← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

الزَّوجِ، وإمَّا إنْ كانَ مِنْ قِبَلِ المرأةِ، فإنْ كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ فلا يَحلُّ لهُ أخذُ شيءٍ مِنْ العوضِ على المُخلِعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أتاهَا مِنْ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وقولُه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضيِّقوا عليهنَّ لتَذهبُوا ببَعضِ ما آتَيتمُوهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، نهَى الأزواجَ عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ واستَثنى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستَثنى يُخالِفُ حُكمَ المُستَثنى منهُ، فيَقتضي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ عندَ عدمِ النُّشوزِ منهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتَّى لا يَملِكَ استِردادَه، لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ بهِ، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ والمرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ. وإنْ كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها فلا بأسَ بأنْ يأخُذَ مِنها شيئًا قَدرَ المَهرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، والاستِثناءُ مِنْ النَّهيِ إباحةٌ مِنْ حَيثُ الظَّاهرِ، وقَولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قيلَ: أي لا جُناحَ على الزَّوجِ في الأخذِ وعلى المَرأةِ في الإعطاءِ. وأمَّا الزِّيادةُ على قَدرِ المَهرِ ففيها رِوايتانِ، ذُكرَ في كِتابِ الطَّلاقِ أنها مَكروهةٌ، وهكذا رُويَ عَنْ عليٍّ ﵁ أنه كَرهَ للزَّوجِ أنْ يأخُذَ منها أكثَرَ

стр. 10012

ممَّا أعطاها، وهوَ قَولُ الحسَنِ البَصريِّ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وطاوُسٍ. وذكَرَ في «الجامِع الصَّغير» أنها غيرُ مَكروهةٍ، وهوَ قولُ عُثمانَ البَتيِّ، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ. وجهُ هذهِ الرِّوايةِ ظاهِرُ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] رفَعَ الجُناحَ عنهُما في الأخذِ والعَطاءِ مِنْ الفداءِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا كانَ مَهرَ المِثلِ أو زِيادةً عليهِ، فيَجبُ العملُ بإطلاقِ النَّص، ولأنها أعطَتْ مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها، وقَد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، بخِلافِ ما إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِه؛ لأنَّ النُّشوزَ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ كانَتْ هي مَجبورةً في دَفعِ المالِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنها معَ رَغبتِها في الزَّوجِ لا تُعطِي إلَّا إذا كانَتْ مُضطرةً مِنْ جهتِه بأسبابٍ أو مغتَرَّةً بأنواعِ التَّغريرِ والتَّزويرِ، فكُرهَ الأخذُ. وجهُ رِوايةِ الأصلِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قَولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطاها مِنْ المَهرِ واستَثنى القدْرَ الَّذي أعطاها مِنْ المَهرِ عندَ خَوفِهما ترْكَ إقامةِ حُدودِ اللهِ على ما نَذكرُ، والنَّهيُ عَنْ أخذِ شيءٍ مِنْ المَهرِ نهيٌ عَنْ أخذِ الزِّيادةِ على المَهرِ مِنْ طريقِ الأَولى، كالنَّهيِ عن التَّأفيفِ أنه يَكونُ نهيًا عن الضَّربِ الَّذي هو فَوقَه بالطَّريقِ الأَولى.

стр. 10013

ورُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قالَ لامرأةِ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ: «أتَردِّينَ عَليهِ حديقتَهُ؟ فقالَتْ: نعَمْ وزِيادةً، قالَ: أمَّا الزِّيادةُ فلا» نهَى عَنْ الزِّيادةِ معَ كَونُ النُّشوزِ مِنْ قِبلِها، وبهِ تَبيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قدْرُ المَهرِ لا الزِّيادةُ عليهِ، وإنْ كانَ ظاهِرُه عامًّا عرَفْنا ببَيانِ النَّبيِّ ﷺ الَّذي هو وَحيٌّ غَيرُ مَتلوٍّ. والدَّليلُ عليهِ أيضًا قَولُه تعالَى في صَدرِ الآيةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ذكَرَ في أوَّلِ الآيةِ ما آتاها، فكانَ المَذكورُ في آخِرِها -وهوَ قولُه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ - مَردودًا إلى أوَّلِها، فكانَ المُرادُ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ أي: بما آتاها، ونحنُ بهِ نقَولُ أنه يَحلُّ لهُ قَدرُ ما آتاها. وأمَّا قولُه: «أنها أعطَتْه مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها» فنعَمْ، لكنَّ ذاكَ دَليلُ الجَوازِ، وبهِ نَقولُ أنَّ الزِّيادةَ جائزةٌ في الحُكمِ والقَضاءِ، ولأنَّ الخُلعَ مِنْ جانِبِها معاوَضة حالة عن الطَّلاقِ، وإسقاطُ ما عليها مِنْ المِلكِ ودَفعُ المالِ عِوضًا عمَّا ليسَ بمالٍ جائِزٌ في الحُكمِ إذا كانَ ذلكَ ممَّا يُرغَبُ فيهِ، ألَا تَرى أنَّه جازَ العِتقُ على قليلِ المالِ وكَثيرِه، وأخذُ المالِ بدَلًا عَنْ إسقاطِ المِلكِ والرِّقِّ، وكذلكَ الصُّلحُ عَنْ دَمِ العمدِ، وكذلكَ النِّكاحُ لمَّا جازَ على أكثَرَ مِنْ مَهرِ مثلِها وهو بدَلُ البُضعِ فكذا جازَ أنْ تَضمَنَه المرأةُ بأكثَرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها؛ لأنه بَدلٌ مِنْ سَلامةِ البُضعِ في الحالَينِ جَميعًا، إلَّا أنه نهَى عَنْ الزِّيادةِ على قَدرِ المهرِ لا لمَعنًى في نَفسِ العَقدِ؛ بلِ المَعنى في غَيرِه، وهو شُبهةُ

стр. 10014

الرِّبا والإضرارِ بها، ولا يُوجدُ ذلكَ في قَدرِ المَهرِ، فحلَّ له أخذُ قَدرِ المَهرِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا مِقدارُ ما يَجوزُ لها أنْ تَختلِعَ به: فإنَّ مالِكًا والشَّافعيَّ وجَماعةً قالُوا: جائزٌ أنْ تَختلعَ المَرأةُ بأكثرَ ممَّا يَصيرُ لها مِنْ الزَّوجِ في صَداقِها إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها وبمِثلِه وبأقلَّ منهُ. وقالَ قائِلونَ: ليسَ لهُ أنْ يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها على ظاهرِ حَديثِ ثابتٍ. فمَن شَبَّهه بسائرِ الأعواضِ في المُعامَلاتِ رأى أنَّ القدْرَ فيهِ راجعٌ إلى الرِّضا، ومَن أخَذَ بظاهرِ الحَديثِ لم يُجِزْ أكثرَ مِنْ ذلكَ، وكأنَّه رآهُ مِنْ بابِ أخذِ المالِ بغيرِ حقٍّ (٢). المسألةُ الثَّالثةُ: هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ العِوضُ مَعلومًا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العِوضَ -وهو ما تَبذلُه المَرأةُ في الخُلعِ- إذا كانَ مَعلومًا يَصحُّ تموُّلُه ومَقدورًا على تَسليمِه فإنَّ الخُلعَ صَحيحٌ. إلَّا أنَّهم اختَلفُوا في مسألتَينِ: فيما لو كانَ مَجهولًا أو غيرَ مُتموَّلٍ، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟

стр. 10015

المسألةُ الأُولى: إذا كانَ العِوضُ مَجهولاً: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ العِوضُ في الخُلعِ مَجهولًا مِثلَ أنْ تقولَ لهُ: «اخلَعْنِي على ما في يَدي مِنْ الدَّراهِمِ» وهو لا يَعلمُ ما في يَدِها، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ الخُلعُ ولو كانَ العِوضُ المَبذولُ في الخُلعِ مَجهولًا، مِثلَ أنْ تُخالعَه على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ، وله ما جُعلَ لهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ معنًى يَجوزُ تَعليقُه بالشَّرطِ فجازَ أنْ يُستحقَّ به العِوضُ المَجهولُ كالوَصيةِ، ولأنَّ الخُلعَ إسقَاطٌ لحقِّهِ مِنْ البضعِ وليسَ فيهِ تَمليكُ شيءٍ، والإسقاطُ تَدخلُه المُسامَحةُ، ولذلكَ جازَ عن غَيرِ عوضٍ بخِلافِ النِّكاحِ، وإذا صَحَّ الخُلعُ فلا يَجبُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنها لم تَبذلْه ولا فوتَتْ عليهِ ما يُوجِبُه، فإنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غَيرُ مُتقوَّمٍ، بدليلِ ما لو أخرَجَتْه مِنْ مِلكِه برِدَّتِها أو رضاعِها لمَن يُفسَخُ به نِكاحُها لم يَجبْ عليها شيءٌ، ولو قتَلَتْ نفْسَها أو قتَلَها أجنَبيٌّ لم يَجبْ للزَّوجِ عِوضٌ إن طاوعَتْ لم يَكنْ للزَّوجِ شيءٌ، وإنَّما يُتقوَّمُ البُضعُ على الزَّوجِ في النِّكاحِ خاصَّةً، وأباحَ لها افتِداءَ نفْسِها لحاجتِها إلى ذلكَ، فيَكونُ الواجِبُ ما رضيَتْ ببَذلِه، فأمَّا إيجابُ شيءٍ لم ترْضَ بهِ فلا وجهَ له. فعلى هذا إنْ خلَعَها على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ صَحَّ، فما كانَ في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ فهي لهُ.

стр. 10016

قالَ الحَنابلةُ: إنْ لَم يكنْ في يَدِها شيءٌ فلهُ عليها ثلاثةٌ، نصَّ عليهِ أحمَدُ؛ لأنهُ أقَلُّ ما يقَعُ عليهِ اسمُ الدَّراهمِ حَقيقةً، ولَفظُها دلَّ على ذلكَ فاستَحقَّهُ، كما لو وصَّى لهُ بدَراهمَ. وإنْ كانَ في يَدها أقلُّ مِنْ ثلاثةٍ احتُملَ أنْ لا يكونَ لهُ غَيرُها، لأنه مِنْ الدَّراهمِ وهو في يَدِها، واحتُملَ أنْ يكونَ لهُ ثلاثةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقتضِيها فيما إذا لم يَكنْ في يَدِها شيءٌ، فكذلكَ إذا كانَ في يَدِها (١). وقالَ الحَنفيةُ: إذا قالَتْ لهُ: «خالِعْني على ما في يَدِي» فخالَعَها ولم يَكنْ في يَدِها شيءٌ فلا شيءَ لهُ عليها؛ لأنها لم تَغرَّه حَيثُ لم تُسمِّ مالًا ولا سمَّتْ لهُ شيئًا لهُ قيمةٌ، وكذا إذا قالَتْ: «على ما في بَيتِي» ولم يكنْ في بَيتِها شيءٌ صحَّ الخلعُ ولا شيءَ له. وإذا قالَتْ لهُ: «خالِعْني على ما في يَدي مِنْ مالٍ» فخالَعَها ولمْ يَكنْ في يَدِها شيءٌ رَدَّتْ عليهِ مَهرَها؛ لأنها لمَّا سمَّتْ مالًا لم يكنْ راضِيًا بالزَّوالِ إلَّا بعِوضٍ، ولا وجهَ إلى إيجابِ المُسمَّى أو قيمتِه للجَهالةِ، ولا إلى قيمةِ البُضعِ -أي: مَهرِ المَثلِ-؛ لأنه غَيرُ متقوَّمٍ حالةَ الخُروجِ، فتَعيَّنَ ما قامَ بهِ على الزَّوجِ، ثمَّ إذا وجَبَ له الرُّجوعُ بالمَهرِ وكانَتْ قد أبرأَتْه منهُ لم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ عيْنَ ما يَستحقُّه قد سَلمَ له بالبَراءةِ، فلو رجَعَ عليها لَرجَعَ لأجلِ الهِبةِ، وهي لا تُوجِبُ على الواهِبِ ضَمانًا.

стр. 10017

وإنْ قالَتْ: «على ما في يَدِي مِنْ دَراهمَ، أو مِنْ الدَّراهمِ» ففعَلَ ولم يَكنْ في يَدِها شيءٌ فلهُ عليها ثَلاثةُ دَراهمَ؛ لأنها سمَّتِ الجمْعَ وأقلُّه ثلاثةٌ، وإنْ وُجدَ في يَدِها دَراهمُ مِنْ ثلاثةٍ إلى أكثرَ فهي للزَّوجِ، وإنْ كانَ في يَدِها أقلُّ مِنْ ثلاثةٍ فلهُ ثلاثةٌ، وإنْ وقَعَ الخُلعُ على المَهرِ صَحَّ، فإنْ لم تَقبضْه المَرأةُ سقَطَ عنهُ، وإنْ قَبضتْه استَردَّه منها، وإنْ خالَعَها على نَفقةِ عدَّتِها صحَّ الخُلعُ وسقَطَتْ عنه النَّفقةُ (١). وقالَ المالكيَّةُ: لا يُشترطُ في صِحةِ الخُلعِ كونُه سَليمًا مِنْ الغَررِ والجَهالةِ، بلْ لو خالَعَ على مَجهولٍ صحَّ الخُلعُ ووقَعَ الطَّلاقُ؛ إذْ ليسَ سَبيلُه سَبيلَ المعاوَضاتِ المَحضةِ كالمُبايَعاتِ الَّتي تُبتغَى فيها الأثمانُ، وإنَّما المُبتغَى في هذا تخلُّصُ الزَّوجةِ مِنْ الزَّوجِ ومِلكُها لنَفسِها، وفارَقَ النِّكاحَ؛ لأنَّ الصَّداقَ حَقٌّ للهِ سُبحانَه، وتَجويزُ الجَهالةِ فيهِ ذَريعةٌ إلى إخلاءِ النِّكاحِ عنهُ، وليسَ كذلكَ الخُلعُ. فإذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ دَفعْتِ لي ما في يَدكِ -وكانَتْ مَقبوضةً- فأنتِ طالِقٌ» ففتَحَتْها فإذا فيها شيءٌ تافهٌ مُتموَّلٌ ولو يَسيرًا كالدِّرهمِ، أو غَيرُ مُتموَّلٍ كخِرقةٍ أو زَبيبةٍ أو حبَّةٍ مَثلًا، أو لا مُتموَّلَ فيها بأنْ لا يكونَ شَيءٌ فيها أصلًا بأنْ تكونَ فارِغةً، أو شيءٌ غيرُ متموَّلٍ كتُرابٍ؛ فإنها تَبِينُ منه بذلكَ؛

стр. 10018

لدُخولِه على الغَررِ؛ لأنَّه طلَّقَ لشيءٍ يأخُذُه أو لا يأخُذُه، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: وهو الأقرَبُ. لا إنْ خالعَتْه بمَا لا شُبهةَ لها فيهِ فلا يَلزمُه الخُلعُ، كما إذا قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها: «خالِعْني على هذه الدَّابةِ» مَثلًا وأشارَتْ إليها فخالَعَها على ذلكَ فإذا الدَّابةُ ليسَتْ لها ولا مِلْكَ لها فيها ولا شُبهةَ مِلكٍ فإنَّه لا يَلزمُه الخُلعُ؛ لأنه خالَعَها على شيءٍ لم يَتمَّ لهُ، وظاهِرُه عَدمُ اللُّزومِ ولو أجازَ صاحِبُه. أو بتافِهٍ كما إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ أعطَيتِنِي ما أخالِعُكِ به فأنتِ طالِقٌ، أو فقدْ خالَعْتُكِ»؛ فإنْ أتَتْه بخُلعِ المِثلِ فإنه يَلزمُه الخُلعُ، وإنْ أتَتْه بدُونِ خُلعِ المثلِ -وهو المُرادُ بالتَّافهِ- فإنه لا يَلزمُه الخُلعُ ويُخلَّى بيْنَه وبيْنَها، ولم يُوجِبْ عليهِ في الرِّوايةِ يَمينًا (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في العِوضِ شُروطُ الثَّمنِ مِنْ كونِه مُتموَّلًا مَعلومًا مَقدورًا على تَسليمِه، فعلى هذا لو خالَعَ بمَجهولٍ كثَوبٍ مِنْ غيرِ تَعيينٍ ولا وَصفٍ، أو كأحدِ هذينِ العبدَينِ، أو بمَعلُومٍ ومَجهولٍ، أو بما في كَفِّها ولا شيءَ فيهِ وإنْ عَلمَ ذلكَ، أو نحوِ مَغصوبٍ أو خَمرٍ مَعلومةٍ وهُما مُسلمانِ، أو غيرِ ذلكَ مِنْ كلِّ فاسدٍ يُقصدُ؛ بانَتْ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنه

стр. 10019

عَقدٌ على مَنفعةِ بُضعٍ فلم يَفسدْ بفَسادِ عوضِه ورجَعَ إلى مُقابِله كالنِّكاحِ. وفي قولٍ: يرجعُ ببدَلِ الخَمرِ، وهو قَدرُها مِنْ العَصيرِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ الخِلافِ تردُّدُ العِوضِ هَهُنا بيْنَ العوضِ في البُيوعِ أو الأشياءِ المَوهوبةِ والمُوصَى بها. فمَن شبَّهَها بالبُيوعِ اشتَرطَ فيهِ ما يُشترطُ في البُيوعِ وفي أعواضِ البُيوعِ، ومَن شبَّهُه بالهِباتِ لم يَشترطْ ذلكَ (٢). المسألةُ الثَّانيةُ: إذا كانَ العِوضُ غيرَ مُتموَّلٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ العِوضُ في الخُلعِ غيرَ مُتموَّل كخَمرٍ أو خِنزيرٍ وهُما مُسلمانِ، هل يَجبُ لها عِوضٌ أم لا؟ بعْدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الطَّلاقَ يقعُ. فذهَبَ الشَّافعيَّةُ إلى أنَّه يُشترطُ في العِوضِ شُروطُ الثَّمنِ مِنْ كونِه مُتموَّلًا مَعلومًا مَقدورًا على تَسليمِه، فعلى هذا لو خالَعَ على خَمرٍ مَعلومةٍ وهُما مُسلمانِ، أو غيرِ ذلكَ مِنْ كلِّ فاسدٍ يُقصَدُ؛ بانَتْ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنفعةِ بُضعٍ، فلم يَفسدْ بفَسادِ عِوضِه ورجَعَ إلى مُقابلِه كالنِّكاحِ. وفي قَولٍ: يرجعُ ببَدلِ الخَمْرِ، وهو قَدرُها مِنْ العَصيرِ (٣).

стр. 10020

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العِوضَ في الخُلعِ إذا كانَ باطِلًا -كما لو خالَعَها عَلى خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو مَيتةٍ أو حُرٍّ- فلا يَستحقُّ الزَّوجُ شَيئًا؛ لأنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غيرُ متقوَّمٍ، فإذا رَضيَ بغيرِ عِوضٍ لم يَكنْ لهُ شيءٌ، كما لو طلَّقَها أو علَّقَ طَلاقَها على فِعلِ شيءٍ ففعلَتْه، وفارَقَ النِّكاحَ؛ فإنَّ دُخولَ البُضعِ في مِلكِ الزَّوج متقوَّمٌ. إلَّا أنَّهم اختَلفُوا هل يَقعُ رَجعيًّا أم بائِنًا أم يَختلفُ بحَسبِ النِّيةِ؟ فقالَ الحنفيَّةُ: العِوضُ في الخُلعِ إذا بطَلَ -مِثلَ أنْ تخالِعَ زوْجَها على خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو مَيتةٍ- فلا شيءَ للزَّوجِ؛ لبُطلانِ العِوضِ المُسمَّى، والفُرقةُ بائِنةٌ، وإنَّما لم يَجبْ شيءٌ عليها للزَّوجِ؛ لأنها ما سمَّتْ مالًا مُتقوَّمًا لتَصيرَ غارَّةً لهُ، ولأنه لا وجهَ لإلزامِ المُسمَّى؛ لامتِناعِ المُسلِمِ عن تَسليمِه وتسلُّمِه، ولا إلزامَ غيرِه؛ لعَدمِ الالتزامِ بهِ، بخلافِ ما إذا خالَعَ على خَلٍّ بعَينِه فظهَرَ خَمرًا فإنه يَلزمُه عليها ردُّ المَهرِ الَّذي أخَذَتْه عندَ أبي حَنيفةَ. وعِندَهما كَيلٌ مِثلُ ذلكَ مِنْ خَلًّ وسَطٍ، وهذا والصَّداقُ سَواءٌ؛ لأنها سمَّتْ مالًا وغرَّتْه بذلكَ فكانَتْ ضامِنةً؛ لأنَّ التَّغريرَ في ضِمنِ العقدِ يُوجِبُ الضَّمانَ.

стр. 10021

وإنْ بطَلَ العِوضُ في الطَّلاقِ كانَ رَجعيًّا إذا لَم يَستَوفِ عَددَ الطَّلاقِ، فإنِ استَوفاها كانَ بائِنًا، وإنَّما كانَ رَجعيًّا؛ لأنَّ صَريحَ الطَّلاقِ إذا خَلا عَنْ العِوضِ ولم يُوصفْ بالبَينونةِ كانَ رَجعيًّا. فالعِوضُ إذا كانَ غيرَ مُتقوَّمٍ كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ؛ فإمَّا أنْ يَكونَ مُوقِعًا بلَفظِ الخُلعِ أو الطَّلاقِ، ففي الخُلعِ يقَعُ بائِنًا، وفي الطَّلاقُ يقَعُ رَجعيًّا إنْ كانَتْ مَدخولًا بها وهي دونَ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الإيقاعَ معلَّقٌ بالقَبولِ وقد وُجدَ، ولمَّا بطَلَ العِوضُ كانَ العامِلُ في الأوَّلِ لفْظَ الخُلعِ وهو كِنايةٌ، والواقِعُ بها بائِنٌ، وفي الثَّاني لفْظَ الطَّلاقِ وهو يَعقبُ الرَّجعةَ (١). وقالَ المالكيَّةُ: الزَّوجُ إذا خالَعَ زَوجتَه بمَا لا يَصلحُ أنْ يكونَ عِوضًا كالخَمرِ والخِنزيرِ وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا ولم يَستحقَّ عليها عِوضًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ معنًى يَصحُّ أنْ يُوقعَ بغيرِ بَدلٍ يَفوتُ بنَفسِ وُقوعِه ولا يُمكنُ الفَسخُ فيهِ، فإذا وقَعَ على ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ بدَلًا لم يَستحقَّ به بدَلًا، أصلُه العِتقُ، ولأنَّه إزالةُ مِلكٍ إلى غيرِ مالِكٍ بما لا يَصحُّ المعاوَضةُ عليهِ فلَم يَستحقَّ بها عوضًا، أصلُه كما لو قالَ لعَبدِه: «إنْ جئتَنِي بزِقِّ خَمرٍ فأنتَ حُرٌّ» فجاءَهُ بهِ فإنه يُعتَقُ ولا يَستحقُّ عليهِ بَدلًا، ولأنَّ مَهرَ المِثلِ مِقدارٌ لم يَقعِ التَّراضي عليهِ في الخُلعِ فلم يَلزمْ بفسادِ العِوضِ فيهِ، أصلُه ما زادَ على مَهرِ المِثلِ،

стр. 10022

ولأنَّ كلَّ معنًى لم يَجبْ في الخُلعِ مع صحَّةِ العِوضِ لم يَجبْ مع فَسادِه، أصلُه المَهرُ المُسمَّى، ولأنَّ ثُبوتَ البَدلِ في الخُلعِ لا يَتعلَّقُ به حقُّ اللهِ تعالَى، بدليلِ جَوازِ التَّراضي على إسقاطِه، فمتى صَحَّ العَقدُ برِضاهُ مِنْ غيرِ بَدلٍ مَعلومٍ صارَ كأنَّه طلَّقَ بلا عِوضٍ، ولأنَّ وُجوبَ مَهرِ المِثلِ لا يَخلُو أنْ يكونَ بدَلًا عَنْ العوضِ أو عَنْ البُضعِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ بَدلًا عَنْ العِوضِ؛ لأنَّ كلَّ بَدلٍ كانَ قائمًا يَكونُ العِوضُ قيمتَه لا غَير، ومَهرُ المثلِ ليسَ بقيمةٍ للخَمرِ، وإنْ كانَ بَدلًا عَنْ فَواتِ البُضعِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ لا قيمةَ لهُ، وتُبنَى المسألةُ على هذا المَوضعِ، وهو أنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ لا قيمةَ لهُ؛ لأنَّ الَّذي يَتلفُ بهِ استِباحتُه، وتلكَ الاستِباحةُ لا تُقوَّمُ في حقِّ مِثلِها، كالمريضِ يطلِّقُ فلا يُقوَّمُ البُضعُ عليها في الثُّلثِ، فلو كانَ لهُ قيمةٌ لقوِّمَ عَليها، كما لو أعطاها شَيئًا مِنْ مالِه، ولأنها لوِ ارتدَّتْ بعدَ الدُّخولِ لم يَلزمْها شيءٌ للزَّوجِ، فلو كانَ لخُروجِ بُضعِها عَنْ مِلكِه قيمةٌ لَوجَبَ أنْ تَضمنَها كما تَضمنُ قيمةَ ما استَهلكَتْ، ولأنَّ قاتِلَها لا يَلزمُه لزَوجِها قيمةُ البُضعِ، فلو كانَ له قيمةٌ لَضَمنَها كسائرِ مالِهِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ كانَ الخُلعُ بلَفظِ الطَّلاقِ فهو طلاقٌ رَجعيٌّ؛ لأنَّه

стр. 10023

خَلا عن عِوضٍ، وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ وكِناياتِ الخُلعِ ونَوى به الطَّلاقَ فكذلكَ؛ لأنَّ الكِناياتِ مع النِّيةِ كالصَّريحِ. وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ ولم يَنوِ الطَّلاقَ انبَنَى على أصلٍ، وهو أنَّه هل يَصحُّ الخُلعُ بغيرِ عِوضٍ؟ وفيهِ رِوايتانِ، فإنْ قُلنا يَصحُّ صَحَّ هاهُنا، وإنْ قُلنا لا يَصحُّ لم يَصحَّ ولم يَقعْ شَيئًا، وإنْ قالَ: «إنْ أعطَيتِني خَمرًا أو مَيتةً فأنتِ طالِقٌ» فأعطَتْه ذلكَ طَلُقَتْ ولا شيءَ عليها (١).

стр. 10024

الرُّكنُ الخامِسُ: الصِّيغةُ: صيغةُ الخُلعِ هي الإيجابُ والقَبولُ، والصِّيغةُ في الخُلعِ تَنقسِمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ، وهناكَ ألفاظٌ اتَّفقَ الفُقهاءُ على وُقوعِ الخُلعِ بها، وأُخرى مُختلَفٌ فيها، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي: ألفاظُ الخُلعِ: قالَ الحنفيَّةُ: ألفاظُ الخُلعِ خَمسةٌ: «خالَعْتُكِ- بارَأْتُكِ- بايَنْتُكِ- فارَقْتُكِ- طلِّقِي نفْسَكِ على ألفٍ»، فإنْ قالَ: «خالَعتُكِ على ألفٍ» فقَبلَتْ فقالَ: «لم أنوِ بذلكَ الطَّلاقَ» لم يُصدَّقْ قَضاءً؛ لأنَّ ذكْرَ العِوضِ دَلالةٌ عليهِ، ويُصدَّقُ دِيانةً؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عالِمٌ بما في سِرِّه، لكنْ لا يسَعُ المَرأةَ أنْ تُقيمَ معَه؛ لأنها كالقاضي لا تَعرفُ منه إلَّا الظاهِرَ؛ لأنَّ ذكْرَ العوضِ دَلالةٌ عليه (١). وزادَ في «الدُّرّ المُختار» لفْظَ البَيعِ والشِّراءِ ك: «بِعْت نفْسَكِ» وك: «اشتِري نفْسَكِ» (٢). وألفاظُ الخُلعِ عندَ المالكيَّةِ: الخُلعُ والفِديةُ والصُّلحُ والمُبارَأةُ، كلُّها تَؤولُ إلى معنًى واحِدٍ وهو بَذلُ المَرأةِ العِوضَ على طَلاقِها، إلَّا أنَّ اسمَ الخُلعِ يَختصُّ ببَذلِها لهُ جَميعَ ما أعطاها، والصُّلحُ ببَعضِه،

стр. 10025

والفِديةُ بأكثَرِ ممَّا أعطاها، والمُبارَأةُ بإسقاطِها عنهُ حقًّا لها عليهِ (١). وألفاظُ الخُلعِ عندَ الشَّافعيةِ تَنقسِمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ. فالصَّريحُ: هو ما كانَ بلَفظِ الخُلعِ وما اشتقَّ منهُ ك: «خالَعتُكِ بكذا» فلا يَحتاجُ معهُ لنيَّةٍ؛ لأنه تكرَّرَ على لسانِ حَمَلةِ الشَّرعِ لإرادةِ الفِراقِ فكانَ كالتَّكرارِ في القُرآنِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يُذكرَ معه مالٌ أم لا ك: «خالَعتُكِ بكذا». وفي قَولٍ: هو كنايةٌ فيَحتاجُ لنيَّةِ الطَّلاقِ. والمُفاداةُ وما اشتقَّ منهُ كخُلعٍ في الأصَحِّ ك: «فادَيتُكِ بكذا»؛ لوُرودِ لَفظِ المُفاداةِ في القُرآنِ، قالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وفي مُقابلِ الأصَحِّ أنَّه كِنايةٌ؛ لأنَّه لم يَتكررْ في القُرآنِ ولم يَشتهرْ على لسانِ حَمَلةِ الشَّريعةِ. والصَّحيحُ أنَّ الخُلعَ والمُفاداةَ إنْ ذُكرَ معهُما المالُ فهُما صَريحانِ في الطَّلاقِ؛ لأنَّ ذِكرَه يُشعِرُ بالبينُونةِ، وإنْ لم يُذكرْ معهُما المالُ فكِنايتانِ فيَحتاجانِ إلى نيَّةِ الطَّلاقِ. والكِنايةُ: ما كانَ بكِناياتِ الطَّلاقِ مع النِّيةِ للطَّلاقِ مِنْ الزَّوجَينِ معًا، فإنْ لم يَنوِيا أو أحدُهُما لم يَصحَّ.

стр. 10026

ولَفظُ الفَسخِ كِنايةٌ ك: «فسَخْتُ نِكاحَكِ بكذا» فقَبلَتْ فهو كِنايةٌ في الفُرقةِ بعوضٍ؛ لأنه لم يَردْ في القُرآنِ ولم يُستعمَلْ عُرفًا فيهِ، فلا يكونُ صَريحًا فلا يقَعُ الطَّلاقُ فيه بلا نيَّةٍ، وإنَّما ورَدَ لَفظُ الفَسخِ مِنْ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه واشتَهرَ في ألسِنةِ العُلماءِ. وألفاظُ البَيعِ والشِّراءِ والإقالَةِ كِناياتٌ في الخُلعِ، سَواءٌ جُعِلَ طَلاقًا أو فَسخًا كما لو قالَ: «بِعْتُ نفْسَكِ مِنكِ بكذا» فقالَتِ: اشتَريتُ، أو قَبلْتُ» فكِنايةُ خُلعٍ، أو قالَ: «أقلْتُكِ بكذا» فقالَتْ: «انقَلْتُ». ويَصحُّ الخُلعُ بالتَّرجمةِ عنه بالأعجميَّةِ وغَيرِها مِنْ اللُّغاتِ نظَرًا للمعنَى (١). وقالَ الحَنابلةُ: لَفظُ الخلعِ يَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ؛ لأنَّ الخُلعَ أحَدُ نَوعي الفُرقةِ، فكانَ له صَريحٌ وكِنايةٌ كالطَّلاقِ. فالصَّريحُ: أنْ يقَعَ بلَفظِ الخُلعِ أو الفَسخِ أو المُفاداةِ ولا يَنوي بهِ الطَّلاقَ، فيكونُ فَسخًا لا يَنقصُ بهَ عَددُ الطَّلاقِ ولو لم يَنوِ بهذهِ الألفاظِ الخُلعَ؛ لأنها صَريحةٌ فيهِ لكَونِها الوارِدةَ في قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 10027

وألفاظُ الكنايَةِ: «بارَيتُكِ، وأبرَأتُكِ، وأبَنتُكِ»؛ لأنها تَحتمِلُ الخُلعَ وغيرَه. فمعَ سُؤالِ الخُلعِ وبَذلِ العِوضِ يَصحُّ الخُلعُ مِنْ غيرِ نيَّةٍ؛ لأنَّ دلالةَ الحالِ مِنْ سُؤالِ الخُلعِ وبَذلِ العِوضِ صارِفةٌ إليهِ فأغنَتْ عن النيَّةِ فيهِ إنْ لم تَكنْ دَلالةُ حالٍ. ولا بُدَّ في الكِناياتِ مِنْ نيَّةِ الخُلعِ ممَّن أتَى بها مِنْ الزَّوجينِ كالطَّلاقِ بالكِنايةِ. وإنْ تَوافقَ الزَّوجانِ على أنْ تهَبَه الزَّوجةُ الصَّداقَ وتُبرئَه منهُ إنْ كانَ دَينًا أو مِنْ نحوِ نَفقةٍ أو قَرضٍ على أنْ يطلِّقَها فأبرَأتْه منهُ أو وهَبتْه الصَّداقَ إنْ كانَ عَينًا ثمَّ طلَّقَها كانَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لدَلالةِ الحالِ على إيقاعِ الطَّلاقِ في مُقابلةِ البَراءةِ، فيكونُ طَلاقًا على عِوضٍ. وكذلكَ لو قالَ لها الزَّوجُ: «أبرِئيني وأنا أطلِّقكُ، أو: إنْ أبرَأتِني طلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ مِنْ العِباراتِ الخاصَّةِ والعامَّةِ الَّتي يُفهمَ منها أنه سألَ الإبراءَ على أنْ يُطلِّقَها وأنها أبرَأتْه على أنْ يُطلِّقَها. وإنْ كانَتْ أبرَأتْه بَراءةً لا تتعلَّقُ بالطَّلاقِ ثمَّ طلَّقَها بعدَ ذلكَ فهو رَجعيٌّ؛ لخُلوِّه عَنْ العِوضِ لفظًا ومعنًى. وتَصحُّ تَرجمةُ الخُلعِ بكلِّ لُغةٍ مِنْ أهلِها؛ لأنها المَوضوعةُ له في

стр. 10028

لِسانِهم، فأشبَهَتِ المَوضوعَ لهُ بالعربيَّةِ، ولعَدمِ التعبُّدِ بلَفظِه، فيَصحُّ بكلِّ لُغةٍ مِنْ أهلِها (١). تَعليقُ الخلعِ بالشَّرطِ وأضافتُهُ إلى وقتٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَعليقِ الخُلعِ على شَرطٍ، هل يَصحُّ أم لا؟ وإذا صَحَّ هل هُناكَ فرْقٌ بيْنَ أنْ يكونَ الشَّرطُ من جهَةِ الزَّوجِ أو الزَّوجةِ؟ أم لا بدَّ أنْ يكونَ مِنْ جهةِ الزَّوجِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ وابنُ قُدامةَ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ على شَرطٍ وإضافتُه إلى وَقتٍ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ. قالَ الحنفيَّةُ: يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ وإضافتُه إلى وَقتٍ إذا كان مِنْ قبَلِ الزَّوجِ، ولا يَصحُّ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجةِ، ويتوقَّفُ على قَبولِ الزَّوجةِ، حتَّى لو قالَ: «خالَعْتُ امرَأتي الغائبةَ على كذا» فبلَغَها الخبَرُ فقَبلَتْ جازَ. وأمَّا مِنْ جانبِ المَرأةِ فلا يتوقَّفُ بالإجماعِ على قَبولِه، حتَّى لو قالَتْ: «اختَلعْتُ مَنْ زَوجي فُلانٍ الغائِبِ على كذا» فبلَغَه الخبَرُ فأجازَ لم يَجزْ. ووَجهُ الفرْقِ أنَّ الخُلعَ في جانبِ الزَّوجِ يَمينٌ؛ لأنه تَعليقُ الطَّلاقِ بقَبولِ المالِ فكانَ يَمينًا، ولهذا لا يَملكُ الرُّجوعَ عنهُ، وتَصحُّ فيهِ الإضافةُ إلى

стр. 10029

الوَقتِ والتَّعليقُ بالشَّرطِ بأنْ يقولَ الزَّوجُ: «خالَعتُكِ غدًا، وإنْ قَدمَ فُلانٌ فقدْ خالَعتُكِ على كذا»، وإذا كانَ يَمينًا فغَيبةُ المَرأةِ لا تَمنعُ صِحةَ اليَمينِ كما في التَّعليقِ بدُخولِ الدَّارِ وغيرِ ذلكَ. وأمَّا مِنْ جانِبِ المَرأةِ فهو مُعاوَضةٌ، ولهذا لا يَصحُّ تَعليقُه بالشَّرطِ مِنْ جانِبِها، ولا تَصحُّ إضافتُه إلى وَقتٍ، وتَملكُ الرُّجوعَ قبْلَ إجازةِ الزَّوجِ، وإذا كانَ مُعاوَضةً فالشَّرطُ في المُعاوَضاتِ لا يَتوقَّفُ كما في البَيعِ وغيرِه (١). قالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: ويَصحُّ تَعليقُه وإضافتُه، حتَّى لو قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فقدْ خالَعتُكِ على ألفٍ، أو فقدْ طلَّقتُكِ على ألفٍ» وقَبلَتْ في الغَدِ في مَجلسِ عِلمِها وقَعَ ولَزمَها المالُ، ولا يَصحُّ قَبولُها قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ نفْسَ الإيجابِ معلَّقٌ بالشَّرطِ، وهو عدمٌ قبْلَه، ولا يَصحُّ القَبولُ قبلَ الإيجابِ، ولا خِيارَ في الأيمانِ فبطَلَ خيارُهُ … فَرعٌ مِنْ صُورِ تَعليقِ الخُلعِ أنْ يقولَ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فقدْ خلَعتُكِ على ألفٍ» فتَراضيَا عليهِ ففعَلَتْ صَحَّ الخلعُ، ذكَرَه في علامةِ السِّينِ مِنْ التَّجنيسِ؛ لأنَّ التَّعليقَ مِنْ الزَّوجِ يَجوزُ؛ لأنه طلاقٌ، وهذا يُفيدُ أنَّ قَبولَها قبلَ الشَّرطِ، وفي «الوَجيز»: إذا قالَ: «إذا قَدمَ فلانٌ فقدْ خالَعتُكِ على ألفٍ، وإذا جاءَ غدٌ .. إلخ» كانَ القَبولُ إليها بعدَ مَجيءِ الوَقتِ وقدُومِ فُلانٍ (٢).

стр. 10030

وقالَ الإمامُ عليُّ بنُ خَليلٍ الطَّرابلسيُّ ﵀: (مَسألةٌ): تَعليقُ الخُلعِ بالشَّرطِ يَصحُّ منهُ لا مِنها، ثمَّ الخُلعُ لو عُلِّقَ بالشَّرطِ بأنْ قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فقدْ خالَعتُكِ على كذا» يُعتبَرُ قَبولُها بعدَ دُخولِ الدَّارِ، وكذا لو قالَ لامرَأتِه: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فقدْ بعْتُ طلاقَها مِنكِ بكذا» فالقَبولُ إليها بعدَ التَّزويجِ، حتَّى لو قَبلَتْ بعدَ التَّزويجِ أو قالَتْ: «شَرَيتُ طلاقَها» تَطلُقُ، لا لو قَبلَتْ قبلَ التَّزويجِ؛ لأنَّ هذا الكَلامَ مِنْ الزَّوجِ خُلعٌ بعدَ التَّزويجِ، فشُرطَ القبولُ بعدَه، ولو شُرطَ الخِيارُ للمَرأةِ جازَ عندَ أبي حَنيفةَ لا عندَهما، وخِيارُ الزَّوجِ لم يَجزْ وِفاقًا؛ لأنَّ الخُلعَ مِنْ جانبِه يمينٌ وهي لا تَقبلُ الخيارَ، ومِن جانِبِها مُعاوَضةٌ وهي تَقبلُه (١). وقالَ المالكيَّةُ: يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ على شَرطٍ، فإنْ علَّقَ الزَّوجُ الخُلعَ على الإقباضِ أو على الأداءِ -كما إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: إنْ أقبضتِني كذا فأنتِ طالقٌ» أو قالَ لها: «إنْ أدَّيتِني كذا فأنتِ طالِقٌ، أو إذا أو مَتى أدَّيتِني فقدْ طلَّقْتكُ» - لم يَختصَّ إقباضُها أو أداؤُها بالمَجلسِ -أي: الَّذي قالَ لها فيهِ ذلكَ القَولَ-، بل إذا أقبضَتْه أو أتَتْ إليهِ بما طلَبَه مِنها فإنها تَطلقُ منهُ ولَو بعدَ المَجلسِ، ما لم يَطُلْ بحيثُ يُرى أنَّ الزَّوجَ لا يجعلُ التَّمليكَ إليهِ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ تَقومَ قَرينةٌ تَدلُّ على أنه أرادَ المَجلسَ؛ فإنه يُعمَلُ على تلكَ القَرينةِ … وأمَّا القَبولُ فلا يُعتبَرُ هنا، وإنَّما يُناطُ

стр. 10031

الحُكمُ بوُجودِ المعلَّقِ عليهِ، فإنْ وُجدَ حصَلَ المعلَّقُ وإلَّا فلا (١). وقالَ الشَّافعيةُ: يَصحُّ الخُلعُ منجَّزًا؛ لِمَا فيهِ مِنْ المُعاوَضةِ، ويَصحُّ مُعلَّقًا بشَرطٍ؛ لِمَا فيهِ مِنْ الطَّلاقِ. ف (المنجَّزُ): أنْ يُوقِعَ الفُرقةَ بعِوضٍ مثلَ أنْ يقولَ الزَّوجُ: «طلَّقتُكِ، أو خالَعتُكِ، أو خَلعتُكِ، أو فادَيتُكِ، أو فَديتُكِ بألفٍ» فتَقولَ الزَّوجةُ عَقيبَ قَولِه: «قبلْتُ»، كما يَقولُ البائعُ: «بِعتُكَ هذا بألفٍ» ويقولُ المُشتري: «قَبلْتُ»، وللزَّوجِ أنْ يَرجعَ في الإيجابِ قبْلَ القَبولِ كما قُلنا في البيعِ. فإنْ قالَتِ الزَّوجةُ: «طلِّقنِي بألفٍ» فقالَ الزَّوجُ عَقيبَ استِدعائِها: «طلَّقتُكِ»، أو قالَتْ: «اخلَعنِي، أو خالِعْني بألفٍ» فقالَ عَقيبَ استِدعائِها: «خلَعتُكِ، أو خالَعتُكِ» .. ؛ صحَّ، كما يَقولُ المُشتري: «بِعْني هذا بألفٍ» فيَقولُ البائعُ: «بِعتُكَ»، فإنْ تأخَّرتْ إجابَتُه لها على الفَورِ .. بَطلَ الاستِدعاءُ، ولها أنْ تَرجعَ قبْلَ أنْ يُجيبَها كما قُلنا في المُشتري. فإنْ قالَتِ الزَّوجةُ: «خالَعتُكَ بألفٍ» فقالَ الزَّوجُ: «قبلْتُ» .. لم يَصحَّ ولم يَقعْ بذلكَ فُرقةٌ؛ لأنَّ الإيقاعَ إليهِ دُونَها، وقَولُه «قَبلْتُ» ليسَ بإيقاعٍ، فهو كما لو قالَتْ له: «طلَّقتُكَ بألفٍ» فقالَ: «قبلْتُ». وإنْ قالَتْ لهُ: «إنْ طَّلقتَنِي، أو إذا طلَّقتَنِي، أو مَتى طلَّقتَنِي، أو مَتى ما

стр. 10032

طَّلقتَنِي فلكَ عليَّ ألفٌ» فقالَ: «طلَّقتُكِ» .. وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا واستَحقَّ الألفَ عليها؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَحتاجُ إلى استِدعائِها ورِضاها بهِ، ولهذا لو طلَّقَها بنَفسِه .. صَحَّ، وإنَّما الَّذي يحتاجُ إليهِ مِنها هو التِزامُها للمالِ وقد وُجدَ الالتِزامُ مِنها، ويُعتبَرُ أنْ يكونَ جوابُهُ على الفَورِ؛ لأنه مُعاوَضةٌ مَحضةٌ مِنْ جِهتها، فاقتَضى الجوابَ على الفَورِ. وأمَّا (المُعلَّقُ): فمِثلُ أنْ يُعلِّقَ الطَّلاقَ على ضَمانٍ مالٍ أو إعطاءِ مالٍ، فيُنظرُ فيهِ: فإنْ بدَأَ الزَّوجُ بصيغةِ تَعليقٍ في الإثباتِ ك: مَتى، أو مَتى ما -بزِيادةِ ما للتَّأكيدِ-، أو أيَّ حِينٍ، أو زَمانٍ، أو وَقتٍ أَعطيتِني كذا فأنتِ طالِقٌ» فتَعليقٌ مَحضٌ مِنْ جانِبِه، ولا نظَرَ فيهِ إلى شُبهةِ المُعاوَضةِ؛ لأنه مِنْ صَرائحِ ألفاظِ التَّعليقِ، فيَقعُ الطَّلاقُ عندَ تَحقُّقِ الصِّفةِ كسائرِ التَّعليقاتِ، وحِينئذٍ فلا رُجوعَ لهُ قبلَ الإعطاءِ كالتَّعليقِ الخالي عن العِوضِ في نحوِ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ». ولا يُشترطُ فيه القَبولُ لَفظًا؛ لأنَّ الصِّيغةَ لا تَقتضِيه، ولا الإعطاءُ فورًا في المَجلسِ، فمتى وُجدَ الإعطاءُ طَلُقَتْ وإنْ زادَتْ على ما ذكَرَه؛ لدَلالةِ اللَّفظِ على الزَّمانِ وعُمومِه في سائرِ الأوقاتِ، ولو قيَّدَ في هذهِ بزَمانٍ أو مَكانٍ تعيَّنَ، وخرَجَ بالإثباتِ ما إذا بدَأَ بصيغةِ تَعليقٍ بمَتَى ونحوِها في النَّفي كقَولِه: «مَتى لم تُعطِني كذا فأنتِ طالِقٌ» فهو للفَورِ؛ لأنَّ «متَى» ونحوَها في النَّفي تَقتضي الفَورَ، وبالزَّوجِ المَرأةَ فإنها لو قالَتْ: «مَتى طلَّقتَنِي فلَكَ عَليَّ

стр. 10033

ألفٌ» اختصَّ الجَوابُ بمَجلسِ التَّواجبِ، وفرَّقَ الغَزاليُّ بينَهُما بأنَّ الغالِبَ على جانِبِه التَّعليقُ وعلى جانبِها المُعاوَضةُ. وإنْ قالَ: «إنْ -بكَسرِ الهَمزةِ-، أو إذا أعطَيتني كذا فأنتِ طالِقٌ» فكذلكَ، أي: فتَعليقٌ لا رُجوعَ لهُ فيهِ قبْلَ الإعطاءِ، ولا يُشتَرطُ القَبولُ لفظًا ولا الإعطاءُ في المَجلسِ؛ لأنهما مِنْ حُروفِ التَّعليقِ ك «متى»، وخرَجَ ب «إنَّ» المَكسورةِ المَفتوحةُ؛ فإنَّ بها يَقعُ الطَّلاقُ في الحالِ بائِنًا؛ لأنها للتَّعليلِ … لكنْ يُشترطُ في التَّعليقِ المَذكورِ إعطاءٌ على الفَورِ في مَجلسِ التَّواجبِ؛ لأنه قَضيةُ العِوضِ في المُعاوَضاتِ، وإنَّما تُركَتْ هذه القَضيةُ في «مَتى» ونحوِها؛ لأنها صَريحةٌ في جَوازِ التَّأخيرِ، معَ كَونِ المُغلَّبِ في ذلكَ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ معنَى التَّعليقِ، بخلافِ جانِبِ الزَّوجةِ. وإنْ بدأَتِ الزَّوجةُ بطلَبِ طَلاقٍ -سَواءٌ أكانَ على جِهةِ التَّعليقِ نحوُ: «إنْ، أو مَتى»، أو لم يَكنْ على جهتِهِ ك: «طلِّقْني على كذا» - فأجابَ الزَّوجُ قولَها فورًا فمُعاوَضةٌ مِنْ جانِبِها؛ لأنها تَملكُ البُضعَ بما تَبذلُه مِنْ العِوضِ فيها شَوبُ جَعالةٍ؛ لأنها تَبذلُ المالَ في مُقابلةِ ما يَستقلُّ بهِ الزَّوجُ وهو الطَّلاقُ، فإذا أتَى بهِ وقَعَ المَوقعَ وحصَلَ غرَضُها كالعامِلِ في الجَعالةِ، فلها الرُّجوعُ قبْلَ جَوابهِ؛ لأنَّ هذا حُكمُ المُعاوضاتِ والجَعالاتِ جَميعًا، ويُشترطُ فَورٌ لجَوابِه في مَحلِّ التَّواجبِ في الصِّيغِ السَّابقةِ المُقتضيةِ فَورًا وغيرِها كالتَّعليقِ ب «متى» تَغليبًا للمُعاوَضةِ مِنْ جانبِها، بخِلافِ جانبِ

стр. 10034

الزَّوجِ، فإنْ طلَّقَ مُتراخيًا كانَ مُبتدِئًا لا يَستحقُّ عِوضًا ويقَعُ الطَّلاقُ حينئذٍ رَجعيًّا، نعَمْ لو صرَّحتْ بالتَّراخي لم يُشترطِ الفَورُ. ولا يُشترطُ تَطابقُ الإيجابِ والقَبولِ هُنا، فلو قالَتْ: «طلِّقْني بألفٍ» فطلَّقَها بخَمسِمائةٍ وقَعَ بها على الصَّحيحِ؛ لأنه سامَحَ ببَعضِ ما طلبَتْ أنْ يُطلِّقَها عليهِ، ولو طلبَتْ مِنْ الزَّوجِ ثلاثًا يَملكُها عليها بألفٍ فطلَّقَ طلقَةً بثُلثِه فواحِدةٌ تقَعُ بثُلثِه؛ تَغليبًا لشَوبِ الجَعالةِ، كما لو قالَ: «إنْ رَددْتَ عَبيدِي الثَّلاثَ فلَكَ ألفٌ» فرَدَّ واحِدًا استَحقَّ ثُلثَ الألفِ، ولو طلَّقَ طَلقتَينِ استَحقَّ ثُلثَي الألفِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ الخُلعَ لا يَصحُّ تَعليقُه على شَرطٍ كالبَيعِ، فلو قالَ لزَوجتِه: «إنْ بذلْتِ لي كذا فقدْ خالَعتُكِ» لم يَصحَّ الخُلعُ ولو بذلَتْ له ما سمَّاهُ كسائرِ المُعاوَضاتِ اللَّازمةِ. وإنْ قالَتْ: «اجعَلْ أمرِي في يَدي وأعطُيكَ عَبدي هذا» ففعَلَ -أي جعَلَ أمْرَها بيَدها- وقبَضَ العَبدَ ملَكَه؛ لأنه وفَّاها ما جعَلَه لها في نَظيرِه، ولهُ التَّصرفُّ في العَبدِ ولو قبْلَ اختِيارِها نفْسَها كسائرِ أملاكِهِ، ومتى شاءَتْ تَختارُ لجَعلِه ذلكَ لها ما لم يطَأْ أو يَرجعْ فلا اختيارَ لها؛ لانعِزالِها بذلكَ،

стр. 10035

فإنْ رجَعَ عن جَعْلِ أمرِها في يَدها فلَها أنْ تَرجعَ عليهِ بالعِوضِ الَّذي بَذلَتْه في مُقابَلةِ ذلكَ، عَبدًا كانَ أو غيرَه؛ لأنه لم يُسلِّمْ لها ما يُقابِلُه. ولو قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأمرُكِ بيَدكِ» ملَكَ إبطالَ هذهِ الصِّفةِ؛ لأنه وَكالةٌ وهي جائِزةٌ، وليسَتْ مِنْ تَعليقِ الطَّلاقِ في شيءٍ، إلَّا أنْ يَنويَ به الطَّلاقَ. قالَ الإمامُ أحمَدُ: ولو جعَلَتْ لهُ ألفَ دِرهمٍ على أنْ يخيِّرَها فخيَّرَها فاختارَتِ الزَّوجَ لا يَردُّ الزَّوجُ شيئًا مِنْ الألفِ؛ لأنه فعَلَ ما جاعَلَتْه عليهِ فاستقرَّتْ لهُ. وإنْ قالَتْ: «طلِّقْني بدينارٍ» فطلَّقَها ثمَّ ارتدَّتْ عن الإسلامِ لَزمَها الدِّينارُ بالطَّلاقِ، ووقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لأنه على عِوضٍ، ولا تؤثِّرُ الرِّدةُ فيهِ؛ لتأخُّرِها عنهُ، فإنْ طلَّقَها بعدَ ردَّتِها وقبْلَ دُخولِه بها بانَتْ بالرِّدةِ ولم يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ البائنَ لا يَلحقُها طلاقٌ، وإنْ كانَ طلَّقَها بعْدَ ردَّتِها وبعدَ الدُّخولِ بها وُقفَ الأمرُ على انقضاءِ العدَّةِ، فإنْ أقامَتْ على ردَّتِها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها تبيَّنَّا عدمَ وُقوعِ الطَّلاقِ، لأنها لم تَكنْ بزَوجةً حينَ طلَّقَها، وإنْ أسلَمَتْ في العدَّةِ وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنا تبيَّنا أنها كانَتْ زَوجةً حِينَه (١).

стр. 10036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 10037

خيارُ الشَّرطِ في الخُلعِ: اختَلفَ فُقهاءُ الحَنفيةِ: هل يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ في الخُلعِ أم لا؟ أم يَصحُّ للزَّوجةِ ولا يَصحُّ للزَّوج؟ فاتَّفقُوا على أنَّه لا يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ للزَّوجِ في الخُلعِ، وأمَّا الزَّوجةُ فعندَ أبي حَنيفةَ يَصحُّ لها خيارُ الشَّرطِ، وعندَهما لا يَصحُّ. قالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ للزَّوجةِ في الخُلعِ ولا يَصحُّ للزَّوجِ؛ لأنَّ الخُلعَ مِنْ جانبِها مُعاوَضةٌ؛ لكَونِ المَوجودِ مِنْ جِهتِها مالًا، ولهذا يَصحُّ رُجوعُها قبْلَ القَبولِ، ولا تَصحُّ إضافتُه وتَعليقُه بالشَّرطِ، ولا يَتوقفُ على ما وَراءِ المَجلسِ، فصارَ كالبيعِ، ولا نُسلِّمُ أنه للفَسخِ بعدَ الانعقادِ، بل هو مانعٌ مِنْ الانعقادِ في حقِّ الحُكمِ، وكونُه شَرطًا ليَمينِ الزَّوجِ لا يَمنعُ أنْ يكونَ معاوَضةً في نَفسِه؛ كمَن قالَ لآخرَ: «إنْ بعتُكَ هذا العبدَ فعَبديَ الآخَرُ حُرٌّ» فإنَّ البَيعَ شَرطٌ لعِتقِ العبدِ، وهو في نَفسِه معاوَضةٌ

стр. 10038

وجانبُ العَبدِ في العتاقِ مِثلُ جانبِ المرأةِ في الطَّلاقِ، حتَّى يَصحُّ اشتِراطُ الخِيارِ له دُونَ المَولى، فيَبطلُ برَدِّ العبدِ الخيارَ في الثَّلاثِ، وإنْ لم يَردَّ حتَّى مضَتْ عُتِقَ ولَزمَه المالُ، كما في حقِّ المَرأةِ، والجامِعُ بيْنَهما أنَّ المرأةَ لا يَحصلُ لها بالخُلعِ شيءٌ؛ لأنَّ البُضعَ ليسَ له حُكمُ مالٍ عندَ الخُروجِ، وكذا ماليَّةُ العبدِ تَتلفُ على مِلكِ المَولى بالإعتاقِ، ومع هذا جازَ قَبولُ المالِ فيهِما. وقالَ الصَّاحبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ في الخُلعِ مُطلَقًا، فيقَعُ الطَّلاقُ عليها ويَلزمُها المالُ في الوجهَينِ؛ لأنَّ إيجابَ الزَّوجِ يَمينٌ، ولهذا لا يَملكُ الرُّجوعَ عنهُ، ويتوقَّفُ على ما وراءَ المَجلسِ، وصحَّتْ إضافتُه وتَعليقُه بالشَّرطِ؛ لكَونِ المَوجودِ مِنْ جانبِه طلاقًا وقَبولِها شرْطَ اليمينِ، فلا يَصحُّ خيارُ الشَّرطِ فيهما؛ لأنَّ الخيارَ للفَسخِ بعْدَ الانعقادِ لا للمَنعِ مِنْ الانعقادِ، واليَمينُ وشَرطُها لا يَحتملانِ الفسْخَ (١). وقالَ الإمامُ عليُّ بنُ خليلٍ الطَّرابلسيُّ ﵀: ولو شُرطَ الخِيارُ للمَرأةِ جازَ عندَ أبي حنيفةَ لا عِندَهما، وخِيارُ الزَّوجِ لم يَجزْ وِفاقًا؛ لأنَّ الخُلعَ مِنْ جانبه يَمينٌ وهي لا تَقبلُ الخِيارَ، ومِن جانبِها مُعاوَضةٌ وهي تقبَلُه (٢).

стр. 10039

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ شرَطَ الخِيارَ لها أو لهُ يومًا أو أكثَرَ وقبلَتِ المَرأةُ صحَّ الخُلعُ وبطَلَ الخِيارُ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ فيما إذا كانَ الخِيارُ للرَّجلِ، وقالَ: إذا جعَلَ الخِيارَ للمرأةِ ثبَتَ لها الخِيارُ ولم يقَعِ الطَّلاقُ. ولنا: إنَّ سبَبَ وُقوعِ الطَّلاقِ وُجدَ -وهو اللَّفظُ بهِ- فوقَعَ كما لو أطلَقَ، ومتى وقَعَ فلا سَبيلَ إلى رَفعِه (١). عدةُ المختلِعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في عدَّةِ المُختلِعةِ، هل هي كعدَّةِ المطلَّقةِ ثلاثةُ قَروءٍ؟ أم عدَّتُها حَيضةٌ واحِدةٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ كعدَّةِ المطلَّقةِ؛ فإنْ كانَتْ ممَّن تَحيضُ فعدَّتُها ثلاثةُ قُروءٍ، وإنْ كانَتْ مِنْ اليائِساتِ فثلاثةُ أشهُرٍ، وكذا كلُّ فُرقةٍ بينَ زوجَينِ فعدَّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانَتْ بخُلعٍ أو لِعانٍ أو رَضاعٍ أو فَسخٍ بعَيبٍ أو إعسارٍ أو إعتاقٍ أو اختِلافِ دِينٍ أو غيرِه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنها فُرقةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحَياةِ فكانَتْ ثلاثةَ قُروءٍ كغيرِ الخُلعِ (٢).

стр. 10040

قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: واختَلفَ أهلُ العلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ؛ فقالَ أكثَرُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ عدَّةُ المُطلَّقةِ ثلاثُ حِيَضٍ، وهو قولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وأهلِ الكُوفةِ، وبهِ يقولُ أحمَدُ وإسحاقُ، قالَ بعضُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ، قالَ إسحاقُ: وإنْ ذهَبَ ذاهِبٌ إلى هذا فهو مذهَبٌ قَويٌّ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يقولونَ: عدَّةُ المُختلِعةِ عدَّةُ المُطلَّقةِ، منهُم سَعيدُ بنُ المُسيبِ وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ وعُروةُ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحسَنُ والشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عَمرٍو وأبو عِياضٍ ومالِكٌ واللَّيثُ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -وهو مَرويٌّ عَنْ عُثمانَ بنِ عفانَ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبانَ بنِ عُثمانَ- وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ وابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ إلى أنَّ عِدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ؛ لِمَا رَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ امرأةَ

стр. 10041

ثابِتِ بن قَيسٍ اختلَعَتْ منه فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيضةً» (١). وعَن محمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ الرُّبيِّعَ بنتَ مُعَوِّذِ بنِ عَفراءَ أخبَرَتْه «أنَّ ثابتَ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ ضرَبَ امرَأتَه فكسَرَ يدَها وهي جميلةُ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ، فأتَى أخوها يَشتكيهِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابتٍ فقالَ له: خُذْ الَّذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعم، فأمَرَها رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تترَبَّصَ حيضةً واحِدةً فتَلحقَ بأهلِها» (٢). وعن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عنِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذِ بنِ عَفراءَ «أنها اختلَعَتْ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ فأمَرَهَا النَّبيُّ ﷺ أو أُمِرَتْ- أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ» (٣). وعن عُبادةَ بنِ الوَليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ عنْ رُبيِّعَ بنتِ مُعوِّذٍ قالَ: قُلتُ لها: حَدِّثِيني حَديثَكِ، قالَتْ: «اختلَعْتُ مِنْ زَوجي ثمَّ جِئتُ عُثمانَ فَسألتُه: ماذا عليَّ مِنْ العِدَّةِ؟ فقالَ: لا عدَّةَ عليكِ إلَّا أنْ تكُوني حديثةَ عَهدٍ بهِ فتَمكُثي حتَّى تَحيضي حَيضةً، قالَ: وأنا مُتَّبعٌ في ذلكَ قضاءَ رَسولِ اللهِ

стр. 10042

ﷺ في مَريمَ المَغالِيَّةِ، كانَتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ فاختَلعَتْ منه» (١). وعن مالِكٍ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «عِدَّةُ المُختلِعةِ حَيضةٌ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقدِ اختَلفَ النَّاسُ في عِدَّةِ المُختلِعةِ؛ فذهَبَ إسحاقُ وأحمدُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ عنه دَليلًا أنها تَعتدُّ بحَيضةٍ واحِدةٍ، وهو مَذهبُ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وقد حكَى إجماعَ الصَّحابةِ ولا يُعلمُ لهُما مُخالِفٌ، وقد دلَّتْ عليهِ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ الصَّحيحةُ دَلالةً صَريحةً، وعُذرُ مَنْ خالَفَها أنها لم تَبلُغْه أو لم تَصحَّ عندَه أو ظَنَّ الإجماعَ على خِلافِ مُوجبِها، وهذا القَولُ هو الرَّاجحُ في الأثَرِ والنَّظرِ، أمَّا رُجحانُه أثَرًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرِ المختلِعةَ قَطُّ أنْ تَعتدَّ بثلاثِ حِيَضٍ، بل قد رَوى أهلُ السُّننِ عنهُ مِنْ حديثِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذٍ «أنَّ ثابتَ بنَ قَيسٍ ضرَبَ امرأتَه فكسَرَ يَدَها وهي جَميلةُ بنتُ عبدِ اللهِ ابنِ أُبيٍّ، فأتى أخوها يَشتكي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابِتٍ فقالَ: خُذِ الَّذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعَمْ، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَتربَّصَ حَيضةً واحِدةً وتَلحقَ بأهلِها»،

стр. 10043

وذكَرَ أبو داوُدَ والنَّسائيُّ مِنْ حَديثِ ابن عبَّاسٍ «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اختَلعَتْ مِنْ زَوجِها فأمَرَها النَّبيُّ ﷺ أو أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ»، قالَ التِّرمذيُّ: الصَّحيحُ أنها أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ، وهذهِ الأحادِيثُ لها طُرقٌ يُصدِّقُ بعضُها بَعضًا، وأُعِلَّ الحَديثُ بعلَّتَينِ: إحداهُما: إرسالُه، والثَّانيةُ: أنَّ الصَّحيحَ فيهِ «أُمرَتْ» بحَذفِ الفاعِلِ، والعلَّتانِ غيرُ مؤثِّرتَينِ، فإنه قد رُويَ مِنْ وُجوهٍ متَّصِلةٍ، ولا تَعارضَ بيْنَ «أُمرَتْ» و «أمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ »؛ إذْ مِنْ المُحالِ أنْ يكونَ الآمِرُ لها بذلكَ غيرَ رَسولِ اللهِ ﷺ في حَياتِه، وإذا كانَ الحَديثُ قد رُويَ بلَفظٍ مُحتمَلٍ ولَفظٍ صَريحٍ يُفسِّرُ المُحتمَلَ ويبيِّنُه، فكيفَ يُجعلُ المُحتمَلُ معارِضًا للمُفسِّرِ بل مُقدَّمًا عليه؟! ثمَّ يَكفي في ذلكَ فَتاوَى أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ أبو جَعفرٍ النحَّاسُ في كِتابِ النَّاسخِ والمَنسوخِ: هو إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ. وأمَّا اقتِضاءُ النَّظرِ لهُ: فإنَّ المُختلِعةَ لم تبْقَ لزَوجِها عليها عدَّةٌ، وقَد ملكَتْ نفْسَها وصارَتْ أحَقَّ ببُضعِها، فلها أنْ تتزوَّجَ بعْدَ بَراءةِ رَحمِها، فصارَتِ العدَّةُ في حقِّها بمُجرَّدِ بَراءةِ الرَّحمِ، وقَد رَأيْنا الشَّريعةَ جاءَتْ في هذا النَّوعِ بحَيضةٍ واحِدةٍ كما جاءَتْ بذلكَ في المَسبيَّةِ والمَملوكةِ بعَقدِ مُعاوَضةٍ أو تَبرعٍ والمُهاجِرةِ مِنْ دارِ الحَربِ، ولا رَيبَ أنها جاءَتْ بثَلاثةِ أقراءٍ في الرَّجعيةِ.

стр. 10044

والمُختلِعةُ فَرعٌ مُتردِّدٌ بيْنَ هذَينِ الأصلَينِ، فيَنبغي إلحاقُها بأشبَهِهما بها، فنَظرْنا فإذا هي بذَواتِ الحَيضةِ أشبَهُ. [تَقسيمُ النِّساءِ بالنَّسبةِ إلى العدَّة:] وممَّا يُبيِّنُ حِكمةَ الشَّريعةِ في ذلكَ أنَّ الشَّارعَ قسَّمَ النِّساءَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: المُفارَقةُ قبْلَ الدُّخولِ، فلا عِدَّةَ عليها ولا رَجعةَ لزَوجِها فيها. الثَّاني: المُفارَقةُ بعْدَ الدُّخولِ إذا كانَ لزَوجِها عليها رَجعةٌ، فجعَلَ عدَّتَها ثَلاثةَ قُروءٍ، ولم يَذكرْ سُبحانَه العدَّةَ بثلاثةِ قروءٍ إلَّا في هذا القسمِ كما هُو مصرَّحٌ به في القُرآنِ في قَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سُورةِ الطَّلاق لمَّا ذكَرَ الاعتِدادَ بالأشهُرِ الثَّلاثةِ في حقِّ مَنْ إذا بلغَتْ أجَلَها خُيِّرَ زَوجُها بيْنَ إمساكٍ بمَعروفٍ أو مُفارَقتِها بإحسانٍ، وهي الرَّجعيةُ قَطعًا، فلم يَذكرِ الأقراءَ أو بدَلَها في حقِّ بائنٍ ألبتَّةَ. القِسمُ الثَّالثُ: مَنْ بانَتْ عن زَوجِها وانقطَعَ حقُّه عنها بسَبيٍ أو هِجرةٍ أو خُلعٍ، فجعَلَ عدَّتَها حَيضةً للاستِبراءِ، ولم يَجعلْها ثلاثًا إذْ لا رَجعةَ

стр. 10045

للزَّوجِ، وهذا في غايةِ الظُّهورِ والمناسَبةِ، وأمَّا الزَّانيةُ والمَوطوءةُ بشُبهةٍ فمُوجَبُ الدَّليلِ أنها تُستبْرَأُ بحَيضةٍ فقطْ، ونصَّ عليهِ أحمَدُ في الزَّانيةِ، واختارَهُ شَيخُنا في المَوطوءةِ بشُبهةٍ، وهو الرَّاجحُ، وقياسُهُما على المُطلَّقةِ الرَّجعيةِ مِنْ أبعَدِ القِياسِ وأفسَدِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ، فقالَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ وابنُ عُمرَ: عدَّتُها حَيضةٌ، وبه قالَ أبانُ بنُ عثمانَ وإسحاقُ بنُ رَاهويه. وفيهِ قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ عدَّتَها عدَّةُ المطلَّقةِ، رُوِّينا هذا القَولَ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وبهِ قالَ ابنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ والحسَنُ والشَّعبيُّ وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ وأبو سلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ والنَّخَعيُّ وعُروةُ ابنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عمرٍو وأبو عياضٍ ومالِكٌ واللَّيثُ بنُ سعدٍ والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ. قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لحَديثٍ رُوِّيناه عن النَّبيِّ ﷺ «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اختَلعَتْ منهُ، فجعَلَ النَّبيُّ

стр. 10046

ﷺ عدَّتَها حيضةً»، ولقَولِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ، ولا يَثبتُ حَديثُ عليٍّ (١). الخُلعُ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الخُلعِ في الحَيضِ؛ هل يصحُّ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ الخُلعَ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه صَحيحٌ؛ لحَديثِ حَبيبةَ بنتِ سَهلٍ الأنصاريَّةِ أنها كانَتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى الصُّبحِ فوجَدَ حَبيبةَ بنتَ سَهلٍ عندَ بابهِ في الغَلَسِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ هذهِ؟» فقالَتْ: أنا حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، قالَ: «ما شأنُكِ؟» قالَتْ: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قَيسٍ -لزَوجِها، ومَعناهُ: لا أنا أوافِقُه ولا هو يُوافِقُني- فلمَّا جاءَ ثابتُ بنُ قيسٍ قالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هذه حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ»، وذكَرَتْ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذكرَ وقالَتْ حَبيبةُ: يا رَسولَ اللهِ كلُّ ما أَعطاني عندِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لثابتِ بنِ قَيسٍ: «خُذْ مِنها»، فأخَذَ منها وجلَسَتْ هي في بَيتِ أهلِها (٢)، فالنَّبيَّ ﷺ لم يَسألْ عن حالِها؛ هل هي حائضٌ أم لا؟

стр. 10047

ولأنَّ المَنعَ مِنْ الطَّلاقِ في الحَيضِ مِنْ أجْلِ الضَّررِ الَّذي يَلحقُها بطُول العدَّةِ، والخُلعُ لإزالةِ الضَّررِ الَّذي يَلحقُها بسُوءِ العِشرةِ والمقامِ مع مَنْ تَكرهُه وتُبغضُه، وذلكَ أعظَمُ مِنْ ضَررِ طُولِ العدَّةِ، فجازَ دفعُ أعلاهُما بأدناهما، ولذلكَ لم يَسألِ النَّبيُّ ﷺ المُختلِعةَ عن حالِها، ولأنَّ ضرَرَ تطويلِ العدَّةِ عليها، والخلعُ يَحصلُ بسُؤالِها، فيكونُ ذلكَ رضاءً مِنها بهِ ودليلًا على رُجحانِ مَصلحتِها فيهِ (١). وذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الخُلعَ في الحَيضِ لا يَصحُّ (٢). هل يَملكُ الزوجُ إرجاعَ المختلِعةِ في فَترةِ العِدَّة؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا خالَعَ زوْجتَه فلا يَثبتُ لهُ الرَّجعةُ عليها، سواءٌ خالَعَها بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والافتداءُ هوَ

стр. 10048

الخَلاصُ والاستِنقاذُ، مأخوذٌ مِنْ افتِداءِ الأسيرِ وهو خَلاصُه واستِنقاذُه، فلو ثبَتَ الرَّجعةُ فيهِ لَمَا حصَلَ به الخَلاصُ والاستِنقاذُ، فدلَّ على أنَّ الافتِداءَ يَمنعُ مِنْ ثُبوتِ الرَّجعةِ، ولأنَّ الزَّوجةَ ملكَتْ بُضعَها بالخُلعِ كما ملَكَ الزَّوجُ بُضعَها بالنِّكاحِ، فلمَّا كانَ الزَّوجُ قد ملَكَ بالنِّكاحِ بُضعَها مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزَّوجةِ وجَبَ أنْ تَملكَ الزَّوجةُ بُضعَها بالخُلعِ مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزَّوجِ، ولأنَّ الزَّوجَ قد ملَكَ عوَضَ الخُلعِ في مُقابلةِ مِلكِ الزَّوجةِ للبُضعِ، فلمَّا استَقرَّ مِلكُ الزَّوجِ للعِوضِ حتَّى لم يبْقَ للزَّوجةِ فيه حقٌّ؛ وجَبَ أنْ يَستقرَّ مِلكُ الزَّوجةِ للبُضعِ وأنْ لا يبقَى للزَّوجِ فيه حقٌّ. ولأنه لمَّا أخَذَ مِنْ المُختلِعةِ عوضًا وكانَ مَنْ ملَكَ عِوضَ شيءٍ مِلكِه لم يكنْ له رجعةٌ فيما ملَكَ عليه. ولأنَّ المرأةَ إنَّما تَبذلُ العِوضَ لإزالةِ الضَّررِ عنها، وكلُّ فُرقةٍ لإزالةِ الضَّررِ فإنها تَقتضِي قطْعَ ما يُعيدُها إليهِ مِنْ ثُبوتِ الرَّجعةِ عليها وإعادتِها إلى الضَّررِ، ولأنها تَعجزُ عن إقامةِ حُقوقِ اللهِ تعالَى في ذاتِ زوْجِها، فلم يَستحقَّ ذلكَ كالفُرقةِ بإعسارِ النَّفقةِ وفي الإيلاءِ (١).

стр. 10049

إذا شَرَطَ في الخلعِ الرجعةَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خالَعَ الزَّوجُ زَوجتَه وشرَطَ أنَّ لهُ الرَّجعةَ، هل يَصحُّ الشَّرطُ ويَكونُ لهُ الرَّجعةُ؟ أم يَبطلُ الشَّرطُ والخُلعُ صَحيحٌ ولا رَجعةَ لهُ؟ أم أنَّ العِوضَ يَبطلُ وتَثبتُ الرَّجعةُ ويَكونُ طلاقًا رجعيًّا؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلَّى أنَّ الزَّوجَ إذا خالَعَ زَوجتَه وشرَطَ أنَّ لهُ الرَّجعةَ فإنَّ الخُلعَ صَحيحٌ والشَّرطَ باطلٌ ولا رَجعةَ لهُ؛ لأنَّ الخُلعَ لا يَفسدُ بكونِ عِوضِه فاسِدًا، فلا يَفسدُ بالشَّرطِ الفاسدِ كالنِّكاحِ، ولأنه لَفظٌ يَقتضِي البَينونةَ، فإذا شرَطَ الرَّجعةَ معهُ بطَلَ الشَّرطُ كالطَّلاقِ الثَّلاثِ. فعلى المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ: يَستحقُّ المُسمَّى في الخُلعِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنهما تَراضيَا بهِ عِوضًا فلم يَجبْ غيرُه كما لو خَلا عَنْ شرطِ الرَّجعةِ. وقيلَ: يَلغُو المُسمَّى ويَجبُ مَهرُ مِثلِها، اختارَه القاضي؛ لأنه لم يَرضَ بهِ عوضًا حتَّى ضَمَّ إليهِ الشَّرطَ، فإذا سقَطَ الشَّرطُ وجَبَ ضَمُّ النُّقصانِ الَّذي نقَصَه مِنْ أجْلِه إليهِ، فيَصيرُ مَجهولًا فيَسقطُ ويَجبُ المسمَّى في العَقدِ (١).

стр. 10050

وقالَ الإمامُ القدورِيُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا خلَعَ امرَأتَه بعِوضٍ على أنَّ له الرُّجوعَ صحَّ الخُلعُ وبطَلَ الشَّرطُ. ٢٣١٣٩ - وقالَ الشَّافعيُّ: تَثبتُ الرَّجعةُ ويَسقطُ المالُ. ٢٣١٤٠ - لنا: أنه نفَى مَوضعَ الخُلعِ بعدَ إيقاعِه، فصارَ كما لو خلَعَها على أنْ لا تقَعَ الفُرقةُ، ولأنَّ الخُلعَ يُوجِبُ البَينونةَ فشَرطُ الرَّجعةِ فيه باطلٌ كالطَّلاقِ الثَّلاثِ. ٢٣١٤١ - فإنْ قيلَ: الطَّلاقُ الثَّلاثُ يَبطلُ فيه المالُ والشَّرطُ ويَبقَى مُقتضاهُ، كذلكَ الخُلعُ يَبطلُ فيه المالُ والشَّرطُ ويَبقى مُقتضاهُ. ٢٣١٤٢ - قُلنا: معنَى الخُلعِ عندَنا البينُونةُ وإنْ لم يُذكرِ العِوضُ فيه كالطَّلاقِ الثَّلاثِ، ولأنه معنًى لا يَلحقُه الفسخُ، فإذا نَفى مُوجبَه لم يتعلَّقْ بالنَّفيِ حُكمٌ، كما لو عفا مِنْ دمِ العمدِ على أنَّ له القصاصَ متى شاءَ. ٢٣١٤٣ - احتَجُّوا بأنه شرَطَ المالَ والرَّجعةَ، فلا يجوزُ اجتِماعُهما فسقَطَ وبَقيَ الرَّجعةُ الَّتي يَقتضِيها الطَّلاقُ، يبيِّنُ ذلكَ أنَّ الطَّلاقَ يقتَضي الرَّجعةَ، والشَّرطُ يَقتضي الرَّجعةَ، والمالُ يَقتضيهِ الشَّرطُ ولا يَقتضيهِ الطَّلاقُ، فكانَ إثباتُ ما ثبَتَ بالطَّلاقِ والشَّرطِ أَولى. ٢٣١٤٤ - قُلنا: هذا غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنَّ الخُلعَ يَقتضي البَينونةَ عندَنا، فإذا أسقَطَ المالَ والرَّجعةَ ثَبتتِ البَينونةُ في مُقتضَى (الخُلعِ).
следующие страницы →