الشرطُ الرابعُ: أنْ يكونَ مسلِماً (حكمُ طلاقِ الكافرِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافرِ إذا طلَّقَ وهو يَعتقِدُ الطَّلاقَ، هلْ يَصحُّ طلاقُهُ ويَنفُذُ أم لا؟
فذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهُورِ إلى أنَّهُ يُشتَرطُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا يَصِحُّ ولا يَنفُذُ طَلاقُ الكافرِ كما لا يَصحُّ نِكاحُهُ، وسواءٌ كانَتْ زَوجتُهُ الَّتي طلَّقَها كافرةً أو مُسلِمةً، فإذا طلَّقَ زَوجتَهُ الكافِرةَ ثمَّ أسلمَتْ وأسلَمَ في عدَّتِها كانَ أحقَّ بها، وإذا أسلَمَتِ النَّصرانيَّةُ وزَوجُها نَصرانِيٌّ ثمَّ طلَّقَها في العدَّةِ ولو ثلاثًا ثمَّ أسلَمَ فيها لم يُعَدَّ طَلاقُه طلاقًا، وكانَ على نِكاحِهِ، وإنِ انقَضَتْ عدَّتُها فنكَحَها بعْدَ ذلكَ كانَ جائِزًا، وطلاقُهُ في شِرْكِهِ باطِلٌ؛ لأنَّ اللهَ قَدْ أحبَطَ عمَلَ أهلِ الكفرِ في كتابِهِ، وقالَ ﷺ : «الإسلامُ يَجُبُّ ما قبْلَهُ».
وهذا إذا لم يَتحاكَمُوا إلَينا، فإنْ تَحاكَمُوا إلينا ففيهِ أربعُ تأويلاتٍ.
قالَ الصَّاوي ﵀: قولُهُ: (تأويلاتٌ أربعَةٌ): الأوَّلُ مِنها لابنِ شبلونَ، والثَّاني لابنِ أبي زَيدٍ، والثَّالثُ للقابسيِّ، والرَّابعِ لابنِ الكاتِبِ، واستَظهَرَهُ عِياضٌ، ومَحلُّ هذا الخِلافِ إذا تَرافَعُوا إلينا وقالُوا لنا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ الإسلامِ في أهلِ الإسلامِ، أو على أهلِ الإسلامِ، فلا فرْقَ بيْنَ (في، وعلى) على الصَّوابِ، أو بحُكمِ الإسلامِ على أهلِ الكُفْرِ، أو في أهلِ الكُفْرِ، وأمَّا لو قالُوا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ أهلِ الإسلامِ في طلاقِ الكُفرِ، أو بما يَجِبُ على
стр. 10275
الكافِرِ عِندَكُم، حُكِمَ بعَدَمِ لُزومِ الطَّلاقِ؛ لأنَّهُ إنَّما يَصحُّ طلاقُ المُسلِمِ، وأمَّا لو قالُوا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ الطَّلاقِ الواقِعِ بيْنَ المُسلمِينَ، حُكِمَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ، ويُمنَعُ مِنْ مُراجَعتِها إلَّا بعْدَ زَوجٍ، وأمَّا لو قالَ: احكُمُوا بَينَنا بما يَجبُ في دِينِنا أو بما في التَّوراةِ، فإنَّنا نَطرُدُهم ولا نحكمُ بَينَهم، كذا في الحاشيَةِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابلَةُ إلى أنَّهُ لا يُشتَرطُ الإسلامُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ، فيَصحُّ طلاقُ الكافِرِ؛ لأنَّ الكفْرَ لا يَنفي أهليَّةَ الطَّلاقِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا صحَّةُ الزَّوجُ ليسَ بشَرطٍ، وكذا إسلامُهُ، فيَقعُ طلاقُ المَريضِ والكِافرِ؛ لأنَّ المرَضَ والكفرَ لا يُنافيانِ أهليَّةَ الطَّلاقِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأنكِحةُ الكفَّارِ تتعلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحيحِ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ ووُجوبِ المَهرِ والقَسْمِ والإباحةِ للزَّوجِ الأوَّلِ والإحصانِ وغَيرِ ذلكَ.
وقالَ في رِوايةِ حَنبلٍ في مُسلِمٍ تَحتَهُ نَصرانيَّةٌ طلَّقَها ثلاثًا فتَزوَّجَتْ بنَصرانِيٍّ: تَحلُّ لِلأوَّلِ؛ لأنَّهُ زَوجٌ (١).
إذا لم يَعتَقدِ الكافِرُ وُقوعَ الطَّلاقِ، هل يَقعُ طلاقُهُ؟
قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا إنْ كانَ الكافِرُ لا يَعتَقدُ وُقوعَ الطَّلاقِ ولا نُفوذَهُ فطلَّقَ، فهل يَصحُّ طَلاقُهُ؟
ففيهِ رِوايتانِ مَنصُوصتانِ عنْ أحمَدَ، أصحُّهُما: أنَّهُ لا يَصحُّ طلاقُهُ، وهذا هُو مُقتَضى أُصولِه، فإنَّا نُقرِّهُم على ما يَعتقِدُونَ صِحتَهُ مِنَ العُقودِ، فإذا لم يَعتَقدْ نُفوذَ الطَّلاقِ فهُوَ يَعتقِدُ بقاءَ نِكاحِه، فيُقرُّ عليهِ وإنْ أسلَمَ.
وأيضًا: فإنَّ وُجودَ هذا الطَّلاقِ وعَدمَه في حَقِّه واحدٌ، فإنَّهُ لم يَلتزِمْ حُكمَ الطَّلاقِ ولا اعتَقدَ نُفوذَه، فلَم يَلزمْهُ حُكمُه، وهذا التَّفصيلُ في طلاقِهِ هو فصْلُ الخِطَابِ (٢).
حكمُ طلاقِ المريضِ مرَضَ الموتِ (طلاقُ الفَارِّ):
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ وغَيرُهم على أنَّهُ لا يُشتَرطُ لصِحَّةِ الطَّلاقُ صحَّةُ الزَّوجِ، فيَصحُّ طلاقِ المَريضِ؛ لأنَّ المرَضَ لا يَنفِي أهليَّةَ الطَّلاقِ.
وإذا طلَّقَ زَوجتَهُ وهوَ صَحيحٌ أو في مَرضٍ غَيرِ مَخُوفٍ ثمَّ ماتَ أنَّهُ لا
стр. 10279
تَوارُثَ بيْنَهما بالإجماعِ، إلَّا إذا كانَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فإنَّهُما يَتوارثانِ؛ لأنَّهُما زَوجانِ.
قالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: قِسمٌ يَقطَعُ التَّوارُثَ بيْنَهُما، وهو الطَّلاقُ البائِنُ في الصِّحَّةِ أو في مَرَضٍ غَيرِ مُخَوِّفٍ، والبائِنُ طلاقُ غَيرِ المَدخولِ بها وطَلاقُ الثَّلاثِ والطَّلاقُ في الخُلعِ، فلا يَرِثُها ولا تَرِثُه، سواءٌ كانَ المَوتُ في العدَّةِ أو بعْدَها؛ لارتِفاعِ النِّكاحِ بيْنَهُما، وهذا إجماعٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَها في الصِّحَّةِ طلاقًا بائِنًا أو رَجعيًّا فبانَتْ بانقِضاءِ عدَّتِها لَم يَتوارثَا إجماعًا (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو مَرِضَ الزَّوجُ مَرضَ الموتِ المَخُوفِ فماتَ الزَّوجُ في هذا المرَضِ، هلْ تَرِثُ منهُ زَوجَتُه أم لا؟
فهذا لا يَخلُو مِنْ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونُ الطَّلاقُ رَجعيًّا:
وهذا لا يَخلُو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فيَموتَ أحدُهُما قبْلَ انقِضاءِ العدَّةِ:
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طَلقةً رَجعيَّةً فماتَ
стр. 10280
وهيَ في العِدَّةِ أو ماتَتْ وهي في العدَّةِ أنَّ الحيَّ مِنهُما يَرِثُ الآخَرَ، سواءٌ طلَّقَها بسُؤالِها أو بغَيرِ سُؤالِها؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزيلُ النِّكاحَ، حتَّى لو طلَّقَها في صحَّتِه طلاقًا رَجعيًّا وماتَ وهي في العدَّةِ وَرثَتْ منهُ وانقَلبَتْ عدَّتُها إلى عدَّةِ الوَفاةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَهُ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ مَدخولًا بها طلاقًا ملَكَ رَجعتَها وهوَ صَحيحٌ أو مَريضٌ فماتَ أو ماتَتْ قبْلَ أنْ تَنقضيَ عِدَّتُها إنَّهُما يَتوارَثانِ (١).
وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا على أنَّ مُطلِّقَ زَوجتِهِ طلاقًا يَملِكُ فيهِ رَجعتَها ثمَّ تُوفِّيَ قبْلَ انقِضاءِ العدَّةِ أنَّ عَليها عدَّةُ الوَفاةِ وتَرِثُه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتُهُ طلاقًا يَملِكُ رَجعتَها في عدَّتِها لم يَسقُطِ التَّوارُثُ بيْنَهُما ما دامَتْ في العدَّةِ، سواءٌ كانَ في المرَضِ أو الصِّحَّةِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه، ورُويَ ذلكَ عن أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃؛ وذلكَ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُهُ وظِهارُهُ وإيلاؤُه، ويَملِكُ إمساكَها بالرَّجعَةِ بغَيرِ رِضاها ولا وَليٍّ ولا شُهودٍ ولا صَداقٍ جَديدٍ (٣).
стр. 10281
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فيَموتَ الزَّوجُ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لَو طلَّقَها في مرَضِ مَوتِهِ طلقةً رَجعيَّةً ثمَّ ماتَ أو ماتَتْ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها، هلْ تَرثُه أم لا؟ بعْدَ إجماعِهِم أنَّهُ لا يَرِثُها إذا هيَ ماتَتْ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ.
فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ إلى أنَّها لا تَرِثُ مِنهُ (١).
وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّها تَرِثُ مِنهُ أبدًا.
وذهَبَ الحنابلَةُ إلى أنَّها تَرِثُ مِنهُ ما لم تَتزوَّجْ، كما سَيأتي مُفصَّلًا في المَسألةِ التَّاليةِ.
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ الطَّلاقُ بائِنًا فيَطلِّقَها في مرَضِ المَوتِ ثمَّ يَموتُ في مَرَضِه:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو طلَّقَ الزَّوجُ المَريضُ مرَضَ المَوتِ زوجَتَه طلاقًا بائِنًا لا رَجعةَ فيهِ ثمَّ ماتَ في مرَضِه، هل تَرِثُه الزَّوجَةُ مُطلقًا، سواءٌ ماتَ وهي في العدَّةِ أو بعْدَ العدَّةِ، تزوَّجَتْ أم لَم تَتزوَّجْ كما يَقولُ المالكيَّةُ؟ أم تَرِثُه ما دامَتْ في العدَّةِ ولا تَرِثُه بعْدَها كما يقولُ الحنفيَّةُ؟ أم لا تَرِثُه مُطلقًا على الصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ؟ أم تَرِثُه ما لم تَتزوَّجْ كما هوَ مَذهبُ الحنابلةِ؟
بعدَ إجماعِهِم على أنَّهُ إذا طلَّقَ في مرَضِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَتْ هي فيهِ فإنَّ
стр. 10282
الرَّجلَ لا يَرثُها ولو طلَّقَها مَريضةً؛ لأنَّهُ الَّذي أسقَطَ ما كانَ بيَدهِ لأنَّها لَم تُخرِجْه هي عنِ المِيراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرَقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها (١).
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا لو ماتَتْ لم يَرِثْها المُطلِّقُ؛ وذلكَ لأنَّها غَيرُ زَوجةٍ (٢).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الإجماعُ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرِثُها وإنْ ماتَتْ في العدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهوَ صَحيحٌ أو مَريضٌ (٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الطَّلاقُ البائِنُ في المرَضِ المُخَوِّفِ إذا اتَّصلَ بالمَوتِ، فإنْ ماتَتْ لَم يَرِثْها إجماعاً (٤).
القولُ الأوَّلُ: ذَهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ في مرَضِ مَوتِه طلاقًا بائِنًا ثمَّ ماتَ وهي في العدَّةِ وَرثَتْ منهُ، وكذا إذا طلَّقَها ثلاثًا، وإنْ ماتَ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها فلا مِيراثَ لها؛ لأنَّها قدْ حَلَّتْ للأزواجِ، فكيفَ تَرثُ زوْجَها وهي تحْتَ غَيرِه؟ ولأنَّهُ لا خِلافَ بيْنَ المُسلمينَ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ صَحيحًا طلقةً يَملِكُ فيها رَجعتَها ثمَّ انقَضَتْ عدَّتُها قبْلَ مَوتِه أنَّها لا تَرثُه؛ لأنَّها أجنبيَّةٌ ليسَتْ منهُ ولا هوَ مِنها، ولا تكونُ المَبتوتةُ المُختلَفُ
стр. 10283
في ميراثِها في العدَّةِ بالميراثِ بأقوَى مِنْ المُجتمَعِ على ميراثِها في العدَّةِ.
وأصلُهُ: أنَّ الزَّوجيَّةَ في مرَضِ المَوتِ سَببٌ يُفضِي إلى الإرْثِ غالِبًا، فإبطالُهُ يكونُ ضَررًا بصاحِبِه، فوجَبَ ردُّهُ دفْعًا لهذا الضَّررِ في حقِّ الإرثِ ما دامَتْ في العدَّةِ كما في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ؛ لأنَّ النِّكاحَ في العدَّةِ يَبقَى في حقِّ بعضِ الآثارِ، فجازَ أنْ يَبقَى في حقِّ إرثِها عَنهُ، بخلافِ ما بعْدَ الانقِضاءِ؛ لأنَّهُ لا إمكانَ والزَّوجيَّةُ في هذهِ الحالَةِ ليسَتْ بسَببٍ لإرثِهِ عنها، فتَبطُلُ في حقِّهِ خُصوصًا إذا رَضيَ بهِ.
والدَّليلُ على هذا فِعلُ الصَّحابةِ ﵃، فقْد رَوى إبراهيمُ قالَ: جاءَ عُروةُ البارقِيُّ إلى شُريحٍ مِنْ عِنْدِ عُمرَ ﵁ بخَمْسِ خصالٍ مِنهنَّ: «إذا طلَّقَ المَريضُ امرأتَهُ ثلاثًا وَرثَتْه إذا ماتَ وهيَ في العدَّةِ».
وعنِ الشَّعبيِّ أنَّ أمَّ البَنِينَ بنتَ عُيَينَةَ بنِ حصنٍ الفزاريِّ كانَتْ تحتَ عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ ففارَقَها بعدَما حُوصِرَ، فجاءَتْ إلى عليٍّ ﵁ بعْدَما قُتِلَ وأخبَرَتْه بذلكَ فقالَ: «تَرَكَها حتَّى إذا أشرَفَ على المَوتِ فارَقَها، وورَّثَها منهُ».
وعَن عائشةَ ﵂: «أنَّ امرأةَ الفارِّ تَرِثُ ما دامَتْ في العدَّةِ».
وهذا إذا طلَّقَها بغَيرِ سُؤالٍ مِنها ولا رِضًا، أمَّا إذا سَألَتْه ذلكَ فَطلَّقَها بائِنًا أو ثلاثًا أو خالَعَها أو قالَ لهَا: اختارِي فاختارَتْ نفْسَها فماتَ وهي في العدَّةِ لا تَرِثُ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإبطالِ حقِّها.
стр. 10284
وإنْ قالَتْ لهُ في مرَضِه: طلِّقْنِي للرَّجعَةِ فطلَّقَها ثلاثًا وَرثَتْ؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزيلُ النِّكاحَ، فلَم تكنْ بسُؤالِها راضيةً بإبطالِ حقِّهَا.
وإنْ طلَّقَها ثلاثًا وهوَ مريضٌ ثمَّ صحَّ ثمَّ ماتَ بعْدَ ذلكَ وهيَ في العدَّةِ لَم تَرثْه، خِلافًا لزُفَرَ.
وإنْ صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ مَرِضَ ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِه وهيَ في العدَّةِ وَرثَتْه أيضًا.
ثمَّ المرَضُ الَّذي لا تَرثُه المُطلَّقةُ أنْ يكونَ مَريضًا مَرضًا لا يَعيشُ مِنهُ غالبًا، ويَخافُ منهُ الهَلاكَ غالبًا، بأنْ يكونَ صاحِبَ فِراشٍ لا يَجيءُ ولا يَذهَبُ إلى أنْ يَموتَ.
وقيلَ: أنْ يكونَ مُضنًى لا يَقومُ إلَّا بشدَّةِ، وهو في حالٍ يَجوزُ لهُ الصَّلاةُ قاعِدًا، أمَّا إذا كانَ يذهَبُ ويَجيءُ وهوَ يُحَمُّ فهو كالصَّحيحِ.
وإنْ قُدِّمَ ليُقتَلَ قصاصًا أو رجمًا فطلَّقَ حينَئذٍ وَرثَتْ، وكذا إذا انكَسرَتْ بهِ السَّفينةُ وبَقيَ على لَوحٍ، أو وقَعَ في فَمِ سَبُعٍ فطلَّقَ ثلاثًا وماتَ مِنْ ذلكَ وَرثَتْ (١).
стр. 10285
القولُ الثَّاني: ذَهبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجَتَه المَدخولُ بها واحدَةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُه مُطلقًا، سواءٌ انقَضَتْ عدَّتُها أم لمْ تَنقَضي؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما يَثبتُ لها لأنَّ الطَّلاقَ صادَفَ سبَبَهُ وهوَ ثُبوتُ الحَجْرِ عليهِ مِنْ أجْلِها؛ فلا فرْقَ بيْنَ بقاءِ العدَّةِ وزَوالِها؛ لِوُجوبِ الميراثِ لها بحُصولِ السَّببِ الَّذي هوَ الحَجْرُ، سواءٌ تزوَّجَتْ بعْدَه أم لم تتزوَّجْ، حتَّى لو تزوَّجَتْ بعْدَهُ ثمَّ ماتَ وَرثَتْه، وكذلكَ لو تزوَّجَتْ بعَشرةِ مِنَ الرِّجالِ وكلٌّ مِنهم طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ منهُم جميعًا؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما وجَبَ لها بإخْراجِه إيَّاها منْهُ بعْدَ ثُبوتِ حقِّ الحجْرِ عليهِ، وهذا مَوجودٌ معَ تَزوُّجِها، فلَم يكُنْ لاعتِبارِ التَّزويجِ معنًى كما لم يكُنْ لاعتِبارِ العدَّةِ مَعنًى.
وقدْ رَوى مالكٌ في «المُوطَّأ»: بابُ طلاقِ المرِيضِ
١١٨٣ - حدَّثَني يَحيَى عَنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ طلحَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ قالَ: وكانَ أعلَمَهُم بذلكَ، وعَن أبي سلَمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحمَنِ بنَ عوْفٍ طَلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ وهوَ مرِيضٌ، فوَرَّثَها عُثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها».
١١٨٤ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ عَبدِ الله بنِ الفَضلِ عنِ الأعرَجِ «أنَّ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ورَّثَ نِساءَ ابنِ مُكْمِلٍ منهُ، وكانَ طَلَّقَهنَّ وهو مَريضٌ».
١١٨٥ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ رَبيعةَ بنَ أبي عَبدِ الرَّحمنِ يَقولُ:
стр. 10286
«بَلَغَني أنَّ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ سَألتْهُ أنْ يُطلِّقَها فقالَ: إذا حِضتِ ثمَّ طهُرْتِ فآذِنيني، فلَم تَحِضْ حتَّى مَرضَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، فلمَّا طهُرَتْ آذَنتْهُ فطلَّقَها، البَتَّةَ أو تَطليقةً لَم يَكنْ بَقيَ لهُ عَليها مِنَ الطَّلاقِ غَيرُها، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ يَومئذٍ مَريضٌ، فورَّثَها عثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بَعدَ انقضاءِ عدَّتِها».
١١٨٦ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ يَحيَى بنِ سَعيدٍ عَنْ محَمَّدِ بنِ يَحيَى بنِ حبَّانَ قالَ: كانَتْ عِنْدَ جَدِّي حبَّانَ امرَأتانِ هاشمِيَّةٌ وأنصاريَّةٌ، فطلَّقَ الأنصاريَّةَ وهيَ تُرضِعُ، فمَرَّتْ بها سَنَةٌ ثمَّ هلَكَ عنها ولم تَحضْ، فقالَتْ: أنا أرثُهُ لم أَحِضْ، فاختَصَمَتا إلى عُثمانَ بنِ عفَّانَ، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشميَّةُ عُثمانَ فقالَ: هذا عَملُ ابنِ عَمِّكِ، هوَ أشارَ علينا بهذا، يَعني عَليَّ بنَ أبي طالبٍ».
١١٨٧ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ ابنَ شِهابٍ يَقولُ: «إذا طلَّقَ الرّجُلُ امرأتَهُ ثلاثًا وهو مَريضٌ فإنَّها تَرثُهُ».
قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ ولا عِدَّةَ عليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّهُ والميراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سواءٌ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرَأتُهُ وهو
стр. 10287
مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِهِ ذلكَ، قُلتُ: فهَل يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عِدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عِدَّةَ عَليها، لا عِدَّةَ وفاةٍ ولا عِدَّةَ طلاقٍ، قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها طلاقًا بائِنًا وهوَ مَريضٌ وقدْ دخَلَ بها كانَ عَليها عدَّةُ الطَّلاقِ ولها المِيراثُ، وإنْ كانَ طلاقًا يَملِكُ رَجعَتَها فماتَ وهي في عدَّتِها مِنَ الطَّلاقِ انتَقلَتْ إلى عدَّةِ الوفاةِ، وإنِ انقَضَتْ عدَّتُها مِنْ الطَّلاقِ قبْلَ أنْ يَهلكَ فهلَكَ بعْدَ ذلكَ فلها الميراثُ ولا عِدَّةَ عَليها مِنَ الوَفاةِ.
قُلتُ: هلْ تَرِثُ امرَأةٌ أزواجًا كلُّهُم يُطلِّقُها في مرَضِه، ثمَّ تَتزوَّجُ زَوجًا والَّذينَ طلَّقُوها كلُّهم أحياءٌ، ثمَّ ماتُوا مِنْ قبْلِ أنْ يَصِّحُوا مِنْ مرَضِهم ذلكَ، وهي تحتَ زَوجٍ، أتُورِّثُها مِنْ جَميعِهم أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قال: لها المِيراثُ مِنْ جَميعِهم، قالَ مالِكٌ: وكذلكَ لو طلَّقَها واحدَةً ألبتَّةَ وهوَ مَريضٌ وتزوَّجَتْ أزواجًا بعْدَ ذلكَ كلُّهم يُطلِّقُها وَرثَتِ الأوَّلَ إذا ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ (١).
قالُوا: ولأنَّ المَعنَى في ذلكَ المُقابَلةُ بنَقيضِ القَصدِ، وإنْ كانَ عَبدُ الرَّحمَنِ ﵁ قدْ نَزَّهَهُ اللهُ عَنْ أنْ يَقصِدَ منْعَها، إلَّا أنَّ الحُكمَ إذا ثَبتَ لعِلَّةٍ غالِبةٍ اكتُفِي بغَلبَتِها عَنْ تَتبُّعِها في آحادِ الصُّوَرِ، وهذا في الشَّريعةِ كَثيرٌ لِمَنْ تأمَّلَه، لا سيِّمَا على القَولِ بحَسمِ الذَّرائِعِ، ولأنَّ المَريضَ مَمنُوعٌ أنْ
стр. 10288
يَتبَرَّعَ بإخراجِ جُزءٍ زائِدِ على ثُلثِهِ لحَقِّ الوَرثةِ، فأَولَى أنْ يُمنعَ مِنْ إسقاطِ بَعضِهم جُملةً.
ولأنهُ ﷺ لمَّا منَعَ المَريضَ مِنَ الحُكمِ في ثُلثَي مالِهِ المَورُوثِ بما يُنقصُ ورَثتَه منهُ؛ كانَ مَمنُوعًا أنْ يُدخلَ عَليهِم وارثًا، أو يُخرجَ مِنهُم وارثًا، ولمَّا منَعَ الرَّسولُ ﷺ القاتِلَ المِيراثَ بما أحدَثَ مِنَ القتْلِ انبغَى أنْ لا يَكونَ المَريضُ مانِعًا لزَوجتِهِ المِيراثَ بما أحدَثَ منَ الطَّلاقِ، ولا فرْقَ بيْنَ وارثَينِ أحدُهُما يَدخُلُ في الميراثَ بوجهٍ فيُمنَعُ مِنْ أجلِهِ، وآخرُ قدْ أُخرجَ بمِثلِ ذلكَ الوَجهِ؛ لأنَّ القاتِلَ أرادَ أنْ يَستوجِبَ بفِعلِه حقًّا لم يَجِبْ لهُ بعْدُ، فمُنِعَه، وكذلكَ المَريضُ أرادَ أنْ يَمنعَ بفعلِهِ حقًّا عَنْ مَنْ وجَبَ لهُ فمُنِعَه، وكما لم يكُنْ للمَريضِ أنْ يُدخِلَها في الميراثِ بتَزويجِه إيَّاها فيهِ؛ كانَ كذلكَ لا يُخرِجُها مِنَ الميراثِ بطلاقِها فيهِ.
وقدْ قضَى بهِ عُثمانُ ﵁ بمَحضَرِ المُهاجرِينَ والأنصارِ، وقالَهُ عُمَرُ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵄.
إلَّا أنَّهُ إذا صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُه على أيِّ وجْهٍ كانَ؛ لأنَّهُ إذا صَحَّ فقَدْ زالَ الحَجرُ عنهُ، كمَنْ طلَّقَ في الصِّحَّةِ.
ولَو سألَتْهُ الطَّلاقَ وهوَ مَريضٌ فطَلَّقَها أو خالَعَها وَرثَتْهُ؛ لأنَّ عُثمانَ ﵁ حكَمَ بذلكَ في تُماضِرَ بنتِ الأصبغِ زَوجةِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وكانَتْ عِندَهُ على طَلقَةٍ، فسألَتْهُ في شكوَتِهِ الَّذي ماتَ فيهِ أنْ يُطلِّقَها تَطليقةً
стр. 10289
هيَ آخِرُ طلاقِها، فوَرَّثَها عُثمانُ مِنهُ، ولَم يُنكِرْ ذلكَ عَليهِ أحَدٌ، ولأنَّهَا مُطلَّقةٌ في المَرضِ كالَّتي لَم تَأذنْ، ولأنَّ الإنسانَ قد يُضيِّقُ على زَوجَتِه حتَّى تَسألَهُ الخُلعَ، فحُسِمَ البابُ بتَوريثِها، ولأنَّ الإذْنَ في إخراجِها مِنَ الميراثِ بعْدَ ثُبوتِ سَببِه لا يُؤثِّر كما لَو قالَتْ: لَستُ أَرِثُكَ.
وإنْ ماتَتْ هي لَم يَرِثْها؛ لأنَّها لَم تُخرِجْه هيَ عَنِ الميراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها.
وعدَّتُها عدَّةُ طلاقٍ؛ لأنَّها قَدْ بانَتْ مِنهُ بالطَّلاقِ دُونَ المَوتِ، وإنَّما قَطَعَ المَرضُ مِنْ أحكامِ المَبتُوتَةِ انتِفاءَ الإرثِ فقَطْ (١).
القَول الثَّالثُ: قولُ الشَّافعيةِ في الأظهَرِ وهوَ المَذهبُ الجَديدُ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طلاقًا بائِنًا في مَرضِ مَوتِهِ ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُ منهُ زَوجَتُه؛ سَواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ أو لَم تَسألْهُ؛ لأنَّها فُرقةٌ تَقطعُ إرثَهُ مِنها، فوجَبَ أنْ تَقطعَ إرثَها مِنهُ، أصلُهُ الفُرقةُ في الصِّحَّةِ، ولأنَّهُ إرثٌ يَنقطِعُ بالفُرقةِ في حالِ الصِّحةِ فوجَبَ أنْ يَنقطِعَ بالفُرقةِ في حالِ المَرضِ، أصلُهُ إرثُ الزَّوجِ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرثُها وإنْ ماتَتْ في العِدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهو صَحيحٌ أو مَريضٌ، فكذلكَ الزَّوجةُ لا تَرثُه.
стр. 10290
ولأنَّ للنِّكاحِ أحكامًا مِنْ طلاقٍ وظِهارٍ وإيلاءٍ وتَحريمٍ للجَمْعِ بيْنَها وبيْنَ أُختِها وخالَتِها وعمَّتِها وثُبوتِ الميراثِ وعدَّةِ الوفاةِ، فلمَّا انتَفَى عن هذهِ المَبتُوتةِ في حالِ المَرضِ أحكامُ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ الميراثِ؛ انتَفَى عَنها أحكامُ النِّكاحِ في المِيراثِ.
وتَحريرُهُ قياسًا: أنَّهُ حكمٌ يَختصُّ بالنِّكاحِ، فوجَبَ أنْ يَنتفِيَ عن المَبتوتةِ في المرَضِ كسائِرِ الأحكامِ، ولأنَّ فسْخَ النِّكاحِ في المرَضِ سَببٌ مِنْ جهَتِها كالرِّدَّةِ والرَّضاعِ يَمنعُ ميراثَهُ مِنها، وإنْ تَوجَّهَتِ التُّهمةُ إليهِما جَميعًا بيْنَ وُجودِه في الصِّحَّةِ والمرَضِ، وجَبَ أنْ يكونَ وُجودُ الفُرقةِ مِنْ جهَتِه يَمنَعُ ميراثَها منهُ؛ تَسويةً بيْنَ الصِّحَّةِ والمَرضِ.
ولأنَّ هذا قولُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: أخبَرَنا عَبدُ المَجيدِ عَنْ ابنِ جُريجٍ عَنْ أبي مُلَيكةَ أنَّهُ سَألَ ابنَ الزُّبيرِ عنِ المرأةِ يُطلِّقُها الرَّجلُ فيبُتُّها ثُمَّ يَموتُ وهي في عدَّتِها، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: طلَّقَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ تُماضِرَ بنتَ الأَصبغِ الكَلبيَّةَ فبَتَّها، ثمَّ ماتَ وهي في عِدَّتها، فورَّثَها عُثمانُ، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: «فأمَّا أنا فلا أرَى أنْ تَرثَ مَبتوتةٌ» (١). وهو صحابيٌّ مِنْ أهلِ الاجتِهادِ، لا سيِّمَا في أيَّامِ عُثمانَ ﵁.
وفي قولٍ للشَّافِعيةِ أنَّ مَوتَ الزَّوجِ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ لا يَقطعُ التَّوارُثَ، فتَرثُه زَوجتُه؛ لأنَّهُ مُتَّهَمٌ بدَفعِ الإرثَ، كما يُحجَبُ القاتِلُ؛ لأنَّهُ
стр. 10291
مُتَّهَمٌ بجَلبِ الإرثِ؛ لأنَّ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ طلَّقَ زَوجتَهُ تُماضِرَ في مَرضِ المَوتِ فورَّثَها عُثمانُ ﵁».
وإنَّما تَرثُ بِشُروطٍ:
أحدُها: كَونُ الزَّوجةِ وارِثةً، فلو أسلمَتْ بعْدَ الطَّلاقِ فلا تَرِثُ.
ثانيهَا: عَدمُ اختيارِها، فلوِ اختَلعَتْ أو سَألَتْ، أو قالَ: «أنتِ طالقٌ إن شِئتِ» فشَاءَتْ، أو «اختارِي نَفسَكِ» فقالَتْ: «اختَرتُ»، أو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِها الَّذي لا ضَرورةَ لها بهِ ولا حاجَةَ ففَعلتْهُ، فليسَ بفارٍّ ولا تَرِثُه.
ثالثُها: كَونُ البَينونةِ في مرَضٍ مَخُوفٍ وماتَ بسَببِه، فإنْ بَرئَ مِنهُ فلا قَطعًا.
رابعُها: كَونُها بالطَّلاقِ، لا بلِعانٍ وفَسخٍ، فلَو فسَخَ نكاحَها بعَيْبِها في المَرضِ فليسَ بفارٍّ على الصَّحيحِ.
خامِسُها: كَونُه مُنجَّزًا، فلو علَّقَ طلاقَها بصِفةٍ تَحتَملُ أنْ تُوجَدَ في الصِّحةِ والمرَضِ ولَم يَتعلَّقْ بفِعلِهِ، كقولِهِ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ أو جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، فقَدِمَ أو جاءَ وهوَ مَرِيضٌ؛ فقَولانِ: أصحُّهما أنَّهُ ليسَ بفارٍّ.
وإنْ ماتَ بسَببٍ آخَرَ بأنْ قُتِلَ في ذلكَ المَرضِ فقَولانِ.
إلَّا أنَّ في زَمانِ ميراثِها مِنهُ ثلاثةَ أقاويلَ:
أحدُها -وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ-: أنَّها تَرِثُه ما كانَتْ في عِدَّتِها، وهيَ عدَّةُ
стр. 10292
الطَّلاقِ بالأقراءِ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها لم تَرثْ؛ لأنَّ بقاءَ العِدَّةِ مِنْ بقايا عَلَقِ النِّكاحِ وأحكامِهِ، فتَبِعَها الإرثُ وسقَطَ بانقِضائِها.
والقولُ الثَّانِي -وهوَ مَذهبُ الحَنابلةِ-: أنَّها تَرِثُه ما لَم تَتزوَّجْ، فإنْ تَزوَّجتْ لم تَرثْ؛ لأنَّ تَزويجَها رِضًا مِنها بطلاقِهِ.
والقولُ الثَّالثُ -وهوَ مَذهبُ المالكيَّةِ: أنَّها تَرِثُه وإنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنَّهُ حَقٌّ لها، فلَم يَسقُطْ بالتَّزويجِ كسائِرِ الحُقوقِ (١).
القولُ الرَّابعُ: قولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَهُ طَلقةً بائِنةً غَيرَ رَجعيَّةٍ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ مِنهُ ما لَم تَتزوَّجْ أو تَرتدَّ، سواءٌ طالَتِ المُدَّةُ أم قَصُرَتْ، فإنْ تزوَّجَتْ فلا تَوارُثَ بيْنَهما؛ لأنَّها فَعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نِكاحَ الأوَّلِ فلَم تَرثْهُ، ولِمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ «أنَّ أباهُ طلَّقَ أمَّهُ وهوَ مَريضٌ فماتَ فوَرثَتْه بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ» (٢).
ولأنَّ سبَبَ تَوريثِها فِرارُهُ مِنْ ميراثِها، وهذا المَعنَى لا يَزولُ بانقِضاءِ العدَّةِ.
стр. 10293
وعَن الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّها لا تَرثُ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قولُ عُروةَ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهِ وأحدُ أقوالِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّها تُباحُ لزَوجٍ آخَرَ، فلَم تَرثْهُ كما لَو كانَ في الصِّحةِ، ولأنَّ تَوريثَها بعدَ العدَّةِ يُفضِي إلى تَوريثِ أكثرَ مَنْ أربعِ نِسوةٍ، فلَم يَجُزْ كما لو تَزوَّجَتْ (١).
وعلى هذا: إنْ تزوَّجَتِ المَبتوتةُ لَم تَرثْهُ، سواءٌ كانَتْ في الزَّوجيَّةِ أو بانَتْ مِنَ الزَّوجِ الثَّانِي، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحنَابلةِ؛ لأنَّ هذهِ وارثَةٌ مِنْ زَوجٍ، فلا تَرِثُ زَوجًا سواهُ كسائِرِ الزَّوجاتِ، ولأنَّ التَّوارُثَ مِنْ حُكمِ النِّكاحَ، فلا يَجوزُ اجتِماعُهُ معَ نكاحٍ آخَرَ كالعدَّةِ، ولأنَّها فعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نكاحَ الأوَّلِ لها، فأشبَهَ ما لو كانَ فسخُ النِّكاحِ مِنْ قِبَلِها.
وذهبَ المالكيَّةُ -كما تَقدَّمَ- إلى أنَّها تَرثُهُ؛ لأنَّها شَخصٌ يَرثُ معَ انتِفاءِ الزَّوجيَّةِ، فوَرثَ مَعها كسائِرِ الوارثِينَ (٢).
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يكونَ غيرَ مَدخولٍ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا طلَّقَ زَوجتَه غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ، هلْ تَرثُ منهُ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَرثُ منهُ، ولا عدَّةَ عَليها، ولها نِصفُ الصَّداقِ.
стр. 10294
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ، قالَ أحمدُ: قالَ جَابرُ بنُ زَيدٍ: لا ميراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمَدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابرٍ؛ وذلِكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنْ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ.
وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ، فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ.
ولو خَلا بها وقالَ: «لَمَّا أَطأْها» وصدَّقَتْه فلَها المِيراثُ وعَليها العدَّةُ للوَفاةِ ويَكمُلُ لها الصَّداقُ؛ لأنَّ الخَلوةَ تكفِي في ثُبوتِ هذهِ الأحكامِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِهِ (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: لو طلَّقَ امرَأتَهُ الَّتي لَم يَدخُلْ بها في مرَضٍ ماتَ فيهِ لا تَرثُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عَليها مِنْ ذلكَ الطَّلاقِ (٢).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإنْ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَمسَّها فأيُّهما قَلتَ
стр. 10295
فلَها نِصفُ ما سمَّى لها إنْ كانَ سمَّى لها شَيئًا، ولها المُتعةُ إنْ لم يَكنْ سمَّى لها شَيئًا، ولا عِدَّةَ عَليها مِنْ طلاقٍ ولا وَفاةٍ، ولا تَرثُه لأنَّها لا عدَّةَ عَليها (١).
وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّهُ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ فإنَّها تَرثُ منهُ مُطلقًا.
قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نِصفُ الصَّداقِ ولها المِيراثُ ولا عِدَّةَ عَليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّه والمِيراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سَواءٌ (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: قلتُ: أَرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ وهوَ مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ، ولها المِيراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ، قلتُ: فهلْ يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عدَّةَ عَليها، لا عدَّةَ وَفاةٍ ولا عدَّةَ طَلاقٍ (٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَرثُ منهُ ما لَم تتزوَّجْ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَو طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في مَرَضِه قبْلَ الدُّخولِ بها فقالَ أبو بَكرٍ: فيها أربَعُ رِواياتٍ: