← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

ﷺ عدَّتَها حيضةً»، ولقَولِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ، ولا يَثبتُ حَديثُ عليٍّ (١). الخُلعُ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الخُلعِ في الحَيضِ؛ هل يصحُّ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ الخُلعَ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه صَحيحٌ؛ لحَديثِ حَبيبةَ بنتِ سَهلٍ الأنصاريَّةِ أنها كانَتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى الصُّبحِ فوجَدَ حَبيبةَ بنتَ سَهلٍ عندَ بابهِ في الغَلَسِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ هذهِ؟» فقالَتْ: أنا حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، قالَ: «ما شأنُكِ؟» قالَتْ: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قَيسٍ -لزَوجِها، ومَعناهُ: لا أنا أوافِقُه ولا هو يُوافِقُني- فلمَّا جاءَ ثابتُ بنُ قيسٍ قالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هذه حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ»، وذكَرَتْ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذكرَ وقالَتْ حَبيبةُ: يا رَسولَ اللهِ كلُّ ما أَعطاني عندِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لثابتِ بنِ قَيسٍ: «خُذْ مِنها»، فأخَذَ منها وجلَسَتْ هي في بَيتِ أهلِها (٢)، فالنَّبيَّ ﷺ لم يَسألْ عن حالِها؛ هل هي حائضٌ أم لا؟

стр. 10047

ولأنَّ المَنعَ مِنْ الطَّلاقِ في الحَيضِ مِنْ أجْلِ الضَّررِ الَّذي يَلحقُها بطُول العدَّةِ، والخُلعُ لإزالةِ الضَّررِ الَّذي يَلحقُها بسُوءِ العِشرةِ والمقامِ مع مَنْ تَكرهُه وتُبغضُه، وذلكَ أعظَمُ مِنْ ضَررِ طُولِ العدَّةِ، فجازَ دفعُ أعلاهُما بأدناهما، ولذلكَ لم يَسألِ النَّبيُّ ﷺ المُختلِعةَ عن حالِها، ولأنَّ ضرَرَ تطويلِ العدَّةِ عليها، والخلعُ يَحصلُ بسُؤالِها، فيكونُ ذلكَ رضاءً مِنها بهِ ودليلًا على رُجحانِ مَصلحتِها فيهِ (١). وذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الخُلعَ في الحَيضِ لا يَصحُّ (٢). هل يَملكُ الزوجُ إرجاعَ المختلِعةِ في فَترةِ العِدَّة؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا خالَعَ زوْجتَه فلا يَثبتُ لهُ الرَّجعةُ عليها، سواءٌ خالَعَها بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والافتداءُ هوَ

стр. 10048

الخَلاصُ والاستِنقاذُ، مأخوذٌ مِنْ افتِداءِ الأسيرِ وهو خَلاصُه واستِنقاذُه، فلو ثبَتَ الرَّجعةُ فيهِ لَمَا حصَلَ به الخَلاصُ والاستِنقاذُ، فدلَّ على أنَّ الافتِداءَ يَمنعُ مِنْ ثُبوتِ الرَّجعةِ، ولأنَّ الزَّوجةَ ملكَتْ بُضعَها بالخُلعِ كما ملَكَ الزَّوجُ بُضعَها بالنِّكاحِ، فلمَّا كانَ الزَّوجُ قد ملَكَ بالنِّكاحِ بُضعَها مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزَّوجةِ وجَبَ أنْ تَملكَ الزَّوجةُ بُضعَها بالخُلعِ مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزَّوجِ، ولأنَّ الزَّوجَ قد ملَكَ عوَضَ الخُلعِ في مُقابلةِ مِلكِ الزَّوجةِ للبُضعِ، فلمَّا استَقرَّ مِلكُ الزَّوجِ للعِوضِ حتَّى لم يبْقَ للزَّوجةِ فيه حقٌّ؛ وجَبَ أنْ يَستقرَّ مِلكُ الزَّوجةِ للبُضعِ وأنْ لا يبقَى للزَّوجِ فيه حقٌّ. ولأنه لمَّا أخَذَ مِنْ المُختلِعةِ عوضًا وكانَ مَنْ ملَكَ عِوضَ شيءٍ مِلكِه لم يكنْ له رجعةٌ فيما ملَكَ عليه. ولأنَّ المرأةَ إنَّما تَبذلُ العِوضَ لإزالةِ الضَّررِ عنها، وكلُّ فُرقةٍ لإزالةِ الضَّررِ فإنها تَقتضِي قطْعَ ما يُعيدُها إليهِ مِنْ ثُبوتِ الرَّجعةِ عليها وإعادتِها إلى الضَّررِ، ولأنها تَعجزُ عن إقامةِ حُقوقِ اللهِ تعالَى في ذاتِ زوْجِها، فلم يَستحقَّ ذلكَ كالفُرقةِ بإعسارِ النَّفقةِ وفي الإيلاءِ (١).

стр. 10049

إذا شَرَطَ في الخلعِ الرجعةَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خالَعَ الزَّوجُ زَوجتَه وشرَطَ أنَّ لهُ الرَّجعةَ، هل يَصحُّ الشَّرطُ ويَكونُ لهُ الرَّجعةُ؟ أم يَبطلُ الشَّرطُ والخُلعُ صَحيحٌ ولا رَجعةَ لهُ؟ أم أنَّ العِوضَ يَبطلُ وتَثبتُ الرَّجعةُ ويَكونُ طلاقًا رجعيًّا؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلَّى أنَّ الزَّوجَ إذا خالَعَ زَوجتَه وشرَطَ أنَّ لهُ الرَّجعةَ فإنَّ الخُلعَ صَحيحٌ والشَّرطَ باطلٌ ولا رَجعةَ لهُ؛ لأنَّ الخُلعَ لا يَفسدُ بكونِ عِوضِه فاسِدًا، فلا يَفسدُ بالشَّرطِ الفاسدِ كالنِّكاحِ، ولأنه لَفظٌ يَقتضِي البَينونةَ، فإذا شرَطَ الرَّجعةَ معهُ بطَلَ الشَّرطُ كالطَّلاقِ الثَّلاثِ. فعلى المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ: يَستحقُّ المُسمَّى في الخُلعِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنهما تَراضيَا بهِ عِوضًا فلم يَجبْ غيرُه كما لو خَلا عَنْ شرطِ الرَّجعةِ. وقيلَ: يَلغُو المُسمَّى ويَجبُ مَهرُ مِثلِها، اختارَه القاضي؛ لأنه لم يَرضَ بهِ عوضًا حتَّى ضَمَّ إليهِ الشَّرطَ، فإذا سقَطَ الشَّرطُ وجَبَ ضَمُّ النُّقصانِ الَّذي نقَصَه مِنْ أجْلِه إليهِ، فيَصيرُ مَجهولًا فيَسقطُ ويَجبُ المسمَّى في العَقدِ (١).

стр. 10050

وقالَ الإمامُ القدورِيُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا خلَعَ امرَأتَه بعِوضٍ على أنَّ له الرُّجوعَ صحَّ الخُلعُ وبطَلَ الشَّرطُ. ٢٣١٣٩ - وقالَ الشَّافعيُّ: تَثبتُ الرَّجعةُ ويَسقطُ المالُ. ٢٣١٤٠ - لنا: أنه نفَى مَوضعَ الخُلعِ بعدَ إيقاعِه، فصارَ كما لو خلَعَها على أنْ لا تقَعَ الفُرقةُ، ولأنَّ الخُلعَ يُوجِبُ البَينونةَ فشَرطُ الرَّجعةِ فيه باطلٌ كالطَّلاقِ الثَّلاثِ. ٢٣١٤١ - فإنْ قيلَ: الطَّلاقُ الثَّلاثُ يَبطلُ فيه المالُ والشَّرطُ ويَبقَى مُقتضاهُ، كذلكَ الخُلعُ يَبطلُ فيه المالُ والشَّرطُ ويَبقى مُقتضاهُ. ٢٣١٤٢ - قُلنا: معنَى الخُلعِ عندَنا البينُونةُ وإنْ لم يُذكرِ العِوضُ فيه كالطَّلاقِ الثَّلاثِ، ولأنه معنًى لا يَلحقُه الفسخُ، فإذا نَفى مُوجبَه لم يتعلَّقْ بالنَّفيِ حُكمٌ، كما لو عفا مِنْ دمِ العمدِ على أنَّ له القصاصَ متى شاءَ. ٢٣١٤٣ - احتَجُّوا بأنه شرَطَ المالَ والرَّجعةَ، فلا يجوزُ اجتِماعُهما فسقَطَ وبَقيَ الرَّجعةُ الَّتي يَقتضِيها الطَّلاقُ، يبيِّنُ ذلكَ أنَّ الطَّلاقَ يقتَضي الرَّجعةَ، والشَّرطُ يَقتضي الرَّجعةَ، والمالُ يَقتضيهِ الشَّرطُ ولا يَقتضيهِ الطَّلاقُ، فكانَ إثباتُ ما ثبَتَ بالطَّلاقِ والشَّرطِ أَولى. ٢٣١٤٤ - قُلنا: هذا غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنَّ الخُلعَ يَقتضي البَينونةَ عندَنا، فإذا أسقَطَ المالَ والرَّجعةَ ثَبتتِ البَينونةُ في مُقتضَى (الخُلعِ).

стр. 10051

٢٣١٤٥ - فإنْ قيلَ: يفرض الكَلام إذا طلَّقَها بمالٍ وشرَطَ الرَّجعةَ. ٢٣١٤٦ - قُلنَا: لا نُسلِّمُ أنهما إذا لم يَجتمعَا وجَبَ إسقاطُهما، بلْ تَنتقضُ الرَّجعةُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَنفسخُ والبَينونةُ مِنْ أحكامِهِ فتَأكدَّتْ بتأكُّدِه، والمالُ يَجوزُ أنْ يَسقطَ ويُفسخَ، فكانَ إسقاطُ المالِ أَولَى (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والمالكيَّةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ العِوضَ يَبطلُ وتَثبتُ الرَّجعةُ؛ لأنَّ شرْطَ العِوضِ والرَّجعةِ مُتنافيانِ، فإذا شرَطاهُما سقَطَا وبقيَ مُجردُ الطَّلاقِ، فنُثبتُ الرَّجعةَ بالأصلِ لا بالشَّرطِ، ولأنه شرَطَ في العَقدِ ما يُنافي مُقتضاهُ فأبطَلَه كما لو شرَطَ أنْ لا يتصرَّفَ في المَبيعِ. والدَّليلُ على ثُبوتُ الرَّجعةِ وسُقوطُ العِوضِ أربعةُ أشياءَ: أحَدُها: أنَّه لمَّا تَنافى ثُبوتُ الرَّجعةِ واستِحقاقُ العِوضِ ولم يَكنْ بُدٌّ مِنْ ثُبوتِ أحَدِهما وإسقاطِ الآخَرِ كانَ ثُبوتُ الرَّجعةِ وسُقوطُ العِوضِ أَولى مِنْ ثُبوتِ العِوضِ وسُقوطِ الرَّجعةِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ تَثبتُ بغيرِ شَرطٍ والعِوضُ لا يَثبتُ إلَّا بشرطٍ، وما ثبَتَ بغيرِ شَرطٍ أقوَى ممَّا لا يَثبتُ إلَّا بشَرطٍ. والثَّاني: أنَّ في إثباتِ الرَّجعةِ وإسقاطِ العوضِ تَصحيحًا لأحَدِ الشَّرطينِ وإبطالًا للآخَرِ، وفيما قالَ المُزنِيُّ إبطالٌ للشَّرطينِ مِنْ الرَّجعةِ والعِوضِ

стр. 10052

المُسمَّى وإثباتٌ لِثَالثٍ لم يَتضمَّنْه الشَّرطُ وهو مَهرُ المِثلِ، فكانَ ما أثبَتَ أحَدَ الشَّرطينِ أَولى مِمَّا نَفَاهُمَا وأثبَتَ غيرَهما. والثَّالثُ: أنه لمَّا تعارَضَ الشَّرطانِ وتَنافَا اجتَماعُهما ولَم يَكنْ إثباتُ أحَدِهما أَولَى مِنْ الآخَرِ وجَبَ إسقاطُهما واعتِبارُ طلاقٍ لا شرْطَ فيهِ، وذلكَ مُوجِبُ الرَّجعةِ، فلذلكَ ثَبتتُ الرَّجعةُ. والرَّابعُ: أنَّ الاعتياضَ على زَوالِ المِلكِ يكونُ مَقصورًا على ما قصَدَ زَوالَه مِنْ المِلكِ، اعتبارًا بالبَيعِ والإجارةِ لا يَدخلُ فيهِما إلَّا المُسمَّى، والزَّوجُ لم يُزِلْ مِلكَه عَنْ البُضعِ إلَّا معَ استِيفاءِ الرَّجعةِ، فلم يَجُزْ أنْ يَزولَ مِلكُه عن الرَّجعةِ. قال الماوَرْديُّ ﵀: وقالَ المُزنِيُّ: يقَعُ الطَّلاقُ بائِنًا لا رَجعةَ فيهِ ويكونُ للزَّوجِ مَهرُ المِثلِ، فاختارَ ذلكَ مَذهبًا لنَفسِه وذكَرَ أنَّه قياسُ قَولِ الشَّافعيِّ. ونقَلَ الرَّبيعُ هذهِ المَسألةِ ونقَلَ جوابَها كما نقَلَهُ المُزنِيُّ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ رَجعيًّا ولا شَيءَ للزَّوجِ، ثمَّ قالَ: وفيهِ قولٌ آخَرُ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ بائِنًا ويكونُ للزَّوجِ مَهرُ المِثلِ، فحَكى قَولًا ثانِيًا كالَّذي اختَارهُ المُزنِيُّ، فاختَلفَ أصحابُنا في تَخريجِه قَولًا للشَّافعيِّ، فقالَ بعضُهم: هو قَولٌ ثانٍ للشَّافعيِّ؛ لأنَّ الرَّبيعَ ثِقةٌ فيما يَروِيه، وقالَ الأكثَرونَ: ليسَ بقَولٍ للشَّافعيِّ وإنَّما خرَّجَه

стр. 10053

الرَّبيعُ احتِمالًا ولَم يَحْكِه نَقلًا، فليسَ للشَّافعيِّ إلَّا القَولُ الَّذي نقَلَه المزنِيُّ عنهُ ووافَقُه الرَّبيعُ عليهِ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ رَجعيًّا ولا شيءَ للزَّوجِ والدِّينارُ مَردودٌ على الزَّوجةِ. فأمَّا المزنِيُّ فإنَّه استَدلَّ لصحَّةِ ما ذهَبَ إليهِ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بائِنًا واستِحقاقِ مَهرِ المِثلِ بأربعةِ أشياءَ: أحَدُها: أنَّ الخُلعَ في مُقابَلةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ النِّكاحَ عَقدٌ والخُلعَ حَلٌّ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الشَّرطَ الفاسدَ في النِّكاحِ يُوجِبُ ثُبوتَ النِّكاحِ وسُقوطَ الشَّرطِ ووُجوبَ مَهرِ المِثلِ، وجَبَ أنْ يكونَ الشَّرطُ الفاسِدُ في الخُلعِ مُوجِبًا لثُبوتِ الخلعِ وسُقوطِ الشَّرطِ واستِحقاقِ مَهرِ المِثلِ. والثَّاني: أنَّ ما أثبَتَ الرَّجعةَ مِنْ الطَّلاقِ لو شُرطَ سُقوطُها فيهِ لم يَسقطْ، وجَبَ أنْ يكونَ ما انتفَتْ عنه الرَّجعةُ مِنْ الطَّلاقِ إذا شُرطَ ثُبوتُها فيها لم تَثبتْ. والثَّالثُ: أنَّ الشَّافعيَّ قد قال نصًّا في «الإمْلاء»: لو خالَعَها على طَلقةٍ بمِائةٍ على أنها متى شاءَتْ أخذَتِ المِائةَ وراجَعَها وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا لا رَجعةَ فيه، وكانَ له مَهرُ المِثلِ، كذلكَ في مَسألَتنا؛ لاتِّفاقِهما في الشَّرطِ. والرَّابعُ: إنْ قالَ: الاعتِبارُ في الخُلعِ بالرُّشدِ؛ لأنَّ المَحجورَ عليها لا

стр. 10054

يَصحُّ خلعُها في الأحوالِ، فاقتَضى أنْ يكونَ خُلعُ مَنْ لا حجْرَ عليها صَحيحًا في الأحوالِ (١). وقالَ ابنُ الحاجِبِ ﵀: ولو خلَعَها على أنَّ له الرَّجعةَ عليها صَلحَتْ رَجعتُه، وقد قيلَ: لا تَكونُ لهُ رَجعةٌ وشرْطُه باطلٌ (٢). وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: مَسألةٌ: إذا بذلَتْ له عِوضًا على طَلاقِها فأجابَها بشَرطِ أنَّ له الرَّجعةَ، ففيها رِوايتانِ: إحداهُما: أنه يَصحُّ ويكونُ له الرَّجعةُ، ويكونُ له البدَلُ عِوضًا مِنْ الطَّلاقِ. والأُخرى: أنه يَكونُ خُلعًا ولا رَجعةَ لهُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقالَ الشَّافعيُّ: الخُلعُ باطلٌ والطَّلاقُ واقِعٌ والرَّجعةُ ثابتةٌ، ويَرُدُّ العِوضَ عليها، وقالَ المزنِيُّ: الخلعُ صَحيحٌ وتَسقطُ الرَّجعةُ ويكونُ له عليها مَهرُ المثلِ. فدَليلُنا أوَّلًا على أنَّه لا يَثبتُ له الرَّجعةُ أنه طلاقٌ بعِوضٍ فلم يكنْ فيهِ رَجعةٌ، أصلُه إذا أعطَتْه مالًا على أنْ يُخالِعَها ولم تُشترطِ الرَّجعةُ، ولأنَّ العِوضَ إنَّما يُبذلُ على إزالةِ العِصمةِ وقَطعِها، وفي ثُبوتِها إبطالُ هذا المَعنى. ووجهُ إثباتِها أنَّ البَذلَ يكونُ هاهُنا في نُقصانِ عَددِ الطَّلاقِ بالشَّرطِ

стр. 10055

الَّذي أجابَتْ عليهِ، فخرَجَ عنْ أنْ يكونَ خُلعًا، وإذا خرَجَ عنْ أنْ يكونَ خُلعًا ثَبتتِ الرَّجعةُ. ودليلُنا على الشَّافعيِّ في قَولِه: «إنَّ الرَّجعةَ ثابتةٌ والعوضَ غَيرُ مُستحَقٍّ» هو أنَّ العِوضَ إذا حصَلَ في مُقابَلتِه مُعوَّضٌ تَصحُّ المُعاوَضةُ عليهِ صَحَّ ولم يَمتنعْ، وقَد رضيَتِ المَرأةُ أنْ يكونَ العِوضُ في مُقابلتِه نُقصانُ عَددِ الطَّلاقِ، فخرَجَ عن أنْ يكونَ خُلعًا (١). وذهَبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّ الزَّوجَ لو شرَطَ الرَّجعةَ في الخُلعِ فإنَّ الشَّرطَ صحيحٌ. قالَ ﵀: ولو شرَطَ الرَّجعةَ في الخُلعِ فقِياسُ المَذهبِ صحَّةُ هذا الشَّرطِ، كما لو بذَلَتْ له مالًا على أنْ تَملكَ أمْرَها، فإنَّ الإمامَ أحمدَ نصَّ على جَوازِ ذلكَ؛ لأنَّ الأصلَ جَوازُ الشَّرطِ في العُقودِ (٢). هل يَلحقُ المختلِعةَ طلاقٌ أو ظِهارٌ أو إيلاءٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُختلِعةِ؛ هل يَلحقُها طلاقٌ أو ظِهارٌ أو إيلاءٌ أو لِعانٌ؟ أم لا يَلحقُها شيءٌ مِنْ ذلكَ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ

стр. 10056

إذا خالَعَ امرَأتَه لم يَلحقْها طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا إيلاءٌ ولا لِعانٌ، سواءٌ قُلنا الخُلعُ طلاقٌ أو فَسخٌ، وسواءٌ طلَّقَها في العدَّةِ أو في غيرِها، وسواءٌ طلَّقَها بالصَّريحِ أو بالكِنايةِ معَ النِّيةِ. لِمَا رَوى عَطاءٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ أنهُما قالَا في المُختلِعةِ يُطلِّقُها زَوجُها قالا: «لا يَلزمُها طلاقٌ؛ لأنه طلَّقَ ما لا يَملِكُ» (١). ولأنها فُرقةٌ لم يَملكْ رَجعتَها، فلم يَلحقْها طلاقٌ كالأجنبيَّةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَلحقُها طلاقُه إذا أوقَعَه بعِوضٍ لم يَلحقْها بغيرِ عِوضٍ كالمطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَ انقضاءِ العدَّةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يطلِّقُ باللَّفظِ الَّذي يَعمُّ به النِّساءَ فكذلكَ لا يَلحقُها الطَّلاقُ مع التَّعيُّنِ، أصلُه الأمَةُ، ولأنها أجنبيَّةٌ منه؛ بدَليلِ انتِفاءِ خصائِصِ النِّكاحِ عنها كالإيلاءِ والظِّهارِ والنَّفقةِ بالزَّوجيةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ طلَّقَها بقَولِه: «أنتِ خَليةٌ، أو بَرِيَّةٌ، وحرامٌ» لم يَلحقْها بأيِّ لَفظٍ كانَ، فهي كالأجنبيَّةِ (٢). قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: فخالَفَنا بَعضُ النَّاسِ في المُختلِعةِ فقالَ:

стр. 10057

«إذا طَلُقتْ في العدَّةِ لَحقَها الطَّلاقُ»، فسألْتُه: هَلْ يَروي في قولِه خبَرًا؟ فذكَرَ حَديثًا لا تَقومُ بمِثلِه حجَّةٌ عندَنا ولا عِندَه، فقُلتُ: هذا عندَنا وعِندكَ غيرُ ثابتٍ، قالَ: فقَد قالَ بَعضُ التَّابعينَ عِندكَ لا يَقومُ بهِ حجَّةٌ لو لم يخالِفْهم غَيرُهم قالَ: فما حجَّتُك في أنَّ الطَّلاقَ لا يَلزمُها؟ قلتُ: حجَّتِي فيهِ مِنْ القُرآنِ والأثَرِ والإجماعِ على ما يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لا يَلزمُها. قالَ: وأينَ الحجَّةُ مِنْ القُرآنِ؟ قُلتُ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ الآيتَينِ، وقالَ اللهُ ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَة، وقالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآيَة، وقالَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وقالَ : ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، أفَرأيْتَ لو قذَفَها أيُلاعِنُها؟ أو آلَى منها أيَلزمُه الإيلاءُ؟ أو تَظاهَرَ منها أيَلزمُه الظِّهارُ؟ أو ماتَتْ أيَرثُها؟ أو ماتَ أَترثُه؟ قالَ: لا، قُلتُ: أَلَا إنَّ أحكامَ اللهِ ﵎ هذهِ الخَمسةِ تَدلُّ على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ، قالَ: نَعمْ، قُلتُ: وحُكمُ اللهِ أنه إنَّما تَطلُقُ الزَّوجةُ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ قالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قالَ: نعَمْ، فقُلتُ له: كِتابُ اللهِ إذا كانَ -كما زَعمْنا وزعمْتَ- يَدلُّ على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ وهي خِلافُ قَولكِم. أخبَرَنا مُسلمُ بنُ خالدٍ عنِ ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ

стр. 10058

الزُّبيرِ أنهُما قالا في المُختلِعةِ يُطلِّقُها زَوجُها قالا: «لا يَلزمُها طلاقٌ؛ لأنه طلَّقَ ما لا يَملكُ»، وأنتَ تَزعمُ أنَّكَ لا تُخالفُ واحِدًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ إلَّا إلى قَولٍ مِثلِه، فخالَفْتَ ابنَ عبَّاسٍ وابنَ الزُّبيرِ معًا وآياتٍ مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى ما أدرِي لعلَّ أحَدًا لو قالَ مِثلَ قَولكِ هذا لَقُلتُ لهُ: ما يَحلُّ لكَ أنْ تَتكلَّمَ في العِلمِ وأنتَ تَجهلُ أحكامَ اللهِ، ثمَّ قلْتَ فيها قَولًا لو تَخاطَأْتَ فقُلتَه كنتَ قد أحسَنْتَ الخطَأَ وأنتَ تَنسبُ نفْسَكَ إلى النَّظرِ، قالَ: وما هذا القَولُ؟ قُلتُ: زعمْتَ أنه إنْ قالَ للمُختلِعةِ: «أنتِ بَتَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، وخلِّيةٌ» يَنوي الطَّلاقَ لم يَلزمْها الطَّلاقُ، وهذا يَلزمُ الزَّوجةَ، وأنه إنْ آلَى مِنها أو تَظاهرَ أو قذَفَها لم يَلزمْها ما يَلزمُ الزَّوجةَ، وأنه إنْ قالَ: «كلُّ امرَأةٍ لهُ طالقٌ» ولا يَنوِيها ولا غيْرَها طُلِّقَ نِساؤُه ولم تَطلُقْ هي؛ لأنها ليسَتْ بامرَأةٍ لهُ، ثمَّ قُلتَ: وإنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» طَلُقتْ، فكيفَ يُطلِّقُ غيرَ امرَأتَه؟! (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: المُختلِعةُ لا يَلحقُها طَلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا إيلاءٌ ولا لِعانٌ؛ لأنَّه لَم يَجعلْ لها سُكنى ولا نَفقةً، ولا يَتوارثانِ، وجعَلَها بخِلافِ الرَّجعيةِ. وقولُ أبي حَنيفةَ: «إنها يَلحقُها الطَّلاقُ» خِلافُ أقاوِيلِ الفُقهاءِ (٢).

стр. 10059

وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ ﵀: (ولا يَلحقُ المُختلِعةَ طلاقٌ وإنْ كانَتْ في العدَّةِ، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، وقالَ بعضُ النَّاسِ: يَلحقُها الطَّلاقُ في العدَّةِ واحتَجَّ ببَعضِ التَّابعِينَ، واحتجَّ الشَّافعيُّ عليهِ مِنْ القُرآنِ والإجماعِ بما يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لا يَلحقُها بما ذكَرَ اللهُ بينَ الزَّوجَين مِنْ اللِّعانِ والظِّهارِ والإيلاءِ والمِيراثِ والعدَّةِ بوَفاةِ الزَّوجِ، فدلَّتْ خَمسُ آياتٍ مِنْ كتابِ اللهِ تَعالى على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ، وإنَّما جعَلَ اللهُ الطَّلاقَ يقعُ على الزَّوجةِ، فخالَفَ القُرآنَ والأثَرَ والقياسَ، ثمَّ قَولُه في ذلكَ مُتناقِضٌ، فزعَمَ إنْ قالَ لها: «أنتِ خَلِيَّةٌ، أو بَرِيَّةٌ، أو بَتَّةٌ» يَنوي الطَّلاقَ أنه لا يَلحقُها طَلاقٌ، فإنْ قالَ: «كلُّ امَرأةٍ لي طالقٌ» لا يَنويها ولا غيْرَها طُلِّقَ نِساؤُه دُونها، ولو قالَ لها: «أنتِ طَالقٌ طلُقَتْ»، فكيفَ يطلِّقُ غيرَ امرَأتَه؟!). قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ، إذا خالَعَ زَوجتَه على طَلقةٍ أو طلقتَينِ وبقيَتْ على واحِدةٍ أو اثنتَينِ ثمَّ طلَّقَها في العدَّةِ لم يقَعْ طَلاقُه، سَواءٌ طلَّقَها بصَريحِ الطَّلاقِ أو بكِنايتِه، وسَواءٌ عجَّلَ ذلكَ في العدَّةِ أو بعدَ العدَّةِ، وبهِ قالَ مِنْ الصَّحابةِ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبيرِ، ومِن التَّابعينَ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، ومِن الفُقهاءِ أحمَدُ وإسحاقُ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ طلَّقَها في العدَّةِ بصَريحِ الطَّلاقِ وقَعَ طَلاقُه، وإنْ

стр. 10060

طلَّقَها بكِنايةِ الطَّلاقِ -كقَولِه: «أنتِ بائنٌ، أو حَرامٌ»، أو على صِفةٍ كقَولِه: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْها، أو قالَ: «كلُّ نِسائي طوالِقٌ» - لم تُطلَّقْ في هذهِ الأحوالِ الثَّلاثِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ طلَّقَها عَقِيبَ خُلعِه حتَّى اتَّصل طَلاقُه بخُلعِه طُلِّقَتْ، وإنِ انفَصلَ عن خُلعِه لَم تُطلَّقْ. وقالَ الحسَنُ البَصريُّ: إنْ طلَّقَها في مَجلسِ خُلعِه طلِّقَتْ، وإنْ طلَّقَها في غيرِه لم تطلَّقْ، واستَدلَّ مَنْ نصَرَ قولَ أبي حَنيفةَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يُريدُ الخُلعَ، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فدلَّ على أنَّ الطَّلاقَ بعْدَ الخُلعِ واقِعٌ. ورَوى أبو يُوسفَ في «أمالِيه» عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنه قالَ: «المُختلِعةُ يَلحقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العدَّةِ»، ولأنها مُعتدَّةٌ مِنْ طَلاقٍ فوجَبَ أنْ يَلحقَها ما بَقيَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ كالرَّجعيةِ، ولأنَّ الطَّلاقَ كالعتقِ؛ لسَراينِهما وجَوازِ أخذِ العوضِ عليهما، والخُلعُ كالكتابةِ؛ لثُبوتِ العِوضِ فيهما، ثمَّ ثبَتَ أنَّ المُكاتَبَ إذا أُعتقَ صحَّ عِتقُه؛ لبَقايا أحكامِ المِلكِ، وجَبَ إذا طلَّقَتِ المُختلِعةُ أنْ يَصحَّ طَلاقُها؛ لِبَقايا أحكامِ النِّكاحِ، ولأنَّ المُختلِعةَ كالمُتظاهَرِ منها؛ لِتَحريمِها وبقايا أحكامِ نِكاحِها، فلمَّا صَحَّ طلاقُ المُتظاهَرِ منها وجَبَ أنْ يَصحَّ طلاقُ المُختلِعةِ.

стр. 10061

ودَليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فجعَلَ التَّسريحَ لِمَنْ له الإمساكُ، فلمَّا لم يَكنْ لزَوجِ المُختلِعةِ إمساكُها لم يَكنْ بهِ تَسريحُها وطَلاقُها، ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنه مَرويٌّ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وعبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، وليسَ لهُما مُخالِفٌ، ولأنَّ الطَّلاقَ إذا لم يَرفعْ نِكاحًا ولم يُسقِطْ رَجعةً كانَ مُطَّرِحًا كالمُطلَّقةِ بعدَ العدَّةِ، ولأنها امرَأةٌ لا تَحلُّ لهُ إلَّا بنكاحٍ جَديدٍ، فلمْ يَلحقْها طلاقُه كالأجنبيَّةِ. فإنْ قيلَ: الأجنبيَّةُ ليسَ بيْنَها وبينَهُ شيءٌ مِنْ أحكامِ النِّكاحِ، فلمْ يَلحقْها الطَّلاقُ، والمُختلِعةُ يَجري عليها مِنْ أحكامِ النِّكاحِ وُجوبُ العِدَّةِ واستِحقاقُ السُّكنى ولُحوقُ النَّسبِ، فجازَ أنْ يَلحقَها الطَّلاقُ. فالجَوابُ عنهُ: أنَّ وُجوبَ العدَّةِ ولُحوقَ النَّسبِ مِنْ أحكامِ الوطءِ دُونَ النِّكاحِ، ألَا تَرى لو طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ لَم تَعتدَّ، ولو طلَّقَها عَقبَ نِكاحِه فقالَ: «قد قَبلْتُ نكاحِها هي طالِقٌ» لم يُلحقْ بهِ الوَلدُ، ولو وطِئَها بشُبهةٍ مِنْ غيرِ نكاحِ وجبَتْ عليها العدَّةُ ولُحِقَ بهِ الوَلدُ، فدلَّ على أنَّ العدَّةَ ولُحوقَ النَّسبِ مِنْ أحكامِ الوَطءِ دُونَ النِّكاحِ، وليسَ كذلكَ الطَّلاقُ؛ لأنه مِنْ أحكامِ النِّكاحِ دُونَ الوَطءِ … (١).

стр. 10062

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يَقعُ بالمُعتدَّةِ مِنْ الخُلعِ طَلاقٌ ولو واجَهَها بهِ). وجُملةُ ذلكَ أنَّ المُختلِعةَ لا يَلحقُها طَلاقٌ بحالٍ، وبهِ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبيرِ وعِكرمةُ وجابرُ بنُ زيدٍ والحسَنُ والشَّعبيُّ ومالكٌ والشَّافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثورٍ، وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ أنه يَلحقُها الطَّلاقُ الصَّريحُ المعيَّنُ دونَ الكِنايةِ والطَّلاقِ المُرسَلِ، وهو أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ لي طالقٌ»، ورُويَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وشُرَيحٍ وطاوُسٍ والنَّخَعيِّ والزُّهريِّ والحكَمِ وحَمَّادٍ والثَّوريِّ؛ لِمَا رُويَ عنِ النَّبيِ ﷺ أنه قالَ: «المُختلِعةُ يَلحقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العدَّةِ». ولنا: أنه قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ولا نَعرفُ لهُما مُخالِفًا في عصْرِهما، ولأنها لا تَحلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ، فلم يَلحقْها طَلاقُه كالمُطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ أو المُنقضيةِ عدَّتُها، ولأنه لا يَملكُ بُضعَها، فلم يَلحقْها طلاقُه كالأجنبيَّةِ، ولأنها لا يَقعُ بها الطَّلاقُ المُرسَلُ ولا تَطلُقُ بالكِنايةِ، فلم يَلحقْها الصَّريحُ المعيَّنُ كما قبلَ الدُّخولِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يواجِهَها به فيقولَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو لا يُواجِهَها به مثلَ أنْ يقولَ: «فلانَةُ طالِقٌ»، وحَديثُهم لا نَعرفُ له أصلًا ولا ذكَرَه أصحابُ السُّننِ (١).

стр. 10063

وذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ المُختلِعةَ يَلحقُها صَريحُ الطلاق؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعنِي الخُلعَ، ثمَّ قالَ تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والفاءُ للتَّعقيبِ، فهو نَصٌّ على وُقوعِ الثَّالثةِ بعدَ الخُلعِ مرَّتينِ. ولِما رُويَ مَرفوعًا: «المُختلِعةُ يَلحقُها صَريحُ الطَّلاقِ ما دامَتْ في العدَّةِ» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ، ولأنها بالخُلعِ والإبانةِ لم تَخرجْ مِنْ أنْ تكونَ مَحلًّا للطَّلاقِ؛ لأنَّ حُكمَ الطَّلاقِ إنْ كانَ ما يُنبئُ عنهُ اللَّفظُ لُغةً -وهو الانطِلاقُ والتَّخلِّي وزَوالُ القَيدِ- فهي مَحلٌّ لذلكَ؛ لأنها مُقيَّدةٌ في حالِ العدَّةِ؛ لأنها مَمنوعةٌ عن الخُروجِ والبُروزِ والتَّزوجِ بزَوجٍ آخَرَ، والقَيدُ هو المَنعُ، وإنْ كانَ ما لا يُنبئُ عَنه اللَّفظُ لُغةً -وهو زَوالُ حلِّ المَحلِّيةِ شَرعًا- فحِلُّ المحلِّيةِ قائِمٌ؛ لأنَّه لا يَزولُ إلَّا بالطَّلقاتِ الثَّلاثِ ولم تُوجَدْ، فكانَتِ المُبانةُ والمُختلِعةُ محلَّينِ للطَّلاقِ. ولو قالَ لها الكِناياتِ الَّتي يقَعُ بها الرَّجعيُّ مثلَ: «اعتَدَّي، استَبْرئِي رَحِمَكِ، أنتِ واحِدةٌ» يَنوي الطَّلاقَ يَقعُ عليها طَلقةٌ بائِنةٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ خِلافًا لمُحمدٍ (٢).

стр. 10064

اختِلافُ الزَّوجينِ في الخُلعِ أو في عِوضِه: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ في أصلِ الخُلعِ فلهُ حالتانِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يدَّعيَ الزَّوجُ الخلعَ وتُنكِرَه الزَّوجةُ: فاتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا ادَّعى الخُلعَ على زَوجتِه بأنْ طلَّقَها طَلقةً على عِوضٍ وأنها لم تدفَعْه لهُ وأنكَرَتِ الزَّوجةُ الخُلعَ أو قالَتْ: «طلَّقَنِي بِلا عِوضٍ» بانَتِ الزَّوجةُ منه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على نَفسِه بذلكَ. ولم يَستحقَّ الزَّوجُ عليها عِوضًا؛ لأنها مُنكِرةٌ، والأصلُ بَراءةُ ذمَّتِها، وعليها اليمينُ، وهذا عندَ المالكيَّةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ. قالَ الشَّافعيةُ: فإنْ أقامَ بالعوضِ بيِّنةً أو رَجلًا وامرَأتينِ أو شاهِدًا وحلَفَ معهُ أو عادَتْ واعتَرفتْ بعْدَ يَمينِها بما ادَّعاهُ لزِمَها العوضُ وثَبتَ لهُ (١). وقالَ الحنابِلةُ: إنِ ادَّعاه الرَّجلُ وأنكَرَتْه المرأةُ قُبِلَ فيهِ رَجلٌ وامرأتانِ؛ لأنه بينةٌ لإثباتِ المالِ (٢).

стр. 10065

وقالَ المالكيَّةُ: وإذا أقَرَّ الرَّجلُ أنه خالَعَ زَوجتَه على مالٍ وأنكَرَتْه لَزمَه الطَّلاقُ، ولم يكنْ له مِنْ المالِ الَّذي ادَّعى عليها شيءٌ، وكانَ القولُ في ذلكَ قَولَها مع يَمينِها، إلَّا أنْ يَذكرَ أنه اشتَرطَ عليها أنها إنْ دفَعَتِ المالَ إليه فهي طالِقٌ وأنكَرَتْ ذلكَ فلا يَلزمُه طَلاقٌ ولا يَكونُ له مالٌ (١). وقالَ الحنفيَّةُ: لوِ ادَّعى الزَّوجُ الخُلعَ فأنكَرَتِ المَرأةُ بانَتْ منهُ بإقرارِه، ولم يَثبتْ المالُ الَّذي هو الأصلُ في الخُلعِ؛ لأنها تُنكِرُ، ولا يَمينَ عليها إلَّا إذا أتى ببيِّنةٍ (٢). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ تدَّعيَ الزَّوجةُ الخلعَ ويُنكِرَه الزَّوجُ: لوِ ادَّعتِ الزَّوجةُ الخُلعَ وأنكَرَه الزَّوجُ فلا يقَعُ الخُلعُ عندَ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحنابلةِ، سواءٌ ادَّعتْه بمالٍ أو بدونِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ وعَدمُ الخُلعِ، فلا يقَعُ بدَعواها شيءٌ؛ لأنها لا تَملكُ الإيقاعَ، ويكونُ بلا يَمينٍ على الزَّوجِ عِنْدَ الحنفيَّةِ، وبيَمينٍ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ.

стр. 10066

إلَّا إذا أتَتِ الزَّوجةُ ببيِّنةٍ بوُقوعِ الخُلعِ فيَقعُ ولا يَثبتُ له عوضٌ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه يُنكِرُه، إلَّا إنْ عادَ واعتَرفَ بالخُلعِ عندَ الشَّافعيةِ فيُقضَى له بالعِوضِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لَزمَه وهي معتَرِفةٌ به. وقالَ الحنفيَّةُ: لا يَلزمُها المالُ؛ لأنها إنَّما أقرَّتْ بهِ في مُقابَلةِ الخُلعِ، فحيثُ لم يَثبتِ الخُلعُ لم يَثبتِ المالُ، ولأنَّ الزَّوجَ بإنكارِه قَدْ ردَّ إقرارَها بهِ (١). الاختلافُ في قَدرِ العِوضِ في الخُلعِ أو جِنسِه أو حُلولِه أو تأجيلِه أو صِفتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لوِ اتَّفقَ الزَّوجانِ على الخُلعِ إلَّا أنهما اختَلفَا في قَدرِه أو جِنسِه أو صفَتِه أو حُلولِه أو تأجيلِه؛ هلِ القَولُ قولُ المَرأةِ أم الزَّوجِ أم يَتحالفانِ؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ في الجُملةِ إلى أنَّ القَولَ قولُ المَرأةِ.

стр. 10067

قالَ الحنفيَّةُ: لوِ اختَلفَا في مِقدارِ الجُعلِ بعدَ الاتِّفاقِ على الخُلعِ أو قالَتْ: «اختَلعْتُ بغيرِ شيءٍ» فالقولُ قولُها، والبيِّنةُ بيِّنةُ الزَّوجِ (١). وقالَ المالكيَّةُ: إذا اتَّفقَ الزَّوجانِ على الخُلعِ إلَّا أنَّ الزَّوجَ ادَّعى قَدرًا كَثيرًا كعَشرةٍ وادَّعتْ هي أقلَّ كخَمسةٍ، أو ادَّعى جِنسًا كعَبدٍ وادَّعتْ غيرَه كشَاةٍ حلَفَتِ المرأةُ على نَفيِ ما ادَّعاه الزَّوجُ وبانَتْ ودفعَتْ ما ادَّعتْه، فإنْ نكلَتْ حلَفَ وأخَذَ ما ادَّعى مِنْ القَدرِ والجنْسِ، فإنْ نكَلَ فلا شَيء لهُ وله ما قالَتْ (٢). قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا قالَ: «خالَعتُكِ على ألفَينِ» وقالَتْ: «بألفٍ»، فإنْ كانَتْ لهُ بيِّنةٌ وإلَّا فيَمينُها، وقالَ الشَّافعيُّ: يَتحالفانِ ويَكونُ عليها مَهرُ المِثلِ. فدَليلُنا: قولُه ﷺ : «اليَمينُ عَلى المُدَّعَى عَليهِ»، ولأنَّ التَّحالفَ مَوضعُ الفَسخِ، وذلكَ لا يُمكنُ في هذا المَوضعِ، ولأنَّ إيجابَ مَهرِ المِثلِ يُؤدِّي إلى أنْ يأخُذَ الزَّوجُ أكثرَ ممَّا يدَّعِي (٣).

стр. 10068

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنِ اتَّفقَا على الخُلعِ واختَلفا في قَدرِ العِوضِ أو جِنسِه أو حُلولِه أو تأجيلِه أو صِفتِه فالقَولُ قولُ المَرأةِ، حَكاه أبو بكرٍ نصًّا عَنْ أحمدَ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ. وذكَرَ القاضِي رِوايةً أُخرَى عَنْ أحمدَ: أنَّ القَولَ قَولُ الزَّوجِ؛ لأنَّ البُضعَ يَخرجُ مِنْ مِلكِه، فكانَ القَولُ قَولَه في عِوضِه كالسِّيدِ معَ مُكاتَبِه. وقالَ الشَّافعيُّ: يَتحالفانِ؛ لأنه اختِلافٌ في عِوضِ العَقدِ، فيَتحالفانِ فيه كالمُتبايعَينِ إذا اختَلفَا في الثَّمنِ. ولنا: إنَّه أحَدُ نَوعَي الخُلعِ، فكانَ القَولُ قولَ المَرأةِ كالطَّلاقِ على مالٍ إذا اختَلفَا في قَدرِه، ولأنَّ المَرأةَ مُنكِرةٌ للزِّيادةِ في القَدرِ أو الصِّفةِ، فكانَ القَولُ قولَها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اليَمينُ على المدَّعَى عليهِ»، وأمَّا التَّحالفُ في البَيعِ فيحتاجُ إليهِ لفَسخِ العَقدِ، والخُلعُ في نَفسِه فَسخٌ فلا يُفسخُ. وإنْ قالَ: «خالعْتُكِ بألفٍ» فقالَتْ: «إنَّما خالعْتَ غيرِي بألفٍ في ذمَّتِه» بانَتْ، والقَولُ قولُها في نَفيِ العوضِ عنها؛ لأنها مُنكِرةٌ لهُ، وإنْ قالَتْ: «نعَمْ ولكنْ ضمِنَها لكَ أبِي أو غيرُه» لَزمَها الألفُ؛ لإقرارِها بهِ، والضَّمانُ لا يُبْرئُ ذمَّتَها، وكذلكَ إنْ قالَتْ: «خالَعتُكَ على ألفٍ يَزنُه لكَ أبِي»؛

стр. 10069

لأنها اعتَرفتْ بالألفِ وادَّعتْ على أبيها دَعوى، فقُبلَ قَولُها على نَفسِها دُونَ غيرِها. وإنْ قالَ: «سألْتِني طَلقةً بألفٍ» فقالَتْ: «بل سألْتُكَ ثَلاثًا بألفٍ فطلقْتَنِي وَاحدةً» بانَتْ بإقرارِهِ، والقَولُ قَولُها في سُقوطِ العِوضِ، وعندَ أكثَرِ الفُقهاءِ يلزَمُها ثُلثُ الألفِ؛ بِناءً على أصلِهم فيما إذا قالَتْ: «طلِّقْنِي ثلاثًا بألفٍ» فطلَّقَها واحِدةً أنهُ يَلزمُها ثُلثُ الألفِ. وإنْ خالَعَها على ألفٍ فادَّعَى أنها دَنانيرُ وقالَتْ: «بلْ هي دراهِمُ» فالقَولُ قَولُها؛ لِمَا ذكَرْنا في أوَّلِ الفصلِ، ولو قالَ أحَدُهما: «كانَتْ دراهِمَ قِراضيَّةً» وقالَ الآخَرُ: «مُطلَقةً» فالقَولُ قَولُها، إلَّا على الرِّوايةِ الَّتي حَكاهَا القاضِي فإنَّ القَولَ قَولُ الزَّوجِ في هاتَينِ المسألتَينِ، وإنِ اتَّفقا على الإطلاقِ لَزمَ الألفُ مِنْ غالِبِ نَقدِ البَلدِ، وإنِ اتَّفقَا على أنهما أرادَا دَراهمَ لَزمَها ما اتَّفقَتْ إرادَتُهما عليهِ، وإنِ اختَلفَا في الإرادةِ كانَ حُكمُها حُكمَ المُطلَقةِ يُرجعُ إلى غالِبِ نَقدِ البلَدِ. وقالَ القاضِي: إذا اختَلفَا في الإرادةِ وجَبَ المَهرُ المُسمَّى في العَقدِ؛ لأنَّ اختِلافَهُما يَجعلُ البلدَ مَجهولًا، فيَجبُ المُسمَّى في النِّكاحِ. والأولُّ أصَحُّ؛ لأنهما لو أطلَقَا لَصحَّتِ التَّسميةُ، ووَجَب الألفُ مِنْ

стр. 10070

غالِبِ نقْدِ البلَدِ، ولم يَكنْ إطلاقُهما جَهالةً تَمنعُ صحَّةَ العِوضِ، فكذلكَ إذا اختَلفَا، ولأنَّه يُجيزُ العِوضَ المَجهولَ إذا لم تكنْ جَهالتُه تَزيدُ على جَهالةِ مهرِ المِثلِ كعَبدٍ مطلَقٍ وبَعيرٍ وفرَسٍ، والجَهالةُ هاهُنا أقَلُّ فالصِّحةُ أَولى (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اتَّفقا على الخُلعِ إلَّا أنهما اختَلفَا في جِنسِ عِوضِه أدَراهِمَ أو دَنانيرَ، أو صِفتهِ كصِحاحٍ أو مُكسَّرةٍ، أو قَدرِه كألفٍ فقالَتْ: «بل بخَمسِمائةٍ»، أو نَوعِه أو أجَلِه أو قَدرِ أجَلِه ولا بَيِّنةَ لأحَدِهما أو لِكلٍّ مِنهُما بيِّنةٌ وتَعارَضتَا؛ تَحالَفا كالمُتبايعَينِ في كيَّفيةِ الحلِفِ. ووجَبَ بعدَ فَسخِهما أو فَسخِ أحَدِهما مَهرُ المِثلِ وإنْ زادَ على ما ادَّعاهُ الزَّوجُ؛ لأنه بدَلُ البُضعِ الَّذي تَعذَّرَ ردُّهُ. فإنْ أقامَ أحَدُهما بيِّنةً قُضيَ له بها (٢). قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنِ اختَلفَا في قَدرِ العِوضِ بأنْ قالَ: «خالَعتُكِ عَلى ألفَي دِرهمٍ» فقالَتْ: «بل على ألفٍ»، أو اختَلفَا في

стр. 10071

صِفةِ العِوضِ بأنْ قالَ: «خالَعتُكِ على ألفِ دِرهمٍ مِنْ نَقدِ بَلدِ كذا» وقالَتْ: «بل على ألفِ دِرهمٍ مِنْ نَقدِ بلدِ كذا»، أو اختَلفَا في عَينِ العِوضِ بأنْ قالَ: «خالَعتُكِ على هذهِ الجارِيةِ» فقالَتْ: «بل على هذا العَبدِ»، أو في تَعجيلِه وتأجيلِهِ بأنْ قالَ: «خالَعتُكِ على ألفِ دِرهمٍ معجَّلةٍ» فقالَتْ: «بل على ألفِ دِرهمٍ مؤجَّلةٍ»، أو في عَددِ الطَّلاقِ بأنْ قالَتْ: «بذلْتُ لكَ ألفًا لتُطلِّقَني ثلاثًا» فقالَ: «بل بذَلْتِ لي ألفًا لأطلِّقَكِ واحِدةً ولم أُطلِّقْ غيرَها» .. فإنهما يَتحالفانِ في جَميعِ ذلكَ على النَّفي والإثباتِ، كما قُلنا في المُتبايعَينِ. وقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ: القَولُ قولُ المَرأةِ. دَليلُنا: أنَّ الخُلعَ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فإذا اختَلفَا في قَدرِ عِوضِه أو صِفتِه أو مُعوَّضِه .. تَحالَفا كالمُتبايعَينِ. إذا ثبَتَ هذا فإنهما إذا تَحالَفا .. فإنَّ التَّحالُفَ يَقتضي فسْخَ العَقدِ، إلَّا أنه لا يُمكِنُ هاهُنا أنْ يَنفسخَ الخُلعُ؛ لأنه لا يَلحقُه الفَسخُ، فيَسقطُ العِوضُ المُسمَّى في العَقدِ ويَرجعُ عليها بمَهر مِثلِها، كالمُتبايعَينِ إذا اختَلفَا بعدَ هَلاكِ السِّلعةِ. وعلى قَول مَنْ قالَ مِنْ أصحابِنا: «إنَّ البائعَ يَرجعُ بأقلِّ الأمرَينِ مِنْ الثَّمنِ الَّذي يدَّعيهِ البائِعُ أو قيمةِ السِّلعةِ» .. يَرجعُ الزَّوجُ هاهُنا

стр. 10072

بأقلِّ الأمرَينِ مِنْ العِوضِ الَّذي يدَّعيهِ الزَّوجُ أو مهرِ المثلِ. وإذا اختَلفَا في قَدرِ الطَّلاقِ .. فلا يَقعُ إلَّا ما أقَرَّ به الزَّوجُ (١).

стр. 10073

كتاب الطلاق تعريفُ الطَّلاق: الطَّلاقُ لُغةً: الطَّلاقُ مَصدَرُ طَلُقَتْ المَرأةُ: بانَتْ مِنْ زَوجِها، وأصلُ الطَّلاقِ في اللُّغةِ التَّخليةُ، يُقال: «طُلِقَتِ النَّاقَةُ» إذَا سَرَحَتْ حَيثُ شاءَتْ، و «حُبِسَ فُلانٌ في السِّجنِ طَلْقًا بِغَيرِ قَيْدٍ»، وفَرَسٌ طَلقُ إحدى القوائمِ إذا كانَتْ إحدَى قوائِمِها غيْرُ مُحجَّلةٍ، والإطلاقُ الإرسالُ، فالطَّلاقُ شرعاً: حَلُّ قَيدِ النكاحِ، وهوَ راجعٌ إلى معناهُ لغةً؛ لأنَّ مَنْ حُلَّ قَيدُ نكاحِها فقَدْ خَلِيَتْ، ويُقال: «طَلَقَتِ المَرأةُ وطَلُقَتْ» بفَتحِ اللَّامِ وضمِّها، «تَطلُقُ» بضَمِّ اللَّامِ وفتْحِها، «طَلاقًا وطَلقةً»، وجَمعُها «طَلَقَاتٍ» بفَتحِ اللَّامِ لا غَيرَ، فهيَ «طالقٌ»، وطَلَّقَهَا زَوجُها فهيَ مُطلَّقَةٌ (١).

стр. 10074

وقالَ الزَّبِيدِيُّ ﵀: الطَّلاقُ: هوَ في اللُّغةِ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ القَيدِ، وهوَ مَأخوذٌ مِنَ الإطلَاقِ، تَقولُ العَرَبُ: «أَطلَقْتُ إبِلِي وأَسيرِي وطَلَّقَتُ امرَأتِي» وهُمَا سَواءٌ، وإنَّما فرَّقُوا بيْنَ اللَّفظَينِ؛ لاختِلافِ المَعنيَيْنِ، فجَعلُوهُ في المَرأةِ طَلاقًا وفي غَيرِه إطْلاقًا، كمَا فرَّقُوا بيْنَ حَصَانٍ وَحِصَانٍ، فقَالُوا لِلمرَأةِ حَصَانٌ وَللفَرَسِ حِصَانٌ، وهوَ سَواءٌ في اللَّفظِ مُختَلفٌ في المَعنَى (١). الطَّلاقُ شَرعًا: تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الطَّلاقِ، وإنْ كَانَ جَميعُها يَنصُّ عَلى أنَّهُ: حَلُّ ورَفعُ عَقدِ النِّكاحِ بلَفظٍ مَخصُوصٍ. قَالَ الحَنفيَّةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: عِبارةٌ عَنْ إزَالَةِ النِّكاحِ أو نُقصانِ حِلِّه بلَفظٍ مَخصُوصٍ (٢). وقِيلَ: عِبارةٌ عَنِ المَعنَى المَوضُوعِ لحَلِّ عُقدَةِ النِّكاحِ (٣). والمُرادُ برَفعِ العَقدِ رَفعُ أحكَامِه؛ لأنَّ العُقودَ كَلِماتٌ لا تَبقَى بعدَ التَّكلُّمِ بهَا (٤). ويُقالُ: عِبارةٌ عَنْ إسقَاطِ الحَقِّ عَنِ البُضعِ، ولِهذَا يَجوزُ تَعلِيقُهُ بالشَّرطِ، فَالطَّلاقُ عِنْدَهُمْ لا يُزيلُ المِلكَ، وإنَّما يَحصلُ زوالُ المِلكِ عَقِيبَه

стр. 10075

إذَا كَانَ طَلاقًا قَبْلَ الدُّخولِ أو بائِنًا، وإنْ كَانَ رجعيًّا وَقَفَ على انقِضاءِ العدَّةِ، أي: لَم يُزل المِلكُ إلَّا بعْدَ انقِضائِها (١). وقِيلَ: لَفظٌ دَلَّ عَلى رفْعِ قَيدِ النِّكاحِ في الحَالِ بالبِائنِ أو المَآلِ بالرَّجعيِّ بلَفظٍ مَخصُوصٍ، وهوَ مَا اشتَملَ عَلى مَادَةٍ «طَلقَ» صَريحًا مِثلَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو كِنايةً: «كَمُطْلَقَةٍ» بالتَّخفِيفِ. فخَرَجَ بِذلكَ حَالاتُ الفُسوخِ وهيَ: ١ - تَفريقُ القاضِي في إبَاءِ الزَّوجةِ الإسلامَ بعْدَما أَسلَمَ زَوجُها المُشرِكُ أو المَجوسِيُّ؛ لأنَّ المُشرِكَةَ لا تَصلحُ لِنكاحِ المُسلِمِ، والفُرقَةُ جاءَتْ مِنْ قِبَلِها، والفُرقةُ مِنْ قِبَلِ المَرأةِ لا تَصلحُ طَلاقًا؛ لأنَّها لا تَتولَّى الطَّلاقَ، فيُجعَلُ فَسخًا، وأمَّا إنْ كانَ الإباءُ مِنَ الزَّوجِ فكَذلِكَ عِنْدَ أبِي يُوسفَ، وقَالَ أبُو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: تَكونُ الفُرقةُ طَلاقًا. ٢ - وَرِدَّةُ أحَدِ الزَّوجَينِ. ٣ - وتَبايُنُ الدَّارَيْن حَقيقَةً وحُكمًا: بأنْ خَرَجَ أحَدُ الزَّوجَينِ إلَى دارِ الإسلَامِ مُسلِمًا أو ذِميًّا، وترَكَ الآخَرَ كافِرًا في دارِ الحَربِ قِياسًا عَلى الرِّدةِ؛ لعَدمِ التَّمكينِ مِنَ الانتِفاعِ عادةً، أمَّا إنْ خرَجَ أحَدُهما مُستَأمنًا وبَقيَ الآخَرُ كافِرًا في دارِ الحرْبِ لا تقَعُ الفُرقةُ؛ لأنَّ عِنْدَ اختِلافِ الدَّارَينِ يَخرجُ المِلْكُ مِنْ أنْ يَكونَ مُنتفَعًا بهِ؛ لِعَدمِ التَّمكُّنِ مِنَ الانتفاعِ عادةً، فلَم يَكنْ في بَقائِهِ

стр. 10076

فائِدةٌ فيَزولُ، كالمُسلمِ إذا ارتَدَّ عَنِ الإسلَامِ ولَحِقَ بدارِ الحَربِ أنَّهُ يَزولُ مِلكُهُ عَنْ أموالِهِ وتُعتَقُ أمَّهاتُ أَولادِهِ ومُدبَّروهُ؛ لمَا قُلنا، كَذا هَذا. ٤ - وخِيارُ البُلوغِ: فإنَّهُ فَسخٌ لا طَلاقٌ. ٥ - وخِيارُ العِتقِ: بأنْ تُعتَقَ الأَمَةُ ويَبقَى زَوجُها عَبدًا. ٦ - والتَّفريقُ لِعَدمِ الكَفاءَةِ أو لِنُقصانِ المَهرِ: تَكونُ الفُرقَةُ فَسخًا (١). وأمَّا المالكيَّةُ فعَرَّفَ ابنُ عَرفَةَ ﵀ الطَّلاقَ بقَولِهِ: الطَّلاقُ صِفةٌ حُكمِيَّةٌ تَرفعُ حِلِّيَّةَ مُتعَةِ الزَّوجِ بزَوجَتِه، مُوجِباً تَكرُّرُهَا مرَّتَينِ لِلحرِّ ومرَّةً لِذي رِقٍّ حُرمَتَها عَليهِ قبْلَ زَوجٍ (٢). وقَالَ الشَّافعيَّةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بلَفظِ الطَّلاقِ ونَحوِه (٣). أو: اسمٌ لحَلِّ قَيْدِ النِّكاحِ (٤). وكِلاهمُا بمَعنًى واحدٍ. وعرَّفهُ النَّوويُّ ﵀ بأنُّه: تَصرُّفٌ مَملُوكٌ للزَّوجِ يُحدِثُهُ بِلا سَببٍ فيَنقطِعُ النِّكاحُ به (٥).

стр. 10077

وقالَ الحَنابلَةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ أو حَلُّ بعضِهِ بالطَّلاقِ الرَّجعيِّ (١). وقِيلَ: حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ أو بَعضِه بوُقوعِ ما يَملِكُه مِنْ عَددِ الطَّلقاتِ أو بَعضِها. وقِيلَ: هوَ تَحريمٌ بعْدَ تَحليلٍ، كالنِّكاحِ تَحليلٌ بعْدَ تَحريمٍ (٢). فعامَّةُ الفُقهاءِ متَّفِقونَ عَلى أنَّ الطَّلاقَ هوَ عِبارةٌ عَنْ حَلٍّ لِعَقدِ النِّكاحِ بلَفظٍ مَخصُوصٍ سَيأتي بَيانُه. قالَ إمامُ الحرَمَينِ ﵀: وهوَ لفْظٌ جاهِليٌّ ورَدَ الشَّرعُ باستِعمالِه وتَقريرِهِ، وقِيلَ: كانَ الطَّلاقُ الجَاهليَّةِ عَلى أَنحاءٍ: الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ، والظِّهارُ، والإيلاءُ، و «أنتِ عَليَّ حَرامٌ»، قالَتْ عائِشةُ ﵂: «جاءَ الشَّرعُ بنَسخِ البَعضِ وتَقريرِ البَعضِ» (٣).

стр. 10078

مشروعيَّةُ الطَّلاقِ: أَجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى مَشروعيَّةِ الطَّلاقِ، واستَدلُّوا عَلى مَشرُوعيَّتِه بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ والمَعقولِ. أمَّا الكِتابُ: فقولُه تَعالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقَولُه تَعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأمَّا السُّنةُ: فعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امْرأتَهُ وهِيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الْخطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُرَاجِعْهَا ثمَّ لِيُمْسِكْها حتى تطْهُرَ ثمَّ تحِيضَ ثمَّ تطْهُرَ، ثمَّ إن شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإِنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (١). وجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ زَوجَتِه بعْدَما طلَّقَها ولَم يَنْهَهُ عنِ الطَّلاقِ، ممَّا يدلُّ عَلى إباحَتِهِ، بلْ هو غَايَةٌ في الإباحَةِ؛ لِقَولِه ﷺ : «ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإِنْ شاءَ طلَّقَ».

стр. 10079

وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلاقَ المَعتُوهِ والمَغلُوبِ عَلى عَقلِهِ» (١). وقَولُه ﷺ : «أَبْغضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (٢). وفي لَفظٍ: «لَيس شَيءٌ مِنَ الحَلالِ أَبغَضَ إلى اللهِ مِنَ الطَّلاقِ» (٣). وأمَّا الإجمَاعُ: فقَد نَقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ فُقهاءِ الأمَّةِ الإجماعَ على مَشرُوعيَّةِ الطَّلاقِ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الأَصلُ في إباحَةِ الطَّلاقِ الكِتابُ والسُّنةُ وإجماعُ الأمَّةِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزْمٍ ﵀: اتَّفقُوا أنَّ طلاقَ المُسلِمِ العاقِلِ البالِغِ الَّذي ليسَ سَكرانَ ولا مُكرهًا ولا غَضبانَ ولا مَحجُورًا ولا مَريضًا لِزَوجَتِه الَّتي قَدْ تزوَّجَها زَواجًا صَحيحًا جائِزٌ إذا لفَظَ به بعدَ النِّكاحِ مُختارًا لهُ (٥). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: القُرآنُ ورَدَ بإباحَةِ الطَّلاقِ، وطَلَّقَ

стр. 10080

رَسولُ اللهِ ﷺ بعْضَ نِسائِه، وهوَ أمرٌ لا خِلافَ فيهِ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ عَلى جَوازِ الطَّلاقِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامَةَ ﵀: وأَجْمعَ النَّاسُ عَلى جَوازِ الطَّلاقِ (٣). وأمَّا المَعقُولُ: فلِأَنَّ استِباحةَ البُضعِ مِلكُ الزَّوجِ عَلى الخُصوصِ؛ والمالِكُ الصَّحيحُ القَولِ يَملِكُ إزالةَ مِلْكِهِ كما في سائرِ الأمْلاكِ، ولأنَّ مصالِحَ النِّكاحِ قَدْ تَنقلِبُ مَفاسِدَ، والتَّوافقُ بيْنُ الزَّوجَينِ قَدْ يَصيرُ تَنافُرًا، فالبَقاءُ عَلى النِّكاحِ حِينَئذٍ يَشتَملُ على مَفاسِدَ مِنَ التَّباغُضِ والعَداوَةِ والمَقْتِ وغَيرِ ذلكَ، فشُرِعَ الطَّلاقُ دَفعًا لهذهِ المَفاسِدِ (٤). وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: والعِبرةُ دالَّةٌ على جَوازِه، فإنَّه ربَّما فَسدَتِ الحالُ بيْنَ الزَّوجَينِ، فيَصيرُ بقاءُ النِّكاحِ مَفسدةً مَحضَةً وضَررًا مُجرَّدًا بإلزَامِ الزَّوجِ النَّفقةَ والسُّكنى وحَبسِ المرأةِ معَ سُوءِ العِشرَةِ والخُصومَةِ الدَّائمةِ مِنْ غَيرِ فائِدةٍ؛ فاقتَضَى ذلكَ شَرْعَ ما يُزيلِ النِّكاحَ لِتَزولَ المَفسدةُ الحاصِلةُ منهُ (٥).

стр. 10081

حكمُ الطَّلاقِ الشرعيِّ: الطَّلاقُ يَنقسِمُ عِنْدَ الفُقهاءِ إلى خَمسَةِ أضْرُبٍ؛ لأنَّه تَعتَريهِ الأحكَامُ الخَمسةُ، فقَد يَكونُ مُباحًا وقَد يَكونُ مَندوبًا أو واجِبًا أو مَكروهًا أو مُحرَّمًا، وذَلكَ بحَسبِ الظُّروفِ والأحوالِ الَّتي تُصادِفُه. الضَّربُ الأولُ: المباحُ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل الأصلُ في الطَّلاقِ الإباحَةُ فيُباحُ الطَّلاقُ بِدونِ سَببٍ؟ أم الأصلُ فيهِ عَدمُ الإباحَةِ ولا يَكونُ مُباحًا إلَّا إذا كانَ هُناكَ سَببٌ؟ فقَالَ الحَنفيَّةُ: يُباحُ الطَّلاقُ لِلحاجَةِ؛ لِإطلاقِ الآياتِ، ومَتى وقَعَ الطَّلاقُ لِغَيرِ حاجَةٍ فهوَ مُباحٌ مَبغُوضٌ؛ لِحدَيثِ: «أَبْغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (١)، ولأنَّهُ قاطِعٌ لِلمَصالِحِ، وإنَّما أُبيحَتِ الواحِدَةُ لِلحاجَةِ وهوَ الخَلاصُ (٢). وقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: الأَصحُّ حَظرُه -أي مَنْعُهُ- إلَّا لِحاجَةٍ كَرِيبَةٍ وكِبَرٍ، قالَ الحَصكَفيُّ: والمَذهبُ الأوَّلُ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وقَولُهم: «الأَصلُ فيهِ الحَظرُ» مَعناهُ أنَّ الشَّارعَ ترَكَ هذا الأَصلَ فأباحَهُ (٣).

стр. 10082

وقالَ المالكيَّةُ: الأصلُ في الطَّلاقِ أنَّه جائِزٌ وإنْ كانَ خِلافَ الأَولَى، فالأَولَى عَدمُ ارتِكابِه؛ لِمَا فيهِ مِنْ قَطعِ الأُلفَةِ، إلَّا لِعارضٍ؛ لِحَديثِ: «أَبغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (١). قالَ الصَّاوِي ﵀: اعلَمْ أنَّهُ استَشكَلَ هَذا الحَديثُ بَأنَّ المُباحَ ما استَوَى طرَفاهُ، ولَيسَ مِنهُ مَبغُوضٌ ولا أَشَدُّ مَبغُوضيَّةً، والحَديثُ يَقتَضي ذلكَ؛ لأنَّ «أَفْعَلَ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ. وأُجِيبَ بأنَ المَعنَى «أقربُ الحَلالِ لِلبُغضِ الطَّلاقُ»، فالمُباحُ لا يُبغَضُ بالفِعلِ، لكنْ قد يُقَرِّبُ لهُ إذا خالَفَ الأَولَى، والطَّلاقُ مِنْ أشدِّ أفرادِ خِلافِ الأَولَى، وهَذا ما أشارَ لهُ الشَّارحُ بقَولِه: وإنْ كانَ حلالاً، إلَّا أنَّ الأَولَى عَدَمُ ارتِكابِه. وأُجِيبَ بجَوابٍ آخَرَ بأنَّه لَيسَ المُرادُ بالحَلالِ ما استَوى طَرَفاهُ، بلْ لَيسَ بحَرامٍ، فَيَصدُقُ بالمَكرُوهِ وخِلافِ الأَولَى، فخَلافُ الأَولَى مَبغُوضٌ، والمَكرُوهُ أشدُّ مَبغوضيِّةً، ولَيسَ المُرادُ بالبُغضِ ما يَقتَضِي التَّحريمَ، بلِ المُرادُ كَونُه لَيسَ مَرغوبًا فيهِ؛ لأنَّ فيهِ اللَّومَ، ويَكونُ التَّعبيرُ بالأبغضيَّةِ قَصْدَ التَّنفيرِ، وأنتَ خَبيرٌ بأنَّ الجَوابَ الثَّاني مَبنِيٌّ عَلى أنَّ حُكمَ الطَّلاقِ الأصلَيَّ الكَراهةُ، لا عَلى أنَّه خِلافُ الأَولَى الَّذي مَشَى عَليهِ الشَّارحُ، فالأَظهرُ الجَوابُ الأوَّلُ، وأمَّا حَمْلُهُ على سَببِ الطَّلاقِ مِنْ سُوءِ العِشرةِ فَفيهِ أنَّ

стр. 10083

هذا ليسَ مِنْ الحَلالِ، و «أَفْعَلُ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ (١). وقالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: قَولُ النَّبيِّ في الحَديثِ: «ثمَّ إنْ شاءَ طلَّقَ وَإنْ شاءَ أمْسَكَ» وهَذا غَايةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ ورَدَ بإباحَةِ الطَّلاقِ، وطَلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ بَعضَ نِسائِه، وهوَ أمْرٌ لا خِلافَ فيهِ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الطَّلاقُ هوَ حَلُّ العِصمةِ المُنعَقِدةِ بيْنَ الأزواجِ بألفَاظٍ مَخصُوصةٍ، والطَّلاقُ مُباحٌ بهذهِ الآيَةِ وبغَيرِها، وبقَولِه ﵇ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «فإنَّ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ»، «وقدْ طلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ حَفصةَ ثمَّ راجَعَها» خرَّجهُ ابنُ ماجَه، وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ طَلَّقَ امرأتَه طاهِرًا في طُهْرٍ لَم يمسَّها فيهِ أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ وللعِدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها، وأنَّ له الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بها قبْلَ أنْ تَنقضِيَ عِدَّتُها، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، فَدلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّةِ على أنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ غيرُ مَحظُورٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وليسَ في المنْعِ مِنهُ خبَرٌ يَثبُتُ (٣). وقالَ الحنابِلةُ: يُباحُ الطَّلاقُ عِنْدَ الحاجَةِ إليهِ لِسُوءِ خُلُقِ المرأةِ وسُوءِ

стр. 10084

عِشرَتها، وكَذا يُباحُ للتَّضرُّرِ بها مِنْ غَيرِ حُصولِ الغرَضِ بها، فيباحُ له دَفعُ الضَّررِ عَنْ نفْسِه (١). الضربُ الثاني: الاستِحبابُ: قالَ الحَنفيَّةُ: يُستحَبُّ الطَّلاقُ لِمُؤذيَةٍ لهُ أو لغَيرِه بقَولِها أو بفِعلِها، وكذا إذا كانَتْ تارِكةً صَلاةً أو تارِكةً فَرائضَ غيْرَ الصَّلاةِ، وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ: «لَأنْ ألقَى اللهَ تعالَى وصَداقُها بذمَّتي خَيرٌ مِنْ أنْ أُعاشِرَ امرأةً لا تُصلِّي». ولهُ أنْ يَضرِبَها عَلى ترْكِ الصَّلاةِ، ولا إثْمَ عَليهِ بمُعاشَرة مَنْ لا تُصلِّي (٢). وقالَ المالِكيةُ: يُندَبُ الطَّلاقُ لِعارِضٍ، كما لَو كانَتْ بَذِيَّةَ اللِّسانِ يخافُ مِنها الوقُوع في الحَرامِ لَوِ استَمرَّتْ عِندَهُ، كأنْ يَضرِبَها ضَربًا مُبَرِّحًا أو يَسُبَّها ويُسَبَّ وَالِدَيها، أو كانَتْ قَليلةَ الحَياءِ تَتبَرَّجُ إلى الرِّجالِ، وأكثرُهنَّ يَسبُّ أمَّ الزَّوجِ إذا كانَتْ عِنْدَ ابنِهَا وغَيرِ ذلكَ (٣). وقالَ الشَّافعيةُ: يُستَحبُّ الطَّلاقُ بأنْ تقَعَ الخُصومَةُ بيْنَ الزَّوجَينِ وخافَا أنْ لا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لأنَّهُ إذا لَم يُطلِّقْها .. ربُّما أدَّى إلى الشِّقاقِ.

стр. 10085

أو تَكونَ المَرأةُ غيْرَ عَفيفَةٍ فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لِمَا رَوى جابِرٌ ﵁: أنَّ رَجلًا قالَ: يَا رَسولَ اللهِ إنَّ امرَأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ: «طَلِّقْهَا»، فقالَ: إِني أحبُّها، قالَ: «أَمْسِكْها» (١)، أو يَكونَ حالُ المَرأةُ غيْرَ مُستَقيمٍ كسيِّئَةِ الخُلُقِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: يُستَحبُّ طَلاقُ الزَّوجَةِ عِنْدَ تَفرِيطِها في حُقوقِ اللهِ تعالَى الواجِبَةِ عَليها مِثلِ الصَّلاةِ ونَحوِها ولا يُمكِنُه إجبَارُهَا عَليها. وإذا ترَكَ الزَّوجُ حقًّا للهِ تَعالَى فالمَرأةُ في ذلكَ مِثلُه، فيُستَحبُّ لها أنْ تَتخلَّصَ منهُ بالخُلعِ ونَحوِه؛ لتَركِه حُقوقَ اللهِ تعالَى. وعَن الإمامِ أحمَدَ أنَّه يَجِبُ الطَّلاقُ لأنَّهُ قالَ: أخشَى أنْ لا يَحِلَّ لهُ المقامُ مع امرَأةٍ لا تُصلِّي. وكَذا يُستَحبُّ الطَّلاقُ في الحالِ الَّتي تَحُوجُ المَرأةَ عَلى المُخالَفةِ في شِقاقٍ وغَيرِه لِيُزيلَ الضَّررَ. ويُستَحبُّ الطَّلاقُ أيضًا لِتَضرُّرِها ببَقاءِ النِّكاحِ لِبُغضِه أو غَيرِه. وكَذا يُستَحبُّ طلاقُها إذا كانَتْ غيْرَ عَفيفَةٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ في إمساكِها نقْصًا لدِينِه ودَناءَةً، وربُّما أَفسدَتْ عَليهِ فِراشَهُ فتُلحقَ بهِ وَلدًا مِنْ غَيرِه. وعَنهُ: يَجِبُ الطَّلاقُ هُنا؛ قالَ: لا يَنبَغِي لهُ إمسَاكُ غَيرِ عَفيفَةِ.
следующие страницы →