه رخصة. ويقال في دفع مثل هذا: أن هذا فرق غير مؤثر في محل الحكم، فالرخصة قد تكون سنة، وقد تكون مباحة، وقد تكون واجبة، والأصح في القصر أنه ليس بواجب ولو كان واجبًا لكان إتمام المسافر خلف المقيم زيادة في صلاته، والله أعلم. فإذا تحقق سبب الجمع المبيح للجمع، وصلى الصلاتين بوقت الأولى، فقد قد تحقق الجمع، نوى الجمع أو لم ينو، والله أعلم.

стр. 9807

المبحث الثاني في اشتراط نية الجمع في جمع التأخير المدخل إلى المسألة: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه بنية جمع التأخير ليلة مزدلفة، وقد كان معه من يخفى عليه حكم ذلك. توقف النبي ﷺ بالشعب ليتوضأ، وهو في طريقه إلى مزدلفة، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ : الصلاة أمامك، فلم يكن أحد يعلم متى يصلي النبي ﷺ المغرب، ولم يأمرهم النبي ﷺ بنية التأخير. تحريم تأخير الصلاة حتى يضيق الوقت عن فعلها إلا لناو الجمع حكم تكليفي، وإبطال نية الجمع إذا ضاق وقت الأولى عن فعلها حكم وضعي، وقد يجتمعان، وقد يفترقان. ما المانع من صحة نية التأخير ما دام أن العصر لم يدخل، وإن كان يستحق الإثم بالتأخير حتى ضاق الوقت عن فعلها؟ المكلف ليس بحاجة إلى أن يكون الوقت الأول يسع فعل الصلاة ما دام أن الصلاة لن تفعل في الوقت الأول، بل ستفعل في الوقت الثاني والذي لم يدخل بعد. حقيقة الجمع ضم أحد الوقتين إلى الثاني ليكونا وقتًا واحدًا، والوقت الثاني لم يحكم بدخوله، فما المانع من صحة ضم ما بقي من الوقت إلى الوقت الثاني. [م-١١٠٠] إذا نوى جمع التأخير، فهل تشترط نية الجمع؟ قال الشافعية والحنابلة: إذا جمع في وقت الثانية فلا بد من نية الجمع في وقت الأولى، وموضعها في وقت الأولى: من أوله إلى أن يبقى منه قدر ما يصليها (١).

стр. 9808

قال في المقنع: «وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها» (١). وقيل: تكفيه نية الجمع ما لم يبق من الوقت أقل من مقدار ركعة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: له أن يؤخر إلى أن يبقى من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وتكفيه هذه النية عن نية الجمع حال الصلاة. وقال النووي: «فلو جمع في وقت الثانية لم يشترط الترتيب، ولا الموالاة، ولا نية الجمع حال الصلاة على الصحيح» (٤). وقال ابن قدامة: «وإن جمع في وقت الثانية، كفاه نية الجمع في وقت الأولى» (٥). ويفهم منه: أنه لا تشترط في جمع التأخير نيته عند الإحرام بالجمع، اكتفاء بالتأخير بنية الجمع في وقت الأولى، ولم يعدوا طول الفاصل قاطعًا للنية، مما يدل على ضعف مأخذ اشتراط نية الجمع. واحتجوا لقولهم: الدليل الأول: الأصل وجوب الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

стр. 9809

كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وتقديم الصلاة على الوقت، أو تأخيرها عنه الأصل فيه التحريم، جاز التأخير إذا قصد الجمع بسبب يبيحه، فلو أخر الظهر إلى العصر من غير نية الجمع كان بمنزلة من أخر العصر إلى المغرب والله أعلم قال الإمام الشافعي: «لو أخر الظهر عامدًا، لا يريد بها الجمع إلى وقت العصر فهو آثم في تأخيرها» (١). الدليل الثاني: إذا كان تأخير الصلاة عن وقتها من غير نية الجمع محرمًا، فإن الرخص لا تناط بالمعاصي. ولأن التأخير إلى هذا الحد يفوت فائدة الجمع، وهو التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين. قال في المبدع: «لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء، لا جمعًا» (٢). الدليل الثالث: ولأن التأخير قد يكون بنية الجمع، وقد يقع سهوًا أو تفريطًا، فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره. وتناقش هذه الأدلة من وجهين: الوجه الأول: اشتراط نية الجمع في وقت الأولى دليله ظاهر، ولكن يشكل عليه أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمرهم بنية جمع التأخير ليلة مزدلفة، وقد كان معه من يخفى عليه ذلك، ولذلك كان أسامة بن زيد رديف النبي ﷺ حين أفاض من عرفات، وحين توقف النبي ﷺ بالشعب ليبول، وهو في طريقه إلى مزدلفة، قال له أسامة: الصلاة يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ : الصلاة أمامك (٣). فلم يكن أحد يعلم متى يصلي النبي ﷺ المغرب، ولم يأمرهم النبي ﷺ بنية التأخير، وهذا ينطبق على كثير من المسلمين ممن كانوا مع النبي ﷺ في ذلك المشهد.

стр. 9810

الثاني: كونه لا يجوز له تأخير الصلاة حتى يضيق الوقت عن فعلها على أحد القولين، أو حتى يبقى من الوقت مقدار ركعة على القول الآخر، إلا بنية الجمع، هذا يجعله آثمًا بتأخير الصلاة بلا نية الجمع وهذا من أحكام التكليف. ولكن الصحة والإبطال من أحكام الوضع، وقد يفترق الحكم التكليفي عن الوضعي، فإبطال نية تأخير الصلاة قبل دخول وقت العصر من قبيل الحكم الوضعي. والسؤال: ما المانع من صحة نية التأخير ما دام أن العصر لم يدخل، وإن كان يستحق الإثم بالتأخير؟ لأن حقيقة الجمع ضم أحد الوقتين إلى الثاني ليكونا وقتًا واحدًا، والوقت الثاني لم يحكم بدخوله. ولأن المكلف ليس بحاجة إلى أن يكون الوقت الأول يسع فعل الصلاة ما دام أن الصلاة لن تفعل في الوقت الأول؛ لأن الكلام على جمع التأخير، فالوقت الثاني لم يدخل بعد. ولأنه لو كان تركه لنية التأخير عن ذهول منه صحت منه نية التأخير، ولو ضاق الوقت عن فعل الصلاة الأولى، ما دام أن الوقت الثاني لم يدخل، فكذلك هنا؛ لأن التفريق بين المعذور وغيره من جهة الإثم، لا من جهة الوضع، فلا فرق في الحكم الوضعي بين المعذور وغيره. وأما القول: بأن الرخص لا تناط بالمعاصي. فهذا قول مرجوح، والصواب أن الرخص تجوز مطلقًا للعاصي وغيره، وسبق بحث هذه المسألة في أول مسائل الجمع. فما دام أن وقت الصلاة الثانية لم يدخل، والجمع يراد به التأخير، أي ضم وقت الصلاة الأولى إلى وقت الثانية، لا أرى مانعًا من صحة التأخير بنية الجمع، والذين كانوا مع النبي ﷺ في الدفع من عرفة لم يكن أحد منهم يعلم متى يصلي المغرب، وربما تضايق وقت الأولى عن فعلها، والله أعلم.

стр. 9811

الشرط الثاني في اشتراط الترتيب المبحث الأول في اشتراط الترتيب في جمع التقديم المدخل إلى المسألة: لا يوجد أمر صريح على وجوب الترتيب، والأصل عدم الوجوب شروط العبادة صفة فيها، وصفة العبادة جزء منها، والعبادة توقيفية فكذلك صفتها. لا تثبت شروط العبادة بالتعليلات الفقهية،، فلا بد من نص أو إجماع يفيد الشرطية، كنفي العبادة المتوجه إلى الصحة كقوله: (لا صلاة … )، أو نفي قبولها (لا يقبل الله صلاة أحدكم … ). التعليلات الفقهية من صناعة الفقيه تقبل في غير إثبات جنس العبادة أو إثبات شروطها. حكم الترتيب بين الصلاتين المجموعتين حكم الترتيب بين الصلوات الفائتة، والصحيح فيه أنه ليس بواجب. كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله. [م-١١٠١] اتفق الفقهاء القائلون بالجمع على اشتراط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين جمع تقديم، فلو ابتدأ بالثانية، أو ابتدأ بالأولى، فبان فسادها بطلت الثانية، وانقلبت نفلًا مع العذر على الصحيح؛ لفوات شرط الترتيب، وبه قال

стр. 9812

المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). قال النووي: «وشروط التقديم ثلاثة: البداءة بالأولى، فلو صلاهما فبان فسادها فسدت الثانية». قال في نهاية المحتاج: «وتقع نفلًا … قياسًا على ما لو أحرم بالفرض قبل وقته جاهلًا بالحال» (٢). وقيل: لا يشترط الترتيب، وهو قول في مذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: قوله: «ولا يشترط غير ذلك مراده غير الترتيب فإنه يشترط بينهما مطلقًا على الصحيح من المذهب» (٣). فقوله: (على الصحيح من المذهب) مفهومه: وجود قول في مقابل الصحيح يقول بعدم الاشتراط. وقال ابن مفلح: «ويتوجه منها تخريج يسقط مطلقًا» (٤)، يعني الترتيب. وقيل: يسقط الترتيب بالنسيان، وهو قول في مذهب الحنابلة. جاء في الإنصاف: «قال المجد في شرحه، وتبعه الزركشي: الترتيب معتبر هنا، لكن بشرط الذكر، كترتيب الفوائت» (٥). ولعل هذا يجعل الترتيب واجبًا، وليس شرطًا؛ لأن المأمورات إذا سقطت بالنسيان لم تكن من جنس الشروط؛ لأن الشرط يلزم من عدمه العدم. دليل من قال: الترتيب شرط: الدليل الأول: لأن الوقت لها، والثانية تبع لها، والتابع لا يتقدم على متبوعه، ولأنه لا يدخل

стр. 9813

وقت الثانية إلا بعد صلاة الأولى في جمع التقديم. جاء في شرح الزركشي على الخرقي: «واعلم أن للجمع في وقت الأولى شروطًا، أحدها: تقديم الأولى لتكون الثانية تابعة لها؛ لأنها لم يدخل وقتها» (١). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الشروط المتعلقة بذات العبادة صفة فيها، وصفة العبادة جزء منها، فالصفة جزء من الموصوف، وإذا كانت العبادة توقيفية فكذلك صفتها، ولا تثبت شروط العبادة بالتعليلات الفقهية،، فلا بد من نص أو إجماع يفيد الشرطية، كنفي العبادة المتوجه إلى الصحة كقوله: (لا صلاة … )، أو نفي قبولها (لا يقبل الله صلاة أحدكم … )، وأما التعليلات الفقهية فهي من صناعة الفقيه تقبل في غير إثبات جنس العبادة أو إثبات شروطها. وبهذا الضابط تطرح كثيرًا من شروط العبادة التي لا يقوم عليها دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، كاشتراط اتصال الصفوف لمن اقتدى بالإمام من خارج المسجد، وكاشتراط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، وكاشتراط الترتيب، ونحو ذلك. الوجه الثاني: التعليل بأن الثانية لم يدخل وقتها فتعين أن تكون تابعة للأولى غير مسلم، فإن الوقت بالنسبة للصلاتين المجموعتين صار وقتًا واحدًا. الدليل الثاني: أن الترتيب هو المأثور من فعل النبي ﷺ ، حيث لم ينقل عنه ﷺ أنه أخلَّ بالترتيب، (ح-٣٤٣٠) وقد روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي (٢). ويناقش: أما فعل النبي ﷺ فهو بمجرده لا يدل على الوجوب.

стр. 9814

وأما استدعاء حديث مالك بن الحويرث، وتوظيف عمومه للدلالة على الوجوب، فكل ما أعوز الفقيه وجود دليل خاص للمسألة ذهب يركب دليل الوجوب من أمرين: أحدهما: المواظبة على الفعل من النبي ﷺ ، وتركيبه مع الأمر الوارد في حديث مالك بن الحويرث. ومثله ما قالوه في الحج أخذًا من قوله ﷺ (خذوا عني مناسككم) وهذه الطريقة من الدلالة ضعيفة جدًّا؛ لأن المواظبة على الفعل لا دلالة فيها على الوجوب، فقد واظب النبي ﷺ حضرًا وسفرًا على سنة الفجر، وصلاة الوتر، ولم يدل ذلك على الوجوب. ولقائل أن يقول: كل أفعال الرسول ﷺ الأصل فيها الوجوب أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ولا تستطيع أن تفهم حديث مالك بن الحويرث إلا من خلال فهم السياق والمناسبة التي قيل فيها هذا الحديث، فدلالة السياق توضح هل قصد به النبي ﷺ الوجوب أو قصد به ما هو أعم. فمالك بن الحويرث قدم على النبي ﷺ مع شببة متقاربين ومكثوا عند النبي ﷺ عشرين يومًا، وهم يصلون مع النبي ﷺ ، فأمرهم النبي ﷺ حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، فكانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية (١). ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، وإذا كان مالك بن الحويرث وأصحابه، وهم المقصودون بالخطاب قصدًا أولويًّا

стр. 9815

لا يدل على وجوب كل ما رأوه من النبي ﷺ ، فكيف يدل على الوجوب في حق من دخل في الخطاب تبعًا. فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوالٍ وهيئاتٍ، وصفاتٍ وأقوالٍ، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مذهب المالكية والشافعية لا يقسمون أفعال الصلاة إلى سنن وواجبات وفروض، هذا التقسيم معروف عند الحنفية والحنابلة، وهما -وإن اتفقا على ذكر قسم الواجب- إلا أنهما لا يتفقان على واجبات الصلاة إلا في التشهد الأول وجلسته، وما عداهما من الواجبات فمحل خلاف بينهم، وهذا يؤكد صحة ما ذهب إليه المالكية والشافعية، فكل ما عدَّه الحنابلة من واجبات الصلاة، كتكبيرات الانتقال، وأذكار الركوع والسجود فهو من السنن عند الحنفية عدا التشهد الأول وجلسته. وكل ما عدَّه الحنفية من الواجبات عدا التشهد الأول وقعدته فهو عند الحنابلة، إما ركن، كقراءة الفاتحة، والطمأنية، والترتيب بين السجدتين، ولفظ السلام، وإما سنن، وهو الباقي، كقراءة ما زاد على الفاتحة، والقنوت في الوتر، وتقديم الفاتحة على السورة، والجهر والإسرار من الإمام في موضعهما، ونحو ذلك. والصحيح أن أفعال الصلاة إما فروض وإما سنن، ولا واجب فيها، وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل في المجلد الثالث عشر.

стр. 9816

دليل من قال: لا يشترط الترتيب بل يستحب: الدليل الأول: لا يوجد أمر صريح على وجوب الترتيب، والأصل عدم الوجوب. الدليل الثاني: وقت الصلاتين المجموعتين وقت واحد، وحكم الترتيب بين الصلاتين المجموعتين حكم الترتيب بين الصلوات الفائتة، والصحيح فيه أنه ليس بواجب؛ ولأن كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله. دليل من قال: الترتيب واجب ويسقط بالنسيان: (ح-٣٤٣١) ما رواه مسلم من طريق آدم بن سليمان مولى خالد قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا. قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت … الحديث (١). ويجاب: النسيان عذر في رفع الإثم بالاتفاق، وأما سقوط الواجب بالنسيان فيختلف حكمه، فما كان من باب المأمورات لم يسقط بالنسيان كما لو نسي الطهارة، وصلى محدثًا فإنه يطالب بإعادة الصلاة بالإجماع، وما كان من المحظورات، كما لو صلى بثوب نجس ناسيًا فالصحيح أن صلاته صحيحة، وتكلمنا على هذا في شروط الصلاة. فإذا قال الفقهاء في شيء من المأمورات الواجبة: يسقط بالنسيان فهذا خروج

стр. 9817

عن القاعدة الصحيحة، فما دلالته الفقهية؟ الصحيح أن كل مأمور قال الفقهاء بسقوطه بالنسيان فإن هذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان. وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان، فإنه من باب المأمورات، ومع ذلك أسقطوه بالنسيان، ومنه مسألتنا هذه، فإن حكم الترتيب فيها فيه شبه من حكم الترتيب بين الفوائت، وقد بحثت هذه المسألة في المجلد الثالث، فارجع إليه إن شئت. قال القرافي: «أسقط مالك فيها - أي: في ترتيب الفوائت- الوجوب مع النسيان .... لضعف دليل الوجوب» (١). الراجح: أن الترتيب مستحب، ولا دليل فيه على الوجوب، والله أعلم.

стр. 9818

المبحث الثاني في اشتراط الترتيب في جمع التأخير المدخل إلى المسألة: انظر: مدخل الترتيب في جمع التقديم، فالمعنى واحد. [م-١١٠٢] اختلف الفقهاء في اشتراط الترتيب في جمع التأخير. فقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١). قال إمام الحرمين: «إذا قلنا: لابد من رعاية الترتيب، فليصلِّ الظهر أولًا، ثم العصر، فلو صلى العصر أولًا صحت منه صلاة العصر بلا شك، فإنها صلاة مقامة في وقتها، ولكن بطلت رخصة الجمع، فإذا أراد أن يصلي الظهر فهي صلاة مقضية فائتة مقامة في غير وقتها» (٢). وقيل: يستحب الترتيب، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣). قال النووي: «فلو جمع في وقت الثانية لم يشترط الترتيب، ولا الموالاة، ولا نية الجمع حال الصلاة على الصحيح» (٤). دليل من قال: الترتيب شرط: ذكرت أدلتهم في اشترط الترتيب في جمع التقديم، وناقشت هذه الأدلة،

стр. 9819

فأغنى ذلك عن إعادته هنا. دليل الشافعية على استحباب الترتيب: الدليل الأول: لا يوجد أمر صريح على وجوب الترتيب، لا بين الصلاتين المجموعتين، ولا بين الفوائت، والأصل عدم الوجوب. وإنما كانت الموالاة شرطًا في جمع التقديم؛ لأن تقديم الصلاة الثانية على وقتها خلاف الأصل، فكانت تابعة للأولى، بخلاف جمع التأخير، فالصلاة الثانية تفعل في وقتها سواء أفعلت متوالية أم مفرقة، والأولى بمنزلة الفائتة، فلم يضر التفريق. الدليل الثاني: استحباب الترتيب بين الصلاتين المجموعتين؛ لكونه هو المأثور من فعل النبي ﷺ ، حيث لم ينقل عنه ﷺ أنه أخلَّ بالترتيب. الدليل الثالث: الوقت في الصلاتين المجموعتين وقت واحد، وحكم الترتيب بين الصلاتين المجموعتين حكم الترتيب بين الصلوات الفائتة، والصحيح فيه أنه ليس بواجب؛ فلو أنه أخر الظهر من غير عذر حتى دخل وقت العصر أصبحت الأولى فائتة، والترتيب بين الفائتة والحاضرة عند الشافعية ليس بواجب، فمن باب أولى إذا أخر الظهر بعذر، وفات الترتيب، راجع البحث في مسألة الترتيب بين الفوائت. جاء في فتح العزيز: «لو أخر الظهر من غير عذر حتى دخل وقت العصر كان له تقديم العصر، فإذا أخر بعذر كان أولى» (١). ولأن كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله، وهو الراجح.

стр. 9820

الشرط الثالث في اشتراط الموالاة المبحث الأول في اشتراط الموالاة في جمع التقديم المدخل إلى المسألة: لا يوجد دليل يقضي بوجوب الموالاة فضلًا عن القول بالشرطية، والأصل عدم الوجوب. اشتراط الموالاة يسقط مقصود الرخصة، وهو التيسير على المكلف. حقيقة الجمع: هو المشاركة في الوقت، بحيث يؤدي إحدى الصلاتين في وقت الأخرى. الإخلال بالموالاة لا ينافي الجمع. لو كانت الموالاة شرطًا لصحة الجمع لما جاز الإخلال بها في جمع التأخير، فإذا جاز تخلف الموالاة في إحدى صورتي الجمع جاز في الأخرى. قد تتحقق الموالاة وينتفي الجمع، كما لو صلى الرجل الصلاة الأولى في آخر وقتها، وصلى الثانية في أول وقتها، فالمعتبر في الجمع المشاركة في الوقت. [م-١١٠٣] اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين في جمع التقديم: فقيل: الموالاة شرط، ويغتفر فاصل يسير؛ لعسر التحرز منه، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الشافعية والحنابلة (١).

стр. 9821

واختلفوا في تقدير اليسير: فقدره المالكية بقدر الأذان للثانية. وقدره بعض الشافعية بمقدار الإقامة، وقدره الحنابلة بمقدار الإقامة والوضوء؛ لأن مثل هذا الفاصل لمصلحة الصلاة (١). قال في الفروع: «والموالاة إلا بقدر إقامة ووضوء» (٢). وقيل: المرجع في تقدير اليسير والكثير إلى العرف، وهو مذهب الشافعية، واختاره ابن قدامة من الحنابلة، وصححه المرداوي في الإنصاف (٣). قال ابن قدامة: «لأن ما لم يرد الشرع بتقديره لا سبيل إلى تقديره، والمرجع فيه إلى العرف، كالإحراز والقبض» (٤). جاء في المنهاج: «ولا يضر فصل يسير، ويعرف طوله بالعرف» (٥). وعلى القول باشتراط الموالاة، لو أنه جمع بين الصلاتين، وتذكر أنه ترك ركنًا من الثانية، فالأولى صحيحة؛ لسلامتها من الخلل، وأما الثانية فإن كان تذكره قبل طول الفصل تداركه وصح الجمع، وإن تذكره بعد طول الفصل تعذر الجمع؛ لفوات الموالاة، وصلى الثانية في وقتها. وقد نص على هذا الشافعية والحنابلة (٦).

стр. 9822

قال النووي: «وإن تذكر أنه ترك ركنًا من الثانية دون الأولى، فإن قرب الفصل بنى عليها، ومضت الصلاتان على الصحة. وإن طال بطلت الثانية، وتعذر الجمع لطول الفصل بفعل الثانية الباطلة، ويتعين فعلها في وقتها» (١). وقيل: تجب الموالاة، وتسقط بالنسيان، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا تشترط المولاة، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الإصطخري وأبو علي الثقفي منهم، ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). قال النووي: «وفيه وجه: أنه يجوز الجمع، وإن طال الفصل بينهما، ما لم يخرج وقت الأولى، حكاه أصحابنا عن أبي سعيد الإصطخري، وحكاه الرافعي عنه وعن أبي علي الثقفي من أصحابنا، ونصَّ الشافعي في الأم: أنه لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع، ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز، وهذا نص مؤول عند الأصحاب. والمشهور اشتراط الموالاة وعليه التفريع» (٤). دليل من قال: الموالاة شرط: الدليل الأول: أن فعل الموالاة هو المأثور من فعل النبي ﷺ ، حيث لم ينقل عنه ﷺ أنه أخلَّ به، (ح-٣٤٣٢) وقد روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي (٥). والعبادات وصفتها توقيفية، وقد تلقينا هذه الصفة من فعل النبي ﷺ ، وأي

стр. 9823

تغيير في صفة العبادة يجعلها غير مشروعة؛ لعموم حديث عائشة في الصحيحين: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). أي مردود (١). الدليل الثاني: ولأن تقديم الصلاة الثانية على وقتها خلاف الأصل، فلما جوِّز الجمع كانا كالصلاة الواحدة، فوجبت الموالاة بينهما كركعات الصلاة، ولذلك تركت أذكار الصلاة الأولى وراتبتها؛ لتحقيق الموالاة. الدليل الثالث: أن الصلاة الثانية تابعة للأولى، والتابع لا يفصل عن متبوعه. ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فضلًا أن يدل على الشرطية، فالقول بالشرطية يعني: انتفاء الجمع بانتفاء الموالاة، ومثل ذلك من إفساد العبادة يحتاج إلى دلالة أصولية ظاهرة مأخوذة من نصوص شرعية صريحة أو ظاهرة، فلا يكفي الاحتجاج بالفعل، ولا على ترك راتبة الأولى وأذكارها لجعل مثل ذلك شرطًا، فلو عرضت مثل هذه الدلالة على أصول الفقه لم تبلغ حكم الوجوب فضلًا عن القول بالشرطية، غاية ما يدل عليه ذلك: استحباب الموالاة. والنبي ﷺ قد ترك التنفل بعدهما، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، وفي هذا دليل على أن ترك التنفل لم يكن من أجل وجوب الموالاة. وإذا كان الصحيح أن النبي ﷺ لم يجمع إلا في السفر لم تكن السنة الراتبة مشروعة للصلوات التي يدخلها الجمع، لسقوطها بسبب السفر، فلم يكن الترك من أجل وجوب الموالاة. وأما ما رواه ابن عباس في الجمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فهو على تقدير ثبوته لم يتعرض لفعل السنن لا نفيًا ولا إثباتًا.

стр. 9824

ولو ثبت أن النبي ﷺ ترك التنفل بينهما في جمع الحضر وأن ذلك من أجل الموالاة، فهذا يدل على استحباب الترك، ولا يدل على أنه لو تنفل بطل الجمع. ففي مذهب المالكية قولان في التنفل، المشهور منهما كراهة التنفل، ولو فعل لم يمنع من الجمع. قال القرافي: «وإذا قلنا: لا يتنفل فتنفل، فلا يمنع ذلك الجمع قياسًا على الإقامة» (١). وروى أبو طالب عن أحمد، أنه قال: لا بأس أن يتطوع بينهما (٢). واختار ابن حبيب من المالكية: جواز التنفل إذا لم يؤد إلى مخالفة الإمام بأن يتنفل، وهو يصلي. وقال الحنفية: إذا جمع بين الصلاتين في عرفة لا يتنفل بينهما، فإن تطوع أعاد الأذان والإقامة للعصر، ولم يبطلوا الجمع (٣). وقال الشافعية والحنابلة: يبطل الجمع إذا كان ذلك في جمع التقديم، وسوف تأتينا هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. وإذا كانت الصلاة الأجنبية بين الصلاتين المجموعتين لم تمنع من الجمع كيف يتصور معها القول باشتراط الموالاة. الوجه الثاني: قولكم: (الثانية تابعة للأولى)، هذا صحيح، ولكنها تابعة لها في الوقت، لا في الأفعال بدليل أن فساد الثانية لا يؤدي إلى فساد الأولى، والسهو فيها لا يلحق الأولى، والكلام، والوضوء بينهما لا يفسد الجمع، فكيف يتصور مع هذا أن يقال: هما كالصلاة الواحدة. الوجه الثالث: اشتراط الموالاة يسقط مقصود الرخصة، وهو التيسير على المكلف.

стр. 9825

الوجه الرابع: الإخلال بالموالاة لا ينافي الجمع؛ لأن حقيقة الجمع: هو المشاركة في الوقت، بحيث يؤدي إحدى الصلاتين في وقت الأخرى، ولذلك اشترط في الجمع أن تكون الصلاتان نهاريتين أو ليليتين لا فاصل بين وقتيهما؛ ليكون الوقت مشتركًا بينهما، فمقتضى الجمع الاجتماع في الوقت بحيث يصير وقتًا واحدًا؟ دليل من قال: الموالاة مستحبة وليست بشرط: الدليل الأول: القول بالوجوب يحتاج إلى مقتضٍ، إما من دلالة لفظية في النصوص تقضي بوجوب الموالاة، كما لو جاء أمر شرعي، ولا معارض له؛ لأنه قد يوجد الأمر، ويوجد ما يصرفه عن الوجوب، وإما دلالة على بطلان العبادة بتعمد تركه، وإما إجماع يجب التسليم له، وإما قول صحابي لا مخالف له، فإذا افتقد الدليل هذه الدلالات الحكمية لم يصح القول بالوجوب؛ لأن الأصل عدم الوجوب. وبهذا الضابط تطرح كثيرًا من الواجبات التي لا دلالة لها على الوجوب من حيث أصول الفقه، فلا تجد اتساقًا بين هذه الفروع الفقهية وبين ما تقتضيه الدلالة الأصولية. فلا يوجد في النصوص أمر صريح بالموالاة، ولا قول صحابي لا مخالف له، ولا إجماع. ولا دليل على بطلان العبادة بفوات الموالاة، وشروط العبادة صفة فيها، والعبادة وصفتها توقيفية، فلا تثبت شروط العبادة بالتعليلات الفقهية،، فلا بد من نص أو إجماع يفيد الشرطية، كوجود نفي للعبادة متوجهًا إلى الصحة كقوله: (لا صلاة … )، أو نفي قبولها (لا يقبل الله صلاة أحدكم … )، وأما التعليلات الفقهية فهي من صناعة الفقيه تقبل في غير إثبات جنس العبادة أو إثبات شروطها. الدليل الثاني: قد تتحقق الموالاة وينتفي الجمع، كما لو صلى الرجل الصلاة الأولى في آخر وقتها، وصلى الثانية في أول وقتها، فكان المعتبر في الجمع: المشاركة في الوقت،

стр. 9826

ولو تخلفت الموالاة. الدليل الثالث: (ح-٣٤٣٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد: أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال: الصلاة أمامك. فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى، ولم يصلِّ بينهما (١). وجه الاستدلال: لو كانت الموالاة شرطًا لصحة الجمع لما جاز الإخلال بها في جمع التأخير، فإذا جاز تخلف الموالاة في إحدى صورتي الجمع جاز في الأخرى، هذا مقتضى القياس، فلو كان الجمع هو ما يوجب استحقاق الموالاة لم يتخلف في جمع التأخير، ولكان الإخلال به يجعل الصلاة الأولى قضاء، وليست جمعًا. وسوف يأتينا بحث الموالاة في جمع التأخير إن شاء الله تعالى. وإذا كان لا يقطع الموالاة العمل الأجنبي كما في إناخة رحله، ولا مقدار الوضوء أو التيمم، ولا الأذان عند من يرى مشروعية الأذان للصلاتين المجموعتين كما هو مذهب المالكية وهو وجه في مذهب الشافعية، ولا الإقامة، فلا دليل على أن الفاصل لو زاد على ما ذكر أن مثل ذلك يخل بالجمع. دليل من قال: تسقط الموالاة بالنسيان: استدلوا بنفس دليل من قال: يسقط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين بالنسيان، ذكرت دليلهم في المسألة السابقة، وأجبت عنه، فارجع إليه دفعًا للتكرار.

стр. 9827

الراجح: أن الموالاة مستحبة، وليست شرطًا للجمع، ولا حتى واجبة، وشروط العبادة لا تؤخذ من مجرد أفعال النبي ﷺ ، بل لا بد أن يأتي في النصوص ما يدل على الشرطية، لأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته. والله أعلم.

стр. 9828

المبحث الثاني في اشتراط الموالاة في جمع التأخير انظر: مدخل الموالاة في جمع التقديم في المسألة السابقة. [م-١١٠٤] اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة في جمع التأخير: فقيل: الموالاة شرط، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية ووجه في مذهب الحنابلة (١). وقال ابن شاس: «ومن صفة الجمع الموالاة» (٢). فجعل الموالاة من صفة الجمع، و (أل) في الجمع للعموم سواء أكان تقديمًا أم تأخيرًا. وقيل: لا تشترط الموالاة، وهو أظهر الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣).

стр. 9829

قال النووي: «فلو جمع في وقت الثانية لم يشترط الترتيب، ولا الموالاة، ولا نية الجمع حال الصلاة على الصحيح» (١). وجاء في كشاف القناع: «ولا تشترط الموالاة في جمع التأخير، فلا بأس بالتطوع بينهما نصًّا» (٢). دليل من قال: تشترط الموالاة: أدلة هذا القول هي نفس أدلة القائلين بوجوب الموالاة في جمع التقديم، وقد ذكرتها، وناقشت دلالتها على الشرطية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. دليل من قال: لا تشترط الموالاة: الدليل الأول: (ح-٣٤٣٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد: أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال: الصلاة أمامك. فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى، ولم يصلِّ بينهما (٣). الدليل الثاني: إذا صلى الصلاة الأولى فالوقت باقٍ في حق الصلاة الثانية، فجاز تأخيرها، بخلاف جمع التقديم فالوقت ليس للثانية إلا على وجه التبعية للأولى، فاشترطت الموالاة بينهما، فإذا وقعت الصلاة الأولى صحيحة، فلا تبطل بشيء يحدث بعدها، وأما الثانية فإنها باقية في وقتها.

стр. 9830

ويناقش: إما أن يكون الجمع: هو في ضم الصلاتين بعضهما إلى بعض، فإذا تفرقتا لم يحصل الجمع، فتكون الموالاة شرطًا، لا فرق في ذلك بين جمع التقديم والتأخير. وإما أن يكون الجمع: هو في ضم الصلاتين في الوقت، فلا يضر تفريق الصلاتين في الأفعال، فلا تكون الموالاة شرطًا، لا في التقديم ولا في التأخير. أما أن تجعلوا الجمع في جمع التقديم متجهًا لأفعال الصلاتين، وتجعلوا الجمع في التأخير متجهًا للوقت، فهذا تفريق غير صحيح من حيث الحكم الوضعي يدل على ضعف مأخذ وجوب الموالاة. فالصحيح أن وقت الصلاتين وقت واحد في الجمع، لا فرق فيه بين جمع التقديم والتأخير، والموالاة ليست شرطًا فيهما.

стр. 9831

المبحث الثالث في التنفل بين الصلاتين المجموعتين المدخل إلى المسألة: هذه المسألة فرع عن الخلاف في اشتراط الموالاة، وقد سبق بحثها. ترك التنفل بين الصلاتين لا يلزم منه إبطال الجمع لو صلى بينهما؛ لأن إفساد العبادة يحتاج إلى دليل صريح، ولا دليل. النبي ﷺ لم يتنفل بعد الجمع، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، وفي هذا دليل على أن ترك التنفل بينهما لم يكن من أجل كونه منافيًا للجمع. إذا كان الصحيح أن النبي ﷺ لم يجمع إلا في السفر لم تكن السنة الراتبة مشروعة للصلوات التي يدخلها الجمع، لسقوطها بسبب السفر. ما رواه ابن عباس في الجمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، وهو الحديث الوحيد الوارد في جمع الحضر، وعلى تقدير ثبوته لم يتعرض لفعل السنن لا نفيًا ولا إثباتًا. صلى النبي ﷺ المغرب في مزدلفة، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى، ولم يصلِّ بينهما. خروج الحجاج من المصلى وإناخة كل واحد منهم بعيره في منزله الذي اتخذه مبيتًا في فضاء مزدلفة، ثم العود إلى المصلى بعد ذلك، مع كثرتهم وتفاوتهم في الحركة، منهم السريع ومنهم البطيء، إذا كان هذا الفاصل الأجنبي لم يمنع من الجمع لم يمنع منه مقدار السنة الراتبة وهو في مصلاه من باب أولى. [م-١١٠٥] اختلف الفقهاء في حكم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، وهل هذا ينافي الموالاة عند من يرى أنها شرط؟ فقيل: يكره التنفل بينهما لا فرق بين جمع التقديم والتأخير، ولو فعل لم

стр. 9832

يمنع من الجمع، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١). وقال الدردير: «يكره فيما يظهر؛ إذ لا وجه للحرمة، قاله شيخنا» (٢). قال الزرقاني: «وظاهره ولو كثر -يعني: التنفل بينهما- ينبغي أن يقيد بما إذا لم يؤد إلى دخول الشفق» (٣). وقيل: يجوز التنفل بينهما، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وهو رواية عن أحمد (٤). وروى أبو طالب عن أحمد، أنه قال: لا بأس أن يتطوع بينهما (٥). وقال الشافعية والحنابلة: لا يتنفل بينهما إذا كانت الموالاة بينهما واجبة

стр. 9833

كما هو في جمع التقديم، بخلاف جمع التأخير فإن الموالاة بينهما ليست بشرط، فلو تنفل لم يبطل الجمع (١). جاء في العباب المحيط: «وإن جمع تأخيرًا صلى السنن كيف شاء، وترتيبها ندبًا» (٢). وجاء في كشاف القناع: «و لا تشترط الموالاة في جمع التأخير فلا بأس بالتطوع بينهما نصًّا» (٣). دليل من قال: تشترط الموالاة، والتنفل لا يبطل الموالاة: الدليل الأول: (ح-٣٤٣٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد: أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال: الصلاة أمامك. فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى، ولم يصلِّ بينهما (٤). وجه الاستدلال: كونه لم يصلِّ بينهما فهذا واضح؛ لأنه كان مسافرًا، فلن يسبح بينهما سواء أجمع الصلاة أم لم يجمع، وإذا جاز الفصل بين الصلاتين المجموعتين بفعل أجنبي، وهو الخروج من المصلى وإناخة كل حاج بعيره مع كثرتهم، ثم العود إلى الصلاة، فمن باب

стр. 9834

أولى أن الفصل بينهما بالسنة الراتبة، وهو ما زال في مصلاه لا يبطل الجمع، ولا يتصور أن جميع الرواحل كانت بجوار المصلى؛ لأن عدد الحجيج كثير، فهي كانت منتشرة في فضاء مزدلفة، كل حاج رحله في المكان الذي اتخذه مبيتًا، فالذهاب إليه والعود منه فاصل طويل أجنبي، والناس متفاوتون في الحركة، منهم السريع ومنهم البطيء فاجتماعهم للصلاة مرة ثانية يأخذ وقتًا ليس باليسير. الدليل الثاني: أن الفاصل اليسير لا ينافي الموالاة، ومنه الفصل بالراتبة. وإذا كان الفصل بينهما بالوضوء وبالإقامة لم يخلَّ بالموالاة، فكذلك السنة الراتبة، خاصة أنها من متعلقات الصلاة. دليل من قال: التنفل بين الصلاتين يبطل الجمع: الدليل الأول: لم ينقل أن النبي ﷺ تنفل بين الصلاتين المجموعتين، وما تركه النبي ﷺ فالسنة تركه، وقياسًا على ما لو فصل بينهم بفائتة. ويجاب: كون السنة ترك التنفل بين الصلاتين لا يلزم منه إبطال الجمع لو صلى بينهما؛ لأن إفساد العبادة يحتاج إلى دليل صريح، ولا دليل، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن النبي ﷺ قد ترك التنفل بعدهما، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، وفي هذا دليل على أن ترك التنفل بينهما لم يكن من أجل كونه منافيًا للجمع. وإذا كان الصحيح أن النبي ﷺ لم يجمع إلا في السفر لم تكن السنة الراتبة مشروعة للصلوات التي يدخلها الجمع، لسقوطها بسبب السفر، فلم يكن الترك من أجل وجوب الموالاة، فنحتاج إلى إثبات أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في الحضر، وترك الجمع بينهما مع قيام مشروعيتهما. وأما ما رواه ابن عباس في الجمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، وهو الحديث الوحيد الوارد في جمع الحضر، فهو على تقدير ثبوته لم يتعرض لفعل

стр. 9835

السنن لا نفيًا ولا إثباتًا. ولو ثبت أن النبي ﷺ ترك التنفل بينهما في جمع الحضر وأن ذلك من أجل الموالاة، فهذا يدل على استحباب الترك، ولا يدل على أنه لو تنفل بطل الجمع. وأما قياس المنع بالفصل بالراتبة على المنع بالفصل بالفائتة، فالأصل غير مسلم حتى يمكن التسليم بالفرع، وإذا كان الفصل بالعمل الأجنبي لم يكن مؤثرًا لم يكن الفصل بالفائتة مختلفًا، فحقيقة الجمع: هو ضم أحد الوقتين إلى الآخر، فإذا وقعت الصلاة المجموعة في وقت إحداهما تحقق الجمع، سواء أكان هناك فاصل أم لا، والله أعلم. الدليل الثاني: استدلوا بأدلة اشتراط الموالاة، وقد سبق ذكرها في بحث الموالاة والجواب عنها، فارجع إليه إن شئت. الراجح: هذه المسألة فرع عن الخلاف في اشتراط الموالاة، وقد سبق بحثها، وبينت أن الأصح من خلاف أهل العلم أن الموالاة ليست بشرط، والله أعلم.

стр. 9836

الشرط الرابع في استمرار العذر المبيح للجمع المبحث الأول في تأثير انقطاع السفر على إباحة جمع التقديم المدخل إلى المسألة: إذا نوى الإقامة بطل موجب القصر والجمع فيما يستقبل، وما صلاه فلا تجب إعادته، ولو كان الوقت قائمًا، قياسًا على المتيمم يجد الماء بعد الفراغ من الصلاة. بطلان الجمع قبل الشروع في الثانية يبطل الجمع، ولا تأثير لذلك على الصلاة الأولى؛ لوقوعها في وقتها. إذا شرع في الصلاة الثانية المجموعة، ثم أقام أو نوى الإقامة لم يبطل جمعه؛ لأنه تلبس بالصلاة على وجه مأذون شرعًا، ولا دليل على بطلان الجمع. القصر ينافي الإقامة، بخلاف الجمع فإنه لا ينافيها؛ لجوازه في الحضر على أحد القولين. القصر إذا بطل لم تبطل الصلاة؛ لأنه يمكنه المضي فيها على وجه الإتمام، ولو قطعنا رخصة الجمع، لأبطلنا الثانية بعد الشروع فيها، أو قلبناها نافلة. القياس على جمع المطر، فإذا توقف بعد شروعه في الثانية، لم يبطل الجمع. القياس على الرجل تجب عليه الكفارة، فلا يقدر على العتق، فإذا شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح. ما تلبس به المكلف على وجه الرخصة والتيسير إذا تلبس به لا يبطل بارتفاع سببه، كالرجل يقصر الصلاة ويجمعها ثم يصل بلده قبل خروج الوقت، بخلاف ما تلبس به على وجه الضرورة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفع الحكم.

стр. 9837

[م-١١٠٦] من قال بالجمع من المالكية والشافعية والحنابلة لا يجوزونه بلا سبب يبيح الجمع على اختلاف بينهم في هذه الأسباب، فكان من شروط الجمع قيام السبب المبيح للجمع، فإذا ارتفع السبب قبل الفراغ من الجمع، فما تأثير ذلك على صحة الجمع؟ وقبل الجواب على ذلك: أبين أنه لما كانت أسباب الجمع محل خلاف بين الفقهاء اخترت اثنين من أسباب الجمع لا يختلف عليها الجمهور، وهو السفر، والمطر، وغيرها مقيس عليها، وسوف أعقد هذا المبحث في ارتفاع سبب السفر، وأتكلم في الذي يليه في ارتفاع سبب المطر. فإذا نوى المسافر الإقامة أثناء الجمع، فله أربعة أحوال: الحال الأولى: أن ينقطع السفر قبل الشروع في الجمع، أو قبل الشروع في الثانية في جمع التقديم: ففي هذه الحال لا يجمع المسافر قولًا واحدًا، وإذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها وقبل التلبس بالثانية صحت الأولى، ويؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها وبه قال كل من يقول بالجمع من المالكية والشافعية والحنابلة (١). والحنفية وإن كانوا لا يقولون بالجمع إلا أنهم يقطعون أحكام السفر بذلك كالقصر والفطر، إلا أنهم اشترطوا لانقطاع ذلك أن ينوي الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية، فإن نوى الإقامة في المفازة أو في البحر لم ينقطع سفره، وهو وجه عند الشافعية (٢).

стр. 9838

واشترط الشافعية: أن ينوي الإقامة، وهو نازل، فإن كان سائرًا لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته (١). إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها وقبل التلبس بالثانية صحت الأولى، ويؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها (٢). وأما وجه صحة الأولى: فلأنه إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أتمها أربعًا وصحت صلاته؛ لأنه أداها في وقتها تامة، والانتقال من القصر إلى الائتمام لا يبطل الصلاة؛ لأن المصلي لا يجب عليه نية عدد ركعات الصلاة إذا أراد الدخول في الصلاة، فقطع نية السفر لا يستلزم بطلان الصلاة الأولى. وإذا نوى الإقامة بعد الفراغ من الأولى، وقبل التلبس بالثانية صحت صلاته؛ لأنه أدى صلاته في وقتها، وصح منه القصر؛ لأنه أدى صلاته في وقت يباح له القصر. وأما وجه امتناع الجمع والقصر للصلاة الثانية: فلأن سبب الجمع والقصر: هو السفر، فإذا نوى الإقامة صار مقيمًا، فارتفع عنه موجب الجمع والقصر، كالمريض يصلي قاعدًا؛ لعجزه فإذا زال مرضه في أثناء الصلاة لزمه القيام؛ لزوال مرضه، وكالأمة تصلي مكشوفة الرأس بسبب الرق، فإذا أعتقت لزمها تغطية رأسها في أثناء الصلاة. واعلم: أن قطع النية وتأثيره على بطلان العبادة يختلف حكمه من عبادة إلى أخرى: فقسم يبطل بمجرد قطع النية، وهو الإسلام، ومثله السفر. وقسم لا يبطل بذلك مطلقًا، وهو الحج العمرة، فلو نوى قطعهما لم يخرج منهما؛ لأنه إذا لم يخرج منهما بالإفساد، فلا يخرج بالأولى بقطع النية خلافًا للظاهرية.

стр. 9839

وقسم يبطل إن قطع النية في أثناء العبادة، ولا يبطل بعد الفراغ منها، كالصيام، وقيل الطهارة مثلها على الصحيح. وقيل: إذا قطع النية في أثناء الطهارة لم يبطل ما مضى منه لكن يحتاج الباقي إلى تجديد نية. وذهب الحنفية إلى أن جميع العبادات قياسًا على الحج والعمرة، فلا تبطل بقطع النية. وقال الشافعية والحنابلة: كل عبادة لا تفتقر إلى نية خاصة، لا تتأثر بنية القطع فلو نوى قطع قراءة الفاتحة، ولم يقطعها لم يضره؛ لأنه من حديث النفس. قال الإسنوي: «ومقتضاه أن نية قطع الركوع أو غيره من الأركان لا تؤثر، وهي مسألة مهمة» (١). وذكر الزركشي في القواعد والمازري في شرح التلقين: أن المسافر إذا نوى الإقامة صار مقيمًا بمجرد النية؛ بخلاف السفر فلا يحصل إلا بالنية والفعل (٢). وجه الفرق بينهما: أن الإقامة هي الأصل، والسفر عارض. ولأن نية الإقامة وجد معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار. ونية السفر، وهو بالمدينة لم يوجد معها ما يلائمها؛ لأن الذي يلائمها ويطابقها

стр. 9840

السير الذي يجاوز البنيان؛ لأن البنيان حكمه حكم الاستيطان والقرار (١). وقد تكلمت عن أحكام النية، وخصصت فصولًا مستقلة في قطع نية العبادة، وفي التردد في قطعها، وفي تعليق القطع، وفي العزم على فعل المفسد، إلى غير ذلك من الأحكام، راجع المجلد السادس. الحال الثانية: أن ينوي الإقامة في أثناء الصلاة الثانية: فالصلاة الأولى: صحيحة بلا خلاف؛ لوقوعها في الوقت. واختلفوا في صحة الصلاة الثانية، فقيل: يبطل الجمع، وتصح الأولى، وتنقلب الثانية نفلًا، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية (٢). قال القرافي: «مهما نوى الإقامة في جمع السفر في إحدى الصلاتين بطل الجمع، وبعدهما لا يضر» (٣). جاء في التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب: «وإن نوى الإقامة في أثناء الثانية صحت الأولى أيضًا، وقطع الثانية أو أتمها نافلة، والإتمام أولى» (٤). وقيل: إذا نوى الإقامة بعد الشروع في الثانية لم يبطل جمعه، وهو أظهر الوجهين في مذهب الشافعية، وذكره ابن قدامة احتمالًا (٥).
следующие страницы →