الدليل الرابع:
قال الشافعي في الأم: «إجماع العامة على أن صلاة المسافرين أربع مع الإمام المقيم، ولو كان فرض صلاتهم ركعتين ما جاز لهم أن يصلوها أربعًا مع مقيم ولا غيره» (١).
قال ابن عبد البر نقلًا من المغني: «وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع، دليل واضح على أن القصر رخصة؛ إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال» (٢).
ورد هذا بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن حكاية الإجماع لا تصح، فالخلاف محفوظ، فقد خالف في ذلك طاوس، وتميم بن حذلم، والشعبي، وابن المنذر، وابن حزم (٣).
стр. 9908
الجواب الثاني:
لا يمتنع أن يكون المسافر فرضه القصر، فإذا ائتم بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم، كالعبد والمرأة فرضهما أربع، فإذا صليا الجمعة خلف الإمام صار فرضهما ركعتين.
ورد هذا:
بأن الانتقال من الظهر إلى الجمعة انتقال من فرض إلى فرض آخر، فلا تصح صلاة الجمعة بنية الظهر، وأما الانتقال من القصر إلى الإتمام لا يقال: انتقل من فرض إلى آخر، فالفرض واحد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سقوط الجمعة عن المرأة والعبد إنما كان لحق الزوج والسيد، فإذا حضرا دخلا في الخطاب، كالمريض والمسافر إذا حضرا الجمعة.
الجواب الثالث:
قال الحنفية: إن الركعتين المزيدتين في حكم النافلة؛ لأن من تركهما لم يأثم. وكل ما يجوز تركه إلى غير بدل من غير مأثم فليس بواجب. وهذا يجعل الركعتين ليستا بواجبتين، أي بمعنى النفل، فإذا صلى أربع ركعات، فإن جلس للتشهد الأول ولو لم يسلم فقد تمت صلاته، وأجزأته الركعتان الأوليان، وما زاد فهو نافلة، وإن لم يجلس للتشهد بطلت الصلاة؛ لإدخاله النافلة على التطوع قبل إتمامها.
ولأن التخيير بين أقل الشيء وكثيره مع اعتقاد أن كليهما فرض لا يمكن؛ لأن الأول حاصل على كل حال، والزيادة لا معنى لها، ولو جرى هذا في حقوق العباد لعد مختار الفرض الأثقل مع جواز الاقتصار على الفرض الأقل خارجًا عن الحكمة، وحقوق الله مبنية على الحكمة، فلا معنى للتخيير بين الأقل والأكثر.
ورد هذا:
سبق أن ذكرت أن الحاج قد يتخير بين أقل الشيء وأكثره، كالتعجل في يومين والتأخر في ثلاثة أيام في رمي الجمارات، فالحاج قد يختار الفرض الأثقل مع جواز الاقتصار على الفرض الأقل، وكون الرمي في اليوم الثالث عشر يجوز تركه إلى غير بدل لا يعني عدم وجوبه إذا تأخر الحاج.
ولأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾
стр. 9909
[النساء: ١٠١]. واضح أن الآية نزلت بعد زيادة صلاة الحضر؛ فلو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة، كما أن صلاة الصبح لما كان أصل الفرض فيها ركعتين لا توصف بأنها مقصورة.
فكان القصر متوجهًا للرباعية، فإذا صلى المسافر أربعًا لم تكن الركعتان الأخيرتان مزيدتين، بل أبقى على أصل الصلاة غير مقصورة.
وحقيقة القصر إسقاط من الأصل، فكان اختيار المسافر ركعتين قصرًا حقيقة؛ لأنه حذف من صلاة الحضر شطرها، فلا يكون الإتمام زيادة في صلاة المسافر بل تركًا للقصر، وتمسكًا بالأصل المفهوم من قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
وقد اعتبرت السنة أن إسقاط الركعتين صدقة تصدق الله بها علينا، فإذا لم يأخذ العبد بالصدقة، وأخذ بالعزيمة، فقد تمسك بالأصل، ولا يقال: إنه زاد ركعتين على صلاته حتى يمكن احتسابها نافلة.
ولأن التطوع عندهم يجوز تركه إلى غير بدل، وإذا اقتدى المسافر بمقيم صارت الأربع كلها واجبة، والواجب ينافي التطوع.
قال الخطابي في معالم السنن: «وأما قول أصحاب الرأي أن الركعتين الأخريين تطوع فإنهم يوجبونها على المأموم، والتطوع لا يجبر عليه أحد، فدل على أن ذلك من صلب صلاته» (١).
وقولكم: إن المسافر قبل الدخول في صلاة المقيم يتخير، إن شاء صلى ركعتين وحده، وإن شاء صلى أربعًا، وهذا حد النفل، وبعد الدخول في صلاة المقيم لا خيار له.
وهذا دفع ضعيف؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن التخير قبل الدخول في صلاة المقيم بين فرضين لا يجعل أحدهما نفلًا، فالرجل قد يتخير بين غسل القدم وبين مسحه، وكلاهما فرض.
الأمر الثاني: القول بأنه إذا دخل في صلاة المقيم فلا خيار له مع القول بأن الركعتين نفل غير مستقيم؛ لأنه لم يشرع في النفل بمجرد الدخول في الفرض حتى
стр. 9910
يتنزل عليه الخلاف في النفل أيجب بالشروع أم لا؟ فهو لا يشرع في النفل قبل إتمام الفرض، فلو أراد السلام من ركعتين بطل فرضه مع أنه لم يشرع في النافلة، ولو قام الإمام في الفريضة لخامسة حرم عليه متابعته ولو نوى بها التطوع.
ثم إن بناء النفل على تحريمة الفريضة لا يعرف في الشرع، فكل صلاة لها تحريم وتحليل، فتكبيرة الإحرام دخل بها الفريضة، فكيف تحريمة واحدة يبني عليها صلاتين إحداهما فرض والأخرى تطوع دون أن يتخللهما تحلل.
الدليل الخامس:
(ح-٣٤٤٩) روى الدارقطني من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمرو بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح،
عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم (١).
[الصحيح عن عائشة الإتمام موقوفًا عليها، (قال عروة: تأولت كما تأول عثمان) ولو كان عندها سنة مرفوعة لم يحمل فعلها على التأويل] (٢).
الدليل السادس:
(ث-٨٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش قال: حدثنا إبراهيم قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول:
صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله
стр. 9913
ابن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (١).
وقد روي من طرق خارج الصحيحين، أن ابن مسعود ﵁ لما صلى أتم كراهة مخالفة عثمان ﵁، من ذلك:
روى أبو داود، من طريق الأعمش، حدثني معاوية بن قرة، عن أشياخه، أن عبد الله صلى أربعًا، قال: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر (٢).
وروى أبو محمد الفاكهي ومن طريقه ابن بشران في أماليه، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي يحيى بن أبي مسرة، حدثنا خلَّاد بن يحيى، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد منى فقال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا، فصلى أربعًا، قال: فقلنا: ألم تحدثنا أن النبي ﷺ صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ فقال: بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إمامًا، فما أخالفه، والخلاف شر (٣).
وقد روى الطبري من طريق حكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن قرة أبي معاوية، قال: جاء ابن مسعود في زمن عثمان فقال: كم صلى عثمان بمنى؟ فقالوا: أربعًا. فقال عبد الله كلمة، ثم تقدم فصلى أربعًا، فقالوا: عِبْتَ عليه، ثم صليتَ كما صلى؟ فقال: أما إني قد صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ركعتين، ولكن الخلاف شر (٤).
(ث-٨٩٧) وروى عبد الرزاق، عن معمر،
стр. 9914
عن قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع، ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر (١).
[سبق تخريج هذه الطرق] (٢).
وجه الاستدلال:
لو كان القصر فرضًا ما أتم عثمان ﵁، وهو مسافر، وكون ابن مسعود عاب على عثمان الإتمام بمنى، واسترجع لفعله؛ فإنما كان ذلك من أجل مخالفته السنة، وترك التأسي بالنبي ﷺ وبأبي بكر وعمر، ولولا أن المسافر يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابع ابن مسعود عثمان، لأن المأموم لا يجوز له أن يتابع إمامه في فعل يعتقده مفسدًا لصلاته، كما لو قام الإمام إلى ركعة خامسة. ولا يصح تخريج فعل ابن مسعود على جواز الصلاة خلف المخالف في الفروع؛ لأن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه كما وضح ذلك من الآثار السابقة.
وله شاهد من فعل ابن عمر وسلمان وسعد بن أبي وقاص ﵃:
(ث-٨٩٨) فقد روى مسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٣).
[سبق تخريجه] (٤).
(ث-٨٩٩) وروى عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن أبي ليلى الكندي، قال: أقبل سلمان في اثني عشر راكبًا، أو ثلاثة عشر راكبًا
стр. 9915
من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما حضرت الصلاة، قالوا: تقدم يا أبا عبد الله، قال: إنا لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله هدانا بكم، قال: فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات، فلما سلم، قال سلمان: ما لنا وللمربعة! إنما كان يكفينا نصف المربعة، ونحن إلى الرخصة أحوج. قال عبد الرزاق: يعني: في السفر (١).
[صحيح واعتبر القصر رخصة] (٢).
وقد رأى سلمان ﵁ أن ذلك يجزئ عنه، فما أعاد صلاته، ولا أمر أحدًا بالإعادة.
(ث-٩٠٠) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج،
عن عطاء، قال: لا أعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يُوفِي الصلاة في السفر إلا سعد بن أبي وقاص قال: وكانت عائشة توفي الصلاة في السفر وتصوم، قال: وسافر سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي ﷺ فأوفى سعد الصلاة وصام، وقصر القوم وأفطروا، فقالوا لسعد: كيف نفطر ونقصر وأنت تتمها وتصوم؟ قال: دونكم أمركم؛ فإني أعلم بشأني، قال: فلم يحرمه عليهم سعد ولم ينههم عنه.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: فأي ذلك أحب إليك؟ قال: قصرها، وكل ذلك قد فعل الصالحون والأخيار (٣).
[صحيح].
دليل من قال: لا يقصر إلا في سفر الطاعة:
الدليل الأول:
قالوا: إن القصر في كتاب الله ليس فيه إلا قصر المسافر إذا خاف أن يفتنه الذين
стр. 9916
كفروا، وهذا سفر الجهاد.
وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر في حجه وعمرته وغزواته، فثبت جواز هذا. والأصل في الصلاة الإتمام، فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة.
ونوقش هذا:
علة القصر هو السفر، ولو صح أن النبي ﷺ سافر سفرًا مباحًا فترك القصر لصح الاستدلال بالفعل، وإذا لم يحفظ أن النبي ﷺ قد ضرب في الأرض لأمر مباح فترك القصر لم يصح الاستدلال بما وقع وفاقًا، فلو كانت الطاعة شرطًا في استباحة القصر لجاء ذلك في النصوص صريحًا.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
والضرب في الأرض مطلق، لا فرق فيه بين المباح والطاعة.
الدليل الثاني:
(ث-٩٠١) روى الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، قال: ثنا سليمان، عن عمارة بن عمير،
عن الأسود، قال: كان عبد الله لا يرى التقصير إلا لحاج، أو معتمر، أو مجاهد.
[صحيح وهذا الإسناد حسن رجاله ثقات إلا أبا بكرة فإنه صدوق] (١).
стр. 9917
ويجاب عن هذا:
بأن هذا معارض بفعل ابن عمر وابن عباس.
(ث-٩٠٢) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة إلى مال له بخيبر يطالعه.
[صحيح] (١).
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء،
[صحيح] (٢).
دليل من قال: القصر أفضل والإتمام مكروه:
استدلوا بمجموع أدلة الفريقين:
فاستدلوا بأدلة من قال: القصر رخصة على نفي وجوب القصر.
وحملوا أدلة الحنفية على استحباب القصر، وليس على وجوبه.
وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في السفر ركعتين، ولم يحفظ عنه أنه صلى في السفر أربعًا، ولما كان هذا من السنة الفعلية دل على الاستحباب، ولم يبلغ الوجوب.
ولم يأت في النصوص الشرعية نهي عن الإتمام في السفر، وقد وجب على المسافر الإتمام إذا صلى خلف المقيم، فدل على أن القصر ليس فرضًا.
دليل من قال: الإتمام أفضل:
هؤلاء حملوا قصر النبي ﷺ على أنه من باب التيسير، فالنبي ﷺ كما صح عنه من حديث عائشة: أنه ما خير بين أمرين قط إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٣)، والإتمام أخذ بالعزيمة، ولأنه أكثر عملًا.
стр. 9918
ويجاب:
أما الجواب عن قولهم: إن النبي ﷺ اختار القصر، وهو مفضول؛ لكونه من باب التيسير، لو كان ذلك كذلك لما حافظ النبي ﷺ على القصر طيلة أسفاره؛ لأن النبي ﷺ لا يترك الأفضل دائمًا، فلما لازم القصر في كل أسفاره علم أن القصر هو الأفضل، ولو سلمنا أنه اختار ذلك من باب التيسير، فالتيسير ليس مفضولًا إذا وافق ذلك اختيار النبي ﷺ ولازمه في أسفاره.
وأما الجواب عن دعوى أن الإتمام أكثر عملًا: فقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
فالابتلاء على الأحسن وليس على الأكثر، وموافقة فعل النبي ﷺ هو موافقة للسنة، وموافقة السنة لا يعدلها شيء.
قال تعالى: ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
الراجح:
أن القصر سنة، والإتمام مكروه، وهو قول جماهير العلماء.
قال الخطابي: والأولى أن يقصر المسافر الصلاة؛ لأنهم أجمعوا على جوازها، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مقدم على الاختلاف (١). والله أعلم.
стр. 9919
الباب الثاني في شروط القصر
الشرط الأول أن يقصد مسافة يسوغ فيها القصر
المدخل إلى المسألة:
القول بأن السفر في النصوص مطلق لم يرد له حدٌّ في الشرع من حيث الزمن، ولا من حيث المسافة غير صحيح، وإن اشتهر القول به.
السنة الصحيحة وعمل الصحابة يقيد مطلق القرآن ويخصص عمومه، ومنه لفظ الضرب في الأرض الوارد في الكتاب العزيز.
حديث ابن عباس: (لا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم) مطلق، والمطلق من النصوص محمول على المقيد، وهذه الطريقة من الاستدلال متفق عليها عند الأصوليين والفقهاء.
مجرد خروج المرأة من البلد لا يسمى سفرًا شرعًا، فدل على جواز خروج المرأة بلا محرم بما لا يصدق عليه أنه سفر إذا أمنت الفتنة وخلا من خلوة محرمة.
قال النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)، قال الإمام البخاري: سمى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا.
هذا الحديث من حد السفر بالزمن، ومعلوم لدى الصحابة ماذا يقطع المسافر في اليوم التام من المسافة.
النبي ﷺ جاء لبيان الشرعيات، وليس لبيان اللغويات، فقطع مسافة في يوم وليلة هو سفر شرعي بنص السنة المتفق على صحتها، وآثار الصحابة.
لم يأت في النصوص المرفوعة الصحيحة إطلاق السفر على ما هو أقل من يوم وليلة.
стр. 9920
لا يصح الاعتراض على الحديث بأنه ورد في النصوص نهي المرأة عن السفر يومين وفي رواية: ثلاثة بلا محرم؛ لأنه إذا صح إطلاق السفر على اليوم التام فمن باب أولى إطلاق السفر على ما زاد عليه.
مفهوم حديث: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام أو يومين) يدل على جواز السفر فيما دون ذلك، والاحتجاج بالمفهوم ليس حجة عند الحنفية مطلقًا، وليس حجة عند الجمهور إذا عارض المنطوق، وقد عارض منطوق رواية الصحيحين: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)، فالمنطوق مقدم على المفهوم.
ما جاء من التحديد بالبريد له علتان: إحداهما: تفرد سهيل بن أبي صالح عن سعيد المقبري بهذا اللفظ، وليس له من الرواية عن سعيد إلا هذا الحديث. والعلة الثانية: مخالفته للإمام مالك وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، حيث رووه عن سعيد المقبري، وقيدوا السفر باليوم، وكل واحدٍ منهم مقدم على سهيل.
صح عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: تقصر الصلاة في اليوم التام، زاد ابن عباس: ولا تقصر فيما دون ذلك، وهذا من حد السفر بالزمن، وهو موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين، وقد قال به الإمام مالك وأحمد، وهو يخصص مطلق الضرب في الأرض المذكور في القرآن.
قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام، وبهذا نأخذ.
تقدير السير بالمسافة راجع إلى تقدير السير بالزمن؛ لأن العرب تعرف المسافة بمقدار الزمن الذي تسيره به الإبل المحملة، وقد قدر ابن تيمية والنووي البريد بمسيرة نصف يوم، وهو من تقدير المسافة بالزمن.
وأما حدُّ السفر بالمسافة، فصح عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهما يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا.
ما روي عنهما مما يخالفه إما منكر؛ لأنه من رواية الضعيف، وإما شاذ؛ لأنه من رواية أهل الكوفة عن ابن عمر، ولا يقدم على رواية أهل المدينة عنه،
стр. 9921
خاصة ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر، وقد أخذ به الجمهور كالإمام أحمد ومالك والشافعي، ولم يلتفتوا إلى ما يخالفه من الرواية الضعيفة والشاذة.
ما ورد عن بعض الصحابة مما يخالف ما صح عن ابن عمر وابن عباس لا يصح إلا ما ورد عن حذيفة في أحد قوليه، ويلزم منه ترك القصر في مسافة تقدر بثلاثة أيام، ولا قائل به غيره.
تقدير مسافة السفر بالسير يومًا تامًّا لا يخالف التقدير بالمسافة بأربعة برد.
روى الزهري، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قصر الصلاة، وكان ذلك مسيرة يوم تام، أو أربعة برد.
قال الإمام أحمد كما في مسائل ابن هانئ: مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، في مسيرة اليوم التام.
جاء في أحكام القرآن للطحاوي: قال بعضهم: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد، ومقدار ذلك مسيرة اليوم التام، وهو قول مالك ﵀، وقد روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس.
تحديد السفر بالزمن ثابت بالنص مرفوعًا وموقوفًا بالسير باليوم التام، وتحديده بالمسافة ثابت بالآثار عن ابن عباس وابن عمر، وهما كافيان في رد دعوى أن السفر في النصوص مطلق، لم يقدر بشيء.
إذا أطلق تحديد السفر باليوم دون وصفه بالتام، قُدِّر التحديد فيه بمسيرة يومين، وإذا أطلق التحديد باليوم التام، فيقصد به يومًا وليلة، كما جاء ذلك نصًّا في حديث أبي هريرة المرفوع، وأثر ابن عمر وابن عباس، وهو يعدل سير اليومين إذا لم يوصفا بالتامَّين، وكلاهما يعدلان أربعة برد، وكلها ترجع إلى قول واحد.
لا يصح الاعتراض على السير في اليوم التام بأن الناس لا يسيرون يومًا وليلة، فلا بد من راحة للأكل والشرب والصلاة والنوم؛ لأن المسألة مفروضة في تقدير مسافة ما يقطعه المسافر لو أنه سار يومه وليلته، ولا يلزم منه أن يسير يومه وليلته.
القول بأن العرب وقت التشريع لا يعرفون مساحة الأرض غير صحيح، فكيف دخل إلى لغتهم لفظ البريد والفرسخ، والميل، وكيف نقل التابعون
стр. 9922
القصر بالمساحة عن ابن عباس وابن عمر، وروى مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، فلا يقال: كيف عرف نافع المسافة، وليس معه آلة يمسح بها الأرض؟
الرجوع إلى عرف الناس في معرفة ما يسمى سفرًا، وإن كان يبدو للناظر أنه قوي جدًّا إلا أنك لا تعرف هذا القول مأثورًا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا قال به أحد من الأئمة الأربعة، وأول من قال به شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
تعليق الأمر بالعرف في معرفة ما يعد سفرًا مع سعة البلاد وكثرة العباد يؤدي إلى التلاعب في ركنين من أركان الإسلام، وهما الصلاة والصيام. وأين اطِّراد العرف مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس؟
إذا كان الفقهاء يحيلون المستفتي إلى عرف الناس، مع أنهم من جملة أهل العرف، فلو كان العرف منضبطًا لوجدوه معلومًا معروفًا لهم، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام.
إذا لم يقصر في المسافة الطويلة إما تحكيمًا للعرف، أو لكونه لا يوجد عرف، فإن هذا ينافي الحكمة من مشروعية القصر والفطر في السفر، وهو دفع المشقة.
قدر ابن عباس المسافة التي تقصر فيها الصلاة ما كان من مكة إلى عُسفان، ومن مكة إ لى الطائف، ومن مكة إلى جدة، والمسافة بين هذه الأمكنة متقاربة، وقدرها ابن عمر بالمسافة إلى السويداء، وهي على مسيرة يومين من المدينة.
هذان صحابيان قربا للسائل المسافة التي تقصر فيها الصلاة بالقياس على بعض الأمكنة، ولا يجتمع الرد للقياس مع الرد إلى العرف؛ لأنه في العرف قد تكون المسافة واحدة إلى مكانين مختلفين، ويعد في عرف الناس الذهاب إلى أحدهما سفرًا بخلاف الآخر.
التقدير إذا كان بابه التوقيف، وصح التقدير عن الصحابة دل هذا على أنهم أخذوه من النبي ﷺ .
الصحابة من العلم والديانة بحيث لا يقول أحد برأيه في أمرٍ سبيله التوقيف،
стр. 9923
ويتعلق بالصلاة فكان له حكم الرفع، وقد توافق عليه ابن عباس مع ابن عمر.
على فرض اختلاف أقوال الصحابة في تحديد مسافة السفر، فإن ذلك لا يسقطها كلها، وننتقل عنها إلى قولٍ ما قال به أحد منهم، فكل أقوالهم على اختلافها ترجع إلى التحديد إما بالمسافة وإما بالزمن، وليس شيء منها يقول بالتحديد بالعرف.
الترجيح بين أقوال الصحابة بالنظر إلى الأصح منها، فالحق لا يخرج عن أحدها، وليس في تركها كلها بدعوى اختلافهم، وانتحال قولٍ لم يقله أحد منهم، ولا عرف عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة.
لا يختلف الأئمة الأربعة أن علة القصر في عرفة وفي غيرها من المشاعر هو السفر، ولا دخل للقصر في أحكام النسك، وإن اختلفوا في علة الجمع في المشاعر.
دعوى أن أهل مكة صلوا خلف النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة ومنى قصرًا لا يستند إلى نص أنهم أمروا بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل عدمي، ودلالته ضعيفة.
لو استعملنا هذه الطريقة في الاستدلال لقلنا: يقصر العرفي في عرفة، ويقصر المزدلفي في مزدلفة، ويقصر المنوي في منى؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم بالإتمام لنقل؛ لتوافر الدواعي على نقله، ولم ينقل.
الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمزدلفي لا يقصر في مزدلفة، وجمهورهم خلا المالكية يقولون: لا يقصر المكي في سائر المشاعر.
قال عمر لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر) فعلل قصره بالسفر.
إذا كان عمر ينهى أهل مكة عن القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر.
ليس قول المالكية بأن أهل مكة قصروا في عرفة بأولى من قول الحنفية والشافعية الحنابلة القائلين بأن أهل مكة لم يقصروا، فإذا كان الرد إلى مجرد
стр. 9924
الأقوال فالجمهور أولى.
صلى النبي ﷺ الظهر والعصر قصرًا وجمعًا بالأبطح وذلك بعد نفوره من منى، وقبل طواف الوداع، وقد صلى الناس خلفه، وفيهم المكي وغير المكي، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام، كما لم ينقل أنهم أتموا، فهل تقولون: يجوز للمكي أن يقصر الصلاة في مكة بعد فراغه من النسك؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه أمرهم بالإتمام، ولم ينقل أنهم أتموا؟
أقام النبي ﷺ في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأهل مكة يصلون خلفه، وهم حديثو عهد بكفر، ولم يصح أن النبي ﷺ أمرهم بالإتمام، ولم ينقل أنهم أتموا.
إن قلتم: لعل النبي ﷺ لم يأمرهم؛ لأنه سبق أن بيَّن هذا الحكم لهم، واكتفى به، أو أن النبي ﷺ أمرهم ولم ينقل.
قيل: ما كان جوابًا لكم كان جوابًا عن صلاة المكي خلفه في عرفة ومزدلفة، فلعله لم يأمرهم بالإتمام يوم عرفة اكتفاء بأمر سابق، أو أنه أمرهم ولم ينقل.
ما دام أن القصر في المشاعر علته السفر، فلا فرق بين المحرم والحلال، كلاهما لا يقصران إلا في مسافة تصح أن تكون سفرًا حتى يثبت نص أن أهل مكة قصروا في عرفة، ولا يوجد.
قال ابن عباس لعطاء: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، ولا إلى منى، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ومطلقه يشمل المحرم والحلال، والاستدلال به أولى من الاستدلال بالدليل العدمي، أنهم لو أتموا لنقل.
من أراد أن يعطي أهل مكة حكمًا يخالف حكم السفر خارج النسك، يلزمه أحد أمرين: إما أن يثبت أن القصر في عرفة علته النسك، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، أو ينقل نصًّا على أنهم قصروا أو أمروا بالقصر.
فتوى ابن عباس لعطاء لا يوجد ما يعارضها من أقوال الصحابة والتابعين وهو متفق مع قول الحنفية والشافعية والحنابلة فليس قولًا شاذًّا.
إذا تردد الإنسان في حكم القصر، فالأصل الإتمام، ولا ينتقل عنه إلا بيقين.
стр. 9925
[م-١١١٢] اختلف العلماء في تقدير المسافة التي يسن فيها القصر:
فقيل: المعتبر مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، بسير الإبل المحملةِ بالأثقال، أو مشي الأقدام، مع اعتبار النزول المعتاد للنوم والأكل والصلاة، وهو مذهب الحنفية، وقال به من السلف سويد بن غفلة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والثوري، والحسن بن حي وغيرهم (١).
وتقدر بثلاثة مراحل، ولا يعتبر التقدير بالفراسخ على الصحيح من مذهب الحنفية (٢).
стр. 9926
وقال أبو يوسف: يومان وأكثر الثالث، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة (١).
وقيل: المعتبر بالزمن مسيرة يومين (مرحلتين)، وبالمسافة: أربعة برد، والبريد: أربعة فراسخ، فتكون ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون المسافة: ثمانية وأربعون ميلًا هاشميًّا، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال جماعة من السلف، منهم الحسن البصري، والإمام الزهري، وقتادة (٢).
стр. 9927
وقد اتفقوا على كل ذلك، واختلفوا في تقدير الميل (١).
وهل هذا تحديد أو تقريب؟ الأصح عند الشافعية أنه تحديد، والأصح عند الحنابلة أنه تقريب (١).
وقيل: مسيرة يوم تام: يومه وليلته، روي هذا عن مالك، ونص عليه أحمد، وجاء عن ابن عمر وابن عباس (٢).
وصح عن ابن عباس أنه قال: لا تقصر فيما دون اليوم، وسوف يأتي تخريجه في
стр. 9930
الأدلة إن شاء الله تعالى.
وليس ذلك بخارج عن قول الجمهور كما أوضحته في المدخل، وسيأتي مزيد توضيح إن شاء الله تعالى.
وقيل: إذا خرج عن موضع سكناه، فمشى ميلًا فصاعدًا قصر الصلاة، وبه قال ابن حزم الظاهري (١).
وقيل: يجوز القصر في كل سفر، ولو كان قصيرًا، وهو اختيار ابن قدامة، ومال إليه النووي (٢).
وقيل: يجوز في كل ما يسمى سفرًا عرفًا طويلًا كان أم قصيرًا، وهو اختيار ابن تيمية (٣).
وهذا يختلف عن مذهب ابن قدامة، وبعض طلبة العلم يخلط بينهما (٤).
стр. 9931
وقيل: تقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهو أحد القولين عن ابن تيمية، ونسب لابن عمر، ولا يصح عنه (١).
وقيل غير ذلك، حتى حكى ابن المنذر عشرين قولًا في المسألة (٢).
فرجع الخلاف إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: التحديد بالمسافة أو بالزمن، على اختلاف بينهم في تقديرها، وهو القول المأثور عن الصحابة، وبه قال الأئمة الأربعة. والتحديد بالزمن لا يخالف التحديد بالمسافة؛ لأن معرفة المسافة عند الصحابة تقاس بزمن سير الإبل.
стр. 9932
الثاني: القول بالقصر في مطلق السفر، لا فرق بين قصيره وطويله، وهذا منسوب لابن قدامة، ومال إليه النووي.
الثالث: الرجوع إلى العرف، فما عده الناس سفرًا قصر، ولو كانت المسافة قصيرة، وما لا يعد في العرف سفرًا لم يقصر، ولو كانت المسافة طويلة.
وإذا لم يقصر في المسافة الطويلة إما تحكيمًا للعرف، أو لكونه لا يوجد عرف، فإن هذا ينافي الحكمة من مشروعية القصر والفطر في السفر، وهو دفع المشقة.
دليل من حدد المسافة بمسيرة ثلاثة أيام:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٥٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: حدثكم عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم (١).
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وكلاهما في مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
قال الكاساني: «فلو لم تكن المدة بالثلاث لم يكن لتخصيص الثلاث معنى» (٣).
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن هذا الحديث منطوقه: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام.
стр. 9933
ومفهومه: جواز السفر فيما دون ذلك، والاحتجاج بالمفهوم ليس حجة عند الحنفية مطلقًا، وليس حجة عند الجمهور إذا عارض منطوق حديث آخر، وقد عارض منطوق رواية الصحيحين: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة) (١).
فصار الاحتجاج بمفهوم النهي عن السفر ثلاثة أيام ليس حجة على قواعد الأئمة الأربعة.
الجواب الثاني:
قال بعضهم: إن العدد هنا لا مفهوم له، فجاء النهي عن سفر المرأة مطلقًا، كما في حديث ابن عباس.
(ح-٣٤٥١) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن أبي معبد،
عن ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم … الحديث (٢).
وجاء النهي عن سفرها يومًا وليلة.
(ح-٣٤٥٢) رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (٣).
وجاء النهي عن سفر المرأة يومين.
(ح-٣٤٥٣) رواه مسلم من طريق عبد الملك، وهو ابن عمير، عن قزعة،
عن أبي سعيد، قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع، قال سمعته يقول:
стр. 9934
وذكر وفيه: … لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها. ورواه البخاري بنحوه (١).
فالنبي ﷺ لم يرد تحديد ما يقع عليه السفر، بل أطلقه على ثلاثة أيام، وعلى يومين، وعلى يوم وليلة (٢).
قال البيهقي: «وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن الرسول ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم فقال: لا. ويومًا، فقال: لا، فأدى كل واحد منهم ما حفظ، ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدًّا للسفر» (٣).
وقال أبو العباس القرطبي: «كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعين بعضها، ويحكم عليها بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث، وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها» (٤).
ويرد على هذا القول:
اختلاف هذه الأحاديث لا تمنع من الاستدلال بها على تحديد السفر بالزمن، ولكن ليس على تخريج الحنفية، بل على تخريج قول الجمهور.
فحديث ابن عباس: (لا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم)، هذا الحديث مطلق، لم يبين فيه الزمن الذي يصدق عليه أنه سفر، ولما كان معلومًا أن مجرد خروج المرأة من البلد لا يسمى سفرًا شرعًا، دل على جواز خروج المرأة بلا محرم بما لا يصدق عليه أنه سفر إذا خلا من فتنة، أو من خلوة محرمة، وكما كان النبي ﷺ يخرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يكن يقصر.
فصار في حديث ابن عباس إطلاق من حيث بيان مسافة السفر، فيرد إلى الأحاديث المقيدة، وهي قاعدة شرعية أصولية صحيحة: أن المطلق يرد إلى المقيد، والمجمل إلى المبين، والمتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة الراسخين في العلم.
стр. 9935
وحديث أبي هريرة في الصحيحين قد سمى الخروج يومًا وليلة سفرًا، هو من تحديد السفر بالزمن.
وترجم له الإمام البخاري في صحيحه: باب في كم يقصر الصلاة؟، فقال: سمى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا (١).
وإذا كان النبي ﷺ قد جاء لبيان الشرعيات، وليس لبيان اللغويات، فقطع مسافة في يوم وليلة هو سفر شرعي بنص السنة المتفق على صحتها.
ولم يأت في النصوص الصحيحة إطلاق السفر على ما هو أقل من يوم وليلة، وما جاء من التحديد بالبريد فهو شاذ، كما سيأتي بيانه ضمن الأدلة إن شاء الله تعالى.
فهذا الحديث من تقييد السفر بالزمن، ومعلوم لدى الصحابة ماذا يقطع المسافر في اليوم التام من المسافة.
ولا يصح الاعتراض بأنه ورد في النصوص نهي المرأة عن السفر باليومين والثلاثة؛ لأنه إذا صح إطلاق السفر على اليوم التام فمن باب أولى إطلاق السفر على ما زاد عليه، وكما قلت سابقًا: لا يُعَارض المنطوق بالمفهوم.
الجواب الثالث:
أن التحديد بالمسافة أضبط من التحديد بالزمن؛ لأن الزمن يختلف بحسب الأرض، فالسير في الجبال يختلف عن السير بالسهول، وسير البريد يقطع سبع مرات عن السير المعتاد وهذا في الزمن القديم، وأما في العصر الحاضر فلا يمكن ضبطه بالزمن، فما كان يقطعه الرجل بالشهر أو الشهرين في الزمن الماضي صار يقطعه في الطائرة بالساعة والساعتين.
ويرد عن ذلك:
بأن الضبط بالزمن بسير الإبل وسيلة لضبط المسافة عند العرب وقت التشريع، وهو مفروض في السير في الطرق المعتادة عند العرب، وهو تقريب لا تحديد.
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٥٤) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن
стр. 9936
عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة،
عن شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ قد جعل لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليها ولن يتصور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها ومدة السفر أقل من هذه المدة (٢).
ورد هذا:
لا علاقة بين أكثر مدة المسح وبين أقل مسافة تقصر فيه الصلاة، فالحديث سيق لبيان أكثر مدة المسح، فلا حجة فيه على مسألتنا (٣).
فالحديث يدل على أن المسافر لا يمسح أكثر من ثلاثة أيام، ولا يدل على أن السفر لا يكون إلا في مسافة تكون ثلاثة أيام، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قال ابن حزم: ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة فقال: حاج أو معتمر أو غاز؟ قلت: لا، ولكن أحدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت: سمعت بها ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا. قال ابن حزم: من المدينة إلى السويداء: اثنان وسبعون ميلًا، أربعة وعشرون فرسخًا.
الدليل الرابع:
من النظر، أن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر، فوجب أن يكون أقل الكثير وهو الثلاث حدًّا له (٤).
стр. 9937
ويجاب عن هذا:
لو كان مثل هذا النظر دليلًا لقيل: إن إطلاق الجماعة على الاثنين في الصلاة يدل على أنهما أقل الكثير، إلا أن هذه المسألة لا تدرك بالنظر، فتحتاج إلى توقيف، وقد رأيت أن الأدلة السابقة للحنفية لا توصل إلى الحكم الذي رجحوه، والله أعلم.
دليل الجمهور على أن أقل مسافة القصر أربعة برد:
الدليل الأول:
(ث-٩٠٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء،
عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم (١).
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٢).
стр. 9938
قال مالك: «ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة» (١).
والمقصود موقع جدة القديم قبل أن تتقلص المسافة بينهما بسبب زحف العمران من الطرفين.
المسافة بين مكة وجدة، وبين مكة وعسفان نحو من ثمانين كيلو.
وهو إن كان موقوفًا على ابن عباس فالمقادير لا تدرك بالاجتهاد، والمرجع فيها إلى التوقيف، فيكون بمنزلة الاحتجاج بقول الصحابي مما لا يدرك بالرأي. وعلى فرض أن يكون قول صحابي فهو حجة إذا لم يخالف سنة، ولم يعارض من قول صحابي آخر.
وقد وافق هذا القول رأي ابن عمر في أصح ما ورد عنه، من رواية سالم ونافع.
(ث-٩٠٤) فروى البخاري تعليقًا في باب كم يَقْصُر الصلاة، قال أبو عبد الله:
كان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 9939
قال ابن حجر الهيتمي: «صح أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد، ولا يعلم لهما مخالف، ومثله لا يكون إلا عن توقيف» (١).
وقال الخطابي: «ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف» (٢).
اعترض على ذلك:
بأن الصحابة مختلفون. قال ابن قدامة: «ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا» (٣).
ويجاب عن ذلك:
أما ابن عباس فلم يختلف عليه، وما ورد عنه مما ظاهره الاختلاف فيمكن توجيهه.
وأما ابن عمر فقد اختلف عليه، وما روي عنه موافقًا لابن عباس فهو أرجح من غيره، والاختلاف الوارد عن الصحابة كالاختلاف بين الأدلة الشرعية، يقدم القوي على الضعيف، والأقوى على القوي، ولا تطرح كلها، وكل أقوال الصحابة على اختلافها ترجع إلى القول بالتحديد إما بالمسافة أو بالزمن، والحق لا يخرج عن واحد منها، ولهذا اختار جمهور الأئمة أرجح ما ورد عن ابن عباس وابن عمر.
وإليك الوقوف على بعض الآثار الواردة عن ابن عمر وابن عباس من أقوال ظاهرها التعارض، والجواب عنها، من ذلك:
الأثر الأول:
(ث-٩٠٥) ما رواه عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم،
أن ابن عمر سافر إلى ريم يقصر الصلاة، وهي مسيرة ثلاثين ميلًا.
[صحيح إلا قوله: (وهي مسيرة ثلاثين ميلًا)] (٤).
стр. 9940
وروى ابن عقيل، عن ابن شهاب، فقال: وذلك نحو ثلاثين ميلًا، ذكره ابن عبد البر معلقًا، ولم أقف عليه مسندًا (١).
ويجاب عن ذلك:
بأن ما رواه عبد الرزاق عن مالك مخالف لما رواه رواة الموطأ عن مالك، وهم مقدمون عليه (٢).
(ث-٩٠٦) فقد روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد الله،
عن أبيه، أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيرة ذلك. قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد (٣).
قال ابن عبد البر: «أما رواية عبد الرزاق عن مالك فأظنها وهمًا، فخلاف ما في الموطأ لها، وإنما هي رواية عقيل عن ابن شهاب، فإن لم تكن وهمًا فيحتمل أن يكون ريم موضعًا متسعًا كالإقليم عندنا، فيكون تقدير مالك إلى آخر ذلك، وتقدير عقيل في روايته إلى أول ذلك» (٤).
وإذا بقي النظر في رواية عقيل، عن ابن شهاب فهو أثر معلق، والمعلق ضعيف لانقطاعه، فلا يقدم على ما رواه الإمام مالك صحيحًا عنه في الموطأ.
ولأنه ثبت عن ابن شهاب نفسه أنه قال: تقصر الصلاة في مسيرة يومين.
رواه عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وسنده صحيح (٥).
هذا من جهة الترجيح بين الأثرين، وعلى فرض ثبوته فقد جمع الإمام ابن
стр. 9941
عبد البر بين قول ابن شهاب وبين قول الإمام مالك، وكلاهما من أهل المدينة.
والواقع يشهد لكلام الإمام مالك، فقد جاء في معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية: «رِئْمٌ: وادٍ من روافد وادي النقيع، يأتي من الغرب فيصب فيه شمال الْحِنْوِ، يمر في رئم طريق الغائر بين بئر الماشي والقاحة، على مقربة من بئر الماشي. يبعد مصب رئم عن المدينة قرابة ٦٠ كيلًا شمالًا. انظر مخطط طريق الهجرة المنشور في هذا الكتاب» (١).
فإذا كان أدنى الوادي يبعد مثل هذه المسافة عن المدينة في اليوم الحاضر بعد زحف العمران خلال هذه القرون فما ظنك بالمدينة وقت الوحي.
الأثر الثاني:
(ث-٩٠٧) ما رواه ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا موسى، حدثنا محمد بن الصباح، أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم،
أن ابن عمر: خرج إلى أرض له اشتراها من ابن بجينة فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا (٢).
[رجاله ثقات، وقد تكلم بعضهم في رواية الأوزاعي عن الزهري] (٣).
стр. 9942
وما رواه مالك ومعمر وابن جريج عن الزهري أرجح مما رواه الأوزاعي عنه.
فقد روى مالك، ومعمر وابن جريج، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره (١)، اليوم التام (٢).
ومفهومه: أنه لا يقصر الصلاة دون ذلك، ولو كان الأثر ينقل فعلًا وقع في مكان معين لقيل: الفعل لا مفهوم له، لكنه ينقل ما يفعله ابن عمر في أسفاره، والتعبير ب (كان) الدالة على الدوام.
ومسيرة اليوم التام تعدل مسيرة يومين، كما تعدل بالمسافة أربعة برد، وكل ذلك مأثور عن ابن عمر ﵁، كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث.
الأثر الثالث:
(ث-٩٠٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر.
[شاذ، ومحارب كوفي، وهو مخالف لرواية نافع وسالم، وما رواه أهل المدينة
стр. 9943
عن ابن عمر مقدم على ما رواه أهل الكوفة] (١).
وقال ابن حزم: ومن طريق محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: سمعت جبلة بن سحيم يقول:
سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة.
[علقه ابن حزم، والمعلق ضعيف] (٢).
(ث-٩٠٩) وروى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: حدثني أبي، عن جبلة بن سحيم،
عن ابن عمر، قال سئل عن صلاة المسافر؟ فقال: اخرج من هذه الحرة، ثم اقصر الصلاة.
[شاذ وجبلة كوفي، وهو مخالف لرواية نافع وسالم، وما رواه أهل المدينة عن ابن عمر مقدم على ما رواه أهل الكوفة] (٣).
والسؤال متوجه عن صلاة المسافر، وليس عن المسافة التي إذا قصدها صار مسافرًا، فأخبره أنه إذا سافر، فخرج إلى هذه الحرة شرع في أحكام القصر، كما كان النبي ﷺ يقصر الصلاة في ذي الحليفة إذا سافر. ولا يلزم منه أن تكون الحرة غاية سفره، فإن نافعًا كان يخرج مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، وكان يخرج إلى الغابة، وهي على بريد من المدينة، فلا يقصر الصلاة، والبريد اثنا عشر ميلًا، وسوف يأتي ذكرها بالإسناد إن شاء الله. والتوفيق بين الآثار أولى من إثبات التعارض.
ومحارب بن دثار وجبلة بن سحيم ثقتان، ولكنهما ليسا من ابن عمر بمنزلة سالم ونافع، عند التعارض.
قال ابن عبد البر: «هذان الخبران من رواية أهل الكوفة عن ابن عمر فكيف نقبلها
стр. 9944
عن ابن عمر مع ما ذكرنا من رواية سالم ونافع عنه بخلافها من حديث أهل المدينة» (١).
فقد روى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (٢).
قال ابن عبد البر: «وهذا يرد ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر الصلاة» (٣).
(ث-٩١٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر، ولا يقصر.
[صحيح] (٤).
والغابة: على نحو بريد من المدينة على طريق الشام (٥).
والبريد: اثنا عشر ميلًا.
وهذه متابعة من عبيد الله بن عمر، للإمام مالك في أن ابن عمر لا يقصر الصلاة بالسفر القصير.
الأثر الرابع:
(ث-٩١١) وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله
стр. 9945
ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره اليوم التام.
[صحيح] (١).
تابع مالكًا معمر وابن جريج عند عبد الرزاق (٢).
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يقصر الصلاة إلا في اليوم التام.
[صحيح] (٣).
وهذه متابعة من نافع لسالم بن عبد الله.
(ث-٩١٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معاذ، قال: أخبرنا ابن جريج،
عن عطاء، قال: قال ابن عباس: تقصر الصلاة في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون ذلك.
[صحيح] (٤).
ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء فأتم الصلاة، فإن زدت فَاقْصُرْ (٥).
[صحيح].
(ث-٩١٣) وروى البخاري في التاريخ الكبير، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي،
سمعت أبا جمرة، قلت لابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر.