← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

ورَوى الشَّافِعيُّ عَنْ مُسلِمِ بنِ خَالدٍ عنِ ابنِ جُرَيجٍ «أنَّهم أَرسلُوا إلى نافِعٍ يَسألُونَه: هَلْ حُسِبَتْ تَطليقةُ ابنِ عُمرَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نَعَمْ» (١). ورَوَى أنَّه الَّذي كانَ يُفتِي بهِ ابنُ عُمَرَ. وأمَّا مَنْ لَم يَرَ هذا الطَّلاقَ واقِعًا فإنَّهُ اعتَمَدَ عُمومَ قَولِه ﷺ : «كُلُّ فِعلٍ أو عَملٍ ليسَ عليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌ» (٢)، وقالُوا: أمْرُ رَسولِ اللهِ ﷺ برَدِّه يُشعِرُ بعِدمِ نُفوذِه ووُقوعِه. وبالجُملةِ فسَببُ الاختِلافِ: هل الشُّروطُ الَّتي اشتَرَطَها الشَّرعُ في الطَّلاقِ السُّنِّيِّ هيَ شُروطُ صِحَّةٍ وإجزَاءٍ؟ أم شُروطُ كمالٍ وتَمامٍ؟ فمَن قالَ: «شُروطُ إجزاءٍ» قالَ: لا يقَعُ الطَّلاقُ الَّذي عُدِمَ هذهِ الصِّفةَ. ومَن قالَ: «شُروطُ كمالٍ وتمامٍ» قالَ: يقَعُ، ويُندَبُ إلى أنْ يقَعَ كامِلًا، ولذلكَ مَنْ قالَ بوُقوعِ الطَّلاقِ وجَبْرِه على الرَّجعَةِ فقَدْ تَناقضَ، فتَدبَّرْ ذلكَ (٣). ثالثًا (مِنْ أقسام الطلاقِ): طلاقٌ ليسَ بسُنِّي ولا بِدعيٍّ: ذَكَرَ العُلماءُ أنَّ هناكَ نوعًا مِنْ النِّساءِ إذا أَوقعَ الرَّجلُ عليهنَّ الطلاقَّ فإنَّ هذا الطَّلاقَ لا يُوصَفُ بأنهُ سُنِّيٌّ ولا بأنَّه بِدعيٌّ، وإنَّما هوَ مباحٌ، وبيانُهُ فيما يلي:

стр. 10152

أ - طلاقُ الصَّغيرةِ. ب - طلاقُ غيرِ المدخولِ بها. ت - طلاقُ الآيِسةِ. ث - طلاقُ الحاملِ. وقد نصَّ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على الصَّحيحِ عندَهُم أنَّ الصَّغيرةَ والآيِسةَ وغيْرَ المدخُولِ بها وكذَا الحامِلُ على الصَّحيحِ ليسَ الطلاقُ في حقِّهنَّ سُنيًّا ولا بِدعيًّا، وكذا المختَلِعةُ عِنْدَ الشَّافعيةِ. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةُ إنَّما هوَ في المَدخولِ بها، وأمَّا غيرُ المَدخُولِ بها فليسَ في طلاقِها سنَّةٌ ولا بدعةٌ، وإنَّ أمْرَ اللهِ ومُرادَ رسولِهِ ﷺ في الطَّلاقِ للعدَّةِ هوَ طلاقُ المَدخولِ بها مِنْ النِّساءِ، فأمَّا غيرُ المَدخولِ بها فلا عِدَّةَ عليهنَّ، ولا سنَّةَ ولا بِدعةَ في طلاقِهنَّ، قالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية، ويطلِّقُ غيْرَ المَدخولِ بها زوجُها في كلِّ وقتٍ متَى شاءَ (١). وقالَ أيضًا: وأمَّا الحامِلُ فلا خِلافَ بيْنَ العُلماءِ أنَّ طلاقَها لِلسنَّةِ مِنْ أوَّلِ الحمْلِ إلى آخرِهِ؛ لأنَّ عدَّتَها أنْ تضَعَ ما في بطْنِها، وكذلكَ ثبَتَ عنِ

стр. 10153

النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ أمَرَه أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا أو حامِلًا، ولم يَخصَّ أوَّلَ الحمْلِ مِنْ آخرِه (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: اليائِسةُ والصَّغيرةُ المدخولُ بهمَا يُطلِّقُهما أيَّ وقتٍ شاءَ، وقالَ زفرُ: إذا دخَلَ بهما فلا يُطلِّقهما حتَّى يفصِلَ بيْنَ الجِماعِ والطَّلاقِ بشَهرٍ، فدليلُنا قولُهُ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقولُهُ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ: «لِيُطلِّقْها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، أو حامِلاً قد استَبانَ حَمْلُها»، فأباحَ طلاقَ الحامِلِ لِظُهورِ الحمْلِ، وذلكَ يَقتَضي أنَّهُ إذا جامَعَها وحمْلُها ظاهِرٌ فلهُ أنْ يُطلِّقَها عَقيبَ الجِماعِ واحدةً، لا يفصلُ بيْنَ الحامِلِ والحائِلِ في ذلكَ، ونَقيسُ عَليها فنَقولُ: لأنَّها ممَّن تَعتدُّ عَقيبَ الجماعِ وتُعرفُ عدَّتُها، فجازَ طلاقُها في تلكَ الحالِ كالحائِلِ، ولأنَّهُ فصْلٌ لا يُستفادُ بهِ السَّلامةُ مِنْ طلاقٍ في طُهرٍ جُومِعَ فيهِ، أو لا يُستفادُ منهُ معرفةُ جنْسِ العدَّةِ، فلَم يحتَجْ إليهِ، أصلُه ما زادَ على الشَّهرِ (٢). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا في الحامِلِ إذا استَبانَ حمْلُها فالأَحسَنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ قدْ جامَعَها وطلَّقَها عَقِيبَ الجِماعِ؛ لأنَّ الكراهَةَ في ذواتِ القُرْءِ لاحتِمالِ النَّدامةِ، لا لاحتِمالِ الحبَلِ، فمتَى طلَّقَها معَ علْمِه بالحبَلِ فالظَّاهرُ أنهُ لا يَندمُ، وكذلكَ في ذواتِ الشَّهرِ

стр. 10154

مِنَ الآيِسةِ والصَّغيرةِ الأَحسنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ عَقيبَ طُهرٍ جامَعَها فيهِ، وهذا قولُ أصحابِنا الثلاثةِ، وقالَ زفرُ: يفصلُ بينَ طلاقِ الآيسةِ والصَّغيرةِ وبيْنَ جِماعِهما بشَهرٍ. وجهُ قولِهِ: أنَّ الشَّهرَ في حقِّ الآيسةِ والصَّغيرةِ أُقيمَ مَقامَ الحيضةِ فيمَن تَحيضُ، ثمَّ يفصلُ في طَلاقِ السنَّةِ بيْنَ الوَطءِ وبيْنَ الطَّلاقِ بحَيضةٍ فيمَن تَحيضُ، فكذَا يفصلُ بينَهُما فيمَن لا تَحيضُ بشَهرٍ كما يفصلُ بينَ التَّطليقتَينِ. ولنا: أنَّ كراهَةَ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي وُجِدَ الجِماعُ فيهِ في ذواتِ الأقْراءِ؛ لاحتِمالِ أنْ تَحبلَ بالجِماعِ فيندمَ، وهذا المَعنَى لا يُوجدُ في الآيسةِ والصَّغيرةِ وإنْ وُجدَ الجِماعُ، ولأنَّ الإِياسَ والصِّغَرَ في الدَّلالةِ على براءَةِ الرَّحمِ فوقَ الحيضةِ في ذواتِ الأقْراءِ، فلمَّا جازَ الإيقاعُ ثمَّةَ عَقيبَ الحَيضةِ فلَأَنْ يجوزَ هُنا عَقيبَ الجِماعِ أَولى (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الَّتي لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بدعةَ فخَمْسٌ: الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ والحامِلُ وغيرُ المدخولِ بها والمُختَلِعةُ. أمَّا الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ؛ فلاعتِدادِهِما بالشُّهورِ الَّتي لا تَختَلفُ بحَيضٍ ولا طُهرٍ. وأمَّا غيرُ المدخولِ بهَا؛ فلِأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها فيؤثِّر فيها حَيضٌ أو طُهرٌ.

стр. 10155

وأمَّا المُختلِعَةُ؛ فلِأَنَّ خَوفَهما مِنْ أنْ لا يُقيمَا حدودَ اللهِ يَقتضِي تَعجيلَ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ اعتِبارِ سنَّةٍ ولا بدعَةٍ (١). وقالَ العَمْرانِيُّ ﵀: فإنْ كانَتْ صَغيرةً أو آيِسةً وأرادَ أنْ يُطلِّقَها .. فالمُستحَبُّ أنْ يُطلِّقَها في كلِّ شهرٍ طَلقةً؛ لأنَّ كلَّ شهرٍ بدلٌ عن قُرءٍ في حقِّها. وإنْ كانَتْ حامِلًا .. فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يُطلِّقُها كلَّ شهرٍ طلقةً. وقالَ أبو عَليِّ السّنجيُّ: يُطلِّقُها على الحمْلِ واحدةً، فإذا طَهرَتْ مِنْ النِّفاسِ .. طلَّقَها ثانيةً، ثمَّ إذا طهُرَتْ مِنْ الحَيضِ بعدَ النِّفاسِ .. طلَّقَها الثالِثةَ. وأرادَ أبو عليٍّ: إذا استَرجَعَها قبْلَ وضْعِ الحمْلِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةِ إنَّما هوَ للمَدخولِ بها، أمَّا غيرُ المَدخولِ بها فليسَ لِطلاقِها سنَّةٌ ولا بدعَةٌ، إلَّا في عَددِ الطَّلاقِ على اختِلافٍ بينَهُم فيهِ؛ وذلكَ لأنَّ الطَّلاقَ في حقِّ المَدخولِ بها إذا كانَتْ مِنْ ذَواتِ الأَقراءِ إنَّما كانَ لهُ سنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأنَّ العدَّةَ تَطولُ عليهَا بالطَّلاقِ في الحَيضِ، وتَرتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ، ويَنتَفي عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي لم يُجامِعْها فيهِ،

стр. 10156

أمَّا غيرُ المَدخولِ بها فلا عدَّةَ عليهَا تَنفي تَطويلَها أو الارتيابَ فيهَا، وكذلكَ ذواتُ الأشهُرِ كالصَّغيرةِ الَّتي لم تَحِضْ والآيِساتِ مِنْ المَحيضِ لا سنَّةَ لِطلاقِهنَّ ولا بدعةَ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تَطولُ بطلاقِها في حالٍ، ولا تَحمِلُ فتَرتابُ، وكذلكَ الحامِلُ الَّتي استَبانَ حمْلُها، فهؤلاءِ كلُّهنَّ ليسَ لِطلاقِهنَّ سنَّةٌ ولا بدعَةٌ مِنْ جهةِ الوقتِ في قَولِ أصحابِنا، وهوَ مذهَبُ الشَّافعيِّ وكثيرٍ مِنْ أهلِ العِلمِ (١).

стр. 10157

فصل في الطَّلاقِ الثَّلاثِ بلَفظٍ واحِدٍ أو في مَجلسٍ واحِدٍ الطَّلاقُ الثَّلاثُ بلفْظٍ واحدٍ أو مَجلِسٍ واحدٍ لا يَخلُو مِنْ صورتَينِ: إمَّا أنْ يكونَ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها. الصورة الأولى: حكمُ الطلاقِ الثلاثِ بلَفظٍ واحِدٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ أو في طُهرٍ واحدٍ قبلَ أن يُراجعَها للمَدخولِ بهَا: هذهِ المَسألةُ مِنْ أعظَمِ مسائلِ الطَّلاقِ، وهيَ كثيرةُ الوقوعِ، والفتَاوى مُضطرِبةٌ فيها. وقد اختَلفَ فقهاءُ الأمَّةِ في حكْمِ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ بلفْظٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ بالثَّلاثِ»، وكذا في مَجلسٍ واحدٍ مُتفرِّقًا، أو في طُهرٍ واحدٍ قبْلَ رَجعةٍ، هل تُحسَبُ عليهِ واحدةٌ أم ثلاثٌ؟ على قولَينِ: القولُ الأوَّلُ: وهوَ الَّذي عليهِ عامَّةُ فقهاءِ الأمَّةِ، ونقَلَ فيهِ الإجماعَ عددٌ كبيرٌ منهم، أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بلفظٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ بالثَّلاثِ» أو «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» إذا لم يُرِدْ تأكيدًا، أو في طُهرٍ واحدٍ ولو قبْلَ رجعةٍ أنَّهُ يقعُ ثلاثَ طلَقَاتٍ، وتكونُ بذلكَ قد بانَتْ منهُ زوجتُهُ، ولا

стр. 10158

تحِلُّ لهُ حتَّى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ، وبهذا القولِ قالَ عامَّةُ فقهاءِ الإسلامِ مِنْ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِهم، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ والقياسِ. أمَّا الكتابُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ووجهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ لم يُفرِّقْ بيْنَ إيقاعِ الطَّلقةِ الواحدةِ والاثنتَينِ والثَّلاثِ في هذهِ الأحكامِ، فدلَّ هذا على أنَّ مَنْ أَوقَعَ الطَّلَقاتِ بأيِّ عَددٍ فقدْ لَزمَتْه، وأنَّه لمَّا جازَ جَمعُ الثنْتَينِ في الطَّلاقِ دفعةً واحدةً جازَ جَمعُ الثَّلاثِ (١). وقولُ اللهِ تعَالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فكانَ رفْعُ الجُناحِ عنهُ مِنْ غيرِ تمييزٍ لعَددٍ يُوجبُ التَّسويةَ بيْنَ الأعدادَ (٢).

стр. 10159

وقولُهُ تعَالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، يعني: النَّدم الَّذي يُمكنُ تَلافيهِ بالرَّجعةِ، فأمَرَنا أنْ نُطلِّقَ ما نَملكُ معهُ الرَّجعةَ؛ لئلَّا يَلحقَنا ندمٌ عليهِ، فلا يكونُ لنا سَبيلٌ إلى تَلافِيهِ، فلولا أنَّهُ يقعُ إذا أَوقَعْناهُ على هذا الوجهِ وإلَّا لم يَكنْ لهذا القَولِ معنًى؛ لأنَّ ما يَحدثُ يُمكنُ تَلافِيه بالرَّجعةِ على قَولِ مَنْ يقولُ: «يَقعُ واحدةً»، أو لا يؤثِّرُ على قولِ مَنْ يقولُ: «لا يقَعُ جُمْلةً». ولقولِهِ تعالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، وهذا مَوضوعُهُ الزَّجرُ عنِ الفِعلِ والرَّدعُ عنهُ، فلولا أنَّهُ واقِعٌ وإلَّا لم يَصِفْه بأنَّهُ ظالِمُ نفْسِهِ؛ لأنَّه كانُ يكونُ لغوًا، واللَّاغِي لا يقالُ لهُ ذلكَ (١). وأمَّا السُّنةُ: فعنِ ابنِ شهابِ أنَّ سَهلَ بنَ سَعدٍ السَّاعديَّ أخبَرَهُ «أنَّ عُويْمِرًا العجْلانِيَّ جاءَ إلى عاصِمِ بنِ عدِيٍّ الأنصارِيِّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أَرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرأتِهِ رَجلًا أَيَقتلُه فتَقتلُونَهُ أمْ كيفَ يَفعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عَنْ ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عاصِمٌ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فكَرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسائلَ وعابَها حتَّى كَبُرَ على عاصِمٍ ما سَمِعَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رجَعَ عاصِمٌ إلى أَهلِهِ جاءَ عوَيْمِرٌ فقالَ: يا عاصِمُ ماذا قالَ لكَ رَسولُ اللهِ ﷺ ؟ فقالَ عاصِمٌ:

стр. 10160

لَم تَأْتِني بخَيرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسألَةَ الَّتي سَأَلتُه عنها، قالَ عوَيْمِرٌ: واللهِ لا أَنتَهي حتى أَسألَهُ عنها، فأَقبَلَ عوَيْمِرٌ حتَّى أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ وَسطَ النَّاسِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرأَتِهِ رَجلًا أَيَقتلُهُ فتَقتلُونَهُ أمْ كيفَ يَفعَلُ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : قد أنْزَلَ اللهُ فيكَ وفي صَاحبَتِكَ فاذهَبْ فأْتِ بها، قالَ سَهْلٌ: فتَلاعَنَا وأنا معَ النَّاسِ عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُوَيْمرٌ: كذَبْتُ عَليها يا رَسُولَ اللهِ إنْ أَمسَكتُها، فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ، قالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنّةَ المُتَلاعنَينِ» (١). وحجَّةُ الفُقهاءِ في جَوازِ طلاقِ الثَّلاثِ في كلمَةٍ قولُهُ في اللِّعانِ: «فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بذلكَ»، وقبْلَ أنْ يخبِرَه أنَّها تَطلُقُ عليهِ باللِّعانِ، ولو كانَ ذلكَ مَحظورًا عليهِ لنَهاهُ رَسولُ اللهِ ﷺ عن ذلكَ وأَعلَمَه أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ ومَعصيةٌ، فصحَّ أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ مُباحٌ وواقِعٌ، ولَولا ذلكَ لَم يُقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ (٢). وعَن عُروةُ بنِ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ ﵂ أخبَرَتْه «أنَّ امرَأةَ رفاعَةَ القُرَظيِّ جاءَتْ إلى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسُولَ اللهِ إنَّ رفاعَةَ طَلَّقَني فبَتَّ طَلاقِي، وإنِّي نَكحتُ بعْدَهُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ القُرَظِيَّ، وإنَّما معه

стр. 10161

مِثلُ الهُدْبةِ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لعَلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرجعِي إلى رفاعَةَ؟ لا حتَّى يَذوقَ عُسَيْلتَكِ وتَذُوقي عُسَيلتَهُ» (١). وعَن القاسِمُ بنِ مُحمَّدٍ عَنْ عائِشةَ ﵂ أنَّ رجُلًا طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا فتَزوَّجَتْ فطَلَّقَ، فسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قالَ: «لا حتَّى يَذُوقَ عُسَيلتَها كما ذاقَ الأوَّلُ» (٢). قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأمَّا وَجهُ التعلُّقِ بحَديثِ رفاعَةَ في هذا البابِ فقَولُها: إنَّ رفاعَةَ طلَّقنِي فبَتَّ طَلاقِي، فحمَلَهُ البُخاريُّ على أنَّ ذلكَ كانَ في كلِمةٍ واحدةٍ، وقد جاءَ في الحَديثِ أنَّها قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ رفاعَةَ طلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثٍ»، ذكَرَه في كِتابِ الأدَبِ في بابِ التبسُّمِ والضَّحكِ، فبانَ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ مُفتَرِقاتٍ، ولم تكنْ في كلمةٍ، فلا حُجَّةَ بهذا الحَديثِ في هذا البابِ (٣). وما رواهُ مسلِمٌ في «صَحيحهِ» ١٤٧٢: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ومُحمَّدُ بنُ رافِعٍ، واللَّفظُ لابنِ رافِعٍ، قالَ إسحاقُ: أخبَرَنا، وقالَ ابنُ رافِعٍ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ أخبَرَنا مَعْمَرٌ عن ابنِ طاوُسٍ عن أبيهِ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأَبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ

стр. 10162

خِلافةِ عُمرَ طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدةً، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ: إنَّ النَّاس قد استَعجَلُوا في أَمرٍ قد كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلَو أمضَيناهُ عَليهم، فأمضاهُ عَليهم». ١٤٧٢: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أخبَرَنا رَوحُ بنُ عبادَةَ أخبَرَنا ابنُ جرَيجٍ ح، وحدَّثَنا ابنُ رَافعٍ واللَّفظُ لهُ، حدَّثَنا عبدُ الرزَّاقِ أخبَرَنا ابنُ جُرَيجٍ أخبَرَني ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أَتعلَمُ أنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجعَلُ واحِدةً عَلى عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بَكرٍ وثَلاثًا من إمارَةِ عُمرَ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَم». ١٤٧٢: وحدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أخبَرَنا سُلَيمانُ بنُ حَربٍ عن حمَّادِ بن زَيدٍ عن أيُّوبَ السَّخْتيانِيِّ عَنْ إبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ عن طاوُسٍ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: هاتِ مِنْ هَناتِكَ، ألَم يَكنِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بَكرٍ واحِدةً؟ فقالَ: قدْ كانَ ذلكَ، فلمَّا كانَ في عَهدِ عُمرَ تتَايعَ النَّاسُ في الطَّلاقِ فأَجازَهُ عَليهِم» (١). وقَولُه ﷺ : «ثمَّ لِيُطلِّقْها طاهِرًا أو حامِلًا» (٢)، ولَم يُفرِّقْ بيْنَ أنْ يُطلِّقَها واحدةً أو ثَلاثًا، فلَو كانَ الحُكمُ يَختَلفُ .. لبيَّنهُ. ورَوى الإمامُ الشَّافعيُّ عَنْ عمِّه مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ شافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ عن نافعِ بنِ عُجيرِ بنِ عبدِ يزيدَ أَنَّ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طَلَّقَ

стр. 10163

امرَأتَهُ سُهَيمةَ الْبتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أَرَدتُ إلَّا واحِدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ ما أَردتَ إلَّا واحِدةً؟ فقالَ رُكانَةُ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحِدةً، فرَدَّها إلَيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زَمانِ عُمرَ والثَّالثَةَ في زَمانِ عُثمانَ» (١). فدلَّ على أنَّه لو أَرادَ الثَّلاثِ .. وقَعْنَ؛ إذْ لَو لَم يقَعْنَ .. لم يكُنْ لاستِحلافِه ﷺ له معنًى. ورويَ عنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّه طَلَّقَ امرَأتَهُ تَطليقَةً وهيَ حائِضٌ، ثُمَّ أَرادَ أنْ يُتبِعَها بتَطليقتَينِ أُخراوَينِ عِنْدَ القُرْئَينِ، فبَلَغَ ذلكَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «يا ابنَ عُمرَ ما هكذا أمَرَكَ اللَّهُ إنَّكَ قَدْ أَخطَأتَ السُّنَّةَ، والسُّنَّةُ أنْ تَستقبِلَ الطُّهرُ فيُطلِّقَ لكُلِّ قُروءٍ»، قالَ: فأمَرَنِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ فرَاجَعْتُها ثُمَّ قالَ: «إذا هيَ طَهُرَتْ فطَلِّقْ عندَ ذلكَ أو أَمسِكْ»، فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ رَأيتَ لو أنِّي طَلَّقْتُها ثَلاثًا كانَ يَحِلُّ لي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: «لا كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتكونُ مَعصيةً» (٢).

стр. 10164

وفي حَديثِ فاطمِةَ بنتِ قَيسِ: «أنَّ زَوْجَها أَرسلَ إلَيها بثَلاثِ تَطليقاتٍ» (١). وعَن مَحمودَ بنِ لبيدٍ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثَ تَطليقاتٍ جَميعًا، فقَامَ غَضبانًا ثمَّ قالَ: «أَيُلعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أَظهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رجُلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللّهِ ألَا أقتُلُه» (٢). وعَن عَليٍّ ﵁ قالَ: سَمعَ النَّبيُّ ﷺ رَجلًا طَلَّقَ الْبتَّةَ فغَضبَ وقالَ: «تَتَّخِذُونَ آياتِ اللَّهِ هُزوًا أو دِينَ اللَّهِ هُزوًا ولَعِبًا! مَنْ طَلَّقَ البَتَّة أَلزَمناهُ ثَلاثًا لا تَحِلُّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه» (٣). وعَن مُجاهدٍ قالَ: «كنتُ عِنْدَ ابنِ عبَّاسٍ فجاءَ رجُلٌ فقَالَ إنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا قالَ: فسَكَتَ حتَّى ظَننتُ أنَّهُ رادُّها إلَيه ثمَّ قالَ: يَنطَلقُ أحدُكُم فيَركَبُ الحُموقةَ ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وإنَّكَ لم تتَّقِ اللهَ فلَم أجِدْ لك مَخرَجًا، عَصَيتَ ربَّكَ وبانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ» (٤). وعَن مُجاهدٍ أيضًا: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ «سُئِلَ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ

стр. 10165

امرَأتَهُ مِائةً، فقالَ: عَصَيتَ ربَّكَ، وفارَقْتَ امرأتَكَ» (١). وعن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرَأتَهُ أَلفًا، قالَ: يَكفِيكَ مِنْ ذلكَ ثلاثٌ» (٢). وعَن سعيدٍ أيضًا: «أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ سُئلَ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ عَددَ النُّجومِ، قالَ: أَخطأَ السُّنةَ، وحَرُمَتْ عَليهِ امرأتُهُ» (٣). وهَذا كلُّهُ يَدلُّ على إجماعِهم على صحَّةِ وُقوعِ الثَّلاثِ بالكلمةِ الواحِدةِ. وأمَّا الإجماع: فقدْ نَقلَ عَددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على وُقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بلفْظٍ واحدٍ، وكذا لَو طلَّقَها ثَلاثًا بثَلاثِ كَلِماتٍ. قالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زوجتَهَ أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ أنَّ ثَلاثًا مِنها تُحرِّمُها عليهِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: اتَّفقَ أئمةُ الفَتوى على لُزومِ إيقاعِ طلاقِ الثَّلاثِ في كلمةٍ واحدةٍ، فإنَّ ذلكَ عندَهُم مُخالِفٌ للسَّنَّةِ، وهوَ قولُ جُمهورِ السَّلفِ، والخِلافُ في ذلكَ شُذوذٌ، وإنَّما تَعلَّقَ به أهْلُ البِدعِ ومَن لا يُلتَفتُ إليهِ؛ لِشُذوذِهِ عنِ الجماعَةِ الَّتي لا يَجوزُ عَليها التَّواطؤُ على تَحريفِ

стр. 10166

الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما يروى الخِلاف في ذلكَ عنِ السَّلفِ، الحجَّاج بن أرطاةَ ومحمَّد بن إسحاقَ، قالَ أبو يُوسفَ القاضِي: كانَ الحجَّاجُ بنُ أرطاةَ يَقولُ: ليسَ طَلاقُ الثَّلاثِ بشَيءٍ، وكانَ ابنُ إسحاقَ يقولُ: تُرَدُّ الثَّلاثُ إلى واحِدةٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وُقوعُ الثَّلاثةِ مُجتمِعاتٍ غيْرَ مُتفرِّقاتٍ ولزومُها، وهوَ ما لا خِلافَ فيهِ بيْنَ أئمةِ الفَتوَى بالأمصارِ، وهوَ المأثورُ عنْ جُمهورِ السَّلفِ، والخِلافُ فيهِ شُذوذٌ تَعلَّقَ بهِ أهلُ البِدعِ ومَن لا يُلتَفتُ إلى قولِهِ؛ لِشُذوذِهِ عنْ جماعةٍ لا يَجوزُ على مِثلِها التَّواطؤُ على تَحريفِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم يَحتجُّونَ فيهِ بابنِ عبَّاسٍ، وابنُ عبَّاسٍ قدِ اختُلفَ عنهُ في ذلكَ (٢). وقالَ أيضًا: وأمَّا وُقوعُ الثَّلاثِ تَطلِيقاتٍ مُجتمِعاتٍ بكَلمةٍ واحدةٍ فالفُقهاءُ مُختلِفونَ في هَيئةِ وُقوعِها كذلكَ، هلْ تقَعُ للسُّنَّةِ أم لا؟ معَ إجماعِهم على أنَّها لازِمةٌ لِمَنْ أَوقَعَها (٣). وقالَ أيضًا ﵀: فهؤلاءِ الصَّحابةُ كلُّهم قائِلونَ وابنُ عبَّاسٍ معَهُم بِخِلافِ ما رَواهُ طاوسٌ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ، وعلَى ذلكَ جَماعاتُ التَّابعِينَ وأَئمةُ

стр. 10167

الفَتوَى في أمصارِ المُسلمِينَ، وإنَّما تعلَّقَ برِوايةِ طاوسٍ أهلُ البِدعِ، فلَم يَرَوُا الطَّلاقَ لازِمًا إلَّا على سُنَّتِه، فجَعلُوا مُخالِفَ السُّنَّةِ أخفَّ حالًا فلَم يُلزِمُوهُ طَلاقًا، وهذا جَهلٌ واضِحٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ مِنْ القُرَبِ إلى اللهِ تعالَى فلا يقَعُ إلَّا على سُنَّتِهِ، إلى خِلافِ السَّلفِ والخلَفِ الَّذينَ لا يَجوزُ عليهِم تَحريفُ السُّنَّةِ ولا الكِتابِ. وممَّنْ قالَ بأنَّ الثَّلاثةَ في كَلمةٍ واحدِةٍ تَلزمُ مُوقِعَها ولا تَحلُّ لهُ امرأتُهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهم والثَّوريُّ وابنُ أبي لَيلَى والأوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ وعُثمانُ البَتيُّ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحسَنِ والحسَنُ بنُ حيٍّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويهِ وأبو ثَورٍ وأَبو عُبيدٍ ومُحمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ. وما أَعلمُ أحدًا مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ قالَ بغَيرِ هذا إلَّا الحجَّاجَ بنَ أَرطأةَ ومحمَّدَ بنَ إِسحاقَ، وكلاهُما ليسَ بِفَقيهٍ، ولا حُجَّةَ فيما قالَهُ (١). وقالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ نَصرٍ المروزِيُّ ﵀: لا اختِلافَ بينَ أهْلِ العِلمِ أنَّها إذا كانَتْ مَدخُولًا بها فَقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» سكَتَ أو لَم يَسكُتْ فيمَا بيْنَهُما عَنها طالِقٌ ثلاثًا، إلَّا أنْ يُريدَ تَكرارَ الكَلامِ بقَولِه الثانيةَ الثَّالثةَ، واللهُ أَعلمُ (٢).

стр. 10168

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بكلمةٍ واحدةٍ أو بِكَلماتٍ في حالَةٍ واحدَةٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ يَقعُ، ولَم يختَلفُوا فيهِ (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا حُكمُ طلاقِ البدعَةِ فهوَ أنَّهُ واقِعٌ عندَ عامَّةِ العُلماءِ، وقالَ بعضُ النَّاسِ أنَّهُ لا يَقعُ، وهوَ مذهَبُ الشِّيعةِ أَيضًا. وجهُ قولِهمْ: أنَّ هَذا الطَّلاقَ مَنهيٌّ عنهُ لِمَا ذكَرْنا مِنَ الدَّلائلِ فَلا يكونُ مَشروعًا، وغَيرُ المَشروعِ لا يكونُ مُعتبَرًا في حَقِّ الحُكمِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى جَعلَ لنا وِلايةَ الإيقاعِ على وجْهٍ مَخصُوصٍ، ومَن جُعِلَ لهُ ولايةُ التَّصرُّفِ على وَجهٍ لا يَملكُ إيقاعَهُ على غَيرِ ذلكَ الوجهِ، كالوَكيلِ بالطَّلاقِ علَى وَجهِ السُّنَّةِ إذا طلَّقَها للبِدعةِ أنَّهُ لا يَقعُ؛ لِمَا قُلنَا، كذا هذا. ولنا: ما رُويَ عَنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ أنَّ بعضَ آبائِهِ طلَّقَ امرأتَهُ أَلفًا فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ ﷺ : «بانَتْ بالثَّلاثِ في مَعصيةٍ، وتسعُمِائةٍ وسَبعةٌ وتِسعُونَ فيما لا يَملِكُ». ورويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ قالَ: إنَّ أَحدَكُم يَركَبُ الأُحمُوقَةَ فيُطلِّقُ امرأتَهُ أَلفًا ثمَّ يأتِي فيَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ وإنَّكَ لم تَتَّقِ اللهَ فلا أَجِدُ لكَ مَخرَجًا، بانَتِ امرأتُكَ وعَصيتَ رَبَّكَ. ورَوَينَا عَنْ عُمرَ ﵁ أنَّه كانَ لا يُؤتَى بِرَجلٍ قد طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا إلَّا

стр. 10169

أَوجَعَهُ ضَربًا وأَجازَ ذلكَ عليهِ، وكانَتْ قَضاياهُ بمَحضَرٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ أجمعِينَ، فيَكونُ إجماعًا مِنهُم على ذلكَ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملَةُ ذلكَ أنَّ الرَّجلَ إذا قَالَ لامرأتِهِ: «أنْتِ طالِقٌ ثلاثًا» فهيَ ثلاثٌ وإنْ نَوى واحِدةً، لا نَعلمُ فيهِ خلافًا (٢). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: إذا طلَّقَ ثلاثًا يَقعُ عليهِ الثَّلاثُ، وهَذا مَذهَبُنا ومَذهبُ العامَّةِ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واتَّفقَ أَئمةُ الفَتوى على لُزومِ إيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحدةٍ، وهوَ قولُ جُمهورِ السَّلفِ، وشذَّ طاوسٌ وبعضُ أهلِ الظَّاهرِ إلى أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحدةٍ يقعُ واحدَةً، ويُروى هذا عَنْ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ والحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ، وقيلَ عنهُما: لا يَلزَمُ منهُ شَيءٌ، وهوَ قولُ مقاتِلٍ، ويُحكَى عن داودَ أنَّهُ قالَ: لا يَقعُ، والمَشهورُ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ وجُمهورِ السَّلفِ والأَئمةِ أنَّهُ لازِمٌ واقِعٌ ثلاثًا، ولا فَرْقَ بيْنَ أنْ يُوقِعَ ثلاثًا مُجتَمِعةً في كَلمةٍ أو مُتفرِّقةً في كَلِماتٍ (٤).

стр. 10170

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: فالرَّاجحُ في المَوضِعَينِ تَحريمُ المُتعةِ وإِيقاعُ الثَّلاثِ؛ لِلإجماعِ الَّذي انعقَدَ في عَهدِ عُمرَ على ذلكَ، ولا يُحفظُ أنَّ أحدًا في عَهدِ عُمرَ خالَفَهُ في واحدَةٍ مِنهُما، وقد دلَّ إجماعُهم على وُجودِ ناسِخٍ، وإنْ كانَ خَفِيَ عَنْ بَعضِهم قبْلَ ذلكَ حتَّى ظهَرَ لِجَميعِهِم في عَهدِ عُمرَ، فالمُخالِفُ بعدَ هذا الإجماعُ منابِذٌ لهُ، والجُمهورُ على عَدمِ اعتِبارِ مَنْ أَحدَثَ الاختِلافَ بعْدَ الاتِّفاقِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على أنَّ الطَّلاقَ بِلفظِ الثَّلاثِ حُكمُه حُكمُ الطَلْقةِ الثَّالثةِ. وقالَ أهلُ الظَّاهِرِ وجماعةٌ: حُكمُهُ حكمُ الواحدَةِ ولا تَأثيرَ للَّفظِ في ذلكَ، وحجَّةُ هؤلاءِ ظاهرُ قولِهِ تعَالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قولِهِ في الثَّالثةِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والمطلِّقُ بلفظِ الثَّلاثِ مُطلِّقُ واحدةٍ لا مُطلِّقُ ثلاثٍ. واحتَجُّوا أيضًا بِما خرَّجَهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً، فأَمضاهُ عليهِم عُمرُ» (٢). واحتجُّوا أيضًا بمَا رواهُ ابنُ إسحاقَ عن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ:

стр. 10171

«طلَّق ركانَةُ زَوجَهُ ثلاثًا في مَجلِسٍ واحِدٍ، فحَزِنَ عليها حُزنًا شَديدًا، فسَألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ طلَّقْتَها؟ قالَ: طلَّقْتُها ثلاثًا في مَجلسٍ واحدٍ، قالَ: إنَّما تِلكَ طلْقَةٌ واحدَةٌ فارْتَجِعْها». وقد احتَجَّ مَنِ انتَصَرَ لقَولِ الجُمهورِ بأنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ الواقِعَ في الصَّحيحَينِ إنَّما رواهُ عنهُ مِنْ أصحابِهِ طاوسٌ، وأنَّ جلَّةَ أصحابِهِ رَوَوْا عنهُ لُزومَ الثَّلاثِ، منهُم سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومجاهدٌ وعطاءٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ وجَماعةٌ غَيرُهم، وأنَّ حَديثَ ابنِ إسحاقَ وَهْمٌ، وإنَّما رَوى الثِّقاتُ أنَّهُ طلَّقَ رُكانَةُ زَوجَهُ البتةَ لا ثَلاثًا. وسببُ الخِلافِ: هلِ الحُكمُ الَّذي جعَلَهُ الشَّرعُ مِنَ البَينُونةِ للطَّلقةِ الثَّالثةِ يقَعُ بإلزامِ المُكلَّفِ نفْسَه هذا الحُكْمَ في طَلقةٍ واحدَةٍ؟ أم ليسَ يَقعُ ولا يَلزَمُ مِنْ ذلكَ إلَّا ما أَلزَمَ الشَّرعُ؟ فمَنْ شبَّهَ الطَّلاقَ بالأَفعالِ الَّتِي يُشتَرَطُ في صحِّةِ وُقوعِها كَونُ الشُّروطِ الشَّرعيَّةِ فيها كالنِّكاحِ والبُيوعِ قالَ: «لا يَلزَمُ»، ومَن شَبَّهَهُ بالنُّذورِ والأَيمانِ الَّتي ما التَزمَ العبدُ مِنها لَزمَه على أيِّ صِفَةٍ كانَ أَلزَمَ الطَّلاقَ كيفَما أَلزمَهُ المُطلِّقُ نفْسَه، وكأنَّ الجُمهورَ غَلَّبُوا حُكمَ التَّغليظِ في الطَّلاقِ سَدًّا لِلذَّريعةِ، ولكنْ تَبطُلُ بِذاكَ الرُّخصَةُ الشَّرعيَّةُ والرِّفقُ المَقصودُ في ذلكَ، أعنِي في قَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (١).

стр. 10172

وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ ﵀: بابُ الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ ثَلاثًا مَعًا. حدَّثَنا رَوحُ بنُ الفَرَجِ قالَ: ثَنَا أَحمدُ بنُ صالِحٍ قالَ: ثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أخبَرَنا ابنُ جُريجٍ قالَ: أخبَرَنِي ابنُ طَاوُسٍ عَنْ أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أَتعلَمُ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وثَلاثًا مِنْ إِمارةِ عُمرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ». قالَ أبو جَعفَرٍ: فذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا طَلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا معًا فقَدْ وقَعَتْ عَليها واحدَةٌ إذا كانَتْ في وقْتِ سُنَّةٍ، وذلكَ أنْ تكونَ طاهِرًا في غَيرِ جِماعٍ، واحتَجُّوا في ذلكَ بهذا الحَديثِ، وقالُوا: لمَّا كانَ اللهُ إنِّما أَمَرَ عِبادَهُ أنْ يُطلِّقُوا لوَقتٍ على صِفةٍ فطلَّقَوا على غَيرِ ما أمَرَهُم بهِ لم يقَعْ طلاقُهُم، وقالُوا: ألَا تَرَونَ أنَّ رَجلًا لو أمَرَ رَجلًا أنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ في وَقتٍ على صِفةٍ فطَلَّقَها في غَيرِه، أو أمَرَهُ أنْ يُطلِّقَها على شَريطةٍ فطَلَّقَها على غَيرِ تلكَ الشَّريطةِ أنَّ ذلكَ لا يَقعُ؛ إذْ كانَ قدْ خالَفَ ما أُمِرَ بهِ، قالُوا: فكَذلكَ الطَّلاقُ الَّذي أُمِرَ بهِ العِبادُ، فإذا أَوقَعوهُ كما أُمِرُوا بهِ وقَعَ، وإذا أَوقَعوهُ على خِلافِ ذلكَ لم يَقعْ. وخالَفَهُم في ذلكَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ فقالُوا: الَّذي أُمِرَ بهِ العِبادُ مِنْ إيقاعِ الطَّلاقِ فهوَ كما ذَكرْتُم، إذا كانَتِ المَرأةُ طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعِ أو كانَتْ حامِلًا، وأُمِرُوا بتَفريقِ الثَّلاثِ إذا أرادُوا إيقاعَهنَّ، ولا يُوقِعونَهنَّ معًا، فإذا

стр. 10173

خالَفُوا ذلكَ فطَلَّقُوا في الوقتِ الَّذي لا يَنبغِي لهم أنْ يُطلِّقُوا فيهِ وأَوقعُوا مِنَ الطَّلاقِ أكثَرَ مِمَّا أُمِرُوا بإيقاعِهِ لَزمَهم ما أَوقَعُوا مِنْ ذلكَ، وهمْ آثِمُونَ في تَعدِّيهم ما أمَرَهُم اللهُ ، وليسَ ذلكَ كالوكالاتِ؛ لأنَّ الوُكلاءَ إنِّما يَفعلُونَ ذلكَ للمُوكِّلِينَ، فيَحلُّونَ في أفعالِهم تلكَ مَحلَّهم، فإنْ فَعلُوا ذلكَ كما أُمِرُوا لَزِمَ، وإنْ فَعلُوا ذلكَ على غَيرِ ما أُمِرُوا بهِ لَم يَلزمْ، والعِبادُ في طَلاقِهم إنَّما يَفعلُونَه لأنفُسِهم لا لغَيرِهم، لا لِرَبِّهم ، ولا يَحلُّونَ في فِعلِهم ذلكَ مَحلَّ غَيرِهم، فيُرادُ مِنهُم في ذلكَ إصابَةُ ما أَمَرَهم بهِ الَّذينَ يَحلُّونَ في فِعلِهم ذلكَ مَحلَّهم، فلمَّا كانَ ذلكَ كذلكَ لَزِمَهم ما فَعلُوا وإنْ كانَ ذلكَ ممَّا قد نُهُوا عنهُ؛ لأنَّا قد رَأَينا أشياءَ ممَّا قد نهَى اللهُ تعالَى العِبادَ عنْ فِعلِها أَوجَبَ عليهِم إذا فعَلُوها أحكامًا، مِنْ ذلكَ أنَّهُ نهَاهُم عنِ الظِّهارِ، ووَصَفَه بأنهُ مُنكَرٌ مِنَ القَولِ وزُورٌ، ولَم يَمنَعْ ما كانَ كذلكَ أنْ تَحرُمَ بهِ المرأةُ على زَوجِها حتَّى يَفعَلَ ما أمَرَهُ اللهُ تعالَى بهِ مِنَ الكفَّارةِ، فلمَّا رَأَينا الظِّهارَ قَولًا مُنكَرًا وزُورًا وقدْ لَزِمَتْ بهِ حُرمةٌ كانَ كذلكَ الطَّلاقُ المَنهيُّ عنهُ هوَ مُنكَرٌ مِنْ القَولِ وزُورٌ والحُرمَةُ بهِ واجِبةٌ. وقدْ رَأَينا رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا سأَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ عن طَلاقِ عَبدِ اللهِ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ أمَرَه بمُراجَعتِها، وتواتَرَتْ عنهُ بذلكَ الآثارُ، وقدْ ذكَرْتُها في البابِ الأوَّلِ، ولا يَجوزُ أنْ يُؤمَرَ بالمُراجَعةِ مَنْ لَم يَقعْ طَلاقُه، فلمَّا كانَ النَّبيُّ ﷺ قد أَلزَمَه الطَّلاقَ في الحَيضِ، وهوَ

стр. 10174

وقتٌ لا يَحِلُّ إيقاعُ الطَّلاقِ فيهِ، كانَ كذلكَ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا فأَوقَعَ كُلًّا في وقتِ الطَّلاقِ لَزمَه مِنْ ذلكَ ما ألزَمَ نفْسَه وإنْ كانَ قد فعَلَه على خِلافِ ما أُمِرَ بهِ، فهذا هوَ النَّظرُ في هذا البابِ. وفي حَديثِ ابنِ عبَّاسِ ﵄ ما لَو اكتَفَينا بهِ كانَ حُجَّةً قاطِعةً؛ وذلكَ أنَّهُ قالَ: فلمَّا كانَ زمانُ عمرَ ﵁ قالَ: أيُّها النَّاسُ قد كانَتْ لكُم في الطَّلاقِ أَناةٌ، وإنَّه مَنْ تَعجَّلَ أَناةَ اللهِ في الطَّلاقِ أَلزمْناهُ إيَّاهُ، فخاطَبَ عُمرُ ﵁ بذلكَ النَّاسَ جَميعًا، وفِيهمْ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ورَضِيَ عَنهُم، الَّذين قد عَلِمُوا ما تَقدَّمَ مِنْ ذلكَ في ذلكَ في زمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلَم يُنكِرْه عليهِ منهُم مُنكِرٌ، ولَم يَدفعْه دافِعٌ، فكانَ ذلكَ أكبَرَ الحُجَّةِ في نَسخِ ما تَقدَّمَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّه لمَّا كانَ فِعلُ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ جَميعًا فِعلًا يَجبُ بهِ الحُجَّةُ كانَ كذلكَ أيضًا إجماعُهم على القَولِ إجماعًا يَجبُ بهِ الحُجَّةُ، وكما كانَ إجماعُهم على النَّقلِ بَريئًا مِنْ الوهْمِ والزَّللِ كانَ كذلكَ إجماعُهم على الرَّأيِ بَريئًا مِنْ الوهْمِ والزَّللِ، وقدْ رَأينَا أشياءَ قدْ كانَتْ علَى عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ على مَعانٍ فجَعَلَها أصَحابُهُ ﵃ مِنْ بَعدِهِ على خِلافِ تلكَ المَعانِي؛ لمَّا رَأَوا فيهِ ممَّا قد خَفِيَ على مَنْ بعْدَهم، فكانَ ذلكَ حُجَّةً ناسِخًا لِمَا تقَدَّمَه، مِنْ ذلكَ: تَدوينُ الدَّواوينِ، والمَنعُ مِنْ بَيعِ أمَّهاتِ الأولادِ وقدْ كُنَّ يُبَعْنَ قبْلَ ذلكَ، والتَّوقيتُ في حَدِّ الخَمرِ ولم يَكنْ فيهِ تَوقيتٌ قبْلَ ذلكَ، فلمَّا كانَ ما عَمِلُوا بهِ مِنْ ذلكَ

стр. 10175

ووَقَفْنا عليهِ لا يَجوزُ لنا خِلافُهُ إلى ما قدْ رَأَيناهُ ممَّا قدْ تقدَّمَ فِعْلُهم لهُ كانَ كذلكَ ما وَقَفونا عليهِ مِنْ الطَّلاقِ الثَّلاثِ المُوقَعِ معًا أنَّهُ يَلزمُ لا يَجوزُ لنا خِلافُه إلى غَيرِه ممَّا قدْ رُويَ أنَّه كانَ قبْلَه علَى خِلافِ ذلكَ، ثمَّ هذا ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قدْ كانَ مِنْ بعْدِ ذلكَ يُفتِي مَنْ طلَّقَ امرَأتَه ثَلاثًا معًا أنَّ طلاقَهُ قد لزِمَه وحرَّمَها عليهِ … (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ لمَّا ذكَرَ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: وقدِ اختَلفَ العُلماءُ فيمَن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا»، فقالَ الشَّافعيُّ ومالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ وجَماهيرُ العُلماءِ مِنَ السَّلفِ والخَلَفِ: يقَعُ الثَّلاثُ. وقالَ طاوسٌ وبعضُ أهلِ الظَّاهِرِ: لا يقَعُ بذلكَ إلَّا واحدةٌ، وهوَ رِوايةٌ عن الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ ومُحمدِ بنِ إسحاقَ، والمَشهورُ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ أنَّهُ لا يقَعُ بهِ شيءٌ، وهوَ قولُ ابنِ مقاتِلٍ وروايةٌ عنْ محمَّدِ بنِ إسحاقَ، واحتَجَّ هؤلاءِ بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ هذا، وبأنَّهُ وقَعَ في بعضِ رِواياتِ حديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا في الحَيضِ ولَم يحتَسبْ بهِ، وبأنَّهُ وقَعَ في حَديثِ رُكانَةَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا وأمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ برَجْعَتِها. واحتَجَّ الجُمهورُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، قالُوا: مَعناهُ أنَّ المُطلِّقَ قدْ يَحدثُ لهُ ندمٌ فلا يُمكِنُه تَدارُكُه؛ لوُقوعِ البَينونةِ، فلو كانَتِ الثَّلاثُ لا تقَعُ

стр. 10176

لم يقَعْ طلاقُهُ هذا إلَّا رَجعيًّا فلا يَندمُ، واحتَجُّوا أيضًا بحَديثِ رُكانَةَ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ البَتةَ فقالَ لهُ النَّبيُ ﷺ : مَا أَردْتَ إلَّا واحِدةً؟ قالَ: الله ما أَردْتُ إلَّا واحدَةً»، فهذا دَليلٌ على أنَّهُ لَو أَرادَ الثَّلاثَ لِوَقعْنَ، وإلَّا فلَم يَكنْ لِتَحليفِهِ معنًى، وأمَّا الرِّوايةُ الَّتي رَواها المُخالِفونَ «أنَّ رُكانَةَ طلَّق ثَلاثًا فجعَلَها واحدةً» فرِوايَةٌ ضَعيفةٌ عنْ قَومٍ مَجهُولينَ، وإنَّما الصَّحيحُ مِنها ما قَدَّمناهُ أنَّه طلَّقَها البتَّةَ، ولفظُ (البتَّة) مُحتمِلٌ لِلواحدةِ وللثَّلاثِ … وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ فاختَلفَ العُلماءُ في جَوابِهِ وتأويلِهِ، فالأَصحُّ أنَّ مَعناهُ: أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ولَم ينوِ تأكيدًا ولا استِئنافًا يحكمُ بِوقوعِ طلقَةٍ؛ لِقلَّةِ إرادَتِهم الاستِئنافَ بذلكَ، فحُمِلَ على الغالِبِ الَّذي هوَ إرادةُ التَّأكيدِ، فلمَّا كانَ في زَمنِ عُمرَ ﵁ وكَثُرَ استِعمالُ النَّاسِ بهذهِ الصِّيغةِ وغَلَبَ مِنهُم إرادةُ الاستِئنافِ بهَا حُمِلَتْ عندَ الإطلاقِ على الثَّلاثِ؛ عمَلًا بالغالِبِ السَّابقِ إلى الفَهمِ مِنها في ذلكَ العَصرِ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ المُعتادَ في الزَّمَنِ الأولِ كانَ طلقةً واحدةً، وصارَ النَّاسُ في زَمنِ عُمرَ يُوقِعونَ الثَّلاثَ دفعةً، فنَفَذَهُ عُمرُ، فعَلى هذا يَكونُ إخبارًا عنِ اختِلافِ عادَةِ النَّاسِ، لا عَنْ تَغيُّرِ حكْمٍ في مسألَةٍ واحدةٍ. قالَ المازِريُّ: وقد زَعمَ مَنْ لا خِبرةَ لهُ بالحَقائقِ أنَّ ذلكَ كانَ ثمَّ نُسِخَ،

стр. 10177

قالَ: وهذا غلَطٌ فاحِشٌ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ لَا يَنسَخُ، ولَو نَسَخَ -وحاشاهُ- لبادَرَتِ الصَّحابةُ إلى إنكارِهِ، وإنْ أَرادَ هذا القائِلُ أنَّهُ نُسِخَ في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ فذلكَ غَيرُ مُمتنِعٍ، ولكنْ يَخرُجُ عن ظاهِرِ الحَديثِ؛ لأنَّهُ لَو كانَ كذلكَ لم يَجُزْ للرَّاوي أنْ يُخبِرَ ببَقاءِ الحكْمِ في خِلافةِ أبي بَكرٍ وبَعضِ خِلافةِ عُمرَ. فإنْ قِيلَ: فقدْ يُجمِعُ الصَّحابةُ على النَّسخِ فيُقبَلُ ذلكَ مِنهُم. قُلنَا: إنَّما يُقبَلُ ذلكَ؛ لأنَّهُ يُستَدَلُّ بإجماعِهِم على ناسِخٍ، وأمَّا أنَّهم يَنسَخُونَ مِنْ تلقاءِ أنفُسِهِم فمَعاذَ اللهِ؛ لأنَّهُ إِجماعٌ على الخَطأِ، وهُم مَعصُومونَ مِنْ ذلكَ. فإنْ قِيلَ: فلعَلَّ النَّسخَ إنَّما ظهَرَ لهُم في زمَنِ عُمرَ. قُلنَا: هذا غلَطٌ أيضًا؛ لأنَّهُ يكونُ قد حصَلَ الإجماعُ على الخطَأِ في زمَنِ أبي بكرٍ، والمُحقِّقُونَ مِنَ الأُصوليِّينَ لا يَشتَرِطونَ انقراضَ العَصرِ في صحَّةِ الإِجماعِ، واللهُ أَعلمُ. وأمَّا الرِّوايةُ الَّتي في سُنَنِ أبي داودَ أنَّ ذلكَ فيمَن لَم يدخلْ بهَا فقالَ بها قَومٌ مِنْ أصحابِ ابنِ عباسٍ فقَالُوا: لا يَقعُ الثَّلاثُ على غَيرِ المَدخولِ بهَا؛ لأنَّها تَبِينُ بواحدةٍ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فيكونُ قولُهُ «ثَلاثًا» حاصِلًا بعْدَ البَينُونةِ فلا يَقعُ بهِ شَيءٌ، وقالَ الجُمهورُ: هذا غلَطٌ، بل يقَعُ عليها الثَّلاثُ؛ لأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» معنَاهُ ذاتُ طلاقٍ، وهذا اللَّفظُ يَصلُحُ لِلواحدَةِ والعَددِ، وقولُهُ بعدَهُ «ثلاثًا» تَفسيرٌ له، وأمَّا هذهِ الرِّوايةُ

стр. 10178

الَّتي لِأبي داودَ فضَعيفةٌ؛ رَواها أيُّوبُ السِّخْتيانِيُّ عنْ قومٍ مَجهُولِينَ عن طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فلا يُحتَجُّ بها، واللهُ أَعلمُ (١). والصَّحيحُ أنَّ هذا الإجماعَ غَيرُ ثابِتٍ، فقَدْ نقَلَ الطَّحاويُّ والماوَرْديُّ وابنُ رُشدٍ والنَّوويُّ وغَيرُهم عَنْ جَماعةٍ مِنْ العُلماءِ أنَّهُ لا يقَعُ إلَّا واحدةٌ، وهؤلاءِ كَانوا قبْلَ ابنِ تَيميةَ بزَمَنٍ، فهذا يَدلُّ على أنَّ المسألَةَ غَيرُ مُجمَعٍ عليها، وإنَّما القَدْرُ المُجمَعُ عليهِ هوَ أنَّهُ لَو طلَّقَ ثلاثَةً أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ، لكنْ هلْ يقَعُ واحدةٌ أم ثَلاثٌ؟ فالإجماعُ مُنعقِدٌ عِنْدَ أهلِ السُّنَّةِ على الوُقوعِ، لكنَّ الخِلافَ حاصلٌ هلْ يقَعُ واحدةٌ أم ثَلاثٌ؟ أمَّا الَّذينَ قالُوا أنَّهُ لا يقَعُ مُطلَقًا لا واحدةٌ ولا ثَلاثٌ فهوَ الَّذي قالَ عنهُ أهلُ العِلمِ: هذا قَولُ المُبتدِعةِ. وأما القياس: فإنَّهُ طلاقٌ وقَعَ في طُهرٍ لم يُجامِعْها فيهِ، فوجَبَ أنْ يكُونَ مُباحًا كالطَّلقَةِ الأُولَى، ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ جازَ جمْعُهُ، أصلُهُ طَلاقُ الزَّوجاتِ يَجوزُ أنْ يَجمعَهنَّ في الطَّلاقِ وأنْ يُفرِّقَهنَّ، ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ في الأَطْهارِ جازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ، أصلُهُ إذا طلَّقَ في طُهرٍ ثمَّ راجَعَ فيهِ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ ثمَّ طلَّقَها فيهِ، ولأنَّ الثَّلاثَ لَفظٌ يَقطعُ الرَّجعَةَ فجازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ كالواحِدةِ بعْدَ اثنتَينِ أو كالخُلعِ (٢).

стр. 10179

قالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: ولأنَّ كلَّ مِلكٍ يَزولُ بإزالَتِهِ مُفتَرِقًا فإنَّهُ يَزولُ بإزالتِهِ مُجتَمعًا، أصلُهُ إعتاقُ العَبيدِ، ولأنَّ الزَّوجَ يَملكُ بالعقدِ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فلا يَخلُو أنْ يكونَ ملَكَ إِيقاعَها مُتفرِّقةً أو مُجتمِعةً أو كيفَ شاءَ مِنْ جَمْعٍ أو تَفريقٍ، فلَو كانَ لا يَملكُ إلَّا مُفتَرِقًا لَم يجُزْ أنْ يَملكَ غَير المَدخولِ بها؛ لامتِناعِ تَفريقِ الثَّلاثِ عليها في العَقدِ الواحِدِ، فدلَّ أنَّهُ ملَكَهُ مُجتمِعًا ومُفتَرِقًا، ولأنَّ الطَّلاقَ تابِعٌ للنِّكاحِ؛ بدَليلِ أنَّه لا يَثبتُ حكُمُه قبْلَ وجودِهِ، وقدْ ثبَتَ جوازُ العَقدِ على أَربعِ نِسوةٍ بعَقدٍ واحدٍ وعُقودٍ مُتفرِّقةٍ، وكذلكَ يَجبُ إيقاعُ الثَّلاثِ بلَفظٍ واحدٍ وبثَلاثةِ ألْفاظٍ، ودَليلُنا على أنَّهُ يقَعُ للجَميعِ ما ذكَرْناهُ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لزِمَهُ حكْمُ الثَّلاثِ مُتفرِّقاتٍ لزِمَه حكْمُها مُجتمِعاتٍ، كالمُطلِّقِ ثلاثَ نِسوةٍ بلَفظٍ واحدٍ (١). وقالَ ابنُ حَجَرٍ، قالَ القُرطبيُّ ﵀: وحُجَّةُ الجُمهورِ في اللُّزومِ مِنْ حَيثُ النَّظرُ ظاهِرةٌ جدًّا، وهوَ أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا لا تَحِلُّ للمُطلِّقِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، ولا فرْقَ بيْنَ مَجموعِها ومُفرِّقِها لُغةً وشَرعًا، وما يُتخيَّلُ مِنْ الفرْقِ صُوريٌّ أَلغاهُ الشَّرعُ اتِّفاقًا في النِّكاحِ والعِتقِ والأَقاريرِ، فلوَ قالَ الوَليُّ: «أَنكحْتُكَ هؤلاءِ الثَّلاثَ» في كَلمةٍ واحِدةٍ انعَقدَ، كما لو قالَ: «أَنكحْتُكَ هذهِ وهذهِ وهذهِ»، وكَذا في العِتقِ والإقرارِ وغيرِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ.

стр. 10180

واحتَجَّ مَنْ قالَ: «إنَّ الثَّلاثَ إذا وقَعَتْ مَجموعةً حُمِلَتْ على الواحدةِ» بأنَّ مَنْ قالَ: «أَحلِفُ باللهِ ثَلاثَّا» لا يُعدُّ حَلِفُهُ إلَّا يَمينًا واحِدةً، فلْيَكنِ المُطلِّقُ مِثلَهُ، وتُعُقِّبَ باختِلافِ الصِّيغتَينِ؛ فإنَّ المُطلِّقَ يُنْشِئُ طلاقَ امرأتِهِ وقدْ جُعِلَ أمَدُ طلاقِها ثَلاثًا، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فكأنَّهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ جَميعَ الطَّلاقِ»، وأمَّا الحَلِفُ فلا أمَدَ لعَددِ أَيمانِه، فافتَرَقَا (١). القولُ الثَّاني: أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بلَفظٍ واحدٍ أو في مَجلِسٍ واحِدٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ قبْلَ أنْ يُراجِعَها تُحسَبُ طلقةً واحدةً (٢). كأنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ، وهذَا مذهَبُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَةَ وتِلميذِهِ ابنِ القيِّمِ، وهوَ مَنقولٌ عَنْ طائفةٍ مِنْ السَّلَفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مثلِ الزَّبيرِ بنِ العوَّامِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ويُروى عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ، وهوَ قَولُ كَثيرٍ مِنْ التَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم مثلِ طاوسٍ وخلاسِ بنِ عَمرٍو ومحمدِ بنِ إسحاقَ،

стр. 10181

وهوَ قولُ داودَ وأكثرِ أصحابِهِ، وهوَ قَولُ بعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ كمُحمِّدِ بنِ مُقاتلٍ، وبعضِ أصحابِ مالكٍ، فهوَ مَرويٌّ عَنْ بضعَةَ عشرَ فَقيهًا مِنْ فُقهاءِ طُلَيطِلَةَ المُفتِينَ على مَذهبِ مالِكٍ، وبَعضِ المُفتِينَ بالأَندلُسِ على مَذهبِ مالِكٍ، وبَعضِ الحَنابلةِ كأبي البَرَكاتِ (١).

стр. 10182

ولِشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيِّمِ كَلامٌ طَويلٌ جدًّا في هذا وفي الرَّدِّ على جَماهيرِ العُلماءِ الَّذينَ يَقولُونَ بوُقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في مَجلسٍ واحِدٍ، ولأَهميَّةِ هذهِ المسألَةِ وخُطورَتِها أَذكُرُ هُنا أَغلبَ كَلامِهما؛ لأنَّهُ في غايَةِ الأهميَّةِ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإنْ طلَّقَها ثَلاثًا في طُهرٍ واحدٍ بِكَلمةٍ واحدَةٍ أو كلِماتٍ مثلَ أنْ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا، أو أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ، أو أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌّ»، أو يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا أو عَشْرَ طلَقَاتِ أو مِائةَ طلْقَةٍ أو ألفَ طَلقةٍ» ونحوِ ذلكَ مِنَ العِباراتِ، فهذا لِلعُلماءِ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيْرَ مَدخولٍ بها، ومِن السَّلفِ مَنْ فرَّقَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها، وفيهِ قَولٌ رابعٌ مُحدَثٌ مُبتدَعٌ. أحَدُها: أنَّهُ طَلاقٌ مُباحٌ لازِمٌ، وهوَ قَولُ الشَّافعيِّ وأحمدَ في الرِّوايةِ القَديمةِ عنُه اختارَها الخرقيُّ. الثَّاني: أنَّهُ طَلاقٌ مُحرَّمٌ لازِمٌ، وهوَ قَولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ في الرِّوايةِ المُتأخِّرةِ عنهُ اختارَها أكثَرُ أصحابِهِ، وهذا القَولُ مَنقولٌ عَنْ كَثيرٍ مِنَ السَّلفِ مِنْ الصَّحابَةِ والتَّابعِينَ، والذي قَبْلَهُ مَنقولٌ عنْ بَعضِهم. الثَّالثُ: أنَّهُ مُحرَّمٌ ولا يَلزَمُ مِنهُ إلَّا طَلقةٌ واحِدةٌ، وهَذا القَولُ مَنقولٌ عَنْ

стр. 10183

طائِفةٍ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِثلِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ويُروى عَنْ عَليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ القَولانِ، وهوَ قَولُ كَثيرٍ مِنْ التَّابعِينَ ومَن بعْدَهُم مثل طَاوسٍ وخلاسِ بنِ عَمرٍو ومُحمَّدِ بنِ إِسحاقَ، وهوَ قَولُ داودَ وأكثرِ أصحابِهِ، ويُروَى ذلكَ عَنْ أبي جَعفرَ مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسينِ وابنِهِ جَعفرَ بنِ مُحمَّدٍ، ولِهذا ذهَبَ إلى ذلكَ مَنْ ذهَبَ مِنَ الشِّيعةِ، وهَو قَولُ بَعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ بنِ حنبلٍ. وأمَّا القَولُ الرَّابعُ الَّذي قالَهُ بعضُ المُعتَزِلَةِ والشِّيعةِ: فَلا يُعرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلفِ، وهوَ أنَّهُ لا يَلزَمُه شَيءٌ. والقَولُ الثَّالِثُ هوَ الَّذي يَدلُّ عليهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، فإنَّ كلَّ طَلاقٍ شرَعَهُ اللهِ في القُرآنِ في المَدخولِ بها إنَّما هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ لَم يُشرِّعِ اللهُ لأَحدٍ أنْ يُطلِّقَ الثَّلاثَ جَميعًا، ولَم يُشرِّعْ لهُ أنْ يُطلِّقَ المَدخولَ بها طلاقًا بايِنًا، ولكنْ إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها بانَتْ منهُ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها بانَتْ منهُ. فالطَّلاقُ ثَلاثةُ أنواعٍ باتِّفاقِ المُسلِمينَ: الطَّلاقُ الرَّجعِيُّ: وهوَ الَّذي يُمكِنُه أنْ يَرتجِعَها فيه بغَيرِ اختِيارِها، وإذا ماتَ أحدُهُما في العدَّةِ وَرثَهُ الآخَرُ. والطَّلاقُ البائِنُ: وهوَ ما يَبقَى بهِ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ، لا تُباحُ لهُ إلَّا بعَقدٍ جَديدٍ.

стр. 10184

والطَّلاقُ المُحرِّمُ لها: لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، وهوَ فيما إذا طلَّقَها ثَلاثَ تَطليقاتٍ كما أَذِنَ اللهُ ورَسولُهُ، وهوَ أنْ يُطلِّقَها ثُمَّ يَرتجِعَها في العِدَّةِ، أو يَتزوَّجَها ثمَّ يُطلِّقَها ثمَّ يَرتجِعَها، أو يَتزوَّجَها ثمَّ يُطلِّقَها الطَّلقَةَ الثَّالِثَةَ، فهذا الطَّلاقُ المُحرِّمُ لها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه باتِّفاقِ العُلماءِ، وليسَ في كِتابِ اللهِ ولا سُنَّةِ رَسولِهِ في المَدخولِ بها طلاقٌ بائِنٌ يُحسَبُ مِنَ الثَّلاثِ … (١). وقالَ أيضًا: وأمَّا لَو طلَّقَها الثَّلاثَ طلاقًا مُحرَّمًا مِثلَ أنْ يَقولَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ ثلاثةً» جُملةً واحدَةً فهذا فيهِ قَولانِ للعُلماءِ: أحدُهما: يَلزمُه الثَّلاثُ. والثَّاني: لا يَلزُمُه إلَّا طَلقةٌ واحدَةٌ، ولهُ أنْ يَرتجِعَها في العِدَّةِ ويَنكحَها بعَقدٍ جديدٍ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قَولُ كَثيرٍ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ بنِ حنبلٍ، وهَذا أظهَرُ القولَينِ؛ لِدَلائلَ كَثيرةٍ مِنها: ما ثبَتَ في الصَّحيحِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ واحدةٌ». ومِنها ما رَواهُ الإمامُ أحمدُ وغَيرُه بإسنادٍ جَيدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا في مَجلسٍ واحِدٍ، وجاءَ إلى النَّبيِّ فقالَ: «إنَّما

стр. 10185

هيَ واحِدةٌ، ورَدَّها عَليهِ»، وهذا الحَديثُ قدْ ثبَّتَهُ أحمدُ بنُ حَنبلَ وغَيرُه، وضعَّفَ أحمدُ وأبو عُبيدٍ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهم ما رُويَ: «أنَّهُ طلَّقَها البتَةَ»، وقدِ استَحلَفَه: «ما أَردتَّ إلَّا واحِدةً؟»، فإنَّ رُواةَ هذا مُجاهِيلُ لا يُعرَفُ حِفظُهم وعدْلُهم، ورُواةُ الأوَّلِ مَعرُوفونَ بِذلكَ، ولَم يَنقلْ أحدٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ بإسنادٍ مَقبولٍ أنَّ أحدًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ فأَلزمَه الثَّلاثَ، بلْ رُويَ في ذلكَ أحاديثُ كلُّها كذِبٌ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ، ولكنْ جاءَ في أحاديثَ صَحيحةٍ: «إنَّ فُلانًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا»، أي: ثَلاثًا مُتفرِّقةً، وجاءَ: «أنَّ المُلاعِنَ طلَّق ثَلاثًا»، وتلكَ امرأةٌ لا سَبيلَ لهُ إلى رَجعتِها، بل هيَ مُحرَّمةٌ عليهِ سواءٌ طلَّقَها أو لَم يُطلِّقْها، كما لو طلَّق المُسلِمُ امرأتَهُ إذا ارتدَّتْ ثَلاثًا، وكما لَو أَسلمَتِ امرأةُ اليَهوديِّ فطلَّقَها ثَلاثًا، أو أَسلمَ زَوجُ المُشرِكةِ فطلَّقَها ثَلاثًا، وإنَّما الطَّلاقُ الشَّرعيُّ أنْ يُطلِّقَ مَنْ يَملكُ أنْ يَرتَجعَها أو يَتزوَّجَها بعَقدٍ جَديدٍ، واللهُ أَعلَمُ (١). وقالَ أيضًا ﵀: جَمعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ مُحرَّمُ عندَ جُمهُورِ السَّلفِ والخلَفِ، وهوَ مَذهبِ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ في آخِرِ الرِّوايتَينِ عنهُ، واختيارُ أكثرِ أصحابِهِ، ثمَّ هلْ يقَعُ عندَ هَؤلاءِ أو لا يَقعُ؟ أو تَقعُ واحدَةٌ؟ أو يُفرَّقُ بينَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها؟ فيهِ نِزاعٌ؟ والنِّزاعُ بيْنَ السَّلفِ إنَّما هوَ: هلْ تقَعُ واحدِةٌ أو ثلاثٌ؟ وأمَّا القَولُ بأنِّهُ لا يَقعُ شَيءٌ فإنَّما هوَ مَنقولٌ عَنْ بَعضِ أهلِ البدَعِ مِنْ أهلِ الكَلامِ والرَّافِضةِ.

стр. 10186

وقالَتْ طائِفةٌ: بلْ هوَ مُباحٌ، والكَلامُ في مَقامَينِ: … المَوضعُ الثَّاني مِنْ كِتابِ اللهِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾. وهذهِ الآياتُ تَدلُّ علَى أنَّ المَشروعَ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ دُونَ الثَّلاثِ، مِنْ وُجوهٍ:

стр. 10187

الأوَّلُ: أنهُ قالَ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهذا يَدلُّ على أنَّ كلَّ مُطلَّقةٍ فإنَّها تَتربَّصُ ثلاثةَ قُروءٍ، وأنَّ بعْلَها أحَقُّ بِرَدِّها في ذلكَ، فلو كانَ المُطلِّقُ مُخيَّرًا بيْنَ إيقاعِ واحدةٍ وثَلاثٍ لَم تكُنْ كلُّ مُطلَّقةٍ كَذلكَ، بلْ كانَ هذا وَصفَ بَعضِ المُطلَّقاتِ. فإنْ قيلَ: فهذا يَرُدُّ عَليكُم فِيمَن طُلِّقَتِ الطَّلقةَ الثَّالثةَ. قيلَ: قدْ بيَّنَ ذلكَ بقَولهِ فيما بعْدُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، تبيَّنَ أنَّ هذا الطَّلاقَ هوَ مرَّتانِ فَقطْ، والثَّالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقبْلَه قولُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكانَ تَمامُ الكَلامِ يُبيِّنُ المُرادَ، ولم يَكُ في ذلكَ خُروجٌ عَنْ مَدلولِ القُرآنِ ومَفهومِهِ وظاهرِهِ، بخِلافِ ما إذا قيلَ: إنَّ المُطلِّقَ مُخيَّرٌ بيْنَ الواحدةِ والثَّلاثِ. وأيضًا فالآيةُ عامَّةٌ في كلِّ مُطلَّقةٍ، والمُطلَّقةُ طَلقةً ثالثةً قد خَصَّها في تَمامِ الكَلامِ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فيَبقَى ما سِواها على ظاهِرِ القُرآنِ وعُمومِهِ. الوجهُ الثَّاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أَذِنَ فيهِ وشرَعَهُ، فإنَّه لمَّا قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾، وقالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ

стр. 10188

ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ونحوَ ذلكَ، دلَّ على أنَّهُ أَذِنَ في الطَّلاقِ وأباحَهُ في الجُملةِ، وهوَ سُبحانَهُ لم يَأذَنْ في كُلِّ طلاقٍ ولا أباحَهُ، بلِ الطَّلاقُ يَنقسِمُ إلى مُباحٍ ومَحظُورٍ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وإنَّما الكَلامُ هُنا في جَمْعِ الثَّلاثِ، هل هوَ مِنَ المُباحِ أوِ المَحظُورِ؟ فإذا قيلَ: إنَّ اللهَ بيَّنَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أباحَهُ، ولم تَكنِ الثَّلاثُ مُباحةً، كانَ القرآنُ على ظاهِرِه وعُمومِهِ، وإذا قيلَ: هوَ مِنْ المُباحِ، والقُرآنُ يعُمُّ الطَّلاقَ المَأذونَ فيهِ والمَحظُورَ، كانَ ذلكَ مُخالِفًا لِظاهرِ القُرآنِ. الوجهُ الثَّالثُ: أنهُ قالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وهذا صِفةُ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هَذا هُو الطَّلاقُ المَوصوفُ في كِتابِ اللهِ بقَولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فالمُطلِّقُ ثَلاثًا ابتداءً لا رَجعةَ لهُ، ومَن لَم يُوقعْ إلَّا طلاقًا لا رَجعةَ فيهِ فقدْ خالَفَ كتابَ اللهِ. الوجهُ الرَّابعُ: أنَّهُ قالَ بعدَ ذلكَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وفي الحديثِ المُرسَلِ عن أبي رَزين الأسديِّ الَّذي رَواهُ الإمامُ أحمدُ وغَيرُهُ أنَّهُ قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ فأَينَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ؟ قالَ: في قَولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهذا مَعناهُ أنَّهُ جَوَّزَ إمساكَها بعْدَ الثَّانيةِ، فعُلِمَ أنَّها تكونُ زوجةً بعْدَ الثَّانيةِ، لا تَحرمُ بالثَّانيةِ. ثمَّ ذكَرَ حُكمَهُ إذا أوقَعَ الثَّالثةَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقد فسَّرَ بعضُهم مَعناه بأنَّ قولَهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

стр. 10189

هوَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ، وهذا غلَطٌ مِنْ وجوهٍ كما قَدْ ذُكِرَ في مَوضِعٍ آخرَ، ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يَتناوَلُ الثَّلاثَ المَجموعةَ، فإنَّهُ ليسَ بعْدَ وُقوعِ الثَّلاثِ إمساكٌ بمَعروفٍ. الوجهُ الخامِسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ لفظٌ مُعرَّفٌ باللَّامِ، فيَعودُ إلى الطَّلاقِ المَعهودِ، وهُو الطَّلاقُ الَّذي تَقدَّمَ ذِكرُهُ في كتابِ اللهِ بقَولهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ الطَّلاقَ المَشرُوعَ في كتابِ اللهِ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ الَّذي يقَعُ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وبعْدَهُما إمساكٌ بمَعروفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ، والثَّالثةُ قولُهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. الوجهُ السَّادسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إمَّا أنْ يُريدَ بهِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، كما في قولِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وكما في قولِهِ تعالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية، ومَعلومٌ أنَّ الثَّلاثَ في الاستِئذانِ لا تكونُ بكَلمةٍ واحدَةٍ، فلو قالَ: «سلامٌ علَيكُم، أَأَدخلُ ثَلاثًا» لَم يَكنْ قدِ استَأذنَ ثلاثًا، وكما في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ قالَ في يَومٍ مِئةَ مرَّةٍ «سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ» حُطَّتْ عَنهُ خطاياهُ ولو كانَتْ مِثلَ زَبَدِ البَحرِ»، وفي مِثلِ قولِهِ: «سَبِّحْ ثَلاثًا وثلاثِينَ، وحَمِّدْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبِّرْ ثلاثًا وثلاثِينَ»، وقولِهِ: «كانَ إذا سلَّمَ سلَّمَ ثَلاثًا»، وأمثالِ ذلكِ ممَّا يَقتَضي لفظُ العَدَدِ فيهِ تكريرَ القَولِ، لاسيِّمَا وهوَ لم يَقُلْ: «الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ»، وإنَّما قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.

стр. 10190

وإذا قالَ: «هيَ طالِقٌ ثَلاثًا» قدْ يُقالُ: إنَّهُ طلَّقَها ثَلاثًا، لكنْ لا يُقالُ: طلَّقَها ثلاثَ مَرَّاتٍ، بلْ إنَّما طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، وكذلكَ لو قالَ: «هيَ طالِقٌ طَلقتَينِ»، إنَّما يُقالُ: طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، لا يُقالُ: طلَّقَها مرَّتَينِ. وإمِّا أنْ يُريدَ بهِ (طلْقَتانِ)، سواءٌ كانَ بكَلمةٍ أو كلمَتَينِ، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلَاقُ ثَلَاثٌ)، لَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، بخِلافِ ما إذا أُريدَ الأوَّلُ، فإنَّ المُرادَ الطَّلاقُ المَذكورُ، وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ مرَّتانِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، والثَّالثةُ الطَّلاقُ بعْدَ الإمساكِ بمَعروفٍ أو التَّسريحِ بإِحسانٍ، وهوَ قَولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلاقُ طلْقَتانِ)، ولَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ هوَ على مُقتَضاهُ، أيْ مرَّةً ومرَّةً، وليسَ المُرادُ إيتاءً واحدًا، بلْ إيتاءٌ مرَّتَينِ. الوجهُ السَّابعُ: أنَّ الطَّلاقَ اسمُ مصدَرِ طلَّقَ تَطليقًا، ومَعلومٌ أنَّ التَّطليقَ فِعلٌ يَفعلُه المُطلِّقُ بكَلامِه الَّذي يَتكلَّمُ بهِ، وهذا لا يُعقَلُ أنْ يكونَ مَرَّتَينِ، إلَّا إذا قيلَ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فأمَّا إذا طلَّقَها بكَلمةٍ واحدَةٍ فهذا لَم يَصدُرْ منهُ الطَّلاقُ إلَّا مرَّةً واحدَةً لا مرَّتَينِ، وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ طلَّقَها طلقَتَينِ، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّه طلَّقَها مرَّتَينِ، ولا يُفهَمُ لفظُ (طلَّقَها مرَّتَينِ) بدونِ تَكريرِ التَّطليقِ … الوَجهُ الثَّامِنُ: أنهُ قالَ بعْدَ قولِهِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
следующие страницы →