Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.
стр. 10186
وقالَتْ طائِفةٌ: بلْ هوَ مُباحٌ، والكَلامُ في مَقامَينِ: …
المَوضعُ الثَّاني مِنْ كِتابِ اللهِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.
وهذهِ الآياتُ تَدلُّ علَى أنَّ المَشروعَ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ دُونَ الثَّلاثِ، مِنْ وُجوهٍ:
стр. 10187
الأوَّلُ: أنهُ قالَ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهذا يَدلُّ على أنَّ كلَّ مُطلَّقةٍ فإنَّها تَتربَّصُ ثلاثةَ قُروءٍ، وأنَّ بعْلَها أحَقُّ بِرَدِّها في ذلكَ، فلو كانَ المُطلِّقُ مُخيَّرًا بيْنَ إيقاعِ واحدةٍ وثَلاثٍ لَم تكُنْ كلُّ مُطلَّقةٍ كَذلكَ، بلْ كانَ هذا وَصفَ بَعضِ المُطلَّقاتِ.
فإنْ قيلَ: فهذا يَرُدُّ عَليكُم فِيمَن طُلِّقَتِ الطَّلقةَ الثَّالثةَ.
قيلَ: قدْ بيَّنَ ذلكَ بقَولهِ فيما بعْدُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، تبيَّنَ أنَّ هذا الطَّلاقَ هوَ مرَّتانِ فَقطْ، والثَّالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقبْلَه قولُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكانَ تَمامُ الكَلامِ يُبيِّنُ المُرادَ، ولم يَكُ في ذلكَ خُروجٌ عَنْ مَدلولِ القُرآنِ ومَفهومِهِ وظاهرِهِ، بخِلافِ ما إذا قيلَ: إنَّ المُطلِّقَ مُخيَّرٌ بيْنَ الواحدةِ والثَّلاثِ.
وأيضًا فالآيةُ عامَّةٌ في كلِّ مُطلَّقةٍ، والمُطلَّقةُ طَلقةً ثالثةً قد خَصَّها في تَمامِ الكَلامِ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فيَبقَى ما سِواها على ظاهِرِ القُرآنِ وعُمومِهِ.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أَذِنَ فيهِ وشرَعَهُ، فإنَّه لمَّا قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾، وقالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
стр. 10188
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ونحوَ ذلكَ، دلَّ على أنَّهُ أَذِنَ في الطَّلاقِ وأباحَهُ في الجُملةِ، وهوَ سُبحانَهُ لم يَأذَنْ في كُلِّ طلاقٍ ولا أباحَهُ، بلِ الطَّلاقُ يَنقسِمُ إلى مُباحٍ ومَحظُورٍ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وإنَّما الكَلامُ هُنا في جَمْعِ الثَّلاثِ، هل هوَ مِنَ المُباحِ أوِ المَحظُورِ؟ فإذا قيلَ: إنَّ اللهَ بيَّنَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أباحَهُ، ولم تَكنِ الثَّلاثُ مُباحةً، كانَ القرآنُ على ظاهِرِه وعُمومِهِ، وإذا قيلَ: هوَ مِنْ المُباحِ، والقُرآنُ يعُمُّ الطَّلاقَ المَأذونَ فيهِ والمَحظُورَ، كانَ ذلكَ مُخالِفًا لِظاهرِ القُرآنِ.
الوجهُ الثَّالثُ: أنهُ قالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وهذا صِفةُ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هَذا هُو الطَّلاقُ المَوصوفُ في كِتابِ اللهِ بقَولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فالمُطلِّقُ ثَلاثًا ابتداءً لا رَجعةَ لهُ، ومَن لَم يُوقعْ إلَّا طلاقًا لا رَجعةَ فيهِ فقدْ خالَفَ كتابَ اللهِ.
الوجهُ الرَّابعُ: أنَّهُ قالَ بعدَ ذلكَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وفي الحديثِ المُرسَلِ عن أبي رَزين الأسديِّ الَّذي رَواهُ الإمامُ أحمدُ وغَيرُهُ أنَّهُ قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ فأَينَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ؟ قالَ: في قَولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهذا مَعناهُ أنَّهُ جَوَّزَ إمساكَها بعْدَ الثَّانيةِ، فعُلِمَ أنَّها تكونُ زوجةً بعْدَ الثَّانيةِ، لا تَحرمُ بالثَّانيةِ.
ثمَّ ذكَرَ حُكمَهُ إذا أوقَعَ الثَّالثةَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقد فسَّرَ بعضُهم مَعناه بأنَّ قولَهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
стр. 10189
هوَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ، وهذا غلَطٌ مِنْ وجوهٍ كما قَدْ ذُكِرَ في مَوضِعٍ آخرَ، ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يَتناوَلُ الثَّلاثَ المَجموعةَ، فإنَّهُ ليسَ بعْدَ وُقوعِ الثَّلاثِ إمساكٌ بمَعروفٍ.
الوجهُ الخامِسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ لفظٌ مُعرَّفٌ باللَّامِ، فيَعودُ إلى الطَّلاقِ المَعهودِ، وهُو الطَّلاقُ الَّذي تَقدَّمَ ذِكرُهُ في كتابِ اللهِ بقَولهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ الطَّلاقَ المَشرُوعَ في كتابِ اللهِ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ الَّذي يقَعُ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وبعْدَهُما إمساكٌ بمَعروفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ، والثَّالثةُ قولُهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
الوجهُ السَّادسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إمَّا أنْ يُريدَ بهِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، كما في قولِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وكما في قولِهِ تعالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية، ومَعلومٌ أنَّ الثَّلاثَ في الاستِئذانِ لا تكونُ بكَلمةٍ واحدَةٍ، فلو قالَ: «سلامٌ علَيكُم، أَأَدخلُ ثَلاثًا» لَم يَكنْ قدِ استَأذنَ ثلاثًا، وكما في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ قالَ في يَومٍ مِئةَ مرَّةٍ «سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ» حُطَّتْ عَنهُ خطاياهُ ولو كانَتْ مِثلَ زَبَدِ البَحرِ»، وفي مِثلِ قولِهِ: «سَبِّحْ ثَلاثًا وثلاثِينَ، وحَمِّدْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبِّرْ ثلاثًا وثلاثِينَ»، وقولِهِ: «كانَ إذا سلَّمَ سلَّمَ ثَلاثًا»، وأمثالِ ذلكِ ممَّا يَقتَضي لفظُ العَدَدِ فيهِ تكريرَ القَولِ، لاسيِّمَا وهوَ لم يَقُلْ: «الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ»، وإنَّما قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
стр. 10190
وإذا قالَ: «هيَ طالِقٌ ثَلاثًا» قدْ يُقالُ: إنَّهُ طلَّقَها ثَلاثًا، لكنْ لا يُقالُ: طلَّقَها ثلاثَ مَرَّاتٍ، بلْ إنَّما طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، وكذلكَ لو قالَ: «هيَ طالِقٌ طَلقتَينِ»، إنَّما يُقالُ: طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، لا يُقالُ: طلَّقَها مرَّتَينِ.
وإمِّا أنْ يُريدَ بهِ (طلْقَتانِ)، سواءٌ كانَ بكَلمةٍ أو كلمَتَينِ، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلَاقُ ثَلَاثٌ)، لَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، بخِلافِ ما إذا أُريدَ الأوَّلُ، فإنَّ المُرادَ الطَّلاقُ المَذكورُ، وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ مرَّتانِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، والثَّالثةُ الطَّلاقُ بعْدَ الإمساكِ بمَعروفٍ أو التَّسريحِ بإِحسانٍ، وهوَ قَولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلاقُ طلْقَتانِ)، ولَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ هوَ على مُقتَضاهُ، أيْ مرَّةً ومرَّةً، وليسَ المُرادُ إيتاءً واحدًا، بلْ إيتاءٌ مرَّتَينِ.
الوجهُ السَّابعُ: أنَّ الطَّلاقَ اسمُ مصدَرِ طلَّقَ تَطليقًا، ومَعلومٌ أنَّ التَّطليقَ فِعلٌ يَفعلُه المُطلِّقُ بكَلامِه الَّذي يَتكلَّمُ بهِ، وهذا لا يُعقَلُ أنْ يكونَ مَرَّتَينِ، إلَّا إذا قيلَ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فأمَّا إذا طلَّقَها بكَلمةٍ واحدَةٍ فهذا لَم يَصدُرْ منهُ الطَّلاقُ إلَّا مرَّةً واحدَةً لا مرَّتَينِ، وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ طلَّقَها طلقَتَينِ، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّه طلَّقَها مرَّتَينِ، ولا يُفهَمُ لفظُ (طلَّقَها مرَّتَينِ) بدونِ تَكريرِ التَّطليقِ …
الوَجهُ الثَّامِنُ: أنهُ قالَ بعْدَ قولِهِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
стр. 10191
تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فأَمرَهُ بعْدَ الطَّلاقِ مرَّتَينِ أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ، وهذا لا يَكونُ إلَّا فِيما إذا أخَّرَ الطَّلقةَ الثَّالثةَ عنِ الطَّلقتَينِ، لا إذا جمَعَ الجَميعَ.
الوجهُ التَّاسِعُ: أنهُ قالَ بعْدَ ذلكَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، ومعنَى ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمِينَ: (فإنْ طلَّقَها الَّذي طلَّقَها مرَّتَينِ فلا تحلُّ لهُ مِنْ بعْدِ هذا الطَّلاقِ الثَّالثِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، فإنْ طلَّقَها هذا الزَّوجُ الثَّاني فلا جُناحَ عَليها وعَلى الزَّوجِ الأوَّلِ أنْ يَتراجَعَا -أيْ يَنكِحَها نِكاحًا ثانيًا- إنْ ظنَّا أنْ يُقيمَا حُدودَ اللهِ)، وحينَئذٍ فاللهُ تعالَى إنَّما حرَّمَها في القُرآنِ بطَلقةٍ وقعَتْ بعْدَ الطَّلاقِ مرَّتَينِ.
الوجهُ العاشِرُ: أنهُ قالَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، فقَولُهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ عامٌّ في كلِّ تَطليقٍ، فإنَّهُ نكِرةٌ في سياقِ الشَّرطِ، فأمَرَ عندَ بلوغِ الأجَلِ بالإمساكِ أو التَّسريحِ، وهذا لا يَكونُ معَ جمْعِ الثَّلاثِ، فعُلِمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ لم يَدخُلْ في ذلكَ، فلا يَكونُ داخِلًا في مُسمَّى التَّطلِيقِ، فلا يَكونُ مَشرُوعًا، فإنَّهُ لَو دخَلَ في مُسمَّاهُ لزِمَ مُخالَفةَ ظاهرِ القُرآنِ وتَخصيصَ عُمومِهِ.
فإنْ قِيلَ: فهَذا يُرَدُّ عَليكُم في الثَّالثةِ إذا أوقَعَها بعْدَ ثِنْتَينِ.
стр. 10192
قيلَ: قدْ بيَّنَ ذلكَ بقَولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فقَدْ بيَّنَ أنَّ الطَّلاقَ الَّذي ذَكَرَ فيهِ الإمساكَ إنَّما هوَ مرَّتانِ فقطْ.
الوجهُ الحادي عَشَرَ: أنهُ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولَم يَقُلْ: (ثَلاثًا)، معَ العلمِ بأنَّهُ يَملِكُ أنْ يُطلِّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ في ثَلاثِ مرَّاتٍ، فعُلمَ أنَّه أرادَ أنْ يُبيِّنَ أنَّ الطَّلاقَ الَّذي هوَ أحقُّ برَجعَتِها فيهِ مرَّتانِ، ولو قيلَ: «أرادَ: (الطَّلاقُ الرَّجعيُّ طَلْقَتانِ)» لم يَستقِمْ ذلكَ إذا جمَعَها، فإنَّ الرَّجعيَّ حينَئذٍ يَكونُ طَلقةً واحدَةً، وطَلقةً بعْدَ طَلقةٍ، وطَلقتانِ مَجمُوعَتانِ، بخِلافِ ما إذا قيلَ: ﴿مَرَّتَانِ﴾، فإنَّهُ لا يَكونُ إلَّا مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ.
فإنْ قيلَ: فإذا كانَ المُرادُ أنَّ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مرَّتانِ عُلِمَ أنَّ لنا طلاقًا رَجعيًّا وطَلاقًا غيْرَ رَجعيٍّ، وذلكَ يَتناوَلُ البائِنَ والمُحرَّمَ، وهوَ الثَّلاثُ.
قيلَ: لفْظُ الطَّلاقِ إمَّا أنْ يَعُمَّ كُلَّ طَلاقٍ، أو يَعودَ إلى الطَّلاقِ المُتقدِّمِ، وهوَ المَعهودُ، وعلى التَّقديرَينِ فإنَّهُ يَقتضي أنَّ كلَّ طَلاقٍ إنَّما يَكونُ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، ولا يَكونُ إلَّا رَجعيًّا، فمَنْ أَثبَتَ طلاقًا بكَلمةٍ تُوجِبُ البَينونةَ فقدْ خالَفَ دَلالةَ القُرآنِ، فضْلًا عنْ طلاقٍ واحِدٍ يُوجِبُ التَّحريمَ.
الوجهُ الثَّاني عَشرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، وهذا لا يتأتَّى في جَمْعِ الثَّلاثِ.
الوجهُ الثَّالثُ عَشرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقدْ رُويَ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مِنِ اتِّخاذِ آياتِ اللهِ هُزوًا، كما رَواهُ النَّسائيُّ مِنْ حَديثِ
стр. 10193
ابنِ وهْبٍ: أخبَرَني مَخرَمةُ عن أبيهِ: سَمعْتُ مَحمودَ بنِ لَبيدٍ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تطليقاتٍ جَميعًا، فقامَ غَضبانًا ثمَّ قالَ: أيُلعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظْهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رَجُلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللهِ ألَا أقتلُهُ؟» (١).
الوجهُ الرَّابعَ عشَرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وهذهِ النِّعمةُ تَظهَرُ فيما إذا وقَعَ للعَبدِ أنْ يُطلِّقَها مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وأنْ يُراجِعَها بعْدَ التَّطلِيقِ، فأمَّا إذا حرَّمَها عليهِ في أوَّلِ تَطليقٍ يُطلِّقُهُ فهذهِ حُرِّمَتْ عَليهِ في أوَّلِ مرَّةٍ، وتَحريمُ الطيِّباتِ ليسَ مِنْ بابِ النِّعَمِ، بلْ قدْ جعَلَهُ عذابًا بقَولهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقولِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾.
الوجهُ الخامِسَ عشَرَ: قولُهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، والوعظُ هوَ الأمرُ والنَّهيُ بتَرغيبٍ وتَرهيبٍ، كقَولهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ﴾ أي: يُؤمَرُونَ بهِ، وقولِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: يَنهاكُمُ اللهُ، فدلَّ على أنَّهُ سبحانَهُ أمَرَهم ونهاهُم في الطَّلاقِ الَّذي ذكَرَهُ، ولو كانَ قدْ أباحَ لهُم الثَّلاثَ جميعًا لم يَكنْ فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ أمْرٌ ولا نهيٌ، فإنَّهُ بعْدَ الثَّلاثِ لا إمساكَ ولا تَسريحَ ولا وعْظَ، وفاعِلُها إذا كانَ لَم يُذنِبْ فلا يُوعَظُ قبْلَ التَّطليقِ ولا بعْدَه، والقُرآنُ يَدلُّ على أنَّهُ وعَظَهُم فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ. стр. 10194
الوجهُ السَّادسَ عشَرَ: قَولُهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإنَّ هذا عامٌّ في الطَّلاقِ الَّذي ذكَرَهُ اللهُ في كتابِه، وجعَلَه مرَّتَينِ، فلو كانَ قد أَذِنَ في جمْعِ الثَّلاثِ لم تَكنِ الآيةُ علَى عُمومِها، بلْ كانَ هذا في بعْضِ التَّطليقِ المَذكورِ دُونَ بعْضٍ، وهوَ خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ وعُمومِه.
الوجهُ السَّابعَ عَشرَ: أنَّ القُرآنَ خِطابٌ للصَّحابةِ ابتِداءً، ثمَّ لِلأمَّةِ بعْدَ الصَّحابةِ، ومَعلومٌ أنَّ الخِطابَ بالطَّلاقِ الَّذي ذكَرَ اللهُ أحكامَهُ كقَولهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وقولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لا يَتناولُ جمْعَ الثَّلاثِ، وإنَّما يَتناوَلُ مَنْ طلَّقَ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هذا هوَ الطَّلاقُ المَعروفُ عنْدَ المُخاطَبِينَ بالقُرآنِ ابتداءً.
ودلَّ ذلكَ على أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ لم يكُنْ مِنَ الطَّلاقِ الَّذي يعرفونَهُ؛ إذْ لو كانَ كذلكَ لَكانَ يَستَثنيهِ ويُبيِّنُه، وإلَّا كانَ القُرآنُ قدْ أُريدَ به خِلافُ ظاهِرِه وعُمومِه بلا بَيانٍ مِنْ اللهِ ورَسولِه.
الوجهُ الثَّامِنَ عَشرَ: أنْ يُقالَ: مَعلُومٌ أنَّ ظاهِرَ القُرآنِ وعُمومَهُ يدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ طَلقةٌ بعْدَ طَلقةٍ، فإذا أُريدَ خِلافُ ظاهِرِه فلا بُدَّ مِنْ بَيانٍ مِنْ اللهِ أو رَسولِه لِذلكَ، ومَعلُومٌ أنَّهُ ليسَ في القرآنِ آيةٌ تَدلُّ على إباحَةِ جمْعِ
стр. 10195
الثَّلاثِ، ولا عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يَدلُّ على ذلكَ، فإنَّ حديثَ فاطِمةَ بنْتِ قَيسٍ إنَّما فيهِ أنَّ زوْجَها طلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، وحَديثُ المُلاعنَةِ لمَّا طلَّقَها ثَلاثًا إنَّما فيهِ طلاقُ مَنْ لا سَبيلَ لهُ إلى المُقامِ مَعها، وهذا كما لو طلَّقَ مَنْ حَرُمَتْ عَليهِ بغَيرِ الطَّلاقِ ثَلاثًا، وطَلاقُ هذهِ زيادةُ تَوكيدٍ في مُفارَقتِها، بلْ هوَ لغوٌ لَم يُوجِبِ الفُرقَةَ الَّتي يُوجِبُها الطَّلاقُ، بلْ وُجودُه كعدَمِه، والطَّلاقُ الثَّلاثُ حُرِّمَتْ عليهِ ليكونَ لهُ سَبيلٌ إلى رَجعتِها، وهذا المعنَى مُنْتَفٍ في حَقِّ هذهِ، ولو قُدِّرَ أنَّهُ فعَلَ مُنكَرًا؛ فالمُنكَرَ إذا بيَّنَ اللهُ ورَسولُه أنَّه مُنكَرٌ لم يَجبْ بَيانُ ذلكَ في كُلِّ مَجلسٍ، وهذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فليسَ مَعهُم إلَّا مُجرَّدُ سُكوتِ النَّبيِّ ﷺ ، وهو إذا بيَّنَ تَحريمَ الشَّيءِ لم يَكنْ سُكوتُه عَنْ إنكارِه كلَّ وقتٍ دليلًا على الجَوازِ.
الوجهُ التَّاسِعَ عَشرَ: أنَّ اللهَ حرَّمَها عَليهِ بعْدَ الطَّلقةِ الثَّالثةِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَه، ولم يُبِحْ لهُ أنْ يُطلِّقَها رابعةً، وهذا عُقوبةً لهُ، كما قالَ تعَالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾، فنَها إذا حُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَهُ لم يَكنْ قادِرًا على تَزوُّجِها ولو رَضيَتْ بهِ، بلْ مِنَ المُمكِنِ أنَّها لا تَتزوَّجُ بغَيرِه، أو تَتزوَّجُ بمَنْ لا يُطلِّقُها، ومِن طبْعِ الإنسانِ أنَّهُ يكرَهُ أنْ تَتزوَّجَ امرأتُهُ بغَيرِه، ولهذا حُرِّمَ على غَيرِ النَّبيِّ ﷺ أنْ تُنكَحَ أزواجُهُ مِنْ بَعدْهِ؛ إكرامًا لِلنَّبيِّ
стр. 10196
ﷺ ، فدلَّ على أنَّ تَحريمَها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ إهانةٌ لهُ، فإنَّهُ إذا كانَ مَنْعُ غَيرِهِ مِنَ التَّزوجِ بامرأتِهِ إكرامٌ، فاشتِراطُ تزويجِ غيرِهِ في الحِلِّ وجعْلُ ذلكَ واجِبًا في عَودِها إليهِ إهانةٌ لهُ، والإهانةُ لا تكونُ إلَّا لمُذنِبٍ …
ثمَّ قالَ ﵀: والأحاديثُ في هذا البابِ عنِ النَّبيِّ ﷺ ليسَ فيها حَديثٌ ثابِتٌ يدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ، بلْ فيها في الصَّحيحِ والسُّنَنِ ما يدلُّ على أنَّ الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدَةٍ لا تكونُ لازِمةً لكلِّ مَنْ أوقَعَها.
مثل الحديثِ الَّذي في صَحيحِ مُسلمٍ ومُسنَدِ أحمدَ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغَيرِهِما عن طاوسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ الطَّلاقَ كانَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بَكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ طَلاقُ الثَّلاثِ واحدةٌ، فقال عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجلُوا في أمرٍ كانَتْ لَهم فيهِ أناةٌ، فلو أنَّا أنفَذناهُ عَليهمْ، فأنفَذهُ عَليهِم» (١).
وهذا الحَديثُ بطُرقِهِ وألفاظِهِ مَذكورٌ في غَيرِ هذا المَوضِعِ، والَّذي رَواهُ طاوسٌ كانَ يُفتِي بمُوجَبِهِ كما قَدْ ذُكِرَ في غَيرِ هذا المَوضعِ.
والمَقصودُ هُنا حَديثُ رُكانةَ، فإنَّهُ قدِ احتَجَّ بهِ غَيرُ واحِدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ على وُقوعِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، حيثُ قالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «ما أردتَ إلَّا واحدَةً؟ قالَ: ما أردتُ إلَّا واحدَةً»، وعليهِ اعتَمدَ الشَّافعيُّ ﵁ في هذِهِ المَسألةِ. стр. 10197
وحديثُ رُكانَةَ هذا قَدْ ضعَّفَهُ طائفةٌ كأحمَدَ وأبي عُبيدٍ وابنِ حزْمٍ، معَ أنَّهُ رواهُ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِه، وقالَ الشَّافعيُّ: عمِّي ثِقةٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عليِّ ابنِ السَّائبِ ثِقةٌ.
وأمَّا نافِعُ بنُ عجيرٍ فرَوى عَنْ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعَن رُكانةَ، ورَوى لهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ، وهذا الإسنادُ معَ الإسنادِ الآخَرِ الَّذي رواهُ أيضًا أبو داودَ وابنُ ماجَه وأبو حاتِمٍ في صَحيحِهِ يُوجِبِ حُسْنَ الحديثِ، فإنَّهما إسنادانِ ليسَ فيهِما مُتَّهَمٌ، لكنَّ رُواتَهُ لَيسُوا معرُوفِينَ بالعلمِ، ولا يُعرَفُ لقاءُ بَعضِهم بعضًا، كما سَيأتي بَيانُه.
وفي الجُملةِ لو لم يُعارِضْهُ غَيرُهُ لَأَمكَنَ أنْ يُقالَ: هوَ حسَنٌ أو صحيحٌ على طَريقةِ بَعضِهم، وأمَّا إذا عارَضَهُ ما هُو أرجَحُ منهُ فإنَّهُ يُقدَّمُ الرَّاجِحُ، وقدْ يُقالُ: إنَّه لم يُعارِضْهُ غَيرُهُ، وطائفةٌ أُخرى عارَضُوهُ بأنَّهُ قدْ رُويَ فيهِ أنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا، فأمَّا إذا تَدبَّرْنا الرِّواياتِ في هذا البابِ وتَتبَّعْناها لم نَجدْ بيْنَ الحَديثَينِ خِلافًا، بل في حَديثِ الثَّلاثِ دَلالةٌ صَريحةٌ على أنَّ الثَّلاثَ لا تَقعُ بكَلمةٍ واحِدةٍ، ونَحنُ نَذكُرُ ذلكَ.
قالَ أبُو داودَ في السُّنَنِ: بابٌ في نَسخِ المُراجَعةِ بعْدَ التَّطليقاتِ الثَّلاثِ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ محمَّدِ بنِ ثابِتٍ المروزيُّ، حدَّثَني عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ واقدٍ عن أبيهِ عَنْ يَزيدَ النَّحْويِّ عَنْ عِكرِمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية،
стр. 10198
وذلكَ أنَّ الرّجُلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ فهُو أحَقُّ برَجعَتِها وإنْ طلَّقَها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلكَ وقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (١).
قلتُ: هذا مرويٌّ عَنْ عائِشةَ وغَيرِ واحدٍ مِنَ السَّلفِ، ثمَّ ذكَرَ أبو داودَ حديثَ طاوسٍ، فقالَ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ صالحٍ، ثنا عَبدُ الرَّزاقِ، أبَنا ابنُ جُريجٍ، أخبَرَني ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أتعلَمُ إنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجعلُ واحدَةً على عهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثًا من إمارَةِ عُمرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ» (٢).
وكأنَّهُ -واللهُ أعلَمُ- ذكرَهُ أبو دَاودَ هُنا لقَولِ مَنْ قالَ: إنَّ هَذا الحديثَ مَنسوخٌ، وإنِّهُ كانَ هذا حُكمَهُ لمَّا كانَ الطَّلاقُ بغَيرِ طلاقٍ.
وهذا مِنْ جُملةِ ما حُمِلَ عليهِ هذا الحَديثُ، وفي كَلامِ الشَّافعيِّ إشارةٌ إلى هذا، لكنْ مِنَ المَعلومِ أنَّ ذلكَ المَنسوخَ لَم يَكنْ مَحصُورًا بِثلاثٍ، بَلْ كانَ إذا طلَّقَها أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ راجَعَها بغَيرِ اختِيارِها، وكانَ إذا طلَّقَها ثَلاثًا مُفْتَرِقاتٍ كلَّ واحدَةٍ بعْدَ رَجعةٍ أو عَقدٍ جَديدٍ لهُ أنْ يُراجِعَها، وهذا هوَ المَنسوخُ بِلا رَيبٍ، وأمَّا كَونُ الثَّلاثِ تُجعَلُ واحدَةً فهذا حُكمٌ غيرُ الحُكمِ المَنسُوخِ؛ إذِ المَنسوخُ لَم تُجعَلِ الثَّلاثُ فيهِ واحدَةً، ولا كانَ الطَّلاقُ مَقصُورًا على ثَلاثٍ، بلِ الثَّلاثُ والخَمْسُ والعَشْرُ والواحدَةُ كانَتْ فيهِ سَواءً. стр. 10199
ثمَّ إنَّ ذلكَ المَنسوخَ لمْ يُعمَلْ بهِ؛ لعدِّم نَسخِهِ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ولا أبي بَكرٍ ولا خِلافَةِ عُمرَ، بلْ قدْ نَزَلَ القُرآنُ بأنَّها بعْدَ الثَّالثةُ تَحرُمُ عَليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه، وتَواتَرتْ بذلكَ السُّنَّةُ، وشاعَ ذلكَ في المُسلمِينَ …
وأيضًا فَفي الحَديثِ أنَّ عُمرَ ﵁ قالَ: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا في أمرٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أَنفَذْناهُ عليهِم، فأنفذَهُ عليهِم». فدلَّ ذلكَ علَى أنَّهُ أنفَذَ عَليهِم ما كانَتْ لهم فيهِ أناةٌ، فلو كانَ ما فعَلُوهُ هوَ المَنسوخَ المُحرَّمَ لم تَكنْ لَهم أناةٌ في شَيءٍ قدْ ظهَرَ تَحريمُهُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ المُتواتِرةِ والإجماعِ، ولَم يَكنْ إنفاذُهُ عَليهِم ممَّا يَتعلَّقُ باجتِهادِ الأئمةِ.
ثمَّ ذكَرَ أبو داودَ في سُنَنِه حَديثًا ثابتًا مَرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ في أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ يكونُ واحدةً، كمَا في حديثِ أَبي الصَّهباءِ.
وذكَرَ مَا يُعارِضُه، فقالَ: حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالِحٍ، ثنا عَبدُ الرَّزاقِ، أبَنا ابنُ جُرَيجٍ، قالَ: أخبَرَني بَعضُ بَنِي أبي رافِعٍ مَولَى النَّبيِّ ﷺ عَنْ عِكرمةَ مَولى ابنِ عبَّاسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ عبدُ يزِيدَ أبو رُكانَةَ وإخوَتِهِ أمَّ رُكانةَ، ونكَحَ امرأةً من مُزيْنَةَ، فجاءَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: ما يُغنِي عَنِّي إلَّا كما تُغنِي هذهِ الشَّعرَةُ -لشَعرةٍ أخَذَتها من رأسِها- ففَرِّقْ بَيْني وبيْنَه، فأخَذَتِ النَّبيَّ ﷺ حَميَّةٌ فدَعا بِرُكانَةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لِجُلَسائِه: أتَرَونَ فلانًا يُشبِهُ منهُ كذا وكذا مِنْ عَبدِ يَزيدَ، وفُلانًا يُشبِهُ منه
стр. 10200
كذا وكذا؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبدِ يَزيدَ: طَلِّقْها، ففَعَلَ، ثمَّ قالَ: راجِعِ امرأتَكَ أمَّ رُكانَةَ وإخوتِهِ، فقالَ: إنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قد عَلمْتُ، راجِعْها، وتَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١).
قالَ أبو داودَ: وحَديثُ نافِعِ بنِ عُجيرٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يزيدَ ابنِ رُكانةَ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّه: «أنَّ رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ، فردَّهَا إليهِ النَّبيُّ ﷺ » أصحُّ، لأنَّهُم وَلَدُ الرَّجُلِ، وأهلُهُ أعلَمُ بهِ، إنَّ رُكانَةَ إنَّما طلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ، فجَعَلَها النَّبيُّ ﷺ واحدَةً.
ثمَّ روى هذا الحَديثَ أبو داودَ مِنْ طريقِ الشَّافعيِّ: حدَّثَني عَمِّي مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ، عَنْ نافعِ بنِ عُجيرِ بنِ عَبدِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ: «أنَّ رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ» وفي لَفظٍ: «عَنْ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ سُهَيمةَ البتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحدَةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ ما أردتَ إلَّا واحِدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحِدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ » (٢). стр. 10201
ورَواهُ أبو داودَ أيضًا وابنُ ماجَه وأبو حاتِمِ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِهِ مِنْ حَديثِ جريرِ بنِ حازِمٍ عنِ الزُّبيرِ بنِ سعيدٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ عنَ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ فأتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «ما أردتَ؟» قالَ: واحدَةً، قالَ: «آللهِ»؟ قالَ: «آللهِ» قالَ: «هوَ على ما أرَدتَ» (١).
ورَواهُ التِّرمذيُّ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي طلَّقْتُ امرأتِي البتَّة، فقالَ: «ما أردْتَ بها؟ قلتُ: واحدةً، قالَ: واللهِ؟ قلتُ: واللهِ، قالَ: فهوَ ما أردْتَ». وقالَ: لا نَعرِفُهُ إلَّا مِنْ هذا الوجهِ (٢). стр. 10202
وقالَ ابنُ ماجَه: سَمعْتُ أبا الحسَنِ الطَّنافسيَّ يَقولُ: ما أشرَفَ هذا الحَديثَ، قالَ ابنُ ماجَه: أبو عُبيدٍ تَرَكَهُ ناحيَةً، وأحمدُ جَبُنَ عنهُ.
قالَ أبو داودَ: وهذا أصحُّ مِنْ حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا؛ لأنَّهم أهلُ بيتِهِ، وهمْ أعلمُ بهِ، وحديثُ ابنِ جُريجٍ رَواهُ عنْ بعضِ بَنِي أبي رافِعٍ عَنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.
قلتُ: فجعَلَ أبو داودَ ﵁ القصَّتَينِ واحَدةً، وهوَ كما قالَ، ويَرِدُ عليهِ أنَّهُ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، وليسَ هذا في حَديثِ ابنِ جُريجٍ الَّذي رَواهُ هوَ، وإنَّما فيهِ أنَّ عبْدَ يَزيدَ -أبا رُكانةَ وإخوتِهِ- طلَّقَ أمَّ رُكانةَ ونكَحَ امرأةً مِنْ مُزَينةَ، وأنَّها اشتَكَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ وذكَرَتْ أنَّهُ عِنينٌ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّنَ كَذِبَها بأنَّ أولادَهَا يُشبِهونَهُ، فدلَّ على أنَّهُم منهُ، وأنَّهُ ليسَ بِعِنينٍ، ثمَّ إنَّهُ أمَرَ عبْدَ يزيدَ أبا رُكانةَ أنْ يُطلِّقَ هذهِ المُزَنيَّةَ المُشتكيَةَ، وإنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَ أمَّ رُكانةَ الَّتي طلَّقَها ثَلاثًا.
هذا هوَ الَّذي في حَديثِ ابنِ جُريجٍ، ليسَ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، لكنْ قدْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ واحدَةٌ، وإنَّ هذا الرَّاوي غَلِطَ في بَعضِ ألفاظِ القصَّةِ في المُطلِّقِ والمُطلَّقةِ، كما يَقولُ مَنْ يَقولُ: إنَّه غَلطَ في عَددِ الطَّلاقِ، وقدْ يُقالُ: مَنْ قالَ هذا لم يَكنْ لهُ أنْ يَقولَ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ ثَلاثًا، بلْ هذا يُبيِّنُ أنَّ قائِلَ ذلكَ لَم يَتأمَّلِ الحَديثِ حَقَّ التَّأمُّلِ، فإذا تَأمَّلهُمَا علِأنَّ المَنقُولَ في هذا الحَديثِ قصةٌ غيرُ المَنقولِ في
стр. 10203
الآخَرِ، فلا المُطلِّقُ المُطلِّقُ، ولا المُطلَّقةُ المُطلَّقةُ، فإنَّ المُطلَّقةَ في هَذا سُهَيمَةُ امرَأةُ رُكانةَ، وهناكَ أمُّهُ، ولا لفْظُ التَّطليقِ لَفظُ التَّطليقِ، وفي هذا مِنْ تَزويجِ عَبدِ يزيدَ لامرَأةٍ مُزَنيَّةٍ، ودَعواها عُنَّتَهُ، وتَكذيبِ النَّبيِّ ﷺ بشَبَهِ أولادِهِ لهُ، ما لا يُمكِنُ أنْ يَكونَ في حَديثِ رُكانةَ، فإنَّ رُكانةَ لم يَكنْ لهُ أولادٌ أدرَكُوا النَّبيَّ ﷺ يُعَدُّونَ مِنْ الصَّحابةِ، وإنَّما المَعدُودُ مِنَ الصَّحابةِ هوَ وإخوتُهُ وأبوهُ، كما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ.
لكنْ يُجابُ عَنْ هذا بأنَّ عَبدَ يَزيدَ أبا رُكانةَ لم يَذكُرْهُ في الصَّحابةِ الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ ولا ابْنُ عَبدِ البَرِّ ولا غَيرُهُما مِنَ المُصنِّفِينَ في الصَّحابةِ فيمَا عَلِمْنا، بلْ قالَ الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ في كتابِ «نَسَب قُريشٍ وأخبَارهَا»: ووَلدُ هاشِمِ بنِ المُطَّلبِ بنِ عَبدِ مَنافٍ: عَبدُ يَزيدَ، وأمُّهُ الشِّفاءُ بنتُ هاشِمِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، فوَلَدُ عَبدِ يَزيدَ بنِ هاشِمٍ: رُكانَةُ وعُجَيرٌ وعُبَيدٌ وعُميرُ بَنِي عَبدِ يَزيدَ، وأمُّهمُ العَجلةُ بِنتُ العجلانِ ونَسَبُها إلى كِنانةَ.
قالَ: ورُكانةُ بنُ عَبدِ يَزيدَ الَّذي صارَعَ النَّبيَّ ﷺ قبْلَ الإسلامِ، وكانَ أشَدَّ النَّاسِ، فقالَ: يا مُحمَّدُ إنْ صَرعْتَنِي آمنْتُ بكَ، فصَرَعَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أشهَدُ أنَّكَ ساحِرٌ، ثمَّ أَسلَمَ بعْدُ، وأطعَمَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسِينَ وَسقًا بِخَيبَرَ، ونَزَلَ رُكانةُ المَدينةَ، وماتَ بها في أوَّلِ خِلافَةِ مُعاويَةَ.
قالَ: وعُجيرُ بنُ عَبدِ يَزيدَ أطعَمَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثينَ وَسقًا.
стр. 10204
قالَ: ووَلَدُ عُبيدِ بنِ عَبدِ يَزيدَ: السَّائِبُ، أُسِرَ يَومَ بَدرٍ، وكانَ يُشبَّهُ بالنَّبيِّ ﷺ .
فقدْ بيَّنَ أنَّ رُكانةَ وابنَهُ كانا مِنَ الصَّحابةِ، بخِلافِ أبيهِ عَبدِ يَزيدَ.
وأيضًا فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ في الصَّحابةِ مَنْ يُسمَّى بهذا الاسمِ، فتبيَّنَ أنَّ المُطلِّقَ رُكانةُ لا أبوهُ.
وإذا قالَ القائِلُ: ما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ مِنْ قصَّةِ عَبدِ يَزيدَ أبِي رُكانةَ لا يُعارِضُهُ حَديثُ رُكانةَ بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ، ولَم يَجُزْ دفْعُ أحدِهِما بالآخَرِ، بلْ يَبقَى النَّظرُ في رُواةِ هذا الحَديثِ، وهمْ ثِقاتٌ مَعرُوفونَ، إلَّا بَعضَ بَنِي أبي رافِعٍ، فإنَّهُ يُحتاجُ إلى مَعرفَتِهم، فإنَّهم ليسُوا مِنْ ولَدِهِ لصُلبِهِ؛ إذْ وَلَدُه لصُلبِهِ عَبدُ اللهِ وعُبيدُ اللهِ كاتِبُ عليٍّ ﵁، وهَذانِ قَديمانِ لا يَروِيانِ عَنْ عِكرمةَ، ولا يَروي عَنهُما ابنُ جُريجٍ.
قيلَ: هذا الحَديثُ قدْ رُويَ بإسنادٍ آخَرَ مَعروفِ الرِّجالِ، وهُو يُبيِّنُ أنَّ القِصَّةَ واحدةٌ، رَواهُ أحمدُ والبَيهقيُّ وغَيرُهُما مِنْ حَديثِ إبراهيمَ بنِ سعْدٍ عَنِ ابنِ إسحاقَ، فجَعَلَ المُطلِّقَ رُكانةَ، ورَواهُ القَاضِي الحافِظُ أبو بَكرِ بنُ أبي عاصِمٍ مِنْ حَديثِ يُونُسَ بنِ بكيرٍ، فقالَ في «كتَاب الطَّلاقِ»: ثَنا مُحمَّدُ بنُ الحُسينِ، ثَنا ابن … ثَنا يُونسُ بنُ بكيرٍ عن مُحمَّدِ بنِ إِسحاقَ عَنْ داودَ بنِ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ أبا رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، فأَتَى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طلَّقْتُ امرَأتِي ثَلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ،
стр. 10205
وإنِّي قدْ وجدْتُ عَليها وَجدًا شَديدًا، فقالَ: أَتريدُ أنْ تَرتَجعَها؟ قالَ: قلتُ: نعمْ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فإنَّما هيَ وَاحدةٌ».
وقدْ رَواهُ البَيهَقيُّ فقالَ في «السُّنَن الكَبيرِ»: وقَد رَوى مُحمدُ بنُ إِسحاقَ عَنْ داودَ بنِ الحُصينِ عَنْ عِكرمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ امرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجلسٍ واحدٍ، فحَزِنَ عَليها حُزنًا شَديدًا، فسَألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ كيفَ طلَّقَها، قالَ: طلَّقْتُها ثَلاثًا، فقالَ: في مَجلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نَعمْ، قالَ: إنَّما تِلكَ واحدَةٌ، فارْجِعْها إنْ شئْتَ، فراجَعَها». وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يَرَى أنَّما الطَّلاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهرٍ، فتلكَ السُّنةُ التي كانَ عَليها النَّاسُ، والَّتي أمَرَ اللهُ بهَا ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
قالَ البَيهَقيُّ: أخبَرَناهُ أبو بَكرِ ابنُ الحارِثِ، ثَنا أبو مُحمَّدِ بنُ حيَّانَ، ثَنا سَلَمُ بنُ عِصامٍ، ثَنا عُبيدُ اللهِ بنُ سَعدٍ، ثَنا عَمِّي، ثَنا أَبِي، عنِ ابنِ إسحاقَ، حدَّثنِي داودُ بنُ الحُصَينِ، فذَكَرَه.
قالَ البَيهَقيُّ: وهذا الإسنادُ لا تَقومُ بهِ حُجَّةٌ معَ ثَمانيةٍ رَوَوا عنِ ابنِ عباسٍ فُتياهُ بخِلافِ ذلكَ، ومعَ روايةِ أولادِ رُكانةَ أنَّ طَلاقَ رُكانةَ كانَتْ واحدَةً.
قلْتُ: أمَّا المُعارَضةُ بفُتيا ابنِ عبَّاسٍ فَفِيها كَلامٌ مَذكورٌ في مَوضِعٍ آخَرَ، وأمَّا حَديثُ أولادِ رُكانةَ فسَيأتي الكَلامِ عليهِ إنْ شاءَ اللهُ.
لكنَّ البَيهقيَّ ذكَرَ في حَديثٍ أنَّ المُطلِّقَ رُكانةَ، وهوَ الصَّوابُ. وقدْ رَواهُ
стр. 10206
أحمدُ في المُسنَدِ مِنْ هذا الوَجهِ فقالَ: ثَنا سَعدُ بنُ إبراهيمَ، ثَنا أبِي عن مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ، حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ، عَنْ عِكرمةَ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ بنُ عَبدِ يزيدَ أخُو بنِي مُطَّلبٍ امرأتَهُ ثلاثاً في مَجلسٍ واحِدٍ، فحَزِنَ عليها حُزنًا شَديدًا قالَ: فَسألهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ طلَّقتَها؟ قالَ: طلَّقتُها ثلاثاً، قالَ: فقالَ: في مَجلسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنَّما تلكَ واحدةٌ فارْجِعْها إنْ شِئتَ، قالَ: فرَجعَها، فكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَرى إنَّما الطّلاقُ عندَ كُلِّ طُهرٍ» (١).
وهذا الحَديثُ خرَّجَهُ أبو عَبدِ اللهِ المَقدِسيُّ في صَحيحِهِ الَّذي هوَ خَيرٌ مِنْ صَحيحِ الحاكِمِ، فقَدِ اتَّفقَ يُونسُ بنُ بكيرٍ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ عنِ ابنِ إسحاقَ على هذا الحَديثِ، لكنْ قالَ أحدُهُما: إنَّ المُطلِّقَ ثَلاثًا أبو رُكانةَ، كما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ، وقالَ الآخَرُ: إنَّهُ رُكانةَ، فإنْ كانَ المُطلِّقُ أبا رُكانةَ فلا مُنافاةَ بيْنَه وبيْنَ حَديثِ رُكانةَ في البتَّةِ، وإنْ كانَ المُطلِّقُ رُكانةَ فهذهِ الرِّوايةُ مِنْ هَذينِ الوجهَينِ تُعارِضُ مَنْ رَوى أنَّهُ قالَ: لم أُطلِّقْ إلَّا واحدةً، ورُواةُ هذا الحَديثِ مَشهُورونَ بحَمْلِ العِلمِ، بخِلافِ ذاكَ، لكنَّ ذاكَ مِنْ روايةِ أهلِ بَيتِه.
ويَعضُدُ رِوايةَ مَنْ رَوى أنَّ الطَّلاقَ كانَ ثلاثًا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ الَّذي في صَحيحِ مُسلِمٍ: «أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ النَّبيِّ стр. 10207
ﷺ وأبي بَكرٍ»، فهذا يُوافِقُ رِوايةَ ابنِ عبَّاسٍ، ورِوايةُ ابنِ عبَّاسٍ مَنْ وجهَينِ عَنْ عِكرمَةَ يصدقُ أحدُهُما صاحِبَهُ، فإنَّ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أثبَتُ مِنْ عَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ عَنْ أبيهِ عَنْ جدِّهِ، وقدْ قالَ أحمَدُ: حديثُ رُكانةَ ليسَ بشَيءٍ. وابنُ إسحاقَ يُدخلِهُ أبو حاتِمٍ وابنُ خُزَيمةَ وابنُ حَزمٍ في الصَّحيحِ.
والبَيهقيُّ اعتَقدَ أنَّ القَضيَّةَ واحدةٌ، كما اعتَقدَها أبو داودَ، ولكنْ ما رَوَوهُ يُخالِفُ ذلكَ، فإمَّا أنْ يكونَ الغَلطُ فِيما رَوَوهُ، أوِ الغَلطُ منهُم في فَهمِ ما رَووهُ، ولا رَيبَ أنَّهمْ صادِقونَ فيما رَوَوهُ ﵃. وهذا الحَديثُ عَمِلَ بهِ رُواتُه، فكانَ ابنُ إسحاقَ يَعمَلُ بهِ ويقولُ: «إنَّ الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدةٍ واحدَةٌ».
وكذلكَ عِكرمةُ راوِيهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ورُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، كما قالَ أبو داودَ في سُنَنِهِ: ورَوى حمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: إذا قالَ: ««أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» بفَمٍ واحِدٍ فهيَ واحدَةٌ». قالَ: ورَوى إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكرمةَ هذا قولَهُ، لَم يَذكرِ ابنَ عبَّاسٍ، وجعَلَه قولَ عِكرمةَ (١).
وذكَرَ أبو داودَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ ستَّةِ أوجِهٍ أنَّهُ أوقَعَ الثَّلاثِ بمَن أوقَعَها بكَلمةٍ واحدَةٍ، مِنْ رِوايةِ مُجاهدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ومالِكِ بنِ الحُوَيرثِ وعَطاءٍ وعَمرِو بنِ دينارٍ ومُحمدِ بنِ إياسَ بنِ البكيرِ. стр. 10208
وكانَ عَطاءٌ ونَحوهُ يَدخلونَ على ابنِ عبَّاسٍ معَ العامَّةِ، وكانَ طاوسٌ يَدخلُ عليهِ مَع الخاصَّةِ، وكذلكَ عِكرمةُ مَولاهُ كانَ مِنْ خاصَّتِه، فلِهذا حَمَلَ مَنْ حمَلَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ على مِثلِ فِعلِ عُمرَ، مِنْ أنَّ هذا مِنْ العُقوباتِ التي يَجتَهدُ فيها الأئِمةُ، ليسَ شَرعًا لازِمًا، وهوَ عقوبةٌ لِمَنْ لَم يتَّقِ اللهَ، ولهذا كانَ ابنُ عبَّاسٍ يقولُ لِمَنْ يُفتيهِ: «لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجعَلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا».
وأبو داودَ رَوى حَديثَ حمَّادِ بنِ زَيدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ غَيرِ واحِدٍ عَنْ طَاوسٍ أنَّ رَجلًا يُقالُ لهُ أبو الصَّهباءِ كانَ كَثيرَ السُّؤالِ لابنِ عبَّاسٍ قالَ: أمَا عَلمْتَ أنَّ الرَّجلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعَلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكْرٍ وصَدرًا مِنْ إِمارةِ عُمَرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «بَلى، كانَ الرَّجلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إِمارةِ عُمرَ، فلمَّا رأَى -يَعني عُمَر- النَّاسَ قدْ تَتايَعُوا فيها قالَ: أُجيزُهنَّ عَليهِم».
ثمَّ رَوى مِنْ حَديثِ ابنِ عليَّةَ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ فجاءَهُ رَجلٌ فقالَ: إنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، قالَ: فسَكَتَ حتَّى ظَننْتُ أنُّهُ رادُّها إليهِ، ثمَّ قالَ: «يَنْطَلِقُ أحدُكُم فيَركَبُ الحمُوقةَ ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابْنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وإنَّكَ لَم تتَّقِ اللهَ فلا أجِدُ لكَ مَخرجًا، عَصَيتَ ربَّكَ وبانَتْ
стр. 10209
مِنْكَ امرأتُكَ، وإنَّ اللهَ قالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾».
قلتُ: لا يُقالُ مِثلُ هذا الكَلامِ إلَّا لِمَنْ عَلِمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ، ثمَّ فعَلَهُ عامِدًا لفِعلِ المُحرَّمِ، فإنَّ هذا لَم يتَّقِ اللهَ بلْ تعدَّى حدُودَهُ، أمَّا مَنْ لم يَعلمْ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ ولا قامَتْ عليهِ حجَّةٌ بتَحريمِ ذلكَ، ولو عَلِمَ أنَّهُ مُحرَّمٌ لم يَفعلْهُ، فإنَّ هذا لا يَخرجُ عنِ التَّقوى بذلكَ، ولا يُقالُ لهُ: إنَّكَ لم تتَّقِ اللهَ فلا أجدُ لكَ مَخرَجًا، ولا يُقالُ لهُ: عَصيْتَ ربَّكَ.
ففي فُتيا ابنِ عبَّاسٍ هذهِ ونَحوِها إيقاعُ الثَّلاثِ بمِثلِ هذا لمَّا تَتايَعَ النَّاسُ فيما نُهُوا عَنهُ، فأجازَهُ عَليهِم عُمرُ ومَن رُويَ أنَّهُ وافَقَهُ، كعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرَةَ وعَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو وغَيرِهمُ الَّذين أجازُوا الثَّلاثَ على النَّاسِ المُتَتايِعِينَ فيما نُهُوا عَنهُ مِنْ ذلكَ، كما وافَقُوا عُمرَ على أنَّ حدَّ في الخَمرِ بثَمانِينَ لمَّا كَثُرَ شُرْبُ النَّاسِ لها واستَقلُّوا العُقوبةَ بأربَعِينَ.
وكانَ عُمرُ ﵁ أحيانًا يَنفِي في الخَمرِ ويَحلِقُ الرَّأسَ، فيُغلِّظُ عُقوبَتَها بحَسبِ الحاجَةِ؛ إذْ لم يَكنْ مِنَ النَّبيِّ ﷺ فيها حَدٌّ مُقدَّرٌ مُوقَّتُ القدْرِ والصِّفةِ لا يُزادُ عَليهِ ولا يُنْقَصُ منهُ كما في حدِّ القَذْفِ، بلْ كانَ قدْرُ العُقوبَةِ فيها وَصفَتُها مُوكُولةً إلى اجتِهادِ الأئِمةِ بحَسبِ الحاجَةِ، فمِن أدناها أربَعونَ بالجَريدِ والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ، وهذا مِنْ أخفِّ العُقوباتِ
стр. 10210
قَدْرًا وصِفةً، ثمَّ أربَعونَ بالسِّياطِ، وهذا أعلَى في الصِّفةِ دُونَ القَدرِ، ثمَّ ثَمانونَ بالسِّياطِ، وهذا أعلى مِنهُما، وهلْ يُعاقَبُ فيها بالقَتلِ بعْدَ الثَّالثةِ أو الرَّابعةِ إذا لَم يَنتَهُوا إلَّا بذلكَ؟ فيهِ أحاديثُ ونزاعٌ ليسَ هذا مَوضعَهُ.
فحَديثُ عَبدِ يَزيدَ أو رُكانةَ مَرويٌّ مِنْ هَذينِ الوجهَينِ، وأقلُّ أحوالِهِ حِينَئذٍ أنْ يكونَ حسَنًا، فإنَّ الحسَنَ عندَ التِّرمذيِّ هوَ ما رُويَ مِنْ وجهَينِ ولم يُعلَمْ في رِواتهِ مُتَّهَمٌ بالكَذبِ، ولم يُعارِضْهُ ما يَدلُّ على غَلطِهِ، وهو مِنْ أحسَنِ ما يَحتَجُّ بهِ الفُقهاءُ، وقدْ يُقالُ: هوَ صَحيحٌ، وابنُ حبَّانَ وإنْ كانَ قدْ صحَّحَ حَديثَ «البَتَّة»؛ فإنَّه يُصحِّحُ حَديثَ ابنِ إسحاقَ هوَ وغَيرُهُ كابنِ خُزيمَةَ وابنِ حزْمٍ وغَيرِهِما، وابنُ حَزمٍ وغَيرُه يُضعِّفونَ حَديثَ «البَتَّة» كما ضَعَّفَه أحمَدُ ﵀.
وابنُ إسحاقَ إمامٌ حافِظٌ، لكنْ يُخافُ أنْ يُدلِّسَ ويَخلِطَ الأحاديثَ بعضَها ببَعضٍ، فإذا قالَ: «حدَّثني» زالَتِ الشُّبهَةُ، وقدْ ذَكرَ أنَّ داودَ بنَ الحُصينِ حدَّثَه وعَمِلَ بما حَدَّثَه بهِ.
ولا يَستَريبُ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ أنَّ هذا الإسنادَ أرجَحُ مِنْ إسنادِ «البَتَّة»، هذا لو انفَردَ، وأمَّا معَ مُوافقَتِه لحَديثِ أبِي الصَّهباءِ الَّذي في «صَحِيح مُسلِمٍ» فإنَّ ذلكَ ممَّا يُؤكِّدُ الاحتِجاجَ بذلكَ الحَديثِ، ويُرَدُّ على مَنْ علَّلَهُ بما لا يَقدَحُ في صحَّتِه، كقَولِ مَنْ قالَ: إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رُويَ عنهُ بخِلافِهِ، فصارَ حَديثُ عِكرمةَ يُروَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ وَجهَينِ، وجَهالةُ
стр. 10211
الرَّاوِي في أحدِهِما كجَهالةِ أولادِ رُكانةَ، فإنَّهم لا يُعرَفونَ بعِلمٍ ولا حِفظٍ، والإسنادُ الآخَرُ رِجالُهُ مِنْ مَشاهِيرِ أهلِ العِلمِ والفِقهِ والصِّدقِ، وحَديثُ طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ الَّذي لا رَيبَ في صِحتِه مُوافقٌ، فصارَتِ الأحادِيثُ بأنَّ الثَّلاثَ كانَتْ واحدةً يصدقُ بَعضُها بَعضًا، ولم يَرْوِ أحدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ حَديثًا ثابِتًا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ ألزَمَ بثَلاثٍ مُفرِّقةٍ.
وقدْ جاءَ حَديثٌ ثالِثٌ في الثَّلاثِ مُجتَمعةً، رَواهُ النَّسائيُّ فقالَ: أخبَرَنا سُليمانُ بنُ داودَ، أبَنَا ابنُ وَهبٍ، أخبَرَني مَخرمَةُ عنْ أبيهِ قالَ: سَمِعتُ مَحمودَ بنَ لَبيدٍ قالَ: «أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تَطليقاتٍ جَميعًا، فقامَ غضبانًا ثمَّ قالَ: أيُلعَبُ بكِتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رَجلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللهِ ألَا أقتلُه؟» (١).
ففي هذا الحَديثِ أنَّهُ غَضِبَ على مَنْ طلَّقَ ثلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ، وجعَلَ هذا لَعبًا بكتابِ اللهِ، وأنكَرَ أنْ يُفعَلَ هذا وهَو بيْنَهم، حتَّى استَأذنَهُ رجُلٌ في قَتْلِه، ومعَ هذا فلَم يُذكَرْ أنَّهُ فرَّقَ بيْنَه وبيْنَ امرأتِهِ، وتأخيرُ البَيانِ عَنْ وَقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، ولا يُقالُ: كانَ هذا مَعلومًا بيْنَهم، فإنَّ هذا يَشتَبِهُ، وقَد ثبَتَ أنَّهم كانُوا يَجعلُونَ الثَّلاثَ واحدَةً، ونَفسُ التَّحريمِ يَشتَبِهُ على العُلماءِ فضلًا عنِ العامَّةِ، حتَّى أنَّ كَثيرًا مِنهمْ يَقولُونَ: ليسَ هو بحَرامٍ.
فإنْ قيلَ: المُطلِّقُ كانَ يعتَقدُ وُقوعَ الطَّلاقِ بالثَّلاثِ. стр. 10212
قيلَ: كما كانَ يَعتَقدُ إباحَتَه، ولم يَنقُلْ أحدٌ بإسنادٍ ثابِتٍ أنَّ أحَدًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ وهيَ ممَّنْ يُباحُ لهُ إمساكُها فأوقَعَ بهِ النَّبيُّ ﷺ ، وقدْ رَوى طائِفةٌ مِنَ المُصنِّفِينَ في الحَديثِ والفِقهِ والخِلافِ أحاديثَ ضَعيفةً بلْ مَوضُوعةً عِنْدَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِها، ولكنَّ الَّذي يُظنُّ أنَّ فيهِ حُجَّةً ثَلاثةُ أحاديثَ:
حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، ففي رِوايةِ غَيرِ واحِدٍ أنَّها قالَتْ: «طلَّقَنِي ثَلاثًا»، وفي لَفظِ بَعضِهم: «طلَّقَنِي البتَّةَ»، ولكنَّ هذا مُجمَلٌ فسَّرَهُ ما ثَبتَ في الصَّحيحِ مِنْ رِوايَةِ الزُّهريِّ عن أبي سَلمَةَ وعُبيدِ اللهِ عَنها: «أنَّ زَوْجَها أبا حَفصِ ابنَ المُغيرَةِ خرَجَ معَ عليٍّ إلى اليَمَنِ، وأرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقِيتْ مِنْ طَلاقِها».
والثَّانِي: حَديثُ العجلانِيِّ، قالَ أبو بكرِ ابنُ أبي عاصِمٍ لمَّا ذكَرَ اختِلافَهُم في طَلاقِ العجلانِيِّ: قالَ مالِكُ بنُ أنسٍ في حَديثِهِ: فطَلَّقَها ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَه رَسولُ اللهِ ﷺ . وقالَ إبراهِيمُ بنُ سعْدٍ: فَفارَقَها، وقالَ ابنُ إسحَاقَ: هيَ طَلاقُ البتةِ، وقالَ ابنُ أبِي ذِئبٍ: فَفَارقَها، وقالَ الأَوزاعِيُّ: فَفارَقَها، وقالَ عَقيلٌ: ثمَّ فارَقَها، ولَم ينْقلْ عنهُ لَفْظ طَلاقٍ، بلْ قالَ: كَذبْتُ عَليها إنْ أمسَكْتُها، ولكنَّ الرَّاوِي عبَّرَ عَنْ مُفارَقتِه إيَّاها بهَذهِ الألفاظِ الَّتي تَدلُّ على أنَّهُ فارَقَها فِراقًا باتًّا قبْلَ أنْ يُؤمَرَ بذلكَ، فإنْ كانَ الرَّاوِي عبَّرَ عَنْ مُفارَقتِه بقَولِهِ: «طَلَّقَها ثلاثًا» -لأنَّ مَقصُودَهُ أنَّهُ حرَّمَها عَليهِ- فلَيسَ فيهِ
стр. 10213
حُجَّةٌ؛ وإنْ كانَ هوَ تَكلَّمَ بلفظِ الطَّلاقِ بقَولِهِ: «طَلَّقهَا ثَلاثًا» قدْ يُرادُ بهِ مُفرَّقةً، كقولِهِ: «هيَ طالِقٌ، هيَ طالِقٌ، هِيَ طالِقٌ»، كما في حَديثِ فاطِمةَ وغَيرِها أنَّ زَوْجَها طلَّقَها ثلاثًا، وكانَ المُرادُ ثلاثًا مُفرَّقاتٍ، فلا حُجَّةَ فيهِ أيضًا؛ وإنْ قالَ: «هيَ طالِقٌ ثلاثًا» فَلا حُجَّةَ فيهِ أيضًا كما سَنذكرُهُ.
والثَّالثُ: حَديثُ امرأةِ رفاعَةَ، وهوَ أيضًا لَفظٌ مُجمَلٌ، فقدْ يَكونُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ وقَعَ مُفرَّقًا كما وَقعَ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ.
بلْ وأمَّا حَديثُ «البَتَّة» إنْ صحَّ ففِيهِ أنَّه أتَى إلى النَّبيِّ ﷺ وقالَ: «ما أردْتُ إلَّا واحِدةً، وأنَّهُ استَحلفَهُ: ما أردْتَ إلَّا واحِدةً؟».
ومَنطُوقُ هذا لا حجَّةَ فيهِ؛ لأنَّهُ إذا لم يُرِدْ إلَّا واحِدةً لم يَقعْ بهِ إلَّا واحدةٌ، وفيهِ حُجَّةٌ على مَسألةِ النِّزاعِ المَشهورةِ بيْنَ الفُقهاءِ، وأمَّا مَفهومُهُ فمُجمَلٌ، لو قالَ: أردْتُ ثَلاثًا حتَّى كانَ يَغضبُ عَليهِ ويُؤدِّبُه لِفعلِهِ المُحرَّمَ الَّذي نَهَى عنهُ، كما غَضبَ على غَيرِه، ويُؤخِّرُ إذنَهُ لهُ في الرَّجعةِ تأديبًا لهُ، أو كانَ يُوقِعُها بهِ، وليسَ في الحَديثِ بَيانٌ لأحدِهِما، والطَّريقُ الآخَرُ الَّذي هوَ أصحُّ فإنَّهُ أوقَعَ ثَلاثًا، ولا يَجوزُ أنْ يَثبُتَ تَحريمٌ عامٌّ يَلزمُ الأمَّةَ بمَسكُوتٍ مُجمَلٍ أو بِحَديثٍ مُضعَّفٍ قدْ عارَضَهُ ما هُو أصحُّ مِنْه لا بَيانَ فيهِ للوُقوعِ، وإنَّما فِيهِ الفَرقُ بيْنَ أنْ يُريدَ الواحدَةَ أو أكثرَ، والفرْقُ ثابِتٌ بِدونِ إيقاعِ الثَّلاثِ.
وقدْ رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه عَنْ عائِشةَ قالَتْ: «طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُل بها، فأرادَ زوْجُها الأوَّلُ أنْ يَتزوَّجَها، فسُئلَ رَسولُ اللهِ
стр. 10214
ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «لا، حتَّى يَذوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِها ما ذاقَ الأوَّلُ»، وهذِهِ هي قصَّةُ تَميمةَ الَّتي تزوَّجَها رفاعَةُ، وكانَ يدَّعِي أنَّهُ وطِئَها.
وتَطليقُها ثلاثًا قدْ يكونُ مُفرَّقةً، وقَد يكونُ طلَّقَها ثلاثًا بكَلمةٍ واحدةٍ، ولكنْ بانَتْ بواحدَةٍ إذا لم يَكنْ دَخلَ بها، فليسَ فيهِ دلالَةٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ ذلكَ ثَلاثًا …
ثمَّ قالَ ﵀: وبَقيتُ على ذلكَ مدَّةً … فلم أجدْ دليلًا شَرعيًّا يُوجِبُ إيقاعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، لا مِنَ الكِتابِ ولا مِنَ السُّنَّةِ ولا مِنَ الإجماعِ ولا مِنَ القياسِ.
أمَّا القُرآنُ … إلَّا على طلاقٍ يَستَلزِمُ الرَّجعَةَ إذا كانَ بعْدَ الدُّخولِ … الثَّالثة، كما قالَ أحمدُ بنُ حنْبلٍ في آخِرِ الرِّوايتَينِ: تَدبَّرتُ القُرآنَ فلَم أجدْ فيهِ إلَّا طَلاقًا رَجعيًّا، ولا يَدلُّ قطُّ إلَّا على طلقَةٍ واحِدةٍ …
والمَقصُودُ في هذا المَقامِ أنَّ القُرآنَ ليسَ فيهِ ما يَدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ جُملةً.
وأمَّا السُّنَّةُ فليسَ فيها أيضًا شيءٌ مِنْ ذلكَ، بلْ لا يُعرَفُ أنَّ أحدًا أوقَعَ الثَّلاثَ جُملةً على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأنَّها وَقعَتْ بهِ، وما رُويَ في ذلكَ مِنَ الأحاديثِ فهيَ ضَعيفةٌ، بلْ مَوضُوعةٌ كَذِبٌ عندَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ، بلْ قدْ نُقِلَ نَقيضُ ذلكَ.
وحَديثُ فاطِمةَ بنْتِ قَيسٍ لمَّا طَلَّقَها زوْجُها ثَلاثًا إنَّما كانتِ الثَّالثةُ آخِرَ
стр. 10215
ثلاثِ تَطليقاتٍ، كما جاءَ ذلكَ مُفسَّرًا في الصَّحيحِ، وحَديثُ المُتلاعنَينِ: طلَّقَها ثَلاثًا بعْدَ اللِّعانِ، واللِّعانُ حرَّمَها عليهِ أشدَّ مِنْ تَحريمِ الطَّلاقِ، فكانَ وُجودُ الطَّلاقِ كعَدمِهِ.
وإذا قيلَ: فلِماذا لَم يَنهَهُ عَنْ التَّكلُّمِ بالثَّلاثِ إنْ كانَتْ لا تُوجِبُ طلاقًا في هذهِ الحالِ؟
قيلَ: كما أنَّهُ لَم يَنهَهُ عَنْ أصلِ التَّطليقِ في هذهِ الحالِ معَ أنَّهُ عِنْدَهُمْ لا يُفيدُ ولا يَقعُ بها طلاقٌ؛ وذلكَ لأنَّ النَّهيَ إنِّما كانَ لِمَفسدةِ الوُقوعِ، فلمَّا لَم يَكنْ هُنا مَحلٌ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ لم تَكنْ هُنا مَفسدَةٌ، كما لو طلَّقَ أختَهُ الَّتي تزوَّجَها، فإذا تزوَّجَ مَنْ تَحرُمُ عليهِ على التَّأبيدِ وطلَّقَها كانَ هذا تَوكيدًا للتَّحريمِ، فكذلكَ طَلاقُ المُلاعنَةِ تَوكيدٌ لمَقصودِ الشَّارعِ، فإنَّهُ بيَّنَ أنَّ مَقصودَهُ تَحريمُها عليهِ، والشَّارعُ قصَدَ ذلكَ أيضًا، بخِلافِ مَنْ قصَدَ الشَّارعُ أنْ لا يُحرِّمَها عليهِ بالثَّلاثِ، بَلْ نهَاهُ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً بها، ولهذا غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ على مَنْ أوقَعَ الثَّلاثَ في غَيرِ المُلاعنَةِ، دُونَ مَنْ أوقَعَه في المُلاعَنَةِ.
وأمَّا حَديثُ رُكانةَ بنِ عبدِ يَزيدَ فقدْ رُويَ أنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا فردَّهَا علَيهِ بعْدَ الثَّلاثِ، ورُويَ أنَّهُ طلَّقَها البَتَّة، وأنَّهُ حلَّفَهُ ما أرادَ إلَّا واحدةً، فقالَ: مَا أردْتُ إلَّا واحِدةً»، فرَدَّهَا، وقدْ رَوى أهلُ السُّننِ أبو داودَ وغَيرُه هذهِ وهذهِ، ورَجَّحُوا الثَّانيةَ؛ لأنَّها مِنْ رِوايةِ أهلِ بَيتِه، لكنَّ أحمدَ وأبا عُبيدٍ وابنَ حزْمٍ
стр. 10216
وغيْرَهم مِنَ العُلماءِ ضعَّفُوا حَديثَ رُكانةَ، وذلكَ أنَّ رُواتَهُ قَومٌ لم يُعرَفُوا بحَمْلِ العِلمِ، ولا يُعرَفُ مِنْ عدْلِهم وضَبْطِهم ما يُوجِبُ أنْ تَثبُتَ بمِثلِ نقْلِهم سُنَّةٌ للمُسلمِينَ تُوجِبُ حُكمًا عامًّا للأمَّةِ.
وأيضًا فالرِّوايةُ الثَّانيةُ لا تَدلُّ بمَنطُوقِها، بل غايَةُ ما تَدلُّ بمَفهُومِها، وهوَ لو قالَ: «أردْتُ ثَلاثًا» كانَ يحْتَملُ أنْ يُؤدِّبَه على ذلكَ ويُعاقبَه؛ لكونِ ذلكَ مُحرَّمًا، ويحْتَملُ أنَّهُ كانَ يُوقِعُها بهِ، فاستِفهامُهُ لهُ يَدلُّ على اختِلافِ الحُكمِ بيْنَ إرادَةِ الواحِدةِ وإرادَةِ الثَّلاثِ، لكنْ هَلْ كانَ الإحلافُ لأجْلِ التَّحريمِ والمَعصيةِ؟ أمْ لأجْلِ الوُقوعِ؟ هذا ليسَ في الحَديثِ ما يُبيِّنهُ.
وفي «سُنَن النَّسائِيِّ»: «أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ فغَضِبَ عليهِ وقالَ: أتَتَلاعَبُ بكِتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظهُرِكُم؟ فقالَ الرَّجلُ: أفأَقتُلُه يا نَبيَّ اللهِ؟»
فهذا فيهِ غَضبُه عليهِ حتَّى استَأذنَهُ بعْضُ المُسلمِينَ في قتْلِهِ، وليسَ فيهِ أنَّهُ أوقَعَ بهِ الثَّلاثَ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هذا كانَ مُنكَرًا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ ، وفاعِلُه مُستَحِقٌ للذَّمِّ والعِقابِ، وليسَ فيهِ أنَّهُ أوقَعَهُ بهِ، فقَدْ يكونُ استِفهامُ رُكانةَ لهذا، فهذا الحَديثُ لا يَدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ، بلْ على تَحريمِها، ودلالَتُهُ على أنَّها لا تقَعُ أقْوَى.
ثمَّ قدْ ثَبَتَ في «صَحيحِ مُسلِمٍ» وغَيرِه عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ واحِدةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرِ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ،
стр. 10217
ثمَّ قالَ عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجلُوا في أمْرٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أَمضَيناهُ عَليهِم، فأمضاهُ عَليهِم».
وأمَّا قَولُ القائِلِ: «إنَّ ابنَ عبَّاسٍ أفْتَى بخِلافِه»؛ فقدِ اختَلفَتْ فُتيا ابنِ عبَّاسٍ في ذلكَ، فنُقِلَ عنهُ إيقاعُ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ، ورُويَ عنهُ أنَّه لا تَقَعُ، كما ذكَرَ ذلكَ أبو داودَ في سُنَنِه وغَيرُه.
والمَقصودُ هنا أنَّه ليسَ في السُّنَّةِ قطُّ أنَّ أحدًا طلَّقَ ثلاثًا جُملةً على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ فأوقَعَها بهِ، وهذا لا رَيبِ فيهِ.
وأمَّا الإجماعُ فلا إجماعَ في المَسألةِ، بلْ قَدْ نُقِلَ عَنْ أكابِرِ الصَّحابةِ -مِثلِ الزُّبيرِ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وعليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ- أنَّهُ لا تقَعُ الثَّلاثُ بكَلمةٍ واحدَةٍ، وهوَ قَولُ غَيرِ واحدٍ مِنَ التَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم كطَاوسٍ وعِكرمةَ وابنِ إسحاقَ والحجَّاجِ بنِ أرطاةَ، وقولُ طائِفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ مِنْ أهلِ قُرطُبةَ وغَيرِهم، وقولُ طائِفةٍ مِنْ فُقهاءِ الحَديثِ مِنْ أصحابِ أحمدَ وغَيرِهم، وكانَ جَدُّنا أبو البَرَكاتِ يُفتِي بذلكَ أحيانًا، وقولُ طائِفةٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أهلِ الحَديثِ والكَلامِ والفِقهِ، وهوَ أحَدُ قَولَي الظَّاهِريَّةِ بلْ أكثرِهم، وقولُ الشِّيعةِ.
وأمَّا القِياسُ فلا قِياسَ في وُقوعِهِ، بلِ القِياسُ أنَّهُ لا يَقعُ؛ لأنَّهُ مَنهيٌّ عنْهُ، والنَّهيُ يَقتضي فَسادِ المَنهيِّ عنهُ، بمَعنَى أنَّهُ لا يَحصلُ للمَنهيِّ قَصدُه، والمَنهيُّ عَنِ الطَّلاقِ المُحرَّمِ قَصدُهُ وقوعُهُ، ففَسادُهُ يُوجِبُ أنْ لا يَحصلَ
стр. 10218
مَقصُودُه، كما أنَّ المُكرِهَ الظَّالمَ لمَّا كانَ قَصدُهُ وُقوعَ الطَّلاقِ بالمُكرَهِ لم يَقعِ الطَّلاقُ مِنْ المُكرَهِ …
فإنْ قيلَ: فعُمَرُ بنُ الخطَّابِ ألزَمَ النَّاسَ بوُقوعِ الثَّلاثِ جُملةً كما ذكَرْتُم، وعُمَرُ لم يَكنْ ليُخالِفَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فعُلِمَ أنَّهُ اطَّلعَ على دَليلٍ شَرعيٍّ يُوجِبُ ذلكَ، وقدْ وافَقَهُ عليٌّ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمَرَ وأبو هُرَيرةَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو، فهؤلاءِ أفتَوا فيمَن أوقَعَ الثَّلاثَ جُملةً أنْ تقَعَ، واشتَهرَ ذلكَ عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ حتَّى ظنَّهُ مَنْ ظنَّهُ إجماعًا، وصارَ نَقيضُ ذلكَ يُحكَى عَنْ أهلِ البدَعِ كالرَّافِضةِ، ولهذا لمَّا ذُكِرَ هذا القَولُ عَنِ الرَّافضةِ لأحمَدَ قالَ: «قَولُ سوءٍ» أو نَحوَ ذلكَ.
قيلَ: أمَّا المَنقولُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فظاهِرُهُ أنَّهُ عاقَبَ النَّاسَ بإيقاعِها جُملَةً لمَّا أكثَرُوا مِنْ فعْلِ ما نُهُوا عَنهُ، ولهذا قالَ: «إنَّ النَّاسَ قَدْ أسرَعُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهمْ فِيهِ أناةٌ، فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهِمْ، فأمْضَاهُ عَليهِم».
والَّذينَ أفتَوا بذلكَ مِنَ الصَّحابةِ رَأَوْا رَأيَ عُمرَ في ذلكَ، وألفاظُهُم تَدلُّ على أنَّهمْ فَعَلُوا ذلكَ عُقوبَةً لِمَنْ فعَلَ ما نُهِيَ عَنهُ، كقَولِ ابنِ مَسعُودٍ لمَّا سُئِلَ عمَّنْ طلَّقَ ثلاثًا: «أيُّهَا النَّاسُ مَنْ أتَى الأمْرَ علَى وجْهِهِ فقدْ تَبيَّنَ لهُ، وإلَّا فَواللهِ مَا لنَا طاقَةٌ بكُلِّ مَا تُحدِثونَ». وفي لَفظٍ: «مَنْ أتَى بِدعَةً ألزَمْناهُ بِدعتَهُ»، فعُلِمَ أنَّ هذا كانَ عِندَهُ ممَّا نُهُوا عَنهُ، فألزَمَهم بِهِ، وكذلكَ ابنُ عبَّاسٍ قالَ لِمَنْ طلَّقَ ثلاثًا: «إنَّكَ لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجعَلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا،
стр. 10219
ولكنَّكَ لم تَتَّقِ اللهَ فلَم يَجعَلْ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا»، وكذلكَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ يَقولُ: «إذا فَعلْتَ ذلكَ فَقدْ عَصَيتَ اللهَ وبانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ»، ومِثلُ ذلكَ كَثيرٌ في كَلامِهم، يَذمُّونَ فاعِلَ ذلكَ معَ إيقاعِهِم بهِ الثَّلاثَ، وهذا يَقتَضي أنَّ فاعِلَ ذلكَ كانَ مَذمُومًا عِنْدَهُمْ معَ إيقاعِ الثَّلاثِ بهِ.
وقدْ كانَ للصَّحابةِ ﵃ اجتِهادٌ في أنواعٍ مِنَ العُقوباتِ، وفي المَنعِ مِنْ بَعضِ المُباحاتِ؛ لِمَا يَرَونَهُ مِنْ مَصلحةِ الأمَّةِ، كاجتهادِ عُمرَ وغَيرِه في حَدِّ الشَّاربِ حتَّى حَدُّوهُ ثَمانِينَ، وحتَّى كانَ عُمرُ يَنفيهِ ويَحلِقُ رَأسَهُ، وكما كانَ عُمرُ يَنهَى عَنْ مُتعةِ الحَجِّ؛ ليَعتَمرَ النَّاسُ في غَيرِ أشهُرِ الحَجِّ، فمَنعَهُم مِنَ المُباحِ لمَّا رَآهُم يَتركونَ بهِ ما هوَ مَشرُوعٌ للأمَّةِ، ولِمَا رَأى في ذلكَ مِنْ حَضِّ النَّاسِ على الطَّاعةِ بهِ، ويَمنَعُهم مِنَ المُباحِ ليَفعلُوا خيرًا أو لِئلَّا يَفعلُوا شَرًّا، فلمَّا كَثُرَ مِنهُم إيقاعُ الثَّلاثِ جُملَةً ورَأى أنَّهم لا يَنْتَهُونَ عَنْ ذلكَ إلَّا بإلزامِهِم بها، ومنعِه مِنَ المَرأةِ إذا قالَ ذلكَ، فمَنعَهُم مِنْ نِكاحِها بعْدَ الثَّلاثِ جُملةً ومُفرَّقًا؛ لِئلَّا يَفعلُوا الشَّرَّ الَّذي كانُوا يَفعلونَهُ، كما مَنعَهم مِنْ مُتعةِ الحَجِّ؛ ليَفعلُوا الخيرَ -وهُو العُمرةُ- في سائِرِ السَّنَةِ، وكما حرَّمَ على النَّاكِحِ في العِدَّةِ أنْ يَتزوَّجَ المَنكوحةَ أبدًا؛ ليَمنَعَهم بذلكَ مِنْ الشَّرِّ الَّذي فَعَلوهُ، وهوَ التَّزوُّجُ في العدَّةِ، وكما مَنَعَ شارِبَ الخَمرِ أنْ يُقيمَ ببَلدِه؛ ليَمنعَه بذلكَ مِنْ شُربِ الخَمرِ.
وهذهِ العُقوباتُ لها أصْلٌ في الشَّرعِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نَفَى
стр. 10220
المُخنَّثَ والزَّاني، ومَنعَ الحِمْيَريَّ مِنَ السَّلبِ الَّذي أمَرَ خالِدًا أنْ يُعطيَهُ إيَّاهُ، فحَرَّمَهُ عليهِ بعْدَ أنْ أوجَبَهُ لهُ؛ ليَزجرَ بذلكَ عَنْ التَّعدِّي على وُلاةِ الأُمورِ لمَّا اعتَدَى عَوفُ بنُ مالِكٍ على خالدٍ، وكذلكَ ما رُوِيَ مِنْ مَنعِ الغالِّ سَهمَهُ، وأيضًا فإنَّهُ لمَّا أمرَ بهَجْرِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا أمَرَ أزواجَهَم بهَجْرِهم، ومَنعَهنَّ أنْ يُمكِّنُوهِم مِنْ مُضاجَعَتِهم، معَ أنَّ هذا حَلالٌ للزَّوجِ معَ امرأتِهِ، وهذا أبلَغُ مِنْ مُوجَبِ الظِّهارِ؛ فإنَّ هذا تَحريمٌ لنِسائِهِم عَليهِم إلى أنْ يَتوبَ اللهُ عَليهِم أو يَحكُمَ اللهُ بحُكْمٍ آخَرَ، والمُظاهِرُ تَحرُمُ عليهِ إلى أنْ يُكفِّرَ، فأثبَتَ مُوجَبَ الظِّهارِ تَعزيرًا لِمَنْ استَحقَّ التَّعزيرَ بالهجرَةِ، وعاقَبَ المُتلاعنَينِ بتَحريمِ كلٍّ مِنهُما على الآخَرِ، وهذا أبلَغُ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ، فإذا كانَ قَدْ عاقَبَ بتَحريمٍ أخَفَّ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ وبتَحرِيمٍ أبلَغَ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ، وجعَلَ الثَّاني شَرعًا مُطلقًا، وجعَلَ الأوَّلَ تَعزيزًا يَسوغُ أنْ يَفعلَهُ الأئِمَّةُ بمَن أذنَبَ مِثلَ ذلكَ الذَّنبِ، لم يَمتَنِعْ أنْ يكونَ أميرُ المُؤمنِينَ عُمرُ بنُ الخَّطابِ -معَ كَمالِ عِلمِه ونُصْحِه للأمَّةِ- رَأى أنْ يُعاقِبَ المُستكثِرينَ ممَّا نَهَى اللهُ عنهُ، الَّذينَ لم يَرتَدِعُوا بمُجرَّدِ نَهيِ الشَّارعِ، بما هوَ مِنْ جِنسِ العُقوباتِ المَشروعةِ، وقد كانَ أحيانًا يَهُمُّ بنَهيِهم عَنْ أشياءَ وعُقوبتِهم بالمَنْعِ ثمَّ يَتبيَّنُ لهُ الصَّوابُ في ذلكَ، كما هَمَّ أنْ يَمنعَهم مِنَ الزِّيادَةِ في قَدْرِ الصَّداقِ على ما فعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ بأزواجِهِ وبَناتِه، ويجعلُ فِعْلهُ شَرعًا لازمًا لهمْ لا يَزْدادُونَ عليهِ، وأنْ يُعاقِبَ مَنْ جاوَزَ فعْلَ
стр. 10221
النَّبيِّ ﷺ بجَعْلِ الزِّيادةِ في بَيتِ المالِ، حتَّى تَبيَّنَ لهُ أنَّ ذلكَ ممَّا أباحَهُ اللهُ لهم، فلا يُمنَعونَ منهُ ولا يُعاقَبونَ عليهِ.
وإلَّا فهَلْ يَظنُّ مَنْ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ ويَعرِفُ حالَ السَّابقِينَ الأوَّلينَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أو غيْرَهُ مِنَ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ كانَ يَعمدُ إلى نَسْخِ شَرعِ النَّبيِّ ﷺ ؟ وأنَّ المُسلِمينَ يُقرُّونَهُ على ذلكَ معَ عِلمِه وعِلمِهِم بأنَّ هذا نَسْخٌ لِشَرعِه، نَعمْ، الأمُورُ الاجتهاديَّةُ الَّتي يَفعَلُها أحَدُ الخُلفاءِ تارةً يُوافِقُه عَليها جَماعَتُهم، وتارَةً يُوافِقُه عَليها بَعضُهم ويُنكِرُها بَعضُهم إنكارَ مُجتهِدٍ على مُجتهِدٍ، كما أنكَرَ عِمرانُ بنُ حُصينٍ وغيرُهُ على عُمرَ ما قالَهُ في مُتعةِ الحَجِّ، معَ أنَّهُ قدْ ثبَتَ عَنْ عُمرَ أنَّهُ لم يُحرِّمْها، وأنَّهُ كانَ لهُ فيها اجتهادٌ مُتنوِّعٌ.
وإذا كانَ هذا مَخرَجَ ما فعَلَهُ عُمرُ فيُقالُ: مَنْ كانُوا عالِمِينَ بالتَّحريمِ وأقدَمُوا عليهِ بعْدَ علْمِهم بالتَّحرِيمِ واستَكثَروا منْهُ بعْدَ عِلمِهم بالتَّحرِيمِ، فمَن ألزَمَهم بهِ فقَدِ اقتَدَى بعُمَرَ في ذلكَ وبمَن وافَقَه مِنَ الصَّحابةِ.
وأمَّا مَنْ لم يَعلَمْ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ أوِ اعتَقدَ أنَّهُ مُباحٌ وفعَلَهُ فهذا لا يَستَحِقُّ أنْ يُعاقَبَ، ولا يُمكِنُ إلزامُهُ بهِ على وَجهِ العُقوبَةِ، إلَّا أنْ يَكونَ الشَّارعُ ألزَمَهُ بالثَّلاثِ، وظهَرَ مَقصُودُ عُمرَ؛ فإنَّهُم إذا كانُوا يَعتَقدُونَ تَحريمَهُ والشَّارِعُ نهَاهُم عنْهُ، وإذا أوقَعُوهُ جعَلَهُ واحدَةً، فإذا صارُوا يُوقِعونَهُ قاصِدِينَ للثَّلاثِ صارُوا يَقصِدُونَ ما نُهُوا عَنهُ، وقدْ يَعتَقدُ عامَّتُهم وُقوعَ
стр. 10222
الثَّلاثِ بهِ، فعاقَبَهم عُمرُ على ذلكَ بإلزامِهم ما قَصدُوهُ وما اعتَقدُوهُ.
فإنْ قيلَ: فقدْ تقدَّمَ أنَّ الشَّارِعَ لَم يُعاقِبْ بوُقوعِ الطَّلاقِ.
قُلنا: نَعمْ، ليسَ في الكتابِ والسُّنةُ عُقوبةٌ بوُقوعِ الطَّلاقِ، ولكنْ جعْلُ هذا عُقوبَةً هو ممَّا يَقولُهُ كَثيرٌ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ بالاجتهادِ، كما يَقولُ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ: إنَّما يُوقَعُ الطَّلاقُ بالسَّكرانِ عُقوبةً لهُ، ونحنُ ذكَرْنا مَقاصِدَ اجتهادِ عُمرَ ﵁.
وأيضًا فعُمَرُ ﵁ رأَى أنَّ في إلزامِهم بهِ مَنعًا لهُمْ مِنْ إيقاعِهِ، فرَأى أنَّ ما يَنتفِي مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ البَغيضِ إلى اللهِ أكثرُ ممَّا يَقعُ منهُ، فدَفَعَ أعظَمَ الفسادَينِ بالتِزامِ أدناهُما، فإنَّهم إذا كانُوا يُوقِعونَ الثَّلاثَ المُحرَّمةَ ولا يَرَونَها إلَّا واحدَةً، وكانُوا يَقصِدونَ الثَّلاثَ أوَّلًا بالقَولِ المُحرَّمِ معَ علْمِهم أنَّهُ لا يَلزَمُهم ذلكَ، يَكثُرُ مِنهُم تَكلُّمُهم بالثَّلاثِ وقَصْدُهم إيقاعَها، وذلكَ بَغيضٌ إلى اللهِ، ووُقوعُهُ أيضًا بَغيضٌ، لكنْ ما فعَلَهُ أوجَبَ دفْعَ أكبَرِ البَغيضَينِ وُقوعًا بأدناهُما وُقوعًا، فإنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلزَمُهمْ بالثَّلاثِ الثَّلاثُ امتَنعُوا عنِ التَّكلُّمِ بالثَّلاثِ، فكانَ في ذلكَ دَفعُ أمورٍ كَثيرةٍ بَغيضةٍ إلى اللهِ بإلزامِ أُمورٍ أقلَّ مِنها، ولمَّا رَأى أنَّهم لا يَنتَهونَ إلَّا بذلكَ فعَلَ ذلكَ.
وكانَ عُمرُ يَنهى عَنِ التَّحليلِ ويَقولُ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، فلو رأَى عُمرُ أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ يُفضِي إلى التَّحليلِ الَّذي حرَّمَه اللهُ ورَسولُه وإلى كَثْرَتِه العَظيمةِ لم يَنْهَ عنهُ؛ لِعلمِهِ بأنَّ القولَ بأنَّ الثَّلاثَ لا
стр. 10223
تَقعُ إلَّا واحدةً خَيرٌ مِنَ التَّحليلِ، وأنَّ المَفسدَةَ في التَّحليلِ أضعافُ المَفسدَةِ في أنْ يَتكلَّمُوا بالثَّلاثِ فلا يَقعُ بهمْ إلَّا واحدةٌ، فمَتى دارَ الأمْرُ بيْنَ أنْ تقَعَ الثَّلاثُ ويُحلّلَ، وبيْنَ أنْ لا تقَعَ الثَّلاثُ، كانَ أنْ لا يَقعَ أَولَى، ولا يَرتابُ في هذا مَنْ نَوَّرَ اللهُ قلْبَهُ بالإيمانِ، فإنَّ التَّحليلَ فيهِ شرٌّ كَبيرٌ ليسَ في عَدمِ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً مِنها شَيءٌ.
وكانَ نِكاحُ التَّحليلِ قَليلًا جِدًّا في زمَنِ الصَّحابةِ، ولهذا سُئِلُوا عنهُ في وَقائِعَ مَخصُوصةٍ، وقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، وقدْ لعَنَ النَّبيُّ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ.
ولم يَكنْ على عَهدِهِ مَنْ يُظاهرُ بذلكَ، لَكنْ قَدْ يَكونُ مَنْ يَفعلُ ذلكَ باطِنًا ومَن يَقصدُهُ، فلَعَنَهُ كما لعَنَ آكِلَ الرِّبَا ومُوكِلَهُ وشاهِدَيهِ وكاتِبَهُ؛ لِتنزَجِرَ النُّفوسُ بذلكَ عَنْ قصْدِ التَّحليلِ، فلا يَقعُ مِنهُ شَيءٌ لوَجهَينِ:
أحدُهما: لتَتِمَّ عُقوبَةُ اللهِ للمُطلِّقِ الَّذي طلَّقَ الثَّالثةَ بعْدَ طَلقتَينِ، فلا يَقصِدُ أحدٌ إعادةَ امرأتِهِ إليهِ، فيَنزجُرُ بذلكَ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ مُفرَّقةً.
والثَّاني: لأنَّ التَّحليلَ مِنْ جِنسِ السِّفاحِ لا مِنْ جِنسِ النِّكاحِ، فإنَّهُ غَيرُ مَقصُودٍ، ولهذا كانَ الزَّوجُ مُشبَّهًا فيهِ بالتَّيسِ المُستَعارِ الَّذي يُقصَدُ استِعارَتُه لا مُصاحَبتُه.
فلمَّا كانَ مُفسدَةُ وُقوعِ الثَّلاثِ قليلةً لقِلَّةِ التَّحليلِ، وكانَ النَّاسُ قَدْ أكثَرُوا ممَّا نُهُوا عَنهُ مِنْ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً، رأَى عُمرُ أنْ يُعاقِبَهم بإنفاذِ
стр. 10224
ذلكَ عَليهِم؛ لِئلَّا يَفعلُوا ذلكَ، فالشَّارِعُ حرَّمَ عليهِمُ المَرأةَ بعْدَ الثَّالثةِ عُقوبَةً لهُم، فرَأى عُمرُ وغَيرُه أنَّهم إذا أكثَرُوا مِنْ إيقاعِها مُجتَمعةً استَحقُّوا هذهِ العُقوبةَ، بخِلافِ ما كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وأوَّلِ خِلافتِه، فإنَّها كانَتْ قَليلةً في النَّاسِ، وكانُوا يَنتَهونَ بنَهيِ الشَّارعِ، فلم يَكنْ في وُقوعِها قَليلًا حاجةٌ إلى عُقوبَةٍ، ولا رَيبَ أنَّهُ إذا كَثُرَ المَحظورُ احتاجَ النَّاسُ فيهِ إلى زجْرٍ أكثرَ ممَّا إذا كانَ قَليلًا.
ولهذا لمَّا رَأى الصَّحابةُ ﵃ كَثرَةَ شُربِ النَّاسِ الخَمرَ واستَخفافَهُم بالعُقوبَةِ الَّتي هي أربَعونَ جَلَدُوا ثَمانِينَ، وكانَ عُمرُ معَ ذلكَ يَنفِي ويَحلقُ الرَّأسَ؛ لأنَّ عُقوبةَ الشَّاربِ لم يُقدِّرِ النَّبيُّ ﷺ فيها قَدرًا مُؤبَّدًا كما قَدَّرَ في القَذفِ، لا عددًا ولا صِفةً، بل أقلُّ ما ضَرَبَ أربعِينَ، وكانَ يَضربُ بالجَريدِ والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ، وقدْ أمَرَ بقَتلِ الشَّاربِ في الرَّابعةِ، فكانَ صِفةُ عُقوبتُهُ وقَدرُها مُفوَّضًا إلى اجتِهادِ الأئِمةِ، ولو كانَ النَّبيُّ ﷺ أوجَبَ فيها حدًّا حَرُمَ ما زادَ عَليهِ لامتَنَعَ عَليهم أنْ يُبدِّلُوا شَريعَتُه، فإنَّهم لا يتَّفقُونَ على ضَلالةٍ.
وإذا كانَ هذا فعَلَهُ عُمرُ على وَجهِ العُقوبةِ والتَّعزيرِ بذلكَ لكَثرةِ إقدامِ النَّاسِ على المَحظورِ، لا لأنَّهُ شرْعٌ لازِمٌ لكلِّ مَنْ تَكلَّمَ بذلكَ، سواءٌ كانَ عالِمًا بالتَّحريمِ أو جاهِلًا، وسواءٌ كانَ النَّاسُ يَحتاجونَ إلى العُقوبةِ بذلكَ أو لا يَحتاجُونَ؛ لم يَكنْ على أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ لِكلِّ مَنْ تكلَّمَ
стр. 10225
بها دَليلٌ شَرعيٌّ أصلًا، وإذا كانَ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ يُوقِعونَ الطَّلاقَ بالسَّكرانِ ويقولُونَ: نُوقِعُهُ عُقوبةً ونَجعلُ ذلكَ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتِهادُ -معَ أنَّ هذا لا يُوجِبُ انتِهاءَ النَّاسِ عنِ السُّكرِ- فكيفَ لا يكونُ ما فعَلَهُ عُمرُ ﵁ مِنَ العُقوبةِ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتهادُ؟ معَ أنَّ ذلكَ أقربُ إلى الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ ومَقصُودِ المُعاقِبِ مِنْ هذا.
ولو قُدِّرَ أنَّ بعضَ الصَّحابةِ رَأى وُقوعَ الثَّلاثِ جُملةً بكُلِّ مَنْ تَكلَّمَ بها، ورَأى هذا شَرْعًا عامًّا لازمًا، فقَدْ نازَعَهُ في ذلكَ غَيرُه، معَ أنَّ هذا بَعيدٌ، فإنَّ الَّذينَ رُويَ عَنهمْ إيقاعُ الثَّلاثِ جُملةً رُويَ عَنهمْ نَفيُ ذلكَ، كَعُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ، فحَملُ كَلامِهم على اختِلافِ حالَينِ أَولَى مِنْ حَملِ كَلامِهم على التَّناقُضِ واعتِقادِهِم فَسادَ أحَدِ القولَينِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ …
ثمَّ قالَ ﵀: أصْلُ مَقصُودِ الشَّارعِ أنْ لا يقَعَ الطَّلاقُ إلَّا للحاجَةِ، والحاجَةُ تَندَفعُ بثَلاثٍ مُتفرِّقةٍ، كلُّ واحدةٍ بعدَ رَجعةٍ أو عقْدٍ، فما زادَ على هذا فلا حاجَةَ إليهِ فلا يُشرَعُ، فإنَّهُ إذا فرَّقَ الثَّلاثةَ عَليها في ثلاثَةِ أطْهارٍ لم تَكنْ بهِ حاجَةٌ إلى الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فإنَّ مَقصودَهُ مِنَ الطَّلاقِ يَحصلُ بالأُولى، كما أنَّه لا حاجَةَ بهِ إلى الثَّلاثِ …
وإذا عُرِفَ أنَّ هذا مَقصودُ الشَّارعِ فالطَّلاقُ المُسمَّى الشَّرعيُّ لا يترتَّبُ عَليهِ مَفسدةٌ راجِحةٌ، بخِلافِ غَيرِه مِنْ أنواعِ الطَّلاقِ البِدعيِّ المَنهيِّ عنهُ، فإنَّ
следующие страницы →