الشرط الرابع في استمرار العذر المبيح للجمع
المبحث الأول في تأثير انقطاع السفر على إباحة جمع التقديم
المدخل إلى المسألة:
إذا نوى الإقامة بطل موجب القصر والجمع فيما يستقبل، وما صلاه فلا تجب إعادته، ولو كان الوقت قائمًا، قياسًا على المتيمم يجد الماء بعد الفراغ من الصلاة.
بطلان الجمع قبل الشروع في الثانية يبطل الجمع، ولا تأثير لذلك على الصلاة الأولى؛ لوقوعها في وقتها.
إذا شرع في الصلاة الثانية المجموعة، ثم أقام أو نوى الإقامة لم يبطل جمعه؛ لأنه تلبس بالصلاة على وجه مأذون شرعًا، ولا دليل على بطلان الجمع.
القصر ينافي الإقامة، بخلاف الجمع فإنه لا ينافيها؛ لجوازه في الحضر على أحد القولين.
القصر إذا بطل لم تبطل الصلاة؛ لأنه يمكنه المضي فيها على وجه الإتمام، ولو قطعنا رخصة الجمع، لأبطلنا الثانية بعد الشروع فيها، أو قلبناها نافلة.
القياس على جمع المطر، فإذا توقف بعد شروعه في الثانية، لم يبطل الجمع.
القياس على الرجل تجب عليه الكفارة، فلا يقدر على العتق، فإذا شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح.
ما تلبس به المكلف على وجه الرخصة والتيسير إذا تلبس به لا يبطل بارتفاع سببه، كالرجل يقصر الصلاة ويجمعها ثم يصل بلده قبل خروج الوقت، بخلاف ما تلبس به على وجه الضرورة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفع الحكم.
стр. 9837
[م-١١٠٦] من قال بالجمع من المالكية والشافعية والحنابلة لا يجوزونه بلا سبب يبيح الجمع على اختلاف بينهم في هذه الأسباب، فكان من شروط الجمع قيام السبب المبيح للجمع، فإذا ارتفع السبب قبل الفراغ من الجمع، فما تأثير ذلك على صحة الجمع؟
وقبل الجواب على ذلك: أبين أنه لما كانت أسباب الجمع محل خلاف بين الفقهاء اخترت اثنين من أسباب الجمع لا يختلف عليها الجمهور، وهو السفر، والمطر، وغيرها مقيس عليها، وسوف أعقد هذا المبحث في ارتفاع سبب السفر، وأتكلم في الذي يليه في ارتفاع سبب المطر.
فإذا نوى المسافر الإقامة أثناء الجمع، فله أربعة أحوال:
الحال الأولى:
أن ينقطع السفر قبل الشروع في الجمع، أو قبل الشروع في الثانية في جمع التقديم:
ففي هذه الحال لا يجمع المسافر قولًا واحدًا، وإذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها وقبل التلبس بالثانية صحت الأولى، ويؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها وبه قال كل من يقول بالجمع من المالكية والشافعية والحنابلة (١).
والحنفية وإن كانوا لا يقولون بالجمع إلا أنهم يقطعون أحكام السفر بذلك كالقصر والفطر، إلا أنهم اشترطوا لانقطاع ذلك أن ينوي الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية، فإن نوى الإقامة في المفازة أو في البحر لم ينقطع سفره، وهو وجه عند الشافعية (٢).
стр. 9838
واشترط الشافعية: أن ينوي الإقامة، وهو نازل، فإن كان سائرًا لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته (١).
إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها وقبل التلبس بالثانية صحت الأولى، ويؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها (٢).
وأما وجه صحة الأولى:
فلأنه إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أتمها أربعًا وصحت صلاته؛ لأنه أداها في وقتها تامة، والانتقال من القصر إلى الائتمام لا يبطل الصلاة؛ لأن المصلي لا يجب عليه نية عدد ركعات الصلاة إذا أراد الدخول في الصلاة، فقطع نية السفر لا يستلزم بطلان الصلاة الأولى.
وإذا نوى الإقامة بعد الفراغ من الأولى، وقبل التلبس بالثانية صحت صلاته؛ لأنه أدى صلاته في وقتها، وصح منه القصر؛ لأنه أدى صلاته في وقت يباح له القصر.
وأما وجه امتناع الجمع والقصر للصلاة الثانية: فلأن سبب الجمع والقصر: هو السفر، فإذا نوى الإقامة صار مقيمًا، فارتفع عنه موجب الجمع والقصر، كالمريض يصلي قاعدًا؛ لعجزه فإذا زال مرضه في أثناء الصلاة لزمه القيام؛ لزوال مرضه، وكالأمة تصلي مكشوفة الرأس بسبب الرق، فإذا أعتقت لزمها تغطية رأسها في أثناء الصلاة.
واعلم: أن قطع النية وتأثيره على بطلان العبادة يختلف حكمه من عبادة إلى أخرى:
فقسم يبطل بمجرد قطع النية، وهو الإسلام، ومثله السفر.
وقسم لا يبطل بذلك مطلقًا، وهو الحج العمرة، فلو نوى قطعهما لم يخرج منهما؛ لأنه إذا لم يخرج منهما بالإفساد، فلا يخرج بالأولى بقطع النية خلافًا للظاهرية.
стр. 9839
وقسم يبطل إن قطع النية في أثناء العبادة، ولا يبطل بعد الفراغ منها، كالصيام، وقيل الطهارة مثلها على الصحيح.
وقيل: إذا قطع النية في أثناء الطهارة لم يبطل ما مضى منه لكن يحتاج الباقي إلى تجديد نية.
وذهب الحنفية إلى أن جميع العبادات قياسًا على الحج والعمرة، فلا تبطل بقطع النية.
وقال الشافعية والحنابلة: كل عبادة لا تفتقر إلى نية خاصة، لا تتأثر بنية القطع فلو نوى قطع قراءة الفاتحة، ولم يقطعها لم يضره؛ لأنه من حديث النفس.
قال الإسنوي: «ومقتضاه أن نية قطع الركوع أو غيره من الأركان لا تؤثر، وهي مسألة مهمة» (١).
وذكر الزركشي في القواعد والمازري في شرح التلقين: أن المسافر إذا نوى الإقامة صار مقيمًا بمجرد النية؛ بخلاف السفر فلا يحصل إلا بالنية والفعل (٢).
وجه الفرق بينهما:
أن الإقامة هي الأصل، والسفر عارض.
ولأن نية الإقامة وجد معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار.
ونية السفر، وهو بالمدينة لم يوجد معها ما يلائمها؛ لأن الذي يلائمها ويطابقها
стр. 9840
السير الذي يجاوز البنيان؛ لأن البنيان حكمه حكم الاستيطان والقرار (١).
وقد تكلمت عن أحكام النية، وخصصت فصولًا مستقلة في قطع نية العبادة، وفي التردد في قطعها، وفي تعليق القطع، وفي العزم على فعل المفسد، إلى غير ذلك من الأحكام، راجع المجلد السادس.
الحال الثانية: أن ينوي الإقامة في أثناء الصلاة الثانية:
فالصلاة الأولى: صحيحة بلا خلاف؛ لوقوعها في الوقت.
واختلفوا في صحة الصلاة الثانية،
فقيل: يبطل الجمع، وتصح الأولى، وتنقلب الثانية نفلًا، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
قال القرافي: «مهما نوى الإقامة في جمع السفر في إحدى الصلاتين بطل الجمع، وبعدهما لا يضر» (٣).
جاء في التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب: «وإن نوى الإقامة في أثناء الثانية صحت الأولى أيضًا، وقطع الثانية أو أتمها نافلة، والإتمام أولى» (٤).
وقيل: إذا نوى الإقامة بعد الشروع في الثانية لم يبطل جمعه، وهو أظهر الوجهين في مذهب الشافعية، وذكره ابن قدامة احتمالًا (٥).
стр. 9841
دليل من قال: إذا نوى الإقامة بطل الجمع:
الدليل الأول:
قياس الجمع على القصر، فإذا كان القصر يمتنع بالإقامة في أثناء الصلاة، فكذلك الجمع.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا قياس مع الفارق، فالقصر إذا زال لم تبطل الصلاة، بل لزم الإتمام، ولو قطعنا رخصة الجمع لأبطلنا الصلاة.
الوجه الثاني:
أن القصر ينافي الإقامة، بخلاف الجمع فإنه لا ينافيها لجوازه في الحضر عند جمهور العلماء.
الدليل الثاني:
القياس على الرجل يتيمم، ثم يجد الماء في أثناء الصلاة، فإن صلاته تبطل عند جمهور العلماء؛ ولا يكفي قيام العذر عند شروعه في الصلاة؛ لأن طهارة التيمم تبطل بوجود الماء، وإذا بطلت الطهارة في أثناء الصلاة بطلت الصلاة؛ لأن بطلان بعض الصلاة مبطل لجميعها.
ولأن التيمم يبطل بوجود الماء قبل الصلاة وبعدها بالإجماع، لقوله: ﷺ في حديث أبي ذر: (فإذا وجد الماء، فليتق الله، وليمسه بشرته)، فكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة.
ونوقش:
التيمم شرع ضرورة؛ لعدم الماء، والجمع شرع رخصة وتيسيرًا، فافترقا،
стр. 9842
وسيأتي من كلام ابن رجب ما يؤيد هذا الكلام.
تعليل من قال: لا يبطل الجمع:
التعليل الأول:
قال الرافعي: «الأظهر أنها لا تبطل، ويكفي اقتران العذر بأول الثَّانية صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد على وجه الرخصة، بخلاف مسألة القصر؛ فإن وجوب الإتمام لا يؤدي إلى بطلان ما مضى من صلاته» (١).
ويجاب:
بأن بطلان الجمع لا يلزم منه بطلان الصلاة، فتنقلب الصلاة نافلة، والوقت من أهم شروط العبادة، ساغ تقديم الصلاة الثانية على وقتها في الجمع لعلة السفر، فإذا انقطع السفر قبل الفراغ من الصلاة الثانية لم يصح الجمع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
التعليل الثاني:
أن هذا قد دخل في الصلاة بإذن من الشارع، وإفساد العبادة يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة، أو من إجماع يستند إلى واحد منهما، ولم يثبت دليل يوجب قطع الجمع بعد الدخول فيه بوجه مشروع.
ويناقش:
السبب الذي أباح الشارع الدخول في الجمع يجب استصحابه حتى الفراغ من الجمع، فإذا ارتفع السبب ارتفع المسبب.
التعليل الثالث:
القياس على الجمع بسبب المطر، فإذا شرع في الثانية وتوقف المطر، فإن له أن يتم جمعه.
ونوقش:
بأن جمع المطر على القول بصحة الجمع بسببه لا يؤمن عوده، بخلاف السفر.
стр. 9843
قال الونشريسي المالكي: «وإنما يبطل الجمع في السفر عند تقديم الثانية إلى الأولى إذا نوى الإِقامة في أثناء إحداهما، ولا يبطل إذا ارتفع المطر بعد الشروع؛ لأن المطر لا تؤمن عودته، بخلاف السفر، فإِنه تؤمن عودته» (١).
التعليل الرابع:
القياس على الرجل تجب عليه الكفارة، فلا يقدر على العتق، فإذا شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح.
قال ابن رجب في قواعده: «من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجدًا له قبل الشروع لكان هو الواجب، دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه، أم يمضي ويجزيه؟ هذا على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون المتلبس به رخصة عامة، شرعت تيسيرًا على المكلف، وتسهيلًا عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، فهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل كالمتمتع إذا عدم الهدي، فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو ميسور في بلده لم يلزمه.
الضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية، فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس كالعدة بالأشهر، فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض، ولهذا تؤمر من ارتفع حيضها لعارض معلوم، أن تنتظر زواله، ولو طالت المدة، وإنما جوز لمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر؛ لأن حيضها غير معلوم، ولا مظنون عوده، وسواء كانت هذه المعتدة مكلفة قبل هذا بالاعتداد بالحيض كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر، ثم حاضت في أثنائها، أو لم تكن مكلفة به كالصغيرة إذا حاضت في أثناء العدة بالأشهر» (٢).
والجمع رخصة شرعت تيسيرًا على المكلف فإذا شرع فيها لم يجب عليه الانتقال عنها، ولم تشرع من باب الضرورة حتى إذا ارتفعت الضرورة
стр. 9844
وجب الانتقال إلى الأصل.
ولأن المنع أسهل من الرفع، فلو سافر قبل الشروع في الصيام أبيح له الفطر، ولو سافر في أثناء يوم من رمضان، ففي استباحة الفطر، قولان، والإتمام فيه أفضل بكل حال (١).
الراجح:
القول بعدم وجوب إعادتها قول قوي، وإعادتها أحوط.
الحال الثالثة:
أن ينوي الإقامة بعد الفراغ من الجمع، ومثله ما لو وصل المسافر إلى بلده بعد الجمع، وقبل دخول وقت الثانية.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يصح الجمع، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يبطل الجمع، ويعيد الثانية في وقتها، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية (٣).
وجهه القول بصحة الجمع:
الوجه الأول:
القياس على الرجل إذا قَصَر الصلاة، ثم أقام، فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة.
قال النووي: «الأصح: لا يبطل الجمع، كما لو قصر ثم أقام» (٤).
الوجه الثاني:
أن وقت الأولى صار وقتًا للثانية، فقد أدَّاها في وقتها.
стр. 9845
الوجه الثالث:
أن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عما في ذمته، وبرئت ذمته منها، فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر، فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، وكالرجل يحدث بعد الفراغ من الصلاة.
وجه من قال: يبطل الجمع ويعيد الثانية في وقتها:
الوجه الأول:
لأن صلاة العصر كانت في غير وقتها؛ لعلة السفر، وقد ارتفع السفر، ووقتها بين يديه، فوجبت إعادتها.
ونوقش:
بأن وقت الظهر صار وقتًا لهما، فلا يصح القول بأن العصر في غير وقتها.
الوجه الثاني:
القياس على الزكاة إذا عجلت ثم حال الحول، والمزكي والآخذ خارجان عن الشرط المرعي، فالزكاة لا تكون فريضة، بل صدقة تطوع، فلا يبعد ذلك في رخصة الجمع أيضًا.
الراجح:
أن الجمع صحيح، ولا تجب عليه الإعادة بعد الفراغ منها.
стр. 9846
المبحث الثاني في تأثير انقطاع المطر على إباحة جمع التقديم
المدخل إلى المسألة:
هذا المدخل بناء على القول بجواز الجمع للمطر، وهي مسألة خلافية، والراجح عدم الجمع، وهو مذهب التابعين من أهل الشام نقله الأوزاعي، ومذهب التابعين من أهل مصر، نقله الليث، ومذهب التابعين من أهل العراق أخذوه عن ابن مسعود وأصحابه، وعنهم أخذ الحنفية، ولا يعرف الجمع إلا عن بعض التابعين من أهل المدينة إذا جمع الأمراء في الليلة المطيرة وصلوا خلفهم.
الجمع بين الصلاتين حكم مرتبط بسببه، فانقطاع السبب يعني انقطاع المسبب.
انقطاع المطر قبل الشروع في الجمع رافع لحكم الجمع بهذا السبب، ولا يمنع مشروعيته بسبب آخر، كالوحل.
جمع التقديم والمطر منقطع يُعَدُّ من تقديم الصلاة على وقتها بلا عذر.
لا يكفي توقع المطر لصحة الجمع ما لم يكن واقعًا؛ لأن كل حكم معلق على سبب لا يتقدم على سببه.
لا يشترط استمرار نزول المطر حتى يفرغ من الجمع؛ لأن السبب إنما يطلب ابتداء لا دوامًا.
يشترط لصحة جمع التقديم وجود المطر أو أثره كالوحل عند افتتاح الصلاة الثانية؛ لأنها تصلى في غير وقتها.
انقطاع المطر قبل الشروع في الثانية في جمع التقديم يبطل الجمع، ولا تأثير لذلك على الصلاة الأولى؛ لوقوعها في وقتها.
стр. 9847
إذا شرع في الصلاة الثانية المجموعة، ثم انقطع المطر قبل الفراغ منها لم يبطل جمعه؛ لأنه لا يؤمن عوده، ولأنه تلبس بالصلاة على وجه مأذون شرعًا.
إذا شرع من وجبت عليه كفارة في الصيام؛ لعجزه عن العتق، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح، فكذلك هنا.
ما تلبس به المكلف على وجه الرخصة والتيسير إذا تلبس به لا يبطل بارتفاع سببه.
[م-١١٠٧] إذا ارتفع سبب المطر قبل الفراغ من الجمع، فما تأثير ذلك على صحة الجمع؟
وللجواب على ذلك، نقول: انقطاع المطر لمريد الجمع له أحوال، منها:
الحال الأولى:
أن ينقطع المطر قبل الشروع في الأولى، فلا جمع وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١).
قال الخرشي: «لو انقطع قبل الشروع فلا جمع إلا بسبب غيره، فالمراد الشروع في الأولى» (٢).
لأن جمع التقديم والمطر منقطع يعد من الجمع بلا عذر، ومن تقديم الصلاة على وقتها بلا عذر.
واستثنى المالكية والحنابلة لو كان المطر قد تسبب بالوحل قبل انقطاعه فيباح الجمع مطلقًا عند الحنابلة، وبشرط الظلمة عند المالكية خلافًا للشافعية حيث لا يرون الوحل من أسباب الجمع، وقد تقدم بحث الجمع من أجل الوحل.
قال التتائي: «لو انقطع قبل الشروع لم يجمعوا .. حيث لا سبب غيره كطين مع ظلمة» (٣).
واستثنى المالكية: المطر الكثير المتوقع لقرينة سحب ونحوها، لا إن صحت
стр. 9848
السماء، وانقشعت السحب (١).
قال الدردير: «لمطر واقع أو متوقع» (٢)، أي فيباح الجمع.
قال الدسوقي: «المطر إنما يبيح الجمع إذا كثر، والمتوقع لا يتأتى فيه ذلك. قلت -الدسوقي-: يمكن علم أنه كذلك بالقرينة، ثم أنه إذا جمع في هذه الحالة ولم يحصل المطر فينبغي إعادة الثانية في الوقت» (٣).
ونوقش هذا:
لا يكفي توقع المطر لصحة الجمع ما لم يكن واقعًا، فكم من حال تَوقَع فيها أصحاب الأرصاد هطول أمطار غزيرة، وهو مبني على معطيات وحسابات جوية، من ذلك رصد حركة السحب والرياح والرطوبة من خلال الأقمار الصناعية، وبرامج حاسوبية، ومع ذلك قد تنعقد السحب، ثم لا يأذن الله بنزول المطر.
والأصل أن كل حكم معلق على سبب لا يتقدم على سببه؛ لأن المعلول يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الحال الثانية: أن ينقطع المطر بعد الشروع في الثانية:
فقيل: يصح الجمع، وهو مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٤).
стр. 9849
وقيل: يبطل الجمع، وتنقلب الثانية نفلًا، وهو وجه لبعض الشافعية (١).
الحال الثالثة: أن ينقطع المطر في غير الحالات المتقدمة:
فقيل: يجوز الجمع، ولو انقطع بعد الشروع في الأولى، وهذا مذهب المالكية (٢).
جاء في جامع الأمهات: ولو انقطع المطر بعد الشروع جاز التمادي» (٣).
وجه القول بالجواز:
أن السبب إنما يطلب ابتداء لا دوامًا؛ ولأن عودته لا تؤمن.
وفصل المازري في شرح التلقين، فقال: «والأولى عندي مراعاة شاهد الحال، فإن كفَّ المطر كفًّا ظهر معه من الصحو ما يؤمن معه من عودة المطر، فإنهم لا يجمعون، وكثيرًا ما يقلع المطر إقلاعًا يغلب على الظن معه أنه لا يعود عن قرب» (٤).
وقيل: يشترط وجود المطر عند افتتاح الصلاتين، وسلام الأولى، وهذا هو الأصح من مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٥).
جاء في روضة الطالبين: «فلا بد من وجود المطر في أول الصلاتين، ويشترط وجوده أيضا عند التحلل من الأولى على الأصح الذي قاله أبو زيد وقطع به العراقيون وصاحب (التهذيب) وغيرهم» (٦).
стр. 9850
قال في الفروع: ويشترط وجود العذر عند إحرامهما، والأشهر: وسلام الأولى (١).
دليل من قال: يشترط وجود المطر عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى:
الدليل الأول:
الإجماع، قال إمام الحرمين: «أجمع الأئمة أنه لو تحرم في الظهر بالتقديم مع المطر، ثم انقطع في أثناء صلاة الظهر، ثم عاد وقت التحرم بالعصر، فانقطاعه في أثناء صلاة الظهر لا يضر … وإذا كنا لا نشترط دوامَ المطر في أثناء الظهر وفاقًا، فلا نشترط المطر في أثناء العصر، بل لو انقطع في أثناء العصر بعد أن كان موجودًا عند العقد، لم يؤثِّر انقطاعه» (٢).
ونوقش:
استعمال الإجماع في هذا من الاحتجاج بصورة الوفاق على موضع الخلاف، وهو ليس من صيغ الإجماع، فلا يحتج به في رد مواضع الخلاف، ومثله الأخذ بأقل ما قيل؛ بحجة أنه مجمع على استحقاقه، لكونه لم يختلف فيه، فيقال: أيضًا لم يقع الإجماع على أنه كل المستحق، فكون الأقل مستحقًا لا ينفي أن يكون ما زاد قد يكون مستحقًا أيضًا، فعلى من زاد الدليل، وإلا فالأصل براءة الذمة.
الدليل الثاني:
الجمع لا يكون إلا بنية، ومحلها افتتاح الأولى.
وأما سلام الأولى وافتتاح الثانية فهو موضع الجمع، فاشترط وجود المطر فيه؛ ليتحقق اتصال آخر الظهر في العذر بأول العصر.
ونوقش:
بأن الصحيح أن نية الجمع ونزول المطر لا يشترط عند افتتاح الأولى؛ لأن الصلاة الأولى تؤدى في وقتها المشروع، وإنما الحاجة على القول بأن الجمع يحتاج إلى نية أن تكون النية عند افتتاح الصلاة الثانية، والتي تصلى في غير وقتها لولا نية الجمع، وكذلك القول في نزول المطر.
والقول باشتراط وجود المطر مع سلام الأولى وافتتاح الثانية؛ ليتحقق اتصال
стр. 9851
آخر الظهر في العذر بأول العصر، فهذا إنما يصح على القول باشتراط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، وأما على القول بأن الموالاة سنة، وهو الصحيح فليس بشرط، فإذا وجد المطر عند الشروع في الثانية محل جمع التقديم، ولو مع وجود فاطل طويل كفى؛ لأني قد بينت أن حقيقة الجمع: ضم أحد الوقتين إلى الثاني.
الدليل الثالث:
أن انقطاع المطر بعد الشروع في الثانية لا يؤثر؛ لأنه شرع فيها بإذن من الشارع، فإذا أذن له في الدخول فيها كان له إتمامها.
قال الشافعي: «إذا صلى إحداهما والسماء تمطر، ثم ابتدأ الأخرى، والسماء تمطر، ثم انقطع المطر مضى على صلاته؛ لأنه إذا كان له الدخول فيها كان له إتمامها» (١).
فإن قيل: قد قلتم إذا دخل في الثانية، ثم نوى المقام، أو دخل البلد الذي يريده، بطل الجمع، فلم لا تقولون مثله هاهنا؟
قيل: الفرق: هو أن نية الإقامة بإرادته واختياره، فإذا اختار ذلك لم يكن له الجمع. وانقطاع المطر لا يتعلق باختياره وإرادته، فإذا انقطع بعد دخوله في الصلاة لم يضره، ولأن المطر لا يؤمن عوده بخلاف السفر (٢).
وقيل: يشترط وجوده عند افتتاح الصلاتين، ولا يشترط عند سلام الأولى، وهذا وجه في مذهب الشافعية، وقول لبعض الحنابلة (٣).
لأن الأولى محل النية، والثانية موضع الجمع، ووجوده عند سلام الأولى لا تأثير له.
وقيل: يشترط وجود العذر في جميع الصلاة الأولى، اختاره صاحب التبصرة من الحنابلة (٤).
وهذا أضعف الأقوال.
стр. 9852
الشرط الخامس استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية
المبحث الأول أن يكون الجمع بسبب السفر
المدخل إلى المسألة:
إذا نوى المسافر جمع التأخير، فنوى الإقامة قبل دخول وقت الثانية بطل الجمع والقصر بلا خلاف، وإن نوى الإقامة بعد الفراغ من الجمع لم يضره، وصح جمعه وقصره بالاتفاق.
إذا نوى الإقامة بعد دخول وقت الثانية، وقبل الشروع في الجمع، فالصلاة الثانية تصلى تامة لانقطاع السفر، وتعد أداء؛ لأنها تصلى في وقتها، واختلفوا في الصلاة الأولى، أتعد قضاء؛ لأنها خارج وقتها، أم تصلى أداء؛ لأنها تابعة للثانية، وهل تصلى قصرًا وتُعَدُّ في حكم الفائتة، أو تُعَدُّ تامة؟
إذا نوى الإقامة في أثناء الثانية فالأولى تعد أداء؛ لأنها صليت قبل قطع السفر، وقطعه بعد الفراغ من الصلاة لا يضرها، ويجب إتمام الثانية.
إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة بطل القصر، ولم تبطل الصلاة؛ لأن شرط القصر استمرار علة السفر إلى الفراغ منها.
لا يفتقر القصر والإتمام إلى نية خاصة، فالانتقال من القصر إلى الإتمام أثناء الصلاة أو العكس لا يبطل الصلاة.
[م-١١٠٨] إذا نوى المسافر الجمع بتأخير الأولى إلى وقت الثانية فإنه يشترط له لصحة الجمع استمرار السفر إلى دخول وقت الثانية، فإن أخل بذلك
стр. 9853
الشرط فله صور، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف:
الصورة الأولى:
أن ينقطع السفر قبل دخول وقت الثانية، وذلك بأن ينوى الإقامة أو يقدم إلى بلده قبل دخول وقت الثانية، فهنا يمتنع الجمع والقصر، ويجب أن يصلي الصلاة الأولى قبل خروج وقتها، وينتظر في الثانية إلى دخول وقتها (١).
وجهه: لأنه أصبح مقيمًا بزوال سبب الرخصة.
قال ابن قدامة: «فإن زال -يعني: العذر- في وقت الأولى، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع لم يبح الجمع؛ لزوال سببه» (٢).
قال في الإنصاف: «استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما، لا أعلم فيه خلافًا» (٣).
الصورة الثانية:
أن ينوي قطع السفر بعد أن فرغ من الجمع في وقت الثانية، فالجمع والقصر صحيحان بلا خلاف.
قال النووي: «إذا جمع في وقت الثانية فصار مقيمًا بعد فراغهما لم يضر بالاتفاق» (٤).
الصورة الثالثة:
أن ينوى الإقامة بعد دخول وقت الثانية.
ففيها خلاف:
القول الأول: مذهب الحنابلة.
اشترط الحنابلة استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، ولا أثر لزواله بعد ذلك (٥).
стр. 9854
قال ابن قدامة: «إن جمع بينهما في وقت الثانية اعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقتها، فإن … استمر -يعني: العذر- إلى حين دخول وقت الثانية جمع، وإن زال العذر؛ لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، ولا بد له من فعلهما» (١).
ونوقش:
بأن المطالبة بفعلهما لا يختلف عليه، ولكن هل يعد ذلك في حق الصلاة الأولى من باب قضاء الفائتة؛ لأن علة الجمع السفر، وقد انقطع قبل الشروع في الجمع، أو يعد فعلها من باب الأداء؛ لأنه أخرها بعذر حتى دخل وقت الثانية؟
ظاهر مذهب الحنابلة أنها أداء؛ لقول ابن قدامة: «جمع، وإن زال العذر»، فعبر بالجمع، وهذا دليل على أن الصلاة أداء.
وظاهر كلام التنوخي في شرح المقنع أنها قضاء، لأنه شبهها بالفائتة.
قال التنوخي: «لأن الثانية واقعة في وقتها، فهي بكل حال أداء، والأولى معها كصلاة فائتة.
وقال بعض أصحابنا: لا يفرق بينهما؛ لأنه إذا فرق بينهما لم يكن مستعملًا للرخصة، والأُولى إنما تفعل وقت الثانية على وجه الرخصة» (٢).
القول الثاني: مذهب الشافعية:
إذا نوى الإقامة بعد دخول الوقت وقبل الشروع في الجمع كانت الأولى قضاء قولًا واحدًا في مذهب الشافعية؛ لأن علة الجمع السفر، وقد انقطع، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
وإن نوى الإقامة بعد الشروع في الجمع، وقبل الفراغ، ولو في أثناء الثانية، فلهم فيها قولان:
أحدهما: تصير الأولى قضاء، نصَّ على ذلك الرافعي في فتح العزيز والنووي في الروضة والمنهاج، والبغوي في التهذيب والإسنوي في المهمات. قال الرملي
стр. 9855
في النهاية: وهو المعتمد (١).
جاء في الروضة: «لو جمع في وقت الثانية فصار مقيمًا بعد فراغه منهما لم يضر. وإن كان قبل الفراغ صارت الأولى قضاء» (٢).
وقول النووي: (قبل الفراغ) قال في تحرير الفتاوى: «ولو في أثناء الثانية، كذا في الروضة تبعًا لأصله» (٣).
ومن باب أولى إذا نوى الإقامة قبل الفراغ من الأولى.
جاء في المجموع: «إذا جمع في وقت الثانية فصار مقيمًا .... قبل الفراغ من الأولى صارت قضاء، ذكره المتولي والرافعي» (٤).
وجه اشتراط استمرار العذر إلى الفراغ منهما: أن الصلاة الأولى تبع للثانية عند التأخير، فاعتبر وجود سبب الجمع فيهما.
ولأن صلاة الظهر في وقت العصر تحتمل أن تكون للسفر، وتحتمل أن تكون فائتة، فاشترط وجود السفر فيهما.
وجه كون الأولى قضاء: أن الجمع بطل، فوقعت الأولى خارج وقتها.
وإذا كانت الأولى قضاء فذلك يعني مسألتين:
الأولى: بطلان الجمع؛ لأنه لو صح لكانت الصلاتان أداء.
стр. 9856
الثانية: إذا بطل الجمع كانت الصلاة الأولى في ذمته قضاء، وقد خرج وقت الأولى، وهو مسافر، فوجبت عليه في السفر، والأظهر في مذهب الشافعية أن الرجل إذا صلى صلاة سفر في حضر فإنه يتمها أربعًا.
قال الإسنوي: «إذا جمع بالتقديم فصار مقيمًا في أثناء الثانية لم يبطل الجمع في الأصح. بخلاف ما إذا جمع تأخيرًا، فإن الأصح بطلانه حتى تصير الأولى قضاء، ولا يصح قصرها إذا منعنا قصر الفوائت في السفر» (١).
وقال النووي: «ولو قضى فائتة السفر فالأظهر قصره في السفر دون الحضر» (٢).
القول الثاني للشافعية:
خالف النووي في المجموع ما قرره في الروضة تبعًا لأصله، وما قدمه في المنهاج، فقال: «فإن كانت الإقامة في أثناء الثانية ينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف» (٣).
وهذا أقرب؛ لأن الصلاة الأولى أديت، والسفر قائم، وقطع السفر بعد الفراغ من الصلاة لا يضرها، كما لو قصر في السفر ثم وصل بلده قبل خروج الوقت، فإن صلاته صحيحة، ويجب إتمام الثانية؛ لانقطاع السفر.
стр. 9857
قال البلقيني كما في تحرير الفتاوى لأبي زرعة: «متى أقام بعد فراغ الأولى فهي أداء، سواء شرع في الثانية أم لا، بل قال فيما إذا أقام قبل فراغ الأولى: ينبغي أنه إن فعل ركعة منها كانت أداء، وإن كان دون ركعة ففيه الخلاف المعروف» (١).
الراجح:
لا خلاف أن الرجل المسافر إذا أخر الأولى ليجمعها مع الثانية فانقطع السفر في وقت الصلاة الأولى بطل الجمع، ووجب عليه أن يصلي الصلاة الأولى في وقتها، ويؤخر الصلاة الثانية إلى حين دخول وقتها.
وإذا استمر السفر حتى دخل وقت الصلاة الثانية: فإن انقطع السفر قبل الشروع في الجمع، فإنه يجب عليه أن يصلي الصلاة الثانية بلا قصر؛ لارتفاع السفر، فوجوب الإتمام فهذا دليل على انقطاع الجمع لانقطاع علته.
وكونه يصلي الصلاة الأولى في وقت الثانية فلأنه لا سبيل له لتفادي ذلك، فتأخير الأولى كان بسبب مشروع وهو قيام السفر، وتحول وقت الصلاتين إلى وقت واحد.
ويبقى الاجتهاد: هل يصلي الأولى صلاة سفر، باعتبار أنها تفعل في غير وقتها، وقد كان الرجل في وقت الظهر مسافرًا.
أو يصليها أداء، باعتبار أن استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية جعلها تابعة للثانية، والصلاة الثانية تصلى أداء، فكذلك التابع.
وعلى أقل الأحوال إذا ترددنا في وجود علة القصر، فالأصل الإتمام.
وإذا نوى الإقامة بعد الفراغ من الأولى صحت الأولى قصرًا، لأنه زمن فعلها كان مسافرًا. وصلى الثانية تامة؛ لانقطاع السفر.
وإذا نوى الإقامة في أثناء الثانية وجب عليه إتمامها، وصحت الصلاة الأولى، وبطل الجمع؛ لأن علة الجمع السفر، وهو ينافي الإقامة، بخلاف ما لو كانت علة الجمع المطر، فإن الجمع لا يبطل؛ لأن الجمع في هذه الحالة لا ينافي الإقامة والله أعلم.
стр. 9858
المبحث الثاني في اشتراط استمرار المطر لصحة جمع التأخير
المدخل إلى المسألة:
الراجح أن المطر ليس من أسباب الجمع، فكل ما يقال في هذا المدخل هو بناء على القول المرجوح فيما أراه، والعلم عند الله .
الأصل أن كل حكم معلق على سبب لا يفعل إلا مع قيام سببه
انقطاع المطر قبل الشروع في الجمع رافع لحكم الجمع بهذا السبب، لا فرق فيه بين جمع التقديم والتأخير، ولا يمنع مشروعيته بسبب آخر، كالوحَل.
الشرط في جمع التأخير استمرار العذر إلى حين الشروع في الجمع، وليس إلى حين دخول وقت الثانية.
إذا انقطع المطر وظهر معه من الصحو ما يؤمن معه من عودة المطر، وكان ذلك قبل الشروع في جمع التأخير يجعل الصلاة الأولى في حكم الفائتة؛ لأنها تصلى في غير وقتها.
كونه معذورًا في تأخيرها لا يجعل صلاتها من قبيل الجمع بين الصلاتين لزوال سبب الجمع، كما لو أخرها بسبب نوم أو نسيان فإن صلاتها في وقت الثانية لا يأخذ حكم الجمع بين الصلاتين.
صلاة المصلي الأولى في وقت الثانية قد يأخذ حكم الجمع مع قيام سببه، وقد يأخذ حكم الفائتة مع انقطاع سبب الجمع.
[م-١١٠٩] هذه المسألة لا تتنزل إلا على مذهب الحنابلة والقديم عند الشافعية القائلين بجواز جمع التأخير في الحضر لعلة المطر.
стр. 9859
وقد منع المالكية والشافعية في الجديد جمع التأخير في الحضر بسبب المطر (١).
قال النووي: «ويجوز الجمع بالمطر تقديمًا، والجديد منعه تأخيرًا» (٢).
لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع فقد ينقطع، فيؤدي إلى إخراجها عن وقتها من غير عذر بخلاف السفر.
إذا وقفت على ذلك، فعلى القول بجواز جمع التأخير بسبب المطر، فهل يشترط استمرار المطر لصحة الجمع؟
فقيل: يصلي الأولى مع الثانية، سواء اتصل المطر إلى وقت الثانية أم انقطع، وهو القديم من مذهب الشافعية، واختاره العراقيون منهم (٣).
قال النووي: «إذا أراد الجمع في وقت الثانية، وجوزناه، فقال أصحابنا العراقيون: يصلي الأولى مع الثانية، سواء اتصل المطر إلى وقت الثانية أم انقطع قبل وقتها. هكذا صرح به المحاملي وآخرون من العراقيين، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا كلهم» (٤).
وجه القول بالجواز:
لأنه إذا أخر الصلاة فقد لزمه الجمع بالضرورة، فلا تتغير حاله.
وظاهر هذا التعليل أن المطر استمر إلى دخول وقت الثانية؛ لأنه لو انقطع في وقت الأولى لم يكن الجمع لازمًا بالضرورة.
وقال الحنابلة والبغوي من الشافعية: يشترط في جمع التأخير استمرار العذر
стр. 9860
المبيح للجمع إلى دخول وقت الثانية، فإن زال العذر قبل دخول وقت الثانية لزمه أن يصلي الأولى في وقتها، ولا يعتبر وجود العذر في وقت الثانية (١).
جاء في المجموع: «وقال البغوي: إذا انقطع قبل دخول وقت الثانية لم يجز الجمع بل يصلي الأولى في آخر وقتها كالمسافر إذا أخر بنية الجمع، ثم أقام قبل وقت الثانية. قال الرافعي: ومقتضى هذا أن يقال لو انقطع في وقت الثانية قبل فعلها امتنع الجمع، وصارت الأولى قضاء كما لو صار مقيمًا» (٢).
وجاء في المبدع: «ويشترط استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية … وظاهره: أنه لا يعتبر وجود العذر في وقت الثانية، لأنهما صارتا واجبتين في ذمته» (٣).
ويناقش:
فرق الحنابلة بين جمع التقديم وبين جمع التأخير، فاشترطوا في جمع التقديم استمرار العذر حتى يشرع في الثانية، واشترطوا في جمع التأخير استمرار العذر حتى يدخل وقت الثانية؛ لأنه بدخول وقت الثانية صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد من فعلهما.
والحق أنه لا فرق بينهما، فإذا انقطع المطر في جمع التأخير قبل الشروع في الجمع بطل الجمع، وكونه معذورًا في تأخيرها لا يجعل صلاتها من قبيل الجمع بين الصلاتين مع ارتفاع سبب الجمع، كما لو أخرها بسبب نوم أو نسيان فإن صلاتها في وقت الثانية لا يأخذ حكم الجمع بين الصلاتين
الراجح:
سبق أن رجحت أن الجمع لا يشرع في الحضر، راجع مسألة: الجمع بسبب المطر، والله أعلم.
стр. 9861
الشرط السادس في اشتراط الجمع في مسجد أو مكان مخصص للصلاة
المدخل إلى المسألة:
هذا المدخل بناء على القول بجواز الجمع للمطر، وهي مسألة خلافية، والراجح عدم الجمع، وهو مذهب التابعين من أهل الشام نقله الأوزاعي، ومذهب التابعين من أهل مصر نقله الليث، ومذهب التابعين من أهل العراق أخذوه عن ابن مسعود وأصحابه، وعنهم أخذ الحنفية، وهو رواية عن أحمد، ولا يوجد ما يخالفه عن أهل اليمن، ولا عن أهل مكة إلا ما يروى عن ابن عباس في حديثه المشكل والذي نقل الترمذي أن أهل العلم لم يعملوا به.
لا يعرف الجمع إلا عن ابن عمر في الجمع بين العشاءين خاصة إذا جمع الأمراء في الليلة المطيرة صلى خلفهم، وعنه أخذه أهل المدينة.
الجمع الوارد عن بعض أهل المدينة كان في العشاءين خاصة، فاحتُجَّ به على الظهرين، وكان في المطر، فاحتُجَّ به على الوحل والمرض والريح، والخوف، ومنهم من عممه على كل حاجة عامة أو خاصة، وكان في صلاة الجماعة في المسجد فاحتُجَّ به على صلاة المنفرد وفي البيت، والمنقول عن ابن عمر حكاية فعل، والفعل لا صيغة له فلا تقبل مثل هذا التعميم.
إذا صلى الناس في بيوتهم فلا جمع؛ لأنه لا حرج عليهم في إيقاع كل صلاة في وقتها.
لا يحفظ الجمع في البيوت في حديث ولا أثر، وقياسه على الجمع في المسجد على القول به قياس مع الفارق.
стр. 9862
إذا انتفت علة الجمع: (دفع أذى المطر وتحصيل الجماعة) انتفى الجمع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
القول بأن الرخصة إذا عمت أبيحت المقصود إذا أبيحت في محلٍ، فلو صلت المرأة في المسجد جمعت، وإن لم تكن من أهل الجماعة والمعتكف يجمع مع أهل المسجد، وإن كان لا يتأذى في المطر، بخلاف الرجل في بيته فلا يجمع؛ لأن المحل لم تبح فيه الرخصة حتى تعم.
إذا سقطت الجماعة بعذر المطر لم يبح الجمع في البيت؛ لأنه لا يجمع للرجل سقوط الجماعة بسبب المطر، وتقديم إحدى الصلاتين على وقتها أو تأخيرها عن وقتها بلا حاجة.
[م-١١١٠] إذا جمع أهل الحضر للمطر، فهل يشترط أن يكون الجمع في مسجد أو مصلى مخصص يقصد للصلاة؟
فقيل: الجمع يختص بالمسجد، ومثله المكان المقصود للصلاة، ولو لم يكن مسجدًا كالمصلى وهو مذهب المالكية والأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة اختاره ابن عقيل (١).
جاء في جامع ابن يونس: «قال مالك: يجمع أهل الحضر بين المغرب والعشاء في المساجد في المطر» (٢).
стр. 9863
وقال الخرشي: «إن الجماعة المنقطعين بمدرسة، أو تربة لا يجوز لهم الجمع؛ إذ لا حرج ولا مشقة عليهم؛ لعدم احتياجهم إلى الانصراف من مكانهم إلى غيره» (١).
فكان من شرط الجمع عند المالكية: وجود جماعة تخرج إلى مكان مقصود للصلاة، فيقع عليهم حرج في إيقاع كل صلاة في وقتها، فالجماعة إذا كان مصلاها ومحل سكناها متحدًا كما لو كانوا في بيت أو في مدرسة لا ينصرفون من محل سكناهم إلى محل صلاتهم لا يجوز لهم الجمع استقلالًا، ويجوز تبعًا اتفاقًا، فإن كان مكان صلاتهم مستقلًّا عن محل سكناهم جاز لهم الجمع استقلالًا، ولو لم يكن مسجدًا.
وجاء في أسنى المطالب: «إنما يباح الجمع بشروطه السابقة … لمن أراد أن يصلي جماعة في مكان مقصود لها من مسجد وغيره، فتعبيره بمكان أولى من تعبير أصله: بمسجد» (٢).
وقال ابن المقرئ الشافعي في روض الطالب: «لو صلى جماعة في بيته، أو مشى في كن .... فلا جمع» (٣).
وقال النووي: «والأظهر تخصيص الرخصة بالمصلي جماعة بمسجد بعيد يتأذى بالمطر في طريقه» (٤).
قال قليوبي: «ليس المسجد قيدًا، والمراد محل الجماعة» (٥).
стр. 9864
وقيل: يجوز الجمع مطلقًا في المسجد والبيت، وهو قول في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
وقيل: يجوز الجمع في بيته لمن خاف فوت مسجد أو جماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة، وقال المجد: هذا أصح (٢).
ومفهومه: أن من يجد مسجدًا يمكنه أن يصلي الثانية معهم، أو يجد جماعة ولو لم تكن في مسجد فلا يجمع في بيته منفردًا.
جاء في المبدع: «وقيل: إن كان يصلي الثانية جماعة في وقتها لم يجمع، وإلا جمع» (٣).
ومفهومه: لا يجوز الجمع للمرأة؛ لأنها لا تخاف فوت مسجد، ولا جماعة.
فتخلص من هذا الخلاف، أن الفقهاء على ثلاثة:
الأول: لا يجوز الجمع إلا في مسجد، أو في مكان مخصص للصلاة خارج محل سكناه.
الثاني: يجوز الجمع لمن يصلي في بيته، ولو منفردًا.
الثالث: لا يجمع في بيته إلا إذا ظن أنه لا يجد جماعة يصلي معهم الثانية في وقتها.
стр. 9865
دليل من قال: لا يجمع إلا في مسجد أو مكان مخصص يقصده للصلاة:
الدليل الأول:
لا يحفظ الجمع في البيوت في حديث ولا أثر، وقياسه على الجمع في المسجد على القول به قياس مع الفارق.
الدليل الثاني:
الجمع إنما شرع من أجل أمرين:
الأول: دفع أذى المطر عن طريق الجمع، فإذا صلى الناس في بيوتهم فلا حرج عليهم في إيقاع كل صلاة في وقتها.
الثاني: تحصيل فضل الجماعة بدلًا من الصلاة في البيوت.
قال المالكية: «من شرط الجمع الجماعة» (١).
فإذا انتفت علة الجمع: (دفع المشقة وتحصيل الجماعة) انتفى الجمع؛ لأن الحكم يدور مع علته، فما الفائدة من تقديم إحدى الصلاتين على وقتها، أو تأخيرها عن وقتها، وهم في البيوت؟
دليل من قال: يجوز الجمع في البيت مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٣٦) روى الإمام مسلم من طريق أبي الزبير، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ جمع إمامًا، وحجرته ملتصقة بالمسجد، ولها خوخة إليه، وهذا يدل على أن المشقة ليست شرطًا في حق كل مصلٍّ، وإذا كان هذا في حق النبي ﷺ وهو الإمام المطلق، فالناس تبع له، ولا يصح أن يقال: إن النبي ﷺ جمع تبعًا للناس،
стр. 9866
ويصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا؛ لأن هذا يجعل من المتبوع تابعًا.
ونوقش:
حديث ابن عباس سبق بحثه، وموقف الأئمة منه، وما اعترض عليه عند الكلام على بحث المطر، فارجع إليه، فالحنفية لم يأخذوا به جملة وتفصيلًا، والمالكية والحنابلة لم يأخذوا به في جمع الظهرين، والمالكية والشافعية لم يأخذوا بمقتضاه في جمع التأخير في المطر، ولا يرى الشافعية سببًا للجمع في غير السفر والمطر.
الدليل الثاني:
أن الرخصة إذا أبيحت عمت، فيباح الجمع حتى لمن يصلي في بيته قياسًا على الجمع في السفر، فإنه مباح، وإن انتفت فيه المشقة، وإن كان نازلًا.
ونوقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول:
قولكم: الرخصة إذا أبيحت عمت، لا نختلف حول هذه القاعدة، وإنما المقصود: إذا أبيحت في محل عمت، فلو صلت المرأة في المسجد جمعت، وإن لم تكن من أهل الجماعة؛ لأن الرخصة إذا أبيحت في المسجد عمت أهل المسجد، والمعتكف في المسجد يجمع مع أهل المسجد، وإن كان لا يتأذى في المطر؛ لأن الرخصة إذا أبيحت في محل عمت جميع الحاضرين، ولكن الرجل في بيته كيف يقال: إن الرخصة قد أبيحت، فالمحل لم تتوفر فيه إباحة الرخصة حتى تعم.
الوجه الثاني:
السؤال: متى تباح الرخصة حتى تعم، فالمخالف يدعي أن داعي إباحة الرخصة من دفع التأذي بالمطر، وتحصيل الجماعة لا يتوفر في الجمع بالبيت، هذا على القول بأن الجمع في الحضر مشروع.
الوجه الثالث:
كيف نجمع للرجل بين سقوط الجماعة عنه بعذر المطر وبين الجمع في البيت مع ما يلزم منه من تقديم إحدى الصلاتين على وقتها، أو تأخيرها عن وقتها بلا حاجة.
стр. 9867
الوجه الرابع:
تخريج الجمع في الحضر على الجمع في السفر لا يصح؛ لأن الجمع والفطر في السفر جائز، ولو لم يكن هناك مشقة، ولا يسوغ الجمع والفطر في الحضر إلا مع تحقق المشقة، فافترقا، ولو قيس الحضر على السفر لكان المريض أحق برخصة القصر من المسافر.
دليل من قال: يجمع الرجل في بيته إذا خاف فوات الصلاة الثانية جماعة:
هذا القول كأنه قائم على أن تحصيل الجماعة هو مدار الجمع والمنع.
فيباح له الجمع في المسجد تحصيلًا للجماعة.
ويمنع من الجمع في البيت إذا كان يمكنه أن يصلي الثانية جماعة في وقتها أيضًا من أجل تحصيل الجماعة. فإذا غلب على ظنه أنه لا يجد جماعة أذن له في الجمع في البيت، فغلَّب تحصيل الجماعة، ولو تعرض لأذى المطر.
ويناقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
بأن دفع الأذى أهم من تحصيل الجماعة، ذلك أن الأئمة الأربعة يتفقون على أن الجماعة تسقط بعذر المطر، ولا يتفقون على الجمع لتحصيل الجماعة: فمنهم من يمنع من الجمع للمطر مطلقًا، ومنهم يمنع منه في الظهرين، ومنهم من يمنع منه في جمع التأخير.
والأول هو المنقول عن أكثر التابعين نقله عن أهل الشام الليث بن سعد والأوزاعي، ونقله عن أهل مصر الليث بن سعد كما في رسالته للإمام مالك، وهو المنقول عن أهل العراق زمن التابعين، كما هو مروي عن ابن مسعود، وأصحابه، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، ولا يوجد ما يخالفه عن أهل اليمن، وأهل مكة إلا ما يروى عن ابن عباس.
والثاني: أعني منع الجمع في الظهرين هو مذهب مالك والإمام أحمد، وهو مروي عن عمل أهل المدينة، لفعل ابن عمر في الجمع في الليلة المطيرة خلف
стр. 9868
الأمراء، فكانوا إذا جمعوا جمع معهم، ولم ينكر عليهم، وقد تكلمت على دلالة ذلك على مشروعية الجمع في الجمع في المطر، فارجع إليه.
والثالث: أعني منع جمع التأخير للمطر هو مذهب المالكية والشافعية.
إذا وقفت على ذلك كيف يكون تحصيل الجماعة بالجمع أهم من دفع أذى المطر والذي هو سبب في سقوط الجماعة باتفاق الأئمة الأربعة.
الوجه الثاني:
أن هذا القول يلزم منه أن يكون الجمع في البيت مشروعًا للرجل دون المرأة، مع استوائهما في سقوط الجماعة عنهما، الرجل لفوات المسجد أو الجماعة، والمرأة لعدم وجوبها عليه، فإذا استويا في سقوط الجماعة، لماذا لا يستويا في الحكم؟ وهذا من غريب الفقه.
الراجح:
أن الجمع لا يشرع في الحضر، وسبق بيان ذلك في بحث الجمع في المطر.
وبهذه المسألة أختم مباحث المسائل المختارة من أحكم الجمع بين الصلاتين، ويليه إن شاء الله تعالى أحكام القصر، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
стр. 9869
كتاب في صلاة المسافر
تمهيد في تعريف السفر
هذه الشريعة الغراء نفى الله عنها الحرج، قال تعالى وهو أعلم بما شرع: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وإذا تعرض المكلف لأحوال توجب عليه زيادة التخفيف، خفف الله عنه، فوضع الله عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وأسقط عنه السنن الرواتب عدا سنة الفجر، وجوز له التنفل على الدابة أين ما توجهت به، وأباح له الفطر، وجعل مدة المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها بدلًا من يوم وليلة، وكل هذا من لطف الله بعباده، ومن رحمته بهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
وتأمل المؤكدات في هذه الجملة الخبرية فصدرها ب (إنَّ) المؤكدة، وأدخل اللام المؤكدة على الخبر فاقترن المؤكد بركني الجملة.
وجمع بين الرأفة والرحمة، و الرأفة أخص من الرحمة، فالرحمة تكون في الأمر المكروه للمصلحة، فالكي بالنار بقصد العلاج رحمة، ورأفة فيه.
والرأفة لا تكون في المكروه ولو كان فيه مصلحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
стр. 9870
تعريف السفر شرعًا (١):
السفر شرعًا: هو خروج الإنسان من عامر إقامته خروجًا مؤقتًا قاصدًا مكانًا يبعد مسافة يصح فيها قصر الصلاة ثم الرجوع إليه.
تضمن التعريف قيودًا معتبرة في السفر:
وقد اخترت كلمة (شرعًا) بدلًا من كلمة اصطلاحًا؛ لأن السفر الشرعي لا يستفاد من اللغة، فالسفر في اللغة: قطع المسافة، والسفور: هو الظهور، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. أي: ظهر، ومجرد الظهور من عامر القرية لا يعد سفرًا؛ لأن النبي ﷺ كان يخرج إلى قباء، ولم يكن يقصر الصلاة، فواضح أن الشرع جعل خروجًا خاصًّا إذا تحقق صدق عليه أنه مسافر، وكان له أن يترخص بأحكام السفر، وليس مطلق الخروج، وما دام أن هذا متلقى من الشرع، وأن هناك فرقًا بين السفر لغة والسفر شرعًا، فيكون السفر له حقيقة شرعية.
وسوف أعقد فصلًا خاصًّا إن شاء الله تعالى في بيان المسافة التي يصدق عليها شرعًا أنها سفر، وإنما المبحث هنا معقود لتعريف السفر.
وقولي: (أن يكون الخروج مؤقتًا)، هذا القيد احترازًا من مسألتين:
الأولى: أن المسافر لو نوى إقامة دائمة في محل سفره انقطع سفره بالإجماع، والنية كافية لقطع السفر، ولا يحتاج عملًا إلا أن يقطع النية في مكان لا يصلح للإقامة؛ كما لو نوى الإقامة وهو في عمق البحر، أو كان في مفازة، فلا تكفي النية لقطع السفر.
المسألة الثانية: لو نوى إقامة طويلة ثم العودة إلى بلده، فهل ينقطع سفره حكمًا، أو يبقى مسافرًا حتى يرجع؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء:
فمنهم من يعده مسافرًا حتى يرجع ما دام أنه لم يعزم على إقامة دائمة، فليس
стр. 9871
هناك قسمة إلا مسافر ومستوطن.
ومنهم من ضرب له مدة معينة يترخص فيها بأحكام السفر، فإذا نوى الإقامة أكثر منها امتنع من الترخص، على اختلاف بينهم في تحديد هذه المدة:
فمنهم من حددها بأربعة أيام بما فيها يوم الدخول والخروج.
ومنهم من حددها بأربعة أيام سوى يومي الدخول والخروج.
ومنهم من حددها بخمسة عشر يومًا، وبعضهم بتسعة عشر يومًا، إلى غير ذلك من الأقوال وسوف نأتي على بحثها إن شاء الله تعالى في فصل مستقل.
وقولي: (أن يقصد مكانًا يبعد مسافة يصح فيها قصر الصلاة).
هذا الوصف احتراز به من:
الأول: الهائم على وجهه دون أن يحدد جهة يقصدها، وهو ما يسميه الفقهاء راكب التعاسيف، فلا يقصر في قول الأئمة الأربعة؛ قال الحنفية: لعدم الضرورة.
وقال الشافعية: لأنه عابث، فلا يليق به الترخص (١).
قال المالكية: فلو قصر أساء، وصلاته صحيحة.
الثانية: لو قصد مكانًا قريبًا لم يترخص، فالفقهاء لا يعدون مجرد الخروج من المصر يبيح له القصر والفطر، على اختلاف بينهم في تحديد المسافة التي يباح للمسافر أن يترخص فيها.
وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة، وإنما المهم في هذا المبحث ضبط تعريف السفر، والله أعلم.
стр. 9872
الباب الأول في حكم القصر
المدخل إلى المسألة:
لو كان فرض المسافر القصر، لما وجب عليه الإتمام إذا صلى خلف المقيم، كالحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يجز له القصر إذا صلى خلف المسافر.
لو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة، في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تقصروا من الأربع.
حديث عائشة (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) ليس على ظاهره؛ لمعارضته ظاهر القرآن، ومخالفته حديث عمر بن الخطاب: (صدقة تصدق الله بها عليكم) يعني قصر الرباعية، ومخالفته حديث: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة).
هذه الأخبار أقوى في الحجة من خبر عائشة؛ لأنها أخبار نصًّا عن النبي ﷺ ، بخلاف قول عائشة فيحتمل أنه من فقهها وتأويلها؛ لكون عائشة قد خالفته فكانت تتم في السفر.
قول عروة بأن عائشة تأولت كما تأول عثمان لم يحكه عروة عن عائشة، ولا ذكر عروة وجه التأويل من قبله ولو بالاجتهاد، فأرسله مجملًا بلا تفسير، فما أغنى شيئًا.
إذا جازت الزيادة على الركعتين بأي تأويل شئت فهو يدل على أن قصر الصلاة في السفر ليس فرضًا لا يجوز مخالفته، كالزيادة على صلاة الصبح لا يسوغ تأويله بحال.
قال ابن عبد البر: قال قوم في إتمام عائشة أقاويل، ليس منها شيء يروى عنها، وإنما هي ظنون، وتأويلات، لا يصحبها دليل.
قال النبي ﷺ : (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر
стр. 9873
الصلاة .. ) الحديث، فلا يضع إلا ما كان ثابتًا قبل أن يضعه.
تخيير المسافر قبل الدخول في الصلاة خلف المقيم بين القصر والإتمام، لا يجعل أحدهما نفلًا، فالرجل قد يتخير بين غسل القدم وبين مسحه، وكلاهما فرض.
لو كان القصر فرضًا ما أتم عثمان ﵁، وهو مسافر.
لولا أن المسافر يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابع ابن مسعود عثمان؛ لأن المأموم لا يجوز له أن يتابع إمامه في فعل يعتقده مفسدًا لصلاته.
كون ابن مسعود عاب على عثمان الإتمام بمنى، واسترجع لفعله؛ فإنما كان ذلك من أجل مخالفته السنة.
لا يصح تخريج فعل ابن مسعود على جواز الصلاة خلف المخالف في الفروع؛ لأن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه.
[م-١١١١] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: القصر فرض، وهو مذهب الحنفية، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال إسماعيل القاضي وابن سحنون، ومال إليه ابن مواز من المالكية وبه قال الثوري، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 9874
قال الخطابي: «كان أكثر مذاهب علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعًا .... » (١).
وقيل: القصر لا يجوز، حكاه جماعة من المالكية (٢).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: القصر سنة، ويكره الإتمام فإن أتم استحب له إعادة الصلاة في الوقت، وهو أشهر الروايات عن الإمام مالك، والقول بالكراهة قول في مذهب الحنابلة، اختاره ابن تيمية، قال في الفروع: وهو أظهر (٣).
وقال الشافعية والحنابلة: القصر رخصة، ويجوز الإتمام بلا كراهة (٤).
стр. 9875
وقيل: لا يترخص إلا في سفر الطاعة: كالجهاد والحج والعمرة، وبه قال داود الظاهري، وهو مذهب طاوس وإبراهيم التيمي (١).
واختلفوا في الأفضل:
فقيل: القصر أفضل مطلقًا، وهو مذهب المالكية والحنابلة، نص عليه أحمد (٢).
وقيل: القصر أفضل إن وجد في نفسه كراهة القصر، أو بلغ سفره ثلاث مراحل، فإن كان سفره دون ذلك، أو كان ملاحًا يسافر في البحر بأهله، وكذا من لا وطن وأدام السفر برًّا فالإتمام أفضل، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: الإتمام أفضل وهو قول المزني. وقال الماوردي: وهو قول كثير من أصحابنا. قال القاضي أبو الطيب: نص عليه الشافعي في الجامع الكبير للمزني، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يخير بينهما من غير تقييد بالأفضل، اختاره أبو بكر الأبهري من