← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

هناك قسمة إلا مسافر ومستوطن. ومنهم من ضرب له مدة معينة يترخص فيها بأحكام السفر، فإذا نوى الإقامة أكثر منها امتنع من الترخص، على اختلاف بينهم في تحديد هذه المدة: فمنهم من حددها بأربعة أيام بما فيها يوم الدخول والخروج. ومنهم من حددها بأربعة أيام سوى يومي الدخول والخروج. ومنهم من حددها بخمسة عشر يومًا، وبعضهم بتسعة عشر يومًا، إلى غير ذلك من الأقوال وسوف نأتي على بحثها إن شاء الله تعالى في فصل مستقل. وقولي: (أن يقصد مكانًا يبعد مسافة يصح فيها قصر الصلاة). هذا الوصف احتراز به من: الأول: الهائم على وجهه دون أن يحدد جهة يقصدها، وهو ما يسميه الفقهاء راكب التعاسيف، فلا يقصر في قول الأئمة الأربعة؛ قال الحنفية: لعدم الضرورة. وقال الشافعية: لأنه عابث، فلا يليق به الترخص (١). قال المالكية: فلو قصر أساء، وصلاته صحيحة. الثانية: لو قصد مكانًا قريبًا لم يترخص، فالفقهاء لا يعدون مجرد الخروج من المصر يبيح له القصر والفطر، على اختلاف بينهم في تحديد المسافة التي يباح للمسافر أن يترخص فيها. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة، وإنما المهم في هذا المبحث ضبط تعريف السفر، والله أعلم.

стр. 9872

الباب الأول في حكم القصر المدخل إلى المسألة: لو كان فرض المسافر القصر، لما وجب عليه الإتمام إذا صلى خلف المقيم، كالحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يجز له القصر إذا صلى خلف المسافر. لو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة، في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تقصروا من الأربع. حديث عائشة (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) ليس على ظاهره؛ لمعارضته ظاهر القرآن، ومخالفته حديث عمر بن الخطاب: (صدقة تصدق الله بها عليكم) يعني قصر الرباعية، ومخالفته حديث: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة). هذه الأخبار أقوى في الحجة من خبر عائشة؛ لأنها أخبار نصًّا عن النبي ﷺ ، بخلاف قول عائشة فيحتمل أنه من فقهها وتأويلها؛ لكون عائشة قد خالفته فكانت تتم في السفر. قول عروة بأن عائشة تأولت كما تأول عثمان لم يحكه عروة عن عائشة، ولا ذكر عروة وجه التأويل من قبله ولو بالاجتهاد، فأرسله مجملًا بلا تفسير، فما أغنى شيئًا. إذا جازت الزيادة على الركعتين بأي تأويل شئت فهو يدل على أن قصر الصلاة في السفر ليس فرضًا لا يجوز مخالفته، كالزيادة على صلاة الصبح لا يسوغ تأويله بحال. قال ابن عبد البر: قال قوم في إتمام عائشة أقاويل، ليس منها شيء يروى عنها، وإنما هي ظنون، وتأويلات، لا يصحبها دليل. قال النبي ﷺ : (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر

стр. 9873

الصلاة .. ) الحديث، فلا يضع إلا ما كان ثابتًا قبل أن يضعه. تخيير المسافر قبل الدخول في الصلاة خلف المقيم بين القصر والإتمام، لا يجعل أحدهما نفلًا، فالرجل قد يتخير بين غسل القدم وبين مسحه، وكلاهما فرض. لو كان القصر فرضًا ما أتم عثمان ﵁، وهو مسافر. لولا أن المسافر يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابع ابن مسعود عثمان؛ لأن المأموم لا يجوز له أن يتابع إمامه في فعل يعتقده مفسدًا لصلاته. كون ابن مسعود عاب على عثمان الإتمام بمنى، واسترجع لفعله؛ فإنما كان ذلك من أجل مخالفته السنة. لا يصح تخريج فعل ابن مسعود على جواز الصلاة خلف المخالف في الفروع؛ لأن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه. [م-١١١١] اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: القصر فرض، وهو مذهب الحنفية، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال إسماعيل القاضي وابن سحنون، ومال إليه ابن مواز من المالكية وبه قال الثوري، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).

стр. 9874

قال الخطابي: «كان أكثر مذاهب علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعًا .... » (١). وقيل: القصر لا يجوز، حكاه جماعة من المالكية (٢). وهذان قولان متقابلان. وقيل: القصر سنة، ويكره الإتمام فإن أتم استحب له إعادة الصلاة في الوقت، وهو أشهر الروايات عن الإمام مالك، والقول بالكراهة قول في مذهب الحنابلة، اختاره ابن تيمية، قال في الفروع: وهو أظهر (٣). وقال الشافعية والحنابلة: القصر رخصة، ويجوز الإتمام بلا كراهة (٤).

стр. 9875

وقيل: لا يترخص إلا في سفر الطاعة: كالجهاد والحج والعمرة، وبه قال داود الظاهري، وهو مذهب طاوس وإبراهيم التيمي (١). واختلفوا في الأفضل: فقيل: القصر أفضل مطلقًا، وهو مذهب المالكية والحنابلة، نص عليه أحمد (٢). وقيل: القصر أفضل إن وجد في نفسه كراهة القصر، أو بلغ سفره ثلاث مراحل، فإن كان سفره دون ذلك، أو كان ملاحًا يسافر في البحر بأهله، وكذا من لا وطن وأدام السفر برًّا فالإتمام أفضل، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٣). وقيل: الإتمام أفضل وهو قول المزني. وقال الماوردي: وهو قول كثير من أصحابنا. قال القاضي أبو الطيب: نص عليه الشافعي في الجامع الكبير للمزني، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: يخير بينهما من غير تقييد بالأفضل، اختاره أبو بكر الأبهري من

стр. 9876

المالكية، وهو وجه في مذهب الشافعية (١). دليل من قال: القصر فرض: الدليل الأول: تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في السفر ركعتين، ولم ينقل عنه أحد من أصحابه قط أنه صلى في السفر أربعًا، ولو كان الإتمام جائزًا لفعل ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز. ويجاب: هذا الدليل حجة لمن قال: بأن القصر أفضل من الإتمام، وأما الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب. الدليل الثاني: (ح-٣٤٣٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢).

стр. 9877

(ح-٣٤٣٨) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب قال: صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمام وليس بقصر، على لسان النبي ﷺ (١). [منقطع، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر] (٢).

стр. 9878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9880

وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أما أثر عمر ﵁ فضعيف. وأما حديث عائشة فإنه معارض بظاهر حديث ابن عباس، والذي فيه: (أن الصلاة فرضت ابتداء أربع ركعات). (ح-٣٤٣٩) فقد روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. [روي موقوفًا ومرفوعًا والرفع محفوظ] (١).

стр. 9881

وقد جاءت أحاديث مرفوعة ومرسلة بمعنى حديث ابن عباس، ولا يصح منها شيء، من ذلك: (ح-٣٤٤٠) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن أبي مسعود قال: أتى جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: قم فصلِّ، وذاك لزوال الشمس حين قالت الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين كان ظله مثله، فقال: قم فصلِّ فصلى العصر أربعًا، ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: قم فصلِّ فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أتاه حين غاب الشفق، فقال: قم فصلِّ فصلى العشاء الآخرة أربعًا … الحديث (١). [منقطع، أبو بكر لم يسمعه من أبي مسعود] (٢). (ح-٣٤٤١) ومنها ما رواه ابن حبان من طريق حميد بن الربيع، قال: حدثنا محبوب بن الجهم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ أتاني جبريل حين طلع الفجر فقال: قم فصل، فصليت الفجر ركعتين، ثم أتاني حين زاغ النهار، فقال: قم فصل، فصليت الظهر أربع ركعات … فذكر حديث المواقيت بطوله نحو حديث ابن عباس. ومن طريق حميد بن الربيع أخرجه الدارقطني في السنن، إلا أن الدارقطني اختصر الحديث، فلم يذكر موضع الشاهد (٣). [ضعيف جدًّا] (٤).

стр. 9882

(ح-٣٤٤٢) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبي ﷺ من الليلة التي أسري به فيها لم يرعه إلا جبريل يتدلَّى حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، فأمر فصيح في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبي ﷺ وصلى النبي ﷺ ، طول للناس الركعتين الأوليين، ثم قَصَّرَ الباقيتين، ثم سلم جبريل على النبي ﷺ ، وسلم النبي ﷺ على الناس، ثم في العصر على مثل ذلك، ففعلوا كما فعلوا في الظهر … الحديث. [رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وروي موصولًا من حديث ابن عباس، والموصول أصح، إلا أنه ليس فيه عدد الركعات] (١). فهذا المرسل يدل على أن الصلاة فرضت أربع ركعات ابتداء. وله شاهد آخر مرسل مثله. (ح-٣٤٤٣) رواه أبو داود في المراسيل من طريق ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: لما جاء بهن رسول الله ﷺ إلى قومه، يعني الصلوات، خلى عنهن حتى إذا زال الشمس عن بطن السماء نودي فيهم الصلاة جامعة، فاجتمعوا لذلك، وفزعوا، فصلى بهم نبي الله ﷺ أربع ركعات لا يقرأ فيهن علانية، وجبريل بين يدي رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بين يدي الناس يقتدي الناس بنبيهم ﷺ ، ويقتدي نبي الله ﷺ بجبريل ﵇.

стр. 9883

[صحيح إلى الحسن إلا أنه مرسل، وروي عن قتادة، عن أنس موصولًا، ولا يصح] (١). ولا يصح في حديث إمامة جبريل ذكر عدد الركعات، لا في ذكر الركعتين، ولا في

стр. 9884

ذكر الأربع ركعات، وإنما تذكر أن جبريل صلى بالنبي ﷺ الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخر الوقت إلا المغرب فإنه صلاها في وقت واحد، وقال: الصلاة ما بين هذين، هذا هو المعروف في حديث إمامة جبريل، والله أعلم. ورد على هذا الجواب: أما الأحاديث الضعيفة، فلا حجة فيها، ويبقى الاجتهاد في التوفيق بين حديث ابن عباس وبين حديث عائشة. فمن حيث الإسناد، خبر عائشة أرجح من حديث ابن عباس، فهو من الأخبار المتفق عليها، وقد رواه صالح بن كيسان، والزهري، وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد، كلهم عن عروة، عن عائشة، وإن كان بعضهم يزيد على بعض في ألفاظه (١).

стр. 9885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9889

وأما خبر ابن عباس فهو من أفراد مسلم، رواه عن ابن عباس طاووس ومجاهد، ولم يروه عن مجاهد إلا بكير بن الأخنس (١).

стр. 9890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9891

وأجيب على هذا الرد: يشكل على حديث عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر، ولا يصح دفع مثل هذا بالقول: إن الحجة فيما روى الراوي فلا فيما رأى؛ لأن المسألة ليست اختلافًا في فهم الدلالة، فيقال: إن فهم الراوي ليس معصومًا؛ لأن دلالة خبر عائشة واضحة، تحريم الإتمام في السفر، وأن الزيادة على الركعتين في السفر كالزيادة

стр. 9892

على ركعتي الفجر، فكيف تقول عائشة الصلاة فرضت ركعتين في السفر ثم تترك العمل به مع وضوح دلالته، فما الذي حمل عائشة على الإتمام؟ قال ابن عبد البر: «وحسبك بتوهين ظاهر حديث عائشة، وخروجه عن ظاهره، مخالفتها له، وإجماع جمهور فقهاء المسلمين، أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم» (١). فواضح أن خبر عائشة ليس على ظاهره، فلو كانت ترى أن صلاة السفر فرضت ركعتين ما صح لها أن تتم في السفر؛ لأنه لا يمكن أن تتعمد إفساد صلاتها. والحنفية الذين كان معروفًا من قواعدهم تقديم رأي الراوي على روايته، وردوا أحاديث صحيحة لمخالفة الراوي لما روى، قائلين: هو أعلم بما روى، لم يأخذوا بإتمام عائشة. (ح-٣٤٤٤) وقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (٢). وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تصوم في السفر، وتصلي أربعًا، أو قال: تتم. [صحيح] (٣). وأما قول عروة بأنها تأولت فلم يحكه عروة عن عائشة، ولا يعرف وجهه إلا من طريقها؛ لأن ما قامت به مجرد فعل، وهي وحدها التي تملك تفسيره، ولا يثبت

стр. 9893

شيء عنها مسندًا يمكن الاعتماد عليه. ولا فسر عروة وجه التأويل ولو من اجتهاده، فأرسله مجملًا بلا تفسير، فما أغنى عنا شيئًا. ولعل تأويلها ما حكاه الشافعي في اختلاف الحديث، فقال: «لا أدري أتأولت أن لها أن تتم وتقصر، فاختارت القصر» (١). ولا يوجد تأويل يسوِّغ الزيادة على ما فرض الله إلا أن يقع سهوًا، كما أن الزيادة على صلاة الصبح لا يسوغ تأويله بحال، فكذلك هنا، وإذا جازت الزيادة على الركعتين بأي تأويل شئت فهو يدل على أن قصر الصلاة في السفر ليس فرضًا لا يجوز مخالفته، بل هو من الفرض المخير فيه، والتخيير لا ينافي الفرض، فالفرض تارة يكون معينًا، وتارة يكون مخيرًا، كما أنه تارة يكون موسعًا وتارة يكون مضيقًا، وجواز تأخير الموسع لا ينافي الفرضية، فكذلك التخيير بين القصر والإتمام فإذا اختار أحدهما كان فعله فرضًا. وعلى هذا التقدير يكون قول عائشة: (فرضت الصلاة ركعتين في السفر)، يعنى إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أن يكون فرضه أربعًا، فله ذلك. كالحاج إن شاء تعجل في يومين فكان ذلك فرضه، وإن شاء تأخر في ثلاثة أيام، ولا يقال: إن الرمي في اليوم الثالث من قبيل التطوع؛ لأنه قدر زائد على الفرض، وكون الاختيار جعل للحاج لا ينافي كونه فرضًا، فكذلك المسافر، ولو كان فرض المسافر ركعتين لم يكن له أن يجعلهما أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن يجعل ظهره مثنى وصلاة الفجر أربعًا، وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام، فهذا يدل أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير (٢). قال الشافعي في اختلاف الحديث في معنى حديث عائشة: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) قال: معناه: أن صلاة المسافر أقرت على ركعتين إن شاء، والدليل

стр. 9894

على أن هذا معناه عندها: أنها أتمت في السفر (١). وإتمام عثمان يختلف فهو لم يؤثر عنه أنه يرى وجوب القصر، ولا أن الزيادة على الركعتين زيادة على الفرض، فكان تركه للقصر دليلًا على عدم وجوبه عنده، بخلاف فعل عائشة. قال ابن عبد البر: «وقد قال قوم في إتمام عائشة أقاويل، ليس منها شيء يروى عنها، وإنما هي ظنون، وتأويلات، لا يصحبها دليل. قال ابن شهاب: تأولت ما تأول عثمان. وهذا ليس بجواب مُوعِبٍ، وأضعف ما قيل في ذلك: إنها أم المؤمنين، وإن الناس حيث كانوا بنوها، وكان منازلهم منازلها، وهذا أبعد ما قيل في ذلك من الصواب، لأنها إنما صارت أمًا للمؤمنين بزواجها من أبي المؤمنين ﷺ ، وإذا كانت أبوة النبي ﷺ للمؤمنين لا تمنعه من القصر فكان يقصر في أسفاره فكذلك لا تمنع أم المؤمنين ﵂» (٢). (ث-٨٩٢) وروى الطبري من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين. فقالت: إن رسول الله ﷺ كان في حرب، وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟ (٣). [تفرد به عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وفيه جهالة] (٤). وذكر أن عائشة أتمت في السفر لوجوه غير هذا، وأولاها بالصواب والله أعلم

стр. 9895

أنها علمت أن قصر النبي ﷺ من باب التيسير، فإن النبي ﷺ ما خير بين أمرين قط إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فأخذت هي في خاصتها بالإتمام؛ إذ كان مباحًا لها في التخيير الذي أذن الله فيه، فرأت أنه أكثر عملًا، وهذا ما رجحه ابن عبد البر (١). وقد قيل في إتمام عثمان وجوه كثيرة، لا يصح منها شيء، فمنها: الأول: أن عثمان ﵁ تأهل في مكة. (ح-٣٤٤٥) فقد روى الإمام أحمد من طريق عكرمة بن إبراهيم الباهلي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ قول: من تأهل في بلد فليصلّ صلاة المقيم (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 9896

الثاني: أن عثمان ﵁ نوى الإقامة بعد الحج، فانقطع حكم السفر. (ث-٨٩٣) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من خلافته، ثم صلاها أربعًا، قال الزهري: فبلغني، أن عثمان إنما صلاها أربعًا؛ لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج. [صحيح إلا ما رواه الزهري بلاغًا] (١). (ث-٨٩٤) وروى أبو داود من طريق ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا، قال: ثم أخذ به الأئمة بعده. [صحيح من قول الزهري، ولم يدرك عثمان، ولم يثبت شيء عن عثمان] (٢). الثالث: أن عثمان أتم خوفًا من الأعراب أن يعتقدوا أن الصلاة ثنائية: (ث-٨٩٥) روى أبو داود من طريق حماد، عن أيوب عن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عَامَئِذٍ، فصلى بالناس أربعًا؛ ليعلمهم أن الصلاة أربع. [لا يصح شيء عن عثمان] (٣).

стр. 9897

وهذا مع كونه لا يصح عن عثمان، فقد كان الأعراب في حجة الوداع خلف النبي ﷺ ، وهم أحدث عهد بالإسلام منهم في عهد عثمان ﵁، ومع ذلك لم يدع النبي ﷺ القصر. قال ابن عبد البر: «ولا يصح عندي منها إلا أنه اختار التمام؛ لعلمه بصحة تخيير المسافر بين القصر والتمام» (١). وقال النووي في شرحه على مسلم: «الصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزًا والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام» (٢). الجواب الثاني: أن حديث عائشة مرسل؛ إلا أن ذلك ليس بعلة، لأن مرسل الصحابي حجة على الصحيح؛ لعدالة الصحابة كلهم. جاء في فتح الباري: أجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره. وفي هذا الجواب نظر؛ أولًا: لأنه مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع. وثانيًا: على فرض أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة؛ لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابي آخر أدرك ذلك (٣). الجواب الثالث: القول بأن الصلاة فرضت ركعتين أي قبل فرض الصلوات الخمس. قال أبو إسحاق الحربي: «فرضت الصلاة بمكة قبل الإسراء ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخره، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس على ما هو معهود من صلاة المسلمين اليوم» (٤). قال بذلك بعض الحنفية، ونسب إلى المزني من الشافعية، وقال به من المالكية ابن يونس وابن حبيب، ومن الحنابلة تقدم أنه قول أبي إسحاق الحربي، وقال به من

стр. 9898

السلف قتادة، والحسن، ويحيى بن سلام (١). ونسبه ابن الملقن في شرح عمدة الأحكام إلى ابن عباس، ولم أقف عليه مسندًا (٢). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، قال: «كانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر … ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات» (٣). فكون الأربع حين قصرت أشبهت الصلاة بالفرض الأول في عدد ركعاتها، لا يعني ذلك نفيًا للقصر؛ لأن الظهر في الفرض الأول لم تكن مشروعة أصلًا، وكذلك العشاء بحسب هذا القول. ومن العلماء من أنكر أن تكون الظهر فرضت ركعتين، ثم تحولت إلى أربع. وحجته: أن الرباعية من الظهر والعصر والعشاء لو فرضت ركعتين ركعتين لنقل

стр. 9899

مثل ذلك نقلًا متواترًا مستفيضًا؛ لأن الصلاة من أعلام الدين المتكررة. قال أبو المعالي الجويني: «من زعم أن صلاة الإقامة كانت ركعتين ركعتين ثم زيد فيها فقد جحد الضرورة والبديهة؛ فإنا نعلم بالتواتر والنقل المستفيض أن النبي ﵊ كان يصلي الظهر في الحضر أربع ركعات، كما نعلم أنه كان يركع في كل ركعة ركوعًا. ومن أبدى في هذا المراء طرق القدح إلى نقل التواتر، فالأولى تضعيف الرواية أو نسبة رواتها إلى الوهم» (١). نقل هذا الكلام المازري عن أبي المعالي، ولم أقف عليه في كتبه المطبوعة، ولم يرتضيه المازري، وأجاب عنه بأن ما كان من الشريعة في أول الإِسلام، ثم طرأ عليه النسخ بعد قليل من العمل به، وألف الناس خلافه، واستمروا على الإضراب عنه، وحَرُم عليهم فعله، فإن الدواعي الباعثة على نقله قد فقدت. فلا يستنكر فيما هذا شأنه ذهابه واندراسه لعدم الحاجة إلى نقله. والحاجة إليه هي سبب توافر الدواعي عليه. فإذا استغني عنه فلا معنى للتشاغل بنقله. واستغرب المازري كيف يهجم أبو المعالي هذا الهجوم على خبر رواه مالك في موطئه. ورواه البخاري أيضًا في صحيحه، فإذا كذّب بخبر رواه مثل هؤلاء فما ظنك بمن سواهم؟ (٢). وثبوت الأثر عن عائشة شيء، والإشكال في دلالته شيء آخر، بدليل أنها أباحت لنفسها الإتمام في السفر، والإتمام مع اعتقاد وجوب القصر قولان متناقضان. الجواب الرابع: أن قول عائشة مخالف لظاهر القرآن، فحديث عائشة يدل على أن صلاة الحضر زيد فيها، وظاهر القرآن يدل على أن صلاة السفر وضع منها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وجه الاستدلال: قوله: (أن تقصروا من الصلاة) أي تقصروا من الأربع، كما دل عليه حديث

стр. 9900

يعلى بن أمية عن عمر في مسلم، وفيه قال عن القصر: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). وسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فدل على أن الأربع هي الأصل، فلو كانت صلاة السفر تمامًا غير قصر لم تكن مقصورة، بل كانت صلاة الحضر هي المزادة. وكلمة (من الصلاة) فإن (من) للتبعيض، فدل على أن المفعول بعض الصلاة، والمتروك بعضها أيضًا، وقد نفى الإثم على من قصر منها، وهو يدل على جواز القصر، وهذا كله ينافي أن تكون صلاة السفر قد فرضت ركعتين (١). الجواب الخامس: (ح-٣٤٤٦) روى النسائي من طريق وهيب بن خالد قال: حدثنا عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك -رجل منهم- أنه أتى النبي ﷺ بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي ﷺ : هلم إلى الغداء. فقال: إني صائم! فقال له النبي ﷺ : إن الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع (٢). [صحيح] (٣).

стр. 9901

وجه الاستدلال: إذا كان الله تعالى قد وضع عن المسافر شطر الصلاة، فلا يضع إلا ما كان ثابتًا قبل أن يضعه، ولذلك لا يصح أن يقال في صلاة الصبح: وضع عن المصلي شطر صلاة الصبح؛ لأنها شرعت هكذا ابتداء. وإذا كان وضع الصوم ليس واجبًا، فللمسافر أن يصوم، فكذلك الوضع من الصلاة ليس واجبًا، فللمسافر أن يتم، وجواز الصوم والإتمام ينافي كونهما فرضًا. الجواب السادس: لو كان فرض المسافر القصر لما جاز له الإتمام إذا صلى خلف مقيم، كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يجز له القصر إذا صلى خلف مسافر. ولأن الاقتداء بالإمام لا يسوغ الزيادة على القدر المفروض، كما لو قام الإمام إلى خامسة لم يصح متابعته مراعاة للاقتداء به. وسوف أورد اعتراض الحنفية على هذا الدليل، وأناقشه في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. دليل من قال: القصر رخصة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. وهذا يدل على أن القصر رخصة مخير بين فعله وتركه، كسائر الرخص، والآية دليل على أن القصر مباح، وليس بواجب، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.

стр. 9902

قال القاضي أبو يعلى: «دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ يستعمل في الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا بِإِحْسَانٍ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، فدل من هذا الوجه على أن القصر مباح، وليس بواجب. فإن قيل: هذه اللفظة قد تستعمل في الواجب؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ولا خلاف أن السعي واجب. قيل له: رفع الجناح عاد إلى ما اعتقده الصحابة ﵃ من التحرج لأجل الصنمين اللذين كانا هناك … » (١). واعترض: بأن الآية في قصر الخوف، وفعل الركعتين لا يشترط فيه الخوف. رد هذا الاعتراض: بما رواه يعلى بن أمية عن عمر ﵁ في صحيح مسلم، انظر لفظه في الدليل التالي إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (ح-٣٤٤٧) روى مسلم من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما

стр. 9903

عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته (١). وجه الاستدلال: دل النص القرآني على جواز القصر في السفر حال الخوف. ودلت السنة على جواز القصر في السفر حال الأمن؛ لقول النبي ﷺ : (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، على خلاف بين العلماء في الزيادة على النص أتعد نسخًا أم لا؟ والأصح أنها لا تعد نسخًا. ويحتمل الحديث أحد وجهين: أحدها: أن يكون الحكم متعلقًا بالخوف في بادئ الأمر، فلما زال الخوف أبقى الله حكم القصر على وجه التخفيف عن المسافر، فيكون هذا من الأحكام التي نيطت بسبب، ثم زال السبب وبقي الحكم، كالرمل، وعليه يدل حديث عمر بن الخطاب ﵁. الوجه الثاني: أن يكون ذكر الخوف في الآية قيد أغلبي لا مفهوم له، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله ﷺ ، وأكثرها لم يخلُ من الخوف، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] فخرج النهي على صفة السبب، وإن لم يكن شرطًا فيه؛ لأنهن كن يردن التحصن (٢). كما تضمنت الآية على أن القصر في الركعات، وليس في الصفات، وأن صلاة السفر مقصورة من الرباعية. وأن هذا الحديث معارض لقول عائشة: (فرضت الصلاة ركعتين) وأقوى في الحجة منه؛ لأنه أخبر به نصًّا عن النبي ﷺ ، بخلاف قول عائشة فيحتمل أنه من استنباطها وفقهها وتأويلها، لا سيما وقد خالفت ظاهره بما روي عنها من الإتمام (٣). وقوله ﷺ : (صدقة تصدق الله بها عليكم … ) فإذا لم نقبل الصدقة بقيت الأربع

стр. 9904

على أصل الوجوب، ولم تصر الركعتان نافلة، وهذا بخلاف ما ليس له حكم في الأصل، فإنه متى قيل فيما لا أصل له: إنه صدقة، كان ذلك إذنًا بجواز تركه بالكلية. وتعقب: بأن النبي ﷺ قال: (فاقبلوا صدقته) والأمر للإيجاب، وكل إحسانه إلينا صدقة علينا فإن لم نقبل ذلك هلكنا. ورد هذا: بأن القرينة الصارفة للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وجوب إتمام المسافر إذا صلى خلف مقيم. ولأن الحديث: (وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة) ومعلوم أن الفطر ليس بواجب، فكذلك القصر، وليس هذا من دلالة الاقتران كما يتصور البعض، بل هو من دلالة لفظ: (وضع) فإما أن يفيد الوجوب في جميع أفراده، أو يفيد الاستحباب فيها، أما أن يفيد الوجوب في أحدها، وفي الآخر الاستحباب، وهو لفظ واحد، فهذا تحكم بلا دليل، ولا يصح في الدلالة اللفظية. واعترض عليه: بأن الصيام لا إسقاط فيه، وإنما المكلف مخير بين التعجيل والتأخير، والرخصة في السفر إسقاط عدد، فكان ظاهر إسقاط الشرع ببعض العدد وجوب الاقتصار على الباقي منه؛ لأن العدول عن إيجاب الاقتصار لا يمكن إلا برد الإسقاط، وإسقاط الشرع لا سبيل إلى رده، وهذا المعنى المفرق بين إسقاط العدد والتقديم والتأخير. ورد هذا: بأن وجوب القضاء على المسافر لا يستفاد من حديث: (وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة) حتى يعترض على الاستدلال، وإنما استُفِيدَ القضاء من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والقول بأن الإسقاط لا سبيل إلى رده هذه دعوى في محل النزاع، فالحاج إذا تعجل فقد أسقط الرمي في اليوم الثالث إلى غير بدل، ولو أراد التأخر وجب عليه

стр. 9905

رمي اليوم الثالث، وكذلك القصر. الدليل الثالث: (ح-٣٤٤٨) روى النسائي من طريق أبي نعيم، قال: حدثنا العلاء بن زهير الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، قال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي (١). [تفرد به العلاء بن زهير، ولا يحتمل تفرده على اختلاف في إسناده ولفظه] (٢).

стр. 9906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9907

الدليل الرابع: قال الشافعي في الأم: «إجماع العامة على أن صلاة المسافرين أربع مع الإمام المقيم، ولو كان فرض صلاتهم ركعتين ما جاز لهم أن يصلوها أربعًا مع مقيم ولا غيره» (١). قال ابن عبد البر نقلًا من المغني: «وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع، دليل واضح على أن القصر رخصة؛ إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال» (٢). ورد هذا بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن حكاية الإجماع لا تصح، فالخلاف محفوظ، فقد خالف في ذلك طاوس، وتميم بن حذلم، والشعبي، وابن المنذر، وابن حزم (٣).

стр. 9908

الجواب الثاني: لا يمتنع أن يكون المسافر فرضه القصر، فإذا ائتم بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم، كالعبد والمرأة فرضهما أربع، فإذا صليا الجمعة خلف الإمام صار فرضهما ركعتين. ورد هذا: بأن الانتقال من الظهر إلى الجمعة انتقال من فرض إلى فرض آخر، فلا تصح صلاة الجمعة بنية الظهر، وأما الانتقال من القصر إلى الإتمام لا يقال: انتقل من فرض إلى آخر، فالفرض واحد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سقوط الجمعة عن المرأة والعبد إنما كان لحق الزوج والسيد، فإذا حضرا دخلا في الخطاب، كالمريض والمسافر إذا حضرا الجمعة. الجواب الثالث: قال الحنفية: إن الركعتين المزيدتين في حكم النافلة؛ لأن من تركهما لم يأثم. وكل ما يجوز تركه إلى غير بدل من غير مأثم فليس بواجب. وهذا يجعل الركعتين ليستا بواجبتين، أي بمعنى النفل، فإذا صلى أربع ركعات، فإن جلس للتشهد الأول ولو لم يسلم فقد تمت صلاته، وأجزأته الركعتان الأوليان، وما زاد فهو نافلة، وإن لم يجلس للتشهد بطلت الصلاة؛ لإدخاله النافلة على التطوع قبل إتمامها. ولأن التخيير بين أقل الشيء وكثيره مع اعتقاد أن كليهما فرض لا يمكن؛ لأن الأول حاصل على كل حال، والزيادة لا معنى لها، ولو جرى هذا في حقوق العباد لعد مختار الفرض الأثقل مع جواز الاقتصار على الفرض الأقل خارجًا عن الحكمة، وحقوق الله مبنية على الحكمة، فلا معنى للتخيير بين الأقل والأكثر. ورد هذا: سبق أن ذكرت أن الحاج قد يتخير بين أقل الشيء وأكثره، كالتعجل في يومين والتأخر في ثلاثة أيام في رمي الجمارات، فالحاج قد يختار الفرض الأثقل مع جواز الاقتصار على الفرض الأقل، وكون الرمي في اليوم الثالث عشر يجوز تركه إلى غير بدل لا يعني عدم وجوبه إذا تأخر الحاج. ولأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾

стр. 9909

[النساء: ١٠١]. واضح أن الآية نزلت بعد زيادة صلاة الحضر؛ فلو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة، كما أن صلاة الصبح لما كان أصل الفرض فيها ركعتين لا توصف بأنها مقصورة. فكان القصر متوجهًا للرباعية، فإذا صلى المسافر أربعًا لم تكن الركعتان الأخيرتان مزيدتين، بل أبقى على أصل الصلاة غير مقصورة. وحقيقة القصر إسقاط من الأصل، فكان اختيار المسافر ركعتين قصرًا حقيقة؛ لأنه حذف من صلاة الحضر شطرها، فلا يكون الإتمام زيادة في صلاة المسافر بل تركًا للقصر، وتمسكًا بالأصل المفهوم من قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقد اعتبرت السنة أن إسقاط الركعتين صدقة تصدق الله بها علينا، فإذا لم يأخذ العبد بالصدقة، وأخذ بالعزيمة، فقد تمسك بالأصل، ولا يقال: إنه زاد ركعتين على صلاته حتى يمكن احتسابها نافلة. ولأن التطوع عندهم يجوز تركه إلى غير بدل، وإذا اقتدى المسافر بمقيم صارت الأربع كلها واجبة، والواجب ينافي التطوع. قال الخطابي في معالم السنن: «وأما قول أصحاب الرأي أن الركعتين الأخريين تطوع فإنهم يوجبونها على المأموم، والتطوع لا يجبر عليه أحد، فدل على أن ذلك من صلب صلاته» (١). وقولكم: إن المسافر قبل الدخول في صلاة المقيم يتخير، إن شاء صلى ركعتين وحده، وإن شاء صلى أربعًا، وهذا حد النفل، وبعد الدخول في صلاة المقيم لا خيار له. وهذا دفع ضعيف؛ لأمرين: الأمر الأول: أن التخير قبل الدخول في صلاة المقيم بين فرضين لا يجعل أحدهما نفلًا، فالرجل قد يتخير بين غسل القدم وبين مسحه، وكلاهما فرض. الأمر الثاني: القول بأنه إذا دخل في صلاة المقيم فلا خيار له مع القول بأن الركعتين نفل غير مستقيم؛ لأنه لم يشرع في النفل بمجرد الدخول في الفرض حتى

стр. 9910

يتنزل عليه الخلاف في النفل أيجب بالشروع أم لا؟ فهو لا يشرع في النفل قبل إتمام الفرض، فلو أراد السلام من ركعتين بطل فرضه مع أنه لم يشرع في النافلة، ولو قام الإمام في الفريضة لخامسة حرم عليه متابعته ولو نوى بها التطوع. ثم إن بناء النفل على تحريمة الفريضة لا يعرف في الشرع، فكل صلاة لها تحريم وتحليل، فتكبيرة الإحرام دخل بها الفريضة، فكيف تحريمة واحدة يبني عليها صلاتين إحداهما فرض والأخرى تطوع دون أن يتخللهما تحلل. الدليل الخامس: (ح-٣٤٤٩) روى الدارقطني من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمرو بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم (١). [الصحيح عن عائشة الإتمام موقوفًا عليها، (قال عروة: تأولت كما تأول عثمان) ولو كان عندها سنة مرفوعة لم يحمل فعلها على التأويل] (٢).
следующие страницы →