← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وفي لَفظٍ: «إذا قَعد في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَه اليُسرى تحتَ فَخِذِهِ اليُمنى وَسَاقِهِ، وفرشَ قَدَمَه اليُمنَى» (١). وهذا لا يَكونُ إلا مع الإفضاءِ بوَرِكِه إلى الأرضِ على ما قُلنا، ولأنَّ ذلك أبلَغُ في التَّمكينِ، وأحسَنُ في وَقارِ الصَّلاةِ. ولأنَّه فِعلٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ يَستَوي فيه الإمامُ والمَأمومُ، كانَ على صِفةٍ واحدةٍ، كالرُّكوعِ، ولأنَّها صِفةٌ مَسنونةٌ حالَ القُعودِ، لم تَختلِف صِفَتُها؛ كوَضعِ اليَدينِ على الفَخِذَينِ (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُسنُّ التَورُّكُ في التشهُّدِ الأخيرِ، والافتِراشُ في باقي الجَلساتِ؛ لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا جلسَ في الرَّكعتَينِ جلسَ على رِجلِه اليُسرَى، وَنصبَ اليُمنَى، وإذا جلسَ في الرَّكعَةِ الآخرةِ قدَّم رِجلَه اليُسرَى، وَنصبَ الأُخرَى، وَقَعد على مَقعدتِه». وفي رِوايةٍ: «فإذا كانَ في الرَّابعَةِ أَفضَى بِوَرِكِه اليُسرَى إلى الأرضِ، وَأَخرَج قَدمَيهِ مِنْ نَاحِيَةٍ واحدةٍ» (٣). والحِكمةُ في المُخالَفةِ بينَ الأخيرِ وغيرِه مِنْ بَقيَّةِ الجَلساتِ أنَّ المُصلِّي مُستوفِزٌ فيها لِلحَركةِ، بخِلافِه في الأخيرةِ، والحَركةُ عن الافتِراشِ أهوَنُ. إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: يُسنُّ التَورُّكُ في كلِّ تَشهُّدٍ يسلِّمُ فيه، وإن لم يَكنُ

стр. 1017

ثانيًا، كتَشهُّدِ الصُّبحِ والجمُعةِ؛ لأنَّه تَشهُّدٌ يُسنُّ تَطويلُه، فسُنَّ فيه التَورُّكُ كالثاني. وأمَّا المَرأةُ فإنَّها تَجلِسُ بأيسَرِ ما يَكونُ لها (١). أمَّا الحَنابلَةُ فلا يَتوَرَّكُ الرَّجلُ عندَهم إلا في التشهُّدِ الأخيرِ من صَلاةٍ فيها تَشهُّدانِ؛ لحَديثِ عائِشَةَ ﵂: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقولُ في كلِّ رَكعتَينِ التَّحِيَّةَ، وكانَ يَفرِشُ رِجلَه اليُسرَى، وَيَنصِبُ رِجلَه اليُمنَى» (٢). ولأنَّ التشهُّدَ الثانيَ إنَّما تَورَّك فيه لِلفَرقِ بينَ التشهُّدَينِ، وما ليس فيه إلا تَشهُّدٌ واحدٌ لا اشتِباه فيه، فلا حاجةَ إلى الفَرقِ. وأمَّا المَرأةُ عندَهم فلها أن تَجلِسَ مُتربِّعةً؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يَأمُرُ النِّساءَ أن يَتربَّعنَ في الصَّلاةِ، وأن تَسدِلَ رِجلَيهَا فتَجعَلَهما مِنْ جانِبِ يَمينِها، والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّ السَّدلَ أفضَلُ؛ لأنَّه غالِبُ فِعلِ عائِشَةَ ﵄، ولأنَّه أشبَه بجِلسَةِ الرَّجلِ (٣). وصِفةُ الافتِراشِ هي: أن يَنصِبَ قَدَمَه اليُمنَى قائِمةً على أطرافِ الأصابِعِ بحيثُ تَكونُ مُتوجِّهةً نحوَ القِبلةِ، ويَفرِشَ رِجلَه اليُسرى بحيثُ يَلي ظَهرُها الأرضَ جالسًا على بَطنِها. والتَورُّكُ: كالافتِراشِ، لكِن يُخرِجُ يُسرَاهُ مِنْ جِهةِ يَمينِه ويُلصِقُ وَركَه بالأرضِ (٤).

стр. 1018

١٨ - جَلسةُ الاستِراحةِ: جَلسةُ الاستِراحةِ هي الجَلسةُ التي يَقعُدُها المُصلِّي عندما يَنتَهي مِنْ الرَّكعةِ الأُولى أو الثَّالثةِ، ويَنهَضُ لِلثانيةِ أو الرابِعةِ فيَقعُدُ قَعدةً خَفيفةً بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ وقبلَ القيامِ لِلرَّكعةِ الثانيةِ أو الرابِعةِ. وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ: هل هذه القَعدةُ مَشروعةٌ وسُنَّةٌ عن النَّبيِّ ﷺ أو لا؟ فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ، والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُصلِّي إذا قامَ مِنْ السَّجدةِ الثانيةِ لا يَجلِسُ جَلسةَ الاستِراحةِ، ويَنهَضُ على صُدورِ قَدمَيه؛ وذلك لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ، وفيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا رفعَ رَأسَه مِنْ السَّجدَةِ قامَ»، وَلَم يَذكُر قُعُودًا (١). وفي حَديثِ رِفاعةَ بنِ رَافِعٍ عن النَّبيِّ ﷺ في تَعليمِ الأعرابيِّ: «ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم قُم»، ولم يَأمُره بالقَعدةِ (٢). واحتَجَّ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ لِهذا المَذهبِ أيضًا بأن قالَ: قدِ اتَّفَقُوا أنَّه

стр. 1019

يَرجِعُ مِنْ السُّجودِ بتَكبيرٍ، ثم لا يُكبِّرُ تَكبيرةً أُخرى لِلقيامِ، قالوا: فلو كانَتِ القَعدةُ مَسنونةً لَكانَ الانتِقالُ منها إلى القِيامِ بالذِّكرِ كسائرِ أحوالِ الانتِقالِ. ولأنَّه نُهوضٌ إلى القيامِ، لم يكن مِنْ سُنَّتِه أن يَفصِلَ بينَهما بفِعلٍ غيرِه، أصلُه النُّهوضُ مِنْ الجُلوسِ إلى الرَّكعةِ الثالِثةِ، ولأنَّه انتِقالٌ من رُكنٍ إلى رُكنٍ يُخالِفُه، فلم يُسنُّ فيه جَلسةٌ تَفصِلُ بينَهما، كالانتِقالِ مِنْ القِيامِ إلى السُّجودِ (١). وذَهب الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها الخلَّالُ إلى أنَّه يُسنُّ بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ جَلسةُ الاستِراحةِ مِنْ كلِّ رَكعةٍ تَقومُ عنها؛ لمَا رَواه مالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ، وفيه: «أنَّه إذا رفعَ رَأسَه عن السَّجدَةِ الثَّانيَةِ جلسَ وَاعتَمدَ على الأرضِ، ثم قامَ» (٢). وفي رِوايةٍ عن مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ﵁ «أنَّه رَأى النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي، فإذا كانَ في وِترٍ مِنْ صَلاتِه لم يَنهَض حتى يَستَويَ قاعِدًا» (٣). وعن أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ وفيه: « … وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ، ثم يَركَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيهِ على رُكبتَيهِ، مُعتَمِدًا لَا

стр. 1020

يَصُبُّ رَأسَه ولا يُقنِعُ مُعتَدِلًا، ثم يَقولُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ حتى يَقِرَّ كلُّ عَظمٍ إلى مَوضِعِه، ثم يَهوِي إلى الأرضِ، وَيُجَافِي بينَ يَديهِ عن جَنبَيهِ، ثم يَرفَعُ رَأسَه وَيَثنِي رِجلَه اليُسرَى فَيَقعُدُ عليها وَيَفتَخُ أَصَابِعَ رِجلَيهِ إذا سجدَ، ثم يَسجُدُ، ثم يُكبِّرُ وَيَجلِسُ على رِجلِه اليُسرَى حتى يَرجِعَ كلُّ عَظمٍ منه إلى مَوضِعِه، ثم يَقومُ فَيَصنَعُ في الرَّكعَةِ الأُخرَى مثلَ ذلك» (١). وقيلَ: إنَّ الإمامَ أحمدَ رَجعَ إلى هذا القولِ وتركَ القولَ الأوَّلَ. قالَ الخلَّالُ: رَجعَ أبو عَبد اللهِ إلى هذا. يَعني تركَ قولَه بتَركِ الجُلوسِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقيلَ: إن كانَ المُصلِّي ضَعيفًا جلسَ لِلِاستِراحةِ؛ لِحاجَتِه إلى الجُلوسِ، وإن كانَ قَويًّا لم يَجلِس؛ لِغِناه عنه، وحُمِلَ جُلوسُ النَّبيِّ ﷺ على أنَّه كانَ في آخرِ عُمُرِه عندَ كِبَرِه وضَعفِه، وهذا فيه جَمعٌ بينَ الأخبارِ، وتَوسُّطٌ بينَ القولَينِ. والسُّنةُ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ أن يَنهَضَ مُعتَمِدًا على يَديهِ من على الأرضِ؛ لِحَديثِ أبي قِلابةَ قالَ: جاءَنَا مَالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ فصلَّى بنَا في مَسجدِنَا هذا، فقالَ: إنِّي لَأُصَلِّي بِكم وما أُرِيدُ الصَّلاةَ، وَلَكِن أُرِيدُ أن أُرِيكم كَيفَ رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي. قالَ أَيُّوبُ: فقُلتُ لأَبي قِلابةَ: وَكَيفَ كانَت صَلاتُه؟ قالَ: مثلَ صَلاةِ شَيخِنَا هذا. يَعني عَمرَو بنَ سَلمةَ، قالَ أَيُّوبُ: وكانَ ذلك الشَّيخُ يُتمُّ التَّكبيرَ «وإذا رفعَ رَأسَه عن

стр. 1021

السَّجدَةِ الثَّانيَةِ جلسَ وَاعتَمدَ على الأرضِ ثم قامَ» (١). ولأنَّ ذلك أبلَغُ في الخُشوعِ والتَّواضُعِ، وأعوَنُ لِلمُصلِّي وأحرى ألَّا يَنْقَلِبَ. وعندَ الحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ أنَّه لا يَعتمِدُ على الأرضِ؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أن يَعتمِدَ الرَّجلُ على يَديهِ إذا نَهَضَ في الصَّلاةِ» (٢). وإنَّما يَقومُ على صُدورِ قَدمَيه، لمَا رَواه أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنهَضُ في الصَّلاةِ على صُدورِ قَدمَيهِ» (٣). إلا أن يَشُقَّ عليه ذلك فيَعتمِد على الأرضِ؛ لقولِ علِيٍّ ﵁: «إنَّ مِنْ السُّنةِ في الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ إذا نهَضَ الرَّجلُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ ألَّا يَعتمِدَ بيَديهِ على الأرضِ، إلَّا أن يكونَ شَيخًا كَبيرًا لَا يَستَطيعُ» (٤) (٥).

стр. 1022

القُنوتُ في الفَجرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ القُنوتِ في صَلاةِ الفَجرِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأوَّلُ: أنَّه غيرُ مَشروعٍ ولا يُسنُّ فيها، وهو لِلحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ. قالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀: هو بِدعةٌ. وقالَ الحَنابلَةُ في الصَّحِيحِ: يُكرَهُ. استدَلُّوا على ذلك بما رَواه أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «قنَت في صَلاةِ الصُّبحِ شَهرًا يَدعُو على أَحيَاءٍ مِنْ أَحيَاءِ العَرَبِ، ثم تركَه» (١). قالوا: فكانَ مَنسوخًا؛ إذِ التَركُ دَليلُ النَّسخِ، وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «كانَ يَقنُتُ في الصُّبحِ وَالمَغربِ» (٢)، وقد نُسِخَ في المَغربِ بالإجماعِ، فيَكونُ الصُّبحُ كذلك. وبما رَواه أبو مالِكٍ الأشجَعيُّ قالَ: قُلتُ لأَبي: يا أَبَتِ، إنَّكَ قد صلَّيتَ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعمرَ وَعُثمانَ وَعَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ هَهُنَا بِالكُوفَةِ نَحوًا مِنْ خَمسِ سِنِينَ، أَكانُوا يَقنُتُونَ في الفَجرِ؟ قالَ: «أَي بُنَيَّ، مُحدَثٌ»، وفي لَفظٍ: «يا بُنَيَّ، بِدعَةٌ» (٣)، ولأنَّه لو كانَ في الصُّبحِ مَسنونًا لَكانَ نَقلُه مُتَواتِرًا.

стр. 1023

قالَ الجَصَّاصُ: رُويَ في أخبارٍ مُستَفيضةٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنَت في صَلاةِ الفَجرِ والمَغربِ والعِشاءِ، ثم رَوى عَبد اللهِ بنُ مَسعودٍ، وأبو هُريرةَ، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بَكرٍ ﵃ أنَّه تركَه بعدَ فِعلِه. واختلَفتِ الرِّوايةُ عن أنَسٍ، فرَوى عَمرُو بنُ عُبيدٍ عن الحَسنِ عن أنَسٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما زالَ يَقنُتُ في صَلاةِ الغَداةِ إلى أن فارقَ الدُّنيا». وكذلك رَوى أبو جَعفَرٍ الرَّازِيُّ عن الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ عن أنَسٍ ﵄. ورَوى حُمَيدٌ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ عِشرينَ يَومًا». ورَوى أيُّوبُ عن ابنِ سِيرينَ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ في صَلاةِ الفَجرِ يَسيرًا». ورَوى أبو نُعَيمٍ عن هِشامٍ الدَّستُوَائِيِ عن قَتادةَ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ الرُّكوعِ يَدعُو على حَيٍّ من أحياءِ العَرَبِ، ثم تركَه، وكانَ يَدعُو على رِعلٍ، وذَكوانَ». فتَضادَّت أخبارُ أنَسٍ ﵁ في تَركِ القُنوتِ أو فِعلِه إلى أن فارقَ الدُّنيا، فسقطَت كأنَّها لم تَرِد، وبَقيَت لنا أخبارُ الآخَرينَ في تَركِه القُنوتَ بعدَ فِعلِه؛ فوجبَ أن تَكونَ أَولى؛ إذ كانَ آخر فِعلِه ﷺ . ولمَّا اتَّفق الفُقهاءُ جَميعًا على تَركِ ما رُويَ في القُنوتِ في المَغربِ والعِشاءِ، كان كذلك القُنوتُ في الفَجرِ؛ لأنَّ القُنوتَ فيها كلِّها كانَ في وَقتٍ

стр. 1024

واحدٍ، ثم كانَ ما عَدا صَلاةَ الفَجرِ مَنسوخًا بالتَّركِ، وجبَ أن يَكونَ كذلك حكمُه في الفَجرِ. فإن قيلَ: هَلَّا كانَ التَّركُ على وَجهِ التَّخييرِ دونَ النَّسخِ، قيلَ له: لأنَّه لمَّا كانَ القُنوتُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلاةِ في حالِ ما كانَ يُفعَلُ، دلَّ تَركُه إيَّاه على أنَّه قد خرَج مِنْ أن يَكونَ مِنْ سُننِها؛ لأنَّا وَجَدنا سائِرَ سُننِ الصَّلاةِ لا يَكونُ المُصلِّي مُخيَّرًا فيها بينَ فِعلِها وتَركِها، كسَجدَتَيِ السَّهوِ، والتشهُّدِ، وتَسبيحِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، وثَناءِ الافتِتاحِ، فلو كانَت سُنَّةُ القُنوتِ باقيَةً، لَمَا كانَ تَركُه مُباحًا، ألَا تَرَى أنَّ تَركَ القُنوتِ في المَغربِ والعِشاءِ ليس عندَ الجَميعِ على جِهةِ التَّخييرِ، بل على وَجهِ النَّسخِ، فكذلك القُنوتُ في الفَجرِ. وأيضًا: لو كانَ فِعلُ القُنوتِ مَسنونًا في صَلاةِ الفَجرِ، لَوجبَ أن يَردَ النَّقلُ به مُتَواتِرًا، وأن يَعرِفَه جُلُّ الصَّحابةِ؛ لعُمومِ الحاجةِ إليه، كفِعلِ التشهُّدِ، وتَكبيرِ الرُّكوعِ، والسُّجودِ، فلمَّا وَجَدنا عَبد اللهِ بنَ مَسعودٍ، وعَبد اللهِ بنَ عبَّاسِ، وعمرَ في رِوايةٍ، وابنَ عمرَ ﵃ كانوا لا يَرَونَ القُنوتَ فيها، عَلِمنا أنَّه مَنسوخٌ بتَركِ النَّبيِّ ﷺ إيَّاه. ولأنَّ ابنَ مَسعودٍ وابنَ عمرَ ﵄ قد رَوَيَا خَبرَ القُنوتِ، ثم رَوى قَتادةُ عن أبي مِجلَزٍ قالَ: «صلَّيتُ خلفَ ابنِ عمرَ ﵄، فلم يَقنُت، فقُلتُ: الكِبَرُ يَمنَعُكَ؟ قالَ: ما أحفَظُه عن أحَدٍ مِنْ أصحابي». وذكرَ أبو الشَّعثاءِ عنه نحوَ ذلك في صَلاةِ الفَجرِ. وحدَّثنا عَبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا علِيُّ بنُ مُحمدٍ قالَ: حدَّثنا أبو الوَليدِ قالَ: حدَّثنا زائِدةُ عن أشعَثَ عن أبي الشَّعثاءِ عن أبيه قالَ: «سُئلَ

стр. 1025

ابنُ عمرَ ﵄ عن القُنوتِ في الغَداةِ، فقالَ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا يَقنُتُ في الغَداةِ». وحدَّثنا عَبدُ الباقي قالَ: حدَّثنا الحَسنُ بنُ المُثَنى قالَ: حدَّثنا عَفَّانُ قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ قالَ: حدَّثنا بِشرُ بنُ حَربٍ قالَ: سَمِعتُ ابنَ عمرَ ﵄ يَقولُ: «أرأيتُم قيامَكم بعدَ فَراغِ الإمامِ مِنْ القِراءةِ -هذه البِدعَةَ-؟ واللهِ إنَّه لَبِدعَةٌ، ما فعلَه رَسولُ اللهِ ﷺ إلا شَهرًا، ثم تركَه». وقالَ الأسوَدُ وعَمرُو بنُ مَيمونَ: «صلَّينا خلفَ عمرَ ﵁ الفَجرَ، فلم يَقنُت». وقالَ الأسوَدُ: «وكانَ عمرُ ﵁ إذا حارَبَ قنَت، وإذا لم يُحارِب لم يَقنُت». وقالَ عَلقَمةُ: «لَقيتُ أبا الدَّرداءِ ﵁ بالشَّامِ، فسألتُه عن القُنوتِ، لم يَعرِفه». وقالَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ: «أوَّلُ مَنْ قنَت ههنا في الفَجرِ علِيٌّ ﵁، وكانوا يَرَونَ أنَّه إنَّما فعلَ ذلك لأنَّه كانَ مُحارِبًا، فكانَ يَدعو على أعدائِه في القُنوتِ في الفَجرِ والمَغربِ». وحدَّثنا عَبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَبد اللهِ قالَ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ قالَ: حدَّثنا مُحمدُ بنُ يَعلَى عن عَنبَسَةَ بنِ عَبد الرَّحمنِ عن عَبد اللهِ بنِ نافِعٍ عن أبيه عن أُمِّ سَلمةَ ﵂ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن القُنوتِ في صَلاةِ الصُّبحِ».

стр. 1026

وهذا الحَديثُ يَقضِي على ما رُويَ في القُنوتِ؛ لأنَّ فيه نَهيًا يَمنَعُ تَأويلَ التَّخييرِ في تَركِ القُنوتِ وفِعلِه (١). فإن قنَت الإمامُ في صَلاةِ الفَجرِ سكتَ مَنْ خلفَه عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، -رحمهما الله-. وقالَ أبُو يُوسفَ ﵀: يُتابِعُه؛ لأنَّه تَبَعٌ لِإمامِه، والقُنوتُ مُجتَهَدٌ فيه. ولهما أنَّه مَنسوخٌ، ولا مُتابعَةَ فيه، ثم قيلَ: يَقِفُ قائِمًا؛ لِيُتابِعَه فيما تَجِبُ مُتابعَتُه، وقيلَ: يَقعُدُ؛ تَحقيقًا لِلمُخالَفَةِ؛ لأنَّ السَّاكِتَ شَريكُ الدَّاعي، والأوَّلُ أظهَرُ. ويَتبَعُ المُؤتَمُّ الحَنفِيُّ في القُنوتِ إمامًا شافِعيًّا قانتًا الوِترَ، ولو بعدَ الرُّكوعِ (٢). القولُ الثاني: أنَّ القُنوتَ في الفَجرِ سُنَّةٌ ومُستحَبٌّ، وهو قولُ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ. قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: يَقنُتُ في صَلاةِ الصُّبحِ؛ خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقنُتُ فيما رَواهُ أبوهُريرةَ وخُفافُ بنُ

стр. 1027

إيماءٍ والبَراءُ وأنَسُ بنُ مالِكٍ، وقالَ أنَسٌ: «ما زالَ يَقنُتُ في الفَجرِ حتى فارقَ الدُّنيا» (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اعلَم أنَّ القُنوتَ مَشروعٌ عندَنا في الصُّبحِ، وهو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ (٢). واستدَلُّوا على ذلك بمَا رَواهُ أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ قالَ: «ما زَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقنُتُ في الفَجرِ حتى فَارَقَ الدُّنيا» (٣). ولأنَّه دُعاءٌ مَسنونٌ في صَلاةٍ غيرِ مَفروضةٍ -وهي الوِترُ- وجبَ أن يَكونَ مَسنونًا في صَلاةٍ مَفروضةٍ، كقولِه: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ»، ولأنَّها صَلاةُ نَهارٍ يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ، وجبَ أن تَختَصَّ بِذِكرٍ لا يُشارِكُها فيه غيرُها، كالجمُعةِ في اختِصاصِها بالخُطبةِ. قالَ الماوَردِيُّ ﵀: وقولُهم: لو كانَ القُنوتُ في الصُّبحِ سُنَّةً لَكانَ نَقلُه تَواتُرًا؛ لعُمومِ البَلوى به، فيُرجَعُ عليهم في الوِترِ، ثم يُقالُ: إنَّما يجبُ أن يَكونَ بَيانُه مُستَفيضًا، ولا يَلزمُ أن يَكونَ نَقلُه مُتواتِرًا، أَلَا تَرَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَجَّ في خَلقٍ كَثيرٍ فَبيَّن لهمُ الحَجَّ بَيانًا مُستَفيضًا، ولم يَنقُله مِنْ الصَّحابةِ إلا اثنا عَشَرَ نَفسًا، اختَلفَ فيه خَمسةٌ منهم أنَّه ﷺ أفرَدَ،

стр. 1028

وأربَعةٌ أنَّه تَمَتَّعَ ﷺ ، وثَلاثَةٌ أنَّه ﷺ قَرَنَ (١). وقالوا: قولُهم: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ تركَه في المَغربِ بالإجماعِ، فيَكونُ في الصُّبحِ كذلك، فنَقولُ: إنَّنا أجمَعنا على أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قنَت في الفَجرِ ثم اختَلَفنا: هل تركَ فنَتمسَّكَ بما أجمَعنا عليه حتى يثبُتَ ما اختَلَفنا فيه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلَفوا في القُنوتِ، فَذَهب مالِكٌ إلى أنَّ القُنوتَ في صَلاةِ الصُّبحِ مُستحَبٌّ، وذَهب الشافِعيُّ إلى أنَّه سُنَّةٌ، وذَهب أبو حَنيفَةَ إلى أنَّه لا يَجوزُ القُنوتُ في صَلاةِ الصُّبحِ، وأنَّ القُنوتَ إنَّما مَوضِعُه الوِترُ. وقالَ قَومٌ: بل يَقنُتُ في كلِّ صَلاةٍ، وقالَ قَومٌ: لا قُنوتَ إلا في رَمضانَ، وقالَ قَومٌ: بل في النِّصفِ الأخيرِ منه، وقالَ قَومٌ: بل في النِّصفِ الأوَّلِ منه. والسَّببُ في ذلك اختِلافُ الآثارِ المَنقُولةِ في ذلك عن النَّبيِّ

стр. 1029

ﷺ ، وقياسُ بعضِ الصَّلواتِ في ذلك على بَعضٍ، أعني التي قنَت فيها على التي لم يَقنُت فيها. قال أبو عمرَ بنُ عَبد البرِّ: والقُنوتُ بلَعنِ الكفَرةِ في رَمضانَ مُستَفيضٌ في الصَّدرِ الأوَّلِ؛ اقتِداءً برَسولِ اللهِ ﷺ في دُعائِه على رِعلٍ وذَكوانَ والنَّفَرِ الَّذينَ قَتَلوا أصحابَ بِئرِ مَعُونةَ. وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ: ما قنَت مُنذُ أربَعينَ عامًا، أو خَمسَةٍ وأربَعينَ عامًا إلا وَراءَ إمامٍ يَقنُتُ. قالَ اللَّيثُ: وأخَذتُ في ذلك بالحَديثِ الذي جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قنَت شَهرًا أو أربَعينَ يَدعُو لِقَومٍ ويَدعُو على آخَرينَ، حتى أنزَلَ اللهُ ﵎ عليه مُعاتِبًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فتركَ رَسولُ اللهِ ﷺ القُنوتَ، فما قنَت بعدَها حتى لَقيَ اللهَ، قالَ: فمُنذُ حَمَلتُ هذا الحَديثَ لم أقنُت، وهو مَذهبُ يَحيَى بنِ يَحيَى. قال القاضي: ولقد حَدَّثَني الأشياخُ أنَّه كانَ العملُ عليه بمَسجدِه عندَنا بقُرطُبَةَ، وأنَّه استَمرَّ إلى زَمانِنا أو قَريبٍ مِنْ زَمانِنا. وخرَّج مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنَت في صَلاةِ الصُّبحِ، ثم بلغَنا أنَّه تركَ ذلك لمَّا نَزَلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]»، وخرَّج عن أبي هُريرةَ أنَّه قنَت في الظُّهرِ والعِشاءِ الأخيرةِ وصَلاةِ الصُّبحِ، وخرَّج عنه ﵊ أنَّه قنَت شَهرًا في صَلاةِ الصُّبحِ يَدعُو على بَني عُصَيَّةَ.

стр. 1030

واختَلَفوا فيما يَقنُتُ به، فاستَحَبَّ مالِكٌ القُنوتَ ب «اللَّهمَّ إنَّا نَستَعينُكَ ونَستَغفِرُكَ ونَستَهديكَ، ونُؤمِنُ بكَ، ونَخنَعُ لكَ، ونَخلَعُ ونَترُكُ مَنْ يكفرُكَ، اللَّهمَّ إياكَ نَعبُدُ، ولكَ نُصَلِّي ونَسجُدُ، وإليكَ نَسعى ونَحفِدُ، نَرجو رَحمَتَكَ ونَخافُ عَذَابَكَ، إنَّ عَذابَكَ بالكُفَّارِ مُلحَقٌ»، ويُسمِّيها أهلُ العِراقِ السُّورَتَينِ، ويُروَى أنَّها في مُصحَفِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ. وقالَ الشافِعيُّ وإسحاقُ: بل يَقنُتُ ب «اللَّهمَّ اهدِنا فيمَن هَدَيتَ، وعافِنا فيمَن عافَيتَ، وقِنا شَرَّ ما قَضيتَ؛ إنَّكَ تَقضي ولا يُقضَى عليكَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وتَعالَيتَ»، وهذا يَرويهِ الحَسنُ بنُ علِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أنَّ النَّبيَّ ﵊ علَّمه هذا الدُّعاءَ يَقنُتُ به في الصَّلاةِ. وقالَ عَبد اللهِ بنُ داودَ: مَنْ لم يَقنُت بالسُّورَتَينِ فلا يُصلَّى خلفَه، وقالَ قَومٌ: ليس في القُنوتِ شَيءٌ مَوقوتٌ (١). القولُ الثَّالثُ: لِشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّة وابنِ القَيِّمِ أنَّه يُسنُّ عندَ الحاجةِ إليه. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: أمَّا القُنوتُ في الصُّبحِ فقد ثَبت في الصَّحِيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يَقنُتُ في النَّوازِلِ: «قنَت مرَّةً شَهرًا يَدعُو على قَومٍ مِنْ الكُفَّارِ قتلُوا طَائِفَةً مِنْ أصحَابِه، ثم تركَه»، وقنَت مرَّةً أُخرى يَدعُو لِأقوامٍ مِنْ أصحابِه كانوا مَأسُورِينَ عندَ أقوامٍ يَمنَعُونَهم مِنْ الهِجرةِ إليه، وكذلك خُلفاؤُه الرَّاشِدونَ بعدَه كانوا يَقنُتونَ نحوَ هذا القُنوتِ،

стр. 1031

فما كانَ يُداوِمُ عليه، وما كانَ يَدعُه بالكلِّيَّةِ». ولِلعُلماءِ فيه ثَلاثُةُ أقوالٍ: قيلَ: إنَّ المُداوَمةَ عليه سُنَّةٌ. وقيلَ: إنَّ القُنوتَ مَنسوخٌ، وإنَّه كلَّه بِدعَةٌ. والقولُ الثَّالثُ -وهو الصَّحِيحُ-: أنَّه يُسنُّ عندَ الحاجةِ إليه، كما قنَت رَسولُ اللهِ وخُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ (١). وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: وطائِفةٌ مِنْ أهلِ العِراقِ اعتَقَدَت أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقنُت إلا شَهرًا، ثم تركَه على وَجهِ النَّسخِ له، فاعتَقَدوا أنَّ القُنوتَ في المَكتوباتِ مَنسوخٌ. وهناك طائِفةٌ مِنْ أهلِ الحِجازِ اعتَمَدوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما زالَ يَقنُتُ حتى فارقَ الدُّنيا، ثم منهم مَنِ اعتَقَدَ أنَّه كان يَقنُتُ قبلَ الرُّكوعِ، ومنهم مَنْ كانَ يَعتقدُ أنَّه كانَ يَقنُتُ بعدَ الرُّكوعِ. والصَّوابُ هو القولُ الثَّالثُ الذي عليه جُمهورُ أهلِ الحَديثِ، وعليه كَثيرٌ مِنْ أئِمَّةِ أهلِ الحِجازِ، وهو الذي ثَبت في الصَّحِيحَينِ وغيرِهما: «أنَّه ﷺ قنَت شَهرًا يَدعُو على رِعلٍ وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ» (٢)، ثم تركَ هذا القُنوتَ، ثم إنَّه بعدَ ذلك بمدَّةٍ بعدَ خَيبَرَ، وبعدَ إسلامِ أبي هُريرةَ قنَت، وكانَ يَقولُ في قُنوتِه: «اللَّهُمَّ، أَنجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، وَسَلمةَ بنَ هِشَامٍ، وَالمُستَضعَفِينَ مِنْ المُؤمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشدُد وَطأَتَكَ على مُضَرَ، وَاجعَلهَا

стр. 1032

عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسفَ» (١)، فلو كانَ قد نُسِخَ القُنوتُ لم يَقنُت هذه المرَّةَ الثانيةَ. وقد ثَبت عنه في الصَّحِيحِ: «أَنَّه قنَت في المَغربِ، وَفِي العِشاءِ الآخرةِ» (٢) وفي السُّننِ: «كانَ يَقنُتُ في الصَّلواتِ الخَمسِ، وَأَكثَرُ قُنوتِه كانَ في الفَجرِ»، ولم يكن يُداوِمُ على القُنوتِ، لا في الفَجرِ ولا في غيرِها، بل قد ثَبت في الصَّحِيحَينِ عن أنَسٍ أنَّه قالَ: «لَم يَقنُت بعدَ الرُّكُوعِ إلَّا شَهرًا» (٣)، فالحَديثُ الذي رَواهُ الحاكِمُ وغيرُه مِنْ حَديثِ الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ أنَّه قالَ: «مَا زَالَ يَقنُتُ حتى فَارَقَ الدُّنيا» (٤)، إنَّما قالَه في سِياقِ القُنوتِ قبلَ الرُّكوعِ، وهذا الحَديثُ لو عارَضَ الحَديثَ الصَّحِيحَ لم يُلتَفَت إليه؛ فإنَّ الرَّبيعَ بنَ أنَسٍ ليس مِنْ رِجالِ الصَّحِيحٍ؛ فكيفَ وهو لم يُعارِضه، وإنَّما مَعناه أنَّه كانَ يُطيلُ القيامَ في الفَجرِ دائِمًا، وأمَّا أنَّه كانَ يَدعو في الفَجرِ دائِمًا قبلَ الرُّكوعِ أو بعدَه بدُعاءٍ يُسمعَ منه، أو لا يُسمَعُ، فهذا باطِلٌ قَطعًا، وكلُّ مَنْ تأَمَّلَ الأحادِيثَ الصَّحِيحةَ علِم هذا بالضَّرورةِ، وعلِم أنَّ هذا القولَ لو كانَ واقِعًا لَنقلَه الصَّحابَةُ والتَّابِعونَ، ولَمَا أهمَلوا قُنوتَه الرَّاتبَ المَشروعَ لنا، مع أنَّهم نَقَلوا قُنوتَه الذي لا يُشرعُ بعَينِه، وإنَّما يُشرعُ نَظيرُه. فيُشرعُ أن يَقنُتَ عندَ النَّوازِلِ، يَدعو لِلمُؤمِنينَ، ويَدعو على الكُفَّارِ في

стр. 1033

الفَجرِ، وفي غيرِها مِنْ الصَّلواتِ، وهكذا كانَ عمرُ يَقنُتُ لمَّا حارَبَ النَّصارَى بدُعائِه الذي فيه: «اللَّهُمَّ العَن كفرَةَ أَهلِ الكتابِ» إلى آخرِه، وكذلك علِيٌّ ﵁ لمَّا حارَبَ قَومًا قنَت يَدعُو عليهم. ويَنبَغي لِلقانِتِ أن يَدعُوَ عندَ كلِّ نازِلةٍ بالدُّعاءِ المُناسِبِ لتلك النَّازِلةِ، وإذا سَمَّى مَنْ يَدعُو لهم مِنْ المُؤمِنينَ، ومَن يَدعُو عليهم مِنْ الكافِرينَ المُحارِبينَ كانَ ذلك حَسَنًا (١). وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: والإفصاحُ الذي يَرتَضِيهِ العالِمُ المُنصِفُ أنَّه ﷺ جهرَ وأَسرَّ، وقنَت وتركَ، وكانَ إسرارُه أكثرَ مِنْ جَهرِه، وتَركُه القُنوتَ أكثرَ مِنْ فِعلِه، فإنَّه إنَّما قنَت عندَ النَّوازِلِ لِلدُّعاءِ لِقَومٍ، ولِلدُّعاءِ على آخَرينَ، ثم تركَه لمَّا قَدِمَ مَنْ دَعا لهم، وتَخَلَّصوا مِنْ الأسرِ وأسلَمَ مَنْ دَعا عليهم، وجاؤُوا تائِبينَ، فكانَ قُنوتُه لِعارِضٍ، فلمَّا زالَ تركَ القُنوتَ، ولم يَختَصَّ الفَجرَ، بل كانَ يَقنُتُ في صَلاةِ الفَجرِ وصَلاةِ المَغربِ، ذكرَه البُخاريُّ في صَحِيحِه عن أنَسٍ، وقد ذكرَه مُسلِمٌ عن البَراءِ، وذكرَ الإمامُ أحمدُ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «قنَت رَسولُ اللَّهِ ﷺ شَهرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالمَغربِ وَالعِشاءِ وَالصُّبحِ في دُبُرِ كلِّ صَلاةٍ، إِذَا قالَ: سمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنْ الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ، يَدعُو على حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيمٍ، على رِعلٍ وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خلفَه» ورَواه أبو داودَ (٢). وكانَ هَديُه ﷺ القُنوتَ في النَّوازِلِ خاصَّةً، وتَركَه عندَ عدمِها، ولم يكن يَخُصُّه بالفَجرِ، بل كانَ أكثرُ قُنوتِه فيها لِأجلِ ما شُرِعَ فيها مِنْ

стр. 1034

التَّطويلِ، ولِاتِّصالِها بصَلاةِ اللَّيلِ، وقُربِها مِنْ السَّحَرِ وساعةِ الإجابةِ، ولِلتَّنزِيلِ الإلهِيِّ، ولأنَّها الصَّلاةُ المَشهودَةُ التي يَشهَدُها اللهُ ومَلائِكَتُه، أو مَلائِكةُ اللَّيلِ والنَّهارِ، كما رُويَ هذا، وهذا في تَفسيرِ قولِه تَعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وصحَّ عن أبي هُريرةَ أنَّه قالَ: «وَاللَّهِ لَأَنَا أَقرَبُكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ ﷺ »، فَكانَ أَبُو هُريرةَ يَقنُتُ في الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبحِ بعدَمَا يَقولُ: «سمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَيَدعُو لِلمُؤمِنِينَ، وَيَلعَنُ الكُفَّارَ (١). ولا رَيبَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فعلَ ذلك، ثم تركَه، فَأَحبَّ أبو هُريرةَ أن يُعلِّمَهم أنَّ مثلَ هذا القُنوتِ سُنَّةٌ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فعلَه، وهذا رَدٌّ على أهلِ الكُوفةِ -أي: الحَنفيَّةِ- الَّذينَ يَكرَهونَ القُنوتَ في الفَجرِ مُطلَقًا عندَ النَّوازِلِ وعندَ غيرِها، ويَقولُونَ: هو مَنسوخٌ، وفِعلُه بِدعةٌ. فأهلُ الحَديثِ مُتوسِّطونَ بينَ هَؤلاءِ وبينَ مَنِ استَحَبَّه عندَ النَّوازِلِ وغيرِها؛ وهُم أسعَدُ بالحَديثِ مِنْ الطَّائِفَتَينِ؛ فإنَّهم يَقنُتونَ حيثُ قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ ، ويترُكونَه حيثُ تركَه، فيَقتَدونَ به في فِعلِه وتَركِه، ويَقولُونَ: فِعلُه سُنَّةٌ، وتَركُه سُنَّةٌ، ومع هذا لا يُنكِرُونَ على مَنْ دَاوَمَ عليه، ولا يَكرَهُونَ فِعلَه، ولا يَرَونَه بِدعةً، ولا فاعِلَه مُخالِفًا لِلسُّنَّةِ، كما لا يُنكِرونَ على مَنْ أنكَرَه عندَ النَّوازِلِ، ولا يَرَونَ تَركَه بِدعةً ولا تاركَه مُخالِفًا لِلسُّنَّةِ، بل مَنْ قنَت فقد أحسَنَ، ومَن تركَه فقد أحسَنَ (٢).

стр. 1035

مَكرُوهاتُ الصَّلاةِ: ١ - الاقتِصارُ على الفاتِحةِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه يُكرَهُ لِلمُصلِّي أن يَقتَصرَ على الفاتِحةِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ المَكتوبةِ. وقالَ الحَنفيَّةُ: يُكرَهُ تَحريمًا أن يَنقُصَ شَيئًا مِنْ القِراءةِ الواجِبةِ (وهي عندَهم قِراءةُ الفاتِحةِ وثَلاثِ آياتٍ قِصارٍ أو آيةٍ طَويلةٍ) (١). ٢ - تَنكيسُ السُّوَرِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى كَراهةِ تَنكيسِ السُّوَرِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه سُئلَ عَمَّن يَقرأُ القُرآنَ مَنكوسًا، قالَ: «ذلك مَنكُوسُ القَلبِ». وفسَّره أبو عُبَيدٍ: بأن يَقرأَ سُورةً ثم يَقرأَ بعدَها أُخرى هي قبلَها في النَّظمِ، فإن قرأَ بخِلافِ ذلك فلا بَأسَ. قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: لأنَّ تَرتيبَ السُّوَرِ في القِراءةِ مِنْ واجِباتِ الصَّلاةِ وإنَّما جوزَ لِلصِّغارِ تَسهيلًا؛ لِضَرورةِ التَّعليمِ (٢). وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ بالجَوازِ، فإنَّه لمَّا سُئلَ عن هذه المَسألةِ قالَ: لا بَأسَ، أليس يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟ وقالَ في رِوايةٍ: أعجَبُ إلَيَّ أن يَقرأَ

стр. 1036

مِنْ البَقَرةِ إلى أسفلَ، وقد رُويَ أنَّ الأحنَفَ قرأَ بالكَهفِ في الأُولى، وفي الثانيةِ بيُوسفَ، وذكرَ أنَّه صلَّى مع عمرَ بهما، استَشهَدَ به البُخاريُّ. واستَثنَى الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ مَنْ قرأَ في الرَّكعةِ الأُولى بسُورةِ النَّاسِ أن يَقرأَ في الثانيةِ أوَّلَ سُورةِ البَقَرةِ، لكِن خصَّ الحَنفيَّةُ ذلك بمَن يَختِمُ القُرآنَ في الصَّلاةِ (١). ٣ - قِراءَةُ سُورَتَينِ في رَكعةٍ: ذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى كَراهةِ قِراءةِ سُورَتَينِ في رَكعةٍ واحدةٍ، ومَحَلُّ الكَراهةِ عندَهم في صَلاةِ الفَرضِ، أمَّا في صَلاةِ النَّفلِ فجائِزٌ مِنْ غيرِ كَراهةٍ. وقيَّد الحَنفيَّةُ الكَراهةَ بما إذا كانَ بينَ السُّورَتَينِ سُوَرٌ أو سُورةٌ واحدةٌ. واستَثنَى المالِكيَّةُ مِنْ ذلك المَأمُومَ إذا خَشيَ مِنْ سُكوتِه تَفكُّرًا مَكروهًا، فلا كَراهةَ في حقِّه إذا قرأَ سُورتَينِ في رَكعةٍ. وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُكرَهُ جَمعُ سُورَتَينِ فأكثرَ في رَكعةٍ واحدةٍ، ولو في فَرضٍ؛ لِحَديثِ ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «لَقَدْ عَرَفتُ النَّظائِرَ التي كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقرِنُ بينَهُنَّ». فَذكرَ عِشرِينَ سُورَةً مِنْ المُفَصَّلِ، سُورَتَينِ في رَكعَةٍ (٢). ورُويَ عن أنَس بنِ مالِكٍ: كانَ رَجلٌ مِنْ الأَنصَارِ يَؤُمُّهُم في مَسجدِ

стр. 1037

قُباءٍ، وكانَ كلَّمَا افتَتحَ سُورَةً يَقرأُ بها لهم في الصَّلاةِ ممَّا يَقرأُ بِه، افتَتحَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يَفرُغَ منها، ثم يَقرأُ سُورَةً أُخرَى معهَا، وكانَ يَصنَعُ ذلك في كلِّ رَكعَةٍ، فَكلَمَه أصحَابُه، فَقالُوا: إِنَّكَ تَفتَتحُ بِهذه السُّورَةِ ثم لَا تَرَى أنَّها تُجزِئُكَ حتى تَقرَأَ بِأُخرَى، فَإِمَّا تَقرَأُ بها، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقرَأَ بِأُخرَى. فقالَ ما أنا بِتاركِهَا، إن أَحبَبتُم أَنْ أَؤُمَّكُم بِذلك فَعَلتُ، وَإِنْ كَرِهتُم تَرَكتُكُم. وَكانُوا يَرَونَ أَنَّه مِنْ أَفضَلِهم، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُم غيرُه، فلمَّا أَتَاهُمُ النَّبيُّ ﷺ أَخبَرُوهُ الخَبرَ، فقالَ: «يا فُلَانُ، ما يَمنَعُكَ أَنْ تَفعَلَ ما يَأمُرُكَ بِه أصحَابُكَ؟ وما يَحمِلُكَ على لُزُومِ هذه السُّورَةِ في كلِّ رَكعَةٍ؟ فقالَ: إنِّي أُحِبُّهَا. فقالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدخَلَكَ الجَنَّةَ» (١). ٤ - تَغميضُ العَينَينِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ إلى كَراهةِ تَغميضِ العَينَينِ في الصَّلاةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا قامَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَلا يُغمِض عَينَيهِ» (٢)، ولأنَّ السُّنةَ أن يَرميَ ببَصَرِه إلى

стр. 1038

مَوضِعِ سُجودِه، وفي التَّغميضِ تَركُ هذه السُّنةِ، ولأنَّ كلَّ عُضوٍ وطَرَفٍ ذو حَظٍّ من هذه العِبادةِ، فكذا العَينُ. وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: إنَّه فِعلُ اليَهودِ، ولأنَّه مَظِنَّةُ النَّومِ. واستَثنَى الحَنفيَّةُ مِنْ ذلك التَّغميضَ لِكَمالِ الخُشوعِ، بأن خافَ فَوتَ الخُشوعِ بسَببِ رُؤيةِ ما يُفَرِّقُ الخاطِرَ، فلا يُكرَهُ، بل قالَ بَعضُ العُلماءِ: إنَّه الأولَى، قالَ ابنُ عابدينَ: وليس ببَعيدٍ. وقالَ المالِكيَّةُ: ومَحَلُّ كَراهةِ التَّغميضِ ما لم يَخَفِ النَّظرَ لِمُحَرمٍ، أو يَكونُ فَتحُ بَصَرِه يُشوِّشُه، وإلا فلا يُكرَهُ التَّغميضُ حينَئذٍ. وذَهب النَّوويُّ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه لا يُكرَهُ تَغميضُ العَينَينِ إن لم يَخَف منه ضَرَرًا على نَفسِه أو غيرِه؛ لأنَّه يَجمَعُ الخُشوعَ وحُضورَ القَلبِ، ويَمنَعُ مِنْ إرسالِ النَّظرِ وتَفريقِ الذِّهنِ، فإن خافَ منه ضَرَرًا كُرِهَ (١). ونقلَ الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبرِيُّ والنَّوويُّ عن الإمامِ مالِكٍ أنَّه لا بَأسَ به في الفَريضةِ والنَّافِلةِ (٢).

стр. 1039

٥ - رَفعُ البَصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ: قالَ الإمام ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعوا على كَراهةِ رَفعِ البَصرِ في الصَّلاةِ (١). وقالَ عِياضٌ ﵀: رَفعُ البَصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ فيه نَوعُ إعراضٍ عن القِبلةِ، وخُروجٌ عن هَيئةِ الصَّلاةِ (٢). وذلك لمَا رَواه أنَسٌ ﵀ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ما بالُ أَقوَامٍ يَرفَعُونَ أَبصَارَهُم إلى السَّمَاءِ في صَلاتهِم»، فَاشتَدَّ قولُه في ذلك حتى قالَ: «لَيَنتَهنَّ عن ذلك أو لَتُخطَفَنَّ أَبصَارُهم» (٣)، وفي مُسلِمٍ: «لَيَنتَهينَّ أَقوَامٌ يَرفَعُونَ أَبصَارَهُم إلى السَّمَاءِ في الصَّلاةِ أو لَا تَرجِعَ إِلَيهِم» (٤). قالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ مالِكٌ: قالَ العُلماءُ حينَ رَأَوا عامةَ الخَلقِ يَرفَعونَ أبصارَهم إلى السَّماءِ وهي سَالِمةٌ أنَّ المُرادَ بالخَطفِ أخذُها عن الاعتِبارِ، حتى تَعتَبِرَ بآياتِ السَّماءِ والأرضِ، وهو مُعَرَّضٌ، وهو أشَدُّ الخَطفِ، قالَ: ونُكتةُ ذلك أنَّ قولَ المُصلِّي: اللهُ أكبَرُ، تُحرِّمُ عليه الفِعالَ بالجَوارِحِ والكَلامَ باللِّسانِ، ونيَّةُ الصَّلاةِ تُحرِّمُ عليه الخَواطِرَ القَلبيَّةَ والاستِرسالَ في الأفكارِ، إلا أنَّ الشارِعَ لمَّا علِم أنَّ ضَبطَ السِّرِّ يَفُوتُ طَوقَ البَشرِ تَسَمَّحَ فيه. انتَهى (٥).

стр. 1040

كما صرَّح الفُقهاءُ أيضًا بكَراهَةِ النَّظرِ إلى ما يُلهي عن الصَّلاةِ؛ لِحَديثِ عائِشَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أَعلَامٌ، فَنَظَرَ إلى أَعلَامِهَا نَظرَةً، فلمَّا انصَرفَ قالَ: اذهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذه إلى أبي جَهمٍ، وَأتُونِي بِأَنبِجَانيَّةِ أبي جَهمٍ؛ فإنَّها أَلهَتنِي آنِفًا عن صَلاتي» (١). وقالَ النَّبيُّ ﷺ لعائِشَةَ ﵂: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا؛ فإنَّه لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُه تَعرِضُ في صَلاتي» (٢). وهذا كلُّه على الكَراهيةِ، ومَن صلَّى بذلك أو نَظَرَ إليه، فصَلاتُه مُجزِئةٌ عندَ عامَّةِ العُلماءِ؛ لأنَّه ﷺ لم يُعِدِ الصَّلاةَ، وإنَّما أمرَ باجتِنابِ مِثلِ هذا؛ لِإحضارِ الخُشوعِ فى الصَّلاةِ، وقَطعِ دَواعي الشُّغلِ، والقِرامُ: ثَوبُ صُوفٍ مُلوَّنٌ (٣). ٦ - الاختِصارُ في الصَّلاةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ الاختِصارِ في الصَّلاةِ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁: «أنَ النَّبيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُصلِّيَ الرَّجلُ مُختَصرًا» (٤). وفي رِوايةٍ: «نُهي عن الخَصرِ في الصَّلاةِ» (٥).

стр. 1041

إلا أنَّ العُلماءَ قدِ اختَلَفوا في مَعناه: قالَ النَّوويُّ ﵀: فالصَّحِيحُ الذي عليه المُحقِّقونَ والأكثَرونَ مِنْ أهلِ اللُّغةِ والغَريبِ والمُحَدِّثِينَ، وبه قالَ أصحابُنا في كُتُبِ المَذهبِ أنَّ المُختَصرَ هو الذي يُصلِّي ويَدُهُ على خاصِرَتِه (وهي مَوضِعُ الحِزامِ مِنْ جَنبِه)، وقالَ الهَرَويُّ: قيلَ: هو أن يَأخُذَ بيَدِه عَصًا يَتوَكَّأُ عليها، (وأنكَرَ هذا ابنُ العَربيِّ في شَرحِ التِّرمِذِيِّ فأبلَغَ)، وقيلَ: أن يَختَصرَ السُّورةَ فيَقرأَ مِنْ آخرِها آيَةً أو آيَتَينِ، وقيلَ: هو أن يَحذِفَ فلا يؤدِّيَ قيامَها ورُكوعَها وسُجودَها وحُدودَها، والصَّحِيحُ الأوَّلُ، قيلَ: نَهى عنه لأنَّه فِعلُ اليَهودِ، وقيلَ: فِعلُ الشَّيطانِ، وقيلَ: لأنَّ إبليس هَبَطَ مِنْ الجَنَّةِ كذلك، وقيلَ: لأنَّه فِعلُ المُتكَبِّرينَ (١). ويُؤيِّدُ الأوَّلَ ما رَواهُ أبو داودَ عن زِيادِ بنِ صُبَيحٍ الحَنَفيِّ قالَ: صلَّيتُ إلى جَنبِ ابنِ عمرَ، فوَضَعتُ يَديَّ على خاصِرَتِي، فلمَّا صلَّى قالَ: هذا الصَّلبُ في الصَّلاةِ، وكانَ رَسولُ اللهِ يَنهَى عنه (٢). قالَ ابنُ نُجَيمٍ في البَحرِ الرَّائِقِ: والذي يَظهرُ أنَّها -أي: الكَراهَةُ- تَحريميَّةٌ فيها -أي: الصَّلاةِ- لِلنَّهيِ المَذكورِ (٣).

стр. 1042

٧ - فَرقَعةُ الأصابِعِ وتَشبيكُها في الصَّلاةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ ما كانَ مِنْ العَبَثِ واللَّهوِ كفَرقَعةِ الأصابِعِ وتَشبيكِها؛ لمَا رُويَ عن علِيٍّ ﵁ مَرفوعًا: «لَا تُفَقِّع أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ في الصَّلاةِ» (١). ولمَا رَوى شُعبةُ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ قالَ: صلَّيتُ إلى جَنبِ ابنِ عَبَّاسِ، ففَقَّعتُ أصابِعي، فلمَّا قَضيتُ الصَّلاةَ، قالَ: لا أُمَّ لكَ!! أتُفَقِّعُ أصابِعَكَ وأنتَ في الصَّلاةِ؟! (٢). ولِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «مَنْ توضَّأَ ثم خرَج يُرِيدُ الصَّلاةَ فَهو في صَلاةٍ حتى يَرجِعَ إلى بَيتِه، فلا تَقُولوا: هكذا. يَعني يُشَبِّكُ بينَ أَصَابِعِه» (٣). قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: ونُقِلَ في المِعراجِ الإجماعُ على كَراهةِ الفَرقَعةِ والتَّشبيكِ في الصَّلاةِ. قالَ ابنُ عابدينَ: ويَنبَغي أن تَكونَ تَحريميَّةً؛ لِلنَّهيِ المَذكورِ (٤).

стр. 1043

٨ - الإقعاءُ في الصَّلاةِ: الإقعاءُ عندَ العَرَبِ هو: إلصاقُ الأليَتَينِ بالأرضِ، ونَصبُ السَّاقَينِ ووَضعُ اليَدينِ على الأرضِ. قالَ أبو عُبَيدةَ: الإقعاءُ جُلوسُ الرَّجلِ على أليَتَيهِ ناصِبًا فَخِذَيهِ مثلَ إقعاءِ الكَلبِ والسَّبُعِ. وقالَ ابنُ القَطَّاعِ: أقعى الكَلبُ: جلسَ على أليَتَيهِ ونصبَ فَخِذَيه، وأقعى الرَّجلُ: جلسَ تلك الجِلسَةَ (١). قالَ أبو عُبَيدٍ: وأمَّا تَفسيرُ أصحابِ الحَديثِ فإنَّهم يَجعلونَ الإقعاءَ أن يَجعلَ أليَتَيهِ على عَقِبَيهِ بينَ السَّجدتَينِ (٢). والإقعاءُ بالمَعنى الأوَّلِ اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهَتِه؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁: « … ونهاني عن نَقرَةٍ كَنَقرَةِ الدِّيكِ، وَإِقعاءٍ كَإِقعاءِ الكَلبِ» (٣). ولِحَديثِ عائِشَةَ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ وفيه: « … وكانَ يَنهَى عن عُقبَةِ الشَّيطَانِ» (٤).

стр. 1044

وأمَّا الإقعاءُ بالمَعنى الثاني فمَكروهٌ أيضًا عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ، وهي عندَ الحَنفيَّةِ كَراهةُ تَنزيهٍ. واستَدلَّ الحَنابلَةُ على ذلك بما رَوَاه الحارِثُ عن علِيٍّ ﵁ مَرفوعًا: «لَا تُقعِ بينَ السَّجدتَينِ» (١). وعن أنَسٍ ﵁ مَرفوعًا: «إذا رَفَعتَ رَأسَكَ مِنْ السُّجودِ فلا تُقعِ كما يُقعِي الكَلبُ» (٢). وفي حَديثِ أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ : «ثم ثَنى رِجلَه اليُسرَى وَقَعد عليها» (٣). وفي حَديثِ عائِشَةَ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَفتَرِشُ رِجلَه اليُسرَى، وَيَنصِبُ اليُمنَى، وَيَنهَى عَنْ عُقبَةِ الشَّيطَانِ» (٤). وأمَّا الشافِعيَّةُ فالإقعاءُ بهذه الكَيفيَّةِ بينَ السَّجدتَينِ سُنَّةٌ؛ لمَا رَواه مُسلِمٌ عن طَاوُسٍ قالَ: قُلنا لِابنِ عبَّاسٍ في الإقعاءِ على القَدمَينِ فقالَ: هي السُّنةُ، فقُلنا له: إنَّا لَنَرَاه جَفاءً بالرَّجلِ. فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: بل هي سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ (٥). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ الإقعاءِ

стр. 1045

وتَفسيرِه اختِلافًا كَثيرًا؛ لِهذه الأحادِيثِ، والصَّوابُ الذي لا مَعدِلَ عنه أنَّ الإقعاءَ نَوعانِ: أحَدُهما: أن يُلصِقَ أليَتَيهِ بالأرضِ، ويَنصِبَ ساقَيهِ ويَضَعَ يَده على الأرضِ، كإقعاءِ الكَلبِ. هكذا فسَّره أبو عُبَيدَةَ مَعمَرُ بنُ المُثَنى وصاحِبُه أبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ وآخَرونَ مِنْ أهلِ اللُّغةِ، وهذا النَّوعُ هو المَكروهُ الذي وردَ فيه النَّهيُ. والنَّوعُ الآخَرُ: أن يَجعلَ أليَتَيه على عَقِبَيه بينَ السَّجدتَينِ، وهذا هو مُرادُ ابنِ عبَّاسٍ بقولِه: «سُنَّةُ نَبيِّكم». وقد نصَّ الشافِعيُّ على استِحبابِه في الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، وحَمَلَ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ عليه جَماعاتٌ مِنْ المُحقِّقينَ، منهم البَيهَقِيُّ والقاضي عِياضٌ، وآخَرونَ، ﵏. قالَ القاضي: وقد رُويَ عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ والسَّلفِ أنَّهم كانوا يَفعلونَه، قالَ: وكذا جاءَ مُفَسَّرًا عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «مِنَ السُّنةِ أَنْ تُمِسَّ عَقِبَيكَ أليَتَيكَ». هذا هو الصَّوابُ في تَفسيرِ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ، وقد ذكَرنا أنَّ الشافِعيَّ ﵁ نصَّ على استِحبابِه في الجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ، وله نَصٌّ آخَرُ، وهو الأشهَرُ، أنَّ السُّنةَ فيه الافتِراشُ، وحاصِلُه أنَّهما سُنَّتانِ، وأيُّهما أفضَلُ؟ فيه قَولانِ، وأمَّا جَلسةُ التشهُّدِ الأوَّلِ، وجَلسةُ الاستِراحةِ، فسُنَّتُهما الافتِراشُ، وجَلسةُ التشهُّدِ الأخيرِ السُّنةُ فيها التَورُّكُ (١).

стр. 1046

وعنِ الإمامِ أحمدَ أنَّه قالَ: لا أفعَلُه، ولا أعيبُ مَنْ فعلَه، وقالَ: العَبادِلَةُ كانوا يَفعلونَه (١). أمَّا الإقعاءُ في الأكلِ فلا يُكرَهُ؛ لمَا رَواه مُسلِمٌ عن أنَسٍ قالَ: «رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ مُقعِيًا يَأكُلُ تَمرًا» (٢). ٩ - الالتِفاتُ في الصَّلاةِ: قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الالتِفاتَ في الصَّلاةِ مَكروهٌ؛ لحَديثِ عائِشَةَ ﵂ قالَت: «سَأَلتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الِالتِفَاتِ في الصَّلاةِ، فقالَ: هو اختِلَاسٌ يختلِسُهُ الشَّيطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبد» (٣). وجُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ الالتِفاتَ لا يُفسِدُ الصَّلاةَ إذا كانَ يَسيرًا (٤). والكَراهةُ مُقيَدةٌ بعدمِ الحاجةِ أو العُذرِ، أمَّا إن كانَ الالتِفاتُ لِحاجةٍ، كخَوفٍ على نَفسِه أو مالِه أو نحوِهما، كمرَضٍ، لم يُكرَه؛ لِحَديثِ سَهلِ بنِ الحَنظَليَّةِ قالَ: «ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ، يَعني صَلاةَ الصُّبحِ، فَجعلَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وهو يَلتَفِتُ إلى الشِّعبِ. قالَ أبو دَاوُدَ:

стр. 1047

وكانَ أَرسَل فَارِسًا إلى الشِّعبِ مِنْ اللَّيلِ يَحرسُ» (١). ولِحَديثِ جابرٍ ﵁: «اشتَكَى رَسولُ اللهِ ﷺ فَصلَّينَا وَراءَهُ وهو قاعِدٌ وأَبو بَكرٍ يُسمِعُ النَّاسَ تَكبِيرَهُ، فَالتَفَتَ إِلَينَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَينَا فَقَعَدنَا» (٢). وَحَديثِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ في صَلاتِه بالمُسلِمِينَ، لمَّا صَفَّقَ له المُسلِمُونَ التَفَتَ في صَلاتِه قالوا: «وكانَ أَبو بَكرٍ لَا يَلتَفِتُ في صَلاتهِ» (٣). وعليه يُحمَلُ ما رُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَلتَفِتُ في صَلاتهِ يَمِينًا وَشِمَالًا ولا يَلوِي عُنقَهُ» (٤) (٥). ١٠ - الصَّلاةُ بحَضرةِ الطَّعامِ أو عندَ مُدافَعةِ الأخبَثَينِ: اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ الصَّلاةِ بحَضرةِ الطَّعامِ، أو وَهو يُدافِعُ الأخبَثَينِ، البَولَ والغائِطَ، وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا حَضرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ» (٦). وفي رِوايةٍ: «إذا قُرِّبَ العَشَاءُ

стр. 1048

وَحَضرَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِه قبلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغربِ، ولا تَعجَلُوا عن عَشَائِكُم» (١). ولمَا رَواهُ مُسلِمٌ عن ابنِ أبي عَتيقٍ قالَ: تَحدَّثتُ أنا والقاسِمُ عندَ عائِشَةَ ﵂ حَديثًا، وكانَ القاسِمُ رَجلًا لحَّانةً، وكانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فقالَت له عائِشَةُ: ما لكَ لا تَحَدَّثُ كما يَتحَدَّثُ ابنُ أخي هذا؟ أمَا إنِّي قد عَلِمتُ مِنْ أينَ أتَيتَ، هذا أدَّبَته أُمُّه وأنتَ أدَّبَتكَ أُمُّكَ. قالَ: فغَضِبَ القاسِمُ وأضَبَّ عليها. فلمَّا رَأى مائِدةَ عائِشَةَ قد أُوتيَ بها قامَ، قالَت: أينَ؟ قالَ: أُصَلِّي. قالَتِ: اجلِس. قالَ: إنِّي أُصَلِّي. قالَتِ: اجلِس غُدَرُ، إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وَهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ» (٢). وكانَ ابنُ عمرَ ﵁، يُوضَعُ له الطَّعامُ وَتُقامُ الصَّلاةُ، فلا يَأتِيهَا حتى يَفرُغَ، وَإِنَّه لَيَسمَعُ قِراءَةَ الإِمَامِ (٣). قالَ النَّوويُّ ﵀: في هذه الأحادِيثِ كَراهةُ الصَّلاةِ بحَضرةِ الطَّعامِ الذي يُريدُ أكلَه؛ لمَا فيه مِنْ اشتِغالِ القَلبِ به، وذَهابِ الخُشوعِ، وكَراهَتُها مع مُدافَعةِ الأخبَثَينِ وهما البَولُ والغائِطُ، ويُلحَقُ بهذا ما كانَ في مَعناه ممَّا يَشغَلُ القَلبَ ويُذهِبُ كَمَالَ الخُشوعِ. وهذه الكَراهةُ عندَ جُمهورِ أصحابِنا وغيرِهم إذا صلَّى كذلك، وفي الوقتِ سَعَةٌ، فإذا ضاقَ بحيثُ لو أكلَ أو تَطَهَّرَ خرَج وقتُ الصَّلاةِ صلَّى

стр. 1049

على حالِه؛ مُحافظَةً على حُرمةِ الوقتِ، ولا يَجوزُ تَأخيرُها. وإذا صلَّى على حالِه وفي الوقتِ سَعَةٌ فقدِ ارتَكبَ المَكروهَ، وصَلاتُه صَحِيحةٌ عندَنا وعندَ الجُمهورِ، لكِن يُستحبُّ إعادَتُها، ولا يجبُ (١). ولكِن نقلَ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ صَلاةَ الحاقِنِ فاسِدةٌ، وأنَّ عليه الإعادةَ في الوقتِ، وبعدَ الوقتِ. قال ابنُ عَبد البرِّ ﵀: قد أجمَعوا أنَّه لو صلَّى بحَضرةِ الطَّعامِ فأكمَلَ صَلاتَه ولم يترُك مِنْ فرائِضِها شَيئًا فَصَلاتُه مُجزِئةٌ عنه، فكذلك إذا صلَّاها حاقِنًا، فأكمَلَ صَلاتَه، وفي هذا دَليلٌ على أنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ بحَضرةِ الطَّعامِ مِنْ أجلِ خَوفِ اشتِغالِ بالِ المُصلِّي بالطَّعامِ عن الصَّلاةِ، وتَركِه إقامَتَها على حُدودِها، فإذا أقامَها على حُدودِها خرَج المَعنى المَخوفُ عليه، وأجزَأَته صَلاتُه لذلك (٢). وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: لا يختلِفونَ أنَّه لو شُغِلَ قَلبُه بشَيءٍ مِنْ الدُّنيا أنَّه لا يُستحبُّ له الإعادةُ، فكذلك إذا شَغَلَه البَولُ (٣). ١١ - السُّجودُ على كَورِ العِمامةِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ إلى كَراهةِ السُّجودِ

стр. 1050

على كَورِ العِمامةِ مِنْ حيثُ الجُملةُ، وقَيَّدوا الكَراهةَ بما إذا كانَ السُّجودُ على كَورِ العِمامةِ بدُونِ عُذرٍ مِنْ حَرٍّ أو بَردٍ أو مرَضٍ. قالَ البُهوتِيُّ ﵀: لِيَخرُج مِنْ الخِلافِ ويَأتِ بالعَزيمةِ. ودَليلُ ذلك حَديثُ أنَس بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ في شِدَّةِ الحَرِّ، فإذا لم يَستَطِع أَحدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجهَهُ مِنْ الأرضِ، بَسَطَ ثَوبَه فَسجدَ عليه» (١). وذكرَ البُخارِيُّ في صَحِيحِه قالَ الحَسنُ: «كانَ القَومُ يَسجُدُونَ على العِمَامَةِ وَالقَلَنسُوَةِ» (٢). فدلَّ ذلك على الصِّحَّةِ، وإنَّما كُرِهَ لمَا فيه مِنْ تَركِ نِهايةِ التَّعظيمِ، ولأنَّه عُضوٌ مِنْ أعضاءِ السُّجودِ، فجازَ السُّجودُ على حائِلِه، كالقَدمَينِ. والكَراهةُ عندَ الحَنفيَّةِ تَنزيهيَّةٌ، وشرَطَ الحَنفيةُ لِصحَّةِ السُّجودِ على الكَورِ كَونَ الكَورِ على الجَبهةِ، أو بعضِها، أمَّا إذا كانَ على الرَّأسِ فَقط، وسجدَ عليه، ولم تُصِب جَبهتُه الأرضَ -على القولِ بتَعَيُّنِها- ولا أنفُه -على القولِ بعدمِ تَعَيُّنِها- فإنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ؛ لِعدمِ السُّجودِ على مَحَلِّه. قالَ العلَّامةُ ابنُ أميرِ حاجٍّ: وكَثيرٌ مِنْ العَوامِّ يَتساهَلُ في ذلك، ويَظُنُّ الجَوازَ. وقالَ المالِكيَّةُ: إن كانَ كَورُ العِمامةِ طاقَةً أو طاقَتَينِ مثلَ الثِّيابِ التي تَستُرُ الرُّكَبَ والقَدمَينِ فلا بَأسَ، وإن كانَ الكَورُ أكثرَ مِنْ الطَّاقتَينِ والحالُ

стр. 1051

أنَّه لا يَمنَعُ مِنْ لُصوقِ الجَبهةِ بالأرضِ، أعادَ في الوقتِ -كما يَقولُ الدُّسوقيُّ-، وإن كانَ كَورُ العِمامةِ فوقَ الجَبهةِ ويَمنَعُ لُصوقَ الجَبهةِ بالأرضِ فصَلاتُه باطِلةٌ. والمُرادُ بالطَّاقاتِ في كَلامِهم: اللَّفَّاتُ والتَّعصيباتُ. ومَثَّلوا لِلطَّاقةِ اللَّطيفةِ بالشَّاشِ الرَّفيعِ. وألحَقَ المالِكيَّةُ والحَنابلَةُ بكَورِ العِمامةِ كلَّ ما اتَّصَلَ بالمُصلِّي مِنْ غيرِ أعضاءِ السُّجودِ، كطَرفِ كُمِّه ومَلبُوسِه. وصرَّح الحَنفيَّةُ بجَوازِ ذلك إذا كانَ المَكانُ المَبسوطُ عليه ذلك طاهرًا، وإلا فلا (١). قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: يَجوزُ أن يَسجُدَ على طاقاتِ العِمامةِ مِنْ غيرِ أن يَكشِفَ عن جَبهتِه؛ خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لقولِه ﷺ : «واسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا»، ولم يُفَصِّل، ولأنَّه عُضوٌ مِنْ أعضاءِ السُّجودِ فوُجودُ الحائِلِ بينَه وبينَ الأرضِ لا يَنفي الاسمَ حَقيقةً، أصلُه الرُّكبَتانِ، ولأنَّه مَكَّنَ جَبهتَه مِنْ الأرضِ، فأشبَهَ إذا باشَرَها به (٢).

стр. 1052

أمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ النَّوويُّ ﵀: فإن حالَ دونَ الجَبهةِ حائِلٌ مُتَّصِلٌ به، فإن سجدَ على كَفِّه أو كَورِ عِمامَتِه أو طَرفِ كُمِّه أو عِمامَتِه، وهما يَتحَركانِ بحَركَتِه في القِيامِ والقُعودِ، أو غيرِهما، لم تَصحَّ صَلاتُه بلا خِلافٍ عندَنا؛ لأنَّه مَنسوبٌ إليه؛ وذلك لمَا رَوى خَبابُ بنُ الأرَتِّ ﵁: «شَكَونَا إلى النَّبيِّ ﷺ حَر الرَّمضَاءِ، فلم يُشكِنَا» (١). وفي رِوايةِ البَيهَقيِّ: «فِي جِباهِنَا وَأَكُفِّنَا». فلو لم تَجِب مُباشَرَةُ المُصلِّي بالجَبهةِ لَأرشَدَهم إلى سَترِها. وإن سجدَ على ذَيلِه أو كُمِّه أو طَرفِ عِمامَتِه وهو طَويلٌ جِدًّا، لا يَتحَركُ بحَركتِه، فوَجهانِ: الصَّحِيحُ: أنَّه تَصحُّ صَلاتُه؛ لأنَّ هذا الطَّرفَ في مَعنى المُنفَصِلِ، والآخَرُ: لا تَصحُّ، كما لو كانَ على ذلك الطَّرفِ نَجاسةٌ، وإن كانَ لا يَتحَركُ بحَركَتِه. هذا كلُّه إذا لم يكن في تَركِ المُباشَرةِ عُذرٌ، فإن كانَ على جَبهتِه جِراحةٌ وعَصَبَها بعِصابةٍ، وسجدَ على العِصابةِ أجزَأَه ذلك، وصحَّت صَلاتُه، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه إذا سقطَتِ الإعادةُ مع الإيماءِ بالرَّأسِ لِلعُذرِ فهنا أَولَى. وشَرطُ جَوازِ ذلك أن يَكونَ عليه مَشقَّةٌ شَديدةٌ في إزالةِ العِصابةِ، ولو عَصَبَ على جَبهتِه عِصابةً مَشقوقةً لِحاجةٍ أو لغيرِ حاجةٍ، وسجدَ وماسَّ ما بينَ شِقَّيهَا شَيئًا مِنْ جَبهتِه الأرضَ، أجزَأَه ذلك القَدرُ، وكذا لو سجدَ وعلى جَبهتِه ثَوبٌ مُخرَقٌ، فمَسَّ مِنْ جَبهتِه الأرضَ، أجزَأَه، نصَّ عليه في: «الأُمِّ» واتَّفَقُوا عليه … وإذا سجدَ على كَورِ عِمامَتِه أو كُمِّه أو نحوِهما … فإن

стр. 1053

تعمَّده مع عِلمِه بتَحريمِه بطَلت صَلاتُه، وإن كانَ ساهِيًا لم تبطُل، لكِن يجبُ إعادةُ السُّجودِ (١). كَشفُ اليَدينِ في السُّجودِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في إيجابِ كَشفِ اليَدينِ في السُّجودِ، هل هو واجِبٌ أو مَندوبٌ؟ فَذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَح والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا يجبُ عليه كَشفُ يَديهِ في السُّجودِ؛ لحَديثِ أنَسٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ في شِدَّةِ الحَرِّ، فإذا لم يَستَطِع أَحدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجهَهُ مِنْ الأرضِ بَسَطَ ثَوبَه فَسجدَ عليه» (٢). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «صلَّى في ثَوبٍ وَاحِدٍ، مُتوشِّحًا بِه يَتَّقِى بِفُضُولِه حَر الأَرضِ وَبَردَهَا» (٣). وقالَ الحَسنُ ﵀: «كانَ أصحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَسجُدُونَ وَأَيدِيهِم في ثِيَابِهم» (٤)، وقياسًا على بقيَّةِ الأعضاءِ (٥).

стр. 1054

قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: والدَّليلُ على ذلك إجماعُ الجَميعِ على أنَّ المُصلِّي يَسجُدُ على رُكبتَيهِ مَستُورَتَينِ بالثِّيابِ، وهي بَعضُ الأعضاءِ التي أُمر المُصلِّي بالسُّجودِ عليها، فكذلك سائِرُ أعضائِه، إلا ما أجمَعوا عليه مِنْ كَشفِ الوَجهِ (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: لا يَلزمُه كَشفُ يَديه في السُّجودِ، خِلافًا لِأحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ؛ لأنَّه يُسمَّى ساجِدًا مُتَمَكِّنًا، فأشبَهَ إذا كَشَفَ (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ، قالَ النَّوويُّ: وفي وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ قَولانِ: الصَّحِيحُ: أنَّه لا يجبُ، وهو المَنصوصُ في عامَّةِ كُتُبِ الشافِعيِّ، كما ذكرَه المُصَنِّفُ، والآخَرُ: يجبُ كَشفُ أدنى جُزءٍ مِنْ باطِنِ كلِّ كَفٍّ، واللهُ أعلَمُ (٣). ١٢ - التَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ التَّثاؤُبِ في الصَّلاةِ أو في خارِجِها، وفي الصَّلاةِ أشَدُّ، وهو: التَّنفُّسُ الذي يَنفَتِحُ منه الفَمُ لِدَفعِ البُخاراتِ، وهو يَنشَأُ مِنْ امتِلاءِ المَعِدةِ وثِقلِ البَدنِ، لمَا في الصَّحِيحَينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فَليَكظِم ما استَطَاعَ» (٤).

стр. 1055

وعن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا تَثَاءَبَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَليَكظِم ما استَطَاعَ؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَدخلُ» (١). والأدَبُ أن يَكظِمَه ما استَطاعَ، أي: أن يَرُدَّه، وليَحبِسهُ؛ لمَا رَوَينا، فإن لم يقدِر؛ فليَضَع يَده أو كُمَّه على فيه، ووَضعُ اليَدِ ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسلِمٍ، ووَضعُ الكُمِّ يَكونُ قِياسًا عليه. وفي رِوايةٍ: «العُطاسُ مِنْ اللَّهِ، والتَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فليَضَع يَدهُ على فيه، وإذا قالَ: آه آه؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ مِنْ جَوفِه، وإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التّثَاؤُبَ، فإذا قالَ الرَّجلُ: آه آه، إذا تَثَاءَبَ، فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ في جَوفِه» (٢). فقولُه: «يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التَّثاؤُبَ»؛ إنَّما ذلك لأنَّ العُطاسَ إنَّما يَكونُ مع انفِتاحِ المَسَامِّ، وخِفَّةِ البَدنِ، وتَيَسُّرِ الحَركاتِ، وسَببُ هذه الأُمورِ: تَخفيفُ الغِذاءِ، والإقلالُ مِنْ الطَّعامِ، والقَناعةُ باليَسيرِ منه، والتَّثاؤُبُ إنَّما يَكونُ مع ثِقلِ البَدنِ، وامتِلائِه، واستِرخائِه لِلنَّومِ، ومَيلِه إلى الكَسَلِ، فصارَ العُطاسُ مَحمودًا؛ لأنَّه يُعينُ على الطَّاعاتِ، وصَارَ التَّثاؤُبُ مَذمومًا؛ لأنَّه يُثَبِّطُه عنها، ويُكَسِّلُه عن الخَيراتِ (٣). قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: يَنبَغي كَظمُ التَّثاؤُبِ في كلِّ حالةٍ، وإنَّما خصَّ
следующие страницы →