← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

عبد البر بين قول ابن شهاب وبين قول الإمام مالك، وكلاهما من أهل المدينة. والواقع يشهد لكلام الإمام مالك، فقد جاء في معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية: «رِئْمٌ: وادٍ من روافد وادي النقيع، يأتي من الغرب فيصب فيه شمال الْحِنْوِ، يمر في رئم طريق الغائر بين بئر الماشي والقاحة، على مقربة من بئر الماشي. يبعد مصب رئم عن المدينة قرابة ٦٠ كيلًا شمالًا. انظر مخطط طريق الهجرة المنشور في هذا الكتاب» (١). فإذا كان أدنى الوادي يبعد مثل هذه المسافة عن المدينة في اليوم الحاضر بعد زحف العمران خلال هذه القرون فما ظنك بالمدينة وقت الوحي. الأثر الثاني: (ث-٩٠٧) ما رواه ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا موسى، حدثنا محمد بن الصباح، أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر: خرج إلى أرض له اشتراها من ابن بجينة فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا (٢). [رجاله ثقات، وقد تكلم بعضهم في رواية الأوزاعي عن الزهري] (٣).

стр. 9942

وما رواه مالك ومعمر وابن جريج عن الزهري أرجح مما رواه الأوزاعي عنه. فقد روى مالك، ومعمر وابن جريج، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره (١)، اليوم التام (٢). ومفهومه: أنه لا يقصر الصلاة دون ذلك، ولو كان الأثر ينقل فعلًا وقع في مكان معين لقيل: الفعل لا مفهوم له، لكنه ينقل ما يفعله ابن عمر في أسفاره، والتعبير ب (كان) الدالة على الدوام. ومسيرة اليوم التام تعدل مسيرة يومين، كما تعدل بالمسافة أربعة برد، وكل ذلك مأثور عن ابن عمر ﵁، كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث. الأثر الثالث: (ث-٩٠٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. [شاذ، ومحارب كوفي، وهو مخالف لرواية نافع وسالم، وما رواه أهل المدينة

стр. 9943

عن ابن عمر مقدم على ما رواه أهل الكوفة] (١). وقال ابن حزم: ومن طريق محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة. [علقه ابن حزم، والمعلق ضعيف] (٢). (ث-٩٠٩) وروى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: حدثني أبي، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر، قال سئل عن صلاة المسافر؟ فقال: اخرج من هذه الحرة، ثم اقصر الصلاة. [شاذ وجبلة كوفي، وهو مخالف لرواية نافع وسالم، وما رواه أهل المدينة عن ابن عمر مقدم على ما رواه أهل الكوفة] (٣). والسؤال متوجه عن صلاة المسافر، وليس عن المسافة التي إذا قصدها صار مسافرًا، فأخبره أنه إذا سافر، فخرج إلى هذه الحرة شرع في أحكام القصر، كما كان النبي ﷺ يقصر الصلاة في ذي الحليفة إذا سافر. ولا يلزم منه أن تكون الحرة غاية سفره، فإن نافعًا كان يخرج مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، وكان يخرج إلى الغابة، وهي على بريد من المدينة، فلا يقصر الصلاة، والبريد اثنا عشر ميلًا، وسوف يأتي ذكرها بالإسناد إن شاء الله. والتوفيق بين الآثار أولى من إثبات التعارض. ومحارب بن دثار وجبلة بن سحيم ثقتان، ولكنهما ليسا من ابن عمر بمنزلة سالم ونافع، عند التعارض. قال ابن عبد البر: «هذان الخبران من رواية أهل الكوفة عن ابن عمر فكيف نقبلها

стр. 9944

عن ابن عمر مع ما ذكرنا من رواية سالم ونافع عنه بخلافها من حديث أهل المدينة» (١). فقد روى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (٢). قال ابن عبد البر: «وهذا يرد ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر الصلاة» (٣). (ث-٩١٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر، ولا يقصر. [صحيح] (٤). والغابة: على نحو بريد من المدينة على طريق الشام (٥). والبريد: اثنا عشر ميلًا. وهذه متابعة من عبيد الله بن عمر، للإمام مالك في أن ابن عمر لا يقصر الصلاة بالسفر القصير. الأثر الرابع: (ث-٩١١) وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله

стр. 9945

ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره اليوم التام. [صحيح] (١). تابع مالكًا معمر وابن جريج عند عبد الرزاق (٢). وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يقصر الصلاة إلا في اليوم التام. [صحيح] (٣). وهذه متابعة من نافع لسالم بن عبد الله. (ث-٩١٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معاذ، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال ابن عباس: تقصر الصلاة في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون ذلك. [صحيح] (٤). ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء فأتم الصلاة، فإن زدت فَاقْصُرْ (٥). [صحيح]. (ث-٩١٣) وروى البخاري في التاريخ الكبير، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي، سمعت أبا جمرة، قلت لابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر.

стр. 9946

[صحيح] (١). وجه الدلالة: فإذا كانت مسيرة اليومين أربعة برد، فمسيرة اليوم تعني نصف هذه المسافة. وأجيب: (ث-٩١٤) بما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن ابن عمر اشترى شيئًا من رجل أحسبه ناقة، فخرج ينظر إليها فقصر الصلاة، وكان ذلك مسيرة يوم تام، أو أربع برد. [صحيح] (٢). وقال ابن هانئ: سألته - يعني الإمام أحمد- عن تقصير الصلاة؟ قال: مسيرة اليوم التام، مسيرة البغل أربعة برد (٣). وقال أحمد أيضًا: مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، في مسيرة اليوم التام (٤). وجاء في أحكام القرآن للطحاوي: «وقال بعضهم: تقصر الصلاة في مسيرة

стр. 9947

أربعة برد، ومقدار ذلك مسيرة اليوم التام، وهو قول مالك ﵀، وقد روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس» (١). وقال ابن عبد البر: «مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث هي أربعة برد أو نحوها» (٢). وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «فأما اعتبار ذلك ثمانية وأربعين ميلًا فقياسًا على الفطر … ولأن ذلك هو قدر سير اليوم التام على المألوف من السير» (٣). وقال القاضي عياض: مدة القصر: مسيرة يوم وليلة. كذا عند ابن عتاب وابن عيسى. وعند بعضهم: مسيرة يوم تام .... والقولان معروفان عن مالك. واختلف الشيوخ في تأويل ذلك؛ فقيل: يوم وليلة يسار فيهما، فيكون بمقدار يومين، وذلك أيضاً قدر أربعة برد؛ لأنها مسيرة يومين لغالب أهل السفر وأصحاب الأثقال. واختصره أكثرهم أن قول مالك اختَلف فيه؛ فقال مرة: يوماً وليلة. وقال مرة: يومين. واختصره بعضهم: ثم قال: يقصر في أربعة برد .... » (٤). وقد بين سالم عن ابن عمر أن مسيرة اليوم التام أربعة برد، فالرد إلى تفسير الصحابي. وقال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم تام. وبهذا نأخذ (٥). فتأمل كيف نسب هذا القول إلى عامة الفقهاء. فمن قال: مسيرة يومين فذلك على فرض أن السير خاص بالنهار، وأما سير اليوم التام فهو مقدر بما يقطعه لو سار يومًا وليلة، ولذلك وصف السير باليوم التام. فالسير في اليومين يعدل السير بالمسافة في اليوم التام. فإن قيل: إن الناس لا يسيرون يومًا وليلة، فلا بد من الراحة للأكل والشرب والصلوات وإراحة الدواب. فالجواب: أن المسألة مفروضة في تقدير مساحة ما يقطعه المسافر لو أنه سار

стр. 9948

يومه وليلته، ولا يلزم منه أن يسير يومه وليلته، ولذلك نسب الأوزاعي القول فيه إلى عامة الفقهاء، ومعلوم أن جمهور الفقهاء يقولون: يقصر مسيرة يومين، بلا تقييد اليومين بالتامين، وهم أنفسهم يقولون: يقصر باليوم التام، وهذان القولان يرجعان إلى قول واحد، وكلاهما من التحديد بالزمن. (ث-٩١٥) فقد روى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن سالم، أن عبد الله كان يقصر الصلاة في مسيرة ليلتين (١). صحيح. ولم يوصف السير باليومين بالتامين. وقال الحنفية بوصف السير في الأيام الثلاثة: المسافر إذا بكر في اليوم الأول ومشى إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل فيها للاستراحة وبات فيها، ثم بكر في اليوم الثاني ومشى إلى ما بعد الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل فيها للاستراحة وبات فيها، ثم بكر في اليوم الثالث ومشى حتى بلغ المقصد وقت الزوال يصير مسافرًا بهذا على الصحيح (٢). فواضح أن السير في الأيام الثلاثة إلى الزوال أو بعده قليلًا، والزوال هو منتصف النهار. الأثر الخامس: (ث-٩١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن محمد بن زيد بن خليدة،

стр. 9949

عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال (١). [منكر، يعارضه ما تقدم من رواية نافع، عن ابن عمر أنه كان يسافر البريد فلا يقصر الصلاة] (٢). الأثر السادس: قال ابن القاسم: أخبرني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان حين يكون بمكة يتم، فإذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة (٣). والمسافة بين مكة ومنى لا تبلغ أربعة برد. وأجيب: بأن ابن عمر مدني، فإتمامه في مكة لا يرجع إلى أنه مستوطن في مكة، وخروجه إلى منى لا يعد أنه أنشأ السفر من مكة، فربما كان ابن عمر قدم إلى مكة مبكرًا أثناء المناسك في مدة يراها ابن عمر تقطع أحكام السفر عنده، فإذا خرج إلى منى تجدد له سفره بالخروج إليها، وبعدها سيواصل سيره إلى المدينة؛ لأن المهاجر لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام في مكة بعد نهاية النسك، فإذا كان النبي ﷺ إذا خرج مسافرًا إلى مكة قصر في ذي الحليفة، ولا يقال: إنه قصر في مسافة قصيرة، فكذلك ابن عمر إذا خرج من مكة إلى منى قصر في منى؛ لأن نهاية سفره سيكون وصوله إلى المدينة. الأثر السابع: (ث-٩١٧) قال ابن حزم في المحلى: ومن طريق محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب، وهي من المدينة على ثمانية عشر ميلًا فلما أتاها قصر الصلاة (٤).

стр. 9950

[علقه ابن حزم، والمعلق ضعيف]. ويجاب: بأن الإمام مالكًا رواه في الموطأ، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب، فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد (١). (ث-٩١٨) ورواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن سالم، أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر فرسخًا (٢). وهذا أصح مما رواه ابن حزم معلقًا. الأثر الثامن: (ث-٩١٩) وروى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن نافع، قال: ما علمت ابن عمر قصر في أقل من خيبر. قلت لنافع: وأين خيبر؟ قال: بمنزلة الأهواز منكم (٣). تابعه ابن جريج، عن نافع عند عبد الرزاق (٤). ويجاب: بأن مالكًا رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسافر إلى خيبر فيقصر الصلاة (٥).

стр. 9951

وليس فيه نفي القصر عما دون ذلك، وهو الأولى أن يكون محفوظًا؛ لإمامة مالك؛ ولثبوت القصر عن ابن عمر فيما دون ذلك فيما رواه عبيد الله بن عمر عن نافع، وفيما رواه سالم عن ابن عمر. قال شيخ الإسلام: «وقد ثبت عنه بالرواية الصحيحة من طريق نافع وغيره: أنه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون غلطًا» (١). (ث-٩٢٠) وروى الطبري من طريق عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن سالم، قال: أوفى ما حفظت من ابن عمر أنه قصر الصلاة في أربعة برد. [صحيح] (٢). وهذا مخالف لما رواه حميد وابن جريج، عن نافع. وروى مالك في الموطأ، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب، فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد (٣). ورواية نافع الموافقة لرواية سالم مقدمة على رواية نافع المختلف عليه فيها. وسبق لنا أن سالمًا روى أن عبد الله كان يقصر الصلاة في مسيرة ليلتين، وهذه المسافة أدنى من خيبر. وثبت عن ابن عمر أنه قصر الصلاة في مسيرة اليوم التام، يومًا وليلة، وهو يعدل مسيرة اليومين، وسبق تخريجهما.

стр. 9952

الأثر التاسع: (ث-٩٢١) روى محمد بن الحسن، قال: أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الوالبي، قال: سألت عبد الله بن عمر ﵄، إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أتعرف السويداء؟ قال: قلت: لا، ولكني قد سمعت بها، قال: هي ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة. [ومحمد بن الحسن إمام في الفقه، وتكلم في حفظه بعض أهل العلم]. وقال ابن حزم: «ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة؟ فقال: حاج، أو معتمر، أو غاز؟ قلت: لا، ولكن أحدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت: سمعت بها، ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا» (١). قال ابن حزم: من المدينة إلى السويداء: اثنان وسبعون ميلًا، أربعة وعشرون فرسخًا. [ساقه ابن حزم معلقًا]. وإذا كانت المسافة مسيرة يوم للمسرع، لم تكن المسافة بينهما اثنين وسبعين ميلًا. قال ياقوت الحموي: «السُّوَيْدَاء: تصغير سوداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام» (٢). وقال ابن عبد البر: «وقد روى سفيان بن عيينة، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، قال: سألت ابن عمر عن قصر الصلاة، فقال: أتعرف السويداء؟ قلت: نعم. قال: فاقصر إليها، وهي على مسيرة يومين من المدينة، قال: وكان ابن عمر يقصر إليها» (٣). [وهذا معلق أيضًا]. فتبين وهم ابن حزم في ذهابه إلى تقدير المسافة باثنين وسبعين ميلًا؛ لمخالفته

стр. 9953

ما ذكره ياقوت الحموي وابن عبد البر وغيرهما، ولأن ما ذكراه متسق مع ما رواه سالم ونافع، والله أعلم. فصار المحفوظ عن ابن عمر وابن عباس أنهما يقصران الصلاة في أربعة برد، وأنهما كانا يقصران الصلاة في مسيرة يومين، وفي مسيرة يوم، إذا كان السير يومًا تامًّا، وهذه كلها ترجع إلى قول واحد، لا تعارض بينها، وهو ما رجحه جمهور الأئمة مالك والشافعي وأحمد، ولم يلتفتوا إلى ما خالفه. وذكر الشافعي أنه لم يبلغه أن أحدًا قال: يقصر فيما دون اليومين. قال في الأم: «ولم يبلغنا أن يقصر فيما دون يومين إلا أن عامة من حفظنا عنه لا يختلف في أن لا يقصر فيما دونهما» (١). ورد على هذا: على التسليم بأن ذلك هو المحفوظ عن ابن عمر وابن عباس، فقد خالفهما غيرهم من الصحابة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بمجرده حجة إلا بدليل، وقد روي عن عمر بن الخطاب، وحذيفة، ومعاذ وعقبة بن عامر وابن مسعود وأنس، ودحية ما يخالفهما. أما أثر عمر بن الخطاب ﵁: (ث-٩٢٢) فرواه يحيى بن معين في فوائده، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر قصر الصلاة إلى خيبر. [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: بأن المسافة بين المدينة وخيبر أكثر من أربعة برد.

стр. 9954

ورد: أثر عمر يدل على أنه قصر من مسافة أكثر من أربعة برد، وهذا ليس موضع نزاع، وهو لا ينافي القصر بأقل من ذلك، والفعل لا مفهوم له. (ث-٩٢٣) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي الورد، عن اللجلاج قال: كنا نسافر مع عمر بن الخطاب فيسير ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر. [ضعيف؛ تفرد به أبو الورد بن ثمامة، وفيه جهالة] (١). وحمله بعض العلماء على فرض صحته أن تكون الثلاثة الأميال الموضع الذي يبدأ المسافر فيها بقصر الصلاة، لا منتهى سفره (٢). وهو معارض بآثر آخر، وإن كان ضعيفًا: رواه الطبري من طريق ابن إدريس، عن الشيباني، عن محمد بن زيد، قال: قال عمر: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاث ليال. [ضعيف؛ لجهالة محمد بن زيد، ولانقطاعه، فلم يسمع من عمر] (٣).

стр. 9955

وأما أثر حذيفة ﵁: (ث-٩٢٤) فرواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنت مع حذيفة بالمدائن، فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة، فأذن لي، وشرط عليَّ ألا أفطرَ ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه. [صحيح] (١). ويجاب عن ذلك: بأن المسافة بين المدائن والكوفة مسيرة ثلاثة أيام. قال الحنفية: من خرج من الكوفة إلى المدائن قصر، وهذا يدل على أن المسافة

стр. 9956

بينهما مسيرة ثلاثة أيام (١). وهي أطول مسافة سفر قيل فيها بالتحديد، حتى حكي الاتفاق على أن من سار مسيرة ثلاثة أيام قصر الصلاة. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن للمسافر أن يقصر الصلاة إذا سافر في حج أو عمرة أو غزو سفرًا طويلًا أقله ثلاثة أيام، فله أن يقصر» (٢). ولهذا حمل الطحاوي مذهب حذيفة على مذهب ابن مسعود، بأنه يجوز أنه لا يرى القصر إلا في حج أو جهاد، فأمر التيمي إذ كان يريد سفرًا لا لحج، ولا لجهاد، أن لا يقصر الصلاة (٣). ومما يرجح تأويل الطحاوي أن التيمي لا يرى القصر إلا في حج أو جهاد. (ث-٩٢٥) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن العوام، قال: كان إبراهيم التيمي لا يرى القصر إلا في حج، أو جهاد، أو عمرة. [صحيح] (٤). وقد روى همام عن حذيفة خلاف ما روى يزيد التيمي عنه. (ث-٩٢٦) فجاء في مصنف ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة كان يصلي ركعتين فيما بين الكوفة، والمدائن. [حسن] (٥).

стр. 9957

وأما أثر معاذ وعقبة وابن مسعود ﵃: (ث-٩٢٧) فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن ابن أبي فروة عن عمرو بن شعيب عن أبيه، أن معاذًا وعقبة بن عامر وابن مسعود قالوا: لا تغرنكم مواشيكم يطأ أحدكم بماشيته أحداب الجبال أو بطون الأودية وتزعمون بأنكم سفر، لا، ولا كرامة، إنما (التقصير) في السفر البات من الأفق إلى الأفق. [ضعيف جدًّا] (١). (ث-٩٢٨) وروى ابن جرير من طريق شعبة، قال: سمعت ميسر بن عمران ابن عمير، يحدث عن أبيه، عن جده: أنه خرج مع عبد الله، وهو رديفه على بغلة له مسيرة أربعة فراسخ، فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين. [ضعيف] (٢). وأما أثر أنس ﵁: (ث-٩٢٩) فرواه ابن حزم معلقًا، قال ابن حزم: وعن حماد بن زيد، قال:

стр. 9958

حدثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين (١)، وهي خمسة فراسخ، فحضرت صلاة العصر، فأمنا قاعدًا على بساط في السفينة، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بنا ركعتين (٢). [لا يثبت ذكر المسافة، انفرد بذكره ابن حزم معلقًا] (٣). وقد رواه جماعة منهم حماد بن زيد عن أنس بن سيرين موصولًا، وليس فيه ذكر المسافة، وهو المعروف، راجع تخريج الأثر. وأما أثر دحية الكلبي: (ح-٣٤٥٥) فقد رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج ويونس، قالا: حدثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبي، عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم أنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك. [ضعيف] (٤).

стр. 9959

قال الخطابي: «وليس الحديث بالقوي وفي إسناده رجل ليس بالمشهور … وقد خالفه غير واحد من الصحابة، فكان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد، وهما أفقه من دحية» (١). فتبين بهذا أن ما ورد عن عمر بن الخطاب ومعاذ وعقبة وابن مسعود وأنس ودحية لا يعارض ما ورد عن ابن عمر وابن عباس؛ لأن الضعيف لا يعارض الصحيح. ويبقى ما ورد عن حذيفة في أحد قوليه، وإذا اختلف الصحابة كان التخير بين أقوالهم، بالتماس الأقرب منها للحق، لا تركها كلها، وانتحال قول لم يقل به أحد من القرون المفضلة؛ بحجة اختلافهم. وقد أخذ الجمهور بما رواه أهل المدينة عن ابن عمر، وهو موافق لما رواه عطاء، عن ابن عباس، وتركوا ما سواهما، والله أعلم. دليل من قال: يجوز القصر في كل سفر ولو كان قصيرًا الدليل الأول: استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. وجه الاستدلال: ظاهر الآية يتناول كل ضرب في الأرض طويلًا كان أم قصيرًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، هو عام في كل ما يسمى سفرًا. وإذا كان النص مطلقًا فلا يقيده إلا نص مثله، وأما التحديد الوارد عن بعض الصحابة فهي روايات مختلفة ليس بعضها أولى من بعض، وقد تجد عن الصحابي الواحد أكثر من قول مما يدل على أنه لا تحديد من قبل الشارع.

стр. 9960

وأجيب: ليس المراد بالضرب أي ضرب، بل المراد به ضرب مخصوص، بمسافة مخصوصة بدليل أن النبي ﷺ كان يخرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يكن يقصر الصلاة، وإذا لم يصدق السفر على بعض أفراده بطل الاستدلال بمطلق السفر. وأما الاختلاف الوارد عن بعض الصحابة، فإن المعارض للصحيح إما ضعيف منكر، وإما شاذ خالف فيه الراوي من هو أوثق منه، وقد سبق عرض الأحاديث المعارضة، والجواب عنها. وعلى فرض الاختلاف فسبيل الترجيح لم يتعذر، فما جاء عن ابن عباس وابن عمر أقوى مما جاء عن غيرهما، والقواعد تقتضي تقديم القوي على الضعيف، والأقوى على القوي عند التعارض. الدليل الثاني: (ح-٣٤٥٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن النزال أن عليًّا خرج إلى النخيلة (١)، فصلى بها الظهر والعصر ركعتين، ثم رجع من يومه فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم ﷺ . [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الثالث: (ث-٩٣٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. [شاذ خالف فيه محارب نافعًا وسالمًا، ومن خالف سالمًا ونافعًا في ابن عمر

стр. 9961

لم يقدم قوله عليهما] (١). وقد سبق الجواب عنه في أدلة القول الثاني. الدليل الرابع: تقدير السفر بمسافة أو بزمن لا سبيل إليه بالاجتهاد، وإنما بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه بالرأي المجرد، وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. وسوف أجيب على هذا الدليل حين مناقشة أدلة القول التالي دفعًا للتكرار. دليل من قال: يشترط في قطع المسافة أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرًا: أن الأسماء التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وعُلِّق بها أحكام شرعية لا بد لها من حدٍّ. فمنه ما يعلم حده باللغة، كالشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع، كالإيمان والكفر، والنفاق، والصلاة والزكاة، والصيام، والحج. ومنه ما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع، فهذا يرجع فيه إلى عرف الناس. ومن ذلك لفظ السفر علق الله به أحكامًا، منها: قصر الصلاة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٠١]. ومنها الفطر من الصوم الواجب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ومنها التيمم عند فقد الماء: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]. ومنها المسح على الخفين ثلاثًا، كما في حديث علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نمسح على الخفين يومًا وليلةً، وللمسافر ثلاثًا (٢).

стр. 9962

ومنها منع المرأة من السفر إلا بمحرم، كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه. ولفظ السفر في هذه النصوص مطلق، ولم يأت نص مرفوع يحدُّ السفر ويقيده بمسافة أو في زمن معين، بل علقه بمسمى السفر. وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقًا بشيء لا يعرفونه. ولو كان السفر محدودًا بالمسافة لبينه الله ورسوله بيانًا تقوم به الحجة، خاصة أنه يتعلق به كثير من الأحكام التي تتعلق بأركان الإسلام، من قصر الصلاة، والفطر من الصيام، ومدة المسح. وما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسمَّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده؛ لأن المقادير توقيفية، لا سبيل إلى الاجتهاد فيها. والحقائق ثلاث: شرعية، ولغوية، وعرفية: فالألفاظ إما أن يكون الشرع قد جعل لها حقيقة شرعية نقلها عن معناها اللغوي، كالإيمان، والكفر، والنفاق، والصلاة والزكاة، والصيام، فإذا جاء لفظ منها حمل على حقيقته الشرعية؛ لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، ولم يأت لبيان اللغويات، فيتعين الحمل عليه إلا أن يتعذر ذلك، فتحمل على اللغة. فالإيمان في اللغة: التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. وفي الشرع: إقرار القلب مصدقًا بالعمل: عمل اللسان، وعمل الجوارح، يزيد وينقص بأسبابهما. والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: التعبد بأقوال وأفعال تبدأ بالتكبير ويخرج منها بالتسليم. فإذا قال الشارع: لا صلاة بعد صلاة الصبح، فالنهي متوجه للصلاة الشرعية، وليست اللغوية إلا أن يتعذر حملها على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. والصيام في اللغة: مطلق الإمساك، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ

стр. 9963

إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. وفي الشرع: التعبد بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وإما أن يكون الشارع لم يجعل للفظ حقيقة شرعية، فيكون قد أبقى اللفظ على معناه اللغوي، فتحمل على ذلك، كالأرض والسماء. وقد يشتهر في العرف معنى ينقل اللفظ عن معناه اللغوي، فالدابة في اللغة اسم لكل ما دب على الأرض، سواء أكان يمشي على بطنه أم على رجلين أم على أربع، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]. وقصر أهل العرف لفظ الدابة على ذوات الأربع. والسفر في اللغة: قال الجوهري في الصحاح: السفر: قطع المسافة (١). فأطلق المسافة، ولم يحدها بقدر معين أو زمن. وذلك لأن السفر مأخوذ من السفور: وهو الظهور من بلد الإقامة. قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]، أي: ظهر. وسفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته. فمجرد الظهور من بلد الإقامة يصدق عليه أنه سفر من حيث اللغة. ولما كان النبي ﷺ يخرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يكن يقصر الصلاة، دل على أنه يراد بالسفر ظهور خاص، وليس مطلق الظهور، فصار المعنى اللغوي ليس محكَّمًا في تنزيل الأحكام الشرعية. فإذا كان السفر لا حدَّ له في الشرع من حيث المسافة والزمن. ولم يكن الرد إلى الحدِّ اللغوي في تنزيل أحكام السفر، كان المحكَّم في ذلك: هو عرف الناس، فما عدَّه الناس سفرًا فهو سفر، تتنزل عليه أحكام المسافرين من الفطر، والقصر، والمسح ثلاثة أيام، وما لم يعد في عرف الناس سفرًا فليس بسفر، ولو طالت مسافته؛ لأن كل شيء لا حدَّ له في الشرع، ولا في اللغة فالمرجع فيه إلى عرف الناس (٢).

стр. 9964

والكلام إما متلقى من الشرع، وإما صادر عن الناس في تعاملاتهم. فالنصوص الشرعية تقدم الحقيقة الشرعية على غيرها من الحقائق. فإن لم توجد قدمت الحقيقة اللغوية على العرفية؛ لأن النصوص الشرعية نزلت بلسان عربي مبين، فإن لم يوجد حدٌّ في اللغة قدمت الحقيقة العرفية. وأما ما يصدر من الناس في معاملاتهم، وما يعقدونه من أيمان ونذور فتقدم الحقيقة العرفية على كلٍّ؛ لأنها هي الكاشفة عن مراد الناس في ألفاظهم. ويشترط في تقديم العرف أن يكون العرف مطَّردًا منضبطًا حتى يمكن الرجوع إليه. والدليل على تحكيم العرف: أن الله لم يقدر بعض الحقوق، وقد جعل تقديرها راجعًا إلى عرف الناس، وهذا دليل على تحكيم العرف. قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال ابن تيمية: «الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف، وليست مقدرة بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلد والأزمنة، وحال الزوجين وعادتهما، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. وقال : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وكل مطلقة لها على زوجها أن يمتعها ويعطيها ما يناسبها ويناسب حاله وحالها، وهذا يرجع إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الأحوال. وقال النبي ﷺ لهند بنت عتبة: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١). وقال: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (٢).

стр. 9965

وعن مالك في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق (١). وهو موصول في مسند أحمد بسند حسن دون قوله: (بالمعروف) (٢). وقال شيخ الإسلام: «والتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس. ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره تقليدًا، وليس هو مما يقطع به، والنبي ﷺ لم يقدر الأرض بمساحة أصلًا، فكيف يقدر الشارع لأمته حدًّا لم يجر له ذكر في كلامه، وهو مبعوث إلى جميع الناس فلا بد أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًّا، وذرع الأرض مما لا يمكن؛ بل هو إما متعذر وإما متعسر؛ لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطًا، ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض» (٣). ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: هذا القول وإن كان يبدو للناظر أنه قوي جدًّا إلا أنك لا تجد هذا القول محفوظًا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا قال به أحد من الأئمة الأربعة، وهذا بحد ذاته كافٍ في ترك القول به؛ لأن طالب العلم الشرعي يتطلب في كل مسألة فقهية -إذا لم تكن نازلة- إلى إمام له من الصدر الأول من السلف الصالح من أهل القرون المفضلة، فإذا علم أن هذا القول أول من قال به هو شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله لم تكن قوة القول كافية للقول به، على إمامة شيخ الإسلام ومكانته في الأمة إلا أنه متأخر من حيث الزمن، فما لم يكن

стр. 9966

دينًا في عصر الصحابة والقرون المفضلة لم يكن دينًا في آخر القرن السابع، فلو كان من دين الله لكان ذلك معلومًا للصحابة والتابعين، ولا يصح حمل قول ابن تيمية على من قال بجواز القصر في طويل السفر وقصيره؛ لأن المسافة الطويلة إذا لم تعد في العرف سفرًا، لا يقصر عند ابن تيمية، فإن ثبت القول بتحكيم العرف عند أحد من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم فالصدر منشرح للقول به. قال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام (١). وإذا كان هذا في عصر الإمام أحمد، فما بالك بمن جاء بعده بقرون. وقال الإمام أحمد: إنما العلم ما جاء من فوق (٢). وقال حرب بن إسماعيل: قلت: الرجل يفسر إعراب القرآن فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. رُفِع؛ لأنه ابتداء. ﴿وقُلْ﴾: جُزِم؛ لأنه أمر. ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ قسمٌ، ونحو هذا؟ قال: إذا كان شيئًا قد تُكِلِّم فيه من قبل، رجوت (٣). الوجه الثاني: تعليق الأمر بالعرف في معرفة ما يعد سفرًا مع سعة البلاد وكثرة العباد يؤدي إلى التلاعب في ركنين من أركان الإسلام، وهما القصر والفطر. وأين اطراد العرف مع اتساع رقعة المدينة الواحدة، وكثرة الناس فيها، وقد كانت المدن الإسلامية فيما سبق محدودة المكان وعدد الناس قليلًا، ويمكن ضبط العرف، أما الآن ففيه صعوبة. وإذا كان الفقهاء يحيلون المستفتي إلى عرف الناس، مع أنهم من جملة أهل العرف، فهذا دليل على عدم انضباط العرف، فلو كان منضبطًا لوجدوه معلومًا معروفًا لهم، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام.

стр. 9967

نعم من العرف ما هو مطرد منضبط، كالرجوع إلى العرف في مدلولات ألفاظ الناس ومرادهم منها، وتقدير النفقات، ومعرفة الشروط العرفية في المعاملات إذا كانت مطردة، وصفة القبض والحرز ونحوها. ومنه ما لا يمكن انضباطه واطراده كالشأن في التنقل بين الأماكن المختلفة، في البلدان المختلفة، وما يعد منها سفرًا في العرف وما لا يعد، وأين اطراد العرف في مثل هذا، ففي الوقوف على عرف منضبط لدى الناس اليوم فيه صعوبة لا تخفى. الوجه الثالث: لو كان المرجع إلى العرف لم يصح قياس بعض الأماكن على بعض في تقدير المسافة التي تقصر فيها الصلاة، ولهذا قدر ابن عباس المسافة التي تقصر فيها الصلاة بما كان من مكة إلى عُسفان، ومن مكة إ لى الطائف، ومن مكة إلى جدة، والمسافة بين هذه الأمكنة متقاربة، وسبق تخريجه. وقال علي بن ربيعة: سألت ابن عمر عن قصر الصلاة، فقال: أتعرف السويداء؟ قلت: نعم. قال: فاقصر إليها، وهي على مسيرة يومين من المدينة، قال وكان ابن عمر يقصر إليها، وسبق تخريجه. ولو كان المحكم العرف لم يكن القصر في معرفة المسافة بالقياس إلى بعض الأماكن، فقد تكون المسافة واحدة إلى مكانين مختلفين، ويعد في عرف الناس الذهاب إلى أحدهما سفرًا، ولا يعد الآخر فتختلف أحكامهما؛ لاختلاف العرف. فهذان صحابيان قربا للسائل المسافة التي تقصر فيها الصلاة بالقياس على بعض الأمكنة، ولم يجعلا الرد إلى العرف. الوجه الرابع: قول شيخ الإسلام: الموجب: هو نفس السفر، لا نفس مساحة الأرض، بل الموجب قطع مساحة تصح أن تكون سفرًا، فلا سفر إلا في قطع مساحة معلومة من الأرض، كما قال الجوهري في الصحاح: السفر: قطع المسافة (١).

стр. 9968

والقول بأن العرب وقت التشريع لا يعرفون مساحة الأرض غير صحيح، فكيف دخل إلى لغتهم لفظ البريد والفرسخ، والميل، وكيف نقل التابعون القصر بالمساحة عن ابن عباس وابن عمر. وعلى التسليم بأن عامة العرب إلا الخواص لا يعرفون مساحة الأرض؛ فإن هذا على بعده لا يقدح في الحكم، فليس كل مسافر يعرف علامات القبلة بالنجوم، والناس يقلد بعضهم بعضًا في ذلك، ولا يقدح ذلك في التشريع، وكثير من أحكام الشريعة لا يعرفها عوام الناس، ويقلدون فيها أهل العلم، وهذا الحكم من جملتها. وروى مالك في الموطأ عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، فكيف عرف نافع المساحة، وليس معه آلة يمسح بها الأرض؟ فإذا شرع للناس القصر والفطر في السفر لزمهم معرفة ما يكون به الرجل مسافرًا، كما يلزمهم معرفة أحكام الحج لمن وجب عليه الحج، ومعرفة مقدار الزكاة والنصاب لمن كان من أهلها، وإن كان الأصل في معرفة الأحكام بأدلتها لا يعرفه إلا طلبة العلم، وكما يعرف الناس طول القماش بالذراع يعرف الناس طول مساحة الأرض بسير الإبل والبغال والخيل والراجلة، وهو تقريب لا تحديد. الوجه الخامس: القول بأن نصوص السفر مطلقة، وما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسمَّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده غير صحيح، بل ما أطلق من نصوص السفر محمولة على المقيَّد منها، وقد جاء التقييد بالزمن، وبالمسافة. فمن التقييد بالزمن ما جاء في حديث أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (١). ولم يأت في النصوص المرفوعة الصحيحة إطلاق السفر على ما هو أقل من يوم وليلة، وترجم له الإمام البخاري في صحيحه: باب في كم يَقْصُر الصلاة؟ فقال

стр. 9969

البخاري: سمى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا (١). وصح عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: تقصر الصلاة في اليوم التام: أي يوم وليلة، وهذه موافقة لحديث أبي هريرة في الصحيحين، ومعلوم لدى الصحابة ماذا يقطع المسافر في اليوم التام من المسافة بسير الإبل؛ لأن العرب تعرف المسافة بمقدار الزمن الذي تسير به الإبل المحملة، وقد قدر ابن تيمية والنووي البريد بمسيرة نصف يوم، وهو من تقدير المساحة بالزمن. وسبقت الإشارة إلى ذلك. وصح عن الصحابة تقييد نصوص السفر المطلقة بالمسافة، (ث-٩٣١) فروى البخاري تعليقًا في كتاب تقصير الصلاة، قال البخاري: كان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا (٢). [صحيح] (٣). وقد دفعت فيما سبق كل الآثار التي تعارض هذا الأثر. فكان تقييد السفر بالزمن ثابتًا بالنص مرفوعًا وموقوفًا بالسير باليوم التام. وكان التقييد بالسير في يومين مطلقين موقوفًا على بعض الصحابة. وكان التقييد بالمسافة ثابتًا بالآثار عن ابن عباس وابن عمر. وكما قلت: التحديد بالزمن لا يعارض التحديد بالمسافة بأربعة برد في الجملة، وهو على سبيل التقريب لا التحديد على الصحيح.

стр. 9970

فإذا أطلق التحديد باليوم دون وصفه بالتام، قدر التحديد فيه بمسيرة يومين نهاريين: وإذا أطلق التحديد باليوم التام، فيقصد به يومًا وليلة، كما جاء ذلك نصًّا في حديث أبي هريرة المرفوع، وأثر ابن عمر وابن عباس، وهو يعدل سير اليومين من النهار، وكلاهما يعدلان أربعة برد. وهذا ليس فهمًا مني، بل هو ما نقله الطحاوي من الحنفية وابن عبد البر والقاضي عبد الوهاب من المالكية والإمام أحمد، وتقدم النقل عنهم. والأصح أن عمل الصحابة يقيد المطلق ويخصص العام، ولم يختلف الصحابة من تقدير السفر إما بالزمن أو بالمسافة، وإن اختلفوا في تقدير ذلك. والقول بأن المقادير توقيفية، لا سبيل إلى الاجتهاد فيها، هذا صحيح، فالتقدير إذا كان بابه التوقيف، وصح التقدير عن الصحابة دل هذا على أنهم أخذوه من النبي ﷺ ؛ لأن الصحابي من العلم والديانة بحيث لا يقول برأيه في شأن سبيله التوقيف، فكان له حكم الرفع، خاصة أن هذا التقدير قد توافق عليه ابن عباس مع ابن عمر، وحسبك بهما علمًا وفقهًا، فكيف إذا كان ما ورد عن ابن عباس وابن عمر من التقييد موافقًا لما ورد في السنة المتفق على صحتها بمسيرة يوم وليلة كما سبق بيانه. واختلاف أقوال الصحابة في تحديد مسافة السفر، لا يسقطها كلها، وننتقل عنها إلى قولٍ ما قال به أحد منهم، فكل أقوالهم على اختلافها ترجع إلى التحديد إما بالمسافة وإما بالزمن، والثاني وسيلة لمعرفة الأول، وليس شيء منها يقول بالتحديد بالعرف، والترجيح بين أقوالهم بالنظر إلى الأصح منها، فالحق لا يخرج عن أحدها، وليس في تركها كلها بدعوى اختلافهم، وانتحال قول لم يقله أحد منهم، ولا عرف عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة. وشيخ الإسلام لم يستبعد القول بالتحديد في أحد قوليه، حيث قوى القول بالتحديد بالبريد مستدلًّا بقصر أهل مكة في عرفة. يقول شيخ الإسلام: « .... كان بعضهم -يعني طائفة من علماء أصحاب أحمد- يقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول

стр. 9971

بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها؛ فإن من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك. والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر … وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد. وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم؟» (١). فهذا النص من شيخ الإسلام فيه دلالتان: الدلالة الأولى: أن القول بالتحديد بالبريد ينقض القول بأن التحديد بالمسافة لا أصل له في الشرع. الدلالة الثانية: أن قوله: أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم إعمال بالقياس. والأخذ بالقياس يبطل القول بالتحديد بالعرف؛ لأن مسافة السفر إذا كانت تعرف بالقياس بطل الرد إلى العرف، كما شرحت ذلك سابقًا بأن المسافة قد تكون واحدة إلى مكانين مختلفين، ويعد في عرف الناس الذهاب إلى أحدهما سفرًا دون الآخر؛ لاختلاف العرف، ولأن العرف يختلف باختلاف الأماكن واختلاف الأزمان، بخلاف الإلحاق بالقياس فهو مطرد في كل مسافة بصرف النظر عن العرف، فإذا أراد شيخ الإسلام القياس على المسافة بين مكة وبين عرفة فهذا قول منه بالتحديد، وليس قولًا بتحكيم العرف. وقد قال شيخ الإسلام: «لو كانت المسافة محدودة لكان حدها بالبريد أجود؛ لكن الصواب أن السفر ليس محددًا بمسافة؛ بل يختلف فيكون مسافرًا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا» (٢).

стр. 9972

وهذا رجوع من شيخ الإسلام من وصفه القول بالتحديد بالبريد بأنه هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه. ولا يمنع أن يكون لشيخ الإسلام في المسألة قولان، أحدهما: تحكيم العرف. والآخر: التحديد بالبريد، إلا أن الأول لا أعرف قائلًا به بخلاف الثاني، فهو وإن قيل به إلا أنه مخالف لما عليه الأئمة الأربعة، ومخالف لما صح عن ابن عمر وابن عباس. وروى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (١). وعلى كل حال فالتحديد بالبريد، ورد في حديث أبي هريرة، وتفرد بلفظ (البريد) سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، مخالفًا للإمام مالك وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، فقد رووه عن سعيد المقبري، وقيدوه بالسفر يومًا وليلة، فهو حرف شاذ، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. وقول شيخ الإسلام: عرفة من المسجد بريد، والسؤال: أتقاس مسافة السفر من سكناه أم من مفارقة العمران؟ الذي يظهر الثاني؛ لأنه إنما يكون مسافرًا حيث يحق له الترخص في أحكام السفر، والعكس صحيح، فما دام ممنوعًا من الترخص في أحكام السفر فهو مقيم، وقد صلى النبي ﷺ الظهر في المدينة أربع ركعات، وصلى في ذي الحليفة العصر ركعتين، فلم يأخذ بأحكام السفر حتى فارق المدينة، وابتداء المسافة مقيسة على انتهائها، فهو في الرجوع من السفر ينقطع سفره من حين وصوله إلى عمران القرية، فكذلك لا يكون مسافرًا إلا حين خروجه من عمران القرية؛ ولأن السفر من السفور، وهو الظهور، فلا يصح احتساب المسافة من المسجد إلى عرفة. ولا يعارض فعل النبي ﷺ في حجة الوداع ما رواه أنس أنه كان إذا جهز راحلته للسفر أفطر قبل أن يشرع في السفر، وينسب ذلك إلى السنة، فإن حديث حجة جابر في حجة الوداع أشهر وأقوى، وهو موافق للقياس، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى

стр. 9973

هذه المسألة في الصيام، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. دليل من قال: إذا سافر بريدًا اثني عشر ميلًا قصر الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٤٥٧) روى أبو داود وابن خزيمة من طريق سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسافر امرأة بريدًا إلا ومعها ذو محرم. [انفرد بقوله: (بريدًا) سهيل بن أبي صالح، وقد خالفه الإمام مالك وغيره] (١).

стр. 9974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9977

وجه الاستدلال: قال شيخ الإسلام: «أقل ما روي في التقدير بريد، فدل ذلك على أن البريد يكون سفرًا» (١). الدليل الثاني: صلى أهل مكة خلف النبي ﷺ في مكة فأتموا الصلاة، وصلوا خلفه في عرفة، فقصروا الرباعية، والمسافة بين مكة وعرفة بريد، ولو كان القصر لا يكون إلا في أربعة برد لقال النبي ﷺ لأهل مكة في منى وعرفة ومزدلفة: أتموا فإنا قوم سفر، والجمع قد يتسامح فيه؛ لجوازه عند الجمهور في الحضر، وأما القصر فلا يكون إلا في سفر، فلما قصر أهل مكة في عرفة خلف النبي ﷺ والقصر من أحكام السفر كالفطر، علم أن القصر يصح في مثل تلك المسافة. (ث-٩٣٢) فقد روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٢). [صحيح]. ورواه مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وزاد سعيد: ثم صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا (٣). وكونهم قصروا في منى؛ لأن منتهى سفرهم عرفة، كما صلى النبي ﷺ الظهر

стр. 9978

في المدينة أربعًا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين؛ لأن منتهى سفره مكة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك. والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر … وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد» (١). ونوقش هذا: لا يختلف الأئمة الأربعة أن علة القصر في عرفة وفي غيرها من المشاعر هو السفر، ولا دخل للقصر في أحكام النسك، وإن اختلفوا في علة الجمع في المشاعر. وعمدة الاحتجاج في قصر مكة خلف النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة ومنى ليس لوجود نص يأمرهم بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل هذا عدمي، ودلالته ضعيفة لأمور منها: الأول: صلى خلف النبي ﷺ في عرفة العرفي، وصلى خلفه في مزدلفة المزدلفي، وصلى أهل منى خلفه في منى، وهؤلاء غير مسافرين في أماكن إقامتهم، فلا يمكن لهم أن يقصروا، فهل نقل أنه ﷺ أمرهم بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا؟ فلو استعملنا طريقتكم في الاستدلال لقلنا: يقصر العرفي في عرفة، ويقصر المزدلفي في مزدلفة، ويقصر المنوي في منى؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم بالإتمام لنقل؛ لتوافر الدواعي على نقله، ولم ينقل. الأمر الثاني: صلى النبي ﷺ الظهر والعصر قصرًا وجمعًا بالأبطح وذلك بعد نفوره من منى، وقبل طواف الوداع كما في حديث أبي جحيفة في الصحيحين، وقد صلى الناس خلفه، وفيهم المكي وغير المكي، وهذا الجمع والقصر بعد فراغ المكي من نسكه؛ لأنه لا وداع عليهم، فلا علاقة للنسك بهذا الجمع والقصر (٢).

стр. 9979

فهل نقل أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا، فهل تقولون يجوز للمكي أن يقصر الصلاة في مكة بعد فراغه من النسك؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه أمرهم بالإتمام؟ الأمر الثالث: أقام النبي ﷺ في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأهل مكة يصلون خلفه، وهم حديثو عهد بكفر، ولم يصح أن النبي ﷺ أمرهم بالإتمام، ولم ينقل أنهم أتموا. وكذلك صلى النبي ﷺ أربعة أيام في مكة عام حجة الوداع قبل خروجه لمنى، ولم يصح في السنة أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام. وما ورد في ذلك فمداره على ابن جدعان، وهو ضعيف. فإن قلتم: لعل النبي ﷺ لم يأمرهم؛ لأنه سبق أن بيَّن هذا الحكم لهم، واكتفى به، أو أن النبي ﷺ أمرهم ولم ينقل. قيل: ما كان جوابًا لكم كان جوابًا عن صلاة المكي خلفه في عرفة ومزدلفة، فلعله لم يأمرهم بالإتمام يوم عرفة اكتفاء بأمر سابق، أو أنه أمرهم ولم ينقل، فما دام أن القصر في المشاعر علته السفر، فلا فرق بين المحرم والحلال، كلاهما لا يقصر إلا في مسافة تصح أن تكون سفرًا. وهذا من أوضح الأدلة على أن عدم النقل ليس دائمًا يكون حجة، فأحيانًا لا يعدُّ نقلًا للعدم، ولم يأت عن الشارع فرق بين جمعه وقصره بعرفة ومزدلفة قبل فراغه من النسك، وبين جمعه وقصره بالأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، والأصل أن السبب واحد فيهما، وفي كلها قد صلى خلفه من لا يشرع له القصر. فإذا لم يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، فالأصل أنهم يتمون؛ لأنهم مقيمون، وما يصدق على

стр. 9980

أهل عرفة يصدق على أهل مكة ومنى ومزدلفة؛ لأن المسافة بين المشاعر لا يمكن أن تكون مسافة سفر. (ث-٩٣٣) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس، فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة، أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر الصلاة إلا في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم، فإن ذهبت إلى الطائف أو إلى جدة، أو إلى قدر ذلك من الأرض، إلى أرض لك، أو ماشية فاقصر الصلاة، فإذا قدمت فَأَوْفِ. [صحيح موقوفًا] (١). وجه الاستدلال: فالإمام عطاء مكيٌّ، وقد قال له ابن عباس: (لا تقصر إلى عرفة أو إلى منى) ومطلقه يشمل المحرم وغير المحرم، ومن قيده بغير المحرم فعليه الدليل، ولم يأت عن أحد من الصحابة خلاف ما نقل عن ابن عباس. الأمر الرابع: إذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر، ومن ادعى أن عمر سوف ينهى المكي عن القصر في مكة، وهم محرمون، ولا ينهى العرفي في عرفة عن القصر، فعليه الدليل. وإذا رجعنا إلى أقوال الأئمة نجد أن الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمنوي لا يقصر في منى (٢).
следующие страницы →