Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.
стр. 10221
النَّبيِّ ﷺ بجَعْلِ الزِّيادةِ في بَيتِ المالِ، حتَّى تَبيَّنَ لهُ أنَّ ذلكَ ممَّا أباحَهُ اللهُ لهم، فلا يُمنَعونَ منهُ ولا يُعاقَبونَ عليهِ.
وإلَّا فهَلْ يَظنُّ مَنْ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ ويَعرِفُ حالَ السَّابقِينَ الأوَّلينَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أو غيْرَهُ مِنَ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ كانَ يَعمدُ إلى نَسْخِ شَرعِ النَّبيِّ ﷺ ؟ وأنَّ المُسلِمينَ يُقرُّونَهُ على ذلكَ معَ عِلمِه وعِلمِهِم بأنَّ هذا نَسْخٌ لِشَرعِه، نَعمْ، الأمُورُ الاجتهاديَّةُ الَّتي يَفعَلُها أحَدُ الخُلفاءِ تارةً يُوافِقُه عَليها جَماعَتُهم، وتارَةً يُوافِقُه عَليها بَعضُهم ويُنكِرُها بَعضُهم إنكارَ مُجتهِدٍ على مُجتهِدٍ، كما أنكَرَ عِمرانُ بنُ حُصينٍ وغيرُهُ على عُمرَ ما قالَهُ في مُتعةِ الحَجِّ، معَ أنَّهُ قدْ ثبَتَ عَنْ عُمرَ أنَّهُ لم يُحرِّمْها، وأنَّهُ كانَ لهُ فيها اجتهادٌ مُتنوِّعٌ.
وإذا كانَ هذا مَخرَجَ ما فعَلَهُ عُمرُ فيُقالُ: مَنْ كانُوا عالِمِينَ بالتَّحريمِ وأقدَمُوا عليهِ بعْدَ علْمِهم بالتَّحرِيمِ واستَكثَروا منْهُ بعْدَ عِلمِهم بالتَّحرِيمِ، فمَن ألزَمَهم بهِ فقَدِ اقتَدَى بعُمَرَ في ذلكَ وبمَن وافَقَه مِنَ الصَّحابةِ.
وأمَّا مَنْ لم يَعلَمْ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ أوِ اعتَقدَ أنَّهُ مُباحٌ وفعَلَهُ فهذا لا يَستَحِقُّ أنْ يُعاقَبَ، ولا يُمكِنُ إلزامُهُ بهِ على وَجهِ العُقوبَةِ، إلَّا أنْ يَكونَ الشَّارعُ ألزَمَهُ بالثَّلاثِ، وظهَرَ مَقصُودُ عُمرَ؛ فإنَّهُم إذا كانُوا يَعتَقدُونَ تَحريمَهُ والشَّارِعُ نهَاهُم عنْهُ، وإذا أوقَعُوهُ جعَلَهُ واحدَةً، فإذا صارُوا يُوقِعونَهُ قاصِدِينَ للثَّلاثِ صارُوا يَقصِدُونَ ما نُهُوا عَنهُ، وقدْ يَعتَقدُ عامَّتُهم وُقوعَ
стр. 10222
الثَّلاثِ بهِ، فعاقَبَهم عُمرُ على ذلكَ بإلزامِهم ما قَصدُوهُ وما اعتَقدُوهُ.
فإنْ قيلَ: فقدْ تقدَّمَ أنَّ الشَّارِعَ لَم يُعاقِبْ بوُقوعِ الطَّلاقِ.
قُلنا: نَعمْ، ليسَ في الكتابِ والسُّنةُ عُقوبةٌ بوُقوعِ الطَّلاقِ، ولكنْ جعْلُ هذا عُقوبَةً هو ممَّا يَقولُهُ كَثيرٌ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ بالاجتهادِ، كما يَقولُ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ: إنَّما يُوقَعُ الطَّلاقُ بالسَّكرانِ عُقوبةً لهُ، ونحنُ ذكَرْنا مَقاصِدَ اجتهادِ عُمرَ ﵁.
وأيضًا فعُمَرُ ﵁ رأَى أنَّ في إلزامِهم بهِ مَنعًا لهُمْ مِنْ إيقاعِهِ، فرَأى أنَّ ما يَنتفِي مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ البَغيضِ إلى اللهِ أكثرُ ممَّا يَقعُ منهُ، فدَفَعَ أعظَمَ الفسادَينِ بالتِزامِ أدناهُما، فإنَّهم إذا كانُوا يُوقِعونَ الثَّلاثَ المُحرَّمةَ ولا يَرَونَها إلَّا واحدَةً، وكانُوا يَقصِدونَ الثَّلاثَ أوَّلًا بالقَولِ المُحرَّمِ معَ علْمِهم أنَّهُ لا يَلزَمُهم ذلكَ، يَكثُرُ مِنهُم تَكلُّمُهم بالثَّلاثِ وقَصْدُهم إيقاعَها، وذلكَ بَغيضٌ إلى اللهِ، ووُقوعُهُ أيضًا بَغيضٌ، لكنْ ما فعَلَهُ أوجَبَ دفْعَ أكبَرِ البَغيضَينِ وُقوعًا بأدناهُما وُقوعًا، فإنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلزَمُهمْ بالثَّلاثِ الثَّلاثُ امتَنعُوا عنِ التَّكلُّمِ بالثَّلاثِ، فكانَ في ذلكَ دَفعُ أمورٍ كَثيرةٍ بَغيضةٍ إلى اللهِ بإلزامِ أُمورٍ أقلَّ مِنها، ولمَّا رَأى أنَّهم لا يَنتَهونَ إلَّا بذلكَ فعَلَ ذلكَ.
وكانَ عُمرُ يَنهى عَنِ التَّحليلِ ويَقولُ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، فلو رأَى عُمرُ أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ يُفضِي إلى التَّحليلِ الَّذي حرَّمَه اللهُ ورَسولُه وإلى كَثْرَتِه العَظيمةِ لم يَنْهَ عنهُ؛ لِعلمِهِ بأنَّ القولَ بأنَّ الثَّلاثَ لا
стр. 10223
تَقعُ إلَّا واحدةً خَيرٌ مِنَ التَّحليلِ، وأنَّ المَفسدَةَ في التَّحليلِ أضعافُ المَفسدَةِ في أنْ يَتكلَّمُوا بالثَّلاثِ فلا يَقعُ بهمْ إلَّا واحدةٌ، فمَتى دارَ الأمْرُ بيْنَ أنْ تقَعَ الثَّلاثُ ويُحلّلَ، وبيْنَ أنْ لا تقَعَ الثَّلاثُ، كانَ أنْ لا يَقعَ أَولَى، ولا يَرتابُ في هذا مَنْ نَوَّرَ اللهُ قلْبَهُ بالإيمانِ، فإنَّ التَّحليلَ فيهِ شرٌّ كَبيرٌ ليسَ في عَدمِ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً مِنها شَيءٌ.
وكانَ نِكاحُ التَّحليلِ قَليلًا جِدًّا في زمَنِ الصَّحابةِ، ولهذا سُئِلُوا عنهُ في وَقائِعَ مَخصُوصةٍ، وقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، وقدْ لعَنَ النَّبيُّ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ.
ولم يَكنْ على عَهدِهِ مَنْ يُظاهرُ بذلكَ، لَكنْ قَدْ يَكونُ مَنْ يَفعلُ ذلكَ باطِنًا ومَن يَقصدُهُ، فلَعَنَهُ كما لعَنَ آكِلَ الرِّبَا ومُوكِلَهُ وشاهِدَيهِ وكاتِبَهُ؛ لِتنزَجِرَ النُّفوسُ بذلكَ عَنْ قصْدِ التَّحليلِ، فلا يَقعُ مِنهُ شَيءٌ لوَجهَينِ:
أحدُهما: لتَتِمَّ عُقوبَةُ اللهِ للمُطلِّقِ الَّذي طلَّقَ الثَّالثةَ بعْدَ طَلقتَينِ، فلا يَقصِدُ أحدٌ إعادةَ امرأتِهِ إليهِ، فيَنزجُرُ بذلكَ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ مُفرَّقةً.
والثَّاني: لأنَّ التَّحليلَ مِنْ جِنسِ السِّفاحِ لا مِنْ جِنسِ النِّكاحِ، فإنَّهُ غَيرُ مَقصُودٍ، ولهذا كانَ الزَّوجُ مُشبَّهًا فيهِ بالتَّيسِ المُستَعارِ الَّذي يُقصَدُ استِعارَتُه لا مُصاحَبتُه.
فلمَّا كانَ مُفسدَةُ وُقوعِ الثَّلاثِ قليلةً لقِلَّةِ التَّحليلِ، وكانَ النَّاسُ قَدْ أكثَرُوا ممَّا نُهُوا عَنهُ مِنْ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً، رأَى عُمرُ أنْ يُعاقِبَهم بإنفاذِ
стр. 10224
ذلكَ عَليهِم؛ لِئلَّا يَفعلُوا ذلكَ، فالشَّارِعُ حرَّمَ عليهِمُ المَرأةَ بعْدَ الثَّالثةِ عُقوبَةً لهُم، فرَأى عُمرُ وغَيرُه أنَّهم إذا أكثَرُوا مِنْ إيقاعِها مُجتَمعةً استَحقُّوا هذهِ العُقوبةَ، بخِلافِ ما كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وأوَّلِ خِلافتِه، فإنَّها كانَتْ قَليلةً في النَّاسِ، وكانُوا يَنتَهونَ بنَهيِ الشَّارعِ، فلم يَكنْ في وُقوعِها قَليلًا حاجةٌ إلى عُقوبَةٍ، ولا رَيبَ أنَّهُ إذا كَثُرَ المَحظورُ احتاجَ النَّاسُ فيهِ إلى زجْرٍ أكثرَ ممَّا إذا كانَ قَليلًا.
ولهذا لمَّا رَأى الصَّحابةُ ﵃ كَثرَةَ شُربِ النَّاسِ الخَمرَ واستَخفافَهُم بالعُقوبَةِ الَّتي هي أربَعونَ جَلَدُوا ثَمانِينَ، وكانَ عُمرُ معَ ذلكَ يَنفِي ويَحلقُ الرَّأسَ؛ لأنَّ عُقوبةَ الشَّاربِ لم يُقدِّرِ النَّبيُّ ﷺ فيها قَدرًا مُؤبَّدًا كما قَدَّرَ في القَذفِ، لا عددًا ولا صِفةً، بل أقلُّ ما ضَرَبَ أربعِينَ، وكانَ يَضربُ بالجَريدِ والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ، وقدْ أمَرَ بقَتلِ الشَّاربِ في الرَّابعةِ، فكانَ صِفةُ عُقوبتُهُ وقَدرُها مُفوَّضًا إلى اجتِهادِ الأئِمةِ، ولو كانَ النَّبيُّ ﷺ أوجَبَ فيها حدًّا حَرُمَ ما زادَ عَليهِ لامتَنَعَ عَليهم أنْ يُبدِّلُوا شَريعَتُه، فإنَّهم لا يتَّفقُونَ على ضَلالةٍ.
وإذا كانَ هذا فعَلَهُ عُمرُ على وَجهِ العُقوبةِ والتَّعزيرِ بذلكَ لكَثرةِ إقدامِ النَّاسِ على المَحظورِ، لا لأنَّهُ شرْعٌ لازِمٌ لكلِّ مَنْ تَكلَّمَ بذلكَ، سواءٌ كانَ عالِمًا بالتَّحريمِ أو جاهِلًا، وسواءٌ كانَ النَّاسُ يَحتاجونَ إلى العُقوبةِ بذلكَ أو لا يَحتاجُونَ؛ لم يَكنْ على أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ لِكلِّ مَنْ تكلَّمَ
стр. 10225
بها دَليلٌ شَرعيٌّ أصلًا، وإذا كانَ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ يُوقِعونَ الطَّلاقَ بالسَّكرانِ ويقولُونَ: نُوقِعُهُ عُقوبةً ونَجعلُ ذلكَ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتِهادُ -معَ أنَّ هذا لا يُوجِبُ انتِهاءَ النَّاسِ عنِ السُّكرِ- فكيفَ لا يكونُ ما فعَلَهُ عُمرُ ﵁ مِنَ العُقوبةِ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتهادُ؟ معَ أنَّ ذلكَ أقربُ إلى الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ ومَقصُودِ المُعاقِبِ مِنْ هذا.
ولو قُدِّرَ أنَّ بعضَ الصَّحابةِ رَأى وُقوعَ الثَّلاثِ جُملةً بكُلِّ مَنْ تَكلَّمَ بها، ورَأى هذا شَرْعًا عامًّا لازمًا، فقَدْ نازَعَهُ في ذلكَ غَيرُه، معَ أنَّ هذا بَعيدٌ، فإنَّ الَّذينَ رُويَ عَنهمْ إيقاعُ الثَّلاثِ جُملةً رُويَ عَنهمْ نَفيُ ذلكَ، كَعُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ، فحَملُ كَلامِهم على اختِلافِ حالَينِ أَولَى مِنْ حَملِ كَلامِهم على التَّناقُضِ واعتِقادِهِم فَسادَ أحَدِ القولَينِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ …
ثمَّ قالَ ﵀: أصْلُ مَقصُودِ الشَّارعِ أنْ لا يقَعَ الطَّلاقُ إلَّا للحاجَةِ، والحاجَةُ تَندَفعُ بثَلاثٍ مُتفرِّقةٍ، كلُّ واحدةٍ بعدَ رَجعةٍ أو عقْدٍ، فما زادَ على هذا فلا حاجَةَ إليهِ فلا يُشرَعُ، فإنَّهُ إذا فرَّقَ الثَّلاثةَ عَليها في ثلاثَةِ أطْهارٍ لم تَكنْ بهِ حاجَةٌ إلى الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فإنَّ مَقصودَهُ مِنَ الطَّلاقِ يَحصلُ بالأُولى، كما أنَّه لا حاجَةَ بهِ إلى الثَّلاثِ …
وإذا عُرِفَ أنَّ هذا مَقصودُ الشَّارعِ فالطَّلاقُ المُسمَّى الشَّرعيُّ لا يترتَّبُ عَليهِ مَفسدةٌ راجِحةٌ، بخِلافِ غَيرِه مِنْ أنواعِ الطَّلاقِ البِدعيِّ المَنهيِّ عنهُ، فإنَّ
стр. 10226
فيهِ مِنَ المَفسدةِ الرَّاجحةِ ما أوجَبَ أنَّ اللهَ يَنهَى عنهُ، والفَسادُ الحاصِلُ في الطَّلاقِ والتَّحليلِ وخُلْعِ اليَمينِ وغيرِ ذلكَ إنَّما هو لخُروجِهِم عَنْ طاعةِ اللهِ ورَسولِه فيمَا شرَعَ لَهم مِنَ الطَّلاقِ، فلمَّا فَعلُوا ما نُهُوا عَنهُ أوجَبَ ذلكَ لهم ضَررًا في دِينِهم أو دُنياهُم، فإنَّهم إنْ لَم يُخالِفُوا أمْرًا آخَرَ حَصلَ لَهُمْ ضَررٌ في دُنياهُم بمُفارَقةِ الأهْلِ وخَرابِ البَيتِ وتَشتيتِ الشَّملِ وتَفرُّقِ الأولادِ، وبالمُطالَبةِ بالصَّدقاتِ المُتأخِّرةِ وفَرضِ النَّفقاتِ، وغَيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ الشُّرورِ الحاصلةِ بالطَّلاقِ في الدُّنيا، وإنْ دَخلُوا فيما نُهُوا عَنهُ مِنْ تَحليلٍ وغَيرِه حصَلَ لَهم ضَررٌ في دِينِهم معَ الضَّررِ في الدُّنيا أيضًا، بالعارِ بدُخولِهم فيما نُهُوا عَنهُ مِنَ الطَّلاقِ البِدعيِّ، يُوجِبُ لهمُ الضَّررَ والشَّرَّ لا مَحالةَ، فإذا أوقَعُوهُ فقيلَ «إنَّهُ يقَعُ» حصَلَ هذا الضَّررُ، فإنَّ الضَّررَ لم يَنشَأْ مِنْ إيقاعٍ لا وُقوعَ مَعهُ، وإنَّما نَشأَ مِنْ إيقاعٍ معهُ وقوعٌ، فإذا قيلَ: «إنَّهُ يَقعُ» فالضَّررُ حاصِلٌ لم يَزَلْ، والفَسادُ واقِعٌ لم يرتَفعْ، ولم يكُنْ في النَّهيِ ما يَرفعُ الفَسادَ ويُصلحُ العِبادَ، بلْ كانَ أنْ لا يُنْهَوا عَنهُ ويَحرُمَ عَليهم أقلَّ لضَررِهم، فإنَّ الضَّررَ حاصِلٌ بوقوعِهِ إذا أوقَعُوهُ، لكنْ إذا كانَ مُحرَّمًا زادَ الضَّررُ بالإثْمِ، فيَبقَونَ آثِمينَ مَضرُورِينَ، وفَسادُ النَّهيِ عنهُ حاصِلٌ معَ أنَّ المَنهيَّ عنهُ مِنْ بابِ العُقودِ، والكَلامُ الَّذي يَقبَلُ الصِّحةَ والفَسادَ ليسَ مِنْ بابِ الأفعالِ والتَّأثيراتِ الَّتي لا يُمكِنُ رفْعُ مُوجَبِها، فإنَّ الطَّلاقَ كالنِّكاحِ والعِتاقِ والظِّهارِ ونحوِ ذلكَ ممَّا إذا تَكلَّمَ بهِ يَقعُ تارَةً ولا يَقعُ أُخرَى، ليسَ وُقوعُهُ مِنْ لَوازمِ إيقاعِهِ.
стр. 10227
والطَّلاقُ عِنْدَ أصحابِنا وغَيرِهم يَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ، كما قالُوا -واللَّفظُ لأبي الخطَّابِ في «الانتِصَار» - في مَسألةِ المُكرَهِ: «إنَّهُ قَولٌ حُمِلَ عَليهِ بغَيرِ حقٍّ فلَم يَلزمْهُ حُكمُهُ كالإقرارِ بالطَّلاقِ»، قالَ: وهذا لأنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَنقسمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ، وليسَ نُفوذُهُ أمْرًا مَحسُوسًا لا مَردَّ لهُ، فإذا كانَ مَحمولًا عليهِ بالباطلِ كانَ مَردودًا؛ لأنَّ الشَّرعَ يحكمُ في الرَّدِّ والقَبولِ، وقَرَّرَ ذلكَ …
ثمَّ قالَ ﵀: هذا معَ أنَّ الشَّارعَ يُضيِّقُ إيقاعَهُ، فنَهَى عَنْ إيقاعِهِ في الحَيضِ وفي طُهرٍ أصابها فيهِ، وعَن إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً، بلْ أمَرَ أنْ لا يُطلِّقَ إلَّا واحدَةً في طُهرٍ لَم يُصبْها فيهِ، ولا يُردِفَها بطَلاقٍ حتَّى تَقضيَ العدَّةَ إنْ لم يَكنْ لهُ غرَضٌ في رَجعَتِها، وهذا مِنَ الشَّارِعِ تَضييقٌ لوُقوعِه.
والنِّكاحُ يُشرَعُ وقْتَ حَيضِ المَرأةِ ونِفاسِها وصَومِها واعتِكافِها وصَومِ الرَّجلِ واعتِكافِهِ، وإنْ كانَ الوَطءُ مُتعذِّرًا، ويُشرَعُ في الأوقاتِ الفاضِلةِ، فالواجِبُ مَنعُ وُقوعِ ما يُبغِضُه اللهُ، إلَّا حَيثُ يَكونُ في وُقوعِه مَصلحةٌ راجِحةٌ، وتَيسيرُ وُقوعِ ما يُحبُّهُ اللهُ إلَّا إذا كانَ في وُقوعِهِ مَفسدَةٌ راجِحةٌ، وحَيثُ لا تكونُ مَصلحةُ وُقوعِه راجِحةً فالأُصولُ تَقتضِي أنَّهُ لا يَقعُ؛ لأنَّ الشَّارعَ لا يُوقِعُ إلَّا ما تَكونُ مَصلحتُهُ مَحْضَةً أو راجِحةً، وما كانَ مَفسدتُهُ مَحْضَةً أو راجِحةً فإنَّهُ يَرفعُهُ ولا يُوقعِهُ، واللهُ أعلَمُ (١). стр. 10228
وأمَّا الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ فقَدْ قالَ كَلامًا طَويلًا أيضًا، وهوَ قَريبٌ ممَّا قالَهُ شَيخُهُ ابنُ تَيميةَ ﵀، ولكنْ سأذكُرُ بعضَ كلامِهِ فَقطْ.
قالَ ﵀: مَنْ تأمَّلَ القُرآنَ حقَّ التَّأمُّلِ تبيَّنَ لهُ ذلكَ وعَرفَ أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ بعْدَ الدُّخولِ هوَ الطَّلاقُ الَّذي يَملكُ بهِ الرَّجعةَ، ولَم يَشرعِ اللهُ سُبحانَه إيقاعَ الثَّلاثِ جُملةً واحدَةً أَلبتَّة، قالَ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولا تَعقِلُ العَربُ في لُغتِها وُقوعَ المرَّتَينِ إلَّا مُتعاقِبتَينِ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ سبَّحَ اللهَ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ وحَمدهُ ثَلاثًا وثَلاثينَ وكبَّرَهُ أَربعًا وثَلاثينَ» ونَظائِرهُ فإنَّهُ لا يُعقَلُ مِنْ ذلكَ إلَّا تَسبيحٌ وتَكبيرٌ وتَحميدٌ مُتَوالٍ يَتلُو بَعضُه بَعضًا، فلو قالَ: «سُبحانَ اللهِ ثلاثًا وثَلاثينَ والحَمدُ للهِ ثلاثًا وثلاثِينَ واللهُ أكبَرُ أربعًا وثلاثينَ» بهذا اللَّفظِ لَكانَ ثلاثَ مَرَّاتٍ فقَطْ، وأصْرَحُ مِنْ هذا قَولُهُ سُبحانَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، فلو قالَ: «أشهَدُ باللهِ أربعَ شَهاداتٍ إنِّي لَمِنَ الصَّادِقينَ» كانَتْ مرَّةً، وكذلكَ قَولُهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، فلو قالَتْ: «أشهَدُ باللهِ أربعَ شَهاداتٍ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبينَ» كانَتْ واحدَةً، وأصْرَحُ مِنْ ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] فهذا مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ …
وممَّا يَدلُّ على أنَّ اللهَ لَم يَشرعِ الثَّلاثَ جُملةً أنَّهُ قالَ تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
стр. 10229
فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهذا يَدلُّ على أنَّ كُلَّ طَلاقٍ بعْدَ الدُّخولِ فالمُطلِّقُ أحَقُّ فيهِ بالرَّجعةِ سِوى الثَّالثةِ المَذكورةِ بعْدَ هذا، وكَذلكَ قولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فهذا هو الطَّلاقُ المَشروعُ، وقَد ذكَرَ اللهُ أقسامَ الطَّلاقِ كُلَّها في القُرآنِ وذكَرَ أحكامَها، فذَكرَ الطَّلاقَ قبْلَ الدُّخولِ وأنَّهُ لا عدَّةَ فيهِ، وذكَرَ الطَّلقةَ الثَّالثةَ وأنَّها تُحرِّمُ الزَّوجةَ على المُطلِّقِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، وذكَرَ طلاقَ الفِداءِ الَّذي هوَ الخُلعُ، وسمَّاه فِديةً ولمْ يَحسبْهُ مِنَ الثَّلاثِ كما تقدَّمَ، وذكَرَ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ الَّذي المُطلِّقُ أحَقُّ فيهِ بالرَّجعةِ، وهو ما عَدا هذهِ الأقسام الثَّلاثة (١).
ثمَّ قالَ: وأمَّا المَسألةُ الثَّانيةُ؛ وهيَ وُقوعُ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، فاختَلفَ النَّاسُ فيها على أربعةِ مَذاهِبَ:
أحدُها: أنَّها تَقعُ، وهذا قَولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وجُمهورِ التَّابعِينَ وكَثيرٍ مِنَ الصَّحابةِ ﵃.
الثَّاني: أنَّها لا تَقعُ، بلْ تُرَدُّ؛ لأنَّها بِدعةٌ مُحرَّمةٌ، والبِدعةُ مَردودةٌ؛ لقولِهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عَليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌّ»، وهذا المَذهبُ حكاهُ أبو مُحمَّدٍ ابنُ حَزمٍ، وحُكيَ للإمامِ أحمدَ فأنكرَهُ وقالَ: هو قولُ الرَّافضةِ. стр. 10230
الثَّالثُ: أنَّهُ يَقعُ بهِ واحدةٌ رَجعيَّةٌ، وهذا ثابِتٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ذكَرَه أبو داودَ عنهُ، قالَ الإمامُ أحمدُ: وهذا مَذهبُ ابنِ إسحاقَ، يقولُ: خالَفَ السُّنةُ فيُردُّ إلى السُّنَّةِ. انتهى، وهوَ قولُ طاووسٍ وعِكرمةَ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ.
الرَّابِعُ: أنَّهُ يُفرَّقُ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِها، فتقَعُ الثَّلاثُ بالمَدخولِ بها، ويقَعُ بغَيرِها واحدةٌ، وهذا قَولُ جَماعةٍ مِنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وهوَ مَذهبُ إسحاقَ بنِ راهويهِ فيما حَكاهُ عنهُ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المروزيُّ في كِتابِ «اختِلاف العُلماءِ».
فأمَّا مَنْ لم يُوقِعْها جُملةً فاحتَجُّوا بأنَّهُ طلاقُ بدعَةٍ مُحرَّمٌ، والبِدعةُ مَردُودةٌ، وقدِ اعتَرفَ أبو مُحمَّدٍ ابنُ حَزمٍ بأنَّها لو كانَتْ بِدعةً مُحرَّمةً لَوجَبَ أنْ تُردَّ وتَبطُلَ، ولكنَّهُ اختارَ مَذهبَ الشَّافعيِّ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ جائِزٌ غيرُ مُحرَّمٍ، وستأتي حُجَّةُ هذا القولِ.
وأمَّا مَنْ جعَلَها واحدَةً فاحتَجَّ بالنَّصِّ والقِياسِّ، فأمَّا النَّصُّ فما رواهُ مَعمرٌ وابنُ جُريجٍ عنِ ابنِ طاووسٍ عَنْ أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «ألَمْ تَعلمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إمارَةِ عُمرَ؟ قالَ: نَعمْ» رَواهُ مُسلمٌ في صَحيحِهِ.
وفي لَفظٍ: «أَلمْ تَعلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ تُردُّ إلى واحدَةٍ؟ قالَ: نعَمْ».
стр. 10231
وقالَ أبو داودَ: حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالِحٍ حدَّثنَا عَبدُ الرَّزاقِ أنَّ ابنَ جُريجٍ قالَ: أخبَرَني بَعضُ بَني أبي رافعٍ مَولَى رَسولِ اللهِ ﷺ عَنْ عِكرمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ عَبدُ يَزيدَ أبُو رُكانةَ وإخوتِهِ أمَّ رُكانةَ، ونكَحَ امرَأةً مِنْ مُزَينةَ، فجاءَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالتْ: ما يُغنِي عنِّي إلَّا كمَا تُغنِي هذهِ الشَّعرةُ -لشَعرةٍ أخذَتْها مِنْ رأسِها-، ففَرِّقْ بَينِي وبيْنَه، فأخذَتِ النَّبيَّ ﷺ حَميَّةٌ فدَعا بِرُكانةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لجُلسائِه: ألَا تَرونَ أنَّ فُلانًا يُشبِهُ مِنهُ كذا وكذا مِنْ عَبدِ بنِ يَزيدَ، وفُلانًا منهُ كذا وكذا؟ قالُوا: نعَمْ، قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبدِ يَزيدَ: طَلِّقْها، ففعَلَ، ثمَّ قالَ: راجِعِ امرأتَكَ أمَّ رُكانةَ وإخوتِهِ، فقالَ: إنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قَدْ عَلمْتُ راجِعْها، وتَلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١).
وقالَ الإمامُ أحمَدُ: حَدَّثنا سَعدُ بنُ إبراهيمَ قالَ: حَدَّثنا أَبِي عَنْ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ قالَ: حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ بنُ عَبدِ يزِيدَ أخُو بنِي مُطَّلبٍ امرأتَهُ ثلاثًا في مجْلِسٍ واحِدٍ فحَزِنَ عَليها حُزناً شديدًا، قالَ: فسألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ طلَّقتَها؟ قالَ: طلَّقتُها ثلاثًا، قالَ: فقالَ: في مَجلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنَّما تلكَ واحدَةٌ فارْجعْها إنْ شِئتَ، قالَ: فرَجَعَها، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ يرَى إنَّما الطّلاقُ عِنْدَ كل طهْرٍ» (٢). стр. 10232
قالُوا: وأمَّا القياسُ فقَدْ تقدَّمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ وبِدعةُ والبدعَةُ مَردودةٌ؛ لأنَّها ليسَتْ على أمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ .
قالُوا: وسائِرُ ما تقدَّمَ في بَيانِ التَّحريمِ يَدلُّ على عَدمِ وُقوعِها جُملةً. قالُوا: ولو لم يَكنْ معنَا إلَّا قولُهُ تعالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقولُه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، قالُوا: وكذلكَ كلُّ ما يُعتبَرُ لهُ التّكرارُ مِنْ حَلفٍ أو إقرارٍ أو شَهادةٍ، وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ : «تَحلفُونَ خَمسينَ يَمينًا وتَستَحقُّونَ دَمَ صاحِبِكُم»، فلو قالُوا: «نَحلِفُ باللهِ خَمسينَ يَمينًا إنَّ فلانًا قتَلَهُ» كانَتْ يَمينًا واحدَةً، قالُوا: وكذلكَ الإقرارُ بالزِّنى، كما في الحَديثِ: إنَّ بعْضَ الصَّحابةِ قالَ لماعِزٍ: إنْ أقرَرْتَ أربعًا رجَمَكَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فهذا لا يُعقَلُ أنْ تَكونُ الأربَعُ فيهِ مَجموعةً بفَمٍ واحِدٍ (١).
ثمَّ قالَ: قالَ المانِعونَ مِنْ وُقوعِ الثَّلاثِ: التَّحاكُمُ في هذهِ المَسألةِ وغَيرِها إلى مَنْ أقسَمَ اللهُ أصدَقَ قسَمٍ وأبَرَّهُ أنَّا لا نُؤمِنُ حتَّى نُحكِّمَه فيما شجَرَ بَينَنا ثمَّ نَرضَى بحُكمِه ولا يَلحقَنا فيهِ حَرجٌ ونُسلِّمَ لهُ تَسليمًا لا إلى غَيرِه كائِنًا مَنْ كانَ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ تُجمِعَ أمَّتُه إجماعًا مُتيقَّنًا لا نَشكُّ فيهِ على حُكمٍ، فهو الحقُّ الَّذي لا يَجوزُ خِلافُه، ويأبَى اللهُ أنْ تَجتمِعَ الأمَّةُ على خِلافِ سُنَّةٍ ثابتةٍ عنْهُ أبدًا، ونحْنُ قدْ أوجَدْناكُم مِنَ الأدلَّةِ ما تَثبُتُ стр. 10233
المسألةُ بهِ، بلْ وبدُونِه، ونحْنُ نُناظِرُكم فيما طَعنْتُم بهِ في تِلكَ الأدلَّةِ وفيما عارَضْتُمونا بهِ، على أنَّا لا نُحكِّمُ على أنفُسِنا إلَّا نَصًّا عنِ اللهِ أو نَصًّا ثابتًا عنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أو إجماعًا مُتيقَّنًا لا شَكَّ فيهِ، وما عدا هذا فعُرضَةٌ للنِّزاعِ، وغايَتُه أنْ يكونَ سائِغَ الاتِّباعِ لا لازِمَهُ، فلْتكُنْ هذهِ المُقدِّمةُ سلَفًا لنا عِندَكُم، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فقدْ تَنازعْنا نحنُ وأنتُم في هذهِ المَسألةِ، فلا سَبيلَ إلى رَدِّها إلى غَيرِ اللهِ ورَسولِهِ ألبتَّةَ، وسيأتي أنَّنا أحقُّ بِالصَّحابةِ وأسعَدُ بهمْ فيها، فنَقولُ:
أمَّا منْعُكُم لتَحريمِ جمْعِ الثَّلاثِ فلا رَيبِ أنَّها مَسألةُ نِزاعٍ، ولكنَّ الأدلَّةَ الدالَّةَ على التَّحريمِ حُجَّةٌ عَليكُم.
أمَّا قَولُكم: «إنَّ القُرآنَ دلَّ على جَوازِ الجَمْعِ» فدَعَوى غَيرُ مَقبولةٍ، بلْ باطِلةٌ، وغايةُ ما تَمسَّكْتُم بهِ إطلاقُ القُرآنِ للَفظِ الطَّلاقِ، وذلكَ لا يَعُمُّ جائِزَهُ ومُحرَّمَه، كما لا يَدخلُ تحتَهُ طلاقُ الحائِضِ وطلاقُ المَوطوءةِ في طُهرِها، وما مَثَلُكم في ذلكَ إلَّا كمَثَلِ مَنْ عارَضَ السنَّةَ الصَّحيحةَ في تَحريمِ الطَّلاقِ المُحرَّمِ بهذهِ الإطلاقاتِ سواءٌ، ومَعلومٌ أنَّ القُرآنَ لم يَدلَّ على جَوازِ كلِّ طلاقٍ حتَّى تُحمِّلُوهُ ما لا يُطيقُه، وإنَّما دلَّ على أحكامِ الطَّلاقِ، والمُبيِّنُ عنِ اللهِ بيَّنَ حَلالَهُ وحرامَهُ، ولا ريبَ أنَّا أسعَدُ بظاهِرِ القُرآنِ كما بيَّنَّا في صَدرِ الاستِدلالِ، وأنَّهُ سُبحانَهُ لم يشرعْ قطُّ طلاقًا بائِنًا بغَيرِ عِوضٍ لمَدخولٍ بها، إلَّا أنْ يكونَ آخِرَ العَدَدِ، وهذا كِتابُ اللهِ بَينَنا وبَينَكُم،
стр. 10234
وغايَةُ ما تَمسَّكْتُم بهِ ألفاظٌ مُطلَقةٌ قيَّدَتْها السُّنةُ وبَيَّنتْ شُروطَها وأحكامَها.
وأمَّا استِدلالُكم بأنَّ المُلاعِنَ طلَّقَ امرأتُهُ ثلاثًا بحَضرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فما أصحَّهُ مِنْ حَديثٍ، وما أبعدَهُ مِنْ استِدلالِكم على جَوازِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ في نِكاحٍ يُقصَدُ بقاؤُهُ ودَوامُهُ، ثمَّ المُستدِلُّ بهذا إنْ كانَ ممَّن يَقولُ: إنَّ الفُرقةَ وَقعَتْ عَقيبِ لِعانِ الزَّوجِ وحدَهُ -كما يَقولُهُ الشَّافِعيُّ- أو عَقيبَ لِعانِهما وإنْ لَم يُفرِّقِ الحاكمُ -كما يَقولُه أحمدُ في إحدَى الرِّواياتِ عَنهُ- فالاستِدلالُ بهِ باطلٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ حِينَئذٍ لَغوٌ لم يُفِدْ شَيئًا، وإنْ كانَ ممَّنْ يُوقِفُ الفُرقَةَ على تَفريقِ الحاكِمِ لم يَصحَّ الاستِدلالُ بهِ أيضًا؛ لأنَّ هذا النِّكاحَ لَم يَبْقَ سَبيلٌ إلى بقائِهِ ودَوامِهِ، بلْ هو واجِبُ الإزالَةِ ومُؤبَّدُ التَّحريمِ، فالطَّلاقُ الثَّلاثُ مُؤكِّدٌ لمَقصودِ اللِّعانِ ومُقرِّرٌ لهُ، فإنَّ غايتَهُ أنْ يُحرِّمَها عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه، وفُرقَةُ اللِّعانِ تُحرِّمُها عليهِ على الأبدِ، ولا يَلزمُ مِنْ نُفوذِ الطَّلاقِ في نِكاحٍ قدْ صارَ مُستحَّقَ التَّحريمِ على التَّأبيدِ نُفوذُهُ في نِكاحٍ قائمٍ مَطلوبِ البَقاءِ والدَّوامِ، ولهذا لو طلَّقَها في هذا الحالِ وهيَ حِائضٌ أو نُفساءُ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ لم يكنْ عاصيًا؛ لأنَّ هذا النِّكاحَ مَطلوبُ الإزالةِ مُؤبَّدُ التَّحريمِ، ومِنَ العجَبِ أنَّكمْ مُتمسِّكونَ بتَقريرِ رَسولِ اللهِ ﷺ على هذا الطَّلاقِ المَذكورِ ولا تَتمسَّكونَ بإنكارِهِ وغَضبِه للطَّلاقِ الثَّلاثِ مِنْ غَيرِ المُلاعِنِ وتَسميتِه لَعِبًا بكتابِ اللهِ كما تَقدَّمَ، فكمْ بيْنَ هذا الإقرارِ وهذا الإنكارِ، ونَحنُ بحَمدِ اللهِ
стр. 10235
قائِلونَ بالأمرَينِ، مُقرِّونَ لِمَا أقرَّهُ رَسولُ اللهِ ﷺ مُنكِرونَ لِمَا أنكرَهُ.
وأمَّا استِدلالُكُم بحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ رَجُلًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا فتزوَّجَتْ، فسُئِلَ رَسولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تَحِلُّ للأوَّلِ؟ قالَ: لا حتَّى تَذوقَ العُسَيلةَ، فهذا لا نُنازِعُكم فيهِ، نعَمْ هوَ حُجَّةٌ على مَنِ اكتَفَى بمُجرَّدِ عَقدِ الثَّاني، ولكنْ أينَ في الحَديثِ أنَّهُ طلَّقَ الثَّلاثَ بفَمٍ واحِدٍ؟ بلِ الحَديثُ حُجَّةٌ لنا؛ فإنَّهُ لا يُقالُ: فعَلَ ذلكَ ثلاثًا، وقالَ: ثلاثًا إلَّا مَنْ فعَلَ، وقالَ: مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، هذا هُوَ المَعقولُ في لُغاتِ الأُمَمِ عرَبِهم وعجَمِهم، كما يُقالُ: قذَفَه ثلاثًا وشتَمَه ثلاثًا وسلَّمَ عليهِ ثلاثًا.
قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ فاطمَةَ بنتِ قَيسٍ فمِن العجَبِ العُجابِ، فإنَّكُم خالَفتُموهُ فيما هوَ صَريحٌ فيهِ لا يَقبلُ تأويلًا صَحيحًا، وهوَ سُقوطُ النَّفقةِ والكِسوَةِ للبائِنِ معَ صِحَّتِه وصَراحتِه وعَدمِ ما يُعارِضُه مُقاوِمًا له، وتَمسَّكتُم بهِ فيما هوَ مُجمَلٌ، بلْ بَيانُه في نفْسِ الحَديثِ ممَّا يُبطِلُ تَعلُّقَكم بهِ، فإنَّ قولَه: «طلَّقَها ثلاثًا» ليسَ بصَريحٍ في جمْعِها، بلْ كما تَقدَّمَ، كيفَ وفي الصَّحيحِ في خبَرِها نَفسِه مِنْ رِوايةِ الزُّهريِّ عَنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ «أنَّ زوْجَها أرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقيتْ لها مِنْ طلاقِها».
وفي لفظٍ في الصَّحيحِ: «أنَّهُ طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقَاتٍ»، وهوَ سَندٌ صَحيحٌ مُتَّصلٌ مثلُ الشَّمسِ، فكيفَ ساغَ لكُمْ تَركُه إلى التَّمسُّكِ بلَفظٍ مُجمَلٍ، وهو أيضًا حُجَّةٌ عَليكُم كما تقدَّمَ.
стр. 10236
قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ الَّذي رَواهُ عَبدُ الرَّزاقِ فخَبَرٌ في غايةِ السُّقوطِ؛ لأنَّ في طَريقِه يَحيَى بنُ العلاءِ عنْ عُبيدِ اللهِ بنِ الوليدِ الوَصافِيِّ عَنْ إبراهِيمَ بنِ عُبيدِ اللهِ، ضَعيفٌ عَنْ هالِكٍ عَنْ مَجهولٍ، ثمَّ الَّذي يَدلُّ على كَذبِه وبُطلانِه أنَّهُ لم يُعرَفْ في شَيءٍ مِنْ الآثارِ صَحيحِها ولا سَقيمِها ولا مُتَّصلِها ولا مُنقطِعها أنَّ والدَ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أدركَ الإسلامَ، فكيفَ بجَدِّهِ؟ فهذا مُحالٌ بلا شَكٍّ.
وأمَّا حَديثُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فأصلُهُ صَحيحٌ بلا شَكٍّ، لكنَّ هذهِ الزِّيادةَ والوَصلةَ الَّتي فيهِ «فقَلتُ: يا رَسولَ اللهِ لو طَلَّقتُها ثلاثًا أكانَتْ تَحِلُّ لي؟» إنَّما جاءَتْ مِنْ رِوايةِ شُعيبِ بنِ زُريقٍ وهوَ الشَّامِيُّ، وبَعضُهُم يَقلِبُه فيقولُ: زُريقُ بنُ شَعيبٍ، وكيفَما كانَ فهو ضَعيفٌ، ولو صَحَّ لم يكنْ فيهِ حُجَّةٌ؛ لأنَّ قولَهُ: «لَو طلَّقتُها ثلاثًا» بمَنزلةِ قَولِه: «لو سَلَّمتُ ثلاثًا، أو أقرَرْتُ ثلاثًا» أو نَحوِه ممَّا لا يُعقَلُ جَمعُهُ.
وأمَّا حَديثُ نَافعِ بنِ عُجيرٍ الَّذي رَواهُ أبو داودَ: «أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ألبَتَّة فأحلَفَه رَسولُ اللهِ ﷺ ما أرادَ إلَّا واحدَةً» فمِنَ العجَبِ تَقديمُ نافعِ بنِ عُجيرٍ المَجهولِ الَّذي لا يُعرَفُ حالُهُ ألبَتَّة ولا يُدرَى مَنْ هو ولا ما هو على ابنِ جُريجٍ ومَعمَرٍ وعبدِ اللهِ بنِ طاووسٍ في قصَّةِ أبي الصَّهباءِ، وقدْ شَهدَ إمامُ أهلِ الحَديثِ مُحمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ بأنَّ فيهِ اضطِرابًا، هكذا قالَ التِّرمذيُّ في «الجامِعِ»، وذكرَ عنهُ في مَوضعِ آخَرَ أنَّهُ مُضطرِبٌ،
стр. 10237
فتارَةً يَقولُ: «طلَّقَها ثلاثًا»، وتارةً يَقولُ: «واحدَةً»، وتارةً يَقولُ: «ألبَتَّة»، وقالَ الإمامُ أحمَدُ: وطُرقُه كُلُّها ضَعيفةٌ، وضعَّفَه أيضًا البُخاريُّ، حكاهُ المُنذِريُّ عنهُ.
ثمَّ كيفَ يُقدَّمُ هذا الحَديثُ المُضطرِبُ المَجهولُ رِوايةً على حَديثِ عبدِ الرَّزاقِ عنِ ابنِ جُريجٍ لجَهالةِ بَعضِ بَني أبي رافِعٍ، هذا وأولادُه تَابعيُّونَ، وإنْ كانَ عُبيدُ اللهِ أشهَرَهم، وليسَ فيهمْ مُتَّهَمٌ بالكَذبِ، وقَد رَوى عَنهُ ابنُ جُريجٍ، ومَن يَقبلُ روايةَ المَجهولِ أو يَقولُ: «رِوايةُ العَدلِ عنهُ تَعديلٌ لهُ» فهذا حجَّةٌ عِندَه، فأمَّا أنْ يُضعِّفَه ويُقدِّمَ عليهِ روايةَ مَنْ هوَ مِثلُه في الجَهالةِ أو أشدُّ فكلَّا، فغايَةُ الأمرِ أنْ تَتساقطَ رِوايتَا هَذينِ المَجهولَينِ ويُعدَلَ إلى غَيرِهما، وإذا فعَلْنا ذلكَ نظَرْنا في حَديثِ سَعدِ بنِ إبراهِيمَ فوَجدْناهُ صَحيحَ الإسنادِ، وقدْ زالَتْ علَّةُ تَدليسِ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ بقَولهِ: حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ، وقدِ احتَجَّ أحمدُ بإسنادِهِ في مَواضِعَ، وقدْ صَحَّحَ هو وغيرُهُ بهذا الإسنادِ بعَينِه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَدَّ زَينبَ على زَوجِها أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ بالنِّكاحِ الأوَّلِ ولم يُحدِثْ شَيئًا.
وأمَّا داودُ بنُ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ فلَم تَزلِ الأئمَّةُ تَحتجُّ بهِ، وقدِ احتَجُّوا بهِ في حَديثِ العَرايا فيما شَكَّ فيهِ ولم يَجزِمْ بهِ مِنْ تَقديرِها بخَمسةِ أوسُقٍ أو دُونَها، مَع كَونِها على خِلافِ الأحاديثِ الَّتي نَهَى فيها عَنْ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، فما ذنبُهُ في هذا الحَديثِ سِوى رِوايةِ ما لا يَقولُونَ بهِ، وإنْ قَدحْتُم في عِكرمةَ -ولَعلَّكُم فاعِلونَ- جاءَكُم ما لا قِبَلَ لكُم بهِ مِنَ التَّناقُضِ
стр. 10238
فيما احتَجَجْتُم بهِ أنتُم وأئمَّةُ الحَديثِ مِنْ رِوايتِه وارتِضاءِ البُخاريِّ لإدخالِ حَديثِه في صَحيحِه.
فَصلٌ: وأمَّا تلكَ المَسالِكُ الوَعرةُ الَّتي سَلكْتُموها في حَديثِ أبِي الصَّهباءِ فلا يَصحُّ شيءٌ مِنها.
أمَّا المَسلَكُ الأوَّلُ وهوَ انفِرادُ مُسلمٍ بروايتِه وإعراضُ البُخاريِّ عنهُ فتِلكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنهُ عارُها، وما ضَرَّ ذلكَ الحَديثَ انفِرادُ مُسلمٍ بهِ شيئًا، ثمَّ هلْ تَقبلُونَ أنتُم أو أحَدٌ مِثلَ هذا في كُلِّ حَديثٍ يَنفردُ بهِ مُسلمٌ عنِ البُخاريِّ؟ وهلْ قالَ البُخاريُّ قطُّ: إنَّ كلَّ حَديثٍ لم أُدخِلْه في كِتابِي فهوَ باطِلٌ، أو ليسَ بحُجَّةٍ أو ضَعيفٌ.؟ وكَم قدِ احتَجَّ البُخاريُّ بأحاديثَ خارِجَ الصَّحيحِ ليسَ لها ذكْرٌ في صَحيحِه؟ وكَم صَحَّحَ مِنْ حَديثٍ خارِجٍ عَنْ صَحيحِه؟
فأمَّا مُخالَفةُ سائِرِ الرِّواياتِ لهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فلا رَيبَ أنَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ روايتَينِ صَحيحتَينِ بلا شَكٍّ، إحداهُما تُوافِقُ هذا الحَديثَ، والأُخرَى تُخالِفُه، فإنْ أسقَطْنا رِوايةً بروايةٍ سَلِمَ الحَديثُ، على أنَّهُ بحَمدِ اللهِ سالمٌ، ولوِ اتَّفقَتِ الرِّواياتُ عنهُ على مُخالَفتِه فلهُ أسوةُ أمثالِه، وليسَ بأوَّلِ حَديثٍ خالفَهُ رَاويهِ، فنَسألُكم: هلِ الأخْذُ بما رَواهُ الصَّحابيُّ عِندَكم أو بما رآهُ؟
فإنْ قُلتُم: الأخْذُ بروايتِهِ -وهوَ قولُ جُمهورِكُم، بلْ جُمهورُ الأمَّةِ على هذا- كَفَيتُمونا مُؤونةَ الجَوابِ.
стр. 10239
وإنْ قُلتُم: الأخْذُ برَأيِه، أرَيناكُم مِنْ تَناقُضِكم ما لا حِيلةَ لكُم في دفْعِهِ، ولا سِيِّما عَنِ ابنِ عبَّاسٍ نَفسِه؛ فإنَّهُ رَوى حَديثَ بَريرَةَ وتَخييرِها ولَم يَكنْ بَيعُها طلاقًا، ورَأى خِلافَه، وأنَّ بَيعَ الأمَةِ طَلاقُها، فأخَذْتُم -وأصَبْتُم- بِروايتِهِ وتَركْتُم رَأيَهُ، فهَلَّا فعَلْتُم ذلكَ فيما نحنُ فيهِ وقُلتُم: الرِّوايةُ مَعصومةٌ وقَولُ الصَّحابيِّ غَيرُ مَعصومٍ، ومُخالَفتُه لمَا رَواهُ يَحتمِلُ احتِمالاتٍ عَديدةً مِنْ نِسيانٍ أو تَأويلٍ أو اعتِقادٍ مُعارِضٍ راجِحٍ في ظنَّهِ، أو اعتِقادِ أنَّهُ مَنسوخٌ أو مَخصوصٌ، أو غيْرِ ذلكَ مِنْ الاحتِمالاتِ، فكيفَ يَسوغُ تَركُ رِوايتِه معَ قِيامِ هذهِ الاحتِمالاتِ؟ وهلْ هذا إلَّا تَركُ مَعلومٍ لمَظنُونٍ بلْ مَجهُولٍ؟
قالُوا: وقَد رَوى أبو هُريرَةَ ﵁ حَديثَ التَّسبيعِ مِنْ وُلوغِ الكَلْبِ وأفتَى بخِلافهِ، فأخذْتُم بروايتِهِ وتَركْتُم فَتْواهُ، ولَو تَتبَّعْنا ما أخذْتُم فيهِ برِوايةِ الصَّحابيِّ دُونَ فَتواهُ لَطالَ.
قالُوا: وأمَّا دَعْواكُم نَسْخَ الحَديثِ؛ فمَوقُوفَةٌ على ثُبوتِ مُعارِضٍ مُقاوِمٍ مُتراخٍ، فأينَ هذا؟
وأمَّا حَديثُ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في نسْخِ المُراجَعةِ بعدَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ فلو صَحَّ لم يكنْ فيهِ حُجَّةٌ؛ فإنَّهُ إنِّما فيهِ أنَّ الرَّجلَ كانَ يُطلِّقُ امرأتَهُ ويُراجِعُها بغَيرِ عَددٍ، فنُسخَ ذلكَ وقُصرَ على ثلاثٍ فيها تَنقطِعُ الرَّجعةُ، فأينَ في ذلكَ الإلزامُ بالثَّلاثِ بفَمٍ واحدٍ؟ ثمَّ كيفَ يَستمِرُّ المَنسوخُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ لا تَعلمُ بهِ الأمَّةُ؟
стр. 10240
وهو مِنْ أهمِّ الأُمورِ المُتعلِّقةِ بحِلِّ الفُروجِ، ثمَّ كيفَ يَقولُ عُمرُ: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا في شيءٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ»؟ وهل للأمَّةِ أَناةٌ في المَنسوخِ بوَجهٍ ما؟ ثمَّ كيفَ يُعارَضُ الحَديثُ الصَّحيحُ بهذا الَّذي فيهِ عَليُّ بنُ الحُسينِ بنِ واقِدٍ وضَعْفُه مَعلُومٌ؟
وأمَّا حَملُكم الحَديثَ على قَولِ المُطلِّقِ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ومَقصودُه التَّأكيدُ بما بعْدَ الأوَّلِ؛ فسِياقُ الحَديثِ مِنْ أوَّلِه إلى آخِرِهِ يَردُّهُ؛ فإنَّ هذا الَّذي أوَّلْتُم الحَديثَ عليهِ لا يَتغيَّرُ بوَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يَختَلفُ على عَهدِه وعَهدِ خُلفائِهِ وهَلُمَّ جَرًّا إلى آخِرِ الدَّهرِ، ومَن يَنْويهِ في قَصْدِ التَّأكيدِ لا يُفرِّقُ بيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ، وصادقٍ وكاذِبٍ، بلْ يَردُّه إلى نِيتِه، وكذلكَ مَنْ لا يَقبلُه في الحُكمِ لا يَقبلُهُ مُطلَقًا، بَرًّا كانَ أو فاجِرًا.
وأيضًا فإنَّ قَولَه: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا وتَتايَعُوا في شَيءٍ كانَتْ لَهم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهِم» إخبارٌ مِنْ عُمرَ بأنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا ما جعَلَهم اللهُ في فُسحَةٍ مِنهُ، وشَرَعَهُ مُتراخِيًا بَعضُهُ عَنْ بَعضٍ رَحمةً بهم ورِفقًا وأَناةً لهُم؛ لِئلَّا يَندَمَ مُطلِّقٌ فيَذهَبَ حَبيبُهُ مِنْ يَديهِ مِنْ أوَّلِ وَهْلَةٍ فيَعِزُّ عليهِ تَدارُكُه، فجُعِلَ لهُ أناةٌ ومُهلَةٌ يَستعتِبُه فيها ويُرضيهِ ويَزولُ ما أحدَثَه العَتبُ الدَّاعي إلى الفِراقُ، ويُراجِعُ كلٌّ مِنهُما الَّذي عَليهِ بالمَعروفِ، فاستَعجَلُوا فيما جُعلَ لهُم فيهِ أَناةٌ ومُهلَةٌ، وأوقَعُوهُ بفَمٍ واحِدٍ، فرَأى عُمرُ ﵁ أنَّهُ
стр. 10241
يَلزَمُهم ما التَزَموهُ؛ عُقوبةً لهُم، فإذا عَلِمَ المُطلِّقُ أنَّ زَوجتَهُ وسَكنَه تَحرُمُ عليهِ مِنْ أوَّلِ مَرَّةٍ بجَمعِه الثَّلاثَ كفَّ عَنها ورَجعَ إلى الطَّلاقِ المَشروعِ المَأذونِ فيهِ، وكانَ هذا مِنْ تأديبِ عُمرَ لرَعيَّتِه لمَّا أكثَرُوا منَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما سَيأتي مَزيدُ تَقريرِه عِنْدَ الاعتِذارِ عَنْ عُمَرَ ﵁ في إلزامِه بالثَّلاثِ، هذا وجْهُ الحَديثِ الَّذي لا وَجهَ لهُ غَيرُه، فأينَ هذا مِنْ تَأويلِكُم المُستكرَهِ المُستبعَدِ الَّذي لا تُوافِقُه ألفاظُ الحَديثِ، بلْ تَنْبُو عنهُ وتُنافِرُه.
وأمَّا قولُ مَنْ قالَ: إنَّ مَعناهُ كانَ وُقوعَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ الآنَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ واحدَةً، فإنَّ حَقيقةَ هذا التَّأويلِ: كانَ النَّاسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ يُطلِّقونَ واحدةً، وعلى عَهدِ عُمرَ صارُوا يُطلِّقونَ ثلاثًا، والتَّأويلُ إذا وصَلَ إلى هذا الحَدِّ كانَ مِنْ بابِ الإلغازِ والتَّحريفِ، لا مِنْ بابِ بيانِ المُرادِ، ولا يَصِحُّ ذلكَ بوَجهٍ ما، فإنَّ النَّاسَ ما زالُوا يُطلِّقونَ واحدَةً وثلاثًا، وقَد طَلَّقَ رجالٌ نَساءَهُم على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثلاثًا، فمِنهُم مَنْ رَدَّها إلى واحدَةٍ كما في حَديثِ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ومنهُم مَنْ أنكَرَ عليهِ وغَضبَ وجعَلَه مُتلاعِبًا بكتابِ اللهِ، ولم يُعرَفْ ما حكَمَ بهِ عَليهِم، وفيهِم مَنْ أقرَّهُ؛ لتأكيدِ التَّحريمِ الَّذي أوجَبَهُ اللِّعانُ، ومِنهُم مَنْ ألزَمَه بالثَّلاثِ؛ لِكَونِ ما أتَى بهِ مِنَ الطَّلاقِ آخِرَ الثَّلاثِ، فلا يَصحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّاسَ ما زالُوا يُطلِّقونَ واحدَةً إلى أثناءِ خِلافةِ عُمرَ فطلَّقُوا ثلاثًا، ولا يَصحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم قَدْ استَعجَلُوا في شيءٍ كانَتْ لهُم فيهِ
стр. 10242
أَناةٌ فنَمضيهِ عليهِم، ولا يُلائِمُ هذا الكَلامُ الفرْقَ بيْنَ عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وبيْنَ عهَدِه بوَجهٍ ما، فإنَّهُ ماضٍ مِنْكُمْ على عَهدِه وبعْدَ عهدِه.
ثمَّ إنَّ في بعْضِ ألفاظِ الحَديثِ الصَّحيحةِ: «ألَمْ تَعلَمْ أنَّهُ مَنْ طلَّقَ ثلاثًا جُعلَتْ واحدةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟».
وفي لَفظٍ: «أمَا عَلمْتَ أنَّ الرَّجلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: بلَى، كانَ الرَّجلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إمارةِ عُمرَ، فلمَّا رَأى النَّاسَ -يعنِي عُمَر- قدْ تَتايَعُوا فيها قالَ: أَجيزُوهنَّ عَليهِم»، هذا لَفظُ الحَديثِ، وهوَ بأصحِّ إسنادٍ، وهو لا يَحتمِلُ ما ذكَرْتُم مِنَ التَّأويلِ بوَجهٍ ما، ولكنَّ هذا كلَّه عَمَلُ مَنْ جعَلَ الأدلَّةَ تَبَعًا للمَذهَبِ، فاعتَقدَ ثمَّ استَدلَّ، وأمَّا مَنْ جعَلَ المَذهبَ تَبَعًا للدَّليلِ واستَدلَّ ثمَّ اعتَقدَّ لم يُمكِنْه هذا العَملُ.
وأمَّا قولُ مَنْ قالَ: ليسَ في الحَديثِ بَيانُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ هوَ الَّذي يَجعَلُ ذلكَ، ولا أنَّهُ عَلِمَ بهِ وأقرَّهُ عليهِ، فجَوابُه أنْ يُقالَ: سُبحانَكَ هذا بُهتانٌ عَظيمٌ أنْ يَستمرَّ هذا الجَعْلُ الحَرامُ المُتضمِّنُ لتَغييرِ شرْعِ اللهِ ودِينِه، وإباحةِ الفرْجِ لِمَنْ هو عليهِ حَرامٌ، وتَحريمِهُ على مَنْ هوَ عليهِ حَلالٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ خَيرِ الخلْقِ، وهُمْ
стр. 10243
يَفعلُونَهُ ولا يَعلَمونَهُ ولا يَعلَمهُ هوَ، والوَحيُ يَنْزِلُ عَليهِ وهوَ يُقرِّهمْ عَليهِ، فهَبْ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يكنْ يَعلَمُه، وكانَ الصَّحابةُ يَعلَمونَهُ ويُبدِّلونَ دِينَه وشَرعَهُ، واللهُ يَعلَمُ ذلكَ ولا يُوحِيهِ إلى رَسولِهِ ولا يُعلِمُه بهِ، ثمَّ يَتوفَّى اللهُ رَسولَهُ ﷺ والأمْرُ على ذلكَ، فيَستَمرُّ هذا الضَّلالُ العَظيمُ والخَطأُ المُبِينُ عِندَكم مُدَّةَ خِلافةِ الصِّديقِ كلِّها، يُعمَلُ بهِ ولا يُغيَّرُ إلى أنْ فارَقَ الصِّديقُ الدُّنيا، واستَمرَّ الخَطأُ والضَّلالُ المُركَّبُ صَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمَرَ، حتَّى رأَى بعْدَ ذلكَ برَأيِهِ أنْ يُلزِمَ النَّاسَ بالصَّوابِ، فهلْ في الجَهلِ بالصَّحابةِ وما كانُوا عليهِ في عَهدِ نَبيِّهم وخُلفائِهِ أقبحُ مِنْ هذا؟ وتاللهِ لو كانَ جعْلُ الثَّلاثِ واحدَةً خطأً مَحضًا لَكانَ أسهلَ مِنَ هذا الخطأِ الَّذي ارتَكبتُموهُ والتَّأويلِ الَّذي تَأوَّلتُموهُ، ولو تَركْتُم المسألةَ بهَيأتِها لَكانَ أقوَى لشَأنِها مِنْ هذهِ الأَدلَّةِ والأجوبةِ.
قالُوا: وليسَ التَّحاكُمُ في هذِهِ المَسألةِ إلى مُقلِّدٍ مُتعصِّبٍ ولا هيَّابٍ للجُمهورِ، ولا مُستَوحِشٍ مِنَ التَّفرُّدِ إذا كانَ الصَّوابُ في جانِبِه، وإنَّما التَّحاكُمُ فيها إلى راسِخٍ في العِلمِ، قدْ طالَ فيهِ باعُهُ، ورَحُبَ بِنَيلهِ ذِراعُهُ، وفرَّقَ بيْنَ الشُّبهَةِ والدَّليلِ، وتَلقَّى الأحكامَ مِنْ نَفسِ مِشكاةِ الرَّسولِ، وعرَفَ المَراتِبَ، وقامَ فيها بالواجِبِ، وباشَرَ قَلبُهُ أسرارَ الشَّريعةِ وحِكَمَها الباهِرةَ، وما تَضمَّنتْهُ مِنَ المَصالِحِ الباطِنةِ والظَّاهرةِ، وخاضَ في مِثلِ هذهِ المَضايِقِ لُجَجَها، واستَوفَى مِنَ الجانبَينِ حُجَجَها، واللهُ المُستعانُ وعليهِ التُّكلانُ.
стр. 10244
قالُوا: وأمَّا قَولُكم: «إذا اختَلفَتْ عَلينا الأحاديثُ نَظرْنا فيما عليهِ الصَّحابَةُ ﵃» فنَعَمْ واللهِ وحَيَّهلا بِيَرَكِ الإسلامِ وعِصابةِ الإيمانِ ﵃.
فلا تَطلَّبْ ليَ الأعواضَ بَعْدَهمُ فإنَّ قَلبيَ لا يَرضَى بغَيرِهمُ
ولكنْ لا يَليقُ بكُم أنْ تَدْعُونا إلى شيءٍ وتَكونُوا أوَّلَ نافِرٍ عنهُ ومُخالِفٌ لهُ، فقدْ تُوفِّيَ النَّبيُّ ﷺ عن أكثَرَ مِنْ مِائةِ ألفِ عينٍ كلُّهمْ قد رَآهُ وسَمعَ منهُ، فهلْ صحَّ لكُم عَنْ هَؤلاءِ كلِّهم أو عُشرِهِم أو عُشرِ عُشرِهم أو عُشرِ عُشرِ عُشرِهمُ القَولُ بلُزومِ الثَّلاثِ بفَمٍ واحدٍ؟ هذا ولو جَهدْتُم كلَّ الجَهدِ لم تُطيقُوا نقْلَهُ عَنْ عِشرينَ نَفسًا منهُم أبدًا معَ اختِلافٍ عَنهُم في ذلكَ، فقدْ صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ القولانِ، وصحَّ عَنِ ابنِ مَسعودٍ القولُ باللُّزومِ، وصحَّ عنهُ التَّوقُّفُ، ولو كاثَرْناكُم بالصَّحابَةِ الَّذينَ كانَ الثَّلاثُ على عَهدِهم واحدةً لَكانُوا أضعافَ مَنْ نُقِلَ عنهُ خِلافُ ذلكَ، ونحنُ نُكاثِرُكم بكلِّ صَحابيٍّ ماتَ إلى صَدرٍ مِنْ خِلافةِ عُمَرَ، ويَكفِينا مُقدَّمُهم وخَيرُهم وأفضَلُهم ومَن كانَ معهُ مِنَ الصَّحابةِ على عَهدِهِ، بلْ لو شِئنا لَقُلنا ولَصَدَقْنا: إنَّ هذا كانَ إجماعًا قَديمًا لم يَختَلفْ فيهِ على عَهدِ الصِّديقِ اثنانِ، ولكنْ لَم يَنقَرِضْ عَصرُ المُجمِعِينَ حتَّى حَدَثَ الاختِلافُ، فلَم يَستقرَّ الإجماعُ الأوَّلُ حتَّى صارَ الصَّحابةُ على قَولَينِ، واستَمرَّ الخِلافُ بَينَ الأمَّةِ في ذلكَ إلى اليومِ.
ثمَّ نَقولُ: لَمْ يُخالِفْ عُمَرُ إجماعَ مَنْ تَقدَّمَه، بلْ رأَى إلزامَهُم بالثَّلاثِ
стр. 10245
عُقوبَةً لهُم لمَّا عَلِمُوا أنَّهُ حَرامٌ وتَتايَعوا فيهِ، ولا رَيبَ أنَّ هذا سائِغٌ للأئمَّةِ أنْ يُلزِمُوا النَّاسَ بما ضَيَّقُوا بهِ على أنفُسِهم ولم يَقبَلُوا فيهِ رُخصةَ اللهِ وتَسهيلَهُ، بلِ اختارُوا الشِّدَّةَ والعُسرَ، فكيفَ بأميرِ المُؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ وكَمالِ نظَرِه للأمَّةِ وتأديبِهِ لهُم، ولكنَّ العُقوبةَ تَختلِفُ باختِلافِ الأزمِنةِ والأشخاصِ، والتَّمكُّنِ مِنْ العِلمِ بتَحريمِ الفِعلِ المُعاقَبِ عليهِ وخَفائِهِ، وأميرُ المُؤمنِينَ عُمرُ ﵁ لَم يَقُلْ لهُم: إنَّ هذا عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّما هوَ رأيٌ رآهُ مَصلحةً للأمَّةِ يَكفُّهم بها عنِ التَّسارُعِ إلى إيقاعِ الثَّلاثِ، ولهذا قالَ: «فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهمْ»، وفي لَفظٍ آخَرَ: «فأَجيزُوهنَّ عَليهِم»، أفَلا يُرَى أنَّ هذا رأيٌ منهُ رأهُ للمَصلحةِ، لا إخبارٌ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولمَّا عَلِمَ ﵁ أنَّ تِلكَ الأَناةَ والرُّخصةَ نِعمةٌ مِنَ اللهِ على المُطلِّقِ ورَحمةٌ بهِ وإحسانٌ إليهِ، وأنَّهُ قابَلَها بضِدِّها ولَم يَقبلْ رُخصةَ اللهِ وما جعَلَهُ لهُ مِنَ الأَناةِ عاقَبَه بأنْ حالَ بَينَهُ وبَينَها، وألزَمَه ما ألزَمَه مِنَ الشِّدةِ والاستِعجالِ، وهذا مُوافِقٌ لِقَواعدِ الشَّريعةِ، بلْ هوَ مُوافِقٌ لحِكمةِ اللهِ في خَلْقِه قَدَرًا وشَرْعًا، فإنَّ النَّاسَ إذا تَعدَّوا حُدودَهُ ولَم يَقفُوا عِندَها ضيَّقَ عَليهِم ما جعَلَه لِمَنِ اتَّقاهُ مِنَ المَخرَجِ، وقدْ أشارَ إلى هذا المَعنَى بعَينِه مَنْ قالَ مِنَ الصَّحابةِ للمُطلِّقِ ثلاثًا: «إنَّكَ لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجَعلَ لكَ مَخرَجًا»، كما قالَهُ ابنُ مَسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ، فهذا نَظَرُ أميرِ المُؤمنِينَ ومَن مَعهُ مِنَ الصَّحابةِ، لا أنَّهُ ﵁ غيَّرَ أحكامَ اللهِ وجعَلَ
стр. 10246
حَلالَها حَرامًا، فهذا غايَةُ التَّوفيقِ بَينَ النُّصوصِ وفِعْلِ أميرِ المُؤمنِينَ ومَن معَهُ، وأنتُم لَم يُمكِنْكم ذلكَ إلَّا بإلغاءِ أحَدِ الجانِبَينِ، فهذا نِهايةُ أقدامِ الفَريقَينِ في هذا المَقامِ الضَّنْكِ والمُعتَرَكِ الصَّعبِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١). стр. 10247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 10248
الصورةُ الثانيةُ: حكمُ الطلاقِ الثلاثِ بلفظٍ واحدٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ لغَيرِ المدخولِ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا عقَدَ على امرَأةٍ وطلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها، هل تقَعُ واحَدةً أم ثلاثًا؟
وهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولَى: أنْ يَقولَ لها: (أنتِ طالِقٌ ثلاثًا) بلَفظٍ واحِدٍ، أو يقولَ: (أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ) ونَوى الثَّلاثَ.
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرَأةٍ ولَم يَدخُلْ بها ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ونَوى الثَّلاثَ أنَّها تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقالَ ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فالقُرآنُ يَدلُّ
стр. 10249
على أنَّ مَنْ طلَّقَ زوجةً لهُ -دخلَ بها أو لم يَدخُل بها- ثلاثًا لَم تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، فإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِهِ الَّتي لَم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقَدْ حَرُمَتْ عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ.
وقَول اللهِ : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الآيَة، فالقُرآنُ يَدلُّ على أنَّ الرَّجعةَ لِمَنْ طلَّقَ واحِدةً أو اثنتَينِ إنَّما هيَ على المُعتدَّةِ؛ لأنَّ اللهَ إنَّما جعَلَ الرَّجعةَ في العِدَّةِ -وكانَ الزَّوجُ لا يَملِكُ الرَّجعةَ إذا انقَضَتِ العِدَّةُ-؛ لأنَّهُ يَحِلُّ للمَرأةِ في تلكَ الحالِ أنْ تَنكحَ زَوجًا غيرَ المُطلِّقِ، فمَن طلَّقَ امرأتَهُ ولم يَدخلْ بها تَطليقةً أو تَطليقتَينِ فلا رَجعةَ لهُ عَليها ولا عِدَّةَ، ولها أنْ تَنْكِحَ مَنْ شاءَتْ ممَّنْ يَحلُّ لها نِكاحُهُ، وسواءٌ البكرُ في هذا والثَّيبُ (١).
ولمَا رَواهُ الإمامُ مالِكٌ وغَيرُهُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن مُحمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوْبانَ عن مُحمَّدِ بنِ إياسِ بنِ البُكيرِ «أنَّه قالَ: طلَّقَ رجُلٌ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها، ثمَّ بدَا لهُ أنْ يَنكحَها، فجاءَ يَستَفتي، فذَهَبتُ معَهُ أسألُ لهُ، فسألَ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ وأبا هُريرةَ عن ذلكَ فقَالا: لا نرَى أنْ تَنكحَها حتَّى تَنكحَ زوْجًا غيْرَكَ، قالَ: فإنَّما طلاقي إيَّاها واحدةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «إنَّكَ أرسَلْتَ مِنْ يدِكَ ما كانَ لكَ مِنْ فَضلٍ» (٢). стр. 10250
ولمَا رَواهُ مالِكٌ عَنْ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الأشَجِّ عنِ النُّعمانِ بنِ أبي عيَّاشٍ الأنصَاريِّ عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ أنَّهُ قالَ: «جاءَ رجُلٌ يَسألُ عبدَ اللهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ عنْ رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يمَسَّها، قالَ عطاءٌ: فقُلتُ: إنَّما طلاقُ البِكرِ واحِدةٌ، فقَال لِي عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ: «إنَّما أنتَ قاصٌّ، الواحِدةُ تُبِينُها، والثَّلاثةُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ» (١).
وعَن مُعاويةَ بنِ أبي عيَّاشٍ الأنصاريِّ أنَّهُ كانَ جالِسًا معَ عبدِ اللهِ بنِ الزّبَيرِ وعاصمِ بنِ عُمرَ فجاءَهما مُحمدُ بنُ إياسِ بنِ البكَيرِ فقالَ: إنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الباديَةِ طلَّقَ امرَأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها، فماذا ترَيانِ؟ فقالَ ابنُ الزّبَيرِ: إنَّ هذا الأمرَ ما لنا فيهِ مِنْ قَولٍ، فاذهَبْ إلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وأبي هرَيرةَ ﵃ فاسْألهُما ثمَّ ائْتِنا فأَخبِرْنا، فذَهبَ فسَألَهُما فقالَ ابنُ عبَّاسٍ لأبي هُريرةَ: أَفْتِهِ يا أبا هُريرةَ فقدْ جاءَتْكَ مُعضلةٌ -أي: مسألةٌ صعبةٌ مُشكلةٌ- فقالَ أبو هُريرةَ: «الواحدَةُ تُبِينُها والثَّلاثُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زوجًا غيْرَه» (٢).
وعن شقيقٍ أنَّه سَمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يَقولُ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها قالَ: «هيَ ثلاثٌ، لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، وكانَ عمَرُ إذا أُتِيَ به أَوجَعَه» (٣). стр. 10251
وعَنِ الحكَمِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعُودٍ قالا في رَجلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها: «لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرُه» (١).
وعنِ عليٍّ ﵁ قالَ: «إذا طلَّقَ البِكرَ واحدةً فقدْ بَتَّها، وإذا طلَّقَها ثلاثًا لمْ تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَه» (٢).
قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانِيُّ ﵀: وبهذا نأخذُ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ والعامَّةِ مِنْ فُقهائِنا؛ لأنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا فَوقَعْنَ عَليها جَميعًا معًا (٣).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ الحَنفيُّ ﵀: (وإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتهُ ثلاثًا قبْلَ الدُّخولِ بها وَقعْنَ عَليها) ش: عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ، وهوَ مَذهبُ عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرَةَ وعَبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ وابنِ مَسعودٍ وأنسِ بنِ مالكٍ ﵃، وبهِ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ ومحمَّدُ بنُ سِيرينَ وعِكرمةُ وإبراهيمُ النَّخعيُّ وعامرٌ الشعبيُّ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ وابنُ أبي ليلَى والأوزاعيُّ وسُفيانُ الثَّوريُّ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وبهِ أقولُ، ذكَرَ أبو بَكرٍ ابنُ أبي شَيبةَ أنَّهُ قَولُ عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ وخالدِ بنِ مُحمَّدٍ ومَكحولٍ وحميدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ، وكانَ طاوسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بنُ دينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البكْرَ ثلاثًا فهيَ واحدةٌ، وفي «مُصنَّف ابنِ أبي شَيبةَ» عَنْ стр. 10252
جابرِ بنِ زَيدٍ وطاوسٍ وعَطاءٍ أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّق امرَأتَه ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فهي واحدَةٌ، وفي «المَبسُوط»: وهوَ قولُ الحسَنِ البَصريِّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀ بعَدما ذكَرَ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ المُتقدِّمِ: في هَذا الحَديثِ لُزومُ طَلاقِ الثَّلاثِ المُجتمِعاتِ، وفيهِ أنَّ غَيرَ المَدخولِ بها كالمَدخولِ بها في ذلكَ، وعلى ذلكَ جُمهورُ الفُقهاءِ وجُمهورُ العُلماءِ في التَّسويةِ بَينَ البكْرِ وغَيرِ البِكرِ والمَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها أنَّ الثَّلاثَ تُحرِّمُها على مُطلِّقِها حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَهُ.
وقدْ رُويَ عنْ عَطاءٍ وطاوسٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ أنَّهم جَعَلُوا الثَّلاثَ في الَّتي لَم يدْخلْ بها واحدةً، ورُويَ ذلكَ عَنْ طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في حَديثِ أبِي الصَّهباءِ.
حدَّثنِي عَبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ المُؤمِنِ قالَ: حدَّثني أبو بَكرٍ محمَّدُ بنُ عُثمانَ بنِ ثابتٍ قالَ: حدَّثني إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ قالَ: أخبَرَنا عَليُّ بنُ المَدينيِّ قالَ: حدَّثني سُفيانُ بنُ عُيَينةَ عَنْ عَمرِو بنِ دينارٍ عَنْ عطاءٍ وعن أبي الشَّعثاءِ: «إذا طلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فهيَ واحدَةٌ»، قالَ عليٌّ: قُلتُ لسُفيانَ: إنَّ إبراهيمَ بنَ نافِعٍ قالَ: عَنْ عَمرٍو عَنْ طَاوسٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ «هيَ واحدَةٌ»، قالَ سُفيانُ: حَفظْتُه عَنْ عَمرٍو وجَابرِ بنِ زَيدٍ وعَطاءٍ. стр. 10253
قالَ: وإنْ كانَ إبراهيمُ قالَ عَنهُم فهوَ كانَ حافظًا أيضًا.
وقالَتْ بذلكَ فِرقةٌ شَذَّتْ عنِ الجُمهورِ الَّذينَ اجتِماعُهم حُجَّةٌ على مَنْ خالَفَهم، منهُم داودُ وأهلُ الظَّاهرِ، وقالُوا: لنْ يَصحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ إلَّا ما رَواهُ عنهُ كُتَّابُ أصحابِهِ، طاوسٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وعَطاءٌ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ على حَسبِ حديثِ أبي الصَّهباءِ عنهُم.
قالَ أبو عُمرَ: وممَّنْ رُوِّينا عنهُ أنَّ الثَّلاثَ تُحرِّمُ الَّتي لم يَدخلُ بها زوْجُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ كالمَدخولِ بها سَواءٌ، عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ مَسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وأبو سَعيدٍ الخُدريُّ وجابرُ بنُ عَبدِ اللهِ وعَبدُ اللهِ بنُ مُغفَّلٍ وأبو هُريرةَ وعَائشةُ وأنسٌ، وهوَ قولُ جَماعةِ التَّابعِينَ عمَّن ذكَرْنا.
وبهِ قالَ جَماعةُ الأمصارِ، ابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ ومالكٌ وأبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهُم وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ الطَّبريُّ (١).
وقالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المَروَزيُّ ﵀: واختَلفُوا في غَيرِ المَدخُولِ بها إذا طلَّقَها الزَّوجُ ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ.
فقالَ الأوزاعيُّ ومالكٌ وأهلُ المَدينةِ وسُفيانُ وأصحابُ الرَّأيِ والشَّافعيُّ وأصحابُهُ وأحمدُ وأبو عُبيدٍ: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ. стр. 10254
ورُويَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ وغَيرِ واحدٍ مِنَ التَّابعِينَ أنَّهُم قالُوا: إذا طلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فِهيَ واحدَةٌ، وأكثرُ أهلِ الحَديثِ على القَولِ الأوَّلِ.
وكانَ إسحاقُ يَقولُ: طلاقُ الثَّلاثِ البائنُ واحدةٌ، ويتأوَّلُ حَديثَ طاووسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وعُمَرَ تُجعَلُ واحدةً» على هذا (١).
وقالَ القَاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طلِّقَتْ ثَلاثًا، خِلافًا لابنِ عُليَّةَ في قَولهِ: لا تُطلَّقُ إلَّا واحدةٌ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ، أَرأَيتَ لو كُنْتُ طلَّقْتُها ثلاثًا؟ قالَ: كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتَكونُ مَعصيةً»، ولَم يُفصِّلْ، ولأنَّها حالُ زَوجيَّةٍ كبعْدَ الدُّخولِ، ولأنَّ قولَهُ «ثَلاثًا» تَفسيرٌ لِمُرادِهِ بقولِهِ: «أنْتِ طالِقٌ»، بدَليلِ أنَّهُ لوِ اقتَصرَ على قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أَردْتُ بهِ الثَّلاثَ» لَقُبِلَ منهُ، وإذا كانَ كذلكَ وَجبَ وُقوعُه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ ولَم يَدخُلْ بها تَطليقةً أنَّها قدْ بانَتْ منهُ، فلا تَحلُّ لهُ إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ، ولا عِدَّةَ لهُ عَليها.
واختَلفُوا في الرَّجلِ يُطلِّقُ غيرَ المَدخولِ بها ثلاثًا بلفظَةٍ واحدَةٍ. стр. 10255
فقالتْ طائِفةٌ: لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَهُ، كَذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرَةَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وأنسُ بنُ مالِكٍ وابنُ مَسعودٍ، وبهِ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ وابنُ سِيرينَ وابنِ معقلٍ وعِكرمَةُ والنَّخعيُّ والشَّعبيُّ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ ومالِكٌ وابنُ أبي لَيلَى والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلكَ عَنْ عَليٍّ وزَيدٍ.
قالَ أَبو بَكرٍ: وبهِ نَقولُ.
وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاووسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَطاءٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ.
واختَلفتِ الأخبارُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فَروى طاووسٌ عنهُ أنَّهُ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثَّلاثِ وَاحدةٌ».
ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ ومالِكُ بنُ الحارِثِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خلافَ رِوايةِ طاووسٍ عَنهُ (١).
قالَ القُرطبيُّ ﵀: وفي «الإشرَاف» لابنِ المُنذِرِ: وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاوسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ، قلتُ: وربَّما اعتَلُّوا فقالُوا: غَيرُ المَدخولِ بها لا عِدَّةَ стр. 10256
عَليها، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقدْ بانَتْ بنَفْسِ فراغِهِ مِنْ قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فيَرِدُ «ثَلاثًا» عَليها وهيَ بائنٌ فلا يُؤثِّرُ شَيئًا، ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» مُستقلٌّ بنَفسِهِ فوجَبَ ألَّا تَقفَ البَينونَةُ في غَيرِ المَدخولِ بها على ما يَرِدُ بَعدَهُ، أصلُهُ إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» (١).
وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا علَى أنَّهُ إذا قالَ الزَّوجُ لِغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طُلِّقَتْ ثَلاثًا (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَردِيُّ ﵀: قالَ الشَّافِعيُّ: (ولَو قالَ للَّتي لم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وَقَعْنَ مَعًا).
قالَ الماوَردِيُّ: أمَّا إذا طلَّقَ غَيرَ المَدخولِ بهَا ثلاثًا طُلِّقَتْ ثَلاثًا، وهوَ قَولُ الجُمهورِ، وقالَ عَطاءُ بنُ стр. 10257
يَسارٍ والمَغربيُّ: تُطلَّقُ واحدةً؛ لأنَّها قدْ بانَتْ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فلَم يقَعْ عَليها بعْدَ البَينونَةِ بقولِهِ «ثلاثًا» شَيءٌ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ وُقوعَ الثَّلاثِ هو بقَولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»؛ لِاحتِمالِه العَددَ، وقَولُه «ثَلاثًا» تَفسيرًا منهُ للعَددِ المرادِ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، ولذلكَ جاءَ بهِ مَنصوبًا؛ لكَونِهِ تَفسيرًا، كما لو قالَ: «لهُ عليَّ عِشرونَ دِرهمًا»، صارَ الدِّرهمُ لكَونِهِ مَنصوبًا تَفسيرًا للعَددِ، كذلكَ الثَّلاثُ تَفسيرٌ للعدَدِ، وقدْ حُكيَ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّهُ سُئلَ عَنْ غَيرِ المَدخولِ بها إذا طُلِّقَتْ ثلاثًا، قالَ عَطاءُ بنُ يَسارٍ: فقلْتُ: ولِاثنتَينِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «وأمَّا هِيَ الواحدةُ بَيَّنَتْها والثَّلاثُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ».
فإذا تَقرَّرَ أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ يَقعُ على غَيرِ المَدخولِ بها كوُقوعِهِ على المَدخولِ بها فقالَ لها -وهيَ غَيرُ مَدخولٍ بها-: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وقَعْنَ معًا في الحالِ على أيِّ حالٍ كانَتْ مِنْ حَيضٍ أو طُهرٍ؛ لأنَّنا قَدْ ذكَرْنا أنَّ غَيرَ المَدخولِ بها لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بِدعةَ، وليسَ عِندَنا في عَددِ الطَّلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدعةٌ، وعِندَ أبي حَنيفةَ أنَّها تُطلَّقٌ واحدةً تَبِينُ بها ولا يَقعُ عَليها غَيرُها؛ بِناءً على أصلِهِ في أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ بِدعةٌ، وأنَّ السنَّةَ فيهِ أنْ تَقعَ في كُلِّ قُرءٍ طَلقةٌ، وهي بالطَّلقةِ الأُولى قد بانَتْ فلم يَقعْ عَليها غَيرُها، وقَد مَضَى الكَلامُ معهُ (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا قالَ للَّتي لَم يَدخُلْ بها: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا» .. وَقعَ عَليها الثَّلاثُ، وبهِ قالَ جَميعُ الفُقهاءِ، إلَّا رِوايةً عَنْ عَطاءٍ؛ فإنَّهُ قالَ: تَقعُ عَليها طَلقةٌ.
دَليلُنا: أنَّ قولَه: (أنتِ طالِقٌ) اسمٌ لجِنسٍ مِنَ الفِعلِ يَصلُحُ للواحِدَةِ ولِمَا زادَ عَليها، وقولُهُ: (ثلاثًا) مُفسِّرٌ لَهُ، فكانَ وُقوعُ الثَّلاثِ عَليها دُفعةً واحدةً (٢). стр. 10258
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَ ثلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ وقَعَ الثَّلاثُ وحُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، ولا فرْقَ بيْنَ قبْلِ الدُّخولِ وبعْدَه، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وابنِ عُمرَ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو وابنِ مَسعودٍ وأنسٍ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ مِنَ التَّابعينَ والأئمَّةِ بعدَهُم، وكانَ عَطاءٌ وطاوسٌ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وأبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ (١).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ رَجلٍ عقَدَ العَقدَ على أنَّها تَكونُ بالِغًا، ولم يَدخُلْ بها ولم يُصبْها، ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ عقَدَ عَليها شَخصٌ آخَرُ، ولم يَدخُلْ بها ولَم يُصبْها، ثمَّ طَلَّقَها ثلاثًا، فهلْ يَجوزُ للَّذي طلَّقَها أوَّلًا أنْ يَتزوَّجَ بها؟
فأجابَ: إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فهوَ كما لو طلَّقَها بعْدَ الدَّخولِ عندَ الأئمَّةِ الأربعَةِ، لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ ويَدخلَ بها، فإذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ لم تَحِلَّ للأوَّلِ.
وسُئلَ ﵀ عَنْ رَجلٍ تزوَّجَ بنتًا بكرًا ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا ولم يُصبْها، فهل يَجوزُ أنْ يَعقِدَ عَليها عَقدًا ثانيًا أم لا؟
فأجابَ: طلاقُ البِكرِ ثلاثًا كطَلاقِ المَدخولِ بها ثلاثًا عِنْدَ أكثرِ الأئمَّةِ (٢). стр. 10259
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولمْ يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الرَّجلُ لزَوجتِهِ غَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولَم يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ، هلْ تقَعُ ثلاثٌ أم واحدَةٌ؟
فذَهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّهُ إذا قالَ لها هذا وقَعَ عَليها بقَولِهِ الأوَّلِ -أنتِ طالِقٌ- طَلقةٌ واحدَةٌ وبانَتْ بها، ولا يَلحَقُها ما بعْدَها؛ لأنَّه قدْ فرَّقَ، فوقَعَ بالأُولَى طلقَةٌ وبانَتْ بها، ولَم يقَعْ ما بعْدَها؛ لأنَّها بانَتْ بها، ولا عدَّةَ عَليها؛ لأنَّها غَيرُ مَدخولٍ بها، ولَم تقَعِ الثَّانيةُ ولا الثَّالثةُ؛ لأنَّهُ لا يَبقَى لوُقوعِها مَحلٌّ، فيَلغُو كِلاهُما.
وخالَفَ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا»؛ لأنَّهنَّ وقَعْنَ معًا باللَّفظِ الأوَّلِ مِنْ غَيرِ تَرتيبٍ (١).
قالَ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوَزيُّ ﵀: فإنْ قالَ ولَم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، فإنَّ سُفيانَ وأصحابَ الرَّأيِ والشَّافعيَّ وأبا عُبيدٍ قالُوا: بانَتْ منهُ بالأُولى وليسَ الاثنَتانِ بشَيءٍ؛ لأنَّ غَيرَ المَدخولِ بها стр. 10260
تَبِينُ بواحدةٍ، فلا عِدَّةَ عَليها، فإذا هيَ بانَتْ بالطَّلقةِ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» فإنَّها كوقْعِ الطَّلاقِ على امرأةٍ أجنبيَّةٍ فلا يَقعُ عَليها.
وقالَ مالِكٌ ورَبيعةُ وأصحابُ الرَّأيِ وأهلُ المَدينةِ والأوزاعيُّ وابنُ أبِي لَيلَى: إذا قالَ لها ثَلاثَ مرَّاتٍ: «أنتِ طالِقٌ» سَبقًا مُتتابعًا حرمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، فإنْ هوَ سكَتَ فيما بيْنَ الطَّلقتَينِ بانَتْ بالأُولى ولَم تَلحَقْها الثَّانيةُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: باب افتِرَاق الطَّلاقِ الثَّلاثِ قبْلَ الدُّخولِ.
واختَلفُوا في الرَّجلِ يَقولُ لامرأتِهِ الَّتي لَم يَدخلْ بهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ».
فقالَتْ طائِفةٌ: تَبِينُ بِالأُولى، واللَّتانَ اتبعَتا ليسَتا بشَيءٍ.
روينَا هذا القولَ عَنِ النَّخعيِّ وأبي بكر ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ وعِكرمةَ وحمَّادِ بنِ أبِي سُليمانَ والحكَمِ، وذكَرَه الحكَمُ عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وزَيدٍ.
وبهِ قالَ سُفيانُ الثَّوريُ والشَّافعيُّ وأحمدُ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ. следующие страницы →