عنها، وليسَ لهُ مُطالبتُها في حالِ حَجرِها كما لوِ استَدانَتْ منهُ أو باعَها شَيئًا في ذمَّتِها (١).
خلعُ الأجنبيِّ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ عَلى صحَّةِ الخُلعِ مِنْ الأجنَبيِّ، فإذَا قالَ رَجلٌ لآخَرَ: «طلِّقِ امرأتَكَ بألفٍ عَليَّ» وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا، أو قالَ: «اخلَعِ امرأتَكَ على ألفِ دِرهمٍ على أنِّي ضامِنٌ»، أو قالَ: «على ألفي هذا» ففعَلَ صَحَّ الخُلعُ واستَحقَّ المِلكَ، والدَّليلُ على جَوازِ الخُلعِ مِنْ أجنَبيٍّ أنَّ الزَّوجَ له حَقٌّ على المرأةِ يَجوزُ لها أنْ تُسقِطَه عَنْ نَفسِها بعِوضٍ فجازَ ذلك لغيرِها، كما لو كانَ عليها دَينٌ، ولأنَّ الأجنَبيَّ مِنْ أهلِ المُعاوَضاتِ يَصحُّ منهُ البَذلُ في غيرِ الخُلعِ، فصَحَّ في الخُلعِ كالزَّوجةِ؛ ولأنَّه لمَّا كانَ للزَّوجِ أنْ يُطلِّقَ بغَيرِ شيءٍ كانَ لهُ أنْ يطلِّقَ بعِوضٍ على الأجنَبيِّ كالخُلعِ.
وقالَ المَسعوديُّ مِنْ الشَّافعيةِ: إنْ سألَ رَجلٌ امرأةً أنْ تَختلعَ مِنْ زَوجِها على ألفٍ فاختَلعَتْ .. فإنَّ الألفَ على السائلِ (٢).
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا قالَ الرَّجلُ للزَّوجِ: «اخلَعِ امرأتَكَ عَلى ألفِ دِرهمٍ على أنِّي ضامِنٌ، أو قالَ: «على ألفِي هذا»
стр. 9977
ففعَلَ صحَّ الخُلعُ واستَحقَّ المِلكَ، ولو قالَ: «على هذا الألفِ» ولم يَضمنْ ولم يُضِفْ إلى نَفسِه لم يقَعْ وكانَ مَوقوفًا على قَبولِ المَرأةِ.
ورُويَ عَنْ عيسَى بنِ أبانَ عَنْ إسماعيلَ بنِ حمَّادٍ عَنْ مُحمدٍ أنَّه يَستحقُّ الألفَ، وأنَّه بمَنزلةِ إضافَتِه إلى نَفسِه (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: يَصحُّ الخُلعُ مِنَ الأجنَبيِّ للزَّوجِ، خِلافًا لأبي ثَورٍ؛ لأنَّ الأجنَبيَّ مِنْ أهلِ المُعاوَضاتِ يَصحُّ منهُ البذلُ في غَيرِ الخُلعِ، فصَحَّ في الخُلعِ كالزَّوجةِ، ولأنَّه لمَّا كانَ للزَّوجِ أنْ يطلَّقَ بغيرِ شَيءٍ كانَ لهُ أنْ يُطلقَ بعِوضٍ على أجنَبيٍّ كالخُلعِ (٢).
وقالَ الإمامَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ ﵀: (ولَو قالَ لهُ أجنَبيٌّ: «طلِّق فُلانةَ على أنَّ لكَ عليَّ ألفُ دِرهمٍ» ففعَلَ فالألفُ لهُ لازِمةٌ).
قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ، إذا خالَعَه أجنَبيٌّ على طلاقِ زَوجتِه؛ فإنْ كانَ بإذنِها صَحَّ وكانَ وَكيلًا لها على ما سنَذكُره، وإنْ كانَ الأجنَبيُّ قَدْ خالَعَ بغيرِ إذنِ الزَّوجةِ بمالٍ في ذمَّتِه فقالَ لهُ: «طلِّقْ زوْجتَكَ فُلانةَ بألفِ دِرهمٍ لكَ عَليَّ» صحَّ الخُلعُ ووقَعَ الطَّلاقُ ولزِمَ الأجنبيَّ الألفُ الَّتي بذَلَها، وهو قَولُ الجُمهورِ، وقالَ أبو ثورٍ: الخُلعُ باطِلٌ والطَّلاقُ غيرُ واقعٍ فيهِ؛ استِدلالًا بأنَّ الخُلعَ عَقدُ مُعاوَضةٍ يَملكُ بهِ البُضعَ، والبُضعُ لا يَجوزُ
стр. 9978
أنْ يَملكَه بالعوضِ إلَّا زَوجٌ بنِكاحٍ أو زَوجةٌ بخُلعٍ، فلمَّا لَم يَملكَه الأجنَبيُّ كالخُلعِ ولا الزَّوجةُ بغيرِ إذنِها اقتَضى أنْ يكونَ فاسِدًا، ولأنَّ الأعواضَ إنَّما تُبذلُ في الأغراضِ الصَّحيحةِ، وإلَّا كانَتْ سفَهًا ومِن أكلِ المالِ بالباطلِ، ولا غرَضَ للأجنَبيِّ في هذا الخُلعِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مَردودًا، وهذا خطَأٌ.
ودَليلُنا هو أنَّه لمَّا جازَ للزَّوجِ أنْ يطلِّقَ بغيرِ بذلٍ وجازَ للأجنَبيِّ أنْ يَبذلَ لهُ مالهُ بغيرِ طلاقٍ جازَ أنْ يُطلِّقَ الزَّوجُ على المالِ الَّذي بذلَهُ الأجنَبيُّ، فنَقولُ: كلُّ مَنْ صحَّ منهُ بذلُ المالِ بغيرِ طَلاقٍ صحَّ بَذلُه على الطَّلاقِ كالزَّوجةِ طَردًا والصَّغيرةِ عَكسًا، ولأنَّ العِتقَ كالطَّلاقِ يَتنوَّعُ تارةً بعِوضٍ وتارةً بغيرِ عوضٍ، فلمَّا جازَ أنْ يَبذلَ الأجنبيُّ مالًا في العِتقِ وإنْ لَم يَملكْ بهِ شيئًا جازَ أنْ يَبذلَ مالًا في الطَّلاقِ وإنْ لم يَملكْ بهِ شَيئًا.
فأمَّا استِدلالُه بأنَّ الخُلعَ عَقدُ معاوَضةٍ كالبَيعِ فالجَوابُ عنهُ أنَّه مُفارِقٌ للبَيعِ في أحكامٍ وإنْ وافَقَه في أحكامٍ؛ لأنَّ المَقصودَ بالبيعِ تملُّكُ المَبيعِ، والمَقصودُ بالخُلعِ إزالَةُ مِلكِ الزَّوجِ، فجازَ أنْ يَزولَ إلى غَيرِ مُتملِّكٍ كما يَجوزُ أنْ يُزيلَه بالطَّلاقِ المُجرَّدِ إلى غيرِ مُتملِّكٍ بخِلافِ البيعِ.
وأمَّا استِدلالُه بعَدمِ الغرَضِ فيهِ، فخَطأٌ؛ لأنَّ الغرَضَ فيهِ مَوجودٌ، وقد يكونُ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنْ يرَاهُما الأجنَبيُّ مُقيمَينِ على نِكاحِ شُبهةٍ يَؤولُ إلى مَأثَمٍ فأحَبَّ أنْ يَستنقذَهُما منهُ.
стр. 9979
والثَّاني: أنْ يَراهُما قد خرَجَا في الزَّوجيةِ إلى أنْ صارَ كلُّ واحدٍ مِنهُما غيرَ مُؤدٍّ للحقِّ فيها.
والثَّالثُ: أنْ يَكونَ لرَغبةِ الأجنَبيِّ في نِكاحِها، فيَستنزِلُ بالخُلعِ الزَّوجَ عنها (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ الخُلعُ معَ الأجنَبيِّ بغَيرِ إذنِ المَرأةِ، مِثلَ أنْ يَقولَ الأجنَبيُّ للزَّوجِ: «طلِّقِ امرأتَكَ بألفٍ عليَّ»، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ، وقالَ أبو ثَورٍ: لا يَصحُّ لأنهُ سَفهٌ، فإنَّه يَبذلُ عِوضًا في مُقابَلةِ ما لا مَنفعةَ له فيهِ، فإنَّ المِلكَ لا يَحصلُ له فأشبهَ ما لو قالَ: «بِعْ عبْدَكَ لزَيدٍ بألفٍ عَليَّ».
ولنا: إنَّه بَذلُ مالٍ في مُقابَلةِ إسقاطِ حَقٍّ عَنْ غَيرِه فصَحَّ كما لو قالَ: «أَعتِقْ عبْدَكَ وعليَّ ثَمنَهُ»، ولأنَّه لو قالَ: «ألقِ مَتاعَكَ في البَحرِ وعليَّ ثمَنُه» صحَّ ولَزمَه ذلكَ، مع أنَّه لا يُسقِطُ حقًّا عَنْ أحَدٍ فهاهُنا أَولَى، ولأنَّه حقٌّ على المرأةِ يَجوزُ أنْ يَسقطَ عنها بعِوضٍ فجازَ لغَيرِها كالدَّينِ، وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه تَمليكٌ، فلا يَجوزُ بغَيرِ رضاءِ مَنْ يَثبتُ لهُ المِلكُ، وإنْ قالَ: «طلِّقِ امرأتَكَ بمَهرِها وأنا ضامِنٌ لهُ» صحَّ ويَرجعُ عليهِ بمَهرِها (٢).
стр. 9980
الخُلعُ في مَرضِ الموتِ أو المرضِ المَخُوفِ:
أ - خلعُ المريضةِ مرَضَ الموتِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ المُخالَعةَ في المَرضِ صَحيحةٌ، سَواءٌ كانَ المَريضُ الزَّوجَ أو الزَّوجةَ أو هُما جَميعًا؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ فصَحَّ في المرَضِ كالبَيعِ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو خالَعَتْه على أكثَرَ مِنْ مهرِ المثلِ أو أكثرَ مِنْ مِيراثِها، هلْ يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟ وإذا صَحَّ هلَ يكونُ بمَهرِ المِثلِ أم لا؟ على تفصيلٍ بيْنَهم في ذلكَ.
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ خُلعَ المَريضةِ مرَضَ المَوتِ يُعتبَرُ بَدلُ الخُلعِ مِنْ ثُلُثِ تَركتِها؛ لأنه تبَرُّعٌ؛ لأنَّ البُضعَ غَيرُ مُتقوَّمٍ عندَ الخُروجِ، فما بذَلَتْه مِنْ بَدلِ الخُلعِ تَبرعٌ لا يَصحُّ لوارِثٍ، ويَنفذُ للأجنَبيِّ مِنْ الثُّلثِ كالوصيَّةِ، وهذا إذا ماتَتْ بعدَ العِدةِ أو قبلَ الدُّخولِ، فأمَّا إذا ماتَتْ وهي في العدَّةِ فللزَّوجِ الأقلُّ مِنْ مِيراثِه ومِن بَدلِ الخُلعِ إنْ كانَ يَخرجُ مِنْ الثُّلثِ، فلو كانَ إرثُه مِنها خَمسينَ وبدَلُ الخُلعِ ستِّينَ والثُّلثُ مِئةٌ، فقدْ خرَجَ الإرثُ والبدَلُ مِنْ الثُّلثِ، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ الثُّلثِ فلهُ الأقلُّ مِنْ مِيراثِها ومِن الثُّلثِ.
بيانُه: لو كانَ إرثُه منها خَمسينَ وبدَلُ الخُلعِ سِتينَ والثُّلثُ مِائةٌ، فقدْ خرَجَ الإرثُ والبدَلُ مِنْ الثُّلثِ، فلهُ الأقلُّ وهو خَمسونَ، وإنْ كانَ الثُّلثُ أربعِينَ فلهُ الأقلُّ منه ومِن الإرثُ وهو أربَعونَ.
стр. 9981
والحاصِلُ أنَّ لهُ الأقلَّ مِنْ مِيراثِه ومِن بدَلِ الخُلعِ ومِن الثُّلثِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا خالَعَتْ زوْجَها في مرَضِ مَوتِها بقَدرِ مِيراثِه منها فما دُونَه صحَّ ولا رَجوعَ ولا يَرثُها، وإنْ خالعَتْه بزيادةٍ بطَلَتِ الزِّيادةُ إلَّا أنْ تُجيزَها الورَثةُ؛ لأنها متَّهَمةٌ في أنها قصَدَتِ الخُلعَ لتُوْصِلَ إليهِ شيئًا مِنْ مالِها بغيرِ عِوضٍ على وَجهٍ لم تَكنْ قادِرةً عليهِ وهو وارِثُ لها، فبطَلَ كما لو أوصَتْ لهُ أو أقرَّتْ لهُ، وأمَّا قَدرُ الميراثِ فلا تهمَةَ فيهِ، فإنها لو لم تُخالِعْه لوَرثَ ميراثَه، ولا يُعتبَرُ مهرُ المِثلِ؛ لأنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غيرُ مُتقوَّمٍ، واعتِبارُ مهرُ المثلِ تَقويمٌ لهُ، فما تبذُلُه المرأةُ في مُقابَلتِه إنَّما هو فيما لا قيمةَ لهُ.
وإنْ صحَّتْ مِنْ مرَضِها ذلكَ صحَّ الخُلعُ ولهُ جَميعُ ما خالَعَها بهِ؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنَّه ليسَ بمَرضِ المَوتِ، والخُلعُ في غَيرِ مرضِ المَوتِ كالخُلعِ في الصِّحةِ (٢).
стр. 9982
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ خُلعَ المَريضةِ مرَضَ المَوتِ جائِزُ على ورَثتِها إذا خالعَتْ بخُلعِ مِثلِها، رَوى ذلكَ ابنُ وهبٍ عَنْ مالكٍ، فعلى هذِه الرِّوايةِ غلَّبَ الخُلعَ على حقِّ الوَرثةِ وجعَلَه كبَيعِها وشرائِها يَجوزُ إذا لم يَكنْ فيهِ مُحاباةٌ بأنْ تُخالِعَ بأكثرَ مِنْ خُلعِ مِثلِها (١).
وفي قَولٍ ثالِثٍ للمالِكيةٍ أنه لا يَجوزُ خُلعُ المَريضةِ مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، وهو ظاهِرُ قَولِ مالِكٍ في «المُدوَّنة» وكتابِ ابنِ الموَّازِ، ووجهُ هذا القَولِ أنَّ ما خالعَتْ بهِ في مَرضِها أرادَتْ أنْ يأخُذَهُ الزَّوجُ رأس مالِها عاشَتْ أو ماتَتْ، وهو غيرُ وارثٍ، فوجَبَ أنْ يَبطلَ، وإنْ كانَ أقلَ مِنْ مِيراثِه عاشَتْ أو ماتَتْ، وهو غَيرُ وارِثٍ فوجَبَ أنْ يَبطلَ وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ مِيراثِه مِنها (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا خالعَتْ زوْجَها في مرَضِ موتِها بمَهرِ المِثلِ أو دُونه صحَّ وكانَ مِنْ رأسِ مالِها ولو أكثَرَ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الَّذي بذَلَتْه بقيمةِ ما ملكَتْه، فهو كما لو اشتَرتْ بهِ متاعًا بقيمتِه، ولأنَّ لها صرْفَ مالِها في أغراضِها ومَلاذِّها، كما للمَريضِ أنْ يَنكحَ أبكارًا بمُهورِ أمثالِهنَّ مِنْ غيرِ حاجةٍ.
وإنْ خالعَتْ بأكثرَ مِنْ مَهرِ المِثلِ اعتُبرتِ الزِّيادةُ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنها مُحاباةٌ فاعتُبِرتْ مِنْ الثُّلثِ، كما لو اشتَرتْ مَتاعًا بأكثَرَ مِنْ قيمتِه، فالزِّيادةُ كالوَصيَّةِ
стр. 9983
للزَّوجِ فيُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ، ولا يكونُ كالوصيَّةِ للوارِثِ؛ لخُروجِه بالخُلعِ عن الإرثِ، إلَّا أنْ يكونَ وارثًا بجهةٍ أُخرَى غيرِ الزَّوجيةِ كابنِ العمِّ (١).
ب- خلعُ المريضِ مرَضِ الموتِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على جَوازِ خُلعِ المَريضِ مرَضَ المَوتِ؛ لأنهُ يَملكُ إخراجَ البُضعِ مجَّانًا بالطَّلاقِ، فإذا أخَذَ منها شَيئًا فقدْ زادَ الورَثةَ خَيرًا، وسواءٌ كانَ الخُلعُ بمَهرِ مِثلِها أو أكثرَ أو أقلَّ، ولا يُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّه لو طلَّقَ بغَيرِ عِوضٍ صحَّ، فلَأنْ يصحَّ بعِوضٍ أَولى، ولأنَّ الوَرثةَ لا يَفوتُهم بخُلعِه شيءٌ، فإنَّه لو ماتَ وله امرأةٌ لَبانَتْ بمَوتِه ولم تَنتقلْ إلى وَرثتِه، ولا اعتِراضَ للورَثةِ عليهِ مُطلَقًا؛ لأنهُم لا حقَّ لهم في بُضعِ امرأتِه، كما لو طلَّقَها بغيرِ عِوضٍ لم يَكنْ لهُم الاعتِراضُ عليهِ
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَصحُّ الوَصيةُ لها في هذهِ الحالَةِ أم لا؟ وهل تَرثُ أم لا؟
قالَ الحنفيَّةُ: ولوِ اختلَعَتْ مِنْ زَوجِها وهي صَحيحةٌ والزَّوجُ مَريضٌ فالخُلعُ جائزٌ بالمُسمَّى، قلَّ ذلكَ أو كثُرَ؛ لأنها وإنْ صارَتْ مُتبرعةً إلَّا أنها صَحيحةٌ، والتَّبرعُ مِنْ الصَّحيحِ نافِذٌ، ولا ميراثَ بينَهُما، سَواءٌ ماتَ بعدَ انقِضاءِ العدَّةٍ أو قبلَ ذلكَ بوُجودِ الرِّضا مِنْ كلِّ واحِدٍ ببُطلانِ حقِّه (٢).
стр. 9984
وقالَ المالكيَّةُ: المَريضُ مرَضًا مَخُوفًا ومَن في حُكمِه مِنْ المَحجورِ عليهِم كحاضِرِ صَفِّ القِتالِ والمَحبوسِ لقَتلٍ أو قَطعٍ لا يَجوزُ لهُ أنْ يُخالِعَ زَوجتِه ابتِداءً؛ لأنَّ فيهِ إخراجَ وارثٍ، فإنْ فعَلَ فإنه يَنفذُ ويقَعُ عليهِ الطَّلاقُ …
وإذا طلَّقَ في مرَضِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَتْ فيهِ فإنَّ الرَّجلَ لا يرِثُها ولو طلَّقَها مَريضةً؛ لأنَّه الَّذي أسقَطَ ما كانَ بيَدِه، ولو ماتَ الرَّجلُ فإنَّ المرأةَ تَرثُه؛ لأنَّه فارٌّ بطلاقِها حِينئذٍ مِنْ الإرثِ، كانَتْ مَدخولًا بها أم لا، انقضَتْ عِدَّتها وتزوَّجَتْ أم لا، وأمَّا غيرُ الميراثِ مِنْ الأحكامِ فحُكمُها فيهِ كغيرِها، مِنْ عدَّةٍ في المدخولِ بها، وعَدمِها في غيرِها، ويَتنصَّفُ الصَّداقُ عليهِ.
ولا تَصحُّ الوصيَّةُ لها، وإنْ قتلَتْه خَطأً ورثَتْ مِنْ المالِ دُونَ الديَّةِ، وإنْ قتلَتْه عَمدًا عُدوانًا لا تَرثُ مِنْ مالٍ ولا ديَّةٍ (١).
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» في خُلعِ المَريضِ:
(قلتُ): أَرأَيتَ إنِ اختلَعَتْ منهُ في مَرضِه فماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ، أترِثُه أم لا في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: نعَمْ تَرثُه، (قلتُ): وكذلكَ إنْ جعَلَ أمْرَها بيَدِها أو خيَّرَها فطلَّقَتْ نفْسَها وهو مريضٌ أتَرثُه في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: نعَمْ تَرثُه، (قلتُ): ولمَ وهو لَم يفرَّ مِنها؟! إنَّما جعَلَ
стр. 9985
ذلكَ إليها ففَرَّتْ بنَفسِها، (قالَ): قالَ مالِكٌ: كلُّ طَلاقٍ وقَعَ في المرَضِ فالميراثُ للمَرأةِ إذا ماتَ مِنْ ذلكَ المرَضِ وبسَببِه كانَ ذلك لها (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ خالَعَ الزَّوجُ في مَرضِ مَوتِه بمَهرِ المِثلِ أو أكثَرَ .. صحَّ، كما لوِ اتَّهبَ في مرَضِ مَوتِه، وإنْ خالَعَ بأقلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ .. صحَّ، ولا اعتِراضَ للورَثةِ عليهِ؛ لأنَّه لا حقَّ لهُم في بُضعِ امرَأتِه، ولهذا لو طلَّقَها بغَيرِ عِوضٍ .. لم يَكنْ لهُم الاعتِراضُ عليهِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: لو خالَعَ زوْجتَه في مَرضِ مَوتِه فلا إشكالَ في صحَّتِه، سَواءٌ كانَ بمَهرِ مثلِها أو أكثَرَ أو أقَلَّ، ولا يُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّه لو طلَّق بغيرِ عِوضٍ لَصحَّ، فلَأنْ يصحَّ بعِوضٍ أَولَى، ولأنَّ الورَثةَ لا يَفوتُهم بخُلعهِ شيءٍ، فإنَّه لو ماتَ وله امرَأةُ لَبانَتْ بمَوتِه ولَم تَنتقلْ إلى وَرثتِه.
إلَّا أنَّه لو طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه أو خالَعَها ثمَّ أَوصَى لها بأكثرَ ممَّا كانَتْ تَرثُ فللورَثةِ أنْ لا يُعطوها أكثرَ مِنْ ميراثِها؛ لأنَّه إذا أوصَى لها بأكثرَ مِنْ ميراثِها فهوَ متَّهَمٌ؛ لأنَّه يُريدُ أنْ تَبقَى أجنبيَّةً ليَتوصَّلَ إلى إعطائِها أكثَرَ مِنْ ميراثِها كالوَصيةِ لوارثٍ، ولو وَصَّى لها بميراثِها فأقَلَّ صَحَّ؛ لأنَّه لا تُهمةَ فيهِ؛ لأنَّه لو لَم يُبِنْها لَأخذَتْه بميراثِها (٣).
стр. 9986
الرُّكنُ الثَّالثُ: المعوَّضُ: بُضعُ الزَّوجةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ في البُضعِ مِلكُ الزَّوجِ له، فلا يَصحُّ الخُلعُ إلَّا لزَوجةٍ يَملكُ عِصمتَها حَقيقةً أو حُكمًا، أمَّا الزَّوجةُ البائِنُ فلا يَصحُّ خُلعُها بالإجماعِ؛ لأنَّ المَبذولَ لإزالةِ مِلكِ الزَّوجِ عَنْ البُضعِ، ولا مِلكَ لهُ على البائِنِ، فإنَّه لا يَملكُ بُضعَها حتَّى يُزيلَه (١).
خلعُ الزَّوجةِ المطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وُقوعِ الخُلعِ على الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا، هل يَصحُّ منها الخُلعُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَصحُّ خُلعُ الزَّوجةِ المطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا ما دامَتْ في العدَّةِ؛ لأنها زَوجةٌ يَملكُ وقوعَ الطَّلاقِ عليها فيَملكُ خُلعَها؛ لأنَّ مِلكَه باقٍ عليها، فيَصحُّ الخُلعُ ويَثبتُ المالُ، فإنِ انقَضَتْ عدَّتُها بانَتْ ولم يَصحَّ الخُلعُ إنْ تبيَّنَ وُقوعَ الخُلعِ بعدَ انتهاءِ العدَّةِ، ويرُدُّ عليها ما أخَذَه منها (٢).
стр. 9987
وذهَبَ الشَّافعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنَّه لا يَصحُّ خُلعُ المطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا؛ لزَوالِ المِلكِ وعَدمِ الحاجةِ إلى الافتِداءِ، وعليه يقَعُ رَجعيًّا كالسَّفيهةِ.
وقيلَ: يَصحُّ خُلعُها بالطَّلقةِ الثَّالثةِ دُونَ الثَّانيةِ، فتَحصلُ البَينونةُ الكُبرى (١).
الخُلعُ قبلَ الدُّخولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خالَعَ زَوْجتَه قبلَ الدُّخولِ، هل يَتنصَّفُ المَهرُ أم يَسقطُ كلُّه؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الفُرقةَ الَّتي تَأتي مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبلَ الدُّخولِ بها تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وقِيسَ عليهِ سائرُ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنَّه في مَعناهُ، وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المغلَّبَ فيهِ جانِبُ الزَّوجِ، بدليلِ أنَّه يَصحُّ منها ومِن غيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفردِ بهِ.
стр. 9988
قالَ الشَّافعيةُ: يَتشطَّرُ الصَّداقُ بالطَّلاقِ والخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ ولو باختيارِها، كأنْ فوَّضَ الطَّلاقَ إليها فطلَّقَتْ نفْسَها، أو علَّقَه بفِعلِها ففعَلَتْ، كما لو علَّقَ طلاقَها بدُخولِ الدَّارِ فدخلَتْ.
وإنْ خالَعَ زَوجتَه قبلَ الدُّخولِ على شيءٍ غيرِ الصَّداقِ فلهُ المُسمَّى الَّذي خالَعَ عليهِ ولها نِصفُ الصَّداقِ.
وإنْ خالَعَها على صَداقِها فقدْ خالَعَها على مالِه وعلى مالِها؛ لأنَّه عادَ إليهِ نِصفُ الصَّداقِ بالخُلعِ، فتَحصلُ البَينونةُ وتَبطلُ التَّسميةُ في نَصيبِه وفي نَصيبِها، وللزَّوجِ الخِيارُ إنْ كانَ جاهِلًا بالتَّشطيرِ والتَّفريقِ، فإنْ فسَخَ رجَعَ عليها بمَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وفي قَولٍ ببَدلِ المُسمَّى؛ المِثلِ إنْ كانَ مِثليًّا أو القيمةِ، وإنْ أجازَ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وعلى القَولِ الآخَرِ بمثلِ نصفِ الصَّداقِ أو قيمتِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: الفُرقةُ الَّتي تَأتي مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ بها تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى، لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وقِسْنا عليهِ سائرَ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنَّه في مَعناه، وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيهِ جانبُ الزَّوجِ، بدَليلِ أنَّه يَصحُّ منها ومِن غيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفرِدِ به.
стр. 9989
ولو خالَعَها الزَّوجُ بنِصفِ صَداقِها قبْلَ الدُّخولِ صحَّ ذلكَ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له نِصفُه له بالطَّلاقِ ونصفُه له بالخُلعِ عِوضًا لهُ.
وإنْ خالَعَها قبلَ الدُّخولِ على مِثلِ نِصفِ الصَّداقِ في ذمَّتِها وكانَتْ لم تَقبضِ الصَّداقَ منه صحَّ ذلكَ وسقَطَ عنهُ جَميعُ الصَّداقِ، نصفُه بالطَّلاقِ ونصفُهُ بالمُقاصَّةِ حيثُ وُجدَتْ بشُروطِها.
ولو قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها قبْلَ الدُّخولِ وقبلَ قَبضِ الصَّداقِ: «اخلَعْنِي بما يُسلَّمْ إليَّ مِنْ صَداقي، أو: اخلَعْنِي على أنْ لا تَبِعةَ عليكَ في المَهرِ» ففعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صحَّ الخُلعُ؛ لأنَّه بمَعنَى سُؤالِها الخلعَ على نِصفِ الصَّداق، وبَرِئَ الزَّوجُ مِنْ جَميعِه، نصفِه بالخُلعِ ونصفِه بجَعلِه عِوضًا له فيهِ.
وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ بمثلِ جَميعِ الصَّداقِ في ذمَّتِها أو خالَعَها بصَداقِها كلِّه صحَّ الخُلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِهِ في مَحلِّه، ويَرجعُ عليها بنصفِه وسقَطَ عنهُ الصَّداقُ.
وإذا جعَلَ الزَّوجُ لها الخِيارَ فاختارَتْ نفْسَها أو وكَّلَها في الطَّلاقِ فطلَّقَتْ نفْسَها فهو كطَلاقِه لا يُسقِطُ مَهرَها؛ لأنَّ المرأةَ وإنْ باشرَتِ الطَّلاقَ فهي نائِبةٌ عنه ووَكيلةٌ لهُ، وفِعلُ الوكيلِ كفِعلِ الموَكِّلِ، فكأنَّه صدَرَ عَنْ مُباشَرتِه.
وإنْ علَّقَ طَلاقَها على فِعلٍ مِنْ قِبَلِها لم يَسقُطْ مَهرُها؛ لأنَّ السَّببَ منه وُجدَ، وإنَّما هي حقَّقتْ شرْطَه، والحُكمُ يُنسبُ إلى صاحبِ السَّببِ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو علَّقَ طَلاقَها على صِفةٍ مِنْ
стр. 9990
فِعلِها الَّذي لها منهُ بدٌّ كدُخولِها دارَ أجنَبيٍّ وفعَلتْه قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها، وقوَّاهُ ابنُ رجَب (١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ -في الجُملةِ على تَفصيلٍ عندَهم- إلى أنَّ المرأةَ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ لها ولا يَتنصَّفُ الصَّداقُ.
قالَ الحنفيَّةُ: إذا اختلَعَتْ قبْلَ الدُّخولِ على ألفٍ ومَهرُها ألفٌ ولم تَقبضْ شيئًا فالقِياسُ أنْ يجبَ عليها خَمسُمائةٍ للزَّوجِ؛ لأنَّ خَمسَمائةٍ مِنْ المَّهرِ سقَطَتْ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ وقدِ التزَمَتِ المَرأةُ الألفَ، ونصفُ الألفِ سقَطَ عن ذمَّتِها بطريقِ المقاصَّةِ؛ لأنَّ لها على الزَّوجِ خَمسَمائةٍ باقيةً بعدَ سُقوطِ نِصفِ المَهرِ، فوجَبَ عليها خَمسُمائةٍ زائدةٌ على الألفِ تَتميمًا للألفِ الَّتي التزَمَتْها.
وفي الاستِحسانِ لا شيءَ عليها؛ لأنَّ مَقصودَ الزَّوجِ سُقوطُ كلِّ المَهرِ عن ذمَّتِه وقد حصَلَ، فلا يَلزمُها شيءٌ زائدٌ على ذلكَ.
وأمَّا إذا قبَضَتْ جَميعَ المَهرِ فعلى القِياسِ تَردُّ المرأةُ الألفَ وخَمسَمائةٍ؛ الألفَ بدَلَ الخُلعِ وخمسَمائةٍ نصفَ المَهرِ للطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ.
стр. 9991
وفي الاستِحسانِ: تَردُّ الألفَ لا غيرَ؛ خَمسَمائةٍ بدَلَ الخُلعِ وخمسَمائةٍ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ ما يَسقطُ بهِ كلُّ المَهرِ … ومِنها الخُلعُ على المَهرِ قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، ثمَّ إنْ كانَ المَهرُ غيرَ مَقبوضٍ سقَطَ عَنْ الزَّوجِ، وإنْ كانَ مَقبوضًا ردَّتْهُ على الزَّوجِ، وإنْ كانَ خالَعَها على مالٍ سِوى المَهرِ يلزَمُها ذلكَ المالُ، ويَبرأُ الزَّوجُ عَنْ كلِّ حقٍّ وجَبَ لها عليهِ بالنِّكاحِ كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ في قولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخُلعَ وإنْ كانَ طَلاقًا بعِوضٍ عندنَا لكنَّ فيهِ مَعنى البَراءةِ (٢).
وعندَهم تَفصيلٌ آخَرُ ذكَرَه الإمامُ الحدَّادُ ﵀ في «الجَوهَرة» حَيثُ قالَ: قَولُه: (والمُبارَأةُ كالخُلعِ) وصُورتُها أنْ يَقولَ: «بَرئْتِ مِنْ النِّكاحِ الَّذي بيني وبيْنَكِ على ألفٍ» فقَبلَتْ.
(قولُهُ: والخُلعُ والمُبارَأةُ يُسقِطانِ كلَّ حقٍّ لِكلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ على الآخَرِ ممَّا يتعلَّقُ بالنِّكاحِ عندَ أبي حَنيفةَ) يَعنِي النِّكاحَ القائِمَ حالَةَ المُبارَأةِ، أمَّا الَّذي قبْلَه لا يُسقِطُ حُقوقَه.
وقالَ أبو يُوسفَ في المُبارَأةِ مثلَ قَولِ أبي حَنيفةَ، وأمَّا الخُلعُ فهوَ كالطَّلاقِ على مالٍ لا يُسقطُ إلا ما سمَّيَاه.
стр. 9992
وقالَ مُحمدٌ فيهما جَميعًا: لا يُسقطُ إلَّا ما سمَّياهُ.
وصُورةُ المسألَةِ: اختلَعَتْ مِنه على شيءٍ مُسمًّى عَينٍ أو دَينٍ وكانَ المَهرُ غيرَ ذلكَ وهو في ذمَّةِ الزَّوجِ وقد دخَلَ بها أو لَم يَدخلْ لَزمَها ما سَمَّتْ له، ولا شيءَ لها عليهِ مِنْ المَهرِ عندَ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما لها أنْ تَرجعَ عليهِ بالمَهرِ إنْ دخَلَ بها، أو بنِصفِه إنْ لم يَدخلْ بها، ولو أنها كانَتْ قَدْ قبضَتِ المَهرَ ثمَّ بارَأَها أو خالَعَها قبْلَ أنْ يَدخلَ بها على شَيءٍ فهو جائزٌ والمَهرُ كلُّه لها، ولا يَتبعُ كلُّ واحدٍ مِنهُما صاحِبَه بعْدَ الخُلعِ والمُبارَأةِ بشَيءٍ مِنْ المَهرِ.
وكذا لو كانَتْ قبضَتْ منهُ نِصفَ المَهرِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ ثمَّ اختلَعَتْ منهُ بدَراهمَ مُسمَّاةٍ قبلَ أنْ يَدخلَ بها فللزَّوجِ ما سَمَّتْ له ولا شيءَ لواحِدٍ مِنهُما على صاحِبهِ ممَّا في يدِهِ مِنْ المَهرِ.
وفي «التَّتمَّة»: إذا خالَعَها على مالٍ مَعلومٍ ولم يَذكرِ المَهرَ وقَبلَتْ هل يَسقطُ المَهرُ؟ هذا مَوضعُ الخِلافِ؛ فعندَ أبي حَنيفةَ يَسقطُ، وعِندَهما لا يَسقطُ، ولها أنْ تَرجِعَ بهِ إنْ دخَلَ بها أو بنِصفِه إنْ لم يَدخُل بها، وفي شَرحِه: إذا خالَعَها أو بارَأَها على عَبدٍ أو ثَوبٍ أو دَراهمَ وكانَ المَهرُ غيرَ ذلكَ فلا شيءَ له غَيرَ ذلكَ، وإنْ كانَ قد أعطاها المَهرَ لا يَرجعُ عليها بشَيءٍ منهُ، وإنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُعطِها شَيئًا منهُ لم يَكنْ لها عليهِ شَيءٌ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ، ووافَقَه أبو يُوسفَ في المُبارَأةِ، وأمَّا في الخُلعِ فلم يُوافِقْه وقالَ: إنَّ الخُلعَ لا يُوجِبُ ذلكَ.
стр. 9993
وقالَ مُحمدٌ في كلَيهما: هو كالطَّلاقِ على مالٍ، فأبو يُوسفَ معَ محمَّدٍ في الخُلعِ ومعَ أبي حَنيفةَ في المُبارَأةِ.
قالَ في «اليَنابيع»: إنْ كانَ الخُلعُ بلَفظِ الخُلعِ بَرئَ الزَّوجُ مِنْ كلِّ حقٍّ وجَبَ لها بالنِّكاحِ كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ والكسوةِ الماضِيةِ، ولا يَسقطُ عَنهُ نَفقةُ العدَّةِ، وإنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكذلكَ أيضًا عِنْدَ أبي حَنيفةَ، فإنْ كانَتْ قد قبَضَتْ مَهرَها سُلِّمَ لها، وإنْ كانَتْ لم تَقبضْه فلا شيءَ لها على الزَّوجِ، سَواءٌ كانَ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَه.
وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكَما قالَ أبو حَنيفةَ، وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ لم يَسقطْ إلَّا ما سَمَّيا عِنْدَ الخُلعِ.
وقالَ مُحمدٌ: لا يَسقطُ إلَّا ما سَمَّيا، سواءٌ كانَ بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ المُبارَأةِ، فعلى قَولِه إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ وقَد قبضَتْ مَهرَها وجَبَ عليها ردُّ النِّصفِ منهُ، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فهو لها، ولهُ عليها جَميعُ ما سمَّتْ، وأجمَعُوا أنَّه إذا كانَ لأحَدِهما على صاحِبِه دَينٌ غَيرُ المَهرِ بسَببٍ آخَرَ لا يَسقطُ، وهو الَّذي احتَرزَ بهِ الشَّيخُ بقولِه: مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ (١).
وقالَ المالكيَّةُ: المَرأةُ الرَّشيدةُ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبلَ البِناءِ بأنْ قالَتْ لهُ: «خالِعْني على كذا» فهذا لا يَخلُو:
إمَّا أنْ تَقولَ: «خالِعْنِي على كذا (عَشرةِ دَنانيرَ مَثلًا) مِنْ صَداقِي، أو:
стр. 9994
طلِّقْنِي على عَشرةٍ مِنْ صَداقي» فلها نِصفُ ما بَقيَ بعدَ أخذِه العَشرةَ، كما لو كانَ صَداقُها ثَلاثينَ وقالَتْ: «خالِعْنِي على عَشرةٍ مِنْ صَداقي» كانَ لها نِصفُ ما بَقيَ بعدَها، وهو عَشرةٌ مِنْ عِشرينَ.
وإمَّا أنْ تَقولَ: «خالِعْني على كذا (عَشرةِ دَنانيرَ مَثلًا)» ولَم تَقلْ: «هو مِنْ صَداقي» فلا نِصفَ لها مِنْ الصَّداقِ ولا تَستحقُّ شَيئًا مِنَ الصَّداقِ؛ لأنَّ لفْظَ الخُلعِ يَقتضِي ترْكَ كلِّ ما لها عليهِ مِنْ الحُقوقِ، وتَدفعُ ما خالَعَتْه بهِ مِنْ مالِها زِيادةً على الصَّداقِ، ولو كانَتْ قبضَتْه ردَّتْه ودفعَتْ ما ذُكرَ مِنْ مالِها زيادةً عليهِ.
وأمَّا إنْ قالَتْ: «طلِّقْنِي على عَشرةٍ» ولَم تَقلْ: «مِنْ صَداقي» فطلَّقَها فلها جَميعُ النِّصفِ، وتدفَعُ ما وقَعَ عليهِ الطَّلاقُ فقَطْ (١).
стр. 9995
الرُّكنُ الرَّابعُ: العِوضُ: الشَّيءُ المخالَعُ بهِ:
العِوضُ: هو ما يأخُذُه الزَّوجُ مُقابِلَ خُلعِه لها، ويَنبنِي على هذا عدَّةُ مَسائلَ:
المسألةُ الأُولى: هل يُشترطُ لصِحةِ الخُلعِ أنْ يكونَ على عِوضٍ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الخُلعِ، هل يُشترطُ فيهِ أنْ يكونَ على عِوضٍ؟ أم يَصحُّ الخُلعُ على غيرِ عِوضٍ؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ (وقَولٌ للشَّافعيةِ) إلى أنَّه يُشترطُ لصحَّةِ الخُلعِ أنْ يكونَ على عِوضٍ، ولا يَصحُّ الخُلعُ إلَّا بعِوضٍ؛ لأنَّ العوضَ رُكنٌ فيهِ، فلا يَصحُّ تَركُه كالثَّمنِ في البَيعِ، فإنْ خالَعَها بغيرِ عِوضٍ لم يقَعْ خُلعٌ ولا طَلاقٌ؛ لأنَّ الشَّيءَ إذا لم يَكنْ صَحيحًا لَم يَترتَّبْ عليهِ شيءٌ كالبَيعِ الفاسِدِ، إلَّا أنْ يكونَ بلَفظِ طَلاقٍ أو نيَّتِه فيَقعُ طَلاقًا رَجعيًّا؛ لأنَّه طَلاقٌ لا عِوضَ فيهِ فكانَ رَجعيًّا كغيرِه، ولأنَّه يَصلحُ كِنايةً عن الطَّلاقِ، فإنْ لَم ينوِ بهِ طلاقًا لم يَكنْ شيئًا؛ لأنَّ الخُلعَ إنْ كانَ فَسخًا فالزَّوجُ لا يَملكُ فسْخَ النِّكاحِ إلَّا بعَيبِها، وكذلكَ لو قالَ: «فسَخْتُ النِّكاحَ» ولم يَنوِ به الطَّلاقَ لم يقَعْ شَيءٌ، بخِلافِ ما إذا دخَلَه العِوضُ فإنَّه مُعاوَضةٌ، ولا يَجتمعُ العِوضُ والمُعوَّضُ.
ولا يَصحُّ الخُلعُ بمُجرَّدِ بذلِ المالِ وقَبولِه مِنْ غيرِ لفظِ الزَّوجِ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في البُضعِ بعِوضٍ، فلَم يَصحَّ بدُونِ اللَّفظِ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، ولأنَّ
стр. 9996
أخْذَ المالِ قبضٌ لعِوضٍ، فلم يَقمْ بمُجرَّدِه مَقامَ الإيجابِ كقَبض أحَدِ العوضَينِ في البيعِ.
وأمَّا حَديثُ جَميلةَ الَّتي قالَ رَسولُ الله ﷺ : «تَردِّينَ عليهِ حَديقتَه؟» فقَد رواهُ البُخاريُّ: «اقبَلِ الحَديقةَ وطلِّقْهَا تَطليقةً»، وهذا صَريحٌ في اعتبارِ اللِّفظِ، وفي رِوايةٍ: «فأمَرَه ففارَقَها»، ومَن لم يَذكرِ الفُرقةَ فإنَّما اقتَصرَ على بَعضِ القصَّةِ، والزِّيادةُ مِنْ الثِّقةِ مَقبولةٌ، ولَعلَّ الرَّاوي استَغنى بذِكرِ العوضِ عن ذِكرِ اللَّفظِ؛ لأنَّه مَعلومٌ مِنهُ.
وعلى هذا يُحملُ كَلامُ أحمَدَ وغيرِه مِنْ الأئمَّةِ، وكذا لَم يَذكرُوا مِنْ جانِبها لَفظًا ولا دَلالةَ حالٍ، ولا بدَّ منهُ اتِّفاقًا.
بل لا بدَّ مِنْ الإيجابِ والقَبولِ في المَجلسِ، بأنْ يَقولَ: «خَلعْتُكِ ونَحوَه على كذا» فتَقولَ: «رَضيتُ» أو نحوَه (١).
قالَ الحنفيَّةُ: الخُلعُ إذا كانَ على مالٍ فإنَّه يَقعُ بهِ تَطليقةٌ بائِنةٌ، سواءٌ نَوى أو لم يَنوِ؛ لأنَّه بذِكرِ المالِ في مقابَلةِ الخُلعِ يتعيَّنُ الانخِلاعُ مِنْ النِّكاحِ مُرادًا، فلا يَحتاجُ إلى النِّيةِ.
وإنْ كانَ الخُلعُ على غيرِ مالٍ، فإنْ نَوى بهِ الطَّلاقَ وقَعَ الطَّلاقُ، وإنْ لم يَنوِ به الطَّلاقَ فلا يقَعُ؛ لأنَّه كِنايةٌ مِنْ كِناياتِ الطَّلاقِ.
стр. 9997
أمَّا إذا كانَ في مُقابَلتِه المالُ فوُجودُ المالِ مُغْنٍ عن النِّيةِ؛ لأنها لا تُسلِّمُ المالَ إلَّا لِتسلَمَ لها نفْسُها، وذلكَ بالبَينونةِ (١).
وذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الخُلعَ يَصحَّ بغَيرِ عِوضٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: وإنْ خالَعَها على غَيرِ عِوضٍ كانَ خُلعًا ولا شيءَ لهُ.
اختَلفَتِ الرِّوايةُ عَنْ أحمَدَ في هذهِ المَسألةِ، فرَوى عنهُ ابنُه عبدُ اللهِ قالَ: قُلتُ لأبِي: رَجلٌ عَلقَتْ بهِ امرَأتُه تَقولُ: «اخلَعْنِي» قالَ: «قَدْ خلعْتُكِ»، قالَ: يَتزوَّجُ بها ويُجدِّدُ نكاحًا جَديدًا وتكونُ عندَه على ثِنتَينِ، فظاهِرُ هذا صحَّةُ الخُلعِ بغيرِ عِوضٍ، وهو قولُ مالكٍ؛ لأنه قَطعٌ للنِّكاحِ، فصَحَّ مِنْ غيرِ عِوضٍ كالطَّلاقِ، ولأنَّ الأصلَ في مشرُوعيةِ الخُلعِ أنْ توجَدَ مِنْ المرأةِ رَغبةٌ عَنْ زوْجِها وحاجةٌ إلى فراقِه فتَسألُه فِراقَها، فإذا أجابَها حصَلَ المَقصودُ مِنْ الخُلعِ، فصحَّ كما لو كانَ بعوضٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: لا خِلافَ عن أبِي عبدِ اللهِ أنَّ الخُلعَ ما كانَ مِنْ قِبَلِ النِّساءِ، فإذا كانَ مِنْ قِبَلِ الرِّجالِ فلا نِزاعَ في أنه طلاقٌ تُملكُ به الرَّجعةُ ولا يكونُ فسخًا.
стр. 9998
والرِّوايةُ الثَّانيةُ: لا يكونُ خُلعٌ إلَّا بعِوضٍ، رَوى عنهُ مُهنَّا إذا قالَ لها: «اخلَعِي نفْسَكِ» فقالَتْ: «خلَعْتُ نفْسِي» لم يكُنْ خُلعًا إلَّا على شيءٍ، إلَّا أنْ يكونَ نَوى الطَّلاقَ فيكونُ ما نَوى، فعلى هذهِ الرِّوايةِ لا يَصحُّ الخُلعُ إلَّا بعِوضٍ، فإن تَلفَّظَ بهِ بغيرِ عوضٍ ونَوى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا رَجعيًّا؛ لأنَّه يَصلحُ كنايةً عن الطَّلاقِ، وإنْ لم يَنوِ بهِ الطَّلاقَ لم يَكنْ شيئًا، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ؛ لأنَّ الخُلعَ إنْ كانَ فسْخًا فلا يَملكُ الزَّوجُ فسْخَ النِّكاحِ إلَّا بعَيبِها، وكذلكَ لو قالَ: «فسَخْتُ النِّكاحَ» ولم يَنوِ به الطَّلاقَ لم يَقعْ شيءٌ، بخِلافِ ما إذا دخَلَه العِوضُ فإنه يَصيرُ مُعاوَضةً، فلا يَجتمعُ لهُ العِوضُ والمُعوَّضُ.
وإنْ قُلنا: «الخُلعُ طلاقٌ» فليسَ بصَريحٍ فيهِ اتِّفاقًا، وإنَّما هو كِنايةٌ، والكِنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ إلَّا بنيَّةٍ أو بَذلٍ للعوضِ فيَقومُ مَقامَ النيَّةِ وما وُجدَ واحدٌ مِنهُما.
ثمَّ إنْ وقَعَ الطَّلاقُ؛ فإذا لم يَكنْ بعِوضٍ لم يَقتضِ البَينونةَ، إلَّا أنْ تَكمُلَ الثَّلاثُ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولو قصَدَ إلى إيقاعِ الخُلعِ على غيرِ عوضٍ كانَ عندَ مالكٍ خُلعًا وكانَ الطَّلاقُ بائِنًا.
стр. 9999
وقد قيلَ عنهُ: لا يَكونُ بائِنًا إلَّا بوُجودِ العِوضِ، وهذا أصحُّ قَولَيه عندي وعندَ أهلِ العلمِ والنَّظرِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفَ قَولُ مالكٍ فيمَن قصَدَ إيقاعَ الخُلعِ على غيرِ عِوضٍ، فقالَ عبدُ الوَهابِ: هو خُلعٌ عندَ مالِكٍ وكانَ الطَّلاقُ بائِنًا.
وقيلَ عنهُ: لا يَكونُ بائِنًا إلَّا بوُجودِ العِوضِ، قالَهُ أشهَبُ والشَّافعيُّ؛ لأنه طلاقٌ عَرِيَ عن عِوضٍ واستِيفاءِ عددٍ، فكانَ رَجعيًّا كما لو كانَ بلَفظِ الطَّلاقِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وهذا أصحُّ قولَيهِ عندِي وعندَ أهلِ العلمِ في النَّظرِ.
ووجهُ الأوَّلِ أنَّ عدَمَ حُصولِ العِوضِ في الخُلعِ لا يُخرجُه عَنْ مُقتضاهُ، أصلُ ذلكَ إذا خالَعَ بخَمرٍ أو خِنزيرٍ (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هل للزَّوجِ إبانَةُ امرَأتِه بلا عِوضٍ؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: ليسَ لهُ أنْ يُبينَها إلَّا بعِوضٍ، وإنْ كانَ طَلاقٌ وقَعَ بعدَ الدُّخولِ بلا عِوضٍ فرَجعيٌّ، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ وأحَدُ القَولينِ في مذهَبِ مالكٍ وإحدَى الرِّوايتَينِ عن الإمامِ أحمَدَ.
стр. 10000
والقولُ الثَّاني: إبانتُها بغيرِ عِوضٍ مُطلَقًا باختيارِها وغَيرِ اختيارِها، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ ورِوايةٌ عن الإمامِ أحمَدَ.
والقَولُ الثَّالثُ: لهُ إبانتُها بغَيرِ عِوضٍ في بَعضِ المواضِعِ دُونَ بَعضٍ، فإذا اختارتِ الإبانةَ بغَيرِ عِوضٍ فلهُ أنْ يُبينَها، ويَصحُّ الخُلعُ بغيرِ عِوضٍ ويَقعُ بهِ البَينونةُ، إمَّا طلاقًا وإمَّا فَسخًا على أحدِ القَولينِ، وهذا مذهَبُ مالكٍ المَشهورُ عنهُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وهو الرِّوايةُ الأُخرى عن الإمامِ أحمَدَ اختارَها الخِرَقيُّ، وهذا القولُ له مَأخذانِ:
أحَدُهما: أنَّ الرَّجعةَ حقٌّ للزَّوجينِ، فإذا تَراضَيا عَلى إسقاطِها سقطَتْ.
والثَّاني: أنَّ ذلكَ فُرقةٌ بعِوضٍ؛ لأنها رَضيَتْ بتَركِ النَّفقةِ والسُّكنى، ورَضيَ هو بتَركِ ارتِجاعِها، وكما أنَّ له أنْ يَجعلَ العوضَ إسقاطَ ما كانَ ثابِتًا لها مِنْ الحُقوقِ كالدَّينِ فله أنْ يجعَلَه إسقاطَ ما ثبَتَ لهُما بالطَّلاقِ، كما لو خالَعَها على نَفقةِ الولَدِ، وهذا قولٌ قَويٌّ، وهو داخِلٌ في النَّفقةِ مِنْ غيرِه (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قالَ: «خالَعْتُكِ» فقالَتْ: «قبلْتُ» ولم تَذكرِ العوَضَ؛ فإنْ قُلنا: الخُلعُ طَلاقٌ؛ فإنْ نَوى به الطَّلاقَ .. وقَعَ عليها رَجعيًّا ولا شيءَ عليها؛ لأنها لم تَلتزمْ لهُ عِوضًا، وإنْ قُلنا: إنَّ الخُلعَ فَسخٌ .. ففيه وَجهانِ:
стр. 10001
أحَدُهما: لا يكونُ هذا شيئًا؛ لأنه لم يَذكرِ المالَ.
والثَّاني: أنَّه خُلعٌ فاسِدٌ، فيَلزمُها مَهرُ مِثلِها؛ لأنه قد وُجدَ اللَّفظُ الصَّريحُ في الخُلعِ.
وهكذا لو قالَ: «بِعتُكَ هذا العبدَ» فقالَ:» قَبلْتُ» ولم يَذكرِ الثَّمنَ فقبَضَه المُشتري .. ففيهِ وجهانِ:
أحَدُهما: أنَّه ليسَ ببَيعٍ، فيكونُ أمانةً في يَدِ المُشتري.
والثَّاني: أنه بَيعٌ فاسِدٌ، فيَضمنُه بالقَبضِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهل يَقتضِي الخُلعُ المُطلَقُ الجاري بغيرِ ذِكرِ المالِ ثُبوتَ المالِ؟ وجهَانِ: أصَحُّهما عندَ الإمامُ والغَزاليِّ والرّويانِيِّ: نعمْ؛ للعُرفِ، وكالخُلعِ على خَمرِ، والثَّاني: لا؛ لعَدمِ الالتزامِ.
فإنْ أثبَتْنا المالَ؛ فإنْ جَعلْناهُ فَسخًا أو صَريحًا في الطَّلاقِ أو كِنايةً ونَوى وجَبَ مَهرُ المثلِ وحصلَتِ البَينونةُ، وإنْ جعَلْناه كِنايةً ولم يَنوِ لغَا، وإنْ لم يَثبتِ المالُ عندَ الطَّلاقِ؛ فإنْ جعَلْناهُ فَسخًا لغَا؛ لأنَّ الفسخَ بالتَّراضي لا يكونُ إلَّا بعِوضٍ، هكذا حكاهُ الإمامُ وغيرُه عَنْ الأصحابِ، وذكَرُوا أنَّ مَساقَ كلامِهم أنَّه لو نُفيَ العِوضُ في الخُلعِ لم يَصحَّ الخلعُ على قَولِ الفسخِ، قالَ الإمامُ: والقِياسُ الحقُّ صِحتُّه بلا عِوضٍ.
стр. 10002
وإنْ جعَلْناهُ طلاقًا إمَّا صَريحًا وإمَّا كِنايةً ونوَى فهو طلاقٌ رَجعيٌّ، وفي افتِقارِه إلى قَبولِها وَجهانِ:
أصَحُّهما: لا يَفتقرُ، صحَّحَه الإمامُ وقطَعَ به البَغويُّ؛ لاستِقلالِ الزَّوجِ بالطَّلاقِ الرَّجعيِّ، والوَجهانِ فيما إذا قالَ: «خالَعْتُكِ» وأضمَرَ التِماسَ جَوابِها وانتَظرَ قَبولَها، أمَّا لو قالَ: «خلَعْتُ، أو خالَعْتُ» ولَم يُضمرِ التِماسَ الجَوابِ فلا يَفتقرُ إلى الجَوابِ قَطعًا، كما لو قالَ: «فارَقْتُكِ».
ولو نَوى المالَ ولم يَذكرْه وقُلنا: «مُطلَقُه لا يَقتضي مالًا» فهل تؤثِّرُ النِّيةُ في ثُبوتِ المالِ؟ وَجهانِ يَقرُبانِ مِنْ انعِقادِ البَيعِ ونَحوِه بالكِناياتِ.
فإنْ قُلنا: «تُؤثِّرُ» ثبَتَ المالُ، ولا بُدَّ فيه مِنْ نيَّتِها أيضًا.
وإنْ قُلنا: «لا تُؤثِّرُ» فهل يقَعُ الطَّلاقُ ويُلغى منهُ المالُ؟ أم لا يقَعُ لأنَّه نَوى الطَّلاقَ على مالٍ لا مُطلَقًا؟ وَجهانِ.
وفي «فتَاوى البَغويِّ» وَجهانِ فيما لو اختلَعَتْ نفْسَها على بقيَّةِ صَداقِها فخالَعَها عليهِ ولَم يكُنْ بَقيَ لها شيءٌ عليهِ، فهلْ تَحصلُ البَينونةُ بمَهرِ المِثلِ؟ ورَجحَّ الحُصولَ (١).
المسألةُ الثَّانيةُ: مِقدارُ الخُلعِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا اختلَعَتْ مِنْ زَوجِها بمِقدارِ ما أصدَقَها ولم يكنْ قد أضَرَّ بها أنَّ الخُلعَ جائزٌ.
стр. 10003
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على إجازَةِ الخُلعِ بالصَّداقِ الَّذي أصدَقَها إذا لم يَكنْ مُضرًّا بها وخافَا ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللهِ (١).
لكنَّ اللَّائقَ بحالِ المُسلمِ أنْ يأخُذَ ناقِصًا مِنْ المَهرِ حتَّى لا يَخلوَ الوطءُ عن المالِ (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو خالَعَها على أكثَرَ مِنْ مَهرِها، هل يَجوزُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ كَراهةٍ؟ أم يجوزُ معَ الكَراهةِ؟ أم لا يَجوزُ ويَجبُ عليهِ ردُّ الزِّيادةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ في قَولٍ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّه يَجوزُ الخلعُ بقَليلِ المالِ وكَثيرِه وبأكثرَ مِنْ الصَّداقِ وبمالِها كلِّه إذا كانَ ذلكَ مِنْ قِبَلِها؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فعَمَّ، ولأنَّه عِوضٌ يَصحُّ تَمليكُه فجازَ الخُلعُ عليهِ كالصَّداقِ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لم أزَلْ أسمَعُ إجازةَ الفِديةِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ، لكنْ ليسَ مِنْ مكارِمِ الأخلاقِ، ولم أرَ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ يَكرهُ ذلكَ.
قالَ: فإذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبَلِها جازَ للزَّوجِ ما أخَذَ منها بالخُلعِ وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ الصَّداقِ إذا رَضيَتْ بذلكَ وكانَ لم يَضرَّ بهَا، فإنْ كانَ لخَوفِ ضرَرِه
стр. 10004
أو لظُلمٍ ظلَمَها أو أضَرَّ بها لم يَجُزْ له أخذُه، وإنْ أخَذَ شيئًا مِنها على هذا الوَجهِ ردَّه ومَضى الخُلعُ عليهِ (١).
قالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ الخُلعُ بالمَهرِ المُسمَّى وبأقلَّ منهُ وبأكثَرَ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّه عِوضٌ مُستفادٌ بعَقدٍ، فلم يَتقَّدرْ كالمَهرِ والثَّمنِ، ويَصحُّ بالدَّينِ والعَينِ والمَنفعةِ كما في المَهرِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُستحبُّ له أنْ يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها).
هذا القَولُ يدلُّ على صحَّةِ الخلعِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ، وأنَّهما إذا تَراضيَا على الخُلعِ بشيءٍ صَحَّ، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، رُويَ ذلكَ عَنْ عُثمانَ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وعِكرمةَ ومُجاهدٍ وقَبيصةَ بنِ ذُؤيبٍ والنَّخَعيِّ ومالِكٍ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِّ، ويُروى عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنهما قالَا: لو اختلَعَتِ امرأةٌ مِنْ زَوجِها بميراثِها وعِقاصِ رأسِها كانَ ذلكَ جائِزًا.
وقالَ عَطاءٌ وطاوُسٌ والزُّهريُّ وعَمرُو بنُ شُعيبٍ: لا يَأخذُ أكثرَ ممِّا
стр. 10005
أعطاها، ورُويَ ذلكَ عن عليِّ بإسنادٍ مُنقطِعٍ، واختارَه أبو بكرٍ قالَ: فإنْ فعَلَ ردَّ الزِّيادةَ.
وعَن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالَ: ما أرَى أنْ يأخُذَ كلَّ مالِها، ولكنْ لِيدَعْ لها شَيئًا، واحتَجُّوا بما رُويَ أنَّ جَميلةَ بنتَ سَلولٍ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: «واللهِ ما أَعِيبُ على ثابِتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنْ أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ لا أُطيقُه بُغضًا، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : أتَردِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نعَمْ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يأخُذَ مِنها حَديقتَه ولا يَزدادَ» رَواه ابنُ ماجَة، ولأنَّه بَدلٌ في مقابَلةِ فَسخٍ، فلم يَزِدْ على قَدرِه في ابتِداءِ العَقدِ كالعِوضِ في الإقالةِ.
ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولأنه قَولُ مَنْ سَمِّينا مِنْ الصَّحابةِ، قالَتِ الرُّبيِّعُ بنتُ مُعوِّذٍ: «اختلَعْتُ مِنْ زَوجِي بما دُونَ عِقاصِ رَأسِي، فأجازَ ذلكَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ ﵁»، ومِثلُ هذا يَشتهرُ فلم يُنكَرْ فيكونُ إجماعًا، ولم يَصحَّ عن عَليٍّ خِلافُه، فإذا ثبَتَ هذا فإنَّه لا يُستحبُّ له أن يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها، وبذلِكَ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ والحسَنُ والشَّعبيُّ والحَكمُ وحَمَّادُ وإسحاقُ وأبو عُبيد، فإنْ فعَلَ جازَ معَ الكَراهةِ، ولَم يَكرهْه أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشَّافعيُّ، قالَ مالِكٌ: لم أزَلْ أسمَعُ إجازةَ الفِداءِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ.
ولنا: حَديثُ جَميلةَ، ورُويَ عن عَطاءٍ عَنْ النَّبيِّ ﷺ «أنَّه كَرِهَ أنْ يأخُذَ مِنْ المُختلِعةِ أكثَرَ ممَّا أعطاها» رَواهُ أبو حَفصٍ بإسنادِهِ، وهو
стр. 10006
صَريحٌ في الحُكمِ، فنَجمعُ بيْنَ الآيةِ والخبَرِ فنَقولُ: الآيةُ دالَّةٌ على الجَوازِ، والنَّهيُ عن الزِّيادةِ للكَراهةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لهُ أخذُ أكثَرَ مما أعطاها؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ جَميلةَ بنتَ سَلولَ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: واللهِ ما أَعتِبُ على ثابِتٍ في دِينٍ ولا خلُقٍ، ولكنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ لا أُطيقُه بُغضًا، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نعَمْ، فأمَرَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يأخُذَ منها حدِيقتَه ولا يَزدادَ» (٢).
وعَن عَطاءٍ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تَشكُو زوْجَها، فقالَ: «أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه»، قالَتْ: نعمْ وزِيادةٌ، قالَ: «أَمَّا الزِّيادةُ فلا» (٣).
ورَوى الدَّارقطنيُّ عن أبي الزُّبيرِ «أنَّ ثابتَ بنَ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ كانَتْ عندَه زَينبُ بنتُ عَبدِ اللَّهِ بنِ أبيِّ ابنِ سَلُولٍ وكانَ أصدَقَها حَديقةً فكَرهَتْه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَترُدِّينَ عليهِ حَديقتَهُ الَّتي أعطاكِ؟» قالَتْ: نَعمْ وزيادةً، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا الزِّيادةُ فلا ولكنْ حَديقتُه»، قالَتْ: نَعمْ، فأخَذَها لهُ وخلَّا سبيلَهَا، فلمَّا بلَغَ ذلكَ ثابِتَ بنَ قَيسٍ
стр. 10007
قالَ: قدْ قَبلْتُ قَضاءَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ » قالَ الدَّارقطنيُّ: سَمعَه أبو الزُّبَيرِ مِنْ غيرِ واحِدٍ (١).
ولأنَّه بَدلٌ في مقابَلةِ فَسخٍ، فلم يَزدْ على قَدرِه في ابتِداءِ العَقدِ كالعِوضِ في الإقالةِ (٢).
قالَ الحنفيَّةُ: النُّشوزُ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ كُرهَ لهُ أنْ يأخُذَ منها قَليلًا ولا كَثيرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أتاها مِنْ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقَولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وقَولِه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضيِّقوا عَليهنَّ لتَذهبُوا ببَعضِ ما آتَيتمُوهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، نهَى الأزواجَ عن أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ واستَثنى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستَثنى يُخالِفُ حُكمَ المُستَثنى منهُ، فيَقتضي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ عندَ عدمِ النُّشوزِ مِنهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتَّى لا يَملِكَ
стр. 10008
استِردادَه، لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ بهِ، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ والمَرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ.
وإنْ كانَ النُّشوزُ مِنْ قبَلِها أو خافَا لسُوءِ خلُقِها أو بُغضِ كلِّ واحدٍ منهُما لصاحبِه جازَ لهُ أنْ يأخُذَ ما أعطاها لا يَزدادَ، ويُكرهُ لهُ أنْ يأخُذَ أكثرَ ممَّا أعطاها؛ لِما رَواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ عن عَطاءٍ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تَشكُو زوْجَها، فقالَ: «أتَردِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نَعمْ وزِيادةً، قالَ: أمَّا الزِّيادةُ فلا» (١)، ولأنَّه لا يُملِّكُها شيئًا، إنَّما يَرفعُ العَقدَ فيَحلُّ له أنْ يأخُذَ منها قدْرَ ما ساقَ إليها بالعقدِ، ولا يَحلُّ له الزِّيادةُ على ذلكَ.
لكنَّ اللَّائقَ بحالِ المُسلمِ أنْ يأخُذَ ناقِصًا مِنْ المَهرِ حتَّى لا يَخلوَ الوَطءُ عن المالِ (٢).
وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] فهذا في غيرِ حالِ الخُلعِ، بل في حالِ الرَّضا بتَركِ المَهرِ بطيبةٍ مِنْ نَفسِها بهِ، وقَولُ مَنْ قالَ: «إنهُ لمَّا أجازَ أخْذَ مالِها بغيرِ خُلعٍ فهو جائزٌ في الخُلعِ» خطأٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد نَصَّ على المَوضعَينِ في أحَدِهما بالحَظرِ وهو قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا
стр. 10009
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي الآخَرِ بالإباحةِ وهو قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: فقَولُ القائلِ: «لمَّا جازَ أنْ يأخُذَ مالَها بطيبةِ نَفسِها مِنْ غَيرِ الخُلعِ جازَ في الخُلعِ» قَولٌ مخالِفٌ لنَصِّ الكِتابِ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ في الخُلعِ ما حَدَّثنا مُحمدُ بنُ بكرٍ قالَ: حدَّثَنا أبو داودَ قالَ: حدَّثَنا القَعنبيُّ عن مالكٍ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عَمرةَ بنتِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَعدِ بنِ زُرارةَ عن حَبيبةَ بنتِ سَهلٍ الأنصاريَّةِ «أنها كانَتْ تحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ الشَّماسٍ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى الصُّبحِ فوجَدَ حَبيبةَ بنتَ سهلٍ عندَ بابِه في الغلَسِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ هذهِ؟ قالَتْ: أنا حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، قالَ: ما شَأنُكِ؟ قالَتْ: لا أنا ولا ثابِتُ بنُ قَيسٍ -لزَوجِها- فلمَّا جاءَه ثابتُ بنُ قَيسٍ قالَ لهُ: هذهِ حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، فذكَرَتْ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذكرَ، فقالَتْ حَبيبةُ: كلُّ ما أعطاني عندِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لثابتٍ: خُذْ مِنها، فأخَذَ منها وجلَسَتْ في أهلِها»، ورُويَ فيهِ ألفاظٌ مُختلِفةٌ في بَعضِها: «خَلِّ سبيلَها»، وفي بَعضِها: «فارِقْها»، وإنَّما قالُوا: إنَّه لا يسَعُه أنْ يأخُذَ منها أكثَرَ ممَّا أعطاها؛ لِمَا حدَّثنا عبدُ الباقِي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: حدَّثَنا محمَّدُ بنُ يَحيى بنِ أبي سَمينةَ قالَ: حدَّثَنا الوَليدُ بنُ مُسلمٍ عَنْ ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رَجلًا خاصَمَ امرأتَه إلى النَّبيِّ ﷺ ،
стр. 10010
فقالَ النَّبيُّ ﷺ : تَردِّينَ إليه ما أخَذْتِ منه؟ قالَتْ: نعَمْ وزِيادةً، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا الزِّيادَةُ فلا»، وقالَ أصحابُنا: لا يأخُذُ منهُ الزِّيادةَ لهذا الخبَرِ، وخَصُّوا به ظاهرَ الآيةِ (١).
وفي رِوايةِ في «الجامِع الصَّغير»: لا بأسَ بأخذِ الزِّيادةِ؛ لِما رُويَ «أنَّ امرأةً ناشِزةً أُتيَ بها عُمرُ ﵁ فحبَسَها في مَزبلةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ دعاها وقالَ: كيفَ وجَدْتِ مَبيتَكِ؟ فقالَتْ: ما مَضتْ عليَّ لَيالٍ هُنَّ أقرُّ لعَينِي مِنْ هذهِ اللَّيالي لأنِّي لم أرَهُ، فقالَ عمَرُ ﵁: وهَل يَكونُ النُّشوزُ إلَّا هكذا؟! اخلَعْها ولو بقُرطِها».
وعن ابنِ عُمرَ ﵁ «أنَّ مَولاةً اختلَعَتْ بكُلِّ شيءٍ لها، فلم يَعِبْ ذلكَ عليها».
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لو اختلَعَتْ بكُلِّ شيءٍ لَأجزْتُ ذلكَ»؛ وهذا لأنَّ جوازَ أخذِ المالِ هُنا بطَريقِ الزَّجرِ لها عن النُّشوزِ، ولهذا لا يَحلُّ إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ الزَّوجِ، وهذا لا يَختصُّ بما ساقَ إليها مِنْ المَهرِ دُونَ غيرِه، فأمَّا في الحُكمِ: الخُلعُ صَحيحٌ والمالُ واجِبٌ (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ قَدرِ ما يَحلُّ للزَّوجِ مِنْ أخذِ العِوضِ وما لا يَحلُّ فجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ النُّشوزَ لا يَخلُو إمَّا أنْ كانَ مِنْ قِبَلِ
стр. 10011
الزَّوجِ، وإمَّا إنْ كانَ مِنْ قِبَلِ المرأةِ، فإنْ كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ فلا يَحلُّ لهُ أخذُ شيءٍ مِنْ العوضِ على المُخلِعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أتاهَا مِنْ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وقولُه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضيِّقوا عليهنَّ لتَذهبُوا ببَعضِ ما آتَيتمُوهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، نهَى الأزواجَ عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ واستَثنى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستَثنى يُخالِفُ حُكمَ المُستَثنى منهُ، فيَقتضي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ عندَ عدمِ النُّشوزِ منهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتَّى لا يَملِكَ استِردادَه، لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ بهِ، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ والمرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ.
وإنْ كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها فلا بأسَ بأنْ يأخُذَ مِنها شيئًا قَدرَ المَهرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، والاستِثناءُ مِنْ النَّهيِ إباحةٌ مِنْ حَيثُ الظَّاهرِ، وقَولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قيلَ: أي لا جُناحَ على الزَّوجِ في الأخذِ وعلى المَرأةِ في الإعطاءِ.
وأمَّا الزِّيادةُ على قَدرِ المَهرِ ففيها رِوايتانِ، ذُكرَ في كِتابِ الطَّلاقِ أنها مَكروهةٌ، وهكذا رُويَ عَنْ عليٍّ ﵁ أنه كَرهَ للزَّوجِ أنْ يأخُذَ منها أكثَرَ
стр. 10012
ممَّا أعطاها، وهوَ قَولُ الحسَنِ البَصريِّ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وطاوُسٍ.
وذكَرَ في «الجامِع الصَّغير» أنها غيرُ مَكروهةٍ، وهوَ قولُ عُثمانَ البَتيِّ، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ.
وجهُ هذهِ الرِّوايةِ ظاهِرُ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] رفَعَ الجُناحَ عنهُما في الأخذِ والعَطاءِ مِنْ الفداءِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا كانَ مَهرَ المِثلِ أو زِيادةً عليهِ، فيَجبُ العملُ بإطلاقِ النَّص، ولأنها أعطَتْ مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها، وقَد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، بخِلافِ ما إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِه؛ لأنَّ النُّشوزَ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ كانَتْ هي مَجبورةً في دَفعِ المالِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنها معَ رَغبتِها في الزَّوجِ لا تُعطِي إلَّا إذا كانَتْ مُضطرةً مِنْ جهتِه بأسبابٍ أو مغتَرَّةً بأنواعِ التَّغريرِ والتَّزويرِ، فكُرهَ الأخذُ.
وجهُ رِوايةِ الأصلِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قَولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطاها مِنْ المَهرِ واستَثنى القدْرَ الَّذي أعطاها مِنْ المَهرِ عندَ خَوفِهما ترْكَ إقامةِ حُدودِ اللهِ على ما نَذكرُ، والنَّهيُ عَنْ أخذِ شيءٍ مِنْ المَهرِ نهيٌ عَنْ أخذِ الزِّيادةِ على المَهرِ مِنْ طريقِ الأَولى، كالنَّهيِ عن التَّأفيفِ أنه يَكونُ نهيًا عن الضَّربِ الَّذي هو فَوقَه بالطَّريقِ الأَولى.
стр. 10013
ورُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قالَ لامرأةِ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ: «أتَردِّينَ عَليهِ حديقتَهُ؟ فقالَتْ: نعَمْ وزِيادةً، قالَ: أمَّا الزِّيادةُ فلا» نهَى عَنْ الزِّيادةِ معَ كَونُ النُّشوزِ مِنْ قِبلِها، وبهِ تَبيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قدْرُ المَهرِ لا الزِّيادةُ عليهِ، وإنْ كانَ ظاهِرُه عامًّا عرَفْنا ببَيانِ النَّبيِّ ﷺ الَّذي هو وَحيٌّ غَيرُ مَتلوٍّ.
والدَّليلُ عليهِ أيضًا قَولُه تعالَى في صَدرِ الآيةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ذكَرَ في أوَّلِ الآيةِ ما آتاها، فكانَ المَذكورُ في آخِرِها -وهوَ قولُه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ - مَردودًا إلى أوَّلِها، فكانَ المُرادُ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ أي: بما آتاها، ونحنُ بهِ نقَولُ أنه يَحلُّ لهُ قَدرُ ما آتاها.
وأمَّا قولُه: «أنها أعطَتْه مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها» فنعَمْ، لكنَّ ذاكَ دَليلُ الجَوازِ، وبهِ نَقولُ أنَّ الزِّيادةَ جائزةٌ في الحُكمِ والقَضاءِ، ولأنَّ الخُلعَ مِنْ جانِبِها معاوَضة حالة عن الطَّلاقِ، وإسقاطُ ما عليها مِنْ المِلكِ ودَفعُ المالِ عِوضًا عمَّا ليسَ بمالٍ جائِزٌ في الحُكمِ إذا كانَ ذلكَ ممَّا يُرغَبُ فيهِ، ألَا تَرى أنَّه جازَ العِتقُ على قليلِ المالِ وكَثيرِه، وأخذُ المالِ بدَلًا عَنْ إسقاطِ المِلكِ والرِّقِّ، وكذلكَ الصُّلحُ عَنْ دَمِ العمدِ، وكذلكَ النِّكاحُ لمَّا جازَ على أكثَرَ مِنْ مَهرِ مثلِها وهو بدَلُ البُضعِ فكذا جازَ أنْ تَضمَنَه المرأةُ بأكثَرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها؛ لأنه بَدلٌ مِنْ سَلامةِ البُضعِ في الحالَينِ جَميعًا، إلَّا أنه نهَى عَنْ الزِّيادةِ على قَدرِ المهرِ لا لمَعنًى في نَفسِ العَقدِ؛ بلِ المَعنى في غَيرِه، وهو شُبهةُ
стр. 10014
الرِّبا والإضرارِ بها، ولا يُوجدُ ذلكَ في قَدرِ المَهرِ، فحلَّ له أخذُ قَدرِ المَهرِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا مِقدارُ ما يَجوزُ لها أنْ تَختلِعَ به: فإنَّ مالِكًا والشَّافعيَّ وجَماعةً قالُوا: جائزٌ أنْ تَختلعَ المَرأةُ بأكثرَ ممَّا يَصيرُ لها مِنْ الزَّوجِ في صَداقِها إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها وبمِثلِه وبأقلَّ منهُ.
وقالَ قائِلونَ: ليسَ لهُ أنْ يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها على ظاهرِ حَديثِ ثابتٍ.
فمَن شَبَّهه بسائرِ الأعواضِ في المُعامَلاتِ رأى أنَّ القدْرَ فيهِ راجعٌ إلى الرِّضا، ومَن أخَذَ بظاهرِ الحَديثِ لم يُجِزْ أكثرَ مِنْ ذلكَ، وكأنَّه رآهُ مِنْ بابِ أخذِ المالِ بغيرِ حقٍّ (٢).
المسألةُ الثَّالثةُ: هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ العِوضُ مَعلومًا؟
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العِوضَ -وهو ما تَبذلُه المَرأةُ في الخُلعِ- إذا كانَ مَعلومًا يَصحُّ تموُّلُه ومَقدورًا على تَسليمِه فإنَّ الخُلعَ صَحيحٌ.
إلَّا أنَّهم اختَلفُوا في مسألتَينِ: فيما لو كانَ مَجهولًا أو غيرَ مُتموَّلٍ، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟
стр. 10015
المسألةُ الأُولى: إذا كانَ العِوضُ مَجهولاً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ العِوضُ في الخُلعِ مَجهولًا مِثلَ أنْ تقولَ لهُ: «اخلَعْنِي على ما في يَدي مِنْ الدَّراهِمِ» وهو لا يَعلمُ ما في يَدِها، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ الخُلعُ ولو كانَ العِوضُ المَبذولُ في الخُلعِ مَجهولًا، مِثلَ أنْ تُخالعَه على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ، وله ما جُعلَ لهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ معنًى يَجوزُ تَعليقُه بالشَّرطِ فجازَ أنْ يُستحقَّ به العِوضُ المَجهولُ كالوَصيةِ، ولأنَّ الخُلعَ إسقَاطٌ لحقِّهِ مِنْ البضعِ وليسَ فيهِ تَمليكُ شيءٍ، والإسقاطُ تَدخلُه المُسامَحةُ، ولذلكَ جازَ عن غَيرِ عوضٍ بخِلافِ النِّكاحِ، وإذا صَحَّ الخُلعُ فلا يَجبُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنها لم تَبذلْه ولا فوتَتْ عليهِ ما يُوجِبُه، فإنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غَيرُ مُتقوَّمٍ، بدليلِ ما لو أخرَجَتْه مِنْ مِلكِه برِدَّتِها أو رضاعِها لمَن يُفسَخُ به نِكاحُها لم يَجبْ عليها شيءٌ، ولو قتَلَتْ نفْسَها أو قتَلَها أجنَبيٌّ لم يَجبْ للزَّوجِ عِوضٌ إن طاوعَتْ لم يَكنْ للزَّوجِ شيءٌ، وإنَّما يُتقوَّمُ البُضعُ على الزَّوجِ في النِّكاحِ خاصَّةً، وأباحَ لها افتِداءَ نفْسِها لحاجتِها إلى ذلكَ، فيَكونُ الواجِبُ ما رضيَتْ ببَذلِه، فأمَّا إيجابُ شيءٍ لم ترْضَ بهِ فلا وجهَ له.
فعلى هذا إنْ خلَعَها على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ صَحَّ، فما كانَ في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ فهي لهُ.