يُندَبُ له التَّأمينُ، وكذا المَأمُومُ إذا لم يَسمَع إمامَه يَقولُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧].
واحتَجَّ الجُمهورُ بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فإنَّه مَنْ وَافَقَ تَأمِينُه تَأمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقدَّم مِنْ ذَنبِه» (١). ورَوى وائِلُ بنُ حُجرٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا قالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، قالَ: آمِينَ، وَرفعَ بها صَوتَه» (٢).
واحتَجَّ مالِكٌ بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «قالَ: إذا قالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فَقُولوا: آمِينَ» (٣). فهذا يدلُّ على أنَّ الإمامَ لا يُؤَمِّنُ، وذلك أنَّه لو كانَ يُؤَمِّنُ لَمَا أمرَ المَأمومَ بالتَّأمِينِ عندَ الفَراغِ مِنْ أُمِّ الكتابِ قبلَ أن يُؤَمِّنَ الإمامُ.
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: في تَأمِينِ الإمامِ رِوايَتانِ، فوَجهُ إثباتِه قولُه ﷺ : «إذا أمَّنَ الإمامُ فأَمِّنُوا»، ورَوى وائِلُ بنُ حُجرٍ أنَّه ﷺ كانَ يَقولُ آمينَ، يَرفَعُ بها صَوتَه، ولأنَّه ذِكرٌ سُنَّ لِلمَأمومِ، فكانَ مَسنونًا لِلإمامِ، كسائرِ الأذكارِ المَسنونةِ؛ لأنَّه مُصَلٍّ، فأشبَهَ المَأمومَ والمُنفرِدَ، ولأنَّ الإمامَ في بابِ الأذكارِ أبلَغُ مِنْ المَأمُومِ؛ لأنَّه يَأتي بما لا يَأتي المَأمُومُ مِنْ القِراءةِ والجَهرِ، وإذا سُنَّ له ما كُرِهَ لِلمَأمومِ كانَ بأن يُسنَّ له ما يُسنُّ لِلمأمومِ أَولَى، واعتِبارًا بإسرارِ القِراءةِ.
стр. 982
ووَجهُ نَفيِه قولُه ﵇: «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به» إلى قولِه: «فإذا قالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فقُولُوا: آمينَ» ففيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه لو كانَ مِنْ سُنَّةِ الإمامِ التَّأمينُ لَكانَ يَقولُ: فإذا قالَ: آمينَ، فقُولوا: آمينَ.
والآخَرُ: أنَّه بنيَّةِ أمرِ المَأمُومِ على أن تَقَعَ أفعالُه عُقَيبَ أفعالِ الإمامِ، وفي الخَبرِ أنَّه يَقولُ: آمينَ عندَ فَراغِه مِنْ قولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، وذلك يُوجِبُ مُشارَكَتَنا له في الزَّمانِ الذي يَقولُ فيه: آمينَ. ولأنَّ الإمامَ داعٍ والمَأمومَ مُستَمِعٌ، ومِن حقِّ الدُّعاءِ أن يَكونَ المُؤمِّنُ غيرَ الدَّاعي (١).
ثم إنَّ السُّنةَ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ أن يَأتيَ المُصلِّي بالتَّأمينِ سِرًّا سَواءٌ كانَ إمامًا أو مَأمومًا أو مُنفرِدًا؛ لأنَّ التَّأمينَ دُعاءٌ، ولأنَّ الأصلَ فيه الإخفاءُ؛ فالإتيانُ به سُنَّةٌ، والإسرارُ به سُنَّةٌ أُخرى، قالَ الحَنفيَّةُ: وعلى هذا تَحصُلُ سُنَّةُ الإتيانِ به، ولو مع الجَهرِ به.
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الجَهرَ بالتَّأمينِ سُنَّةٌ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ لِلإمامِ والمَأمومِ والمُنفرِدِ، ويُسِرُّونَ به في الصَّلاةِ السِّريةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «آمِينَ، وَرفعَ بها صَوتَه» (٢). ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالتَّأمينِ عندَ تَأمِينِ الإمامِ، فلو لم يَجهَر به لم يُعلِّق عليه، كحالةِ الإخفاءِ (٣).
стр. 983
٨ - قِراءةُ شَيءٍ مِنْ القُرآنِ بعدَ الفاتِحةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ قِراءةَ سُورةٍ بعدَ الفاتِحةِ مَسنونٌ في الفَجرِ والأُولَيَينِ مِنْ كلِّ رُباعِيَّةٍ والمَغربِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّه يُسنُّ قِراءةُ سُورةٍ مع الفاتِحةِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ كلِّ صَلاةٍ، ويَجهَرُ بها فيما يَجهَرُ فيه بالفاتِحةِ، ويُسِرُّ فيما يُسِرُّ بها فيه، والأصلُ في هذا فِعلُ النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ أبا قَتادةَ رَوى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ الظُّهرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَتَينِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ، وَيُسمِعُ الآيَةَ أَحيَانًا، وَكانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ العَصرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَتَينِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ، وَكانَ يُطَوِّلُ في الأُولَى مِنْ صَلاة الصُّبحِ، وَيُقَصِّرُ في الثَّانيَةِ» (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: «فِي الظُّهرِ كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ» مُتفقٌ عليه.
ورَوى أبو بَرزَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في الصُّبحِ مِنْ السِّتِّينَ
стр. 984
إلى المِئَةِ» (١). وقدِ اشتُهِرَ قِراءةُ النَّبيِّ ﷺ مع الفاتِحةِ في صَلاةِ الجَهرِ، ونُقِلَ نَقلًا مُتَواتِرًا وأمرَ به مُعاذًا فقالَ: «اقرَأ بِالشَّمسِ وَضُحَاهَا، وَبِسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى، وَاللَّيلِ إذَا يَغشَى» (٢)(٣).
واختَلَفوا في قِرءاةِ السُّورةِ بعدَ الفاتِحةِ في الأُخرَيَينِ مِنْ كلِّ رُباعِيَّةٍ، والأخيرةِ مِنْ المَغربِ، هل يُسنُّ أو لا؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُسنُّ؛ لمَا رَوى أبو قَتَادةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في الظُّهرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ وَسُورَتَينِ، وَفِي الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِأُمِّ الكتابِ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا» مُتفقٌ عليه.
عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قالَ: «شَكا أهلُ الكُوفةِ سَعدًا إلى عمرَ ﵁، فعَزَلَه واستَعمَلَ عليهم عمَّارًا، فشَكَوا حتى ذَكَرُوا أنَّه لا يُحسِنُ يُصلِّي، فأَرسَل إليه، فقالَ: يا أبا إِسحاقَ، إنَّ هَؤُلَاءِ يَزعُمُونَ أنَّكَ لا تُحسِنُ تُصَلِّي. قالَ أبو إِسحاقَ: أمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بهِم صَلاةَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ما أَخرِمُ عنها، أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ فَأَركُدُ في الأُولَيَينِ، وَأخِفُّ في الأُخرَيَينِ. قالَ: ذاكَ الظَّنُّ بكَ يا أبا إسحَاقَ» (٤).
стр. 985
ولأنَّ الأُولَيَينِ لمَّا اختُصَّتَا في الزِّيادةِ بالجَهرِ فيما يُجهَرُ فيه اختُصَّتَا بزِيادةِ القِراءةِ، ولأنَّ الأُخرَيَينِ لمَّا نقصَتا عنهما في الصِّفةِ، وهي الجَهرُ، نقصَتا في زِيادةِ القِراءةِ (١).
وذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَقرأُ في صَلاةِ الظُّهرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ في كلِّ رَكعَةٍ قَدرَ ثَلاثينَ آيَةً، وفي الأُخرَيَينِ قَدرَ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، أو قالَ: نِصفِ ذلك، وفي العَصرِ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ في كلِّ رَكعَةٍ قَدرَ قِراءَةِ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، وفي الأُخرَيَينِ قَدرَ نِصفِ ذلك».
ولأنَّها رَكعةٌ يُشرعُ فيها الفاتِحةُ، يُشرعُ فيها السُّورةُ، كالأُولَيَينِ، ولا يُفَضِّلُ الرَّكعةَ الأُولى على الثانيةِ في القِراءةِ (٢).
٩ - تَكبيراتُ الانتِقالِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ تَكبيراتِ الانتِقالِ سُنَّةٌ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ؛ لمَا رُويَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يُكبِّرُ في كلِّ خَفضٍ
стр. 986
وَرَفعٍ» (١)، ورُويَ أنَّه كانَ يُكبِّرُ وهو يَهوِي، والواوُ لِلحالِ، ولأنَّ الذِّكرَ سُنَّةٌ في كلِّ رُكنٍ ليَكونَ مُعَظِّمًا للهِ تَعالى فيما هو مِنْ أركانِ الصَّلاةِ بالذِّكرِ، كما هو مُعَظِّمٌ بالفِعلِ، فيَزدادَ مَعنى التَّعظيمِ، والانتِقالُ مِنْ رُكنٍ إلى رُكنٍ بمَعنى الرُّكنِ؛ لكَونِه وَسيلةً إليه، فكانَ الذكرُ فيه مَسنونًا.
وقالوا: إنَّه ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه المُسيءَ في صَلاتِه، ولا يَجوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، ولأنَّه لو كانَ واجِبًا لم يسقُط بالسَّهوِ، كالأركانِ (٢).
وذَهب الحَنابلَةُ في المَشهورِ عندَهم إلى أنَّ تَكبيراتِ الانتِقالِ واجِبةٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ به وأمرُه لِلوُجوبِ، وفعلَه، وقالَ: «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي». وقد رَوى أبو داودَ عن يَحيَى بنِ خَلَّادٍ عن عَمِّه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لَا تَتِمُّ صَلاةٌ لِأَحدٍ مِنْ النَّاسِ حتى يَتوضَّأَ فَيَضَعَ الوُضُوءَ -يَعني مَوَاضِعَه-، ثم يُكبِّرَ وَيَحمدَ اللهَ وَيُثنِيَ عليه، وَيَقرأَ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ القُرآنِ، ثم يَقولَ: اللهُ أَكبَرُ، ثم يَركَعَ حتى تَطمَئن مَفَاصِلُه، ثم يَقولَ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حتى يَستَوِيَ قائِمًا، ثم يَقولَ: اللهُ أَكبَرُ، ثم يَسجُدَ حتى تَطمَئن مَفَاصِلُه، ثم يَقولَ: اللهُ أَكبَرُ، وَيَرفَعَ رَأسَه حتى يَستَوِيَ قاعِدًا، ثم يَقولَ: اللهُ أَكبَرُ، ثم يَسجُدَ حتى تَطمَئن مَفَاصِلُه، ثم يَرفَعَ رَأسَه فَيُكبِّرَ، فإذا فعلَ ذلك فقد تَمَّت صَلاتُه» (٣).
стр. 987
وهذا نَصٌّ في وُجوبِ التَّكبيرِ، وأمَّا حَديثُ المُسيءِ في صَلاتِه فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه كلَّ الواجِباتِ، بدَليلِ أنَّه لم يُعلِّمه التشهُّدَ ولا السَّلامَ، ويَحتَمِلُ أنَّه اقتَصرَ على تَعليمِه ما رآه أساءَ فيه (١).
١٠ - هَيئةُ الرُّكوعِ:
الهَيئةُ المُجزِئةُ في الرُّكوعِ أن يَنحَنِيَ انحِناءً خالِصًا قَدرَ بُلوغِ راحَتَيهِ رُكبتَيهِ، وكَمالُ السُّنةِ فيه أن يَنحَنِيَ المُصلِّي بحيثُ يَستَوي ظَهرُه وعُنقُه، وأن يَمدَّهما كالصَّحيفةِ، ولا يَخفِضَ ظَهرَه عن عُنقِه ولا يَرفَعَه، وأن يَنصِبَ ساقَيه إلى الحَقو، ولا يَثنيَ رُكبتَيهِ، وأن يَضَعَ يَديه على رُكبتَيهِ ويَأخُذَ رُكبتَيهِ بيَديهِ ويُفَرِّقَ أصابِعَه حينَئذٍ، وأن يُجافيَ الرَّجلُ مِرفَقَيهِ عن جَنبَيه، أمَّا المَرأةُ فتَضُمُّ بَعضَها إلى بَعضٍ؛ لأنَّ ذلك أستَرُ لها؛ لِحَديثِ عُقبةَ بنِ عَمرٍو: «أنَّه رَكَعَ، فَجَافَى يَديهِ، وَوضعَ يَديهِ على رُكبتَيهِ، وَفرَّجَ بينَ أَصَابِعِه مِنْ وَرَاءِ رُكبتَيهِ، وقالَ: هكذا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصلِّي» (٢).
وعن أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قالَ: «أنا أَعلَمُكُم بِصَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قالوا: فَلِمَ؟ فَوَاللهِ ما كُنْتَ بِأَكثَرِنَا له تَبَعًا، ولا أَقدَمِنَا له صُحبَةً. قالَ: بَلَى. قالوا: فَاعرِض. قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يَرفَعُ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ، ثم يُكبِّرُ حتى يَقِرَّ كلُّ عَظمٍ في مَوضِعِه مُعتَدِلًا، ثم يَقرأُ ثم يُكبِّرُ فَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ، ثم
стр. 988
يَركَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيهِ على رُكبتَيهِ، ثم يَعتدِلُ فلا يَصُبُّ رَأسَه ولا يُقنِعُ ثم يَرفَعُ رَأسَه … » الحَديثَ (١). وإن لم يَضَع يَديه على رُكبتَيهِ، ولكِن بلغَ ذلك القَدرَ، أجزَأَه، إلا أنَّه يُكرَه له التَّطبيقُ في الرُّكوعِ، وهو أن يَجعلَ المُصلِّي إحدى كَفَّيه على الأُخرى، ثم يَجعلَهما بينَ رُكبتَيهِ، أو فَخِذَيه إذا رَكَعَ.
والتَّطبيقُ كان مَشروعًا في أوَّلِ الإسلامِ، ثم نُسِخَ، قالَ مُصعَبُ بنُ سَعدِ ابنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁: «صلَّيتُ إلى جَنبِ أبي، فَطَبَّقتُ بينَ كَفَّيَّ ثم وَضَعتُهمَا بينَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أبي، وقالَ: كُنَّا نَفعَلُه فَنُهِينَا عنه، وَأُمِرنَا أَنْ نَضَعَ أَيدِيَنَا على الرُّكَبِ» (٢).
١١ - التَّسبيحُ في الرُّكوعِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على مَشروعيَّةِ التَّسبيحِ في الرُّكوعِ؛ لِحَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: لمَّا نَزَلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اجعَلُوهَا في رُكُوعِكُم» (٣). ورَوى حُذَيفةُ أنَّه سمِع رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ إذا رَكَعَ: «سُبحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» ثَلاث مرَاتٍ (٤).
стр. 989
واختَلَفوا فيما وَراءَ ذلك مِنْ الأحكامِ:
فذَهب أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّه سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه المُسيءَ في صَلاتِه، ولأنَّه رُكنٌ في الصَّلاةِ، فلم يَجِب فيه تَسبيحٌ، كالقِيامِ.
وقالَ أحمدُ في الرِّوايةِ المَشهورةِ عنه: إنَّ ذلك واجِبٌ مع الذِّكرِ، ورُويَ عنه أنَّه سُنَّةٌ، كمَذهبِ الجَماعةِ، والواجِبُ مِنْ ذلك عندَه مرَةٌ واحدةٌ، على الرِّوايةِ التي يَقولُ فيها بالوُجوبِ.
ثم إنَّهمُ اتَّفَقُوا على أنَّ أدنى الكَمالِ في التَّسبيحِ في الرُّكوعِ ثَلاثٌ.
ويُجزِئُه تَسبيحَةٌ واحَدةٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا هلِ الرُّكوعُ والسُّجودُ فيهما قَولٌ مَحدودٌ يَقولُه المُصلِّي أو لا؟
فقالَ مالِكٌ: ليس في ذلك قَولٌ مَحدودٌ.
стр. 990
وذَهب الشافِعيُّ وأبو حَنيفَةَ وأحمدُ وجَماعةٌ غيرُهم إلى أنَّ المُصلِّي يَقولُ في رُكوعِه: «سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ» ثَلاثًا، وفي السُّجودِ: «سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى» ثَلاثًا، على ما جاءَ في حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ، وقالَ الثَّورِيُّ: أحَبُّ إلَيَّ أن يَقولَها الإمامُ خَمسًا في صَلاتِه حتى يُدرِكَ الذي خلفَه ثَلاثَ تَسبيحاتٍ.
والسَّببُ في هذا الاختِلافِ مُعارَضةُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ في هذا البابِ؛ لحَديثِ عُقبَةَ بنِ عامرٍ، وذلك أنَّ في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه ﵊ قالَ: «ألَا وإنِّي نُهِيتُ أن أقرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا أو ساجِدًا، فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدوا فيه في الدُّعاءِ فقَمِنٌ أن يُستَجَابَ لَكم».
وفي حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ أنَّه قالَ: لمَّا نزلَت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قالَ لنا رَسولُ اللهِ ﷺ : «اجعَلُوها في رُكُوعِكُم»، ولمَّا نَزَلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قالَ: «اجعَلُوها في سُجودِكم».
وكذلك اختَلَفوا في الدُّعاءِ في الرُّكوعِ بعدَ اتِّفاقِهم على جَوازِ الثَّناءِ على اللهِ تَعالَى، فكَرِهَ ذلك مالِكٌ؛ لِحَديثِ علِيٍّ أنَّه قالَ النَّبيُّ ﵊: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدوا فيه في الدُّعاءِ».
وقالَت طائِفةٌ: يَجوزُ الدُّعاءُ في الرُّكوعِ، واحتَجوا بأحادِيثَ جاءَ فيها أنَّه ﵊ دَعا في الرُّكوعِ، وهو مَذهبُ البُخاريِّ، واحتَجَّ بحَديثِ عائِشَةَ، قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﵊ يَقولُ في رُكُوعِه وسُجودِه: سُبحانَكَ اللَّهمَّ رَبَّنا وبحَمدِكَ اللَّهمَّ اغفِر لي».
стр. 991
وأبو حَنيفَةَ لا يُجيزُ الدُّعاءَ في الصَّلاةِ بغيرِ ألفاظِ القُرآنِ، ومالِكٌ والشافِعيُّ يُجيزانِ ذلك.
والسَّببُ في ذلك اختِلافُهم فيه، هل هو كَلامٌ أو لا؟ (١)
١٢ - التَّسميعُ والتَّحميدُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على مَشروعيَّةِ التَّسميعِ -وهو أن يَقولَ: «سمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» -، والتَّحميدِ -وهو أن يَقولَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ» -؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁ قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُكبِّرُ حينَ يَركَعُ، ثم يَقولُ: «سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، حينَ يَرفَعُ صُلبَه مِنْ الرَّكعَةِ، ثم يَقولُ وهو قائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ» (٢).
ثم إنَّ الحَنفيَّةَ والمالِكيَّةَ والشافِعيَّةَ ذَهَبوا إلى سُنِّيةِ التَّسميعِ عندَ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، والتَّحميدِ عندَ الاستِواءِ قائِمًا.
وذَهب الحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِه، وعنِ الإمامِ أحمدَ أنَّه سُنَّةٌ، كالجَماعةِ.
ثم إنَّ العُلماءَ قدِ اختَلَفوا في المُصلِّي الذي يُسنُّ له التَّسميعُ والتَّحميدُ، فذَهب أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ الإمامَ يُسمِّعُ فَقط، ولا يُحَمِّدُ، والمَأمومَ يُحَمِّدُ فَقط، والمُنفرِدَ يَجمَعُ بينَهما، فلا يُحَمِّدُ الإمامُ، ولا يُسمِّعُ المَأمُومُ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا قال الإِمَامُ:
стр. 992
سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولوا: اللَّهمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمدُ» (١)؛ فالنَّبيُّ ﷺ قَسَمَ بينَهما، والقِسمةُ تُنافِي الشَّرِكَةَ، ولأنَّ التَّسميعَ دُعاءٌ إلى التَّحميدِ، وحقُّ مَنْ دُعِيَ إلى شَيءٍ الإجابَةُ إلى ما دُعِيَ إليه، لا إعادةُ قولِ الدَّاعي.
ولأنَّه ذِكرٌ يَقعُ على وَجهِ المُقابَلَةِ لِكلَامِ الآخَرينَ، فلم يُشارِك فيه التَّابِعُ المَتبوعَ؛ كتَشميتِ العاطِسِ.
ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا قالَ الإِمَامُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولوا: اللَّهمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمدُ»، فيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه لم يَقُل: فقُولوا: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه.
والآخَرُ: أنَّه قَصد بَيانَ وَجهِ الائتِمامِ به، وبَيانَ كَيفيَّتِه، ومَيَّزَ ما يُفعَلُ فيه مِثلُ فِعلِه، ومَا يُفعَلُ فيه بخِلافِ فِعلِه، ولأنَّه أضافَ إلى كلِّ واحدٍ لَفظًا غيرَ ما أضافَه إلى صاحِبِه؛ فالظَّاهرُ أنَّهما لا يَشتَرِكانِ فيه.
وذَهب الشافِعيَّةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ التَّسميعَ والتَّحميدَ سُنَّةٌ لِلجَميعِ: لِلإمامِ والمَأمومِ والمُنفرِدِ.
وذَهب الحَنابلَةُ إلى أنَّ التَّسميعَ واجِبٌ على الإمامِ والمُنفرِدِ دونَ المَأمُومِ، وأنَّ التَّحميدَ واجِبٌ على الجَميعِ، على الإمامِ، والمَأمومِ، والمُنفرِدِ (٢).
стр. 993
وقد صرَّح الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ بأنَّه يُسنُّ لِلمُصلِّي بعدَ التَّحيَّةِ أن يَقولَ: مِلءَ السَّماواتِ ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما شِئتَ مِنْ شَيءٍ بَعدُ؛ لمَا رَوى عَبد اللهِ بنُ أبي أوفَى قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ ظَهرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قالَ: «سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمدُ مِلءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلءَ الأرضِ وَمِلءَ ما شِئتَ مِنْ شَيءٍ بَعدُ» (١). وله أن يَزيدَ: «أَهلَ الثَّنَاءِ وَالمَجدِ، أَحقُّ ما قالَ العَبدُ، وَكلُّنَا لكَ عَبدٌ، اللَّهمَّ لَا مَانِعَ لمَا أَعطَيتَ، ولا مُعطِيَ لمَا مَنَعتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» (٢).
١٣ - رَفعُ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه والقيامِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه، وعندَ القيامِ مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ، بعدَ اتِّفاقِهم على استِحبابِه عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ.
فاتَّفق الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ على مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه، وأنَّه مِنْ سُننِ الصَّلاةِ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفعَ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ مَنكِبَيهِ، وَقبلَ أَنْ يَركَعَ، وإذا رفعَ مِنْ الرُّكُوعِ، ولا يَرفَعُهُمَا بينَ السَّجدتَينِ» (٣).
стр. 994
وعن أبي قِلابَةَ أنَّه رَأى مالِكَ بنَ الحُوَيرِثِ إذا صلَّى كبَّر ورفعَ يَديهِ، وإذا أرادَ أن يَركَعَ رفعَ يَديهِ، وإذا رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفعَ يَديهِ، وحَدَّثَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صَنَعَ هكذا (١).
وقالَ الحَسنُ وحُمَيدُ بنُ هِلالٍ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَرفَعونَ أيديَهم، وقالَ البُخاريُّ: يُروَى هذا الرَّفعُ عن سَبعَةَ عَشَرَ نَفسًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ . فذكرَهم ثم قالَ: ولم يثبُت عن أحَدٍ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه لم يَرفَع يَديه.
وقالَ السُّيوطيُّ: الرَّفعُ ثابِتٌ عن النَّبيِّ مِنْ رِوايةِ خَمسينَ صَحابِيًّا.
وذَهب الشافِعيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُستحبُّ رَفعُ اليَدينِ عندَ القيامِ مِنْ التشهُّدِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ؛ لمَا رَوى نافِعٌ أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ كانَ إذا دخلَ في الصَّلاةِ كبَّر ورفعَ يَديهِ، وإذا رَكَعَ رفعَ يَديه، وإذا قالَ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رفعَ يَديهِ، وإذا قامَ مِنْ الرَّكعتَينِ رفعَ يَديه. ورفعَ ذلك ابنُ عمرَ إلى نَبيِّ اللهِ ﷺ (٢).
وذَهب الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى عدمِ الرَّفعِ، قالَ في الإنصافِ: وهو المَذهبُ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كَثيرٌ منهم (٣).
стр. 995
وذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ عندَهم إلى عدمِ مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ إلا عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، فلا يُشرعُ رَفعُهما عندَ الرُّكوعِ، أو الرَّفعِ منه، أو القيامِ لِلثَّالِثةِ؛ لِحَديثِ البَراءِ ﵁ أنَّه قالَ: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ رفعَ يَديهِ حين افتَتحَ الصَّلاةَ، ثم لم يَرفَعهُمَا حتى انصَرفَ» (١). وعنِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «ألَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: فَصلَّى فلم يَرفَع يَديهِ إلا مرَّةً» (٢)(٣).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: وأمَّا اختِلافُهم في المَواضِعِ التي تُرفَعُ فيها فذَهب أهلُ الكُوفةِ -أبو حَنيفَةَ وسُفيانُ الثَّورِيُّ وسائِرُ فُقهائِهم- إلى أنَّه لا يَرفَعُ المُصلِّي يَديه إلا عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ فَقط، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ.
وذَهب الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو عُبَيدٍ وأبو ثَورٍ وجُمهورُ أهلِ الحَديثِ، وكذلك أهلُ الظَّاهرِ إلى الرَّفعِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، وعندَ الرُّكوعِ، وعندَ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وهو مَروِيٌّ عن مالِكٍ، إلا أنَّه عندَ بعضِ أولئك فَرضٌ، وعندَ مالِكٍ سُنَّةٌ، وذَهب بَعضُ أهلِ الحَديثِ إلى رَفعِها عندَ السُّجودِ وعندَ الرَّفعِ منه.
стр. 996
والسَّببُ في هذا الاختِلافِ كلِّه اختِلافُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، ومُخالَفةُ عمَلِ أهلِ المَدينةِ بعضِهم لِبَعضٍ، وذلك أنَّ في ذلك أحادِيثَ، منها حَديثُ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ، وحَديثُ البَراءِ بنِ عازِبٍ: «أنَّه كانَ ﵊ يَرفَعُ يَديه عندَ الإحرامِ مرَّةً واحدةً لا يَزيدُ عليها».
وحَديثٌ آخَرُ عن سالِمِ بنِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ عن أبيه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفعَ يَديهِ حَذوَ مَنكِبَيهِ، وإذا رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفعَهما أيضًا كذلك، وقالَ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا ولكَ الحَمدُ، وكانَ لا يَفعلُ ذلك في السُّجودِ»، وهو حَديثٌ مُتفقٌ على صحَّتِه، وزَعَموا أنَّه رَوى ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ثَلاثةَ عَشَرَ رَجلًا مِنْ أصحابِه، ومنها حَديثُ وائِلِ بنِ حُجرٍ، وفيه زِيادةٌ على ما في حَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه كانَ يَرفَعُ يَديهِ عندَ السُّجودِ.
فمَن حَمَلَ الرَّفع ههنا على أنَّه نَدبٌ أو فَريضةٌ، فمنهم مَنِ اقتَصرَ به على الإحرامِ فَقط؛ تَرجيحًا لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ، وحَديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ، وهو مَذهبُ مالِكٍ؛ لِمُوافَقةِ العملِ به، ومنهم مَنْ رجَّح حَديثَ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، فَرَأى الرَّفعَ في المَوضِعَينِ، أعني في الرُّكوعِ وفي الافتِتاحِ، لِشُهرَتِه، واتَّفق الجَميعُ عليه، ومَن كانَ رَأيُه مِنْ هؤلاءِ أنَّ الرَّفعَ فَريضةٌ، حَمَلَ ذلك على الفَريضةِ، ومَن كانَ رَأيُه أنَّه نَدبٌ، حَمَلَ ذلك على النَّدبِ.
ومنهم مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ، وقالَ: إنَّه يجبُ أن تُجمعَ هذه الزِّياداتُ بَعضُها إلى بَعضٍ، على ما في حَديثِ وائِلِ بنِ حُجرٍ فإنَّ العُلماءَ ذَهَبوا في هذه الآثارِ مَذَهبينِ: إمَّا مَذَهب التَّرجيحِ وإمَّا مَذَهب الجَمعِ.
стр. 997
والسَّببُ في اختِلافِهم في حَملِ رَفعِ اليَدينِ في الصَّلاةِ هل هو على النَّدبِ أو على الفَرضِ، هو السَّببُ الذي قُلناه قَبلُ مِنْ أنَّ بَعضَ النَّاسِ يَرى أنَّ الأصلَ في أفعالِه ﷺ أن تُحمَلَ على الوُجوبِ، حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على غيرِ ذلك، ومنهم مَنْ يَرى أنَّ الأصلَ ألَّا يُزادَ فيما صحَّ، بدَليلٍ واضِحٍ مِنْ قَولٍ ثابِتٍ، أو إجماعٍ، أنَّه مِنْ فَرائِضِ الصَّلاةِ إلا بدَليلٍ واضِحٍ.
وقد تَقدَّم هذا مِنْ قولِنا، ولا معنَى لِتَكريرِ الشَّيءِ الواحدِ مرَاتٍ كَثيرةً.
وأمَّا الحَدُّ الذي تُرفَعُ إليه اليَدانِ فذَهب بَعضُهم إلى أنَّه المَنكِبانِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وجَماعةٌ.
وذَهب بَعضُهم إلى رَفعِها إلى الأُذُنَينِ، وبه قالَ أبو حَنيفَةَ، وذَهب بَعضُهم إلى رَفعِها إلى الصَّدرِ، وكلُّ ذلك مَرويٌّ عن النَّبيِّ ﷺ ، إلا أنَّ أثبَتَ ما في ذلك أنَّه كانَ يَرفَعُهما حَذوَ مَنكِبَيهِ، وعليه الجُمهورُ، والرَّفعُ إلى الأُذُنَينِ أثبَتُ مِنْ الرَّفعِ إلى الصَّدرِ وأشهَرُ (١).
١٤ - كَيفيَّةُ الهَوِيِّ لِلسُّجودِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُسنُّ عندَ الهَوِيِّ إلى السُّجودِ أن يَضَعَ المُصلِّي رُكبتَيهِ أوَّلًا، ثم يَديه، ثم جَبهتَه وأنفَه؛ لمَا رَواه وائِلُ بنُ حُجرٍ ﵁ قالَ: «رَأَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ إذا سجدَ وضعَ رُكبتَيهِ قبلَ يَديهِ، وإذا نَهَضَ رفعَ يَديهِ قبلَ
стр. 998
رُكبتَيهِ» (١)؛ ولأنَّه أرفَقُ بالمُصلِّي وأحسَنُ في الشَّكلِ ورَأيِ العَينِ (٢).
وذَهب الإمامُ مالِكٌ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُندَبُ تَقديمُ اليَدينِ عندَ الهَوِيِّ إلى السُّجودِ؛ لمَا رَواه أبو هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «إذا سجدَ أحَدُكم فلا يَبرُك كما يَبرُكُ البَعِيرُ، وَليَضَع يَديهِ قبلَ رُكبتَيهِ» (٣). ولأنَّه أزيَدُ في وَقارِ الصَّلاةِ، وأبعَدُ عن الشَّبَهِ بجُلوسِ العَوامِّ، ومَن لا وَقارَ له، فكانَ أَولَى به (٤).
وقد سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀ عن الصَّلاةِ واتِّقاءِ الأرضِ بوَضعِ رُكبتَيه قبلَ يَديه، أو يَديه قبلَ رُكبتَيه.
فأجابَ: أمَّا الصَّلاةُ بكِلَيهما فجائِزةٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، إن شاءَ المُصلِّي يَضَعُ رُكبتَيهِ قبلَ يَديهِ، وإن شاءَ وضعَ يَديهِ ثم رُكبتَيهِ، وصَلاتُه صَحِيحةٌ في الحالَتَينِ باتِّفاقِ العُلماءِ، ولكِن تنَازَعوا في الأفضَلِ، فقيلَ: الأوَّلُ، كما هو مَذهبُ أبي حَنيفَةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايَتَينِ.
стр. 999
وقيلَ: الثاني، كما هو مَذهبُ مالِكٍ وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرى (١).
هَيئَةُ السُّجودِ المَسنُونةُ:
ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ الجِلسَةَ المَسنونةَ لِلمُصلِّي أن يَسجُدَ على الأعضاءِ السَّبعةِ: الجَبهةِ، مع الأنفِ، واليَدينِ، والرُّكبتينِ، والقَدمَينِ، مُمكِّنًا جَبهتَه وأنفَه مِنْ الأرضِ، ويَنشُرَ أصابِعَ يَديهِ مَضمومةً لِلقِبلةِ، ويَفرُقَ رُكبتَيهِ، ويَرفَعَ بَطنَه عن فَخِذَيه، وفَخِذَيه عن ساقَيه، ويُجافيَ عَضُدَيه عن جَنبَيه، ويَستَقبِلَ بأطرافِ رِجلَيهِ القِبلةَ (٢).
١٥ - التشهُّدُ الأوَّلُ وقُعودُه:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ التشهُّدَ الأوَّلَ والجُلوسَ له مَشروعانِ، وقد نقلَه الخَلَفُ عن السَّلفِ عن النَّبيِّ ﷺ نَقلًا مُتواتِرًا، والأمَّةُ تَفعَلُه في صَلاتِها، إلا أنَّهم قد اختَلَفوا في وجوبِه أوِ استِحبابِه:
فذَهب الحَنفيَّةُ في قَولٍ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّهما سُنَّةٌ؛ لأنَّهما يسقُطانِ بالسَّهوِ، وعليه سَجدَتَا سَهوٍ؛ لمَا رَواهُ عَبد اللهِ بنُ بُحَينَةَ، وكانَ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر، فَسجدَ سَجدتَينِ، وهو جَالِسٌ،
стр. 1000
قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (١). ووَجهُ الدِّلالةِ مِنْ الحَديثِ أنَّه لو كانَ واجِبًا لَرَجعَ إليه لمَّا سَبَّحوا له -كما في بعضِ الرِّواياتِ- بعدَ أن قامَ، ولَمَا جبَره بالسُّجودِ.
وذَهب الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والحَنابلَةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى وُجوبِ ذلك مع الذِّكرِ، ويسقطُ بالسَّهوِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَه، وداوَمَ على فِعلِه، وأمرَ به في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ، فقالَ: «قُولوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ». وسجدَ لِلسَّهوِ حين نَسيَه، وقد قالَ: «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي». وإنَّما سقطَ بالسَّهوِ إلى بَدلٍ، فأشبَهَ جُبراناتِ الحَجِّ تُجبَرُ بالدَّمِ، بخِلافِ السُّننِ، ولأنَّه أحَدُ التشهُّدَينِ، فكانَ واجِبًا، كالآخَرِ.
قالَ الإمامُ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفِيُّ ﵀: قولُه: (وَالتشهُّدُ) أي: الأوَّلُ والثاني -وفي بعضِ نُسَخِ النِّقايَةِ: والتشهُّدَانِ، بلَفظِ التَّثنِيَةِ- لِلمَواظَبَةِ الدَّالَّةِ على الوُجوبِ، ولقولِه ﷺ لابنِ مَسعودٍ: «قُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ»، مِنْ غيرِ تَفرِقَةٍ بينَ الأوَّلِ والثاني.
واختارَ جَمَاعةٌ سُنِّيةَ التشهُّدِ في القَعدةِ الأُولى، لِلفَرقِ بينَ القَعدَتَينِ؛ لأنَّ الأخيرةَ لمَّا كانَت فَرضًا كانَ تَشهُّدُها واجِبًا، والأُولى لمَّا كانَت واجِبَةً كانَ تَشهُّدُها سُنَّةً. وأُجيبَ بمَنعِ المُلازَمةِ؛ فإنَّ التشهُّدَ إنَّما هو ذِكرٌ مَشروعٌ في حالةٍ مَخصوصةٍ واظَبَ عليه النَّبيُّ ﷺ في القَعدَتَينِ؛ فلِذا كانَ الوُجوبُ فيهما ظاهِرَ الرِّوايةِ، وهو الأصحُّ، كما في المُحيطِ والذَّخيرةِ،
стр. 1001
وصرَّح به في الهِدايةِ في بابِ سُجودِ السَّهوِ، وإن كانَ سكتَ عنه في بابِ صِفةِ الصَّلاةِ، فقولُ صَدرِ الشَّريعةِ: إنَّ صاحِبَ الهِدايةِ جعلَه سُنَّةً غيرُ صَحِيحٍ، وغَفلَةٌ عن تَصريحِهِ به في ذلك البابِ، ولَعلَّ صاحِبَ الكتابِ إنَّما لم يَأتِ بالتَّثنِيَةِ لِلإشارةِ إلى أنَّ كلَّ تَشهُّدٍ يَكونُ في الصَّلاةٍ فهو واجِبٌ، سَواءٌ كانَ اثنَينِ أو أكثرَ، كما عَلِمتَه في القُعودِ (١).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: (وَتَشهَّدَ) ش: يَعني قرأَ: التَّحِيَّاتُ للهِ .. إلخ، في القَعدةِ الأخيرةِ أيضًا، م: (وهو واجِبٌ عندَنا) ش: أي: التشهُّدُ واجِبٌ عندَنا (٢).
واتَّفَقُوا على أنَّه لا يَزيدُ في التشهُّدِ الأوَّلِ على قولِه: «وَأَنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه». إلا الشافِعيَّ في الجَديدِ مِنْ قولَيه، فإنَّه قالَ: يُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويُسنُّ ذلك له، وهو اختِيارُ الوَزيرِ ابنِ هُبيرةَ مِنْ الحَنابلَةِ (٣).
فإن قامَ مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ واستَتَمَّ قائِمًا لا يَرجِعُ إليه؛ لقولِ النَّبيِّ
стр. 1002
ﷺ : «إذا قامَ أحَدُكم مِنْ الرَّكعتَينِ فلم يَستَتِمَّ قائِمًا فَليَجلِس، فإذا استَتَمَّ قائِمًا فلا يَجلِس، وَيَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ» (١).
١٦ - الدُّعاءُ بعدَ التشهُّدِ الأخيرِ:
ذَهب جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّه يُسنُّ لِلمُصلِّي بعدَ التشهُّدِ الأخيرِ أن يَدعُوَ بما شاءَ مِنْ أُمورِ الآخِرةِ والدُّنيا، ما لم يكن إثمًا؛ لمَا رَواه عَبد اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: كُنَّا إذا كُنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ قُلنا: السَّلامُ على اللهِ مِنْ عِبادِه، السَّلامُ على فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا تَقُولوا: السَّلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ هو السَّلامُ، وَلَكِن قُولوا: التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلواتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه، السَّلامُ عَلَينَا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُم إذا قُلتُم أَصَابَ كلَّ عَبدٍ في السَّمَاءِ، أو بينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه، ثم يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعاءِ أَعجَبَه إليه يَدعُو». هذا لَفظُ البُخاريِّ، وفي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: «ثم ليَتَخَيَّر بَعدُ مِنْ المَسألةِ ما شَاءَ، أو ما أَحبَّ» (٢).
وقالَ أبو حَنيفَةَ: لا يَجوزُ إلا بالدَّعَواتِ الوارِدةِ في القُرآنِ والسُّنةِ، ومِن ذلك ما رُويَ عن أبي بَكرٍ ﵁ أنَّه قالَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ : «عَلِّمنِي دُعاءً أَدعُو بِه في صَلاتي. قالَ: قُلِ: اللَّهمَّ إنِّي ظَلَمتُ نَفسِي ظُلمًا
стр. 1003
كَثِيرًا، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنتَ؛ فَاغفِر لي مغفرةً مِنْ عِندِكَ، وَارحَمنِي؛ إِنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا تَشهَّدَ أحَدُكم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِنْ أَربَعٍ، يَقولُ: اللَّهمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبرِ، وَمِنْ فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢).
تَسيِيدُ النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ:
وردَ لَفظُ الصَّلواتِ الإبراهيميَّةِ في كُتُبِ الحَديثِ والفِقهِ مَأثُورةً عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ غيرِ ذكرِ (سيِّدِنا) قبلَ اسمِه ﵊، أمَّا إضافَةُ لَفظِ (سيِّدِنا) فلا يُوجَدُ كَلامٌ لِلفُقهاءِ المُتقدِّمِينَ فيها، وأمَّا المُتأخِّرونَ فقدِ اختَلَفوا فيها على قولَينِ:
فذَهب إلى استِحبابِ ذكرِها العِزُّ بنُ عَبد السَّلامِ والرَّملِيُّ والقَليُوبِيُّ والشَّرقاويُّ وجَلالُ الدِّينِ المَحَلِّيِّ وغيرُهم مِنْ الشافِعيَّةِ، والحَصكَفيُّ وابنُ عابدينَ والطَّحاويُّ مِنْ الحَنفيَّةِ؛ مُتابعَةً لِلرَّملِيِّ الشافِعيِّ.
قالَ الرَّملِيُّ ﵀: والأفضَلُ الإتيانُ بلَفظِ السِّيادةِ، كما قالَه ابنُ
стр. 1004
ظَهِيرَةَ، وصرَّح به جَمعٌ، وبه أفتَى الجَلالُ المَحَلِّيُّ جازِمًا به؛ لأنَّ فيه الإتيانَ بما أُمِرنا به؛ وزِيادةَ الإخبارِ بالواقِعِ الذي هو أدَبٌ، فهو أفضَلُ مِنْ تَركِه، وإن تردَّدَ في أفضَلِيَّتِه الإِسنَوِيُّ (١).
وقالَ الحَصكَفيُّ ﵀: ونُدِبَ السِّيادةُ؛ لأنَّ زِيادةَ الإخبارِ بالواقِعِ عَينُ سُلوكِ الأدَبِ؛ فهو أفضَلُ مِنْ تَركِه. ذكرَهُ الرَّملِيُّ الشافِعيُّ وغيرُه (٢).
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: واعتُرِضَ بأنَّ هذا مُخالِفٌ لِمَذهبِنا؛ لمَا مرَّ مِنْ قولِ الإمامِ مِنْ أنَّه لو زادَ في تَشهُّدِه أو نقصَ فيه كانَ مَكروهًا. قُلتُ: فيه نَظرٌ؛ فإنَّ الصَّلاةَ زَائِدةٌ على التشهُّدِ، ليست منه. نَعم يَنبَغي على هذا عدمُ ذكرِها في: «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه». وأنَّه يَأتي بها مع إبراهيمَ ﵇ (٣).
وقالَ العِزُّ بنُ عَبد السَّلامِ ﵀: إنَّ هذا مِنْ قَبيلِ الأدَبِ، ورِعايةُ الأدَبِ خَيرٌ مِنْ الامتِثالِ.
واحتُجَّ على ذلك بحَديثَينِ:
الأوَّلُ: ما رَواهُ سَهلُ بنُ سَعدٍ السَّاعِديُّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ذَهب إلى بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ لِيُصلِحَ بينَهم، فحانَتِ الصَّلاةُ، فجاءَ المُؤذِّنُ إلى أبي بَكرٍ فقالَ: أتُصَلِّي لِلنَّاسِ، فأُقيمَ؟ قالَ: نَعم. فصلَّى أَبو بَكرٍ، فجاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ والنَّاسُ في الصَّلاةِ فتَخَلَّصَ حتى وقفَ في الصَّفِّ،
стр. 1005
فصفَّقَ النَّاسُ، وكانَ أَبو بَكرٍ لا يَلتَفِتُ في صَلاتِه، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ التَّصفيقَ التَفَتَ، فرَأى رَسولَ اللهِ ﷺ ، فأشارَ إليه رَسولُ اللهِ ﷺ أنِ امكُث مَكانَكَ، فرفعَ أَبو بَكرٍ يَديهِ، فحَمِدَ اللهَ على ما أمرَه به رَسولُ اللهِ مِنْ ذلك، ثم استَأخرَ أَبو بَكرٍ حتى استَوَى في الصَّفِّ وتَقدَّم رَسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى، فلمَّا انصَرفَ قالَ: «يا أَبا بَكرٍ، ما منعَكَ أَنْ تَثبُتَ إِذْ أَمَرتُكَ؟» فقالَ أَبو بَكرٍ: ما كانَ لابنِ أبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصلِّيَ بينَ يَدي رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
والآخَرُ: امتِناعُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ عن مَحوِ اسمِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ الصَّحيفةِ في صُلحِ الحُدَيبِيَةِ: فعنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قالَ: «اعتَمرَ النَّبيُّ ﷺ في ذِي القَعدَةِ، فَأَبَى أَهلُ مكَّةَ أَنْ يَدعُوهُ يَدخلُ مَكَّةَ حتى قاضَاهُم على أَنْ يُقِيمَ بها ثَلاثةَ أَيَّامٍ، فلمَّا كَتَبُوا الكتابَ كَتَبُوا: هذا ما قاضَى عليه مُحمَّدٌ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَقالُوا: لَا نُقِرُّ بها، فلَو نَعلمُ أَنَّكَ رَسولُ اللهِ ما مَنَعنَاكَ، لَكِن أنتَ مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ، قالَ: أنا رَسولُ اللهِ، وأنا مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ. ثم قالَ لِعَلِيٍّ: امحُ رَسولَ اللهِ. قالَ: لَا واللهِ، لَا أَمحُوكَ أَبَدًا. فَأَخذَ رَسولُ اللهِ ﷺ الكتابَ فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ … » الحَديثَ (١). وكِلَا الحَديثَينِ في الصَّحِيحَينِ، فتَقريرُه ﷺ لهما على الامتِناعِ مِنْ امتِثالِ الأمرِ؛ تَأدُّبًا، مُشعِرٌ بأوَّلِيَّتِه.
وذَهب المالِكيَّةُ والخَطيبُ الشِّربِينِيُّ والحافِظُ ابنُ حَجرٍ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه لا يُستحبُّ ذِكرُها؛ لأنَّ فيه الامتِثالَ لمَا وردَ عنه ﷺ في غيرِ زِيادةٍ في الأذكارِ والألفاظِ المَأثُورةِ عنه.
وقد تَوَقَّفَ في ذلك الإسنَوِيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ، حيثُ قالَ ﵀: قد اشتُهِرَ زِيادةُ: «سيِّدِنا» قبلَ مُحمدٍ، عندَ أكثرِ المُصلِّينَ، وفي كَونِ ذلك أفضَلَ نَظرٌ، وفي حِفظِي أنَّ الشَّيخَ عِزَّ الدِّينِ بَناه على أنَّ الأفضَلَ سُلوكُ الأدَبِ أم امتِثالُ الأمرِ، فعلى الأوَّلِ يُستحبُّ دونَ الثاني. اه.
стр. 1011
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وظاهرُ كَلامِهم اعتِمادُ الثاني (١).
وقالَ الشَّيخُ أحمدُ الصَّاويُّ ﵀ (٢): الاقتِصارُ على الوارِدِ أفضَلُ، حتى إنَّ الأفضَلَ فيها تَركُ السِّيادةِ؛ لورُودِها كذلك.
وإليكَ رَأيَ الحافِظِ ابنِ حَجرٍ العَسقَلانيِّ، وهو أحَدُ كِبارِ عُلماءِ الشافِعيَّةِ الجامِعينَ بينَ الحَديثِ والفِقهِ، فالحافِظُ مُحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ مُحمدِ الغَرابِيليُّ (٧٩٠ - ٨٣٥)، كانَ مُلازِمًا لِلحافِظِ ابنِ حَجرٍ، قالَ ﵀ وسُئلَ (أي: الحافِظُ ابنُ حَجرٍ): أمتَعَ اللهُ بحياتِه، عن صِفةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ أو في خارِجِ الصَّلاةِ، سَواءٌ قيلَ بوُجوبِها أو نَدبِيَّتِها: هل يُشترَطُ فيها أن يَصفَه بالسِّيادةِ، كأَن يَقولَ مَثلًا: اللَّهمَّ صَلِّ على سيِّدِنا مُحمدٍ، أو على سيِّدِ الخَلقِ، أو سيِّدِ وَلَدِ آدَمَ؟ أو أن يَقتَصرَ على قولِه: اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ؟ وأيُّهما أفضَلُ: الإتيانُ بلَفظِ السِّيادةِ لكَونِها صِفةً ثابِتَةً له ﷺ ، أو عدمُ الإتيانِ به؛ لِعدمِ وُرودِ ذلك في الآثارِ؟ فأجابَ ﵀: نَعم؛ اتِّباعُ الألفاظِ المَأثورةِ أرجَحُ، ولا يُقالُ: لَعلَّه تركَ ذلك تَواضُعًا منه ﷺ ، كما لم يكن يَقولُ عندَ ذكرِه ﷺ : « ﷺ ». وأُمَّتُه مَندوبةٌ إلى أن تَقُولَ ذلك كلَّمَا ذُكر؛ لأنَّا نَقولُ: لو كان ذلك راجِحًا، لَجاءَ عن الصَّحابةِ، ثم عن التَّابِعينَ، ولم نَقِف في شَيءٍ مِنْ الآثارِ عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولا التَّابِعينَ لهم قالَ ذلك، مع كَثرةِ ما وردَ
стр. 1012
عنهم مِنْ ذلك، وهذا الإمامُ الشافِعيُّ -أعلَى اللهُ دَرَجتَه، وهو مِنْ أكثرِ النَّاسِ تَعظيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ قالَ في خُطبةِ كتابِه الذي هو عُمدةُ أهلِ مَذهبِه: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ». إلى آخرِ ما أدَّاه إليه اجتِهادُه، وهو قولُه: كلَّمَا ذكرَه الذَّاكِرونَ، وكلَّمَا غَفلَ عن ذكرِه الغافِلونَ، وكَأَنَّه استَنبَطَ ذلك مِنْ الحَديثِ الصَّحِيحِ الذي فيه: «سُبحَانَ اللهِ عددَ خَلقِهِ». فقد ثَبت أنَّه ﷺ قالَ لِأُمِّ المُؤمِنينَ ورَآها قد أكثرَتِ التَّسبيحَ وأطالَته: «قُلتُ بعدَكِ كَلمَاتٍ، لو وُزِنَت بِمَا قُلتِ لَوَزَنَتهُنَّ»، فذكرَ ذلك، وكانَ ﷺ يُعجِبُه الجَوامِعُ مِنْ الدُّعاءِ.
وقد عَقَدَ القاضي عِياضٌ بابًا في صِفةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في كتابِ: «الشِّفاءُ»، ونقلَ فيه آثارًا مَرفوعةً عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، ليس في شَيءٍ منها عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ وغيرِهم لَفظُ: «سيِّدِنا».
منها؛ حَديثُ علِيٍّ أنَّه كانَ يُعلِّمُهم كَيفيَّةَ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ ، فيَقولُ: «اللَّهمَّ داحيَ المَدحُوَّاتِ، وبارِيَ المَسمُوكاتِ، اجعَل سَوابِقَ صَلواتِكَ، ونَواحيَ بَرَكاتِكَ، وزائِدَ تَحِيَّتِكَ على مُحمدٍ عَبدكَ ورَسولِكَ الفاتِحِ لمَا أُغلِقَ». وعن: «علِيٍّ» أنَّه كانَ يَقولُ: «صَلواتُ اللهِ البرِّ الرَّحيمِ والمَلائِكةِ المُقَرَّبِينَ، والنَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ، وما سَبَّحَ لكَ مِنْ شَيءٍ يا رَبَّ العالَمِينَ، على مُحمدِ بنِ عَبد اللهِ، خاتَمِ النَّبيِّينَ وإمامِ المُتَّقِينَ … » الحَديثَ.
وعن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ يَقولُ: «اللَّهُمَّ اجعَل صَلواتِكَ
стр. 1013
وَبَرَكاتِكَ وَرَحمَتَكَ على سيِّدِ المُرسَلِينَ، وَإِمَامِ المُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبيِّينَ، مُحمَّدٍ، عَبدكَ وَرَسولِكَ، إِمَامِ الخَيرِ وَرَسولِ الرَّحمَةِ … » الحَديثَ. وعنِ الحَسنِ البَصريِّ أنَّه كانَ يَقولُ: مَنْ أرادَ أن يَشرَبَ بالكَأسِ الأروَى مِنْ حَوضِ المُصطَفَى فليَقُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ وأصحابِه وأزواجِه وأولادِه وذُرِّيَّتِه وأهلِ بَيتِه وأصهارِه وأنصارِه وأشياعِه ومُحِبِّيه. فهذا ما أُوثِرُ مِنَ: «الشِّفاءُ»، ممَّا يتعلَّقُ بهَيئةِ الصَّلاةِ عليه عن الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، وذُكر فيه غيرُ ذلك.
نَعم، وردَ في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ في صَلاتِه على النَّبيِّ ﷺ يَقولُ: «اللَّهمَّ اجعَل فَضائِلَ صَلواتِكَ وَرَحمَتِكَ وبَرَكاتِكَ على سيِّدِ المُرسَلِينَ … » الحَديثَ، أخرَجه ابنُ ماجَه (١)، ولكنَّ إسنادَه ضَعيفٌ، وحَديثُ: «علِيٍّ» المُشارُ إليه أخرَجه الطَّبرانيُّ بإسنادٍ ليس به بَأسٌ، وفيه ألفاظٌ غَريبةٌ، رَويتُها مَشروحَةً في كتابِ: «فَضلُ النَّبيِّ ﷺ »، لِأبي الحَسنِ بنِ الفارِسِ، وقد ذكرَ الشافِعيَّةُ أنَّ رَجلًا لو حلَف ليُصلِّينَّ على النَّبيِّ ﷺ أفضَلَ صَلاةٍ، فطَريقُ البرِ أن يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمدٍ كلَّمَا ذكرَه الذَّاكِرونَ، وسَها عن ذكرِه الغافِلونَ».
وقالَ النَّوويُّ: والصَّوابُ الذي يَنبَغي الجَزمُ به أن يُقالَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ … » الحَديثَ.
وقد تَعقَّبه جَماعةٌ مِنْ المُتأخِّرينَ، بأنَّه ليس في الكَيفيَّتَينِ المَذكورَتَينِ
стр. 1014
ما يدلُّ على ثُبوتِ الأفضَليةِ فيهما مِنْ حيثُ النَّقلُ، وأمَّا مِنْ حيثُ المَعنى، فالأفضَليَّةُ ظاهِرةٌ في الأوَّلِ.
والمَسألةُ مَشهورةٌ في كُتُبِ الفِقهِ، والغَرضُ منها أنَّ كلَّ مَنْ ذكرَ هذه المَسألةَ مِنْ الفُقهاءِ قاطِبَةً، لم يَقع في كَلامِ أحَدٍ منهم: «سيِّدُنا»، ولو كانت هذه الزِّيادةُ مَندوبةً، ما خَفِيَت عليهم كلِّهم حتى أغفَلوها، والخَيرُ كلُّه في الاتِّباعِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: أكمَلُ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ وأفضَلُها: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ … » (٢).
١٧ - كَيفيَّةُ الجُلوسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هَيئةِ الجُلوسِ المَسنونةِ في الصَّلاةِ، هل السُّنةُ الافتِراشُ في جَميعِ جَلساتِ الصَّلاةِ، أو التَورُّكُ مُطلَقًا، أو الافتِراشُ في التشهُّدِ الأوسَطِ، والتَورُّكُ في التشهُّدِ الأخِيرِ؟
فذَهب الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ الرَّجلِ وبينَ المَرأةِ؛ فالرَّجلُ يُسنُّ له الافتِراشُ، والمَرأةُ يُسنُّ لها التَورُّكُ، سَواءٌ أكانَ في القَعدةِ الأُولى، أو في الأخيرةِ، أو الجَلسةِ بينَ السَّجدتَينِ.
стр. 1015
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه وائِلُ بنُ حُجرٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ ، وفيه: «أَنَّه كانَ إِذَا قَعد في الصَّلاةِ نصبَ اليُمنَى وَقَعد على اليُسرَى» (١). وقالوا: وما وردَ مِنْ تَورُّكِه ﵊ مَحمولٌ على حالِ كِبَرِه وضَعفِه، وكذا يَفتَرِشُ بينَ السَّجدتَينِ (٢).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ هَيئَةَ الجُلوسِ المَسنونةَ في جَميعِ جَلساتِ الصَّلاةِ هي التَورُّكُ، ولا فَرقَ عندَهم بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ؛ لمَا رَواه مالِكٌ في المُوَطَّأِ عن عَبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه قالَ: «إنَّما سُنَّةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنصِبَ رِجلَكَ اليُمنَى وَتَثنِي اليُسرَى» (٣). وفي رِوايَتِه عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّه أَرَاهُمُ الجُلُوسَ في التشهُّدِ، فَنصبَ رِجلَه اليُمنَى وثَنى رِجلَه اليُسرَى، وَجلسَ على وَرِكِه اليُسرَى، ولم يَجلِس على قَدَمِه، ثم قالَ: «أَرَانِي هذا عَبد اللهِ بنُ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَباهُ كانَ يَفعلُ ذلك» (٤).
وعن عَبد اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قَعد في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَه اليُسرَى بينَ فَخِذِهِ وسَاقِهِ، وفرشَ قَدَمَه اليُمنَى ووضعَ يدَهُ اليُسرى على رُكبَتِه اليُسرى، ووضعَ يَدهُ اليُمنى على فَخِذِهِ اليُمنى، وأَشَارَ بِأصبعِه» (٥).
стр. 1016
وفي لَفظٍ: «إذا قَعد في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَه اليُسرى تحتَ فَخِذِهِ اليُمنى وَسَاقِهِ، وفرشَ قَدَمَه اليُمنَى» (١). وهذا لا يَكونُ إلا مع الإفضاءِ بوَرِكِه إلى الأرضِ على ما قُلنا، ولأنَّ ذلك أبلَغُ في التَّمكينِ، وأحسَنُ في وَقارِ الصَّلاةِ.
ولأنَّه فِعلٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ يَستَوي فيه الإمامُ والمَأمومُ، كانَ على صِفةٍ واحدةٍ، كالرُّكوعِ، ولأنَّها صِفةٌ مَسنونةٌ حالَ القُعودِ، لم تَختلِف صِفَتُها؛ كوَضعِ اليَدينِ على الفَخِذَينِ (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُسنُّ التَورُّكُ في التشهُّدِ الأخيرِ، والافتِراشُ في باقي الجَلساتِ؛ لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا جلسَ في الرَّكعتَينِ جلسَ على رِجلِه اليُسرَى، وَنصبَ اليُمنَى، وإذا جلسَ في الرَّكعَةِ الآخرةِ قدَّم رِجلَه اليُسرَى، وَنصبَ الأُخرَى، وَقَعد على مَقعدتِه». وفي رِوايةٍ: «فإذا كانَ في الرَّابعَةِ أَفضَى بِوَرِكِه اليُسرَى إلى الأرضِ، وَأَخرَج قَدمَيهِ مِنْ نَاحِيَةٍ واحدةٍ» (٣). والحِكمةُ في المُخالَفةِ بينَ الأخيرِ وغيرِه مِنْ بَقيَّةِ الجَلساتِ أنَّ المُصلِّي مُستوفِزٌ فيها لِلحَركةِ، بخِلافِه في الأخيرةِ، والحَركةُ عن الافتِراشِ أهوَنُ.
إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: يُسنُّ التَورُّكُ في كلِّ تَشهُّدٍ يسلِّمُ فيه، وإن لم يَكنُ
стр. 1017
ثانيًا، كتَشهُّدِ الصُّبحِ والجمُعةِ؛ لأنَّه تَشهُّدٌ يُسنُّ تَطويلُه، فسُنَّ فيه التَورُّكُ كالثاني. وأمَّا المَرأةُ فإنَّها تَجلِسُ بأيسَرِ ما يَكونُ لها (١).
أمَّا الحَنابلَةُ فلا يَتوَرَّكُ الرَّجلُ عندَهم إلا في التشهُّدِ الأخيرِ من صَلاةٍ فيها تَشهُّدانِ؛ لحَديثِ عائِشَةَ ﵂: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقولُ في كلِّ رَكعتَينِ التَّحِيَّةَ، وكانَ يَفرِشُ رِجلَه اليُسرَى، وَيَنصِبُ رِجلَه اليُمنَى» (٢). ولأنَّ التشهُّدَ الثانيَ إنَّما تَورَّك فيه لِلفَرقِ بينَ التشهُّدَينِ، وما ليس فيه إلا تَشهُّدٌ واحدٌ لا اشتِباه فيه، فلا حاجةَ إلى الفَرقِ.
وأمَّا المَرأةُ عندَهم فلها أن تَجلِسَ مُتربِّعةً؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يَأمُرُ النِّساءَ أن يَتربَّعنَ في الصَّلاةِ، وأن تَسدِلَ رِجلَيهَا فتَجعَلَهما مِنْ جانِبِ يَمينِها، والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّ السَّدلَ أفضَلُ؛ لأنَّه غالِبُ فِعلِ عائِشَةَ ﵄، ولأنَّه أشبَه بجِلسَةِ الرَّجلِ (٣).
وصِفةُ الافتِراشِ هي: أن يَنصِبَ قَدَمَه اليُمنَى قائِمةً على أطرافِ الأصابِعِ بحيثُ تَكونُ مُتوجِّهةً نحوَ القِبلةِ، ويَفرِشَ رِجلَه اليُسرى بحيثُ يَلي ظَهرُها الأرضَ جالسًا على بَطنِها.
والتَورُّكُ: كالافتِراشِ، لكِن يُخرِجُ يُسرَاهُ مِنْ جِهةِ يَمينِه ويُلصِقُ وَركَه بالأرضِ (٤).
стр. 1018
١٨ - جَلسةُ الاستِراحةِ:
جَلسةُ الاستِراحةِ هي الجَلسةُ التي يَقعُدُها المُصلِّي عندما يَنتَهي مِنْ الرَّكعةِ الأُولى أو الثَّالثةِ، ويَنهَضُ لِلثانيةِ أو الرابِعةِ فيَقعُدُ قَعدةً خَفيفةً بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ وقبلَ القيامِ لِلرَّكعةِ الثانيةِ أو الرابِعةِ.
وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ: هل هذه القَعدةُ مَشروعةٌ وسُنَّةٌ عن النَّبيِّ ﷺ أو لا؟
فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ، والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُصلِّي إذا قامَ مِنْ السَّجدةِ الثانيةِ لا يَجلِسُ جَلسةَ الاستِراحةِ، ويَنهَضُ على صُدورِ قَدمَيه؛ وذلك لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ، وفيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا رفعَ رَأسَه مِنْ السَّجدَةِ قامَ»، وَلَم يَذكُر قُعُودًا (١).
وفي حَديثِ رِفاعةَ بنِ رَافِعٍ عن النَّبيِّ ﷺ في تَعليمِ الأعرابيِّ: «ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم قُم»، ولم يَأمُره بالقَعدةِ (٢).
واحتَجَّ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ لِهذا المَذهبِ أيضًا بأن قالَ: قدِ اتَّفَقُوا أنَّه
стр. 1019
يَرجِعُ مِنْ السُّجودِ بتَكبيرٍ، ثم لا يُكبِّرُ تَكبيرةً أُخرى لِلقيامِ، قالوا: فلو كانَتِ القَعدةُ مَسنونةً لَكانَ الانتِقالُ منها إلى القِيامِ بالذِّكرِ كسائرِ أحوالِ الانتِقالِ.
ولأنَّه نُهوضٌ إلى القيامِ، لم يكن مِنْ سُنَّتِه أن يَفصِلَ بينَهما بفِعلٍ غيرِه، أصلُه النُّهوضُ مِنْ الجُلوسِ إلى الرَّكعةِ الثالِثةِ، ولأنَّه انتِقالٌ من رُكنٍ إلى رُكنٍ يُخالِفُه، فلم يُسنُّ فيه جَلسةٌ تَفصِلُ بينَهما، كالانتِقالِ مِنْ القِيامِ إلى السُّجودِ (١).
وذَهب الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها الخلَّالُ إلى أنَّه يُسنُّ بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ جَلسةُ الاستِراحةِ مِنْ كلِّ رَكعةٍ تَقومُ عنها؛ لمَا رَواه مالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ، وفيه: «أنَّه إذا رفعَ رَأسَه عن السَّجدَةِ الثَّانيَةِ جلسَ وَاعتَمدَ على الأرضِ، ثم قامَ» (٢).
وفي رِوايةٍ عن مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ﵁ «أنَّه رَأى النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي، فإذا كانَ في وِترٍ مِنْ صَلاتِه لم يَنهَض حتى يَستَويَ قاعِدًا» (٣).
وعن أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ وفيه: « … وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ، ثم يَركَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيهِ على رُكبتَيهِ، مُعتَمِدًا لَا
стр. 1020
يَصُبُّ رَأسَه ولا يُقنِعُ مُعتَدِلًا، ثم يَقولُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ حتى يَقِرَّ كلُّ عَظمٍ إلى مَوضِعِه، ثم يَهوِي إلى الأرضِ، وَيُجَافِي بينَ يَديهِ عن جَنبَيهِ، ثم يَرفَعُ رَأسَه وَيَثنِي رِجلَه اليُسرَى فَيَقعُدُ عليها وَيَفتَخُ أَصَابِعَ رِجلَيهِ إذا سجدَ، ثم يَسجُدُ، ثم يُكبِّرُ وَيَجلِسُ على رِجلِه اليُسرَى حتى يَرجِعَ كلُّ عَظمٍ منه إلى مَوضِعِه، ثم يَقومُ فَيَصنَعُ في الرَّكعَةِ الأُخرَى مثلَ ذلك» (١). وقيلَ: إنَّ الإمامَ أحمدَ رَجعَ إلى هذا القولِ وتركَ القولَ الأوَّلَ.
قالَ الخلَّالُ: رَجعَ أبو عَبد اللهِ إلى هذا. يَعني تركَ قولَه بتَركِ الجُلوسِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقيلَ: إن كانَ المُصلِّي ضَعيفًا جلسَ لِلِاستِراحةِ؛ لِحاجَتِه إلى الجُلوسِ، وإن كانَ قَويًّا لم يَجلِس؛ لِغِناه عنه، وحُمِلَ جُلوسُ النَّبيِّ ﷺ على أنَّه كانَ في آخرِ عُمُرِه عندَ كِبَرِه وضَعفِه، وهذا فيه جَمعٌ بينَ الأخبارِ، وتَوسُّطٌ بينَ القولَينِ.
والسُّنةُ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ أن يَنهَضَ مُعتَمِدًا على يَديهِ من على الأرضِ؛ لِحَديثِ أبي قِلابةَ قالَ: جاءَنَا مَالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ فصلَّى بنَا في مَسجدِنَا هذا، فقالَ: إنِّي لَأُصَلِّي بِكم وما أُرِيدُ الصَّلاةَ، وَلَكِن أُرِيدُ أن أُرِيكم كَيفَ رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي. قالَ أَيُّوبُ: فقُلتُ لأَبي قِلابةَ: وَكَيفَ كانَت صَلاتُه؟ قالَ: مثلَ صَلاةِ شَيخِنَا هذا. يَعني عَمرَو بنَ سَلمةَ، قالَ أَيُّوبُ: وكانَ ذلك الشَّيخُ يُتمُّ التَّكبيرَ «وإذا رفعَ رَأسَه عن