← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فهَذا ذكرهُ لِغايَةِ نَفقةِ الحَمْلِ، وإلَّا فقَدْ بيَّنَ عدَّةَ الحامِلِ بقولِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقَولِه بعْدَ ذلكَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقَد ثبَتَ بالإجماعِ أنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ نَفقةُ الولَدِ، وهي تَجبُ للنَّسبِ لا للنِّكاحِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ نَفقةَ الحامِلِ لذلكَ. ولهذا كانَ أصَحُّ القولَينِ أنَّ نَفقةَ الحامِلِ تَجبُ للحَمْلِ، وحُكمُها حُكمُ نَفقةِ الولدِ الَّتي تَجبُ على والدهِ، وهَذا مَذهبُ مالكٍ وأحمَدَ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنهُ والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، ومَن قالَ: «إنَّها تَجبُ للزَّوجةِ مِنْ أجْلِ الحَمْلِ» فكَلامُه مُتناقِضٌ لا يُعقَلُ. الخامِسُ: أنَّه قالَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، وهوَ كما قالَ غَيرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحابةِ: «فأيُّ أمْرٍ يَحدُثُ بعْدَ الثَّلاثِ»، فإنَّ اللهَ ذكَرَ هذا ليُبيِّنَ أنَّه قد يَحدُثُ بعْدَ رَغبةٍ في الزَّوجةِ ونَدمٍ على الطَّلاقِ، فيكونُ لهُ سُبيلٌ إلى رَجعتِها. السَّادِسُ: أنَّه قالَ في سِياقِ الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقَد قالَ الصَّحابةُ لِمَنْ طلَّقَ ثلاثًا: «لوِ اتَّقَيْتَ اللهَ لَجَعلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا»، فعُلمَ أنَّ جامِعَ الثَّلاثِ لَم يتَّقِ اللهَ. السَّابعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والإشهَادُ إنَّما يُؤمَرُ بهِ في حُكمِ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، وهوَ واجِبٌ على الرَّجعةِ في أحَدِ القولَينِ، ويُستَحبُّ في الآخَرِ.

стр. 10117

الثَّامِنُ: أنَّه قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: وَصلْنَ إلى آخِرِ المُدَّةِ، فإنَّ الأجَلَ هوَ آخِرُ المُدَّةِ، والعدَّةُ مَجمُوعُها، ولِهذا قالَ تعالَى في الآيِساتِ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، وقالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فجعَلَ الأجَلَ وضْعَ الحَمْلِ، ولَم يَجعلْ ذلكَ عدَّةً؛ لأنَّ العدَّةَ ما يُعَدُّ، وهي المدَّةُ الَّتي تُعَدُّ، وأمَّا الأجَلُ فهو آخِرُ المُدَّةِ. ولهذا دلَّتْ هذهِ الآيَةُ على أنَّ الحامِلَ لا أجَلَ لها إلَّا وضْعُ الحَمْلِ، سواءٌ كانَتْ مُتَّوَفى عنها أو مَدخولًا بها، ولهذا قالَ ابنُ مَسعُودٍ: «أَشهَدُ أنَّ سُورةَ النِّساءِ القُصْرَى نزَلَتْ بعْدَ الطُّولَى»، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ لأنَّه إنَّما يُخيَّرُ بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ عِنْدَ آخِرِ المُدَّةِ، بخِلافِ أثنائِها؛ فإنَّه لا يُسرِّحُها حِينَئذٍ، وهذا إنَّما يكونُ في الرَّجعيَّةِ. التَّاسِعُ: أنَّه خَيَّرَه بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ، وليسَ المُرادُ بالتَّسريحِ هُنا تَطليقًا بائِنًا باتِّفاقِ المُسلمِينَ؛ فإنَّ ذلكَ لا يَختَصُّ ببُلوغِ الأجَلِ، بلِ المُرادُ بهِ تَخليةُ سَبيلِها، كما قالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾، فأمَرَ بتَسريحِ المُطلَّقَةِ قبْلَ المَسيسِ، وتلكَ ليسَتْ رَجعيَّةً ولا يَلحقُها الطَّلاقُ الثَّاني، وإنَّما المُرادُ تَخليةُ سَبيلِها وإزالَةُ يَدِه عنها، فإنَّ لهُ يدًا على الرَّجعيَّةِ، فإذا بانَتْ لَم يكنْ لهُ عَليها يَدٌ (١).

стр. 10118

ثانيًا: الطَّلاق البِدعيُّ: الطَّلاقُ البدعِيُّ لهُ صُورتانِ: الصُّورةُ الأُولَى: أنْ يُطلِّقَها وهيَ حائِضٌ أو نُفَساءُ. الصُّورَةُ الثَّانيةُ: أنْ يُطلِّقَها في طُهرٍ جامَعَها فيهِ. أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ المَرأةِ المَدخولِ بها في الحَيضِ أو في النِّفاسِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَملُها حَرامٌ، ويُسمَّى طلاقَ البدعَةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]. أمَرَ اللَّهُ الرِّجالَ إذا أرادُوا تَطليقَ نسائِهم أنْ يُطلِّقُوهنَّ طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وأنْ يُطلِّقوهنَّ في حالِ استقبالِ عدَّتِهنَّ، ولا يُتَصوَّرُ ذلكَ إلَّا بعْدَ الطُّهرِ مِنْ الدَّمِ، سواءٌ في الحَيضِ أو في النِّفاسِ، ومَن خالفَ ذلكَ فليسَ بمُتَّقٍ للَّهِ (١). وعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فسألَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (٢).

стр. 10119

وفي روايةِ سالِمٌ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ أخبَرَه أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فذَكرَ عمَرُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فتَغيَّظَ فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «لِيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ فتَطهُرَ، فإنْ بدَا لهُ أنْ يُطلِّقَها فلْيُطلِّقْها طاهِرًا قبْلَ أنْ يمَسَّهَا، فتلكَ العدَّةُ كما أمَرَه اللهُ» (١). وإنَّما تَغيَّظَ عليهِ ﷺ مِنْ فِعلِ مُحرَّمٍ (٢). وقدْ نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على حُرمةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ البِدعةِ في حَيضٍ أو في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، فهو مَحظورٌ مُحرَّمٌ بوِفاقٍ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ قاطِبةً -وفي جُملتِهم جَميعُ المُخالِفينَ لنا في ذلكَ- في أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ بِدعةٌ نهَى عنها رَسولُ اللهِ ﷺ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا المَحظورُ فالطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، أجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأمصارِ وكُلِّ الأعصارِ على

стр. 10120

تَحريمِهِ، ويُسمَّى طَلاقَ البدعةِ؛ لأنَّ المُطلِّقَ خالَفَ السُّنةَ وترَكَ أمْرَ اللهِ تعالَى ورَسولِه (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لمَدخولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّه يقَعُ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَكروهٌ لِمَنْ أوقَعَه، وأنَّ مَنْ فعَلَه لَم يُطلِّقْ للعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى، والدَّليلُ على ذلكَ مِنْ أخبارِ الآحادِ العُدولِ تَغيُّظُ رَسولِ اللهِ ﷺ على ابنِ عُمرَ حِينَ فعَلَ ذلكَ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وحصَلَ الإجمَاعُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَمنُوعٌ، وفي الطُّهرِ مأذُونٌ فيهِ (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِ طلاقِ الحائِضِ الحائِلِ بغَيرِ رِضاها، فلَو طَلَّقَها أَثِمَ ووقَعَ طلاقُهُ، ويُؤمَرُ بالرَّجعَةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ (٥). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيةَ ﵀: الطَّلاقُ في الحَيضِ مُحرَّمٌ

стр. 10121

بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، فإنَّهُ لا يُعلَمُ في تَحريمِه نِزاعٌ، وهوَ طلاقُ بِدعةٍ (١). وقالَ أيضًا: فإنْ طَلَّقَها وهيَ حائِضٌ أو وطَأَها وطلَّقَها بعْدَ الوَطءِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَمْلُها فهذا طلاقٌ مُحرَّمٌ بالكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ المُسلِمينَ، وتَنازَعَ العُلماءُ هَلْ يَلزمُ أولا يَلزمُ؟ على قَولينِ: والأظهَرُ أنَّه لا يَلزمُ (٢). وقالَ الكمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإذَا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه في حالِ الحَيضِ وقَعَ الطَّلاقُ … ثمَّ بهذا الإيقاعِ عاصٍ بإجمَاعِ الفُقهاءِ (٣). وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هذا، وأنَّهُ مُحرَّمٌ بِدعيٌّ. قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفساءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (٤). وقالَ الإمامانِ ابنُ حَجَرٍ والرَّملِيُّ: ويَحرُمُ البِدعيُّ، وهوَ طَلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسُوسةً -أي: مَوطُوءَةٍ- وقَد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (٥).

стр. 10122

لو علَّقَ طَلاقَها على شيءٍ ففَعلَتْه وهيَ حائِضٌ: قالَ الشَّافعيةُ: لَو علَّقَ طلاقَ زَوجتِه بدُخولِ دارٍ مَثلًا أو بأيِّ صِفةٍ فليسَ ببدعيٍّ وإنْ كانَ في الحَيضِ، لكنْ يُنظَرُ إلى وقتِ الدُّخولِ، فإنْ وُجدَ في حالِ الطُّهرِ نفَذَ سُنِّيًا، وإنْ وُجدَ في الحَيضِ نفَذَ بدعيًّا وتتَرتَّبُ عليهِ أحكامُ البدعيِّ، لكنْ لا إثْمَ فيهِ. ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنْ وُجدَتِ الصِّفةُ باختيارِهِ أَثِمَ بإيقاعِه في الحَيضِ كإنشائِه الطَّلاقَ فيهِ. ولو قالَ لذاتِ الأقراءِ: «أنتِ طالِقٌ إنْ دخَلْتِ الدَّارَ، أو إنْ قَدِمَ فُلانٌ للسُّنةِ، أو إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأنْتِ طالقٌ للسُّنةِ» فإنْ وُجدَ الشَّرطُ وهيَ في حالِ السُّنةِ طَلُقَتْ، وإنْ وُجدَ وهيَ في حالِ البدعةِ لَم تَطلُقْ حتَّى يَنتهيَ إلى حالِ السُّنةِ فحِينَئذٍ تَطلُقُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ مُعلَّقٌ بأمْرَينِ فاشتُرِطَ حُصولُهُما، وكذا لَو قالَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ للبِدعةِ» فإنْ دخَلَتْ في حالِ البدعَةِ طَلُقَتْ، وإنْ دخَلَتْ في حالِ السُّنةِ لم تَطلُقْ حتَّى يَنتهيَ إلى البدعَةِ. ولو قالَ لِمَنْ لا سُنةَ في طَلاقِها ولا بدعَةَ كغَيرِ المَمْسوسَةِ: «أنتِ طالِقٌ إنْ دخَلْتِ الدَّارَ وإنْ قَدِمَ فُلانٌ للسُّنةِ» فصارَتْ ذاتَ سُنَّةٍ وبدعَةٍ، ثمَّ وُجدَ الشَّرطُ المُعلَّقُ عليهِ، فإنْ وُجدَ في حالِ السُّنةِ طَلُقَتْ، وإنْ وُجِدَ في حالِ البدعَةِ لَم تَطلُقْ حتَّى يَنتهيَ إلى حالِ السُّنةِ، ولَو وُجدَ الشَّرطُ قبْلَ أنْ يَتغيَّرَ حالُها طَلُقَتْ؛ لأنَّه لا سُنةَ في طلاقِها.

стр. 10123

وإذا علَّقَ طَلاقَها بما يَتعلَّقُ باختيارِها ففَعلَتْه مُختارَةً يُحتَملُ أنْ يُقالَ: هوَ كما لَو طلَّقَها بسُؤالِها (١). وقالَ الحنابِلةُ: لَو علَّقَ طلاقَها بقيامِها أو بقُدومِ زَيدٍ فقامَتْ أو قَدمَ زَيدٌ وهيَ حائِضٌ طَلُقَتْ للبِدعةِ؛ لوُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، ولا إثْمَ على المُطلِّقِ؛ لأنَّه لَم يَتعمَّدْ إيقاعَ الطَّلاقِ زمَنَ البدعَةِ. وإنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ إذا قَدمَ زَيدٌ للسُّنةِ» فقَدِمَ في طُهرٍ لَم يُصِبْها فيهِ طَلُقَتْ؛ لوُجودِ الصِّفةِ، وإنْ قَدمَ زَيدٌ في زمانِ البدعَةِ لَم يَقعِ الطَّلاقُ عِنْدَ قُدومِه؛ لأنَّها إذَنْ ليسَتْ مِنْ أهلِ السُّنةِ، فلَم يُوجَدْ تمامُ المُعلَّقِ عليهِ، فإذا صارَتْ إلى زَمانِ السُّنةِ وقَعَ الطَّلاقُ؛ لوُجودِ الشَّرطِ. وإنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ عِنْدَ قُدومِ زَيدٍ» وهيَ غَيرُ مَدخُولٍ بها طَلُقَتْ عندَ قُدومِه، حائضًا كانَتْ أو طاهِرًا؛ لأنَّه لا سُنَّةَ لها ولا بدعَةَ، وإنْ قالَه لها قبْلَ الدُّخولِ وقَدمَ زَيدٌ بعْدَ دُخولِه بها في طُهرٍ لَم يُصِبْها فيهِ طَلُقَتْ حِينَ قُدومِه؛ لِوُجودِ الصِّفةِ؛ لأنَّها إذَنْ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ، وإنْ قَدمَ زَيدٌ زمَنَ البدعةِ لَم تَطلُقْ حتَّى يَجيءَ زمَنُ السُّنةِ ليُوجَدَ الشَّرطُ (٢).

стр. 10124

علَّةُ تحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ والطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في علَّةِ تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ وفي الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه، هَلْ هوَ لِتَطويلِ العدَّةِ أم هوَ أمْرٌ تَعبُّديٌّ؟ فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ والحنابلَةُ أنَّ علَّةَ تَحريمِ الطَّلاقِ في هو تَطويلُ العِدَّةِ على الزَّوجَةِ؛ لأنَّ الحَيضةَ الَّتي طُلِّقَتْ فيها لا تُحسَبُ مِنْ عدَّتِها، ولا الطُّهرُ الَّذي بعْدَها عِنْدَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الحَيضُ»، ولجَوازِ طلاقِ الحامِلِ وطلاقِ غَيرِ المَدخولِ بها في الحَيضِ؛ إذْ لا تَطويلَ فيهما. وإذا طلَّقَها في طُهرٍ أصابَها فيهِ لَم يَأمَنْ أنْ تكونَ حامِلًا مِنْ ذلكَ الجِماعِ فيَندمُ عَلى طلاقِها، ولأنَّها تَكونُ مُرتابَةً فلا يُعلمُ هلْ عَلقَتْ بالوَطءِ فتكونُ عِدَّتُها بالحَملِ، أو لَم تَعلقْ فتكونُ عِدَّتُها بالأقراءِ (١). وذهَبَ المالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ العِلَّةَ في تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ تَعبُّديةٌ، أي كَونُه مِنْ أفرادِ التَّعبُّدِ الَّتي لا تُعلَمُ لها عِلَّةٌ (٢).

стр. 10125

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وتَنازعُوا في علَّةِ منْعِ طَلاقِ الحائِضِ، هَلْ هُوَ تَطويلُ العدَّةِ كما يَقولُه أصحابُ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأكثَرُ أصحابِ أحمَدَ، أو لكَونِه حالَ الزُّهدِ في وَطئِها فلا تَطلُقُ إلَّا في حالِ رَغبَةٍ في الوطءِ؛ لِكَونِ الطَّلاقِ مَمنوعًا لا يُباحُ إلَّا لحاجَةٍ كما يَقولُ أصحابُ أبي حَنيفةَ وأبو الخطَّابِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، أو هوَ تَعبُّدٌ لا يُعقلُ مَعناهُ كما يَقولُهُ بعضُ المالكيَّةِ، على ثلاثةِ أقوالٍ (١). وأمَّا ابنُ القيِّمِ ﵀ فقالَ: قَولُكُم: وكانَ ذلكَ تَطويلًا عليها كما لَو طلَّقَها في الحَيضِ، قيلَ: هَذا مَبنيٌّ عَلى أنَّ العلَّةَ في تَحريمِ طلاقِ الحائِضِ خَشيةُ التَّطويلِ عليها، وكَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ لا يَرضونَ هَذا التَّعليلِ ويُفسِدُونَه بأنَّها لَو رَضيَتْ بالطَّلاقِ فيهِ واختارَتِ التَّطويلَ لَم يُبَحْ لهُ، ولَو كانَ ذلكَ لأجْلِ التَّطويلِ لَم تُبَحْ لهُ بِرضاها، كما يُباحُ إسقاطُ الرَّجعةِ الَّذي هوَ حَقُّ المُطلِّقِ بتَراضيهِما بإسقاطِها بالعِوضِ اتِّفاقًا، وبدُونِه في أحَدِ القَولَينِ، وهَذا هوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ أحمَدَ ومالكٍ، ويَقولونُ: إنَّما حَرُمَ طلاقُها في الحَيضِ؛ لأنَّهُ طلَّقَها في وقْتِ رَغبةٍ عنها، ولَو سَلَّمْنا أنَّ التَّحريمَ لأجْلِ التَّطويلِ عليها فالتَّطويلُ المُضِرُّ أنْ يُطلِّقَها حائضًا فتَنتظِرَ مُضيَّ الحَيضةِ والطُّهرِ الَّذي يَليها ثمَّ تأخَذُ في العِدَّةِ فَلا تكونُ مُستقبِلةً لعدَّتِها بالطَّلاقِ، وأمَّا إذا طُلِّقَتْ طاهِرًا فإنَّها تَستَقبِلُ العدَّةَ عَقيبَ انقضاءِ الطُّهرِ، فلا يَتحقَّقُ التَّطويلُ (٢).

стр. 10126

وقالَ الإمامُ ولِيُّ اللهِ الدَّهلويُّ ﵀: السِّرُّ في ذلكَ -أي في تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ- أنَّ الرَّجلَ قَدْ يُبغِضُ المَرأةَ بُغضةً طَبيعيَّةً ولا طاعةَ لها، مِثلَ كَونِها حائِضًا وفي هَيئةٍ رَثَّةٍ، وقَد يُبغِضُها لمَصلحةٍ يَحكُمُ بإقامتِها العَقلُ السَّليمُ معَ وُجودِ الرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ، وهذهِ هيَ المُتبعَةُ، وأكثرُ ما يكونُ النَّدمُ في الأوَّلِ، وفيهِ يقَعُ التَّراجعُ، وهذا داعيَةُ يَتوقَّفُ تهذيبُ النَّفسِ على إهمالِها وتَركِ اتِّباعِها، وقَد يَشتبهُ الأمرَانِ على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ، فلا بُدَّ مِنْ ضَرْبِ حَدٍّ يَتحقَّقُ بهِ الفَرقُ، فجُعلَ الطُّهرُ مَظنَّةً للرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ، والحَيضُ مَظنَّةً للبُغضةِ الطَّبيعيَّةِ، والإقدامُ على الطَّلاقِ على حينِ رَغبةٍ فيها مَظنَّةً للمَصلحةِ العقليَّةِ، والبقاءُ مُدَّةً طَويلةً على هذا الخاطِرِ معَ تَحوُّلِ الأحوالِ مِنْ حَيضٍ إلى طُهرٍ ومِن رَثاثةٍ إلى زِينةٍ ومِنِ انقِباضٍ إلى انبِساطٍ مَظنَّةً للعَقلِ الصُّراحِ والتَّدبيرِ الخالِصِ، فلذلكَ كُرِهَ الطَّلاقُ في الحَيضِ وأُمِرَ بالمُراجعةِ وتَخلُّلِ حَيضٍ جَديدٍ. وأيضًا: فإنْ طلَّقَها في الحَيضِ؛ فإنْ عُدَّتْ هذهِ الحَيضةُ في العدَّةِ انتقَصَتْ مُدَّةُ العدَّةِ، وإنْ لَم تُعَدَّ تَضرَّرتِ المرأةُ بطُولِ العدَّةِ، سواءٌ كانَ المُرادُ بالقُروءِ الأطهَارُ أو الحِيَضُ، ففِي كُلِّ ذلكَ مُناقَضةٌ للحَدِّ الَّذي ضرَبَهُ اللهُ في مُحكَمِ كتابِه مِنْ ثلاثةِ قُروءٍ. وإنَّما أمَرَ أنْ يكونَ الطَّلاقُ في الطُّهرِ قبْلَ أنْ يَمَسَّها لمَعنيَينِ: أحَدُهما: بَقاءُ الرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ فيها، فإنَّهُ بالجِماعِ تَفترُ سورةُ الرَّغبةِ.

стр. 10127

وثانيهِما: أنْ يكونَ ذلكَ أبعَدَ مِنْ اشتباهِ الأنسابِ (١). إذا طلبَتِ المرأةُ الطَّلاقَ في الحيضِ: قَدْ ذكَرْنا أنَّ علَّةَ تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ هيَ تَطويلُ العدَّةِ على المرأةِ، إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لَو سألَتِ الزَّوجةُ زوْجَها أنْ يُطلِّقَها في الحَيضِ، هَلْ يَحرُمُ أم لا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في قَولٍ والحنابلَةُ في المَذهبِ وبعْضُ المالكيَّةِ إلى أنَّ المرأةَ إذا سألَتْ زوْجَها الطَّلاقَ في الحَيضِ لَم يَحرُمْ، ويُباحُ لهُ إجابتُها؛ لأنَّ المَنعَ لتَضرُّرِها بطُولِ العدَّةِ، ومعَ سُؤالِها قَدْ أَدخلَتِ الضَّررَ على نفْسِها؛ لأنَّ حُرمةَ الطَّلاقِ في الحَيضِ لحَقِّها، فأُبيحَ الطَّلاقُ بسُؤالِها مُطلَقًا بعِوضٍ وبِدونِه على الصَّحيحِ عندَ الحنابلَةِ؛ لأنَّها أَدخلَتِ الضَّررَ على نفْسِها بسُؤالِها ذلكَ. وذكَرَ البُهوتيُّ أنَّه لا يُباحُ إلَّا إذا كانَ بعِوضٍ كالخُلعِ. قالَ ﵀: (ما لَم تَسألْهُ طلاقًا بعِوَضٍ أو خُلعًا)؛ لأنَّها إذَنْ قد أَدخلَتِ الضَّررَ على نفْسِها، (فإنْ سَألَتْه) طلاقًا (بغَيرِ عوَضٍ لَم يُبَحْ). قلتُ: ولَعلَّ اعتبارَ العوَضِ لأنَّها تُظهِرُ خِلافَ ما تُبطِنُ، فبَذْلُ العِوضِ يَدلُّ على إرادَتها الحقيقيَّةِ (٢).

стр. 10128

وقالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: (و) الحادي عشَرَ: (سُنَّةُ طلاقٍ)؛ لأنَّه في الحَيضِ بدعَةٌ مُحرَّمةٌ كما يأتي مُوضَّحًا في بابِه، (ما لَم تَسألْهُ) أي الحائِضُ (خُلعًا أو طلاقًا) فيُباحُ لهُ إجابتُها؛ لأنَّ المنْعَ لتَضرُّرِها بطُولِ العِدَّةِ، ومعَ سُؤالِها قد أَدخلَتِ الضَّررِ على نفْسِها، (ويَتَّجِهُ: ولو) كانَ سُؤالُها الزَّوجَ الخُلعَ أو الطَّلاقَ (بلا عِوضٍ، خِلافًا لهُمَا) -أي: «للإقناعِ والمُنتَهَى» - حَيثُ قيَّدَا سُؤالَها بالعِوضِ، وهو ضَعيفٌ، قالَ في «شَرْح الإقناعِ»: قُلتُ: ولَعلَّ اعتبارَ العِوضِ لأنَّها قَدْ تُظهِرُ خِلافَ ما تُبطِنُ، فبَذْلُ العِوضِ يَدلُّ على إرادةِ الحقيقَةِ (كما يأتي) في كِتابِ الطَّلاقِ مُفصَّلًا، (والعلَّةُ) الَّتي ذكَرَها الأصحابُ: أنَّ حُرمةَ الطَّلاقِ في الحَيضِ لحَقِّها، فأُبيحَ الطَّلاقُ بسُؤالِها مُطلَقًا بعِوضٍ وبدُونِه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعَليهِ الجُمهورُ؛ لأنَّها أَدخلَتِ الضَّررَ على نفْسِها بسُؤالِها ذلكَ، (تَقتضِيهِ) أي: تَقتَضِي جَوازَ الخُلعِ والطَّلاقِ بسُؤالِها ذلكَ بعِوضٍ وبِدونُه، وهوَ مُتَّجهٌ (١). وذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَجوزُ الطَّلاقُ في الحَيضِ ولَو رَضِيَتْ بهِ المرأةُ وسَألَتْه إيَّاهُ؛ للإطلاقِ في قَولهِ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ولأنَّهُ ﷺ لمَّا أَنكرَ الطَّلاقَ في الحَيضِ لَم يَستفصِلْ. إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ حَجَرٍ الهَيتميَّ قالَ: قَولُه: (إنْ سَألَتْه لَم يَحرُمْ)

стр. 10129

لرِضاها بالتَّطويلُ، والأصَحُّ التَّحريمُ؛ لأنَّها قَدْ تَسألُهُ كاذِبةً كما هوَ شَأنُهنَّ، ومِن ثَمَّ لَو تَحقَّقتْ رَغبتُها فيه لَم يَحرُمْ (١). هل الطلاقُ في الحيضِ أو النفاسِ أو في الطهرٍ الذي جامَعَها فيه يقعُ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زَوجتَه وهيَ حائِضٌ أو وهيَ نُفساءُ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، هَلْ يقَعُ الطَّلاقُ أم لا؟ بعْدَ إجماعِهِم على أنَّه حرَامٌ. فذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرُهم -بلْ حُكِيَ فيهِ الإجماعُ- إلَى أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ حَرُمَ عليهِ ووقَعَ الطَّلاقُ، واستَدلُّوا عَلى ذلكَ بِما يَلي: ١ - عَنْ نافِعٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهِيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (٢).

стр. 10130

وجهُ الدَّلالةِ مِنَ الحَديثِ: أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ امرأتِهِ إذْ طَلَّقَها حائِضًا، والمُراجَعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ لُزومِ الطَّلاقِ، ولَو لَم يكنِ الطَّلاقُ في الحَيضِ واقِعًا ولا لازِمًا ما قالَ لهُ: «رَاجِعْها»؛ لأنَّ مَنْ لَم يُطلِّقْ ولَم يقَعْ عليها طَلاقٌ لا يُقالُ فيهِ: «رَاجِعْها»؛ لأنَّهُ مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ امرَأتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «رَاجِعْها»، ألَا تَرَى إلى قَولِ اللهِ في المُطلِّقاتِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يَعني في العدَّةِ، وهَذا لا يَستَقيمُ أنْ يُقالَ مِثلُه في الزَّوجاتِ غَيرِ المُطلَّقاتِ (١). ولأنَّه لو لَم يكنِ الطَّلاقُ واقِعًا لَمَا احتاجَ إلى الرَّجعَةِ وكانَتْ لا تَصِحُّ رَجعَتُه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقالَ: «راجَعَ امرأتَهُ» ولَم يُطلِّقْها؛ إذْ كانَتِ الرَّجعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ الطَّلاقِ (٢). ٢ - وقَد عَنْوَنَ الإمامُ البُخارِيُّ في صَحيحِه (بَاب إذا طُلِّقَتِ الحائِضُ يُعتدُّ بذلكَ الطَّلاقِ) ٤٩٥٤: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ حَربٍ حدَّثَنا شُعبةُ عَنْ أنسِ بنِ سيرينَ قالَ: سَمعْتُ ابنَ عُمرَ قالَ: «طَلَّقَ ابنُ عُمَرَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فذَكَرَ عُمرُ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: لِيُراجِعْها، قُلتُ: تُحتسَبُ؟ قالَ: فَمَهْ». وعنْ قتادةَ عَنْ يُونسَ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها قُلتُ: تُحتسَبُ؟ قالَ: أَرأيتَ إنْ عَجَزَ وَاستَحمَقَ».

стр. 10131

وقالَ أبو مَعْمرٍ حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ حدَّثَنا أيُّوبُ عنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «حُسِبَتْ علَيَّ بتَطليقَةٍ» (١). ٣ - وفي لَفظٍ لمُسلمٍ: عَنْ أنسِ بنِ سيرينَ قالَ: سألتُ ابنَ عُمرَ عنِ امرأتِهِ الَّتي طلَّقَ، فقالَ: طَلَّقتُها وهيَ حائضٌ، فذُكِرَ ذلكَ لعُمرَ فذكَرَه للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، فإذا طَهُرَتْ فلْيُطلِّقْها لِطُهرِها، قالَ: فراجَعْتُها ثُمَّ طلَّقْتُها لطُهرِها، قُلتُ: فاعْتَدَدْتَ بتلكَ التَّطليقَةِ الَّتي طلَّقْتَ وهيَ حائضٌ؟ قالَ: ما لِي لا أَعتدُّ بها وإنْ كُنْتُ عَجَزتُ واستَحمَقْتُ» (٢). وجهُ الدَّلالةِ مِنْ هذا أنَّ ابنَ عُمرَ صاحِبَ القصَّةِ لمَّا سُئلَ عنِ الطَّلاقِ في الحَيضِ وهَل النَّبيُّ ﷺ حَسَبَها عليكَ تَطليقَةً قالَ: «نعَمْ»، فدَلَّ ذلكَ على وُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ معَ حُرمَتِه. ٤ - ولأنَّ كلَّ حالٍ تَصحُّ الزَّوجيَّةُ فيها يَصحُّ إيقاعُ الطَّلاقِ فيها كالطُّهرِ، ولأنَّهُ إزالةُ مِلكٍ مَبنيٍّ على التَّغليظِ والسِّرايةِ، فليسَ يَختصُّ بزمانٍ دُونَ زَمانٍ كالعتقِ (٣). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الطَّلاقُ يقَعُ في الحَيضِ عِنْدَ جَماعَةِ العُلماءِ، وإنْ كانَ عِنْدَهُمْ مَكروهًا غيْرَ سُنَّةٍ، ولا يُخالِفُ الجَماعةَ في ذلكَ

стр. 10132

إلَّا طائِفةٌ مِنْ أهلِ البدَعِ لا يُعتدُّ بخِلافِها، فقَالُوا: «لا يقَعُ الطَّلاقُ في الحَيضِ ولا في طُهرٍ قد جامَعَ فيهِ»، وهَذا قَولُ أهلِ الظَّاهرِ، وهوَ شُذوذٌ لَم يُعرِّجْ عليهِ العُلماءُ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ الَّذي عرضَتْ لهُ القِصةُ احتَسبَ بتلكَ التَّطليقةِ وأفتَى بذلكَ. وفي أمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعتِها دَليلٌ بيِّنٌ على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لازِمٌ واقِعٌ؛ لأنَّ المُراجَعةَ لا تكونُ إلَّا بعْدَ صحَّةِ الطَّلاقِ ولُزومِه؛ لأنَّه مَنْ لَم يُطلِّقْ لا يُقالُ لهُ: «راجِعْ»؛ لأنَّه مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ زَوجَتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «راجِعْها»، بلْ كانَ يُقالُ لهُ: «طَلاقُكَ لَم يَعملْ شَيئًا»، أَلَا تَرَى قولَ اللهِ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يَعني في العدَّةِ، وهذا لا يَستقِيمُ أنْ يُقالَ مِثلُه في الزَّوجاتِ غَيرِ المُطلَّقاتِ. قالَ المُهلَّبُ: وقولُه: «أَرأيتَ إنْ عَجزَ واستَحمَقَ»، يَعني: أَرأيتَ إنْ عَجزَ في المُراجعَةِ الَّتي أُمِرَ بها عَنْ إيقاعِ الطَّلاقِ، «واستَحمَقَ» أي: فقَدَ عقْلَه فلم تمكنْ مِنهُ الرَّجعَة، أَتبقَى مُعلَّقةً لا ذاتَ زَوجٍ ولا مُطلَّقةً؟! وقَد نهَى اللهُ عَنْ ترْكِ المرأةِ بهذهِ الحالِ، فلا بُدَّ أنْ يَحتَسبَ بتلكَ التَّطليقةِ الَّتي أَوقَعَها على غَيرِ وَجهِها، كما أنَّه لَو عجَزَ عَنْ فرْضٍ آخَرَ للهِ تعالَى فلَم يُقِمْهُ واستَحمَقَ فلمْ يَأتِ بهِ أَكانَ يُعذَرُ بذلكَ وسقَطَ عَنهُ؟! وهذا إنكارٌ على مَنْ شَكَّ أنَّهُ لَم يَعتَدَّ بتلكَ التَّطليقَةِ، وقَد رَوَى قتادَةُ عَنْ يُونسَ بنِ جُبيرٍ: قُلتُ

стр. 10133

لابنِ عُمرَ: أَجعَلَ ذلكَ طلاقًا؟ قالَ: «إنْ كانَ ابنُ عمُرَ عجَزَ واستَحمَقَ فما يَمنَعُه أنْ يكونَ طَلاقًا؟»، وقولُه: «فَمَهْ؟» استِفهامٌ، كأنَّهُ قالَ: فما يكونُ إنْ لَم يَحتَسبْ بتلكَ التَّطليقةِ؟ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ودَليلُنا ما رَواهُ الشَّافعيُّ عَنْ مالكٍ عَنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أَمسكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» (٢)، فمَوضِعُ الدَّليلِ منهُ أنَّ أمْرَهُ بالرَّجعَةِ مُوجِبٌ لِوُقوعِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ لا تكونُ إلَّا بعْدَ الطَّلاقِ. فإنْ قِيلَ: أمْرُهُ بالرَّجعةِ إنَّما هو أمْرٌ برَدِّها إليهِ. قُلنا: هذا تأويلٌ فاسِدٌ مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّجعةَ بعْدَ ذكْرِ الطَّلاقِ تَنصرِفُ إلى رَجعةِ الطَّلاقِ. والثَّاني: أنَّه ما ذكَرَ إخراجَها فيُؤمَرُ برَدِّها، وإنَّما ذكَرَ الطَّلاقَ فكانَ مُنصرِفًا إلى رَجعتِها. والثَّالثُ: أنَّ المُسلِمينَ جعَلُوا طَلاقَ ابنِ عُمرَ هذا أصلًا في طلاقِ

стр. 10134

الرَّجعةِ وحُكمِ العِدَّةِ ووُقُوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، ولَم يَتأوَّلُوا هذا التَّأويلَ، فبطَلَ بالإجماعِ. ورَوى الحسَنُ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: «طلَّقْتُ امرَأتِي وهِي حائِضٌ طلقَةً وأرَدتُ أنْ أُتبِعَها طَلقتَينِ، فسَألْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنْ ذلكَ فقالَ: راجِعْها، قُلتُ: أَرأيتَ لَو طَلَّقتُها ثلاثًا؟ قالَ: كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ زَوجتَكَ وعَصَيتَ رَبَّكَ» (١)، وهذا نَصٌّ في وُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ لا يَتوجَّهُ عليه ذلكَ التَّأويلُ المَعلُولُ. ومِنَ القِياسِ أنَّه طلاقُ مُكلَّفٍ صادَفَ مِلكًا، فوجَبَ أنْ يَنعقِدَ كالطَّاهِرِ، ولأنَّ رفْعَ الطَّلاقِ تَخفيفٌ ووُقوعَهُ تَغليظٌ؛ لأنَّ طَلاقَ المجنُونِ لا يقَعُ تَخفيفًا، وطَلاق السَّكرانِ يقَعُ تَغليظًا؛ لأنَّ المجنُونَ ليسَ بعاصٍ، والسَّكران عاصٍ، فكانَ المُطلِّقُ في الحَيضِ أَولَى بوُقوعِ الطَّلاقِ تَغليظًا مِنْ رَفْعِه عنهُ تَخفيفًا، ولأنَّ النَّهيَ إذا كانَ لمَعنًى ولا يَعودُ إلى المَنهيِّ عنهُ لَم يكنِ النَّهيُ مُوجِبًا لفَسادِ ما نُهِيَ عنهُ، كالنَّهيِ عنِ البَيعِ عندَ نِداءِ الجمُعَةِ لا يُوجِبُ فَسادَ البَيعِ (٢). وقَد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على حُرمةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ.

стр. 10135

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: طلَّقَ ابنُ عُمرَ امرأتَهُ حائِضًا فاحتَسَبَ بالتَّطليقةِ. وممَّنْ مَذهبُه أنَّ الحائِضَ يقَعُ بهَا الطَّلاقُ الحسَنُ البَصريُّ وعَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، وبهِ قالَ مالكٌ والثَّوريُّ وأصحابُ الرَّأيِ والأوزاعِيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ والشَّافعيُّ وأبو ثَورٍ وكلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلمِ، إلَّا ناسًا مِنْ أهلِ البدَعِ لا يُقتَدَى بهمْ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحرِيمِ طَلاقِ الحائِضِ الحائِلِ بغَيرِ رِضاهَا، فلَو طلَّقَها أَثِمَ ووَقَعَ طَلاقُه، ويُؤمَرُ بالرَّجعَةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ المَذكورِ في البابِ، وشَذَّ بعْضُ أهلِ الظَّاهِرِ فقالَ: «لا يقَعُ طَلاقُه؛ لأنَّه غَيرُ مأذُونٍ لهُ فيهِ، فأَشبهَ طلاقَ الأجنبيَّةِ»، والصَّوابُ الأوَّلُ، وبهِ قالَ العُلماءُ كافَّةً، ودَليلُهم أمْرُه بمُراجَعَتِها، ولَو لَم يقَعْ لم تكنْ رَجعةٌ. فإنْ قِيلَ: المُرادُ بالرَّجعةِ الرَّجعةُ اللُّغويَّةِ، وهيَ الرَّدُّ إلى حالِها الأوَّلِ، لا أنَّهُ تُحسبُ عليهِ طَلقةٌ. قُلنا: هذا غَلطٌ لِوجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ حمْلَ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ يُقدَّمُ على حمْلِه على الحَقيقةِ اللُّغويَّةِ كما تَقرَّرَ في أصُولِ الفِقهِ، الثَّاني: أنَّ ابنَ عُمرَ صرَّحَ في رِواياتِ مُسلِمٍ وغَيرِه بأنَّه حَسَبَها عليهِ طَلقةً، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 10136

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لِمَدخولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّهُ يقَعُ (١). وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: دَلالةُ الآيةِ والسُّنَّةِ والاتِّفاقِ يُوجِبُ إيقاعَ الطَّلاقِ في الحَيضِ وإنْ كانَ مَعصيةً (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: الطَّلاقُ في الحَيضِ لازِمٌ لِمَنْ أَوقعَه، وإنْ كانَ فاعِلُه قَدْ فعَلَ ما كُرِهَ لهُ؛ إذْ ترَكَ وجْهَ الطَّلاقِ وسُنَّته، والدَّليلُ على أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ في الحَيضِ أمْرُ رَسولِ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ امرأتِه إذْ طلَّقَها حائِضًا، والمُراجَعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ لُزومِ الطَّلاقِ، ولو لم يكنِ الطَّلاقُ في الحَيضِ واقِعًا ولا لازِمًا ما قالَ لهُ: «راجِعْها»؛ لأنَّ مَنْ لَم يُطلِّقْ ولَم يقَعْ عَليها طَلاقٌ لا يُقالُ فيهِ راجِعْها؛ لأنَّهُ مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ امرأتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «راجِعْها»، ألَا تَرَى إلى قَولِ اللهِ في المُطلَّقاتِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، ولم يَقُلْ هذا في الزَّوجاتِ اللَّاتي لَم يَلحقْهُنَّ الطَّلاقُ، وعلى هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمْصارِ وجُمهورُ عُلماءِ المُسلمِينَ، وإنْ كانَ الطَّلاقُ عِنْدَ جَميعِهم في الحَيضِ بدعَةً غيْرَ سُنَّةٍ؛ فهوَ لازِمٌ عِنْدَ جَميعِهم، ولا مُخالِفَ في ذلكَ إلَّا أهلُ البدَعِ والضَّلالِ والجَهلِ، فإنَّهم يَقولُونَ: «إنَّ الطَّلاقَ لغَيرِ السُّنةِ غَيرُ واقِعٍ ولا لازِمٍ»، ورُويَ مِثلُ ذلكَ

стр. 10137

عَنْ بعْضِ التَّابعِينَ، وهو شُذوذٌ لم يُعرِّجْ عليهِ أهلُ العِلمِ مِنْ أهْلِ الفِقهِ والأثَرِ في شَيءٍ مِنْ أمْصارِ المُسلمِينَ لِمَا ذكَرْنا. ولأنَّ ابنَ عُمرَ الَّذي عرَضَتْ لهُ القَضيَّةُ احتَسَبَ بذلكَ الطَّلاقِ وأفْتَى بذلكَ، وهوَ مِمَّنْ لا يُدفَعُ عِلمُه بقِصَّةِ نفْسِهِ. ومِن جِهَةِ النَّظرِ قَدْ عَلِمْنا أنَّ الطَّلاقَ ليسَ مِنَ الأعْمالِ الَّتي يُتقرَّبُ بها إلى اللهِ فلا تقَعُ إلَّا على حسَبِ سُنَّتِها، وإنَّما هو زَوالُ عِصمةٍ فيها حقٌّ لِآدميٍّ، فكيفَما أَوقعَه وقَعَ، فإنْ أَوقَعَه لِسُنَّةٍ هُدِيَ ولم يَأثَمْ، وإنْ أَوقعَه على غَيرِ ذلكَ أَثِمَ ولَزمَه ذلكَ، ومُحالٌ أنْ يَلزَمَ المُطيعَ ولا يَلزمَ العاصِي، ولَو لَزمَ المُطيعَ المُوقِعَ لهُ إلَّا على سُنَّتِه ولَم يَلزمِ العاصِي لَكانَ العاصِي أخَفَّ حالًا مِنَ المُطيعِ، وقدِ احتَجَّ قَومٌ مِنْ أهْلِ العِلمِ بأنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لازِمٌ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، يُريدُ أنَّه عصَى ربَّهُ وفارَقَ امرأتَهُ، وحَسْبُكَ بابنِ عُمرَ؛ فقَدْ أَنكرَ على مَنْ ظَنَّ أنَّهُ لا يُحتَسبُ بالطَّلاقِ في الحَيضِ (١). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: إذا طُلِّقَتِ المرأةُ وهيَ حائِضٌ يُعتبَرُ ذلكَ الطَّلاقُ، وعليهِ أجمَعَ أئمَّةُ الفَتوى مِنَ التَّابعِينَ وغَيرِهم، وقالَتِ الظَّاهريَّةُ والخوارجُ والرَّافِضةُ: «لا يقَعُ»، وحُكيَ عنِ ابنِ عُليَّةَ أيضًا (٢).

стр. 10138

وقالَ الإمامُ ابنُ قَدامةُ ﵀: فإنْ طلَّقَ للبِدعةِ -وهوَ أنْ يُطلِّقَها حائِضًا أو في طُهرٍ أصابَها فيهِ- أَثِمَ ووقَعَ طلاقُه في قَولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَبدِ البَرِّ: لَم يُخالِفْ في ذلكَ إلَّا أهلُ البدعِ والضَّلالِ، وحكاهُ أبو نَصرٍ عنِ ابنِ عُليَّةَ وهشامِ بنِ الحَكمِ والشَّيعةِ، قالُوا: لا يَقعُ طلاقُه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بهِ في قُبُلِ العدَّةِ، فإذا طلَّقَ في غَيرِه لَم يقَعْ، كالوكيلِ إذا أَوقعَه في زَمنٍ أمَرَهُ مُوكِّلُه بإيقاعِهِ في غَيرِه. ولنا: حَديثُ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، وفي روايةِ الدَّارقُطنيِّ قالَ: «فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أَفَرأيتَ لَو أنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا أَكانَ يَحلُّ لِي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: لا، كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتكونُ مَعصيةً»، وقالَ نافِعٌ: «وكانَ عَبدُ اللهِ طلَّقَها تَطليقةً فحُسبَتْ مِنْ طلاقِه وراجَعَها كما أمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ »، ومِن روايةِ يُونسَ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «قُلتُ لابنِ عُمرَ: أَفتُعتَدُّ عليهِ، أو تُحتَسبُ عليهِ؟ قالَ: نَعمْ، أَرأيتَ إنْ عَجَزَ واستَحمَقَ»، وكُلُّها أحاديثُ صِحاحٌ، ولأنَّه طلاقٌ مِنْ مُكلَّفٍ في مَحلِّ الطلاقِ فوقَعَ كطَلاقِ الحامِلِ، ولأنَّهُ ليسَ بقُربةٍ فيُعتبَرُ لِوُقوعِه مُوافَقةُ السُّنةِ، بلْ هيَ إزالةُ عِصمةٍ وقَطْعُ مِلكٍ، فإيقاعُه في زَمنِ البدعَةِ أَولَى؛ تَغليظًا عليهِ وعُقوبَةً لهُ، أمَّا غَيرُ الزَّوجِ فلا يَملكُ الطَّلاقَ، والزَّوجُ يَملكُهِ بمِلكِه مَحلَّهُ (١). وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هذا.

стр. 10139

قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفساءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (١). وقالَ الإمامانِ ابنُ حَجَرٍ والرَّمليُّ: ويَحرُمُ البدعيُّ، وهوَ طلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسوسَةً -أي: مَوطوءَةً- وقد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (٢). وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ والظَّاهريَّةُ وابنُ عُليَّةَ وغَيرُهُم إلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مُحرَّمٌ، لكنَّهُ لا يقَعُ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وحُكِيَ عنِ ابنِ عُليَّةِ والسَّبعَةِ (٣) وبَعضِ أهلِ الظَّاهرِ أنه غَيرُ واقعٍ (٤). وقدِ استَدلَّ هَؤلاءِ العُلماءُ بما يلِي: ١ - بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فاقتَضَى ذلكَ الفرْقَ بيْنَ المأمُورِ بهِ والمَنهيِّ عنهُ في الوُقوعِ كما اقتَضَى الفرْقَ بيْنَهما في التَّحريمِ. ٢ - عَنْ نافِعٍ مَولَى ابنِ عُمرَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّهُ قالَ في الرَّجُلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، قالَ ابنُ عُمرَ: لا يُعتَدُّ لذلكَ» (٥).

стр. 10140

٣ - عَنْ خلاسِ بنِ عَمرٍو «أنَّهُ قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ قالَ: لا يُعتَدُّ بها» (١). ٤ - وما رَواهُ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُنَنهِ قالَ: حَدَّثنا حُديْجُ بنُ مُعاويةَ حدَّثَنا أبو إسحاقَ عنْ عَبدِ اللهِ بنِ مالكٍ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فانطَلَقَ عُمرُ إلى رسُولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ عَبدَ اللهِ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فقالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : ليسَ ذلكَ بشَيءٍ» (٢). ٥ - وروَى أبو داودُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ أخبَرَني أبو الزُّبيرِ أنَّهُ سَمعَ عبْدَ الرَّحمنِ بنَ أيمَنَ مَولَى عُروةَ يَسألُ ابنَ عُمرَ وأبو الزَّبيرِ يَسمعُ قالَ: كيفَ ترَى في رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا؟ قالَ: طلَّقَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ امرأتَهُ وهيَ حائضٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسألَ عمَرُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عمَرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائضٌ، قالَ عَبدُ اللهِ: فرَدَّها علَيَّ ولم يَرَها شَيئًا وقالَ: إذا طهُرَتْ فلْيُطلِّقْ أو ليُمْسِكْ، قالَ ابنُ عُمَرَ: وقَرأَ النَّبيُّ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾» (٣).

стр. 10141

وهذا مِمَّا قُرِئَ ثمَّ رُفِعَتْ لَفْظَةُ ﴿فِي قُبُلِ﴾ وأنزَلَ اللهُ تعالَى ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهذا إسنادٌ في غايَةِ الصِّحةِ لا يَحتمِلُ التَّوجيهاتِ، وهذا نَصٌّ في أنَّه لا يَقعُ، ولو وقَعَ لرَآهُ شَيئًا. ٦ - ولأنَّ النِّكاحَ قَدْ يَحرُمُ في وَقتٍ -وهوَ في العِدَّةِ والإحرامِ- كما يَحرُمُ الطَّلاقِ في وقتٍ -وهو الحَيضُ والطُّهرُ المُجامَعُ فيهِ-، ثمَّ كانَ عقْدُ النِّكاحِ في وَقتِ تَحريمِه باطِلًا، فوجَبَ أنْ يَكونَ الطَّلاقُ بمَثابةِ إذا وقَعَ في وقْتِ تَحريمِه. ٧ - ولأنَّهُ لَو وَكَّلَ وكيلًا في طلاقِ زَوجتِه في الطُّهرِ وطلَّقَها في الحَيضِ لَم تَطلُقُ ولم يقَعْ؛ لأنَّهُ غَيرُ مأذُونٍ لهُ فِيهِ، فكيفَ كانَ إذْنُ المخلوقُ مُعتبَرًا في صحَّةِ إيقاعِ الطَّلاقِ دُونَ إذْنِ الشَّارِعِ؟! ومِنَ المَعلومِ أنَّ المُكلَّفَ إنَّما يَتصرَّفُ بالإذْنِ، فلمَّا لَم يَأذنْ بهِ اللهُ ورَسولُه لا يكونُ مَحلًّا للتَّصرُّفِ أَلْبتةَ. ٨ - وأيضًا فالشَّارِعُ قَدْ حَجَرَ على الزَّوجِ أنْ يُطلِّقَ في حالِ الحَيضِ أو بعْدَ الوطءِ في الطُّهرِ، فلَو صَحَّ طلاقُهُ لَم يَكُنْ لِحَجْرِ الشَّارعِ مَعنًى، وكانَ حجْرُ القاضِي على مَنْ منَعَه التَّصرُّفَ أقْوَى مِنْ حجْرِ الشَّارِعِ حِيثُ يَبطُلُ التَّصرُّفُ بحَجْرِه. قالُوا: وبهذا أَبْطلْنَا البَيعَ وقْتَ النِّداءِ يَومَ الجمُعَةِ؛ لأنَّه بيْعٌ حجَرَ الشَّارِعُ على بائِعِه هذا الوَقتَ، فلا يَجوزُ تَنفيذُه وتَصحيحُه. ٩ - ولأنَّهُ طَلاقٌ مُحرَّمٌ مَنهيٌّ عَنهُ، فالنَّهيُ يَقتَضي فسادَ المَنهيِّ عَنهُ،

стр. 10142

فلو صَحَّحناهُ لَكانَ لا فرْقَ بيْنَ المَنهيِّ عنهُ والمَأذونِ فيهِ مِنْ جِهةِ الصِّحةِ والفَسادِ. ١٠ - ولأنَّ الشَّارعَ إنَّما نَهَى عنهُ وحرَّمَه لأنَّهُ يُبغِضُه ولا يُحبُّ وُقوعَهُ، بلْ وُقوعُه مَكروهٌ إليهِ، فحَرَّمَه لِئلَّا يقَعَ ما يُبغِضُه ويَكرهُه، وفي تَصحيحِه وتَنفيذِهِ ضِدُّ هذا المَقصودِ. ١١ - وإذا كانَ النِّكاحُ المَنهيُّ عنهُ لا يَصحُّ لأجْلِ النَّهيِ، فما الفرْقُ بيْنَه وبيْنَ الطَّلاقِ؟ وكيفَ أَبطلْتُم ما نهَى اللهُ عنهُ مِنَ النِّكاحِ وصَحَّحْتمُ ما حرَّمَهُ ونهَى عنهُ مِنَ الطَّلاقِ؟ والنَّهيُ يَقتضِي البُطلانَ في المَوضعَينِ. ١٢ - ويَكفِينا مِنْ هذا حُكمُ رَسولِ اللهِ ﷺ العامُّ الَّذي لا تَخصيصَ فيهِ بِرَدِّ ما خالَفَ أمْرُه وإبطالِهِ وإلغاءِهِ، كما في الصَّحيحِ عنهُ مِنْ حَديثِ عائِشةَ ﵂: «كلُّ عمَلٍ ليسَ عَليهِ أمْرُنا فهُوَ رَدٌّ»، وفي رِوايةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌّ»، وهذا صَريحٌ أنَّ هذا الطَّلاقَ المُحرَّمَ الَّذي ليسَ عليهِ أمْرُه ﷺ مَردُودٌ باطِلٌ، فكيفَ يُقالُ: «إنَّهُ صَحيحٌ لازِمٌ نافِذٌ»؟ فأينَ هذا مِنَ الحُكمِ بِرَدِّه؟! ١٣ - ولأنَّهُ طَلاقٌ لَم يَشرَعْه اللهُ أبدًا، وكانَ مَردُودًا باطِلًا كطَلاقِ الأجنبيَّةِ، ولا يَنفَعُكم الفَرقُ بأنَّ الأجنبيَّةَ ليسَتْ مَحلًّا للطَّلاقِ بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فإنَّ هذهِ الزَّوجةَ ليسَتْ مَحلًّا لِلطَّلاقِ المُحرَّمِ، ولا هوَ ممَّا ملَّكَهُ الشَّارِعُ إيَّاهُ.

стр. 10143

١٤ - وأيضًا فإنَّ اللهَ سُبحانَهُ إنَّما أمَرَ بالتَّسريحِ بإحسانٍ، ولا أَشَرَّ مِنَ التَّسريحِ الَّذي حرَّمَه اللهُ ورَسولُه، ومُوجَبُ عَقدِ النِّكاحِ أحَدُ أمرَينِ: إمَّا إمساكٌ بمَعرُوفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ، والتَّسريحُ المُحرَّمُ أمْرٌ ثالثٌ غَيرُهما، فلا عِبرةَ بهِ أَلبتَّةَ. ١٥ - وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وصحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ المُبيِّنِ عَنِ اللهِ مُرادَهُ مِنْ كلامِه أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ المأذُونَ فيهِ هوَ الطَّلاقُ في زمَنِ الطُّهرِ الَّذي لَم يُجامَعْ فيهِ، أو بعْدَ استِبانةِ الحمْلِ، وما عَداهُما فليسَ بطَلاقٍ للعدَّةِ في حَقِّ المَدخُولِ بها فلا يكونُ طلاقًا، فكيفَ تَحرُمُ المرأةُ بهِ؟ ١٦ - قالُوا: وقَد قالَ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ومَعلومٌ أنَّه إنَّما أرادَ الطَّلاقَ المأذُونَ فيهِ، وهوَ الطَّلاقُ للعدَّةِ، فدَلَّ على أنَّ ما عَداهُ ليسَ مِنَ الطَّلاقِ، فإنَّه حصَرَ الطَّلاقَ المَشروعَ المأذُونَ فيهِ الَّذي يَملِكُ بهِ الرَّجعةَ في مرَّتَينِ، فلا يَكونُ ما عَداهُ طَلاقًا، قالُوا: ولِهذا كانَ الصَّحابَةُ ﵃ يَقولونَ إنَّهم لا طاقَةَ لهُمْ بالفَتوَى في الطَّلاقِ المُحرَّمِ، كما رَوى ابنُ وَهبٍ عَنْ جَريرِ بنِ حازِمٍ عَنِ الأعمَشِ أنَّ ابنَ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «مَنْ طلَّقَ كما أمَرَهُ اللهُ فقَد بيَّنَ اللهُ لهُ، ومَن خالَفَ فإنَّا لا نُطيقُ خِلافَه»، ولو وقَعَ طَلاقُ المُخالِفِ لَم يَكنِ الإفتاءُ بهِ غيْرَ مُطاقٍ لَهُم، ولَم يَكنْ للتَّفريقِ مَعنًى إذا كانَ النَّوعانِ واقعَينِ نافِذَينِ.

стр. 10144

١٧ - ولأنَّ هذا ضِدُّ الورَعِ، إذْ تُبيحُونَ فرْجَها لأجنَبيٍّ بِلا بَيانٍ، وإنَّما الورَعُ أنْ لا تُحرَّمَ على المُسلِمِ امرَأتُه الَّتي نَحنُ على يَقينٍ مِنْ أنَّ اللهَ أباحَها لهُ وحرَّمَها على مَنْ سِواهُ إلَّا بيَقينٍ، وأمَّا بالظُّنونِ والمُحتَملاتِ فلا. ١٨ - وأمَّا استِدلالُكُم بحَديثِ ابنِ عُمَرَ فالجَوابُ عنهُ كما يلي: أمَّا قَولُه ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها» فالمُراجعةُ قَدْ وقَعَتْ في كَلامِ اللهِ ورَسولِه على ثَلاثةِ مَعانٍ: تُستَعمَلُ في العَقدِ المُبتَدَأِ، وتُستَعمَلُ في إمسَاكِ المُطلَّقةِ، وتُستَعملُ في إمساكِ مَنْ لَم يقَعْ بها طَلاقٌ. أحَدُها: ابتِداءُ النِّكاحِ، كقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العلمِ بالقُرآنِ أنَّ المُطلِّقَ هاهُنا هوَ الزَّوجُ الثَّاني، وأنَّ التَّراجُعَ بيْنَها وبيْنَ الزَّوجِ الأوَّلِ، وذلكَ نِكاحٌ مُبتدَأٌ. والثَّاني: في رَجعةِ المُطلَّقةِ، قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، فهذا رَجعةُ المُطلَّقةِ. والثَّالثُ: الرَّدُّ الحِسيُّ إلى الحالةِ الَّتي كانَ عليهَا أوَّلا، «فرَدَّها عليَّ»، كقَولِه لأبِي النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ لمَّا نَحَلَ ابنَهُ غُلامًا خصَّهُ بهِ دُونَ ولَدِه: «رَدَّهُ»، فهذا رَدُّ ما لَم تَصحَّ فيهِ الهِبَةُ الجائِزةُ الَّتي سمَّاها رَسولُ اللهِ ﷺ جَورًا وأخبَرَ أنَّها لا تَصلُحُ وأنَّها خِلافُ العَدلِ. ومِن هَذا قَولُه لِمَنْ فرَّقَ بيْنَ جاريَةٍ وولَدِها في البَيعِ، فنَهاهُ عَنْ ذلكَ ورَدَّ

стр. 10145

البَيعَ، وليسَ هَذا الرَّدُّ مُستلزِمًا لِصحَّةِ البَيعِ؛ فإنَّه بيْعٌ باطِلٌ، بَلْ هوَ رَدُّ شَيئَينِ إلى حالَةِ اجتِماعِهِما كما كانَا، وهكذا الأمْرُ بمُراجَعةِ ابنِ عُمَرَ امرَأتَه، ارتِجاعٌ ورَدٌّ إلى حالَةِ الاجتِماعِ كما كانَا قبْلَ الطَّلاقِ، وليسَ في ذلكَ ما يَقتَضِي وُقوعَ الطَّلاقِ في الحَيضِ أَلبتَّةَ. وأيضًا: فلو كانَ الطَّلاقُ قَدْ وقَعَ كانَ ارتِجاعُها ليُطلِّقَها في الطُّهرِ الأوَّلِ أو الثَّاني زيادَةً وضَررًا عَليها وزِيادَةً في الطَّلاقِ المَكروهِ، فليسَ في ذلكَ مَصلحةٌ لا لهُ ولا لها، بلْ فيهِ إنْ كانَ الطَّلاقُ قَدْ وقَعَ بارتِجاعِه ليُطلِّقَ مَرَّةً ثانيةً زيادَةُ ضَررٍ، وهوَ لَم يَمنَعْه عنِ الطَّلاقِ، بل أباحَهُ لهُ في استِقبالِ الطُّهرِ معَ كَونِه مُريدًا لهُ، فعُلِمَ أنَّه إنَّما أمَرَه أنْ يُمسِكَها وأنْ يُؤخِّرَ الطَّلاقَ إلى الوقْتِ الَّذِي يُباحِ فيهِ، كما يُؤمَرُ مَنْ فعَلَ شَيئًا قبْلَ وقْتِه أنْ يَرُدَّ ما فعَلَ ويَفعلَه إنْ شاءَ في وقْتِه؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهوَ رَدٌّ»، والطَّلاقُ المُحرَّمُ ليسَ عليهِ أمْرُ اللهِ ورَسولِه فهوَ مَردودٌ، وأمَرَهُ بتأخيرِ الطَّلاقِ إلى الطُّهرِ الثَّاني ليَتمكَّنَ مِنَ الوَطءِ في الطُّهرِ الأوَّلِ، فإنَّه لو طلَّقَها فيهِ لَم يَجُزْ أنْ يُطلِّقَها إلَّا قبْلَ الوَطءِ، فلم يَكُنْ في أمْرِه بإمساكِها إليهِ إلَّا بزيادَةِ ضَررٍ عَليها إذا طلَّقَها في الطُّهرِ الأوَّلِ. وأمَّا قَولُه: «أَرأيتَ إنْ عجَزَ واستَحمَقَ» فيَا سُبحانَ اللهِ؛ أينَ البَيانُ في هذا اللَّفظِ بأنَّ تلكَ الطَّلقَةَ حسَبَها عَليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ؟! والأحكامُ لا تُؤخَذُ بمِثلِ هذا، ولَو كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد حسَبَها

стр. 10146

عليهِ واعتَدَّ عليهِ بها لَم يَعدلْ عَنِ الجَوابِ بفِعلِه وشَرْعِه إلى «أرَأيتَ»، وكانَ ابنُ عُمَرَ أكرَهُ ما إليهِ «أَرأَيتَ»، فكيفَ يَعدلُ للسَّائلِ عَنْ صَريحِ السُّنَّةِ إلى لَفظةِ «أَرأيتَ» الدَّالَّةِ على نَوعٍ مِنَ الرَّأيِ سَبَبُه عَجزُ المُطلِّقِ وحُمْقُه عن إيقاعِ الطَّلاقِ على الوَجهِ الَّذي أَذِنَ اللهُ لهُ فيهِ، والأَظهرُ فيما هذهِ صِفتُه أنَّه لا يُعتَّدُ بهِ وأنَّه ساقِطٌ مِنْ فِعلِ فاعِلِه؛ لأنَّه ليسَ في دِينِ اللهِ تعالَى حُكمٌ نافِذٌ سبَبُه العَجزُ والحُمْقُ عنِ امتِثالِ الأمْرِ، إلَّا أنْ يكونَ فِعلًا لا يُمكِنُ رَدُّه، بخِلافِ العُقودِ المُحرَّمةِ الَّتي مَنْ عقَدَها على الوَجهِ المُحرَّمِ فقَدْ عَجَزَ واستَحمَقَ، وحِينَئذٍ فيُقالَ: هذا أدَلُّ على الرَّدِّ منهُ على الصِّحةِ واللُّزومِ؛ فإنَّه عَقْدُ عاجِزٍ أحمَقَ على خِلافِ أمْرِ اللهِ ورَسولِه، فيكونُ مَردودًا باطِلًا، فهذا الرَّأيُ والقِياسُ أدَلُّ على بُطلانِ طَلاقِ مَنْ عجَزَ واستَحمَقَ منهُ على صِحَّتِه واعتِبارِه. وأمَّا قَولُه: «فحُسِبَتْ مِنْ طلاقِها» ففِعْلٌ مَبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعِلُه، فإذا سُمِّيَ فاعِلُه ظهَرَ وتبَيَّنَ هل في حُسبَانِه حُجَّةٌ أو لا، وليسَ في حُسبانِ الفاعِلِ المَجهولِ دَليلٌ أَلبتَّةَ، وسواءٌ كانَ القائِلُ «فحُسِبَتْ» ابنُ عُمرَ أو نافِعًا أو مَنْ دُونَه، وليسَ فيهِ بيَانُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ هوَ الَّذي حسَبَها حتَّى تَلزمَ الحُجَّةُ بهِ وتَحرُمَ مُخالَفَتُه، فقَد تَبيَّنَ أنَّ سائِرَ الأحاديثِ لا تُخالِفُ حديثَ أبِي الزُّبيرِ، وأنَّهُ صَريحٌ في أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يَرَها شَيئًا، وسائِرُ الأحادِيثِ مُجمَلَةٌ لا بَيانَ فيها.

стр. 10147

وأمَّا دَعوَى الإجماعِ فهيَ باطِلةٌ؛ لِوُجودِ المُخالِفينَ، والإجماعُ الَّذي تَقومُ بهِ الحُجَّةُ وتَنقطِعُ معهُ المَعذِرةُ وتَحرُمُ معهُ المُخالَفةُ فهوَ الإجماعُ القَطعيُّ المَعلُومُ. وأمَّا دَعْواكُم أنَّ الطَّلاقَ المُحرَّمَ داخِلٌ تحتَ نُصوصِ الطَّلاقِ وشُمولِها للنَّوعَينِ كما في قَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا يَعمُّ كلَّ طَلاقٍ، وكذلكَ قَولُه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولَم يُفرِّقْ، وكذلكَ قَولُه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وقَولُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾. فنَسأَلكُم: ما تَقولُونَ فيمَنِ ادَّعَى دُخولَ أنواعِ البَيعِ المُحرَّمِ والنِّكاحِ المُحرَّمِ تحْتَ نُصوصِ البَيعِ والنِّكاحِ وقالَ: شُمولُ الاسمِ للصَّحيحِ مِنْ ذلكَ والفاسِدِ سَواءٌ، بلْ وكذلكَ سائِرُ العُقودِ المُحرَّمةِ إذا ادَّعَى دُخولَها تحْتَ ألفاظِ العُقودِ الشَّرعيَّةِ، وكذلكَ العِباداتُ المُحرَّمةُ المَنهيُّ عنها إذا ادَّعَى دُخولَها تحْتَ الألفاظِ الشَّرعيَّةِ وحكَمَ لها بالصِّحَّةِ لشُمولِ الاسمِ لها؛ هَلْ تَكونُ دَعواهُ صَحيحةً أو باطِلةً؟ فإنْ قُلتُم: «صَحيحةٌ» -ولا سَبيلَ لَكمُ إلى ذلكَ- كانَ قَولًا مَعلومَ الفَسادِ بالضَّرورةِ مِنَ الدِّينِ، وإنْ قُلتُم: «دعواهُ باطِلةٌ» تَركْتُم قَولَكُم ورَجعْتُم إلى ما قُلناهُ، وإنْ قُلتُمْ: «تُقبَلُ في مَوضعٍ وتُرَدُّ في مَوضعٍ» قيلَ لكُم: ففَرِّقُوا بفُرقانٍ صَحيحٍ مُطَّرَدٍ مُنعكِسٍ معكُم بهِ بُرهانٌ مِنَ اللهِ بيْنَ ما يَدخُلُ مِنَ العُقودِ المُحرَّمةِ تحْتَ

стр. 10148

ألفاظِ النُّصوصِ فيَثبُتُ لهُ حُكمُ الصِّحةِ، وبيْنَ ما لا يَدخلُ تَحتَها فيَثبُتُ لهُ حُكمُ البُطلانِ. قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ ابنِ عُمَرَ فهوَ إلى أنْ يَكونَ حُجَّةً عَليكُم أَقربُ مِنه إلى أنْ يَكونُ حُجَّةً لَكم مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: صَريحُ قَولِه: «فرَدَّهَا عَليَّ ولَم يَرَها شَيئًا»، وقَد تَقدَّمَ بيانُ صِحَّتِه، قالُوا: فهَذا الصَّريحُ الصَّحيحُ ليسَ بأيْدِيكُم ما يُقاوِمُه في المَوضِعَينِ، بَلْ جَميعُ تلكَ الألفاظِ إمَّا صَحيحَةٌ غَيرُ صَريحةٍ وإمَّا صَريحةٌ غَيرُ صَحيحةٍ كما ستَقِفونَ عليهِ. الثَّاني: أنَّه قَدْ صَحَّ عَنِ ابنِ عُمرَ ﵁ بإسنادٍ كالشَّمسِ مِنْ رِوايةِ عُبَيدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ عنهُ «في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، قالَ: لا يُعتَدُّ بذلكَ»، وقَد تَقدَّمَ. الثَّالِثُ: أنَّه لو كانَ صَريحًا في الاعتِدادِ بهِ لَمَا عَدَلَ بهِ إلى مُجرَّدِ الرَّأيِ وقَولِه للسَّائِل: «أَرَأيتَ». الرَّابعُ: أنَّ الألفاظَ قَدِ اضطَربَتْ عنِ ابنِ عُمرَ في ذلكَ اضطِرابًا شَديدًا، وكُلَّها صَحيحةٌ عنهُ، وهذا يَدلُّ على أنَّه لَم يَكنْ عندَه نَصٌّ صَريحٌ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ في وُقوعِ تلكَ الطَّلقةِ والاعتِدادِ بها، وإذا تَعارضَتْ تلكَ الألفاظُ نظَرْنا إلى مَذهبِ ابنِ عُمرَ وفَتواهُ، فوَجَدْناه صَريحًا في عَدمِ الوُقوعِ، ووَجْدَنا أحَدَ ألفاظِ حَديثِه صَريحًا في ذلكَ، فقَدِ اجتَمعَ صَريحُ

стр. 10149

رِوايتِه وفَتواهُ على عَدمِ الاعتِدادِ، وخالَفَ في ذلكَ ألفاظًا مُجمَلةً مُضطَربةً كما تَقدَّمَ بيانُه. وأمَّا قَولُ ابنِ عُمرَ ﵁: «ومَالي لا أَعتدُّ بها» وقَولُه: «أَرأيتَ إنْ عجَزَ واستَحمَقَ» فغايةُ هذا أنْ يكونَ رِوايةً صَريحةً عنهُ بالوُقوعِ، ويكونَ عَنهُ رِوايتانِ. وقَولُكم: «كيفَ يُفتِي بالوُقوعِ وهوَ يَعلمُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَدَّها عليهِ ولَم يَعتَّدَ عليهِ بها؟» فليسَ هذا بأوَّلِ حَديثٍ خالَفَه راوِيهِ، ولهُ بغَيرِه مِنَ الأحاديثِ الَّتي خالَفَها راويهَا أُسوةٌ حسَنةٌ في تَقديمِ رِوايةِ الصَّحابِي ومَن بَعدَهُ على رَأيهِ. وأمَّا قَولُكم: «إنَّ النِّكاحَ نِعمةٌ، فلا يكونُ سَبَبُه إلَّا طاعةً، بخِلافِ الطَّلاقِ؛ فإنَّه مِنْ بابِ إزالةِ النِّعَمِ، فيَجوزُ أنْ يكونَ سَببُه مَعصيةً»، فيُقالُ: قَدْ يَكونُ الطَّلاقُ مِنْ أكبَرِ النِّعمِ الَّتي يَفكُّ بها المُطلِّقُ الغلَّ مِنْ عُنقِه والقَيدَ مِنْ رَجْلِه، فليسَ كلُّ طلاقٍ نِقمةً، بل مِنْ تَمامِ نِعمةِ اللهِ على عِبادِه أنْ مَكَّنَهم مِنَ المُفارَقةِ بالطَّلاقِ إذا أرادَ أحَدُهم استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوجٍ والتَّخلُّصَ مِمَّنْ لا يُحبُّها ولا يُلائِمُها، فلَمْ يُرَ للمُتحابّينَ مِثلُ النِّكاحِ، ولا للمُتباغِضَينِ مِثلُ الطَّلاقِ، ثمَّ كيفَ يَكونُ نِقمةً واللهُ تعالَى يَقولُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ويَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؟!

стр. 10150

وأمَّا قَولُكُم: «إنَّ الفُروجَ يُحتَاطُ لها» فنَعَمْ، وهَكذا قُلنا سَواءً، فإنَّا احتَطْنا وأبقَيْنا الزَّوجَينِ على يَقينِ النِّكاحِ حتَّى يأتِيَ ما يُزيلُهُ بيَقينٍ، فإذا أخطَأْنا فخَطَؤُنا في جِهَةٍ واحدَةٍ، وإنْ أصَبْنا فصَوابُنا في جِهتَينِ: جِهةُ الزَّوجِ الأوَّلِ وجِهةُ الثَّاني، وأنْتُم تَرتكِبُونَ أمرَينِ: تَحريمُ الفَرْجِ على مَنْ كانَ حَلالًا لهُ بيَقينٍ، وإحلالُه لغَيرِه، فإنْ كانَ خَطأً فهوَ خَطأٌ مِنْ جِهتَينِ، فتَبيَّنَ أنَّا أَولَى بالاحتياطِ مِنكُم، وقَد قالَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ أبِي طالِبٍ في طَلاقِ السَّكرانِ نَظيرَ هذا الاحتِياطِ سَواءً، فقالَ: الَّذي لا يأمُرُ بالطَّلاقِ إنَّما أتَى خصلَةً واحِدةً، والَّذي يَأمرُ بالطَّلاقِ أتَى خصلتَينِ: حرَّمَها عليهِ وأحَلَّها لغَيرِه، فهَذا خَيرٌ مِنْ هَذا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَوضِعُ الثَّالِثُ في حُكمِ مَنْ طلَّقَ في وقْتِ الحَيضِ: فإنَّ النَّاسَ اختَلفُوا مِنْ ذلكَ في مَواضِعَ مِنها: أنَّ الجُمهورَ قالُوا: يَمضِي طَلاقُه، وقالَتْ فِرقَةٌ: لا يَنفُذُ ولا يقَعُ … فإنَّ الجُمهورَ إنَّما صارُوا إلى أنَّ الطَّلاقَ إنْ وقَعَ في الحَيضِ اعتُدَّ بهِ وكانَ طَلاقًا؛ لقَولِه ﷺ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها»، قالُوا: والرَّجعَةُ لا تَكونُ إلَّا بعْدَ طَلاقٍ.

стр. 10151

ورَوى الشَّافِعيُّ عَنْ مُسلِمِ بنِ خَالدٍ عنِ ابنِ جُرَيجٍ «أنَّهم أَرسلُوا إلى نافِعٍ يَسألُونَه: هَلْ حُسِبَتْ تَطليقةُ ابنِ عُمرَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نَعَمْ» (١). ورَوَى أنَّه الَّذي كانَ يُفتِي بهِ ابنُ عُمَرَ. وأمَّا مَنْ لَم يَرَ هذا الطَّلاقَ واقِعًا فإنَّهُ اعتَمَدَ عُمومَ قَولِه ﷺ : «كُلُّ فِعلٍ أو عَملٍ ليسَ عليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌ» (٢)، وقالُوا: أمْرُ رَسولِ اللهِ ﷺ برَدِّه يُشعِرُ بعِدمِ نُفوذِه ووُقوعِه. وبالجُملةِ فسَببُ الاختِلافِ: هل الشُّروطُ الَّتي اشتَرَطَها الشَّرعُ في الطَّلاقِ السُّنِّيِّ هيَ شُروطُ صِحَّةٍ وإجزَاءٍ؟ أم شُروطُ كمالٍ وتَمامٍ؟ فمَن قالَ: «شُروطُ إجزاءٍ» قالَ: لا يقَعُ الطَّلاقُ الَّذي عُدِمَ هذهِ الصِّفةَ. ومَن قالَ: «شُروطُ كمالٍ وتمامٍ» قالَ: يقَعُ، ويُندَبُ إلى أنْ يقَعَ كامِلًا، ولذلكَ مَنْ قالَ بوُقوعِ الطَّلاقِ وجَبْرِه على الرَّجعَةِ فقَدْ تَناقضَ، فتَدبَّرْ ذلكَ (٣). ثالثًا (مِنْ أقسام الطلاقِ): طلاقٌ ليسَ بسُنِّي ولا بِدعيٍّ: ذَكَرَ العُلماءُ أنَّ هناكَ نوعًا مِنْ النِّساءِ إذا أَوقعَ الرَّجلُ عليهنَّ الطلاقَّ فإنَّ هذا الطَّلاقَ لا يُوصَفُ بأنهُ سُنِّيٌّ ولا بأنَّه بِدعيٌّ، وإنَّما هوَ مباحٌ، وبيانُهُ فيما يلي:

стр. 10152

أ - طلاقُ الصَّغيرةِ. ب - طلاقُ غيرِ المدخولِ بها. ت - طلاقُ الآيِسةِ. ث - طلاقُ الحاملِ. وقد نصَّ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على الصَّحيحِ عندَهُم أنَّ الصَّغيرةَ والآيِسةَ وغيْرَ المدخُولِ بها وكذَا الحامِلُ على الصَّحيحِ ليسَ الطلاقُ في حقِّهنَّ سُنيًّا ولا بِدعيًّا، وكذا المختَلِعةُ عِنْدَ الشَّافعيةِ. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةُ إنَّما هوَ في المَدخولِ بها، وأمَّا غيرُ المَدخُولِ بها فليسَ في طلاقِها سنَّةٌ ولا بدعةٌ، وإنَّ أمْرَ اللهِ ومُرادَ رسولِهِ ﷺ في الطَّلاقِ للعدَّةِ هوَ طلاقُ المَدخولِ بها مِنْ النِّساءِ، فأمَّا غيرُ المَدخولِ بها فلا عِدَّةَ عليهنَّ، ولا سنَّةَ ولا بِدعةَ في طلاقِهنَّ، قالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية، ويطلِّقُ غيْرَ المَدخولِ بها زوجُها في كلِّ وقتٍ متَى شاءَ (١). وقالَ أيضًا: وأمَّا الحامِلُ فلا خِلافَ بيْنَ العُلماءِ أنَّ طلاقَها لِلسنَّةِ مِنْ أوَّلِ الحمْلِ إلى آخرِهِ؛ لأنَّ عدَّتَها أنْ تضَعَ ما في بطْنِها، وكذلكَ ثبَتَ عنِ

стр. 10153

النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ أمَرَه أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا أو حامِلًا، ولم يَخصَّ أوَّلَ الحمْلِ مِنْ آخرِه (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: اليائِسةُ والصَّغيرةُ المدخولُ بهمَا يُطلِّقُهما أيَّ وقتٍ شاءَ، وقالَ زفرُ: إذا دخَلَ بهما فلا يُطلِّقهما حتَّى يفصِلَ بيْنَ الجِماعِ والطَّلاقِ بشَهرٍ، فدليلُنا قولُهُ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقولُهُ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ: «لِيُطلِّقْها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، أو حامِلاً قد استَبانَ حَمْلُها»، فأباحَ طلاقَ الحامِلِ لِظُهورِ الحمْلِ، وذلكَ يَقتَضي أنَّهُ إذا جامَعَها وحمْلُها ظاهِرٌ فلهُ أنْ يُطلِّقَها عَقيبَ الجِماعِ واحدةً، لا يفصلُ بيْنَ الحامِلِ والحائِلِ في ذلكَ، ونَقيسُ عَليها فنَقولُ: لأنَّها ممَّن تَعتدُّ عَقيبَ الجماعِ وتُعرفُ عدَّتُها، فجازَ طلاقُها في تلكَ الحالِ كالحائِلِ، ولأنَّهُ فصْلٌ لا يُستفادُ بهِ السَّلامةُ مِنْ طلاقٍ في طُهرٍ جُومِعَ فيهِ، أو لا يُستفادُ منهُ معرفةُ جنْسِ العدَّةِ، فلَم يحتَجْ إليهِ، أصلُه ما زادَ على الشَّهرِ (٢). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا في الحامِلِ إذا استَبانَ حمْلُها فالأَحسَنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ قدْ جامَعَها وطلَّقَها عَقِيبَ الجِماعِ؛ لأنَّ الكراهَةَ في ذواتِ القُرْءِ لاحتِمالِ النَّدامةِ، لا لاحتِمالِ الحبَلِ، فمتَى طلَّقَها معَ علْمِه بالحبَلِ فالظَّاهرُ أنهُ لا يَندمُ، وكذلكَ في ذواتِ الشَّهرِ

стр. 10154

مِنَ الآيِسةِ والصَّغيرةِ الأَحسنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ عَقيبَ طُهرٍ جامَعَها فيهِ، وهذا قولُ أصحابِنا الثلاثةِ، وقالَ زفرُ: يفصلُ بينَ طلاقِ الآيسةِ والصَّغيرةِ وبيْنَ جِماعِهما بشَهرٍ. وجهُ قولِهِ: أنَّ الشَّهرَ في حقِّ الآيسةِ والصَّغيرةِ أُقيمَ مَقامَ الحيضةِ فيمَن تَحيضُ، ثمَّ يفصلُ في طَلاقِ السنَّةِ بيْنَ الوَطءِ وبيْنَ الطَّلاقِ بحَيضةٍ فيمَن تَحيضُ، فكذَا يفصلُ بينَهُما فيمَن لا تَحيضُ بشَهرٍ كما يفصلُ بينَ التَّطليقتَينِ. ولنا: أنَّ كراهَةَ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي وُجِدَ الجِماعُ فيهِ في ذواتِ الأقْراءِ؛ لاحتِمالِ أنْ تَحبلَ بالجِماعِ فيندمَ، وهذا المَعنَى لا يُوجدُ في الآيسةِ والصَّغيرةِ وإنْ وُجدَ الجِماعُ، ولأنَّ الإِياسَ والصِّغَرَ في الدَّلالةِ على براءَةِ الرَّحمِ فوقَ الحيضةِ في ذواتِ الأقْراءِ، فلمَّا جازَ الإيقاعُ ثمَّةَ عَقيبَ الحَيضةِ فلَأَنْ يجوزَ هُنا عَقيبَ الجِماعِ أَولى (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الَّتي لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بدعةَ فخَمْسٌ: الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ والحامِلُ وغيرُ المدخولِ بها والمُختَلِعةُ. أمَّا الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ؛ فلاعتِدادِهِما بالشُّهورِ الَّتي لا تَختَلفُ بحَيضٍ ولا طُهرٍ. وأمَّا غيرُ المدخولِ بهَا؛ فلِأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها فيؤثِّر فيها حَيضٌ أو طُهرٌ.

стр. 10155

وأمَّا المُختلِعَةُ؛ فلِأَنَّ خَوفَهما مِنْ أنْ لا يُقيمَا حدودَ اللهِ يَقتضِي تَعجيلَ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ اعتِبارِ سنَّةٍ ولا بدعَةٍ (١). وقالَ العَمْرانِيُّ ﵀: فإنْ كانَتْ صَغيرةً أو آيِسةً وأرادَ أنْ يُطلِّقَها .. فالمُستحَبُّ أنْ يُطلِّقَها في كلِّ شهرٍ طَلقةً؛ لأنَّ كلَّ شهرٍ بدلٌ عن قُرءٍ في حقِّها. وإنْ كانَتْ حامِلًا .. فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يُطلِّقُها كلَّ شهرٍ طلقةً. وقالَ أبو عَليِّ السّنجيُّ: يُطلِّقُها على الحمْلِ واحدةً، فإذا طَهرَتْ مِنْ النِّفاسِ .. طلَّقَها ثانيةً، ثمَّ إذا طهُرَتْ مِنْ الحَيضِ بعدَ النِّفاسِ .. طلَّقَها الثالِثةَ. وأرادَ أبو عليٍّ: إذا استَرجَعَها قبْلَ وضْعِ الحمْلِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةِ إنَّما هوَ للمَدخولِ بها، أمَّا غيرُ المَدخولِ بها فليسَ لِطلاقِها سنَّةٌ ولا بدعَةٌ، إلَّا في عَددِ الطَّلاقِ على اختِلافٍ بينَهُم فيهِ؛ وذلكَ لأنَّ الطَّلاقَ في حقِّ المَدخولِ بها إذا كانَتْ مِنْ ذَواتِ الأَقراءِ إنَّما كانَ لهُ سنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأنَّ العدَّةَ تَطولُ عليهَا بالطَّلاقِ في الحَيضِ، وتَرتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ، ويَنتَفي عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي لم يُجامِعْها فيهِ،
следующие страницы →