أنَّه لا يَمنَعُ مِنْ لُصوقِ الجَبهةِ بالأرضِ، أعادَ في الوقتِ -كما يَقولُ الدُّسوقيُّ-، وإن كانَ كَورُ العِمامةِ فوقَ الجَبهةِ ويَمنَعُ لُصوقَ الجَبهةِ بالأرضِ فصَلاتُه باطِلةٌ.
والمُرادُ بالطَّاقاتِ في كَلامِهم: اللَّفَّاتُ والتَّعصيباتُ. ومَثَّلوا لِلطَّاقةِ اللَّطيفةِ بالشَّاشِ الرَّفيعِ.
وألحَقَ المالِكيَّةُ والحَنابلَةُ بكَورِ العِمامةِ كلَّ ما اتَّصَلَ بالمُصلِّي مِنْ غيرِ أعضاءِ السُّجودِ، كطَرفِ كُمِّه ومَلبُوسِه.
وصرَّح الحَنفيَّةُ بجَوازِ ذلك إذا كانَ المَكانُ المَبسوطُ عليه ذلك طاهرًا، وإلا فلا (١).
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: يَجوزُ أن يَسجُدَ على طاقاتِ العِمامةِ مِنْ غيرِ أن يَكشِفَ عن جَبهتِه؛ خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لقولِه ﷺ : «واسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا»، ولم يُفَصِّل، ولأنَّه عُضوٌ مِنْ أعضاءِ السُّجودِ فوُجودُ الحائِلِ بينَه وبينَ الأرضِ لا يَنفي الاسمَ حَقيقةً، أصلُه الرُّكبَتانِ، ولأنَّه مَكَّنَ جَبهتَه مِنْ الأرضِ، فأشبَهَ إذا باشَرَها به (٢).
стр. 1052
أمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ النَّوويُّ ﵀: فإن حالَ دونَ الجَبهةِ حائِلٌ مُتَّصِلٌ به، فإن سجدَ على كَفِّه أو كَورِ عِمامَتِه أو طَرفِ كُمِّه أو عِمامَتِه، وهما يَتحَركانِ بحَركَتِه في القِيامِ والقُعودِ، أو غيرِهما، لم تَصحَّ صَلاتُه بلا خِلافٍ عندَنا؛ لأنَّه مَنسوبٌ إليه؛ وذلك لمَا رَوى خَبابُ بنُ الأرَتِّ ﵁: «شَكَونَا إلى النَّبيِّ ﷺ حَر الرَّمضَاءِ، فلم يُشكِنَا» (١). وفي رِوايةِ البَيهَقيِّ: «فِي جِباهِنَا وَأَكُفِّنَا». فلو لم تَجِب مُباشَرَةُ المُصلِّي بالجَبهةِ لَأرشَدَهم إلى سَترِها.
وإن سجدَ على ذَيلِه أو كُمِّه أو طَرفِ عِمامَتِه وهو طَويلٌ جِدًّا، لا يَتحَركُ بحَركتِه، فوَجهانِ: الصَّحِيحُ: أنَّه تَصحُّ صَلاتُه؛ لأنَّ هذا الطَّرفَ في مَعنى المُنفَصِلِ، والآخَرُ: لا تَصحُّ، كما لو كانَ على ذلك الطَّرفِ نَجاسةٌ، وإن كانَ لا يَتحَركُ بحَركَتِه.
هذا كلُّه إذا لم يكن في تَركِ المُباشَرةِ عُذرٌ، فإن كانَ على جَبهتِه جِراحةٌ وعَصَبَها بعِصابةٍ، وسجدَ على العِصابةِ أجزَأَه ذلك، وصحَّت صَلاتُه، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه إذا سقطَتِ الإعادةُ مع الإيماءِ بالرَّأسِ لِلعُذرِ فهنا أَولَى. وشَرطُ جَوازِ ذلك أن يَكونَ عليه مَشقَّةٌ شَديدةٌ في إزالةِ العِصابةِ، ولو عَصَبَ على جَبهتِه عِصابةً مَشقوقةً لِحاجةٍ أو لغيرِ حاجةٍ، وسجدَ وماسَّ ما بينَ شِقَّيهَا شَيئًا مِنْ جَبهتِه الأرضَ، أجزَأَه ذلك القَدرُ، وكذا لو سجدَ وعلى جَبهتِه ثَوبٌ مُخرَقٌ، فمَسَّ مِنْ جَبهتِه الأرضَ، أجزَأَه، نصَّ عليه في: «الأُمِّ» واتَّفَقُوا عليه … وإذا سجدَ على كَورِ عِمامَتِه أو كُمِّه أو نحوِهما … فإن
стр. 1053
تعمَّده مع عِلمِه بتَحريمِه بطَلت صَلاتُه، وإن كانَ ساهِيًا لم تبطُل، لكِن يجبُ إعادةُ السُّجودِ (١).
كَشفُ اليَدينِ في السُّجودِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في إيجابِ كَشفِ اليَدينِ في السُّجودِ، هل هو واجِبٌ أو مَندوبٌ؟
فَذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَح والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا يجبُ عليه كَشفُ يَديهِ في السُّجودِ؛ لحَديثِ أنَسٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ في شِدَّةِ الحَرِّ، فإذا لم يَستَطِع أَحدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجهَهُ مِنْ الأرضِ بَسَطَ ثَوبَه فَسجدَ عليه» (٢).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «صلَّى في ثَوبٍ وَاحِدٍ، مُتوشِّحًا بِه يَتَّقِى بِفُضُولِه حَر الأَرضِ وَبَردَهَا» (٣).
وقالَ الحَسنُ ﵀: «كانَ أصحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَسجُدُونَ وَأَيدِيهِم في ثِيَابِهم» (٤)، وقياسًا على بقيَّةِ الأعضاءِ (٥).
стр. 1054
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: والدَّليلُ على ذلك إجماعُ الجَميعِ على أنَّ المُصلِّي يَسجُدُ على رُكبتَيهِ مَستُورَتَينِ بالثِّيابِ، وهي بَعضُ الأعضاءِ التي أُمر المُصلِّي بالسُّجودِ عليها، فكذلك سائِرُ أعضائِه، إلا ما أجمَعوا عليه مِنْ كَشفِ الوَجهِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: لا يَلزمُه كَشفُ يَديه في السُّجودِ، خِلافًا لِأحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ؛ لأنَّه يُسمَّى ساجِدًا مُتَمَكِّنًا، فأشبَهَ إذا كَشَفَ (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ، قالَ النَّوويُّ: وفي وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ قَولانِ: الصَّحِيحُ: أنَّه لا يجبُ، وهو المَنصوصُ في عامَّةِ كُتُبِ الشافِعيِّ، كما ذكرَه المُصَنِّفُ، والآخَرُ: يجبُ كَشفُ أدنى جُزءٍ مِنْ باطِنِ كلِّ كَفٍّ، واللهُ أعلَمُ (٣).
١٢ - التَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ التَّثاؤُبِ في الصَّلاةِ أو في خارِجِها، وفي الصَّلاةِ أشَدُّ، وهو: التَّنفُّسُ الذي يَنفَتِحُ منه الفَمُ لِدَفعِ البُخاراتِ، وهو يَنشَأُ مِنْ امتِلاءِ المَعِدةِ وثِقلِ البَدنِ، لمَا في الصَّحِيحَينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فَليَكظِم ما استَطَاعَ» (٤).
стр. 1055
وعن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا تَثَاءَبَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَليَكظِم ما استَطَاعَ؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَدخلُ» (١).
والأدَبُ أن يَكظِمَه ما استَطاعَ، أي: أن يَرُدَّه، وليَحبِسهُ؛ لمَا رَوَينا، فإن لم يقدِر؛ فليَضَع يَده أو كُمَّه على فيه، ووَضعُ اليَدِ ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسلِمٍ، ووَضعُ الكُمِّ يَكونُ قِياسًا عليه.
وفي رِوايةٍ: «العُطاسُ مِنْ اللَّهِ، والتَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فليَضَع يَدهُ على فيه، وإذا قالَ: آه آه؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ مِنْ جَوفِه، وإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التّثَاؤُبَ، فإذا قالَ الرَّجلُ: آه آه، إذا تَثَاءَبَ، فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ في جَوفِه» (٢).
فقولُه: «يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التَّثاؤُبَ»؛ إنَّما ذلك لأنَّ العُطاسَ إنَّما يَكونُ مع انفِتاحِ المَسَامِّ، وخِفَّةِ البَدنِ، وتَيَسُّرِ الحَركاتِ، وسَببُ هذه الأُمورِ: تَخفيفُ الغِذاءِ، والإقلالُ مِنْ الطَّعامِ، والقَناعةُ باليَسيرِ منه، والتَّثاؤُبُ إنَّما يَكونُ مع ثِقلِ البَدنِ، وامتِلائِه، واستِرخائِه لِلنَّومِ، ومَيلِه إلى الكَسَلِ، فصارَ العُطاسُ مَحمودًا؛ لأنَّه يُعينُ على الطَّاعاتِ، وصَارَ التَّثاؤُبُ مَذمومًا؛ لأنَّه يُثَبِّطُه عنها، ويُكَسِّلُه عن الخَيراتِ (٣).
قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: يَنبَغي كَظمُ التَّثاؤُبِ في كلِّ حالةٍ، وإنَّما خصَّ
стр. 1056
الصَّلاةَ لأنَّها أَولَى الأحوالِ بدَفعِه؛ لمَا فيه مِنْ الخُروجِ عن اعتِدالِ الهَيئةِ واعوِجاجِ الخِلقةِ.
قالَ الحافِظُ: وأمَّا قولُه في رِوايةِ أبي سَعيدٍ في ابنِ ماجه (١): «ولا يَعوِي»، شَبَّهَ التَّثاؤُبَ الذي يَترسَّلُ معه بعُواءِ الكَلبِ؛ تَنفيرًا عنه، واستِقباحًا له؛ فإنَّ الكَلبَ يَرفَعُ رَأسَه ويَفتَحُ فاه ويَعوِي، والمُتَثائِبُ إذا أفرَطَ في التَّثاؤُبِ شابَهَهُ، ومِن هنا تَظهَرُ النُّكتَةُ في كَونِه يَضحَكُ منه؛ لأنَّه صَيَّرَه مَلعَبَةً له، بتَشويهِ خَلقِه في تلك الحالةِ، وأمَّا قولُه في رِوايةِ مُسلِمٍ: «فإنَّ الشَّيطانَ يَدخلُ»، فَيَحتَمِلُ أن يُرادَ به الدُّخولُ حَقيقةً، وهو إن كانَ يَجرِي مِنْ الإنسانِ مَجرَى الدَّمِ، لا يَتمَكَّنُ منه ما دامَ ذاكِرًا للهِ تَعالى، والمُتَثائِبُ في تلك الحالةِ غيرَ ذاكِرٍ؛ فيَتمَكَّنُ الشَّيطانُ مِنْ الدُّخولِ فيه حَقيقةً، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ أطلَقَ الدُّخولَ وأرادَ التَّمَكُّنَ منه؛ لأنَّ مِنْ شَأنِ مَنْ دخلَ في شَيءٍ أن يَكونَ مُتَمَكِّنًا منه، وأمَّا الأمرُ بوَضعِ اليَدِ على الفَمِ، فيَتَناوَلُ ما إذا انفَتَحَ بالتَّثاؤُبِ، فيُغَطِّيه بالكَفِّ ونحوِه، وما إذا كانَ مُنطَبِقًا؛ حِفظًا له من الانفِتاحِ بسَببِ ذلك، وفي مَعنى وَضعِ اليَدِ على الفَمِ وَضعُ الثَّوبِ ونحوِه، ممَّا يُحَصِّلُ ذلك المَقصودَ، وإنَّما تَتَعَيَّنُ اليَدُ إذا لم يَرتَدَّ التَّثاؤُبُ بدُونِها، ولا فَرقَ في هذا الأمرِ بينَ المُصلِّي وغيرِه، بل يَتأَكَّدُ في حالِ الصَّلاةِ (٢).
стр. 1057
١٣ - قِراءَةُ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والتشهُّدِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على كَراهةِ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والتشهُّدِ؛ لِما رَوى مُسلِمٌ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ قالَ: «نَهَانِي رَسولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقرَأَ رَاكِعًا أو ساجِدًا» (١).
ولِقولِه ﷺ : «نُهِيتُ أَنْ أقرأَ القُرآنَ رَاكِعًا أو ساجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجودُ فَاجتَهِدُوا في الدُّعاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُستَجَابَ لَكُمْ» (٢)، «قَمِنٌ»، معناه: جَدِيرٌ وحَرِيٌّ.
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: «أجمَعوا أنَّ الرُّكوعَ مَوضِعُ تَعظيمٍ للهِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ ونحوِ ذلك مِنْ الذِّكرِ، وأنَّه ليس بمَوضِعِ قِراءةٍ» (٣).
وقالَ الخطَّابيُّ ﵀: «لمَّا كانَ الرُّكوعُ والسُّجودُّ -وهما غايةُ الذُّلِّ والخُضوعِ- مَخصوصَينِ بالذِّكرِ والتَّسبيحِ؛ نُهي عن القِراءةِ فيهِما» (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ الجُمهورُ على مَنعِ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لحَديثِ علِيٍّ في ذلكَ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «نَهاني جِبريلُ أن أقرأَ القُرآنَ راكِعًا وساجِدًا». قالَ الطَّبريُّ: «وهوَ حَديثٌ صَحيحٌ، وبهِ أخذَ فُقهاءُ الأمصارِ».
стр. 1058
وصارَ قَومٌ مِنْ التَّابِعينَ إلى جَوازِ ذلكَ، وهوَ مَذهبُ البُخاريِّ؛ لأنَّه لم يَصحَّ الحَديثُ عندَهُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: «وفي نَهيِهِ ﷺ عن قِراءةِ القِرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ دَليلٌ على أنَّ القُرآنَ أشرَفُ الكَلامِ؛ إذ هو كَلامُ اللهِ، وحالةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ ذُلٌّ وانخِفاضٌ مِنْ العَبد، فمِنَ الأدَبِ مَنعُ كلامِ اللهِ أن يُقرأَ في هاتَينِ الحالتَينِ» (٢).
وقالَ الإمامُ القَرَافِيُّ ﵀: «قاعِدةٌ»: اللهُ غَنيٌّ عن خَلقِه على الإطلاقِ، لا تَنفَعُهُ الطَّاعةُ ولا تَضُرُّهُ مَعصيةٌ، لكنَّه أمرَنَا أن نُظهِرَ الذُّلَّ والانقيادَ لِجَلالِه في حالاتٍ جَرَتِ العاداتُ بأنَّها مَوضوعةٌ لذلك؛ كالرُّكوعِ والسُّجودِ، والمُبادَرَةِ إلى الأوامرِ، والمُباعدةِ عن النَّواهِي، وأن نَتأدَّبَ معه في الحالاتِ التي تَقتضِي الأدَبَ عادةً؛ ولذلك قالَ ﵇: «استَحيِ مِنْ الله كمَا تَستَحيِي مِنْ شَيخٍ مِنْ صَالِحِي قَومِكَ» (٣). ولمَّا كانَتِ العادةُ جاريةً عندَ الأَمَاثِلِ والمُلوكِ بتَقديمِ الثَّناءِ عليهم قبلَ طَلبِ الحَوائِجِ منهم؛ لِتَنبَسِطَ نُفوسُهُم لإنالَتِها، أمرَنا اللهُ بتَقديمِ الثَّناءِ على الدُّعاءِ؛ كقولِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ:
стр. 1059
أَأَذكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كفَانِي
حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الحَيَاءُ
إِذَا أثنَى عَلَيكَ المَرءُ يَومًا
كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ
كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُه صَباحٌ
عَنِ الخلُقِ الجَمِيلِ ولا مسَاءُ
فالدُّعاءُ في السُّجودِ لوجهَينِ، أحدُهُما لِهذا المعنَى.
والآخَرُ: أنَّه غايةُ حالاتِ الذُّلِ والخُضوعِ بوَضعِ أشرَفِ ما في الإنسانِ -الَّذي هو رَأسُه- في التُّرابِ، فيُوشِكُ ألَّا يُردَّ عن مَقصِدِه وأن يَصلَ إلى مَطلَبِه» (١).
وقال ابنُ المَلِكِ: «وكَأنَّ حِكمَتَه أنَّ أفضَلَ أركانِ الصَّلاةِ القيامُ، وأفضَلَ الأذكارِ القُرآنُ، فجُعل الأفضلُ لِلأفضَلِ، ونُهي عن جَعلِه في غيرِه؛ لِئلَّا يُوهِمَ استِواءَه مع بَقيَّةِ الأذكارِ».
وقِيلَ: «خُصَّتِ القِراءةُ بالقِيامِ أو القُعودِ عندَ العَجزِ عنه؛ لأنَّهما من الأفعالِ العادِيَّةِ، ويَتمحَّضانِ لِلعِبادةِ، بخِلافِ الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّهما بذَواتِهما يُخالِفانِ العادةَ، ويَدُلَّانِ على الخُضوعِ والعِبادةِ، ويُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ حالَان دَالَّانِ على الذُّلِّ ويُناسِبُهما الدُّعاءُ والتَّسبيحُ،
стр. 1060
فنُهي عن القِراءةِ فيهما؛ تَعظيمًا لِلقُرآنِ الكَريمِ، وتَكريمًا لِقارئِه القائمِ مَقامَ الكَّليمِ، واللهُ بكلِّ شَيءٍ عَليمٌ» (١).
١٤ - بَسطُ الذِّراعَينِ في السُّجودِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على كَراهَةِ بَسطِ الإنسَانِ ذِراعَيهِ في حَالِ السُّجودِ، بَلْ يَنبغِي له أن يَضَعَ كَفَّيهِ على الأرضِ، ويَرفَعَ مِرفَقَيهِ عن الأرضِ وعن جَنبَيهِ، رَفعًا بَليغًا، بحيثُ يَظهرُ باطِنُ إبِطَيهِ إذا لم يكن مَستُورًا، وهذا أدَبٌ مُتفقٌ على استِحبابِه؛ فلو تَركَه كانَ مُسيئًا مُرتكبًا لِلنَّهيِ.
والنَّهيُ لِلتَّنزِيهِ، وصَلاتُه صَحيحةٌ، وذلكَ لمَا رَواهُ الشَّيخَانِ مِنْ حَديثِ أنَسٍ مَرفوعًا: «اعتَدِلُوا في السُّجودِ ولا يَبسُط أحدُكُم ذِرَاعَيهِ انبِسَاطَ الكَلبِ» (٢) وفي رِوايةٍ لمُسلِمٍ: «ولا يَتَبَسَّط أحدُكُم ذِرَاعَيهِ انبِسَاطَ الكَلبِ» (٣) يَعني: لا يَفرِشهُمَا على الأرضِ في الصَّلاةِ؛ فإنَّه مَكرُوهٌ؛ لإِشعارِهِ بالتَّهاوُنِ وقِلَّةِ الاعتِناءِ بالصَّلاةِ (٤).
وقال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قال الطَّبريُّ: فيهِ أنَّ الحَقَّ على المُصلِّي أن يُجافِيَ عن جَنبَيهِ، ويُعلِيَ صَدرَهُ عن الأرضِ، ولا يَفتَرِشَ ذِراعَيهِ، وذلكَ
стр. 1061
أنَّه إذَا افتَرشهُمَا لم يَبدُ وَضَحُ إبِطَيهِ كمَا كانَ يَبدُو مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ على نحوِ مَا تقدَّم قبلَ هذا.
فإن قالَ قائلٌ: فمَا أنتَ قائلٌ فيمَا حدَّثكُم بهِ ابنُ سِنانٍ، عن أَبي عاصِمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن نَافِعٍ، قالَ: كانَ ابنُ عمرَ يُصلِّي فيَضُمُّ يَديهِ إلى جَنبَيه.
قِيلَ لَه: جَائِزٌ، لَم يَفعل ذلك ابنُ عمرَ إلا عندَ ازدِحامِ النَّاسِ وتَضايُقِ المَكانِ حتى لا يُقدَرُ على التَّجافِي فيهِ؛ لأنَّ المَعروفَ عنه ما حدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ: حدَّثنا عُمرُ بنُ عُبيدٍ الطَّنافُسيُّ، عن آدمَ بنِ علِيٍّ قالَ: صلَّيتُ إلى جَنبِ ابنِ عمرَ، فافتَرشتُ ذِراعَيَّ، فقالَ لي: لا تَفتَرِشِ افترَاشَ السَّبُعِ، وادعَم على راحَتَيكَ، وأبدِ ضَبعَيكَ، فإذَا فَعَلتَ ذلك سجدَ كلُّ عُضوٍ منكَ، فإذَا كانَ ابنُ عمرَ قد رُويَ عنه الوَجهانِ، فالحقُّ أن يُوجَّه كلُّ واحدٍ منهما إلى أَولَى الأُمورِ بِهَا، وأَشبَهِهَا بالسُّنةِ، وقد تَقدَّم في بابِ: يُبدِي ضَبعَيهِ ويُجافِي في السُّجودِ، إلَّا أنَّه لا إعادةَ عندَ جَميعِ العُلماءِ على مَنْ تركَ ذلكَ؛ لاختِلافِ السَّلفِ فِيه (١).
١٥ - كَفتُ الثَّوبِ والشَّعرِ وعَقصُ الرَّأسِ في الصَّلاةِ:
رَوى الشَّيخانِ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «أُمِرتُ أَنْ أَسجُدَ على سَبعَةِ أَعظُمٍ ولا أَكُفَّ ثَوبًا ولا شَعرًا» (٢).
ورَوى مُسلِمٌ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أَنَّه رَأى عَبدَ اللَّهِ بنَ الحَارِثِ
стр. 1062
يُصلِّي وَرَأسُهُ مَعقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقامَ فَجعلَ يَحُلُه، فلمَّا انصَرفَ أَقبَلَ إلى ابنِ عبَّاسٍ فقالَ: ما لَكَ وَرَأسِي؟ فقال: إني سَمِعتُ رَسولَ الله ﷺ يَقولُ: «إنَّما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يُصلِّي وهو مَكتُوفٌ» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على النَّهيِ عن الصَّلاةِ وثَوبُه مُشَمَّرٌ، أو كُمُّهُ أو نَحوُهِ، أو رَأسُهُ مَعقُوصٌ، أو مَردُودٌ شَعرُه تحتَ عِمَامَتِه، أو نَحوُ ذلكَ، فكلُّ هذا مَنهِيٌّ عنه باتِّفاقِ العُلماءِ، وهو كَراهةُ تَنزيهٍ، فلو صلَّى كذلكَ فقد أساءَ وصحَّت صَلاتُه، واحتَجَّ في ذلك أبو جَعفرٍ مُحمَّدُ بنُ جَريرٍ الطَّبريُّ بإِجماعِ العُلماءِ، وحَكى ابنُ المُنذرِ الإعادةَ فيهِ عن الحَسنِ البَصريِّ، ثم مَذهبُ الجمهورِ أنَّ النَّهيَ مُطلَقٌ لِمَنْ صلَّى كذلكَ؛ سَواءٌ تعمَّدَهُ لِلصَّلاةِ أو كانَ قبلَها كذلكَ، لا لها، بل لِمَعنًى آخرَ.
وقالَ الدَّاودِيُّ: يَختَصُّ ذلك بمَن فعلَ ذلك لِلصَّلاةِ، والمُختارُ الصَّحيحُ هو الأوَّلُ، وهو ظاهرُ المَنقولِ عن الصَّحابةِ وغيرِهِم.
ويدلُّ عليه فِعلُ ابنِ عباسٍ المَذكورُ هُنا.
قالَ العُلماءُ: والحِكمةُ في النَّهيِ عنه أنَّ الشَّعرَ يَسجُدُ معه، ولِهذا مَثَّلَه بالذي يُصلِّي وهو مَكتوفٌ.
قولُه: «عنِ ابنِ عباسٍ أَنَّه رَأى عَبد اللَّهِ بنَ الحَارِثِ يُصلِّي وَرَأسُهُ مَعقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقامَ فَجعلَ يَحُلُه». فيهِ الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ، وأنَّ ذلك لا يُؤَخَّرُ إذ لم يُؤخِّرهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵁ حتى يَفرُغَ مِنْ
стр. 1063
الصَّلاةِ. وأنَّ المَكروهَ يُنكَرُ، كما يُنكَرُ المُحرَّمُ، وأنَّ مَنْ رَأى مُنكَرًا وأمكَنَه تغيِيرُه بيَدِه غيَّرهُ بها؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، وأنَّ خَبرَ الواحدِ مَقبولٌ، واللهُ أعلمُ. أه (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: «قِيلَ: والحِكمةُ في ذلك أنَّه إذا رَفعَ ثَوبَه وشَعرَه عن مباشَرَةِ الأرضِ أشبَهَ المُتكَبِّر» (٢).
١٦ - سجودُ المريضِ على شيءٍ مرتفِعٍ:
ذَهب الفقهاءُ إلى أنَّ المريضَ إذا عجزَ عن السجودِ بالجَبهةِ سَجدَ بما يقدِرُ عليه ما أمكَنَه، ولا يَجبُ أن يَرفَعَ إليه شَيئًا يَسجُدُ عليه؛ لأنَّه هو الهُبوطُ، ولا يَحصلُ بالرَّفعِ، وإن عجَز عن الجَبهةِ لِعارِضٍ من مرَضٍ أو غيرِه: سقطَ عنه السُّجودُ، ويجبُ عليه الإيماءُ.
قال الكاسانيُّ ﵀: «فإن رفعَ إلى وَجهِهِ وِسادةً أو شَيئًا يَسجُدُ عليه مِنْ غيرِ أن يُومئَ لم يَجُز؛ لأنَّ الفَرضَ في حقِّه الإيماءُ، ولم يُوجَد، ويُكرَهُ له أن يَفعلَ هذا (٣)؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ، قالَ: عادَ رَسولُ اللهِ ﷺ رَجلًا من أصحَابِه مَرِيضًا وأنا معه، فَدخلَ عليه وهو يُصلِّي على عُودٍ، فَوضعَ جَبهتَه على العُودِ، فَأَومَأَ إليه فَطَرَحَ العُودَ، وَأَخذَ وِسَادَةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «دَعهَا عَنْكَ إِنِ استَطَعتَ أَنْ تَسجُدَ على
стр. 1064
الأَرضِ، وَإِلا فأَومِئ إِيمَاءً وَاجعَل سُجودَكَ أَخفَضَ من رُكُوعِكِ» (١).
ورُويَ أنَّ ابنَ مَسعودٍ دخلَ على أخِيه يَعودُه فوجدَه يُصلِّي ويَرفَعُ إليه عُودًا فيَسجُدُ عليه، فنَزَعَ ذلك مِنْ يَدِ مَنْ كانَ في يَدِه، وقالَ: «هذا شَيءٌ عَرَضَ لَكُمُ الشَّيطَانُ، أَومِ لِسُجودِكَ» (٢).
ورَوى سالِمُ بنُ عَبد اللهِ بنِ عمرَ عن أبيه: أنَّه كانَ يَنهَى أَنْ يُصلِّيَ المَرِيضُ على العُودِ، وَقالَ: «مَنْ لَم يَستَطِعِ السُّجودَ فَليُومِئ إِيمَاءً» (٣).
وعن جَبَلَةَ بنِ سُحَيمٍ قالَ: سألتُ ابنَ عمرَ عن صَلاةِ المَريضِ على العُودِ فقالَ: «لا آمُرُكُم أن تتَّخِذوا من دُونِ اللهِ أوثانًا، إنِ استَطَعتَ أن تُصَلِّيَ قائِمًا، وإلا فقاعِدًا، وإلا فمُضطَجِعًا» (٤).
قال الكاسانِيُّ: فإن فعلَ ذلك يُنظَرُ إن كانَ يَخفِضُ رأسَه لِلرُّكوعِ شَيئًا، ثم لِلسُّجودِ، ثم يَلزِقُ بجَبينِه: يَجوزُ؛ لوُجودِ الإيماءِ لا لِلسُّجودِ على ذلك الشَّيءِ، فإن كانَتِ الوِسادةُ مَوضوعةً على الأرضِ وكانَ يَسجُدُ عليها:
стр. 1065
جازَت صَلاتُه؛ لمَا رُويَ: «أنَّ أُمَّ سَلمةَ زَوجَ النَّبيِّ ﷺ كانَت تَسجُدُ على مِرفَقَةٍ مِنْ رَمدٍ كانَ بِهَا» (١).
قالَ الإمامُ مالِكٌ: «إذا لم يقدِرِ المَريضُ أن يَسجُدَ على الأرضِ فليُومِئ بظَهرِه ورَأسِه، ولا يَرفَع إلى جَبهتِه أو يَنصِب بينَ يَديهِ شَيئًا يَسجُدُ عليه، فإن فعلَ لم يُعِد».
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: «وقال مالِكٌ: إذا لم يَستطِعِ السُّجودَ لا يَرفَع إلى جَبهتِه شَيئًا، ولا يَنصِب بينَ يَديهِ وِسادَةً ولا شَيئًا من الأشياءِ، وكان أبو ثَورٍ يَقولُ: وإن صلَّى المَريضُ قاعِدًا ولم يقدِر على السُّجودِ أَومَأَ إيماءً، وإن رفعَ إلى وَجهِه شَيئًا فسجدَ عليه، أجزأَه ذلكَ، والإيماءُ أحَبُّ إلَيَّ.
وقالت طائِفةٌ: لا يَرفَعُ إلى وَجهِه شَيئًا يَسجُدُ عليه، وإن وضعَ وسادةً على الأرضِ فسجدَ عليها أجزأَهُ ذلك إن شاءَ اللهُ، هذا قولُ الشافِعيِّ، وقد رَوَينا عن أُمِّ سَلمةَ: أنَّها كانَت تَسجُدُ على مِرفَقةٍ مِنْ رَمدٍ كان بها، ورُويَ عن ابنِ عبَّاسِ أنَّه رَخَّصَ في السُّجودِ على المِرفَقَةِ الظَّاهرةِ، ورَوَينا عن أنَسٍ أنَّه كانَ إذا اشتَكَى سجدَ على مِرفَقَةٍ.
٢٢٧١ - حدَّثنا إسحاقُ، قالَ: أخبَرَنا عَبدُ الرَّزَّاقِ، قالَ: أخبَرَنَا مَعمَرٌ، عن قَتادةَ، عن أُمِّ الحَسنِ، قالَت: (رَأيتُ أُمَّ سَلمةَ زَوجَ النَّبيِّ تَسجُدُ على مِرفَقةٍ مِنْ رَمدٍ كان بها).
стр. 1066
٢٢٧٢ - حدَّثنا يَحيَى، حدَّثنا الحَجَبيُّ، قالَ: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أُمِّ الحَسنِ: (أنَّها رَأت أُمَّ سَلمةَ تَسجُدُ على مِرفَقةٍ مِنْ وَجَعٍ كانَ بعَينِها).
٢٢٧٣ - حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ علِيٍّ، حدَّثنا سَعيدٌ، قالَ: حدَّثنا هُشَيمٌ، قالَ: أخبَرَنَا مَنصورٌ ويُونُسُ عن الحَسنِ عن أُمِّه عن أُمِّ سَلمةَ: (أنَّها كانَت تَسجُدُ على وِسادةٍ مِنْ أدَمٍ مِنْ رَمدٍ كانَ بها).
٢٢٧٤ - حدَّثَنا إسحاقُ، عن عَبد العَزيزِ، عن الثَّوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي فَزارةَ السُّلَميِّ، قالَ: (سَألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن المَريضِ يَسجُدُ على المِرفَقةِ الظَّاهرةِ، فقالَ: لا بأسَ به).
٢٢٧٥ - حَدّثنا إسحاقُ، عن عَبد الرَّزَّاقِ، قالَ: أخبَرَنا الثَّوريُّ، عن قابوسَ بن أبي ظَبيانَ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: (لا بأسَ أن يَلُفَّ المَريضُ الثَّوبَ ويَسجُدَ عليه).
٢٢٧٦ - حدَّثنا مُحمدُ بنُ علِيٍّ، قالَ: حدَّثنا سَعيدٌ، قالَ: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قالَ: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سَميعٍ الحَنَفيُّ، عن مالِكِ بن عميرٍ، عن رَجلٍ، عن حُذَيفةَ: (أنَّه مَرِضَ فوُضِعَت له وِسادةٌ ووُضِعَ عليها لَوحٌ، وكانَ يُصلِّي ويَسجُدُ عليها).
٢٢٧٧ - حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، حدَّثنا مُحرِزُ بنُ عَونٍ، قالَ: حدَّثنا علِيُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصِمِ بنِ سُلَيمانَ، عن مُحمَّدِ بنِ سِيرينَ، عن أنَسٍ: (أنَّه كانَ إذا اشتَكَى سجدَ على مِرفَقَةٍ).
стр. 1067
وقالَ أحمدُ في المَريضِ يَسجُدُ على شَيءٍ رفعَه إلى جَبهتِه: أحَبُّ إلَيَّ ألَّا يَرفَعَه، فإن فعلَ فلَا بَأسَ، ويَسجُدُ على المِرفَقةِ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أن يُومِئَ برَأسِه، حَديثُ أُمِّ سَلمةَ، وابنِ عبَّاسٍ، وكذلك قالَ إسحاقُ، ويُجزِئُ عندَ أصحابِ الرَّأيِ السُّجودُ على الوِسادةِ أو المِرفَقَةِ إذا وُضِعَت بالأرضِ.
قالَ أبو بَكرٍ: على المَريضِ أن يُصلِّيَ على قَدرِ طاقَتِه، فإذا صلَّى قاعِدًا وهوَ عاجِزٌ عن القِيامِ وأمكَنَهُ الرُّكوعُ والسُّجودُ، لم يُجزِئه، إلَّا أن يَأتيَ بذلكَ على قَدرِ ما يُمكِنُه، فإن لم يقدِر على السُّجودِ؛ أَومَأَ برَأسِه يَبلُغُ بالإيماءِ ما أمكَنَه، فإذا بلغَ مِنْ الإيماءِ ما أمكَنَه، فرفعَ إليه عُودًا أو مَخدَّةً، فرَأى في جَبهتِه بعدَ بُلوغِه مِنْ الإيماءِ بمِقدارِ إمكانِه، فلا شَيءَ عليه ويُجزِئُه؛ لأنَّه قد أتَى مِنْ الإيماءِ قَدرَ طاقَتِه فليس يَضُرُّه مُلاقاةُ العُودِ أو المَخدَّةِ، وممَّا مَسَّته جَبهتُه في هذه الحالِ، وإن قصَّر عمَّا يُمكِنُه مِنْ الإيماءِ لَمَا رفعَ إلى جَبهتِه مِنْ العُودِ أو غيرِه لم يُجزِئه، ويُجزِئُه السُّجودُ على المَخدَّةِ، وإن أمكَنَه السُّجودُ على الأرضِ فأكرَهُ له ذلكَ، وأجعَلُ سُجودَه على المَخدَّةِ بمَنزِلةِ سُجودِه على رَبوَةٍ من الأرضِ، ويَجعلُ -إذا كانَ سُجودُه ورُكوعُه إيماءً- السُّجودَ أخفَضَ من الرُّكوعِ» (١).
стр. 1068
الأماكِنُ التي تُكرَه الصَّلاةُ فيها:
وهي سَبعةٌ: المَقبَرةُ، والحَمَّامُ، والمَزبَلةُ، وقارِعةُ الطَّريقِ (١)، والمَجزرَةُ (٢)، وأَعطانُ الإبلِ (٣)، وظَهرُ بَيتِ اللهِ الحَرامِ.
وقد وردَت هذه السَّبعُ في حَديثِ ابنِ عمرَ ﵄ مَرفوعًا (٤)، عن النَّبيِّ ﷺ ولِبعضِ فِقَرَاتِه شَواهِدُ، منها:
١ - قولُه: «الأَرضُ كلُّهَا مَسجدٌ إلا المَقبرَةَ وَالحَمَّامَ» (٥).
٢ - قولُه: «إذَا حَضرَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتُمْ في مرَابِضِ الغَنَمِ فَصَلُّوا، وإذا حَضرَت وَأَنْتُمْ في أَعطَانِ الإِبِلِ فَلَا تُصَلُّوا؛ فإنَّها خُلِقَت مِنْ الشَّيَاطِينِ».
وعلَّل ذلك بقولِه: «فإنَّها خُلِقَت مِنْ الشَّيَاطِينِ» (٦): «أَلَا تَرَونَ
стр. 1069
عُيُونَهَا وَهِبابَهَا إذا نَفَرَت» (١).
وقدِ اختَلفَ العُلماءُ في هذه المَواضِعِ المَنهِيِّ عن الصَّلاةِ فيها، هل تبطُلُ صَلاةُ مَنْ صلَّى فيها أو لَا؟
فقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: الصَّلاةُ في هذه المَواضِعِ كلِّها مَكروهةٌ؛ إلا أنَّه إن فعلَها صحَّت، إلَّا ظَهرَ بَيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّ الصَّلاةَ على ظَهرِهِ تَصحُّ على الإطلاقِ، من غيرِ كَراهةٍ.
وقالَ مالِكٌ ﵀: الصَّلاةُ في هذه المَواضِعِ صَحيحةٌ إن كانَت طاهِرةً، على كَراهيةٍ؛ لِأنَّ النَّجاسةَ قَلَّ أن تَخلُوَ منها في الأغلَبِ، إلَّا ظَهرَ
стр. 1070
بَيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّ الصَّلاةَ عليه -عندَه- فاسِدةٌ؛ لأنَّه يَستَدبِرُ بذلك بَعضَ ما أُمر باستِقبالِه.
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: الصَّلاةُ في هذه المَواضِعِ -غيرَ ظَهرِ بَيتِ اللهِ الحَرامِ والمَقبرَةِ- صَحيحةٌ معَ الكَراهيةِ، فأمَّا ظَهرُ بَيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّه إن كانَ بينَ يَديِ المُصلِّي سُترةٌ مُتَّصِلةٌ بالبِناءِ: كانَتِ الصَّلاةُ صَحيحةً مِنْ غيرِ كَراهيةٍ، وإن لم تكُن، لم تَصحَّ الصَّلاةُ.
وأمَّا المَقبَرةُ، فإنَّها إن كانَت مَنبوشَةً، قد تَكرَّر نَبشُها؛ لم تَصحَّ الصَّلاةُ فيها، وإن كانَت غيرَ مَنبوشةٍ كُرِهَ وأجزَأَت.
وعن أحمدَ ثَلاثُ رِواياتٍ: المَشهورُ مِنهنَّ أنَّها تبطُلُ على الإطلاقِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّها تَصحُّ مع الكَراهيةِ.
والثَّالثةُ: إن كانَ عالِمًا بالنَّهيِ أعادَ، وإن لم يكن عالِمًا لم يُعِد (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀ بعدَ أن نقلَ الخِلافَ في المَسألةِ: وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ ظَواهِرِ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّ ههُنَا حَديثَينِ مُتَّفَقًا على صحَّتِهما، وحَديثَين مُختَلَفًا فيهِما، فأمَّا المُتَّفَقُ عليهِما: فقولُه ﵊: «أُعطِيتُ خَمسًا لم يُعطَهُنَّ أَحدٌ قَبلِي … »، وذكرَ فيها: «وَجُعلت لي الأَرضُ مَسجدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ فَليُصلِّ» (٢)، وقولُه ﵊: «اجعَلُوا من صَلاتِكُم في بُيُوتِكُم ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٣).
стр. 1071
وأمَّا غيرُ المُتَّفَقِ عليهِمَا:
فأحَدُهُما: ما رُويَ أنَّه ﵊ نَهى أن يُصلَّى في سَبعةِ مَواطِنَ: «في المَزبَلةِ والمَقبَرةِ … » الحَديثَ (١).
والآخَرُ: ما رُويَ أنَّه قالَ ﵊: «صَلُّوا في مرَابِضِ الغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا في أَعطَانِ الإِبِلِ» (٢).
فذَهب النَّاسُ في هذه الأحاديثِ ثَلاثةَ مَذاهبَ:
أحَدُها: مَذهبُ التَّرجيحِ والنَّسخِ.
والثَّاني: مَذهبُ البِناءِ، أعني بِناءَ الخاصِّ على العامِّ.
والثَّالثُ: مَذهبُ الجَمعِ.
فأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب التَّرجيحِ والنَّسخِ: فأخذَ بالحَديثِ المَشهورِ، وهو قولُه ﵊: «جُعلت لي الأَرضُ مَسجدًا وَطَهُورًا». وقالَ: هذا ناسِخٌ لغيرِه، ولأنَّ هذه هي فَضائِلُ له ﵊، وذلك ممَّا لا يَجوزُ نَسخُه.
وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب بِناءِ الخاصِّ على العامِّ فقالَ: حَديثُ الإباحةِ عامٌّ، وحَديثُ النَّهيِ خاصٌّ، فيجبُ أن يُبنَى الخاصُّ على العامِّ، فمِن هؤلاءِ مَنِ استَثنَى المَواضِعَ السَّبعةَ، ومنهم مَنِ استَثنَى الحَمَّامَ والمَقبرَةَ، وقالَ: هذا هو الثَّابِتُ عنه ﵊؛ لأنَّه قد رُويَ أيضًا النَّهيُ عنهما مُفرَدَينِ، ومنهم مَنِ استَثنَى المَقبرةَ فقط؛ لِلحَديثِ المُتقَدِّمِ.
стр. 1072
وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ ولم يَستَثنِ خاصًّا مِنْ عامٍّ فقالَ: أحاديثُ النَّهيِ مَحمولةٌ على الكَراهةِ، والأوَّلُ على الجَوازِ (١). وهمُ الأئمَّةُ الثَّلاثةُ، وأحمدُ في رِوايةٍ.
الصَّلاةُ في الأرضِ المَغصوبةِ:
أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الصَّلاةَ في الأرضِ المَغصوبةِ حَرامٌ، حَكاهُ النَّوويُّ.
إلَّا أنَّهم قدِ اختَلَفُوا في صحَّتِها، فذَهب أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى صحَّتِها؛ لِأنَّ النَّهيَ لا يَعودُ إلى الصَّلاةِ، فلم يَمنَع صحَّتَها، كما لو صلَّى وهوَ يَرى غَرِيقًا يُمكِنُه إنقاذُه فلَم يُنقِذه، أو حَريقًا يقدِرُ على إطفائِه، فلَم يُطفِئه، أو مَطَلَ غَريمَه الذي يُمكِنُ إيفاؤُه، وصلَّى (٢).
وذَهب الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه -وحكاهُ ابنُ قُدامةَ قَولًا لِلشافِعيِّ، وهو قولُ بعضِ الخُراسانيِّينَ من أصحابِه- إلى أنَّها لا تَصحُّ؛ لأنَّ الصَّلاةَ
стр. 1073
عِبادةٌ أُتِيَ بها على الوَجهِ المَنهيِّ عنه؛ فلم تَصحَّ، كصَلاةِ الحائِضِ وصَومِها، وذلك لأنَّ النَّهيَ يَقتَضِي تَحريمَ الفِعلِ واجتِنابَه والتَّأثيمَ بفِعلِه، فكيفَ يَكونُ مُطِيعًا بما هو عاصٍ بِه، مُمتِثلًا بمَا هو مُحَرمٌ عليه، مُتقَرِّبًا بما يَبعُدُ به؟ فإنَّ حَركاتِه وسَكَناتِه من القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ أفعالٌ اختياريَّةٌ، هو عاصٍ بها مَنهِيٌّ عنها، إذا ثَبت هذا فلا فَرقَ بينَ غَصبِه لِرَقبةِ الأرضِ بأخذِها، أو دَعواهُ مِلكِيَّتَها، وبينَ غَصبِه مَنافعَها بأن يَدعِيَ إجارَتَها ظُلمًا، أو يَضَعَ يَده عليها لِيَسكُنَها مُدةً، أو يُخرِجَ رَوشَنًا - الرَّفُّ - أو سِباطًا في مَوضعٍ لا يَحِلُّ له، أو يَغصِبَ راحِلةً ويُصلِّيَ عليها، أو سَفينةً ويُصلِّيَ فيها، أو لَوحًا فيَجعلَه في سَفينةٍ ويُصلِّيَ عليه، كلُّ ذلك حكمُه في الصَّلاةِ حكمُ الدَّارِ المَغصوبةِ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: تَصحُّ الجمُعةُ في مَوضِعِ الغَصبِ، يَعني لو كانَ الجَامعُ أو مَوضِعٌ منه مَغصوبًا؛ صحَّتِ الصَّلاةُ فيه؛ لأَنَّ الجمُعةَ تَختَصُّ ببُقعةٍ، فإذَا صلَّاها الإمامُ في المَوضِعِ المَغصوبِ فامتنَعَ النَّاسُ من الصَّلاةِ فيه فاتَتهُمُ الجمُعةُ، وكذلك مَنِ امتنَعَ فاتَته، ولذلك أُبيحَت خلفَ الخَوارِجِ والمُبتَدِعَةِ، وصَحَّت في الطُّرقِ لِدُعاءِ الحاجةِ إليها، وكذلك الأعيادُ والجِنازةُ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الصَّلاةُ في الأرضِ المَغصُوبةِ حَرامٌ بالإجماعِ، وصَحيحةٌ عندَنا وعندَ الجُمهورِ من الفُقهاءِ وأصحابِ الأُصولِ.
وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ والجُبَّائيُّ وغيرُه من المُعتَزِلةِ: باطِلةٌ، واستَدلَّ عليهم الأُصوليُّونَ بإجماعِ مَنْ قبلَهم.
стр. 1074
قالَ الغَزاليُّ في المُستَصفَى: هذه المَسألةُ قَطعيَّةٌ ليستِ اجتِهاديَّةً، والمُصِيبُ فيها واحدٌ؛ لأنَّ مَنْ صحَّح الصَّلاةَ أخذَهُ من الإجماعِ، وهو قَطعيٌّ، ومَن أبطَلَها أخذَهُ مِنْ التَّضادِّ الذي بينَ القُربَةِ والمَعصِيَةِ، ويَدعِي كَونَ ذلك مُحَالًا بالعَقلِ، فالمَسألةُ قَطعيَّةٌ، ومَن صحَّحها يَقولُ هو عاصٍ مِنْ وَجهٍ، مُتَقرِّبٌ من وَجهٍ، ولا استِحالةَ في ذلك، إنَّما الاستِحالةُ في أن يَكونَ مُتقَرِّبًا من الوَجهِ الذي هو عاصٍ به، وقالَ القاضِي أبو بَكرٍ الباقِلَّانيُّ: يسقطُ الفَرضُ عندَ هذه الصَّلاةِ، لا بها، بدَليلِ الإجماعِ على سُقوطِ الفَرضِ إذا صلَّى (١).
وهل في هذه الصَّلاةِ ثَوابٌ؟
قالَ النَّوويُّ ﵀: الصَّلاةُ في الأرضِ المَغصوبةِ مُجزِئَةٌ مُسقِطةٌ لِلقَضاءِ، ولكِن لا ثَوابَ فيها، كذا قالَه جُمهورُ أصحابِنا. قالوا: فصَلاةُ الفَرضِ وغيرُها من الواجِباتِ إذا أتَى بها على وَجهِهَا الكامِلِ تَرتَّبَ عليها شَيئانِ: سُقوطُ الفَرضِ عنه، وحُصولُ الثَّوابِ، فإذا أدَّاها في أرضٍ مَغصوبةٍ حصَل الأوَّلُ دونَ الثَّاني (٢).
الصَّلاةُ في البِيَعِ والكَنائِسِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى كَراهةِ الصَّلاةِ في البِيَعِ والكَنائِسِ؛ وعَلَّلُوا ذلك بأنَّها من مَواطِنِ الكُفرِ والشِّركِ؛ فهيَ أولَى بالكَراهَةِ مِنْ الحَمَّامِ والمَقبَرةِ والمَزبَلةِ، وبأنَّها من أماكنِ الغَضَبِ،
стр. 1075
وبأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهى عن الصَّلاةِ في أَرضِ بابِلَ، وقالَ: فَأنَّها مَلعُونَةٌ» (١). فعلَّل مَنعَ الصَّلاةِ فيها باللَّعنةِ، وهذه كنائِسُهُم هي مَواضِعُ اللَّعنةِ والسَّخطَةِ، والغَضَبُ يَنْزِلُ عليهم فيها، كما قالَ بَعضُ الصَّحابةِ: «اجتَنِبُوا اليَهودَ والنَّصارى في أعيادِهم؛ فإنَّ السَّخطَةَ تَنزِلُ عليهِم»؛ ولأنَّها من بُيوتِ أعداءِ اللهِ، ولا يُتعبَّدُ اللهُ في بُيوتِ أعدائِه.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ أنَّها غيرُ مَكروهةٍ إذَا كانَت طاهِرةً؛ لأنَّها داخِلةٌ في قولِه ﷺ : «جُعلت لِي الأَرضُ مَسجدًا وَطَهُورًا»، وَفِي لَفظٍ: «فَحيثُمَا أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ؛ فَإِنَّه مَسجدٌ»، وَفِي لَفظٍ: «أَينَمَا أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ؛ فَإِنَّه مَسجدٌ» مُتفقٌ عَلَيهَا، ولأنَّه قد صلَّى فيها الصَّحابةُ، وهي طاهِرةٌ (٢). وهي مِنْ أَملاكِ المُسلِمينَ، ولا يَضُرُّ المُصلِّيَ شِركُ المُشرِكِ فيها؛ فذلكَ شِركٌ فيهَا، والمُسلِمُ يُوحِّدُ، فلَه غُنمُه، وعلى المُشرِكِ غُرمُه.
وعنِ الإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ ثالِثةٍ التَّفريقُ بينَ الكَنائِسِ والبِيَعِ التي فيها صُوَرٌ فتُكرَهُ الصَّلاةُ فيها، وغيرُ المُصوَّرةِ فلا تُكرَهُ.
قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وهي ظاهرُ المَذهبِ، وهذا مَنقولٌ عن عمرَ وأبي مُوسى.
وذلك لِأنَّ الصُّوَر تُقابِلُ المُصلِّيَ وتُواجِهُهُ، وهي كالأصنامِ، إلَّا أنَّها غيرُ
стр. 1076
مُجَسَّدَةٍ، فهي شِعارُ الكُفرِ، ومَأوَى الشَّيطانِ، وقد كَرِهَ الفُقهاءُ الصَّلاةَ على البُسُطِ والحُصرِ المُصوَّرةِ، كما صرَّح بهِ أصحابُ أبي حَنيفَةَ وأصحابُ أحمدَ، وهي تُمتَهَنُ وتُداسُ بالأرجُلِ؛ فكيف إذَا كانَت في الحِيطانِ والسُّقوفِ (١).
الصَّلاةُ على الحَصيرِ والخُمرةِ والبُسُطِ مِنْ الصُّوفِ والشَّعرِ وغيرِها:
قال ابنُ بطَّالٍ ﵀: كلُّ ما يُصلَّى عليه كَبيرًا طُولَ الرَّجلِ فأكثرَ، فإنَّه يُقالُ لهُ: حَصيرٌ، ولا يُقالُ لهُ: خُمرةٌ، وكلُّ ذلك يُصنَعُ مِنْ سَعَفِ النَّخلِ وما أشبَهَهُ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: جَوازُ الصَّلاةِ على الحَصيرِ وسائرِ ما تُنبِتُه الأرضُ مُجمَعٌ عليهِ (٣).
وقالَ الشَّوكانيُّ ﵀ وقد ذَهب إلى استِحبابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ أكثرُ أهلِ العِلمِ، كمَا قالَ التِّرمذِيُّ، قالَ: إلَّا أنَّ قَومًا مِنْ أهلِ العِلمِ اختَاروا الصَّلاةَ على الأرضِ استِحبابًا. اه (٤).
стр. 1077
قال النَّوويُّ ﵀: وهذا مَحمولٌ على استِحبابِ التَّواضُعِ بمُباشَرةِ نَفسِ الأرضِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: ولا نِزاعَ بينَ أهلِ العِلمِ في جَوازِ الصَّلاةِ والسُّجودِ على المَفارِشِ إذَا كانَت مِنْ جِنسِ الأرضِ، كالخُمرَةِ والحَصيرةِ ونحوِهِما، وإنَّما تَنازَعوا في كَراهَةِ ذلك على ما ليس مِنْ جِنسِ الأرضِ، كالأَنطَاعِ المَبسوطَةِ مِنْ جُلودِ الأنعامِ، وكالبُسُطِ والزَّرَابِيِّ المَصبُوغةِ مِنْ الصُّوفِ، وأكثرُ أهلِ العِلمِ يُرخِّصُونَ في ذلك أيضًا، وهو مَذهبُ أهلِ الحَديثِ، كالشافِعيِّ وأحمدَ، ومَذهبُ أهلِ الكُوفةِ، كأبي حَنيفَةَ وغيرِهم، وقدِ استَدلُّوا على جَوازِ ذلك أيضًا بحَديثِ عائِشةَ -وسَيأتي إن شاءَ اللهُ- فإنَّ الفِراشَ لم يكن مِنْ جِنسِ الأرضِ، وإنَّما كانَ مِنْ أَدَمٍ أو صُوفٍ (٢).
وأمَّا المالِكِيَّةُ فإنَّه يُكرَهُ عندَهمُ السُّجودُ على ثَوبِ الكتانِ والصُّوفِ والقُطنِ، وكذلكَ بُسُطُ الشَّعرِ والأَدَمِ وأَحلاسِ الدَّوابِّ، ولا يُكرَهُ القِيامُ عليهِ.
قالَ ابنُ بَشيرٍ ﵀: قالَ المُحقِّقونَ: إذَا كان الأصلُ الرَّفاهيةَ فكلُّ ما فيهِ رَفاهيَةٌ، ولَو كانَ ممَّا تُنبِتُه الأرضُ، كحُصُرِ السَّامانِ؛ فإنَّه مَكروهٌ، وكلُّ ما لَا تَرَفُّهَ فيهِ فلا يُكرَهُ، ولو كانَ ممَّا لا تُنبِتُه الأرضُ كالصُّوفِ الذي لا يُقصَدُ بهِ التَّرفُّهُ (٣).
стр. 1078
والأدلَّةُ على جَوازِ الصَّلاةِ على الحُصُرِ وغيرِها كَثيرةٌ، مِنهَا:
١ - حَديثُ أنَس بنِ مالِكٍ ﵀ أنَّ جَدَّتَه مُلَيكَةَ دَعَت رَسولَ اللهِ ﷺ لِطَعامٍ صَنَعَتهُ لهُ، فأكلَ منهُ ثم قال: قُومُوا فلأُصَلِّ لكُم. قالَ أنَسُ: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنَا قدِ اسوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فنَضَحتُه بماءٍ، فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ وصَفَفتُ وَراءَهُ والعَجوزُ مِنْ وَرائِنَا، فصلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم انصَرفَ (١).
وقالَ البُخاريُّ في بابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ: وصلَّى جابِرٌ وأبو سَعيدٍ في السَّفينةِ قائمًا.
قالَ ابنُ المُنيرِ: وَجهُ إدخالِه الصَّلاةَ في السَّفينةِ في بابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ أنَّهما اشتركا في أنَّ الصَّلاةَ عليهِما صَلاةٌ على غيرِ الأرضِ؛ لئلَّا يَتخيَّلَ مُتَخيِّلٌ أنَّ مُباشَرةَ الأرضِ شَرطٌ؛ لِقَولهِ في الحَديثِ المَشهورِ: «تَرِّب وَجهَكَ» (٢).
٢ - عن مَيمونةَ ﵂ قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي على الخُمرَةِ» (٣).
стр. 1079
٣ - عن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ أنَّه دخلَ على النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فَرَأَيتُه يُصلِّي على حَصِيرٍ يَسجُدُ عليه» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: فيهِ دَليلٌ على جَوازِ الصَّلاةِ على شَيءٍ يَحولُ بينَهُ وبينَ الأرضِ مِنْ ثَوبٍ وحَصيرٍ وصُوفٍ وشَعرٍ وغيرِ ذلك، وسَواءٌ نَبَتَ مِنْ الأرضِ أو لا، وهذا مَذهبُنَا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ القاضِي ﵀: أمَّا ما نَبَتَ مِنْ الأرضِ فلا كَراهةَ فيهِ، وأمَّا البُسُطُ واللُّبودُ وغيرِها ممَّا ليس مِنْ نَباتِ الأرضِ فتَصحُّ الصَّلاةُ فيهِ بالإجمَاعِ، لكنَّ الأرضَ أفضَلُ منهُ إلَّا لِحاجةِ حَرٍّ أو بَردٍ أو نحوِهِما؛ لأنَّ الصَّلاةَ سِرُّهَا التَّواضُعُ والخُضُوعُ، واللهُ تَعالَى أعلَمُ (٢).
٤ - عن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ لهُ حَصِيرٌ يَبسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحتَجِرُه بِاللَّيلِ» (٣).
وذَكرَهُ الحافِظُ في الفَتحِ بلَفظِ: «كانَ له حَصِيرٌ يَبسُطُهُ وَيُصلِّي عليه»، ولَعلَّهُ ذكرَهُ بالمعنَى، أو أنَّه رِوايةٌ لِلبُخاريِّ.
٥ - وعنهَا ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وأنا مُعتَرِضَةٌ بينَهُ وَبينَ القِبلَةِ على الفِرَاشِ الذي يَرقُد عليه هو وَأَهلُه، فإذا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيقَظَنِي فَأَوتَرتُ» (٤).
وكانَ هذا الفِراشُ مِنْ أَدَمٍ حَشوُهُ لِيفٌ.
стр. 1080
مُبطِلاتُ الصَّلاةِ:
١ - الكَلامُ:
الكَلامُ في الصَّلاةِ لا يَخلُو مِنْ أحَدِ أُمورٍ: إمَّا أن يَتَكلَّمَ عامِدًا لغيرِ مَصلَحةِ الصَّلاةِ، وإمَّا أن يَتَكلَّمَ لِمَصلَحةِ الصَّلاةِ، وإمَّا أن يَتكلَمَ ناسِيًا أو جاهِلًا بحُرمةِ الكَلامِ في الصَّلاةِ.
أولاً: الكَلامُ عامِدًا لغيرِ مَصلَحةِ الصَّلاةِ:
أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ تَكلَّمَ في الصَّلاةِ لغيرِ مَصلَحةِ الصَّلاةِ ولا لِأمرٍ يُوجِبُ الكَلامَ معَ عِلمِه بتَحريمِ ذلكَ أنَّ صَلاتَه باطِلةٌ.
قالَ ابنُ المُنذِر ﵀: أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ تَكلَّمَ في صَلاتِه عامِدًا، وهو لا يُريدُ إصلاحَ شَيءٍ مِنْ أمرِها؛ صَلاتُه فاسِدةٌ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أن يَتكلَمَ عامِدًا لا لمَصلَحةِ الصَّلاةِ فتبطُلُ صَلاتُه بالإجماعِ، نقلَ الإجماعَ فيهِ ابنُ المُنذرِ وغيرُه؛ لحَديثِ مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السابقِ، وحَديثِ ابنِ مَسعودٍ، وحَديثِ جابرٍ، وحَديثِ زَيدِ بنِ أَرقَمَ، وغيرِها مِنْ الأحاديثِ (٢).
واستَدلَّ العُلماءُ على هذا بحَديثِ مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلمِيِّ قالَ: «بينَا أنا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجلٌ مِنْ القَومِ، فقُلتُ:
стр. 1081
يَرحَمُكَ اللهُ. فَرَماني القومُ بأَبصَارِهِم، فقُلتُ: واثُكلَ أُمِّيَاهُ! ما شَأنُكُم تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فجَعَلُوا يَضرِبُونَ بأَيدِيهِم على أَفخَاذِهِم، فلمَّا رَأَيتُهم يُصَمِّتُونَنِي لَكنِّي سَكَتُّ، فلمَّا صلَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَبأَبِي هو وَأُمِّي، ما رَأيتُ مُعَلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسَنَ تَعليمًا منه، فوَاللَّهِ ما كَهَرَني ولا ضَرَبَني ولا شَتَمَني، قالَ: إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصلُحُ فيها شَيءٌ من كلَامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسبيحُ وَالتَّكبيرُ وَقِراءَةُ القُرآنِ، أو كما قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ … » الحَديثَ (١).
وعن زَيدٍ بنِ أرقَمَ ﵁ قالَ: «كُنَّا لَنَتَكلَّمُ في الصَّلاةِ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أَحدُنَا صَاحِبَه بِحَاجَتِه حتى نزلَت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ» مُتفقٌ عليه، ولِمُسلِمٍ: «وَنُهِينَا عن الكلَامِ» (٢).
وعنِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ على النَّبيِّ ﷺ وهو يُصلِّي فَيَرُدُّ عَلَينَا، فلمَّا رَجعنَا من عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عليه فلَم يَرُدَّ عَلَينَا؛ فَقُلنا: يا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فَتَرُدُّ عَلَينَا؟ قالَ: إِنَّ في الصَّلاةِ شُغلًا» (٣) متَّفَقٌ عليه.
стр. 1082
وفي لَفظٍ: «إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ مِنْ أَمرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحدَثَ أَلَّا تَكلَّمُوا في الصَّلاةِ» (١). وسَواءٌ في هذا الإمامُ والمَأمومُ والمُنفرِدُ.
ثانيًا: الكَلامُ لمَصلحَةِ الصَّلاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُصلِّي إذا تَكلَّمَ عامِدًا لمَصلحَةِ الصَّلاةِ نحوَ: أن يَشُكَّ فيَسألَ مَنْ خلفَه أو يُنَبِّهَ الإمامَ إذَا لم يَفهَم؛ هل تبطُلُ صَلاتُه بذلكَ أو لا؟
فذَهب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ مَنْ تَكلَّمَ في صَلاتِه ولو لِمَصلحَةِ الصَّلاةِ؛ فإنَّ صَلاتَه تبطُلُ، وسَواءٌ كانَ إمامًا أو مَأمُومًا؛ وذلكَ لِلآيةِ والأحادِيثِ الوارِدةِ في النَّهيِ عن الكَلامِ في الصَّلاةِ، ولقولِه ﷺ : «إذَا نَابَكُم شَيءٌ في صَلاتِكُم فَليُسبِّحِ الرِّجَالُ، وَلتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٢)، فلَو كانَ الكَلامُ مُباحًا لِمَصلحَتِها لَكانَ أسهَلَ وأبيَنَ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الثَّاني: أن يَتكلَمَ لِمَصلَحةِ الصَّلاةِ بأن يَقومَ الإمامُ إلى خامِسَةٍ فيَقولَ: قد صلَّيتُ أربعًا أو نحوَ ذلك؛ فمَذهبُنا ومَذهبُ جُمهورِ العُلماءِ أنَّه تبطُلُ الصَّلاةُ، وقالَ الأوزَاعِيُّ: لا تبطُلُ، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ وأحمدَ؛ لحَديثِ ذِي اليَدينِ، ودَليلُ الجُمهورِ: عُمومُ الأحاديثِ الصَّحيحةِ في النَّهيِ عن الكَلامِ، ولقولِه ﷺ : «مَنْ نَابَه شَيءٌ في صَلاتِه فَليُسبِّحِ الرِّجَالُ، وَليُصَفِّقِ النِّسَاءُ»، ولو كانَ الكَلامُ مُباحًا لِمَصلحَتِهَا
стр. 1083
لَكانَ أسهَلَ وأبيَنَ (١)؛ لحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «كُنا نُسَلِّمُ على النَّبيِّ ﷺ وهو يُصلِّي فَيَرُدُّ عَلَينَا، فلمَّا رَجعنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عليه فلَم يَرُدَّ عَلَينَا، فَقُلنا: يا رَسولَ اللَّهِ إِنَّا كنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فَتَرُدُّ عَلَينَا؟ قال: إِنَّ في الصَّلاةِ شُغلًا» (٢) مُتفقٌ علَيه.
وفي لَفظٍ: «إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ مِنْ أَمرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحدَثَ أَلَّا تَكلَّمُوا في الصَّلاةِ» (٣). وهذا خبَرٌ يتَناوَلُ النَّاسِيَ والعامِدَ (٤).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ صَلاتَه لا تبطُلُ، بشَرطِ المَصلحَةِ؛ لحَديثِ ذي اليَدينِ، فعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ ﷺ إِحدَى صَلاتَيِ العَشيِّ، إِمَّا الظُّهرَ وَإِمَّا العَصرَ، فَسلَّم في رَكعتَينِ، ثم أتَى جِذعًا في قِبلَةِ المَسجدِ، فَاستنَدَ إِلَيهَا مُغضَبًا، وفي القَومِ أبو بَكرٍ وَعمرُ، فَهَابا أَنْ يَتَكلَّمَا، وَخرَج سَرَعانُ النَّاسِ، قُصِرَتِ الصَّلاةُ، فَقامَ ذُو اليَدينِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبيُّ ﷺ يَمِينًا وَشِمَالًا، فقالَ: ما يَقولُ ذُو اليَدينِ؟ قالوا: صَدَقَ، لم تُصَلِّ إلا رَكعتَينِ،
стр. 1084
فَصلَّى رَكعتَينِ وسلَّم ثم كبَّر ثم سجدَ ثم كبَّر فَرفعَ ثم كبَّر وَسجدَ، ثم كبَّر وَرفعَ وسلَّم» (١).
ففي هذا الحَديثِ قد تَكلَّمَ النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه، ثم بَنَوا على صَلاتِهم، ولَنَا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسَنَةٌ؛ ولأنَّه كَلامٌ أتَى به قَصدًا لِلتَّنبيهِ وإصلاحِ الصَّلاةِ، فلَم تبطُل به، كالتَّسبيحِ، ولأنَّه كَلامٌ لم يُقصَد به التَّعمُّدُ المَمنوعُ كالسِّهوِ. ولأنَّ التَّنبيهَ على مَصلَحةِ الصَّلاةِ قد يَقعُ بما لا يَكونُ مُباحًا لغيرِه، أصلُه التَّصفيقُ لِلنِّساءِ (٢).
وعنِ الإمامِ أحمدَ ثَلاثُ رِواياتٍ:
إحداهُنِّ: البُطلانُ في حقِّ الإمامِ والمَأمومِ؛ لعُمومِ أحاديثِ النَّهيِ، كما هو مَذهبُ أبي حَنيفَةَ والشافِعيِّ.
والثانيةُ: بُطلانُ صَلاةِ المَأمومِ وصحَّةُ صَلاةِ الإمامِ، بشَرطِ المَصلحَةِ، وهي التي اختَارَهَا الخرقِيُّ.
والثالِثةُ: صحَّةُ صَلاتِهما، مع اشتِراطِ المَصلحَةِ كما في حَديثِ ذي اليَدينِ (٣).
стр. 1085
ثالِثًا: الكَلامُ في الصَّلاةِ نِسيانًا أو جَهلاً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن تَكلَّمَ ناسِيًا في الصَّلاةِ أو جاهِلًا، هل تَصحُّ صَلاتُه أو تبطُلُ؟
فذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ تَكلَّمَ في صَلاتِه ناسِيًا أو جاهِلًا بكَلامٍ قَليلٍ لا تبطُلُ صَلاتُه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ تَكلَّمَ في حَديثِ ذي اليَدينِ؛ ولم يَأمُر مُعاويةَ بنَ الحَكَمِ بالإعادةِ إذ تَكلَّمَ جاهِلًا، وما عُذِرَ فيه بالجَهلِ عُذرَ فيه بالنِّسيانِ.
فرَوى مُسلِمٌ عن مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلمِيِّ قال: «بينَا أنا أُصَلِّي معَ رَسولِ اللهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجلٌ من القَومِ، فقُلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ. فَرَمانِي القَومُ بأَبصَارِهِم؛ فقُلتُ: واثُكلَ أُمِّيَاهُ! ما شَأنُكُم تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فجَعَلُوا يَضرِبُونَ بأَيدِيهِم على أَفخَاذِهِم، فلمَّا رأَيتُهم يُصَمِّتُونَنِي لَكنِّي سَكَتُّ، فلمَّا صلَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَبأَبِي هو وَأُمِّي ما رَأيتُ مُعَلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسَنَ تَعليمًا منه؛ فوَاللَّهِ ما كَهَرَنِي ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصلُحُ فيها شَيءٌ من كلَامِ النَّاسِ، إنما هو التَّسبيحُ وَالتَّكبيرُ وَقِراءَةُ القُرآنِ»، أو كما قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ … الحَديثَ (١).
ولقولِه ﷺ : «رُفِعَ عن أُمَّتِي الخَطأُ والنِّسيانُ»، وحَديثِ ذي اليَدينِ أنَّه قال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يا رَسولَ اللهِ أم نَسيتَ؟ فقالَ: «كلُّ ذلك لم يكن»، ومَوضِعُ الدَّليلِ أنَّه ﵇ تَكلَّمَ ساهِيًا وعندَه أنَّه قَدْ فرغَ مِنْ
стр. 1086
الصَّلاةِ، ثم لمَّا ذكرَ بَنَى على صَلاتِه وسجدَ لِلسَّهوِ، ولأنَّه كَلامٌ على وَجهِ السَّهوِ فأشبَهَ لَفظَ السَّلامِ.
وأيضًا: فإنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مِنْ بابِ التُّروكِ، فيُعذَرُ فيه بالخَطَأِ والنِّسيانِ، كما في الصَّومِ، بل أَولَى؛ لأنَّ الكَفَّ عن الأكلِ والشُّربِ في الصَّومِ رُكنٌ، ولأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مَحظورٌ، ولأنَّ الإثم فيه مَرفوعٌ إجماعًا، فإذا رُفِعَ إثمُه لم يَبقَ مَحظورًا. وإذا لم يكنِ الأكلُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّومِ، مع كَونِ الكَفِّ عنه رُكنًا؛ فلأَلَّا يَكونَ الكَلامُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّلاةِ بطَريقِ الأَولَى.
ولا يُعذَرُ الجاهِلُ بذلك إلا إذا كانَ قَريبَ عَهدٍ بالإسلامِ، أو نَشَأَ بَعيدًا عن العُلماءِ، فأمَّا مَنْ طالَ عَهدُه بالإسلامِ أو نَشَأَ قَريبًا من العُلماءِ، فتبطُلُ صَلاتُه؛ لِتَقصِيرِهِ في التَّعليمِ، وكذا لو علِم تَحريمَ الكَلامِ في الصَّلاةِ، ولم يَعلَم أنَّه مُبطِلٌ لها، كما لو علِم تَحريمَ الزِّنا، ولم يَعلَم حَدَّه؛ فإنَّه يُحَدُّ بغيرِ خِلافٍ.
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ في رِوايةٍ وهو قولُ بعضِ المالِكيَّةِ إلى بُطلانِ صَلاتِه؛ لعُمومِ أحاديثِ المَنعِ من الكَلامِ، ولأنَّه ليس مِنْ جِنسِ ما هو مَشروعٌ في الصَّلاةِ، فلم يُسامَح فيه، ولا فَرقَ بينَ العامِدِ والنَّاسِي في الحُكمِ، وإنَّما يختلِفانِ في المَأثَمِ واستِحقاقِ الوَعِيدِ، فأمَّا في الأحكامِ التي هي فَسادُ الصَّلاةِ وإيجابُ قَضائِها فلا يختلِفانِ، ألَا تَرَى أنَّ لِلنَّاسِي بالأَكلِ والحَدثِ والجِماعِ في الصَّلاةِ حُكمَ العامِدِ فيما يتعلَّقُ عليه من أحكامِ هذه
стр. 1087
الأفعالِ من إيجابِ القَضاءِ وإفسادِ الصَّلاةِ، وإن كانَا مُختلِفينِ في حُكمِ المَأثَمِ واستِحقاقِ الوَعِيدِ، وإذا كانَ ذلك على ما وَصَفنَا كانَ حكمُ النَّهيِ فيما يَقتَضيهِ من إيجابِ القَضاءِ مُعلَّقًا بالنَّاسِي؛ كهو بالعامِدِ؛ لا فَرقَ بينَهُما فيهِ، وإنِ اختَلفَا في حُكمِ المَأثَمِ والوَعِيدِ.
وأمَّا قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وضعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وما استُكرِهُوا عليه». فمَحمُولٌ على رَفعِ الإثمِ (١).
الكَلامُ المُبطِلُ لِلصَّلاةِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الكَلامَ المُبطِلَ لِلصَّلاةِ: ما انتَظَمَ منه حَرفانِ فصَاعِدًا؛ لأنَّ الحَرفَينِ يُكَوِّنانِ كَلِمةً، كأَبٍ وأَخٍ، وكذلكَ الأفعالُ والحُروفُ، ولا تَنتَظِمُ كَلِمةٌ في أقَلَّ مِنْ حَرفَينِ.
قالَ الخَطِيبُ الشِّربِينِيُّ ﵀: الحَرفانِ من جِنسِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أقَلَّ ما يُبنَى عليه الكَلامُ حَرفانِ للِابتِداءِ والوَقفِ، أو حَرفٌ مُفهِمٌ، نحوَ: «قِ»، مِنْ الوِقايةِ، و: «عِ»، مِنْ الوَعيِ، وَ: «فِ»، مِنْ الوَفَاءِ.
وزادَ الشافِعيَّةُ مَدَّةً بعدَ حَرفٍ، وإن لم يُفهِم، نحوَ: «آ»؛ لأنَّ المَمدودَ في الحَقيقةِ حَرفانِ، وهذا على الأصَحِّ عندَهُم، ومُقابِلُ الأصَحِّ أنَّها لا تبطُلُ؛ لأنَّ المدَّةَ قد تتَّفقُ لِإشباعِ الحَركَةِ، ولا تُعدُّ حَرفًا.
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الكَلامَ المُبطِلَ لِلصَّلاةِ هو حَرفٌ أو صَوتٌ
стр. 1088
ساذَجٌ، سَواءٌ صَدَر مِنْ المُصلِّي بالاختِيارِ أو بالإكراهِ، وسَواءٌ وجبَ عليه هذا الصَّوتُ، كإنقاذِ أعمَى، أو لَم يَجِب (١).
٢ - الخِطابُ بنَظمِ القُرآنِ والذِّكرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في بُطلانِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ أحَدًا بشَيءٍ من القُرآنِ وهو يُصلِّي، كقولِه لِمَنِ اسمُه يَحيَى أو مُوسى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، أو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]؛ أو لِمَنْ بالبابِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ ما قُصد به الخِطابُ من القُرآنِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: والظَّاهرُ أنَّها تفسُدُ، وإن لم يكنِ المُخاطَبُ مُسمًّى بهذا الاسمِ إذا قَصد خِطابَه.
وقيَّد المالِكيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد به التَّفهيمَ بغيرِ مَحَلِّه، وذلك كما لو كانَ في الفاتِحةِ أو غيرِها، فاستُؤذِنَ عليه فقطعَها إلى آيةِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أمَّا إن قُصد التَّفهيمُ به بمَحَلِّه فلا تبطُلُ به الصَّلاةُ، كأَن يَستَأذِنَ عليه شَخصٌ وهو يَقرأُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، فيَرفَعَ صَوتَه بقولِه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ لِقَصدِ الإذنِ في الدُّخولِ، أو يَبتَدئَ ذلك بعدَ الفَراغِ من الفاتِحةِ.
وقيَّد الشافِعيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد التَّفهيمَ
стр. 1089
فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ، فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ، وأمَّا إن قَصد معَ التَّفهيمِ القِراءةَ لم تبطُلِ الصَّلاةُ؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو نطقَ بنَظمِ القُرآنِ بقَصدِ التَّفهيمِ ك ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]؛ مُفهِمًا بهِ مَنْ يَستَأذِنُ في أخذِ شَيءٍ أن يَأخُذَه، ومِثلَ قولِه لِمَنِ استَأذَنَ عليه في دُخولٍ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ وقولِه لِمَنْ يَنهاهُ عن فِعلِ شَيءٍ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]؛ إن قَصد معه -أي: التَّفهيمِ- قِراءةً، لم تبطُل؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه، ولأنَّ عَلِيًّا كانَ يُصلِّي، فدخلَ رَجلٌ من الخَوارِجِ فقالَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ ورَسولِه، فتَلَا علِيٌّ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠].
وإلَّا بأن قَصد التَّفهيمَ فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا، بطَلت به؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ؛ فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ.
قالَ في الدَّقائقِ: يُفهَم مِنْ قولِ المِنهاجِ أربَعةُ مَسائِلَ: إحداها: إذا قَصد القِراءةَ. الثَّانيةُ: إذا قَصد القِراءةَ والإعلامَ. الثَّالثةُ: إذا قَصد الإعلامَ فَقط. الرَّابعةُ: ألَّا يَقصد شَيئًا، فَفِي الأُولى والثَّانيةِ: لا تبطُلُ، وفي الثَّالثةِ والرَّابعةِ: تبطُلُ.
ثم قالَ ﵀: وهذا التَّفصيلُ يَجرِي في الفَتحِ على الإمامِ بالقُرآنِ، والجَهرِ بالتَّكبيرِ، أو التَّسميعِ؛ فإنَّه إن قَصد الرَّدَّ معَ القِراءةِ أو القِراءةَ فقط، أو قَصد التَّكبيرَ أو التَّسميعَ فقط، أو معَ الإعلامِ لم تبطُل، وإلَّا بطَلت،
стр. 1090
وإن كانَ في كَلامِ بعضِ المُتأخِّرِينَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك (١).
وذَهب الحَنابِلةُ إلى صحَّةِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: لِما رَوى الخلَّالُ بإسنادِه عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ قالَ: استَأذَنَّا على عَبد الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى وهو يُصلِّي، فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ فقُلنا: كيفَ صَنَعتَ؟ فقالَ: استَأذَنَّا على عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ وهوَ يُصلِّي فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ولأنَّه قُرآنٌ لم تَفسُد به الصَّلاةُ، كما لو لم يَقصِدِ التَّنبيهَ، وقالَ القاضي: إذا قَصد بالحَمدِ الذِّكرَ أو القُرآنَ، لم تبطُل، وإن قَصد خِطابَ آدَميٍّ بطَلت، وإن قَصدهُما فوَجهانِ، فأمَّا إن أتَى بما لا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ من غيرِه، كَقولِه لِرَجلٍ اسمُه إبراهيمُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]؛ ونحوِه، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ النَّاسِ، ولَم يَتمَيَّز عن كَلامِهم بمَا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ؛ أشبَهَ ما لو جَمعَ بينَ كَلِماتٍ مُتفرِّقةٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١] ﴿الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] (٢).
كما ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ ومُحمَّدٌ -رحمهما الله- إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ مَا قُصد به الجَوابُ مِنْ الذِّكرِ والثَّناءِ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ، كأَن قِيلَ: أَمعَ اللهِ إلهٌ؟ فقالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]. أو: ما مالُكَ؟ فقالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨].