← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

حكمُ الطَّلاقِ الشرعيِّ: الطَّلاقُ يَنقسِمُ عِنْدَ الفُقهاءِ إلى خَمسَةِ أضْرُبٍ؛ لأنَّه تَعتَريهِ الأحكَامُ الخَمسةُ، فقَد يَكونُ مُباحًا وقَد يَكونُ مَندوبًا أو واجِبًا أو مَكروهًا أو مُحرَّمًا، وذَلكَ بحَسبِ الظُّروفِ والأحوالِ الَّتي تُصادِفُه. الضَّربُ الأولُ: المباحُ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل الأصلُ في الطَّلاقِ الإباحَةُ فيُباحُ الطَّلاقُ بِدونِ سَببٍ؟ أم الأصلُ فيهِ عَدمُ الإباحَةِ ولا يَكونُ مُباحًا إلَّا إذا كانَ هُناكَ سَببٌ؟ فقَالَ الحَنفيَّةُ: يُباحُ الطَّلاقُ لِلحاجَةِ؛ لِإطلاقِ الآياتِ، ومَتى وقَعَ الطَّلاقُ لِغَيرِ حاجَةٍ فهوَ مُباحٌ مَبغُوضٌ؛ لِحدَيثِ: «أَبْغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (١)، ولأنَّهُ قاطِعٌ لِلمَصالِحِ، وإنَّما أُبيحَتِ الواحِدَةُ لِلحاجَةِ وهوَ الخَلاصُ (٢). وقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: الأَصحُّ حَظرُه -أي مَنْعُهُ- إلَّا لِحاجَةٍ كَرِيبَةٍ وكِبَرٍ، قالَ الحَصكَفيُّ: والمَذهبُ الأوَّلُ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وقَولُهم: «الأَصلُ فيهِ الحَظرُ» مَعناهُ أنَّ الشَّارعَ ترَكَ هذا الأَصلَ فأباحَهُ (٣).

стр. 10082

وقالَ المالكيَّةُ: الأصلُ في الطَّلاقِ أنَّه جائِزٌ وإنْ كانَ خِلافَ الأَولَى، فالأَولَى عَدمُ ارتِكابِه؛ لِمَا فيهِ مِنْ قَطعِ الأُلفَةِ، إلَّا لِعارضٍ؛ لِحَديثِ: «أَبغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (١). قالَ الصَّاوِي ﵀: اعلَمْ أنَّهُ استَشكَلَ هَذا الحَديثُ بَأنَّ المُباحَ ما استَوَى طرَفاهُ، ولَيسَ مِنهُ مَبغُوضٌ ولا أَشَدُّ مَبغُوضيَّةً، والحَديثُ يَقتَضي ذلكَ؛ لأنَّ «أَفْعَلَ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ. وأُجِيبَ بأنَ المَعنَى «أقربُ الحَلالِ لِلبُغضِ الطَّلاقُ»، فالمُباحُ لا يُبغَضُ بالفِعلِ، لكنْ قد يُقَرِّبُ لهُ إذا خالَفَ الأَولَى، والطَّلاقُ مِنْ أشدِّ أفرادِ خِلافِ الأَولَى، وهَذا ما أشارَ لهُ الشَّارحُ بقَولِه: وإنْ كانَ حلالاً، إلَّا أنَّ الأَولَى عَدَمُ ارتِكابِه. وأُجِيبَ بجَوابٍ آخَرَ بأنَّه لَيسَ المُرادُ بالحَلالِ ما استَوى طَرَفاهُ، بلْ لَيسَ بحَرامٍ، فَيَصدُقُ بالمَكرُوهِ وخِلافِ الأَولَى، فخَلافُ الأَولَى مَبغُوضٌ، والمَكرُوهُ أشدُّ مَبغوضيِّةً، ولَيسَ المُرادُ بالبُغضِ ما يَقتَضِي التَّحريمَ، بلِ المُرادُ كَونُه لَيسَ مَرغوبًا فيهِ؛ لأنَّ فيهِ اللَّومَ، ويَكونُ التَّعبيرُ بالأبغضيَّةِ قَصْدَ التَّنفيرِ، وأنتَ خَبيرٌ بأنَّ الجَوابَ الثَّاني مَبنِيٌّ عَلى أنَّ حُكمَ الطَّلاقِ الأصلَيَّ الكَراهةُ، لا عَلى أنَّه خِلافُ الأَولَى الَّذي مَشَى عَليهِ الشَّارحُ، فالأَظهرُ الجَوابُ الأوَّلُ، وأمَّا حَمْلُهُ على سَببِ الطَّلاقِ مِنْ سُوءِ العِشرةِ فَفيهِ أنَّ

стр. 10083

هذا ليسَ مِنْ الحَلالِ، و «أَفْعَلُ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ (١). وقالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: قَولُ النَّبيِّ في الحَديثِ: «ثمَّ إنْ شاءَ طلَّقَ وَإنْ شاءَ أمْسَكَ» وهَذا غَايةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ ورَدَ بإباحَةِ الطَّلاقِ، وطَلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ بَعضَ نِسائِه، وهوَ أمْرٌ لا خِلافَ فيهِ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الطَّلاقُ هوَ حَلُّ العِصمةِ المُنعَقِدةِ بيْنَ الأزواجِ بألفَاظٍ مَخصُوصةٍ، والطَّلاقُ مُباحٌ بهذهِ الآيَةِ وبغَيرِها، وبقَولِه ﵇ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «فإنَّ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ»، «وقدْ طلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ حَفصةَ ثمَّ راجَعَها» خرَّجهُ ابنُ ماجَه، وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ طَلَّقَ امرأتَه طاهِرًا في طُهْرٍ لَم يمسَّها فيهِ أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ وللعِدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها، وأنَّ له الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بها قبْلَ أنْ تَنقضِيَ عِدَّتُها، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، فَدلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّةِ على أنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ غيرُ مَحظُورٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وليسَ في المنْعِ مِنهُ خبَرٌ يَثبُتُ (٣). وقالَ الحنابِلةُ: يُباحُ الطَّلاقُ عِنْدَ الحاجَةِ إليهِ لِسُوءِ خُلُقِ المرأةِ وسُوءِ

стр. 10084

عِشرَتها، وكَذا يُباحُ للتَّضرُّرِ بها مِنْ غَيرِ حُصولِ الغرَضِ بها، فيباحُ له دَفعُ الضَّررِ عَنْ نفْسِه (١). الضربُ الثاني: الاستِحبابُ: قالَ الحَنفيَّةُ: يُستحَبُّ الطَّلاقُ لِمُؤذيَةٍ لهُ أو لغَيرِه بقَولِها أو بفِعلِها، وكذا إذا كانَتْ تارِكةً صَلاةً أو تارِكةً فَرائضَ غيْرَ الصَّلاةِ، وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ: «لَأنْ ألقَى اللهَ تعالَى وصَداقُها بذمَّتي خَيرٌ مِنْ أنْ أُعاشِرَ امرأةً لا تُصلِّي». ولهُ أنْ يَضرِبَها عَلى ترْكِ الصَّلاةِ، ولا إثْمَ عَليهِ بمُعاشَرة مَنْ لا تُصلِّي (٢). وقالَ المالِكيةُ: يُندَبُ الطَّلاقُ لِعارِضٍ، كما لَو كانَتْ بَذِيَّةَ اللِّسانِ يخافُ مِنها الوقُوع في الحَرامِ لَوِ استَمرَّتْ عِندَهُ، كأنْ يَضرِبَها ضَربًا مُبَرِّحًا أو يَسُبَّها ويُسَبَّ وَالِدَيها، أو كانَتْ قَليلةَ الحَياءِ تَتبَرَّجُ إلى الرِّجالِ، وأكثرُهنَّ يَسبُّ أمَّ الزَّوجِ إذا كانَتْ عِنْدَ ابنِهَا وغَيرِ ذلكَ (٣). وقالَ الشَّافعيةُ: يُستَحبُّ الطَّلاقُ بأنْ تقَعَ الخُصومَةُ بيْنَ الزَّوجَينِ وخافَا أنْ لا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لأنَّهُ إذا لَم يُطلِّقْها .. ربُّما أدَّى إلى الشِّقاقِ.

стр. 10085

أو تَكونَ المَرأةُ غيْرَ عَفيفَةٍ فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لِمَا رَوى جابِرٌ ﵁: أنَّ رَجلًا قالَ: يَا رَسولَ اللهِ إنَّ امرَأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ: «طَلِّقْهَا»، فقالَ: إِني أحبُّها، قالَ: «أَمْسِكْها» (١)، أو يَكونَ حالُ المَرأةُ غيْرَ مُستَقيمٍ كسيِّئَةِ الخُلُقِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: يُستَحبُّ طَلاقُ الزَّوجَةِ عِنْدَ تَفرِيطِها في حُقوقِ اللهِ تعالَى الواجِبَةِ عَليها مِثلِ الصَّلاةِ ونَحوِها ولا يُمكِنُه إجبَارُهَا عَليها. وإذا ترَكَ الزَّوجُ حقًّا للهِ تَعالَى فالمَرأةُ في ذلكَ مِثلُه، فيُستَحبُّ لها أنْ تَتخلَّصَ منهُ بالخُلعِ ونَحوِه؛ لتَركِه حُقوقَ اللهِ تعالَى. وعَن الإمامِ أحمَدَ أنَّه يَجِبُ الطَّلاقُ لأنَّهُ قالَ: أخشَى أنْ لا يَحِلَّ لهُ المقامُ مع امرَأةٍ لا تُصلِّي. وكَذا يُستَحبُّ الطَّلاقُ في الحالِ الَّتي تَحُوجُ المَرأةَ عَلى المُخالَفةِ في شِقاقٍ وغَيرِه لِيُزيلَ الضَّررَ. ويُستَحبُّ الطَّلاقُ أيضًا لِتَضرُّرِها ببَقاءِ النِّكاحِ لِبُغضِه أو غَيرِه. وكَذا يُستَحبُّ طلاقُها إذا كانَتْ غيْرَ عَفيفَةٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ في إمساكِها نقْصًا لدِينِه ودَناءَةً، وربُّما أَفسدَتْ عَليهِ فِراشَهُ فتُلحقَ بهِ وَلدًا مِنْ غَيرِه. وعَنهُ: يَجِبُ الطَّلاقُ هُنا؛ قالَ: لا يَنبَغِي لهُ إمسَاكُ غَيرِ عَفيفَةِ.

стр. 10086

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإذا كانَتِ المَرأةُ تَزنِي لَم يَكنْ لهُ أنْ يُمسِكَها عَلى تِلكَ الحالِ، بلْ يُفارِقُها وإلَّا كان ديوثًا (١). ولا بَأسَ بعَضْلِها في هَذا الحالِ والتَّضييقِ عَليها لِتفتَديَ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والزِّنَا لا يَفسخُ نِكاحَها، لَكنْ يَستبْرِئُها إذا أمسَكَها بالعِدَّةِ (٢). الضربُ الثالثُ: الوجوبُ: ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ الطَّلاقَ يَجبُ في حالاتٍ مِنها: الأُولى: المُولِي: يَجِبُ الطَّلاقُ عَلى المُولِي بعْدَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإيلاءِ وامتِناعِهِ مِنَ الفَيئَةِ عِنْدَ الجُمهُورِ الشَّافعيَّةِ والحَنابلَةِ كمَا سَيأتي في كِتابِ الإيلاءِ (٣). الثَّانيةُ: طَلاقُ الحَكمَيْن عِنْدَ شِقاقِ الزَّوجَينِ عِنْدَ المالكيَّةِ والشَّافعيةِ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحنابِلةِ في روايةٍ كمَا تَقَدَّمَ في التَّحكِيمِ (٤).

стр. 10087

الثَّالِثةُ: قالَ الحَنفيَّةُ: يَجبُ الطَّلاقُ لو فاتَ الإمساكُ بالمَعرُوفِ. كما لَو كانَ خَصِيًّا أو مَجبوبًا أو عِنِّينًا أو شَكَّازًا أو مُسَحَّرًا. والشَّكَّازُ -بفَتحِ الشِّينِ المُعجَمَةِ وتَشدِيدِ الكافِ وبالزَّايِ-: هوَ الَّذي تَنتشِرُ آلتُهُ لِلمرَأةِ قبْلَ أنْ يُخالِطَها ثمَّ لا تَنتشِرُ آلتَهُ بعْدَه لجِماعِها. والمُسحَّرُ -بفَتحِ الحاءِ المُشدَّدةِ-: وهوَ المَسحُورُ، ويُسمَّى المَربُوط في زَمانِنا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يَجبُ الطَّلاقُ لِعارِضٍ؛ كمَا لَو عَلِمَ أنَّ بقاءَها يُوقِعُه في مُحرَّمٍ مِنْ نَفقةٍ أو غَيرِها، كما إذا كان يُنفِق عَليها مِنْ حَرامٍ، وغَيرِ النَّفقَةِ كالضَّربِ المُبَرِّحِ أو السَّببِ المُتحقِّقِ وقُوعُه بالفِعلِ، ومَحلُّ وُجوبِ طَلاقِها عِنْدَ الإنفَاقِ عَليها مِنْ حرامٍ ما لَم يَخشَ بفِراقِها الزِّنا ولا قُدرَةَ لهُ عَلى زَواجِ غَيرِها، وإلَّا فَلا يَجبُ عَليهِ طَلاقٌ ويَقتَصدُ مهما أمكَنَ، وظاهِرُه ولَو لَزِمَ عَليهِ الإنفاقُ عَليها مِنْ حَرامٍ (٢). الضربُ الرابع: المكروهُ: نَصَّ الشَّافعيةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ عَلى أنَّ الطَّلاقَ يُكرهُ بِلا حاجةٍ، بأنْ تَكونَ الحالُ بيْنَهما مُستقيمَةً، ولا يَكرهُ شَيئًا مِنْ خُلقِها ولا خَلقِها ولا

стр. 10088

دِينِها، فيُكرهُ لهُ أنْ يطلِّقَها؛ لِحَديثِ: «أَبغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (١)، ولِإزالَتِه النِّكاحَ المُشتمِلَ عَلى المَصالحِ المَندوبَ إليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: (ومَكرُوهٌ) وهَو الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ حاجةٍ إليهِ. وقالَ القاضِي: فيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: أنَّه محرَّمٌ؛ لأنَّهُ ضَررٌ بنَفسِه وزوجَتِه وإعدامٌ للمَصلَحةِ الحاصِلةِ لهُمَا مِنْ غَيرِ حاجةٍ إليهِ، فكانَ حَرامًا كإِتلافِ المالِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ». والثَّانيةُ: أنَّه مُباحٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ الطَّلاقُ»، وفي لَفظٍ: «مَا أحَلَّ اللهُ شَيئًا أبغَضَ إليهِ مِنَ الطَّلاقِ» رَواهُ أبُو داودَ. وإنَّما يَكونُ مَبغُوضًا مِنْ غَيرِ حاجَةٍ إلَيهِ، وقَد سمَّاه النَّبيُّ ﷺ حَلالًا، ولأنَّهُ مُزيلٌ للنِّكاحِ المُشتمِلِ عَلى المَصالِحِ المَندوبِ إلَيها فيَكونُ مَكرُوهًا (٣).

стр. 10089

وهوَ مَبغُوضٌ عِنْدَ الحَنفيَّةِ عَلى الصَّحيحِ؛ للحَديثِ السَّابقِ، ولأنَّه قاطِعٌ للمَصالِحِ (١). وخِلافُ الأَولَى عِنْدَ المالكيَّةِ كما تقَدَّمَ (٢). قالَ المَالكيَّةُ: يُكرَهُ الطَّلاقُ أيضًا؛ وهوَ إذا طلَّقَها انقَطَعَ عَنْ عِبادةٍ مَندُوبةٍ، ككُونِها مُعينَةً لهُ عَلى طلَبِ العِلمِ المَندُوبِ (٣). الضربُ الخامسُ: الحرامُ: ذكَرَ الفُقهاءُ عدَّةَ حالاتٍ يَحرُمُ الطَّلاقُ فيها، وهِيَ: الحالةُ الأُولَى: الطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهْرٍ جامَعَها فيهِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ طَلاقَ المَرأةِ المَدخُولِ بها في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَمْلُها حَرامٌ، ويُسمَّى طَلاقَ البِدعَةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]. أمَرَ اللهُ الرِّجالَ إذا أرادُوا تَطلِيقَ نِسائِهمْ أنْ يُطلِّقوهنَّ طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وأنْ يُطلِّقوهنَّ في حالِ استِقبالِ عِدَّتِهنَّ، ولا يُتصَوَّرُ ذلكَ إلَّا بعْدَ الطُّهر مِنَ الدَّمِ، سَواءٌ في الحَيضِ

стр. 10090

أو في النِّفاسِ، ومَن خالَفَ ذلكَ فليسَ بمُتَّقٍ للهِ (١). وعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهِيَ حائِضٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمسِكْها حتَّى تطْهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تطْهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يمَسَّ، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (٢). وفي رِوايَةِ سالِمٍ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ أخبَرَه أنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ وهِيَ حائِضٌ، فذكَرَ عُمرُ لِرسُولِ الله ﷺ ، فتَغَيَّظَ فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «لِيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ فتَطهُرَ، فإِنْ بدَا له أنْ يُطلِّقَها فلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قبْلَ أنْ يمَسَّها، فتلكَ العِدَّةُ كما أمرَهُ اللهُ» (٣). وإنَّما تَغيَّظَ عَليهِ ﷺ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ (٤). وقَد نقَلَ عَددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ عَلى حُرمَةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ.

стр. 10091

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ البِدعَةِ في حَيضٍ أو في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، فهوَ مَحظورٌ مُحرَّمٌ بوِفاقٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا المَحظُورُ فالطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، أجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأمصَارِ وكُلِّ الأَعْصارِ عَلى تَحريمِهِ، ويُسمَّى طَلاقَ البدعَةِ؛ لأنَّ المُطَلِّقَ خالَفَ السُّنَّةَ وترَكَ أمْرَ اللهِ تعالَى ورَسولِه (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لِمَدخُولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّه يقَعُ (٣). وعامَّةُ العُلماءِ عَلى أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هَذا، وأنَّه مُحرَّمٌ بِدعيٌّ. قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفَسَاءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (٤). وقالَ الإمامُانِ ابنُ حَجرٍ والرَّملِيُّ: ويَحرُمُ البدعيُّ، وهوَ طلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسُوسَةً -أي: مَوطُوءَةً- وقد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (٥).

стр. 10092

وسَيأتي بَيانُ ذلكَ في قِسمِ الطَّلاق السُّنيِّ والبِدعيِّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. الحالةُ الثَّانيَةُ: قالَ المالِكيَّةُ: قَدْ يَحْرُمُ الطَّلاقُ لَو عَلِمَ أنَّه إنْ طلَّقَها وقَعَ في الحَرامِ كالزِّنا ولا قُدرةَ له على زَواجِ غَيرِها (١). محاسنُ الطَّلاق: قالَ الحَنفيَّةُ: مِنْ مَحاسِنِ الطَّلاقِ التَّخلُّصُ بهِ مِنْ المَكارِهِ الدِّينيةِ والدُّنيويَّةِ، ومِنها جَعْلُه بِيَدِ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ؛ لاختِصاصِهنَّ بنُقصانِ العَقلِ وغَلبَةِ الهوَى ونُقصانِ الدِّينِ، وعَن ذَلكَ سَاءَ اختِيارُهنَّ وسَرُعَ اغتِرارُهنَّ، وعنهُ كانَ أكثَرُ شُغلِهنَّ بالدُّنيا وتَرتيبِ المَكايدِ وإفشاءِ سرِّ الأزواجِ وغَيرِ ذلكَ. ومِنها شَرْعُه ثلاثًا؛ لأنَّ النَّفسَ كَذوبَةٌ ربُّما تظْهَرُ عَدمُ الحاجَةِ إلَيها أو الحاجَةُ إلى ترْكِها وتُسَوِّلُه، فإذا وقَعَ حصَلَ النَّدمُ وضاقَ الصَّدرُ بهِ وعِيلَ الصبْرُ، فشَرَعَه ثَلاثًا ليُجرِّبَ نفْسَه في المرَّةِ الأُولى، فإنْ كانَ الواقِعُ صِدْقَها استَمرَّ حتَّى تَنقضِيَ العدَّةُ وإلَّا أَمكنَهُ التَّدارُكُ بالرَّجعَةِ، ثمَّ إذا عادَتِ النَّفسُ إلى مِثلِ الأوَّلِ وغَلبَتْه حتَّى عادَ إلى طَلاقِها نظرَ أيضًا فيمَا يَحدُثُ لهُ، فما يُوقِعُ الثالثةَ إلَّا وقَد جرَّبَ وفَقِهَ في حالِ نفْسِه، وبعَددِ الثَّلاثِ تَبلَى الأعذارُ (٢).

стр. 10093

لماذا جُعِلَ الطلاقُ بِيَدِ الزَّوجِ وليسَ المرأة؟ قالَ الإمامُ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: فإنْ قيلَ: لِمَ جُعِلَ الطَّلاقُ بيَدِ الرِّجالِ ودُونَ النِّساءِ؟ قُلنا: لِوُفورِ عُقولِ الرِّجالِ ومَعرِفتِهم بما هوَ الأصلَحُ مِنَ الطَّلاقِ والتَّلاقِ والاتِّصالِ والافتِراقِ. فإنْ قيلَ: لِمَ جُوِّزَ للرِّجالِ الطَّلاقُ معَ ما فيهِ مِنْ كَسرِ النِّساءِ وأذِيَّتِهنَّ؛ لأنَّ الرَّجلَ قد يَكرهُ المرأةَ ويَسوُءُها لسُوءِ أخلاقَها أو لدَمامَةِ خَلْقِها أو لسَببٍ مِنْ الأسبابِ، فلو أُلزِمَ بإمساكِها فيمَا بقيَ مِنْ عُمرِه بحَيثُ لا يَقدِرُ على دَفعِ ذلكَ الضَّررِ لَعَظُمَ الإضرارُ بالرِّجالِ (١). لماذا لم يُقتَصِرِ الطلاقُ على مرةٍ واحدةٍ؟ قالَ الإمامُ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: فإنْ قيلَ: فهَلَّا شُرِعَ الطَّلاقُ مرَّةً واحِدةً؛ كِيلَا يَتكرَّرَ على النِّساءِ كَسرُ الطَّلاقِ معَ ما فيهِ مِنْ شِدَّةِ البَلاءِ وشَماتةِ الأعداءِ؟ قُلنا: لو جَوَّزَ الشَّرعُ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ حَصْرٍ لَعَظُمَ الإضرارُ بالنِّساءِ، ولو قُصِرَ على مرَّةٍ واحدةٍ لَتَضرَّرَ الرِّجالُ؛ فإنَّ النَّدمَ يَلحقُ المُطلِّقَ بعْدَ انقضاءِ العِدَّةِ في كثيرٍ مِنْ الأحوالِ، فقُصِرَ الطَّلاقُ على الثَّلاثِ لأنَّ الثَّلاثِ قد اعترفَتْ في مَواطِنِ الشَّريعةِ، كإحْدَادِ النِّساءِ على المَوتَى والتَّهاجُرِ بيْنَ أهلِ الإسلامِ (٢).

стр. 10094

أقسامُ الطَّلاقِ: قَسَّمَ الفُقهاءُ الطَّلاقَ مِنْ حَيثُ وصْفِه الشَّرعيِّ إلى طَلاقٍ سُنِّيٍّ وطَلاقٍ بِدعِيٍّ وطَلاقٍ ليسَ بسُنِّيٍّ ولا بِدعِيٍّ. أوَّلاً: الطَّلاقُ السُّنِّيُّ: الطَّلاقُ السُّنِّيُّ نَوعانِ: نَوعٌ يَرجِعُ إلى العَددِ ونَوعٌ يَرجعُ إلَى الوَقتِ، ولهُ صُورٌ بَعضُها مُجمَعٌ عَليها وبَعضُها مُختلَفٌ فيها: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَه المدخُولَ بها في طُهرٍ لم يُجامِعْها فيه طَلقةً واحِدةً ثمَّ يَتركَها حتَّى تَنقضِيَ عدَّتُها. وهَذا النَّوعُ ثَبتَتْ سُنِّيتُه وأنَّهُ طَلاقٌ سُنِّيٌّ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُهُ تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ مَسعُودٍ ﵄: «يَعنِي طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ» (١). وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ سالمٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حَائضٌ، فذَكَرَ ذلكَ عُمرُ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ ليُطَلِّقْها طاهرًا أو حامِلًا» (٢).

стр. 10095

وأمَّا الإجماعُ فقَدْ ذكَرَ جَمعٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على ذلكَ. قالَ الإمامُ التِّرمذِيُّ ﵀ بعَد أنْ ذكَرَ حَديثَ ابنِ عُمرَ السَّابقِ: والعَملُ على هَذا عِنْدَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهم أنَّ طلاقَ السُّنةِ أنْ يُطلِّقها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ (١). وقالَ الإمَامُ المَروزيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ الرَّجلَ إذا أرادَ أنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ للسُّنةِ وهيَ مِمَّنْ تَحيضُ أنَّه إنْ أمهَلَها حتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيضِها ثمَّ طلَّقَها مِنْ قبْلِ أنْ يُجامِعَها واحِدةً ثمَّ ترَكَها حتَّى تنقَضيَ عِدَّتُها ولَم يُطلِّقْها غيْرَ تلكَ التَّطليقَةِ أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنةِ، وهوَ أَمْلَكُ بِرَجعَتِها ما دامَتْ في العدَّةِ، فإذا انقضَتْ عِدَّتُها فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطباءِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأَجمَعُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ لِلسُّنَّةِ: أنْ يُطلِّقِها طاهِرًا في قُبُلِ عِدَّتِها (٣). وقالَ: وأجمَعُوا عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه واحِدةً وهيَ طاهِرٌ مِنْ حَيضةٍ لم يُطلِّقْها قَبْلَها ولَم يكنْ جامَعَها في ذلكَ الطُّهرِ أنَّه مُصيبٌ للسُّنَّةِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعُوا أنَّه مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طاهِرًا في

стр. 10096

طُهْرٍ لَم يَمسَّها فيهِ أنَّه مُطلِّقٌ لِلسُّنَّةِ والعِدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها، وأنَّ لهُ الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بها قبْلَ أنْ تَنقضِي العدَّةُ، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وقَد أجمَعُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ لِلعدَّة أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ لا حائضًا (٢). وقالَ أيضًا: وأجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه وهيَ طاهِرٌ طُهرًا لَم يَمسَّها فيهِ بعْدَ أنْ طَهُرتْ مِنْ حَيضتِها طَلقةً واحِدةً ثمَّ ترَكَها حتَّى تنقِضيَ عدَّتُها أو راجَعَها مُراجَعةً رَغبةً أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ وأنَّه قدْ طلَّقَ لِلعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ بها (٣). وقالَ الإمَامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ المُطلِّقَ للسُّنَّةِ في المدخُولِ بها هوَ الَّذي يُطلِّقُ امرَأتَه في طُهرٍ لَم يَمَسَّها فيهِ طلقَةً واحِدةً، وأنَّ المُطلِّقَ في الحَيضِ أو الطُّهرِ الَّذي مَسَّها فيهِ غَيرُ مُطلِّقٍ لِلسُّنةِ (٤). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طاهِرًا في طُهرٍ لَم يمَسَّها فيهِ أنَّهُ مُطلِّقٌ لِلسُّنةِ وللعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها،

стр. 10097

وأنَّ لهُ الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بهَا قبْلَ أنْ تَنقَضيَ عدَّتُها، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنَ الخُطَّابِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّهُ إذا طلَّقَها في طُهرٍ لَم يُصبْها فيهِ ثمَّ ترَكَها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها أنَّه مُصيبٌ لِلسُّنةِ مُطلِّقٌ للعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ بها، قالَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ المُنذِرِ، وقالَ ابنُ مَسعُودٍ: «طَلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَها مِنْ غَيرِ جِماعٍ»، وقالَ في قَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قالَ: «طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ»، ونَحوُه عَنِ ابنِ عبَّاسٍ. وفي حَديثِ ابنِ عُمرَ الَّذي رَوَيناهُ: «لِيَترُكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يمَسَّ، فتلكَ العِدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لهَا النِّساءُ»، فأمَّا قَولُه: «ثمَّ يَدَعها حتَّى تَنقَضيَ عِدَّتُها» فمَعناهُ أنَّه لا يُتبِعُها طلاقًا آخَرَ قبْلَ قَضاءِ عدَّتِها (٢). ولأنَّ هَذا الطَّلاقَ أبعَدُ مِنَ النَّدامَةِ، حَيثُ أبقَى لنَفسهِ مُكْنةَ التَّداركِ بالمُراجَعةِ في العدَّةِ، وبتَجديدِ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ تَحلُّلٍ بِزَوجٍ آخَرَ (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أَحسَنُ الطَّلاقِ في ذَواتِ القُرْءِ أنْ يُطلِّقَها طَلقَةً واحَدةً رَجعيَّةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ ولا طَلاقَ، ولا في حَيضَةٍ طَلاقٌ،

стр. 10098

ولا جِماعٍ، ويَتْركُها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها؛ ثَلاثُ حَيضاتٍ إنْ كانَتْ حُرَّةً، وإنْ كانَتْ أمَةً حَيضتانِ. والأصلُ فيهِ ما رُوِيَ عَنْ إبراهِيمَ النَّخَعيِّ ﵀ أنَّهُ قالَ: «كانَ أصحَابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَستَحسِنونَ أنْ لا يُطلِّقُوا لِلسُّنةِ إلَّا واحِدةً، ثمَّ لا يُطلِّقُوا غيْرَ ذلكَ حتَّى تَنقضيَ العِدَّةُ»، وفي رِوايةٍ أُخرَى قالَ في الحِكايةِ عَنهُم: «وكانَ ذلِكَ عِنْدَهُمْ أَحسَنُ مِنْ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ ثَلاثةً في ثَلاثةِ أطهارٍ»، وهَذا نَصٌّ في البابِ، ومِثلُه لا يَكذِبُ. ولأنَّ الكَراهةَ لمَكانِ احتِمالِ النَّدمِ، والطَّلاقُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ دَليلٌ علَى عَدمِ النَّدمِ؛ لأنَّ الطُّهرَ الَّذي لا جِماعَ فيهِ زَمانُ كمالِ الرَّغبةِ، والفَحلُ لا يُطلِّقُ امرأتَه في زَمانِ كمالِ الرَّغبةِ إلَّا لشِدَّةِ حاجَتِه إلى الطَّلاقِ، فالظَّاهرُ أنَّه لا يَلحقُه النَّدمُ، فكانَ طلاقُه لِحاجةٍ فكانَ مَسنُونًا، ولو لَحِقَه النَّدمُ فهوَ أقرَبُ إلى التَّدارُكِ مِنَ الثَّلاثِ في ثَلاثةِ أطْهارٍ، فكانَ أحسَنَ. وإنَّما شَرَطْنا أنْ يَكونَ في طُهرٍ لا طلاقَ فيهِ؛ لأنَّ الجَمْعَ بيْنَ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ أو الطَّلقتَينِ في طُهرٍ واحدٍ مَكرُوهٌ عِندَنا. وإنَّما شَرَطْنا أنْ لا يَكونَ في حَيضةِ جِماعٍ ولا طَلاقٍ؛ لأنَّه إذا جامَعَها في حَيضِ هذا الطُّهرِ احتُمِلَ أنَّه وقَعَ الجِماعُ مُعلَّقًا فيَظهَرُ الحبَلُ فيَندَمُ عَلى صَنيعِه، فيَظهَرُ أنَّه طلَّقَ لا لِحاجةٍ، وإذا طلَّقَها فيهِ فالطَّلاقُ فيهِ بمَنزلةِ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي بعْدَهُ؛ لأنَّ تلكَ الحَيضةَ لا يُعتَدُّ بها، ولو طَلَّقَها

стр. 10099

في الطُّهرِ يُكرَهُ لهُ أنْ يُطلِّقَها أُخرَى فيهِ، فكذا إذا طلَّقَها في الحيضِ ثمَّ طهُرَتْ (١). الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يُطلِّقَها ثلاثَ طَلقاتٍ في ثَلاثِ حَيضاتٍ لَم يُجامِعْها فيها: بأنْ يُطلِّقَ زَوجَتَه المدخُولَ بها على إثْرِ كلِّ حَيضٍ تَطليقةً في طُهرٍ لا جماعَ فيهِ، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، فقَد وقَعَ عليها ثَلاثُ تَطلِيقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتها حيضتانِ، فإذا حاضَتْ أُخرَى انقَضَتْ عِدَّتُها. اختَلفَ الفُقهاءُ في هذهِ الصُّورَةِ، هَلْ المُطلِّقُ على هذهِ الصُّورةِ يَكونُ مُطلِّقًا للسُّنةِ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ أنَّه يكونُ بذلكَ مُطلِّقًا للسُّنةِ. قالَ الحنفيَّةُ: الرَّجلُ إذا طلَّقَ زوجَتَه المدخُولَ بها ثلاثَ طَلقاتٍ في ثلاثِ حَيضاتٍ -بأنْ يُطلِّقَها على إثْرِ كُلِّ حَيضٍ تَطليقةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا حاضَتْ وطهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، فقَد وقَعَ عليها ثلاثُ تَطليقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتها حيضتانِ، فإذا حاضَتْ أُخرَى انقَضَتْ عِدَّتُها- فذلكَ طَلاقٌ سُنِّيٌ. والدَّليلُ عَلى أنَّهُ طلاقُ سُنَّةٍ قولُه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ، كَذا فسَّرَهُ رَسولُ اللهِ؛ فإنَّهُ رُويَ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ

стр. 10100

﵄ «طلَّقَ امرأتَهُ حالَةَ الحَيضِ فسَألَ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : أَخطأْتَ السُّنةَ، ما هَكذا أمَرَكَ ربُّكَ، إنَّ مِنَ السُّنّةِ أنْ تَستَقبِلَ الطُّهرَ استِقبالًا فتُطَلِّقَهَا لِكلِّ طُهرٍ تطليقَةً، فتلكَ العِدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» (١). فسَّرَ رَسولُ اللهِ الطَّلاقَ لِلعدَّةِ بالثَّلاثِ في ثلاثةِ أطهارٍ، واللهُ أمَرَ بهِ، وأدنَى درَجاتِ الأمْرِ لِلنَّدبِ، والمَندوبُ إليهِ يكونُ حسَنًا، ولأنَّ رَسولَ اللهِ نصَّ على كَونِه سُنَّةً حَيثُ قالَ: «إنَّ مِنْ السُّنةِ أنْ تَستقبِلَ الطُّهرَ استِقبالًا فتُطَلِّقَها لِكلِّ طُهرٍ تطليقةً». والدَّليلُ عليهِ ما رُويَ عَنْ إبراهيمَ النَّخَعيِّ في حِكايتِه عنِ الصَّحابةِ ﵃ أجمَعينَ: «وكانَ ذلكَ عِنْدَهُمْ أحسَنَ مِنْ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَهُ ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ»، وإذا كانَ ذلكَ أحسَنَ مِنْ هذا كانَ هذَا حسَنًا في نفْسِه ضَرورةً.

стр. 10101

ولأنَّ الإنسانَ قَدْ يَحتاجُ إلى حَسمِ بابِ نِكاحِ امرَأتِه عَلى نفْسِه؛ لِمَا ظهَرَ لهُ أنَّ نِكاحَها ليسَ بسَببِ المَصلحةِ لهُ دُنيَا ودِينًا، لكنْ يَميلُ قَلبهُ إليها لحُسنِ ظاهِرِها، فيَحتاجُ إلى الحَسمِ على وَجهٍ يَنسَدُّ بابُ الوُصولِ إليها ولا يَلحقُه النَّدمُ، ولا يُمكِنُه دفْعُ هذهِ الحاجَةِ بالثَّلاثِ جُملةً واحِدةً؛ لأنَّها تُعقِبُ النَّدَم عسَى، ولا يُمكِنُه التَّداركُ فيَقعُ في الزِّنَا، فيَحتاجُ إلى إيقاعِ الثَّلاثِ في ثلاثةِ أطهارٍ، فيُطلِّقُها تَطليقةً رَجعيَّةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ ويُجرِّبُ نفْسَه أنْ هَلْ يُمكِنُه الصَّبْرُ عنها، فإنْ لَم يُمكِنْه راجَعَها، وإنْ أَمكَنَه طلَّقَها تطليقةً أُخرَى في الطُّهرِ الثَّاني، ويُجرِّبُ نفْسَه، ثمَّ يُطلِّقُها ثالِثةً في الطُّهرِ الثَّالثِ، فيَنحسِمُ بابُ النِّكاحِ عَليهِ مِنْ غَيرِ نَدمٍ يَلحقُه ظاهِرًا أو غالِبًا، فكانَ إيقاعُ الثَّانيةِ والثَّالثةِ في الطُّهرِ الثَّاني والثَّالثِ طلاقًا لحاجَةٍ، فكانَ مَسنُونًا، على أنَّ الحُكمَ تَعلَّقَ بدَليلِ الحاجَةِ لا بحَقيقتِها؛ لكَونِها أمْرًا باطِنًا لا يُوقَفُ عليهِ إلَّا بدَليلٍ، فيُقامُ الطُّهرُ الخالِي عنِ الجِماعِ مَقامَ الحاجَةِ إلى الطَّلاقِ، فكانَ تَكرارُ الطُّهرِ دليلَ تَجدُّدِ الحاجَةِ، فيُبنَى الحُكمِ عَليهِ. ثمَّ إذا وقَعَ عَليها ثلاثُ تَطليقاتٍ في ثلاثةِ أطهَارٍ فقَدْ مضَى مِنْ عِدَّتِها حَيضتانِ؛ لأنَّ العِدَّةَ بالحيضِ عِندَنا، وبَقيَتْ حَيضةٌ واحِدةٌ، فإذا حاضَتْ حَيضةً أُخرَى فقَدِ انقَضَتْ عِدَّتُها … وإنْ كانَتْ مِنْ ذَواتِ الأشهُرِ طلَّقَها واحِدةً رَجعيَّةً، وإذا مضَى شَهرٌ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا مضَى شَهرٌ طلَّقَها أُخرَى، فقَدْ وقَعَ عَليها ثَلاثُ

стр. 10102

تَطليقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتِها شَهرانِ وبَقيَ شَهرٌ واحِدٌ مِنْ عِدَّتِها، فإذا مَضَى شهرٌ آخَرُ فقَدِ انقَضَتْ عِدَّتُها … وإنْ كانَتْ حامِلًا فكَذلكَ في قَولِ أبِي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ يُطلِّقُها ثلاثًا للسُّنَّةِ، ويَفصِلُ بيْنَ كلِّ طلاقَيهَا بشَهرٍ، وقالَ مُحمدٌ وزُفرُ: لا يُطلِّقُ الحامِلَ للسُّنَّةِ إلَّا طَلقةً واحِدةً (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا أرادَ أنْ يُطلِّقَ ثلاثًا فالأَولى والمُستحبُّ أنْ يُفرِّقَها في ثلاثةِ أطهارٍ، فيُطلِّقُ في كلِّ طُهرٍ واحِدةً، ولا يَجمَعُهنَّ في طُهرٍ؛ ليَخرجَ بذلكَ مِنَ الخلافِ وليَأمنَ بهِ ما يَخافُه (٢). وذهبَ المالكيَّةُ والحنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَه في ثلاثةِ أطهارٍ دُونَ رَجعةٍ أنَّه حَرامٌ وأنَّه لا يَكونُ مُطلِّقًا للسُّنةِ. قالَ المالكيَّةُ: الطَّلاقُ للسُّنةِ هيَ الصُّورةُ الأُولى فقطْ، وهوَ أنْ يُطلِّقَها طَلقةً واحِدةً فقطْ ويَتركَها حتَّى تَنتهيَ عدَّتُها، ولا يُطلِّقُ في كُلِّ طهرٍ طَلقةً، فإنْ فعَلَ فتكونُ الأُولى للسُّنةِ والأُخرَيانِ للبِدعةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وذلكَ يُوجِبُ أنْ يُطلِّقَ طلاقًا يُوجِبُ عِدَّةً في حالٍ تَعتدُّ منهُ،

стр. 10103

وهذا الطَّلاقُ الثَّاني والثَّالثُ لا يُوجِبُ عِدَّةً، فكانَ مُوقَعًا على خِلافِ المأمُورِ بهِ، ولأنَّه تعالَى قالَ عَقيبَهُ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وذلكَ يُفيدُ ما دُونَ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الثَّلاثَ لا رَجعةَ فيها، ولا يُمكِنُ تَلافيها، ولأنَّه أَردفَ طَلاقًا مِنْ غيرِ ارتِجاعٍ؛ فلَم يَكنْ للسُّنةِ، أَصلُه إذا طلَّقَ في الطُّهرِ الواحدِ ثلاثًا، ولأنَّه طَلاقٌ لِمدخُولٍ بها لا يُوجِبُ عِدَّةً؛ فلَم يكنْ للسُّنةِ، أَصلُه ما ذكَرْناه، ولأنَّ المعنَى الَّذي لهُ لا يُمكِنُه تَلافيهِ بالرَّجعةِ، وهذا مَوجودٌ في المُطلِّقِ ثلاثًا في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةً؛ لأنَّ تَفريقَهُ لا يُخرِجُه عنِ النَّدمِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا مُجتمِعاتٍ في طُهرٍ لَم يَمسَّها فيهِ، أو أَردفَها في كُلِّ طُهرٍّ منَ الأطهارِ الَّتي يُعتَدُّ بها في عِدَّتِها تَطليقةً بعْدَ أنْ طلَّقَها واحِدةً في طُهرٍ لَم يمَسَّها فيهِ، هَلْ هوَ بِهذَينِ الفِعلَينِ أو بأحَدِهما مُطلِّقٌ للسُّنةِ أم لا؟ فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: طَلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَ طَلقةً في طُهرٍ لم يمسَّ فيهِ، ولَو كانَ في آخِرِ ساعةٍ مِنهُ، ثمَّ لا يمَسُّها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها، وذلكَ بظُهورِ أوَّلِ الحَيضةِ الثَّالثةِ في الحُرَّةِ، أو الحَيضةِ الثَّانيةِ في الأمَةَ، فيَتمُّ للحُرَّةِ ثلاثةُ

стр. 10104

أقراءٍ وللأمَة قُرْآنِ، والقُرْءُ الطُّهرُ المُتَّصلُ بالدَّمِ عِندهُم، فإنْ طلَّقَها في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةً أو طلَّقَها ثلاثًا مُجتمِعاتٍ في طُهرٍ لَم يَمسَّها فيهِ فقَدْ لَزمَه، وليسَ بمُطلِّقٍ للسُّنَّةِ عِنْدَ مالكٍ وجُمهورِ أصحابِه، وهوَ قَولُ الأَوزاعيِّ وأبِي عُبيدٍ. وقالَ أَشهَبُ: لا بأسَ أنْ يُطلِّقَها في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةٍ، ما لَم يَرتجِعْها في خلالِ ذلكَ وهوَ يُريدُ أنْ يُطلِّقَها ثانيةً، فلا يَسعُه ذلكَ؛ لأنَّهُ يُطوِّلُ العِدَّةَ عليها، فإذا لَم يَرتجِعْها فلا بأسَ أنْ يُطلِّقَها في كُلِّ طُهرٍ مرَّةً، وعلى هَذا يخرجُ ما رَواهُ يحيَى بنُ يحيَى في «المُوطَّأ» في تَفسيرِ قراءَةِ ابنِ عُمرَ: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ قالَ يحيَى: قالَ مالِكٌ: يُريدُ بذلكَ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَهُ في كُلِّ طُهرٍ، وهذا التَّفسيرُ لَم يَرْوِه أحَدٌ عَنْ مالِكٍ في «المُوَطَّأ» غَيرُ يحيَى، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ: قالَ أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ واحدةً ويَدعَها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها، وهذا قَولُ مالكٍ (٢). وقالَ الحنابلَةُ: إنْ طلَّقَها ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ قبْلَ رَجعةٍ حَرُمَ ذلكَ نَصًّا، لا إنْ طَلَّقَها اثنتَينِ فلا يَحرُمُ؛ لأنَّهُما لا يَمنعانِ مِنْ رَجعتِها إذا نَدِمَ، فلَم يَسُدَّ المَخرجَ على نفْسِه؛ لكُونِه فوَّتَ على نفْسِه طَلقةً جعَلَها اللهُ لهُ مِنْ غَيرِ فائِدةٍ تَحصُلُ لهُ بها، فكانَ مَكرُوهًا كتَضييعِ المالِ.

стр. 10105

ولا بِدعَةَ فيهَا -أي الثَّلاث- بعَدْ رَجعةٍ أو عَقدٍ، كأنْ طلَّقَها طَلقةً ثمَّ راجَعَها، أو عقَدَ عَليها ثُمَّ طلَّقَها أُخرَى ثمَّ راجَعَها، أو عقَدَ عَليها ثمَّ طلَّقَها الثَّالثةَ (١). الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يُطلِّقَها طَلقتَينِ أو ثَلاثةً بلَفظٍ واحدٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ أو في طُهرٍ واحدٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زوجتَهُ ثَلاثَ طَلقاتٍ في طُهرٍ واحدٍ أو في كَلمةٍ واحدةٍ «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو في مَجلسٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالقٌ»، هل يكونُ بذلكَ مُطلِّقًا للسُّنَّةِ أم لِلبدعَةِ أم مُباحًا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ والإمامُ أحمدُ في روايةٍ اختارَها الخِرَقِيُّ وغيرُه مِنْ الحنابلَةِ إلى أنَّه لو طلَّقَ ثلاثًا في طُهرٍ لم يُصِبْها فيهِ أو في كَلمةٍ واحِدةٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ لا يكونُ بِدعةً، وإنَّما هوَ مُباحٌ، وقالَ الخرقِيُّ: يكونُ أيضًا للسنَّةِ وتارِكًا للاختيارِ. واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقولِهِ ﷺ : «ثمَّ لِيُطلِّقْها طاهرًا أو حامِلًا» (٢)، ولمْ يُفرِّقْ بيْنَ أنْ يُطلِّقَها واحدةً أو ثلاثًا، فلَو كانَ الحكْمُ يَختلِفُ لبيَّنَهُ.

стр. 10106

ورُويَ: «أنَّ عُويمرًا العجْلانِيَّ لاعَنَ امرأتَهُ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ قالَ: «كذَبْتُ عليها يا رسُولَ اللهِ إن أمْسَكْتُها، فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ » فموضِعُ الدَّليلِ: أنَّ العجْلانِيَّ لم يَعلمْ أنَّها قد بانَتْ منهُ باللِّعانِ، فطلَّقَها ثلاثًا بِحضرةِ النَّبيِّ ﷺ ، ولم يُنكرِ النَّبيُّ ﷺ إيقاعَهُ الثَّلاثَ، فلو كانَ مُحرَّمًا أو كانَ لا يَقعُ .. لَأنكرَهُ. ورَوى الإمامُ الشَّافعيُّ عنْ عمِّه مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ شافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ عن نافعِ بن عُجيرِ بنِ عبدِ يَزيدَ أنَّ رُكانةَ بنَ عبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ سُهَيمةَ الْبَتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ ما أَردتَ إلَّا واحدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١). فدلَّ على أنَّهُ لو أرادَ الثَّلاثَ وقَعْنَ؛ إذْ لو لَم يَقعْنَ لم يكنْ لِاستِحلافِه معنًى. ورُويَ «أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ قالَ للنَّبيِّ ﷺ : «أَرأيْتَ لَو طَلَّقتُها ثلاثًا؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَبَنْتَ امرأتَكَ وعَصَيتَ ربَّكَ».

стр. 10107

وفي حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ «أنَّ زَوْجَها أَرسَلَ إليها بثلاثِ تَطليقاتٍ» (١). ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ جازَ جَمعُهُ، أَصلُهُ طلاقُ الزَّوجاتِ يَجوزُ أنْ يَجمَعَهنَّ في الطَّلاقِ وأنْ يُفرِّقَهنَّ. ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تفريقُهُ في الأَطهارِ جازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ، أصلُهُ إذا طلَّقَ في طُهرٍ ثمَّ راجَعَ فيهِ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ. ولأنَّ الثَّلاثَ لفظٌ يقطَعُ الرَّجعةَ فجازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ كالواحِدةِ بعدَ اثنتَينِ أو كالخُلعِ (٢). وذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ في وقتٍ واحدٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ مُحرَّمٌ وبِدعةٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فهذهِ الآيةُ تَضمَّنَتِ الأمرَ بإيقاعِ الاثنتَينِ في مَرَّتَينِ، فمَن أَوقعَ الاثنتَينِ في مَرَّةٍ فهوَ مخالِفٌ لِحكْمِها، وممَّا يَدلُّ على ذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وظاهِرُه يَقتَضي تحريمَ الثَّلاثِ؛ لِمَا فيها مِنْ تَحريمِ ما أَحلَّ لنَا مِنْ الطَّيباتِ، والدَّليلُ على أنَّ الزَّوجاتِ قد

стр. 10108

تَناولَهنَّ هذا العُمومُ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فوجَبَ بحقِّ العُمومِ حظْرُ الطلاقِ المُوجِبِ لِتَحريمِها، ولولا قِيامُ الدَّلالةِ في إباحةِ إيقاعِ الثَّلاثِ في وقتِ السنَّةِ وإيقاعِ الواحدةِ لغَيرِ المَدخولِ بها لاقتَضَتِ الآيةُ حظْرَه، ومِن جهةٍ أُخرى مِنْ دلائلِ الكتابِ أنَّ اللهَ تعالَى لم يُبِحِ الطَّلاقَ ابتِداءً لِمَنْ تَجبُ عليها العِدَّةُ إلَّا مَقرُونًا بذكْرِ الرَّجعةِ، منها قولُهُ تَعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقولُهُ تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فلم يُبحِ الطَّلاقَ المُبتدَأَ لِذواتِ العِدَدِ إلَّا مَقرونًا بذكْرِ الرَّجعةِ، وحكْمُ الطَّلاقِ مأخوذٌ مِنْ هذهِ الآياتِ، لَولاها لم يكُنِ الطَّلاقُ مِنْ أحكامِ الشَّرعِ، فلم يَجُزْ لنا إثباتُهُ مَسنُونًا إلَّا على هذهِ الشَّريطةِ وبهذَا الوَصفِ (١).

стр. 10109

قالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: والجَمعُ بيْنَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحِدةٍ بِدعَةٌ، ويَلزَمُ إنْ وقَعَ، وقالَ الشَّافِعيُّ: هوَ مُباحٌ ليسَ بِمَمنوعٍ، وقَالَ بعضُ أهلِ الظِّاهرِ: لا يَقعُ أَصلًا، وبَعضُ المُبتَدِعةِ يَذهَبُ إلى أنَّهُ يقَعُ بهِ واحِدةٌ. ودَليلُنا على أنَّهُ بِدعةٌ قولُه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآيَة، فأمَرَ بالطَّلاقِ للعدَّةِ، وقرَنَه بمَا دلَّ به على أنَّ المُرادَ بهِ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، أي: نَدمًا، فيكونُ للمُطلِّقِ طريقٌ إلى تلافِيهِ بالارتِجاعِ، ثمَّ وصَفَه بما يَقتضِي الإثمَ، وهوَ قولُهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، فدلَّ على ما قُلناهُ. وحديثُ الحسَنِ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ: «يا رسولَ اللهِ أَرأيْتَ لَو أُطلِّقُها ثلاثًا؟ قالَ: «إذًا بانَتْ مِنكَ، وعَصَيتَ رَبَّكَ» (١)، وحديثُ محمودَ بنِ لَبيدٍ الأنصَاريِّ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنْ رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تَطليقاتٍ جَمْعًا، فقامَ غَضباناً فقالَ: «تَلاعبٌ بِكتابِ اللهِ وأنَا بينَ أَظهُرِكمْ؟» (٢). وهذا كالنَّصِ، ولأنَّهُ بيَّنَ هذا الغضَبَ لِهذا الفعلِ الَّذي هوَ الجَمعُ بينَ الثلاثِ في كلمةٍ واحدةٍ، ولأنَّهُ سبَبٌ يَحرُمُ البُضعُ بِفعلِهِ مِنْ غيرِ

стр. 10110

حاجةٍ فوجَبَ كونُهُ مَمنوعًا، أصلُهُ الظِّهارُ، ولأنَّ الجَمعَ بينَ الثَّلاثِ يتعلَّقُ بهِ النَّدمُ في الغالِبِ، وله مَندُوحَةٌ عنه فكانَ المنعُ مُتعلِّقًا بهِ كالطَّلاقِ في الطُهرِ الَّذي تُمَسُّ فيهِ، ولأنَّ الطَّلاقَ يَتضمَّنُ وقتًا وعَددًا، فإذا جازَ أنْ يُؤثِّرَ المنعُ في الوقتِ لحقِّ المرأةَ، وهوَ أنَّهُ يَطوِّلُ عليهَا، فمُنِعَ مِنْ ذلكَ لِيُزيلَ الضَّررَ عَنها، جازَ أنْ يُؤثِّرَ في العَددِ لحقِّ الزَّوجِ، وهو النَّدمُ الَّذي يَلحقُه لِيَزولَ الضَّررُ برفْعِه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: دَلالةُ الكتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ الطَّلاقَ السنَّةَ أنْ يُطلِّقَ طَلقةً واحدةً ثمَّ يُراجِعُها أو يَدعُها حتَّى تَنقضيَ عِدتُها، وأنَّهُ متَى طلَّقَها ثِنتَينِ أو ثَلاثًا قبْلَ رجعةٍ أو عقدٍ جديدٍ فهوَ طلاقُ بدعَةٍ مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخَلفِ، كما هوَ مَذهبُ مالكٍ وأَبي حنيفَةَ وأصحابِهما وأحمدَ في آخرِ قَولَيهِ واختيارُ أكثرِ أصحابِهِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: ولأنَّهُ تَحريمٌ للبُضعِ بقولِ الزَّوجِ مِنْ غيرِ حاجةٍ فحَرُمَ كالظِّهارِ، بلْ هذا أَولَى؛ لأنَّ الظِّهارَ يَرتفعُ تَحريمُهُ بالتَّكفيرِ، وهذا لا سَبيلَ للزَّوجِ إلى رفْعِه بحالٍ، ولأنَّهُ ضرَرٌ وإضرارٌ بنفْسِه وبامرأتِهِ مِنْ غيرِ حاجةٍ، فيَدخلُ في عمومِ النَّهيِ، ورُبَّما كانَ وسيلةً إلى عَودِهِ إليها حرامًا أو بِحيلةٍ لا تُزيلُ التَّحريمَ ووقوعَ النَّدمِ وخسارةَ الدُّنيا والآخرةِ،

стр. 10111

فكانَ أَولَى بالتَّحريمِ مِنَ الطَّلاقِ في الحيضِ الَّذي ضرَرُه بقاؤُها في العدَّةِ أيامًا يَسيرةً، أو الطَّلاقِ في طُهرٍ مسَّها فيه الَّذي ضرَرُه احتِمالُ النَّدمِ بظُهورِ الحَمْلِ، فإنَّ ضرَرَ جمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعفُ على ذلكَ أضعافًا كثيرةً، فالتَّحريمُ ثَمَّ تَنبيهٌ على التَّحريمِ هاهُنا؛ ولأنَّهُ قولُ مَنْ سمَّيْنا مِنْ الصَّحابةِ -عُمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ- رواهُ الأثرَمُ وغيرُهُ، ولم يَصحَّ عِندَنا في عَصرِهم خِلافُ قولِهم، فيَكونُ ذلكَ إجماعًا. وأمَّا حديثُ المُتلاعنَينِ فغَيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الفُرقةَ لم تقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعَتْ بمُجرَّدِ لعانِهما، وعندَ الشَّافعيِّ بمُجرَّدِ لعانِ الزَّوجِ، فلا حُجَّةَ فيهِ، ثُمَّ إنَّ اللِّعانَ يوجِبُ تحريمًا مؤبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَهُ كالطَّلاقِ بعدَ انفِساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غَيرِه، ولأنَّ جمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لِمَا يَعقُبُه مِنْ النَّدمِ ويحصلُ بهِ مِنْ الضَّررِ ويُفوِّتُ عليهِ مِنْ حِلِّ نكاحِها، ولا يَحصلُ ذلكَ بالطَّلاقِ بعْدَ اللِّعانِ؛ لحُصولِه باللِّعانِ، وسائرُ الأحاديثِ لم يَقعْ فيها جمْعُ الثَّلاثِ بينَ يَديِ النَّبيِّ ﷺ فيَكونُ مُقِرًّا عليهِ، ولا حضَرَ المُطلِّقُ عندَ النَّبيِّ ﷺ حينَ أُخبِرَ بذلكَ ليُنكرَ عليهِ، على أنَّ حَديثَ فاطِمةَ قد جاءَ فيهِ: «أنَّهُ أَرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقِيَتْ لها مِنْ طلاقِها»، وحديثُ امرأةِ رفاعَةَ جاءَ فيهِ: «أنَّهُ طلَّقَها آخرَ ثلاثِ تطلِيقاتٍ» مُتفَقٌ عليهِ، فلمْ يكنْ في شيءٍ مِنْ ذلكَ جمْعُ الثَّلاثِ، ولا خلافَ بيْنَ الجميعِ في أنَّ الاختيارَ والأَولى أنْ يُطلِّقَ واحدةً ثمَّ يدعَها حتَّى تَنقضيَ عدتُها، إلَّا ما حكَينَا مِنْ قولِ مَنْ قالَ: «إنَّهُ يُطلِّقُها في كلِّ قُرءٍ طلقةً»، والأولُ أَولى؛ فإنَّ في ذلكَ

стр. 10112

امتِثالًا لِأمرِ اللهِ سبحانَهُ، ومُوافَقةً لِقولِ السَّلفِ، وأَمنًا مِنْ النَّدمِ؛ فإنَّهُ متى ندِمَ راجَعَها، فإنْ فاتَهُ ذلكَ بانقِضاءِ عدتِها فلهُ نكاحُها، قالَ محمدُ بنُ سيرينَ: إنَّ عليًّا كرَّمَ اللهُ وجهَهُ قالَ: «لَو أنَّ الناسَ أَخذُوا بما أمَرَ اللهُ مِنَ الطَّلاقِ ما يُتبِعُ رجلٌ نفْسَهُ امرأةً أبدًا، يُطلِّقُها تطليقةً ثمَّ يدَعُها ما بينَها وبيْنَ أنْ تَحيضَ ثلاثًا، فمتَى شاءَ راجَعَها» رواهُ النَّجادُ بإسنادِه. وعَن عبدِ اللهِ قالَ: «مَنْ أرادَ أنْ يُطلِّقَ الطَّلاقَ الَّذي هوَ الطَّلاقُ فلْيُمهلْ حتَّى إذا حاضَتْ ثمَّ طهُرَتْ طلَّقَها تطليقةً في غَيرِ جماعٍ، ثمَّ يدَعُها حتَّى تَنقضيَ عدتُها، ولا يُطلِّقُها ثلاثًا وهيَ حاملٌ فيَجمعُ اللهُ عليهِ نفقَتَها وأجْرَ رَضاعِها، ويُندِمُهُ اللهُ فلا يَستطيعُ إليها سَبيلًا» (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: جَمْعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخلَفِ، وهوَ مَذهبُ مالكٍ وأبي حنيفَةَ وأحمدَ في آخِرِ الروايتَينِ عنهُ، واختِيارُ أكثرِ أصحابِه. ثمَّ هل يقَعُ عندَ هؤلاءِ أو لا يقَعُ؟ أو تقَعُ واحدةً؟ أو يُفرَّقُ بينَ المَدخولِ بها وغيرِ المَدخولِ بها؟ فيهِ نزاعٌ. والنِّزاعُ بينَ السَّلفِ إنَّما هوَ هل تقعُ واحدةٌ أو ثَلاثٌ. وأمَّا القَولُ بأنَّهُ لا يقعُ شيءٌ فإنَّما هوَ مَنقولٌ عن بعضِ أهلِ البِدعِ مِنْ أهلِ الكلامِ والرَّافضةِ.

стр. 10113

وقالتَ طائفةٌ: بل هوَ مُباحٌ. والكَلام في مَقامَينِ: أحدُهُما: أنَّهُ مُحرَّمٌ، والدَّليلُ على ذلكَ الكِتابُ والسنَّةُ وإجماعُ الصَّحابةِ، والاعتِبارُ بالأصولِ المَعلومةِ بالكِتابِ والسنَّةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ فمِن وجوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُبحانَه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومَعلومٌ أنَّ هذهِ السُّورةَ هيَ سورةُ الطَّلاقِ، وقد ذكَرَ اللهُ فيها مِنْ أحكامِ الطَّلاقِ والرَّجعةِ والعِدَدِ ونَفقةِ الحامِلِ والمُرضِعِ وغيرِ ذلكَ ما لم يَذكرْه في موضِعٍ آخَرَ، وهي تدلُّ على تَحريمِ جمْعِ الثَّلاثِ مِنْ وُجوهٍ:

стр. 10114

أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يكونُ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ، فإنَّ الثَّلاثَ لا إمساكَ بَعدَهنَّ، وبعدَ الثَّلاثِ لا يُحدِثُ اللهُ للزَّوجِ رَجعةً بدُونِ رِضاها، ولهذا قالَ غيرُ واحدٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعِينَ والعُلماءِ -كابنِ عبَّاسٍ وجابِرٍ وفاطمةَ بنتِ قيسٍ- وفُقهاءُ الحديثِ ومَن وافَقَهُم مِنْ العُلماءِ: إنَّ هذا في الرَّجعيَّةِ. الثَّاني: أنَّ قولَهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ إذنٌ في مُطلَقِ الطَّلاقِ، ليسَ إذنًا في كلِّ طلاقٍ، ومَن ظنَّ أنَّ هذا عامٌّ فقدْ غلَطَ ولم يُفرِّقْ بينَ العامِّ والمُطلَقِ، فإنَّ قولَ القائِلِ «كُلْ» و «بِعْ» ونحوِ ذلكَ إذنٌ في مُطلَقِ الأكلِ والبَيعِ، لا يَتعرَّضُ للعُمومِ لا بنَفيٍ ولا إثباتٍ، ولهذا لَم يكنْ تقييدُ هذا المُطلَقِ رفعًا لمَدلولِ اللَّفظِ ولا نسخًا لهُ، وإذا لَم يكنْ فيهِ عُمومٌ فهوَ لم يَأذنْ إلَّا في الطَّلاقِ الَّذي وصَفَه، وهوَ أنْ يُطلِّقَ للعدَّةِ وأنْ يُحصِي العدَّةَ ويتَّقِي اللهَ، وأنَّه إذا بلغْنَ أجَلَهنَّ أمْسَكَ بمَعروفٍ أو فارَقَ بمَعروفٍ. وهذهِ الصِّفةُ إنَّما هيَ في الطَّلاقِ دونَ الثَّلاثِ، كمَا أنها إنَّما هيَ في الطَّلاقِ لاستِقبالِ العدَّةِ، فمَن طلَّقَها حائِضًا فلَم يُطلِّقْ كما أمَرَه اللهُ تعالَى، كذلكَ مَنْ لم يُطلِّقِ الطَّلاقَ المَوصوفَ بأنَّ صاحِبَه لا يدرِي لعلَّ اللهَ يُحدِثُ

стр. 10115

بعدَهُ أمرًا، وبأنَّه إذا بلغَتِ المرأةُ أجَلَها فإمَّا أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بمَعروفٍ، فلم يُطلِّقِ الطَّلاقَ الَّذي أمَرَ اللهُ بهِ. الثَّالِثُ: أنَّهُ أمَرَ بإحصاءِ العدَّةِ وأنْ يَتَّقِي اللهَ، وأمَرَ إذا بلغْنَ أجلَهنَّ أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بمَعروفٍ، وهذا لا يحتاجُ إليهِ في الثَّلاثِ، فإنَّ الثَّلاثَ إنَّما يحتاجُ إلى إحصاءِ العدَّةِ لتَحلَّ لغَيرهِ، لا لأجلِ إمساكِهِ وتَسريحِه. الرَّابعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهذا حُكمُ المُطلَّقةِ الرَّجعيَّةِ، فإنَّ زوْجَها أحقُّ بها ما دامَتْ في العدَّةِ، فليسَتْ كالزَّوجةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، ولا كالبائِنِ مِنْ كلِّ وجهٍ، بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فإنَّ لها أنْ تخرُجَ بإذنِ زوْجِها، والبائنُ لزَوْجِها أنْ يُخرجَها بلا إذنِها، فإنَّها لا تَستحِقُّ عليهِ السُّكنى ولا النَّفقةَ، إلَّا أنْ يَختارَ هوَ أنْ يُحصنَها؛ فلهُ إِلزامُها بالسُّكنى لحَقِّه في العدَّةِ، وقد دلَّ على ذلكَ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ الصَّحيحةُ في فاطمةَ بنتِ قيسٍ حيثُ قالَ لهَا: «ليسَ لكِ سُكنى ولا نفقةٌ»، ولم يُعارِضْ ذلكَ أحَدٌ بمُعارَضةٍ صحيحةٍ، فإنَّ القُرآنَ لا يُخالِفَ ذلكَ بل يُوافِقُه، فإنَّ اللهَ قالَ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والضَّميرُ عائِدٌ على ما تَقدَّمَ، وهيَ الرَّجعيَّةُ، وما ذكَرَه في الحامِلِ والمُرضِعِ، فبَيَّنَ فيهِ أنَّ النَّفقةِ حِينَئذٍ لأجْلِ الحَمْلِ لا لأجْلِ النِّكاحِ، ولهذَا قالَ: ﴿حَتَّى

стр. 10116

يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فهَذا ذكرهُ لِغايَةِ نَفقةِ الحَمْلِ، وإلَّا فقَدْ بيَّنَ عدَّةَ الحامِلِ بقولِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقَولِه بعْدَ ذلكَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقَد ثبَتَ بالإجماعِ أنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ نَفقةُ الولَدِ، وهي تَجبُ للنَّسبِ لا للنِّكاحِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ نَفقةَ الحامِلِ لذلكَ. ولهذا كانَ أصَحُّ القولَينِ أنَّ نَفقةَ الحامِلِ تَجبُ للحَمْلِ، وحُكمُها حُكمُ نَفقةِ الولدِ الَّتي تَجبُ على والدهِ، وهَذا مَذهبُ مالكٍ وأحمَدَ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنهُ والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، ومَن قالَ: «إنَّها تَجبُ للزَّوجةِ مِنْ أجْلِ الحَمْلِ» فكَلامُه مُتناقِضٌ لا يُعقَلُ. الخامِسُ: أنَّه قالَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، وهوَ كما قالَ غَيرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحابةِ: «فأيُّ أمْرٍ يَحدُثُ بعْدَ الثَّلاثِ»، فإنَّ اللهَ ذكَرَ هذا ليُبيِّنَ أنَّه قد يَحدُثُ بعْدَ رَغبةٍ في الزَّوجةِ ونَدمٍ على الطَّلاقِ، فيكونُ لهُ سُبيلٌ إلى رَجعتِها. السَّادِسُ: أنَّه قالَ في سِياقِ الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقَد قالَ الصَّحابةُ لِمَنْ طلَّقَ ثلاثًا: «لوِ اتَّقَيْتَ اللهَ لَجَعلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا»، فعُلمَ أنَّ جامِعَ الثَّلاثِ لَم يتَّقِ اللهَ. السَّابعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والإشهَادُ إنَّما يُؤمَرُ بهِ في حُكمِ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، وهوَ واجِبٌ على الرَّجعةِ في أحَدِ القولَينِ، ويُستَحبُّ في الآخَرِ.

стр. 10117

الثَّامِنُ: أنَّه قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: وَصلْنَ إلى آخِرِ المُدَّةِ، فإنَّ الأجَلَ هوَ آخِرُ المُدَّةِ، والعدَّةُ مَجمُوعُها، ولِهذا قالَ تعالَى في الآيِساتِ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، وقالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فجعَلَ الأجَلَ وضْعَ الحَمْلِ، ولَم يَجعلْ ذلكَ عدَّةً؛ لأنَّ العدَّةَ ما يُعَدُّ، وهي المدَّةُ الَّتي تُعَدُّ، وأمَّا الأجَلُ فهو آخِرُ المُدَّةِ. ولهذا دلَّتْ هذهِ الآيَةُ على أنَّ الحامِلَ لا أجَلَ لها إلَّا وضْعُ الحَمْلِ، سواءٌ كانَتْ مُتَّوَفى عنها أو مَدخولًا بها، ولهذا قالَ ابنُ مَسعُودٍ: «أَشهَدُ أنَّ سُورةَ النِّساءِ القُصْرَى نزَلَتْ بعْدَ الطُّولَى»، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ لأنَّه إنَّما يُخيَّرُ بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ عِنْدَ آخِرِ المُدَّةِ، بخِلافِ أثنائِها؛ فإنَّه لا يُسرِّحُها حِينَئذٍ، وهذا إنَّما يكونُ في الرَّجعيَّةِ. التَّاسِعُ: أنَّه خَيَّرَه بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ، وليسَ المُرادُ بالتَّسريحِ هُنا تَطليقًا بائِنًا باتِّفاقِ المُسلمِينَ؛ فإنَّ ذلكَ لا يَختَصُّ ببُلوغِ الأجَلِ، بلِ المُرادُ بهِ تَخليةُ سَبيلِها، كما قالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾، فأمَرَ بتَسريحِ المُطلَّقَةِ قبْلَ المَسيسِ، وتلكَ ليسَتْ رَجعيَّةً ولا يَلحقُها الطَّلاقُ الثَّاني، وإنَّما المُرادُ تَخليةُ سَبيلِها وإزالَةُ يَدِه عنها، فإنَّ لهُ يدًا على الرَّجعيَّةِ، فإذا بانَتْ لَم يكنْ لهُ عَليها يَدٌ (١).

стр. 10118

ثانيًا: الطَّلاق البِدعيُّ: الطَّلاقُ البدعِيُّ لهُ صُورتانِ: الصُّورةُ الأُولَى: أنْ يُطلِّقَها وهيَ حائِضٌ أو نُفَساءُ. الصُّورَةُ الثَّانيةُ: أنْ يُطلِّقَها في طُهرٍ جامَعَها فيهِ. أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ المَرأةِ المَدخولِ بها في الحَيضِ أو في النِّفاسِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَملُها حَرامٌ، ويُسمَّى طلاقَ البدعَةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]. أمَرَ اللَّهُ الرِّجالَ إذا أرادُوا تَطليقَ نسائِهم أنْ يُطلِّقُوهنَّ طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وأنْ يُطلِّقوهنَّ في حالِ استقبالِ عدَّتِهنَّ، ولا يُتَصوَّرُ ذلكَ إلَّا بعْدَ الطُّهرِ مِنْ الدَّمِ، سواءٌ في الحَيضِ أو في النِّفاسِ، ومَن خالفَ ذلكَ فليسَ بمُتَّقٍ للَّهِ (١). وعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فسألَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (٢).

стр. 10119

وفي روايةِ سالِمٌ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ أخبَرَه أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فذَكرَ عمَرُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فتَغيَّظَ فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «لِيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ فتَطهُرَ، فإنْ بدَا لهُ أنْ يُطلِّقَها فلْيُطلِّقْها طاهِرًا قبْلَ أنْ يمَسَّهَا، فتلكَ العدَّةُ كما أمَرَه اللهُ» (١). وإنَّما تَغيَّظَ عليهِ ﷺ مِنْ فِعلِ مُحرَّمٍ (٢). وقدْ نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على حُرمةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ البِدعةِ في حَيضٍ أو في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، فهو مَحظورٌ مُحرَّمٌ بوِفاقٍ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ قاطِبةً -وفي جُملتِهم جَميعُ المُخالِفينَ لنا في ذلكَ- في أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ بِدعةٌ نهَى عنها رَسولُ اللهِ ﷺ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا المَحظورُ فالطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، أجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأمصارِ وكُلِّ الأعصارِ على

стр. 10120

تَحريمِهِ، ويُسمَّى طَلاقَ البدعةِ؛ لأنَّ المُطلِّقَ خالَفَ السُّنةَ وترَكَ أمْرَ اللهِ تعالَى ورَسولِه (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لمَدخولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّه يقَعُ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَكروهٌ لِمَنْ أوقَعَه، وأنَّ مَنْ فعَلَه لَم يُطلِّقْ للعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى، والدَّليلُ على ذلكَ مِنْ أخبارِ الآحادِ العُدولِ تَغيُّظُ رَسولِ اللهِ ﷺ على ابنِ عُمرَ حِينَ فعَلَ ذلكَ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وحصَلَ الإجمَاعُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَمنُوعٌ، وفي الطُّهرِ مأذُونٌ فيهِ (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِ طلاقِ الحائِضِ الحائِلِ بغَيرِ رِضاها، فلَو طَلَّقَها أَثِمَ ووقَعَ طلاقُهُ، ويُؤمَرُ بالرَّجعَةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ (٥). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيةَ ﵀: الطَّلاقُ في الحَيضِ مُحرَّمٌ
следующие страницы →