← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

عَليها، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقدْ بانَتْ بنَفْسِ فراغِهِ مِنْ قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فيَرِدُ «ثَلاثًا» عَليها وهيَ بائنٌ فلا يُؤثِّرُ شَيئًا، ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» مُستقلٌّ بنَفسِهِ فوجَبَ ألَّا تَقفَ البَينونَةُ في غَيرِ المَدخولِ بها على ما يَرِدُ بَعدَهُ، أصلُهُ إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» (١). وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا علَى أنَّهُ إذا قالَ الزَّوجُ لِغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طُلِّقَتْ ثَلاثًا (٢). وقالَ الإمامُ الماوَردِيُّ ﵀: قالَ الشَّافِعيُّ: (ولَو قالَ للَّتي لم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وَقَعْنَ مَعًا). قالَ الماوَردِيُّ: أمَّا إذا طلَّقَ غَيرَ المَدخولِ بهَا ثلاثًا طُلِّقَتْ ثَلاثًا، وهوَ قَولُ الجُمهورِ، وقالَ عَطاءُ بنُ

стр. 10257

يَسارٍ والمَغربيُّ: تُطلَّقُ واحدةً؛ لأنَّها قدْ بانَتْ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فلَم يقَعْ عَليها بعْدَ البَينونَةِ بقولِهِ «ثلاثًا» شَيءٌ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ وُقوعَ الثَّلاثِ هو بقَولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»؛ لِاحتِمالِه العَددَ، وقَولُه «ثَلاثًا» تَفسيرًا منهُ للعَددِ المرادِ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، ولذلكَ جاءَ بهِ مَنصوبًا؛ لكَونِهِ تَفسيرًا، كما لو قالَ: «لهُ عليَّ عِشرونَ دِرهمًا»، صارَ الدِّرهمُ لكَونِهِ مَنصوبًا تَفسيرًا للعَددِ، كذلكَ الثَّلاثُ تَفسيرٌ للعدَدِ، وقدْ حُكيَ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّهُ سُئلَ عَنْ غَيرِ المَدخولِ بها إذا طُلِّقَتْ ثلاثًا، قالَ عَطاءُ بنُ يَسارٍ: فقلْتُ: ولِاثنتَينِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «وأمَّا هِيَ الواحدةُ بَيَّنَتْها والثَّلاثُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ». فإذا تَقرَّرَ أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ يَقعُ على غَيرِ المَدخولِ بها كوُقوعِهِ على المَدخولِ بها فقالَ لها -وهيَ غَيرُ مَدخولٍ بها-: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وقَعْنَ معًا في الحالِ على أيِّ حالٍ كانَتْ مِنْ حَيضٍ أو طُهرٍ؛ لأنَّنا قَدْ ذكَرْنا أنَّ غَيرَ المَدخولِ بها لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بِدعةَ، وليسَ عِندَنا في عَددِ الطَّلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدعةٌ، وعِندَ أبي حَنيفةَ أنَّها تُطلَّقٌ واحدةً تَبِينُ بها ولا يَقعُ عَليها غَيرُها؛ بِناءً على أصلِهِ في أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ بِدعةٌ، وأنَّ السنَّةَ فيهِ أنْ تَقعَ في كُلِّ قُرءٍ طَلقةٌ، وهي بالطَّلقةِ الأُولى قد بانَتْ فلم يَقعْ عَليها غَيرُها، وقَد مَضَى الكَلامُ معهُ (١). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا قالَ للَّتي لَم يَدخُلْ بها: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا» .. وَقعَ عَليها الثَّلاثُ، وبهِ قالَ جَميعُ الفُقهاءِ، إلَّا رِوايةً عَنْ عَطاءٍ؛ فإنَّهُ قالَ: تَقعُ عَليها طَلقةٌ. دَليلُنا: أنَّ قولَه: (أنتِ طالِقٌ) اسمٌ لجِنسٍ مِنَ الفِعلِ يَصلُحُ للواحِدَةِ ولِمَا زادَ عَليها، وقولُهُ: (ثلاثًا) مُفسِّرٌ لَهُ، فكانَ وُقوعُ الثَّلاثِ عَليها دُفعةً واحدةً (٢).

стр. 10258

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَ ثلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ وقَعَ الثَّلاثُ وحُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، ولا فرْقَ بيْنَ قبْلِ الدُّخولِ وبعْدَه، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وابنِ عُمرَ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو وابنِ مَسعودٍ وأنسٍ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ مِنَ التَّابعينَ والأئمَّةِ بعدَهُم، وكانَ عَطاءٌ وطاوسٌ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وأبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ رَجلٍ عقَدَ العَقدَ على أنَّها تَكونُ بالِغًا، ولم يَدخُلْ بها ولم يُصبْها، ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ عقَدَ عَليها شَخصٌ آخَرُ، ولم يَدخُلْ بها ولَم يُصبْها، ثمَّ طَلَّقَها ثلاثًا، فهلْ يَجوزُ للَّذي طلَّقَها أوَّلًا أنْ يَتزوَّجَ بها؟ فأجابَ: إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فهوَ كما لو طلَّقَها بعْدَ الدَّخولِ عندَ الأئمَّةِ الأربعَةِ، لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ ويَدخلَ بها، فإذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ لم تَحِلَّ للأوَّلِ. وسُئلَ ﵀ عَنْ رَجلٍ تزوَّجَ بنتًا بكرًا ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا ولم يُصبْها، فهل يَجوزُ أنْ يَعقِدَ عَليها عَقدًا ثانيًا أم لا؟ فأجابَ: طلاقُ البِكرِ ثلاثًا كطَلاقِ المَدخولِ بها ثلاثًا عِنْدَ أكثرِ الأئمَّةِ (٢).

стр. 10259

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولمْ يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الرَّجلُ لزَوجتِهِ غَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولَم يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ، هلْ تقَعُ ثلاثٌ أم واحدَةٌ؟ فذَهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّهُ إذا قالَ لها هذا وقَعَ عَليها بقَولِهِ الأوَّلِ -أنتِ طالِقٌ- طَلقةٌ واحدَةٌ وبانَتْ بها، ولا يَلحَقُها ما بعْدَها؛ لأنَّه قدْ فرَّقَ، فوقَعَ بالأُولَى طلقَةٌ وبانَتْ بها، ولَم يقَعْ ما بعْدَها؛ لأنَّها بانَتْ بها، ولا عدَّةَ عَليها؛ لأنَّها غَيرُ مَدخولٍ بها، ولَم تقَعِ الثَّانيةُ ولا الثَّالثةُ؛ لأنَّهُ لا يَبقَى لوُقوعِها مَحلٌّ، فيَلغُو كِلاهُما. وخالَفَ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا»؛ لأنَّهنَّ وقَعْنَ معًا باللَّفظِ الأوَّلِ مِنْ غَيرِ تَرتيبٍ (١). قالَ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوَزيُّ ﵀: فإنْ قالَ ولَم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، فإنَّ سُفيانَ وأصحابَ الرَّأيِ والشَّافعيَّ وأبا عُبيدٍ قالُوا: بانَتْ منهُ بالأُولى وليسَ الاثنَتانِ بشَيءٍ؛ لأنَّ غَيرَ المَدخولِ بها

стр. 10260

تَبِينُ بواحدةٍ، فلا عِدَّةَ عَليها، فإذا هيَ بانَتْ بالطَّلقةِ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» فإنَّها كوقْعِ الطَّلاقِ على امرأةٍ أجنبيَّةٍ فلا يَقعُ عَليها. وقالَ مالِكٌ ورَبيعةُ وأصحابُ الرَّأيِ وأهلُ المَدينةِ والأوزاعيُّ وابنُ أبِي لَيلَى: إذا قالَ لها ثَلاثَ مرَّاتٍ: «أنتِ طالِقٌ» سَبقًا مُتتابعًا حرمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، فإنْ هوَ سكَتَ فيما بيْنَ الطَّلقتَينِ بانَتْ بالأُولى ولَم تَلحَقْها الثَّانيةُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: باب افتِرَاق الطَّلاقِ الثَّلاثِ قبْلَ الدُّخولِ. واختَلفُوا في الرَّجلِ يَقولُ لامرأتِهِ الَّتي لَم يَدخلْ بهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ». فقالَتْ طائِفةٌ: تَبِينُ بِالأُولى، واللَّتانَ اتبعَتا ليسَتا بشَيءٍ. روينَا هذا القولَ عَنِ النَّخعيِّ وأبي بكر ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ وعِكرمةَ وحمَّادِ بنِ أبِي سُليمانَ والحكَمِ، وذكَرَه الحكَمُ عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وزَيدٍ. وبهِ قالَ سُفيانُ الثَّوريُ والشَّافعيُّ وأحمدُ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ.

стр. 10261

وكذلكَ نَقولُ؛ لأنَّ الأُولَى لمَّا وقَعَتْ لم تَكنْ في عِدَّة، فتَقعَ عَليها الثَّانيةُ والثَّالثةُ. وفيهِ قَولانِ: وهوَ أنَّهُ إذا تابَعَ بيْنَ كلامِهِ طلِّقَتْ ثلاثًا، ولم تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، كذلكَ قالَ الأوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعْدٍ ومالِكٌ، وقالَ مالِكٌ: إذا لَم تكنْ لهُ نيَّةٌ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ: (ولَو قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وقَعَتِ الأُولَى وبانَتْ بلا عدَّةٍ، واللهُ أعلَمُ). قالَ الماوَرديُّ: وهذا في غَيرِ المَدخولِ بها، إذا قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» مُريدًا بالثَّانيةِ والثَّالثةِ الاستِئنافَ طُلِّقَتْ واحدَةً باللَّفظِ الأوَّلِ ولم تقَعْ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ؛ لأنَّها بالأُولى بانَتْ، وقالَ مالِكٌ: تُطلَّقُ ثلاثًا إذا قالَ لها مُتَّصِلًا؛ لأنَّ بعضَ الكَلامِ مُرتبِطٌ ببَعضٍ، وحُكمُ أوَّلِه مَوقوفٌ على آخِرِه، فجَرَى مَجرَى قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا». وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّهُ طلاقٌ مُرتَّبٌ قُدِّمَ بَعضُه على بَعضٍ، فإذا وقَعَ ما تَقدَّمَ مِنهُ منَعَ مِنْ وُقوعِ ما تأخَّرَ عنهُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: مَسألةٌ قالَ: (وإذا قالَ لمَدخولٍ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» لَزِمَهُ تَطليقَتانِ، إلَّا أنْ يَكونَ أرادَ بالثَّانيةِ إفهامَها أنْ قَدْ

стр. 10262

وَقعَتْ بها الأُولَى، فتَلزَمُه واحدةٌ، وإنْ كانَتْ غَيرَ مَدخولٍ بها بانَتْ بالأُولى ولم يَلزَمْها ما بَعدَها؛ لأنَّهُ ابتِداءُ كَلامٍ … فأمَّا غَيرُ المَدخولِ بها فلا تُطلَّقُ إلَّا طَلقةً واحدَةً، سواءٌ نَوَى الإيقاعَ أو غَيرَه، وسَواءٌ قالَ ذلكَ مُنفصِلًا أو مُتَّصِلًا، وهذا قَولُ أبي بكر ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ وعِكرمةَ والنَّخَعيِّ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ والحكَمِ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ وأبي عُبيدٍ وابنِ المُنذِرِ، وذكَرَهُ الحكَمُ عَنْ عليٍّ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ مَسعودٍ، وقالَ مالِكٌ والأوزاعيُّ واللَّيثُ: يقَعُ بها تَطليقَتانِ، وإنْ قالَ ذلكَ ثلاثًا طَلُقَتْ ثلاثًا إذا كانَ مُتَّصِلًا؛ لأنَّهُ طلَّقَ ثلاثًا بكَلامٍ مُتَّصلٍ، أشبَهَ قولَهُ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا». ولنا: إنَّهُ طلاقٌ مُفرَّقٌ في غَيرِ المَدخولِ بها فلَم تقَعِ الأُولى، كما لو فَرَّقَ كَلامَهُ، ولأنَّ غَيرَ المَدخولِ بها تَبِينُ بطَلقةٍ؛ لأنَّهُ لا عِدَّةَ عَليها فتُصادِفُها الطَّلقةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلَم يُمكِنْ وُقوعُ الطَّلاقِ بها؛ لأنَّها غَيرُ زوجةٍ، وإنَّما تَطلُقُ الزَّوجةُ، ولأنَّهُ قولُ مَنْ سَمَّينا مِنْ الصَّحابةِ، ولا نَعلمُ لهُم مُخالِفًا في عَصرِهم فيكونُ إجماعًا (١). وذَهبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» بألفاظٍ مُتناسِقةٍ طُلِّقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ كلَّ زَوجٍ ملَكَ إيقاعَ الطَّلاقِ ثلاثًا عَليها بلفظٍ واحدٍ صحَّ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ

стр. 10263

كالمدخولِ بها، ولأنَّ التَّناسُقَ في حُكمِ المَجموعِ بلفظٍ واحِدٍ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» نَسقًا فإنَّهُ يَكونُ ثلاثًا عِنْدَ مالِكٍ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ: يقَعُ واحدةٌ، فمَن شبَّهَ تكرارَ اللَّفظِ بلَفظِهِ بالعَددِ -أعني بقولِهِ: «طلَّقتُكِ ثلاثًا» - قالَ: يَقعُ الطَّلاقُ ثلاثًا، ومَن رأى أنَّهُ باللَّفظةِ الواحدَةِ قد بانَتْ منهُ قالَ: لا يَقعُ عَليها الثَّاني والثَّالثُ (٢).

стр. 10264

أركانُ الطلاقِ: أركانُ الطَّلاقِ عندَ المالكيَّةِ أربعةٌ: ١ - أهلٌ: والمُرادُ بهِ: مُوقِعِهُ مِنْ زَوجٍ أو نائبِه أو وَليِّهِ إنْ كانَ صغيرًا أو مَجنونًا، وأمَّا وَليُّ السَّفيهِ والسَّيدُ فليسَ لهُما ذلكَ بدُونِ إذنِ المُولَّى عَليهِ ٢ - وقصْدٌ: أي: قَصدُ النُّطقِ باللَّفظِ الصَّريحِ أو الكنايةِ الظَّاهرةِ، ولو لَم يَقصِدْ حَلَّ العِصمةِ وقصَدَ حَلَّها في الكِنايةِ الخَفيَّةِ، بخِلافِ سبْقِ اللِّسانِ في الأُولَيَينِ، وعَدمُ قصْدِ حَلِّها في الثَّالثِ. ٣ - ومَحلٌّ: أي عِصمَةُ مَملوكَةٌ تَحقيقًا أو تَقدِيرًا، وهي الزَّوجةُ. ٤ - ولفظٌ: صَريحٌ أو كِنايةٌ ظاهِرةٌ أو خافِيَةٌ، لا بمُجرَّدِ نيَّةٍ -أي عَزمٍ- ليسَ مَعهُ لَفظٌ، ولا بفِعلٍ إلَّا لِعُرفٍ كنَقلِ مَتاعِها (١). وهيَ خَمسةُ أركانٍ عِنْدَ الشَّافعيةِ: ١ - مُطلِّقٌ. ٢ - وصِيغَةٌ. ٣ - وقَصدٌ. ٤ - ومَحِلٌّ. ٥ - ووِلايةٌ على المَحِلِّ (٢).

стр. 10265

وهذهِ شُروطٌ عِنْدَ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ وابنِ عَرفةَ مِنَ المالكيَّةِ، وسَيأتي بَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا. ولكلِّ رُكنٍ مِنْ هذهِ الأركانِ شُروطٌ يَنبَغي تَوافُرُها حتَّى يَصِحَّ الطَّلاقُ. الركنُ الأولُ: المطلِّقُ: يُشتَرَطُ في المُطلِّقِ ليَقعَ طلاقُهُ على زَوجتِهِ عِدَّةُ شُروطٍ. بعْدَ اتِّفاقِهم على أنَّهُ إذا كانَ بالِغًا عاقِلًا حُرًّا غَيرَ مُكرَهٍ ولا غاضِبٍ جازَ طلاقُهُ (١). الشرطُ الأولُ: أنْ يكونَ زوجًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّهُ يُشتَرَطُ في المُطلِّقِ أنْ يَكونَ زَوجًا، فلا يَصحُّ طلاقُ غَيرِ الزَّوجِ إلَّا بالوِلايةِ كما سَيأتي بَيانُ ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. والزَّوجُ: هوَ مَنْ بَينَهُ وبيْنَ المُطلَّقَةِ عقْدُ زَواجٍ صَحيحٌ (٢). الشرطُ الثَّاني: أن يَكونَ بالغًا: (طلاقُ الصَّبيِّ) اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ طلاقَ الصَّبيِّ غَيرِ المُمَيِّزِ لا يَصحُّ ولا يَقَعُ. قالَ الإمامُ البَغَويُّ ﵀: واتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ الصَّبيِّ والمَجنُونِ لا يَقعُ (٣). والمُرادُ بهِ الَّذي لا يُميِّزُ.

стр. 10266

إلَّا أنَّهم اختَلفُوا في الصَّبيِّ إذا كانَ يَعقِلُ الطَّلاقَ ويَعلَمُ أنَّ زَوجتَهُ تَبِينُ بهِ وتَحرمُ عُليهِ، هل يقَعُ طلاقُهُ أم لا؟ فذَهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّهُ يُشتَرَطُ البلوغُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ، فلا يقَعُ طلاقُ الصَّبيِّ تَعليقًا ولا تَنْجيزًا وإنْ كانَ يَعقِلُ مَعناهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لم يُشرَعْ إلَّا عِنْدَ خُروجِ النِّكاحِ مِنْ أنْ يَكونَ مَصلحةً، وإنَّما يُعرَفُ ذلكَ بالتَّأملِ، والصَّبيُّ لاشتِغالِه باللَّهوِ واللَّعبِ لا يَتأمَّلُ فلا يَعرِفُ، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفعَ القلَمُ عَنْ ثلاثةٍ … وعَن الصَّبيِّ حتَّى يَحتَلِمَ» (١)، ولأنَّهُ غَيرُ مُكلَّفٍ فلَم يَقعْ طلاقُهُ كالمَجنونِ، ولا يَتوقَّفُ الطَّلاقُ على بُلوغِهِ، حتَّى لو أجازَهُ لا يقَعُ، إلَّا أنْ يُنشِئَ طلاقًا، وكذا لو علَّقَ الطَّلاقَ بأنْ قالَ وهوَ مُراهِقٌ: «إنْ بلَغْتُ فأنتِ طالِقٌ» فبَلَغَ فلا يقَعُ طلاقُهُ (٢).

стр. 10267

وذَهبَ الحنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّبيَّ الَّذي يَعقِلُ الطَّلاقَ ويَعلمُ أنَّ زَوجتَهُ تَبِينُ بهِ وتَحرمُ عَليهِ يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه ﷺ : «يا أيُّها النَّاسُ ما بالُ أحدِكُم يُزوِّجُ عبْدَه أمَتَه ثُمَّ يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بيْنَهما، إنَّما الطَّلاقُ لمَن أخَذَ بالسَّاقِ» (١). وقولِهِ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (٢). ورُويَ عن عَليٍّ ﵁ أنَّهُ قالَ: «اكتُمُوا الصِّبيانَ النّكاحَ» (٣)، فيُفهَمُ منهُ أنَّ فائِدَتهُ أنْ لا يُطلِّقُوا، ولأنَّهُ طلاقٌ مِنْ عاقِلٌ صادَفَ مَحلَّ الطَّلاقِ فوقَعَ كطلاقِ البالِغِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَحديدُ مَنْ يقَعُ طلاقُهُ مِنَ الصِّبيانِ بكَونِهِ يَعقلُ، وهو اختِيارُ القاضي، ورَوى عن أحمَدَ أبو الحارِثِ: إذا عَقلَ الطَّلاقُ جازَ طلاقُهُ ما بيْنَ عَشرٍ إلى اثنَتَي عَشرةَ، وهذا يَدلُّ على أنَّهُ لا يَقعُ لِدُونِ العَشرِ، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ العَشرَ حدٌّ للضَّربِ على الصَّلاةِ والصِّيامِ وصِحَّةِ الوَصيَّةِ، فكذلِكَ هذا، وعَن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ: إذا أحصَى الصَّلاةَ وصامَ رَمضانَ جازَ طَلاقُهُ، وقالَ عَطاءٌ: «إذا

стр. 10268

بلَغَ أنْ يُصيبَ النِّساءَ»، وعَن الحسَنِ: «إذا عَقَلَ وحَفظَ الصَّلاةَ وصامَ رَمضانَ»، وقالَ إسحاقُ: «إذا جاوَزَ اثنَتَي عَشرَةَ». فَصلٌ: ومَن أجازَ طلاقَ الصَّبيِّ اقتَضَى مَذهبُهُ أنْ يَجوزَ تَوكيلُهُ فيهِ وتَوكُّلُه لغَيرِه، وقَد أومَأَ إليهِ أحمدُ فقالَ في رَجلٍ قالَ لِصَبيٍّ: «طلِّقِ امرَأتي» فقالَ: «قدْ طلَّقتُكِ ثلاثًا» لا يَجوزُ عَليها حتَّى يَعقِلَ الطَّلاقَ، فقِيلَ لهُ: فإنْ كانَتْ لهُ زَوجةٌ صَبيَّةٌ فقالَتْ: «صَيِّرْ أمرِيِ إليَّ» فقالَ لها: «أمرُكِ بيَدكِ» فقالَتْ: «قدِ اختَرتُ نفسِي»، فقالَ أحمَدُ: ليسَ بشَيءٍ حتَّى يَكونَ مِثلُها يَعقِلُ الطَّلاقَ، وقالَ أبو بَكرٍ: لا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ حتَّى يَبلُغَ، وحكاهُ عَنْ أحمَدَ. ولنا: إنَّ مَنْ صَحَّ تَصرُّفُه في شَيءٍ ممَّا تَجوزُ الوكالةُ فيهِ بنَفسِه صَحَّ تَوكِيلُهُ ووكالَتُه فيهِ كالبالِغِ، وما رُويَ عَنْ أحمَدَ مِنْ منْعِ ذلكَ فهوَ على الرِّوايةِ الَّتي لا تُجيزُ طلاقَهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (١). وقَد حكى ابنُ رُشدٍ ذلكَ رِوايةً عَنْ مَالكٍ، فقالَ ﵀: وأمَّا طلاقُ الصَّبيِّ فإنَّ المَشهورَ عن مالِكٍ أنَّهُ لا يَلزَمُه حتَّى يَبلغَ، وقالَ في «مُختَصر ما ليسَ في المُختَصرِ»: إنَّهُ يَلزمُه إذا ناهَزَ الاحتِلامَ، وبهِ قالَ أحمدُ بنُ حَنبلَ إذا

стр. 10269

هو أطاقَ صِيامَ رَمضانَ، وقالَ عَطاءٌ: إذا بلَغَ اثنَتَي عَشرَةَ سَنةً جازَ طلاقُهُ، ورُويَ عَنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ (١). الشرط الثالث: أن يكونَ عاقلاً: وفي ذلكَ مسائلُ: المسألةُ الأُولى: حكمُ طلاقِ المجنُونِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على المَجنونَ جُنونًا مُطبِقًا لا يَقعُ طلاقُهُ في حالِ جُنونِهِ لا تَنجيزًا ولا تَعليقًا، حتَّى وإنْ وُجدَتِ الصِّفةُ بعْدَ الأهليَّةِ في المُعلِّقِ؛ لفَسادِ عِبارَتهِ، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلمُ عن ثلاثةٍ عن النَّائِمِ حتى يَستَيقِظَ وعن الصَّغِيرِ حتى يَكبرَ وعن المَجنونِ حتى يَعقِلَ أو يُفيقَ» (٢)، ولأنَّ العَقلَ شَرطُ أهليَّةِ التَّصرُّفِ؛ لأنَّ بهِ يَعرفُ كونَ التَّصرفِ مَصلحةً، وهذهِ التَّصرُّفاتُ ما شُرعَتْ إلَّا لمَصالحِ العِبادِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على أنَّ المَجنونَ والمَعتوهَ لا يَجوزُ طَلاقُه (٣). وقالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: واتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طَلاقَ الصَّبيِّ والمَجنونِ لا يَقعُ (٤).

стр. 10270

وأمَّا إذا كانَ يُجَنُّ ويُفيقُ -وهوَ ما يُسمَّى بالجُنونِ المُتقَطِّعِ، وهوَ الَّذي يَغيبُ فَترةً عَنْ صاحبِهِ ثمَّ يَعودُ إليهِ، سواءٌ كانَ ذلكَ بنِظامٍ أو لا- فإنْ طلَّقَ في حالِ صِحتِه وإفاقَتِهِ جازَ طلاقُهُ عِنْدَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعَةِ (١). المسألةُ الثانيةُ: حكمُ طلاقُ المعتُوهِ: تعريفُ المعتُوهِ: قالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَعتوهُ كالمَجنونِ، وهوَ القَليلُ الفَهمِ المُختلِطُ الكَلامِ الفاسِدُ التَّدبيرِ، لكنْ لا يَضربُ ولا يَشتُمُ، بخِلافِ المَجنونِ. وقيلَ: العاقِلُ مَنْ يَستَقيمُ كلامُهُ وأفعالُه إلَّا نادرًا، والمَجنونُ ضدُّهُ، والمَعتُوهُ مَنْ يَكونُ ذلكَ مِنهُ على السَّواءِ، وهذا يُؤدِّي إلى أنْ لا يُحكَمَ بالعَتَهِ على أحَدٍ، والأوَّلُ أَولَى، وما قيلَ: «مَنْ يَكونُ كلٌّ مِنَ الأمرَينِ منهُ غالبًا» مَعناهُ: يَكثرُ مِنهُ.

стр. 10271

وقيلَ: مَنْ يَفعَلُ فعْلَ المَجانينِ عَنْ قَصدٍ معَ ظُهورِ الفَسادِ، والمَجنونُ بلا قَصدٍ، والعاقِلُ خِلافُهُما، وقدْ يَفعلُ فعْلَ المَجانينِ على ظنِّ الصَّلاحِ أحيانًا، والمُبَرْسَمُ والمُغمَى عليهِ والمَدهوشُ كذلكَ (١). وقدْ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ المَعتوهِ لا يَقعُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على أنَّ المَجنونَ والمَعتوهَ لا يَجوزُ طَلاقُه (٢). وذلكَ لمَا رَواهُ الإمامُ التِّرمذيُّ وغَيرُه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (٣). قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀ بعْدَ ما رَوى هذا الحَديثَ: هذا حَديثٌ لا نَعرفُهُ مَرفوعًا إلَّا مِنْ حَديثِ عطاءِ بنِ عَجلانَ، وعطاءُ بنُ عَجلانَ ضَعيفٌ ذاهبُ الحَديثِ، والعمَلُ على هذا عِنْدَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهِم أنَّ طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عقْلِه لا يَجوزُ، إلَّا أنْ يكونَ مَعتوهًا يُفيقُ الأحيانَ فيُطلِّقُ في حالِ إفاقَتِه (٤).

стр. 10272

وقالَ ابنُ بطَّالٍ نقلًا عنِ الطَّحَاويِّ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ طَلاقَ المَعتوهِ لا يَجوزُ (١). المسألةُ الثالثةُ: حكمُ طلاقِ السَّفيهِ: أجمَعُ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ طَلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، وانفَردَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ فقالَ: لا يَجوزُ نِكاحُهُ ولا طَلاقُه (٢). وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالكيُّ ﵀: يَصحُّ طلاقُ السَّفيهِ المَحجورِ عليهِ وخُلعُه، وهوَ مَذهبُ العُلماءِ (٣). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ المَحجورِ عَليهِ بالسَّفهِ واقِعٌ، وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ ابنُ أبِي ليلَى وأبو يُوسُفَ: طلاقُهُ لا يَقعُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إتلافُ مالٍ كالعِتقِ؛ لأنَّ البُضعَ يُملَكُ بالمالِ ويَزولُ عنهُ المِلكُ بالمالِ، فلمَّا لمْ يَصحَّ عِتقُهُ وجَبَ أنْ لا يَصحَّ طلاقُهُ، ولأنَّ شاهدَينِ لو شَهِدَا على رَجلٍ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ ومَضَى الحكْمُ بِشهادتِهما فرجَعَ الشَّاهدانِ لَزمَهُما مَهرُ المِثلِ، فلو لمْ يَكنْ ذلكَ إتلافَ مالٍ ما لَزمَهُما غُرمُ المالِ.

стр. 10273

ودَليلُنا عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقولُهُ ﷺ : «الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالسَّاقِ». ولأنَّ السَّفيهَ أحسَنُ حالًا مِنَ العَبدِ؛ لحُريَّتِه وثُبوتِ مِلكِهِ، فلمَّا صحَّ طَلاقُ العَبدِ فأَولَى أنْ يَصحَّ طَلاقُ السَّفيهِ، ولأنَّهُ يَستَفيدُ بطَلاقِهِ سُقوطَ النَّفقةِ إنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ، ونصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ، فلم يَجُزْ أنْ يُمنعَ مِنْ هذهِ الفائِدةِ ويُجبَرَ على التِزامِ النَّفقةِ، وقَولُهم أنَّهُ مالٌ كالعَبدِ غلَطٌ؛ لأنَّ العبدَ يَصحُّ بَيعُه ورَهنُه ويُورَثُ عنهُ، ولا يَصحُّ ذلكَ في الزَّوجةِ، وغُرمُ الشَّاهدَينِ المَهرَ إنَّما كانَ لأجْلِ ما أوقَعَا مِنَ الحَيلُولةِ بيْنَ الزَّوجَينِ وتَفويتِ الاستِمتاعِ عَليهِما وإنْ لَم يَتلقَّا بشَهادَتِهما مالًا، كما لو شَهِدَا بما أوجَبَ القَودَ لَزمَتْهما الدِّيةُ وإنْ لَم يَكنِ الحقُّ مالًا، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: فأمَّا السَّفيهُ فيَقعُ طَلاقُهُ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، مِنهُم القاسِمُ بنُ محمَّدٍ ومالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ، ومِنهُ منَعَ عَطاءٌ، والأَولَى صِحَّتُه؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ مالكٌ لمَحلِّ الطَّلاقِ، فوقَعَ طَلاقُهُ كالرَّشيدِ، والحَجرُ عَليهِ في مالِهِ لا يَمنعُ تَصرُّفَه في غَيرِ ما هو مَحجورٌ عليهِ فيهِ كالمُفلِسِ (٢).

стр. 10274

الشرطُ الرابعُ: أنْ يكونَ مسلِماً (حكمُ طلاقِ الكافرِ): اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافرِ إذا طلَّقَ وهو يَعتقِدُ الطَّلاقَ، هلْ يَصحُّ طلاقُهُ ويَنفُذُ أم لا؟ فذهَبَ المالكيَّةُ في المَشهُورِ إلى أنَّهُ يُشتَرطُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا يَصِحُّ ولا يَنفُذُ طَلاقُ الكافرِ كما لا يَصحُّ نِكاحُهُ، وسواءٌ كانَتْ زَوجتُهُ الَّتي طلَّقَها كافرةً أو مُسلِمةً، فإذا طلَّقَ زَوجتَهُ الكافِرةَ ثمَّ أسلمَتْ وأسلَمَ في عدَّتِها كانَ أحقَّ بها، وإذا أسلَمَتِ النَّصرانيَّةُ وزَوجُها نَصرانِيٌّ ثمَّ طلَّقَها في العدَّةِ ولو ثلاثًا ثمَّ أسلَمَ فيها لم يُعَدَّ طَلاقُه طلاقًا، وكانَ على نِكاحِهِ، وإنِ انقَضَتْ عدَّتُها فنكَحَها بعْدَ ذلكَ كانَ جائِزًا، وطلاقُهُ في شِرْكِهِ باطِلٌ؛ لأنَّ اللهَ قَدْ أحبَطَ عمَلَ أهلِ الكفرِ في كتابِهِ، وقالَ ﷺ : «الإسلامُ يَجُبُّ ما قبْلَهُ». وهذا إذا لم يَتحاكَمُوا إلَينا، فإنْ تَحاكَمُوا إلينا ففيهِ أربعُ تأويلاتٍ. قالَ الصَّاوي ﵀: قولُهُ: (تأويلاتٌ أربعَةٌ): الأوَّلُ مِنها لابنِ شبلونَ، والثَّاني لابنِ أبي زَيدٍ، والثَّالثُ للقابسيِّ، والرَّابعِ لابنِ الكاتِبِ، واستَظهَرَهُ عِياضٌ، ومَحلُّ هذا الخِلافِ إذا تَرافَعُوا إلينا وقالُوا لنا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ الإسلامِ في أهلِ الإسلامِ، أو على أهلِ الإسلامِ، فلا فرْقَ بيْنَ (في، وعلى) على الصَّوابِ، أو بحُكمِ الإسلامِ على أهلِ الكُفْرِ، أو في أهلِ الكُفْرِ، وأمَّا لو قالُوا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ أهلِ الإسلامِ في طلاقِ الكُفرِ، أو بما يَجِبُ على

стр. 10275

الكافِرِ عِندَكُم، حُكِمَ بعَدَمِ لُزومِ الطَّلاقِ؛ لأنَّهُ إنَّما يَصحُّ طلاقُ المُسلِمِ، وأمَّا لو قالُوا: احكُمُوا بَينَنا بحُكمِ الطَّلاقِ الواقِعِ بيْنَ المُسلمِينَ، حُكِمَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ، ويُمنَعُ مِنْ مُراجَعتِها إلَّا بعْدَ زَوجٍ، وأمَّا لو قالَ: احكُمُوا بَينَنا بما يَجبُ في دِينِنا أو بما في التَّوراةِ، فإنَّنا نَطرُدُهم ولا نحكمُ بَينَهم، كذا في الحاشيَةِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابلَةُ إلى أنَّهُ لا يُشتَرطُ الإسلامُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ، فيَصحُّ طلاقُ الكافِرِ؛ لأنَّ الكفْرَ لا يَنفي أهليَّةَ الطَّلاقِ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا صحَّةُ الزَّوجُ ليسَ بشَرطٍ، وكذا إسلامُهُ، فيَقعُ طلاقُ المَريضِ والكِافرِ؛ لأنَّ المرَضَ والكفرَ لا يُنافيانِ أهليَّةَ الطَّلاقِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأنكِحةُ الكفَّارِ تتعلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحيحِ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ ووُجوبِ المَهرِ والقَسْمِ والإباحةِ للزَّوجِ الأوَّلِ والإحصانِ وغَيرِ ذلكَ.

стр. 10276

وممَّنْ أجازَ طلاقَ الكُفَّارِ عطاءٌ والشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والزُّهريُّ وحمَّادٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ، ولَم يُجوِّزْه الحسَنُ وقَتادةُ ورَبيعةُ ومالكٌ. ولنا: إنَّهُ طلاقٌ مِنْ بالِغٍ عاقِلٍ في نِكاحٍ صَحيحٍ، فوَقَع كطلاقِ المُسلِمِ. فإنْ قيلَ: لا نُسلِّمُ صحَّةَ أنكحَتِهم. قُلنا: دَليلُ ذلكَ أنَّ اللهَ تعَالى أضافَ النِّساءَ إليهم فقالَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وقالَ: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، وحَقيقةُ الإضافَةِ تَقتَضي زَوجيَّةً صَحيحةً، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «وُلِدتُ مِنْ نِكاحٍ، لا مِنْ سِفاحٍ»، وإذا ثبَتَ صِحَّتُها ثَبتَتْ أحكامُها كأنكِحةِ المُسلمِينَ، فعلى هذا إذا طلَّقَ الكافِرُ ثلاثًا ثمَّ تزوَّجَها قبْلَ زَوجٍ وأصابَها ثمَّ أسلَمَا لم يُقرَّا عليهِ، وإنْ طلَّقَ امرأتَهُ أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ ثمَّ أسلمَا فهيَ عندَهُ على ما بقِيَ مِنْ طلاقِها، وإنْ نكَحَها كِتابيٌّ وأصابَها حلَّتْ لمُطلِّقِها ثلاثًا، سواءٌ كانَ المُطلِّقُ مُسلمًا أو كافرًا، وإنْ ظاهَرَ الذِّمِّيُّ مِنِ امرأتِهِ ثمَّ أسلمَا فعَليهِ كفَّارَةُ الظِّهارِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وإنْ آلَى ثبَتَ حكْمُ الإيلاءِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وُقوعُ الطَّلاقِ لا يَخلُو: إمَّا أنْ يَعتقِدَ الكافِرُ نُفوذَ الطَّلاقِ، أو لا يَعتقِدُه؛ فإنِ اعتَقدَهُ نفَذَ طَلاقُهُ ولَم يَكنِ الإسلامُ

стр. 10277

شَرطًا في نُفوذِهِ، هذا مذهَبُ أحمدَ والشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهِ. وقالَ مالكٌ: الإسلامُ شرطٌ في وُقوعِ الطَّلاقِ. واحتَجَّ الجُمهورُ بأنَّ أنكِحَتَهم صَحيحةٌ كما تقدَّمَ، فإذا صَحَّ النِّكاحُ نفَذَ فيهِ الطَّلاقُ، فإنَّهُ حكْمٌ مِنْ أحكامِ النِّكاحِ فتَرتَّبَ عَليهِ، كسائِرِ أحكامِهِ مِنَ التَّوارُثِ والحِلِّ وثُبوتِ النَّسَبِ وتَحريمِ المُصاهَرةِ وسائِرِ أحكامِهِ، وقَد قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فسمَّاهُ نِكاحًا وأثبَتَ بهِ تَحريمَ المُصاهَرةِ، وكانَ الظِّهارُ يَعدُّهُ أهلُ الجاهليَّةِ طلاقًا، وقامَ الإسلامُ حتَّى أبطَلَ اللهُ ما كانَ عَليهِ أهلُ الجاهليَّةِ وشرَعَ فيهِ الكفَّارةَ. وكيفَ يُحكَمُ ببُطلانِ نكاحٍ وُلِدَ فيهِ سيِّدُ ولَدِ آدمَ ﷺ وزادَهُ فَضلًا وشَرفًا لَديهِ؟! وقَد صرَّحَ ﷺ بأنَّهُ وُلِدَ مِنْ نكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ. قالَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةِ مهنا في يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ طلَّقَ امرَأتُه طَلقتَينِ ثمَّ أسلَمَ وطلَّقَ أُخرَى: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَه. وإذا ظاهَرَ مِنِ امرأتِهِ ثمَّ أسلَمَ أَخبَرْناهُ أنَّ عليهِ ظِهارًا. وإذا تَزوَّجَا بلا شُهودٍ ثمَّ أسلمَا هُمَا على نِكاحِهِما. وقالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في نَصرانِيٍّ آلَى مِنِ امرَأتِه ثمَّ أسلَمَ: يُوقَفُ مِثلَ المُسلمٍ سواءٌ، فإمَّا أنْ يَفيءَ وإمَّا أنْ يُطلِّقَ.

стр. 10278

وقالَ في رِوايةِ حَنبلٍ في مُسلِمٍ تَحتَهُ نَصرانيَّةٌ طلَّقَها ثلاثًا فتَزوَّجَتْ بنَصرانِيٍّ: تَحلُّ لِلأوَّلِ؛ لأنَّهُ زَوجٌ (١). إذا لم يَعتَقدِ الكافِرُ وُقوعَ الطَّلاقِ، هل يَقعُ طلاقُهُ؟ قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا إنْ كانَ الكافِرُ لا يَعتَقدُ وُقوعَ الطَّلاقِ ولا نُفوذَهُ فطلَّقَ، فهل يَصحُّ طَلاقُهُ؟ ففيهِ رِوايتانِ مَنصُوصتانِ عنْ أحمَدَ، أصحُّهُما: أنَّهُ لا يَصحُّ طلاقُهُ، وهذا هُو مُقتَضى أُصولِه، فإنَّا نُقرِّهُم على ما يَعتقِدُونَ صِحتَهُ مِنَ العُقودِ، فإذا لم يَعتَقدْ نُفوذَ الطَّلاقِ فهُوَ يَعتقِدُ بقاءَ نِكاحِه، فيُقرُّ عليهِ وإنْ أسلَمَ. وأيضًا: فإنَّ وُجودَ هذا الطَّلاقِ وعَدمَه في حَقِّه واحدٌ، فإنَّهُ لم يَلتزِمْ حُكمَ الطَّلاقِ ولا اعتَقدَ نُفوذَه، فلَم يَلزمْهُ حُكمُه، وهذا التَّفصيلُ في طلاقِهِ هو فصْلُ الخِطَابِ (٢). حكمُ طلاقِ المريضِ مرَضَ الموتِ (طلاقُ الفَارِّ): اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ وغَيرُهم على أنَّهُ لا يُشتَرطُ لصِحَّةِ الطَّلاقُ صحَّةُ الزَّوجِ، فيَصحُّ طلاقِ المَريضِ؛ لأنَّ المرَضَ لا يَنفِي أهليَّةَ الطَّلاقِ. وإذا طلَّقَ زَوجتَهُ وهوَ صَحيحٌ أو في مَرضٍ غَيرِ مَخُوفٍ ثمَّ ماتَ أنَّهُ لا

стр. 10279

تَوارُثَ بيْنَهما بالإجماعِ، إلَّا إذا كانَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فإنَّهُما يَتوارثانِ؛ لأنَّهُما زَوجانِ. قالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: قِسمٌ يَقطَعُ التَّوارُثَ بيْنَهُما، وهو الطَّلاقُ البائِنُ في الصِّحَّةِ أو في مَرَضٍ غَيرِ مُخَوِّفٍ، والبائِنُ طلاقُ غَيرِ المَدخولِ بها وطَلاقُ الثَّلاثِ والطَّلاقُ في الخُلعِ، فلا يَرِثُها ولا تَرِثُه، سواءٌ كانَ المَوتُ في العدَّةِ أو بعْدَها؛ لارتِفاعِ النِّكاحِ بيْنَهُما، وهذا إجماعٌ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَها في الصِّحَّةِ طلاقًا بائِنًا أو رَجعيًّا فبانَتْ بانقِضاءِ عدَّتِها لَم يَتوارثَا إجماعًا (٢). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو مَرِضَ الزَّوجُ مَرضَ الموتِ المَخُوفِ فماتَ الزَّوجُ في هذا المرَضِ، هلْ تَرِثُ منهُ زَوجَتُه أم لا؟ فهذا لا يَخلُو مِنْ حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونُ الطَّلاقُ رَجعيًّا: وهذا لا يَخلُو مِنْ صُورتَينِ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فيَموتَ أحدُهُما قبْلَ انقِضاءِ العدَّةِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طَلقةً رَجعيَّةً فماتَ

стр. 10280

وهيَ في العِدَّةِ أو ماتَتْ وهي في العدَّةِ أنَّ الحيَّ مِنهُما يَرِثُ الآخَرَ، سواءٌ طلَّقَها بسُؤالِها أو بغَيرِ سُؤالِها؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزيلُ النِّكاحَ، حتَّى لو طلَّقَها في صحَّتِه طلاقًا رَجعيًّا وماتَ وهي في العدَّةِ وَرثَتْ منهُ وانقَلبَتْ عدَّتُها إلى عدَّةِ الوَفاةِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَهُ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ مَدخولًا بها طلاقًا ملَكَ رَجعتَها وهوَ صَحيحٌ أو مَريضٌ فماتَ أو ماتَتْ قبْلَ أنْ تَنقضيَ عِدَّتُها إنَّهُما يَتوارَثانِ (١). وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا على أنَّ مُطلِّقَ زَوجتِهِ طلاقًا يَملِكُ فيهِ رَجعتَها ثمَّ تُوفِّيَ قبْلَ انقِضاءِ العدَّةِ أنَّ عَليها عدَّةُ الوَفاةِ وتَرِثُه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتُهُ طلاقًا يَملِكُ رَجعتَها في عدَّتِها لم يَسقُطِ التَّوارُثُ بيْنَهُما ما دامَتْ في العدَّةِ، سواءٌ كانَ في المرَضِ أو الصِّحَّةِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه، ورُويَ ذلكَ عن أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃؛ وذلكَ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُهُ وظِهارُهُ وإيلاؤُه، ويَملِكُ إمساكَها بالرَّجعَةِ بغَيرِ رِضاها ولا وَليٍّ ولا شُهودٍ ولا صَداقٍ جَديدٍ (٣).

стр. 10281

الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا فيَموتَ الزَّوجُ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لَو طلَّقَها في مرَضِ مَوتِهِ طلقةً رَجعيَّةً ثمَّ ماتَ أو ماتَتْ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها، هلْ تَرثُه أم لا؟ بعْدَ إجماعِهِم أنَّهُ لا يَرِثُها إذا هيَ ماتَتْ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ. فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ إلى أنَّها لا تَرِثُ مِنهُ (١). وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّها تَرِثُ مِنهُ أبدًا. وذهَبَ الحنابلَةُ إلى أنَّها تَرِثُ مِنهُ ما لم تَتزوَّجْ، كما سَيأتي مُفصَّلًا في المَسألةِ التَّاليةِ. الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ الطَّلاقُ بائِنًا فيَطلِّقَها في مرَضِ المَوتِ ثمَّ يَموتُ في مَرَضِه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو طلَّقَ الزَّوجُ المَريضُ مرَضَ المَوتِ زوجَتَه طلاقًا بائِنًا لا رَجعةَ فيهِ ثمَّ ماتَ في مرَضِه، هل تَرِثُه الزَّوجَةُ مُطلقًا، سواءٌ ماتَ وهي في العدَّةِ أو بعْدَ العدَّةِ، تزوَّجَتْ أم لَم تَتزوَّجْ كما يَقولُ المالكيَّةُ؟ أم تَرِثُه ما دامَتْ في العدَّةِ ولا تَرِثُه بعْدَها كما يقولُ الحنفيَّةُ؟ أم لا تَرِثُه مُطلقًا على الصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ؟ أم تَرِثُه ما لم تَتزوَّجْ كما هوَ مَذهبُ الحنابلةِ؟ بعدَ إجماعِهِم على أنَّهُ إذا طلَّقَ في مرَضِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَتْ هي فيهِ فإنَّ

стр. 10282

الرَّجلَ لا يَرثُها ولو طلَّقَها مَريضةً؛ لأنَّهُ الَّذي أسقَطَ ما كانَ بيَدهِ لأنَّها لَم تُخرِجْه هي عنِ المِيراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرَقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها (١). قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا لو ماتَتْ لم يَرِثْها المُطلِّقُ؛ وذلكَ لأنَّها غَيرُ زَوجةٍ (٢). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الإجماعُ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرِثُها وإنْ ماتَتْ في العدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهوَ صَحيحٌ أو مَريضٌ (٣). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الطَّلاقُ البائِنُ في المرَضِ المُخَوِّفِ إذا اتَّصلَ بالمَوتِ، فإنْ ماتَتْ لَم يَرِثْها إجماعاً (٤). القولُ الأوَّلُ: ذَهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ في مرَضِ مَوتِه طلاقًا بائِنًا ثمَّ ماتَ وهي في العدَّةِ وَرثَتْ منهُ، وكذا إذا طلَّقَها ثلاثًا، وإنْ ماتَ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها فلا مِيراثَ لها؛ لأنَّها قدْ حَلَّتْ للأزواجِ، فكيفَ تَرثُ زوْجَها وهي تحْتَ غَيرِه؟ ولأنَّهُ لا خِلافَ بيْنَ المُسلمينَ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ صَحيحًا طلقةً يَملِكُ فيها رَجعتَها ثمَّ انقَضَتْ عدَّتُها قبْلَ مَوتِه أنَّها لا تَرثُه؛ لأنَّها أجنبيَّةٌ ليسَتْ منهُ ولا هوَ مِنها، ولا تكونُ المَبتوتةُ المُختلَفُ

стр. 10283

في ميراثِها في العدَّةِ بالميراثِ بأقوَى مِنْ المُجتمَعِ على ميراثِها في العدَّةِ. وأصلُهُ: أنَّ الزَّوجيَّةَ في مرَضِ المَوتِ سَببٌ يُفضِي إلى الإرْثِ غالِبًا، فإبطالُهُ يكونُ ضَررًا بصاحِبِه، فوجَبَ ردُّهُ دفْعًا لهذا الضَّررِ في حقِّ الإرثِ ما دامَتْ في العدَّةِ كما في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ؛ لأنَّ النِّكاحَ في العدَّةِ يَبقَى في حقِّ بعضِ الآثارِ، فجازَ أنْ يَبقَى في حقِّ إرثِها عَنهُ، بخلافِ ما بعْدَ الانقِضاءِ؛ لأنَّهُ لا إمكانَ والزَّوجيَّةُ في هذهِ الحالَةِ ليسَتْ بسَببٍ لإرثِهِ عنها، فتَبطُلُ في حقِّهِ خُصوصًا إذا رَضيَ بهِ. والدَّليلُ على هذا فِعلُ الصَّحابةِ ﵃، فقْد رَوى إبراهيمُ قالَ: جاءَ عُروةُ البارقِيُّ إلى شُريحٍ مِنْ عِنْدِ عُمرَ ﵁ بخَمْسِ خصالٍ مِنهنَّ: «إذا طلَّقَ المَريضُ امرأتَهُ ثلاثًا وَرثَتْه إذا ماتَ وهيَ في العدَّةِ». وعنِ الشَّعبيِّ أنَّ أمَّ البَنِينَ بنتَ عُيَينَةَ بنِ حصنٍ الفزاريِّ كانَتْ تحتَ عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ ففارَقَها بعدَما حُوصِرَ، فجاءَتْ إلى عليٍّ ﵁ بعْدَما قُتِلَ وأخبَرَتْه بذلكَ فقالَ: «تَرَكَها حتَّى إذا أشرَفَ على المَوتِ فارَقَها، وورَّثَها منهُ». وعَن عائشةَ ﵂: «أنَّ امرأةَ الفارِّ تَرِثُ ما دامَتْ في العدَّةِ». وهذا إذا طلَّقَها بغَيرِ سُؤالٍ مِنها ولا رِضًا، أمَّا إذا سَألَتْه ذلكَ فَطلَّقَها بائِنًا أو ثلاثًا أو خالَعَها أو قالَ لهَا: اختارِي فاختارَتْ نفْسَها فماتَ وهي في العدَّةِ لا تَرِثُ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإبطالِ حقِّها.

стр. 10284

وإنْ قالَتْ لهُ في مرَضِه: طلِّقْنِي للرَّجعَةِ فطلَّقَها ثلاثًا وَرثَتْ؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزيلُ النِّكاحَ، فلَم تكنْ بسُؤالِها راضيةً بإبطالِ حقِّهَا. وإنْ طلَّقَها ثلاثًا وهوَ مريضٌ ثمَّ صحَّ ثمَّ ماتَ بعْدَ ذلكَ وهيَ في العدَّةِ لَم تَرثْه، خِلافًا لزُفَرَ. وإنْ صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ مَرِضَ ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِه وهيَ في العدَّةِ وَرثَتْه أيضًا. ثمَّ المرَضُ الَّذي لا تَرثُه المُطلَّقةُ أنْ يكونَ مَريضًا مَرضًا لا يَعيشُ مِنهُ غالبًا، ويَخافُ منهُ الهَلاكَ غالبًا، بأنْ يكونَ صاحِبَ فِراشٍ لا يَجيءُ ولا يَذهَبُ إلى أنْ يَموتَ. وقيلَ: أنْ يكونَ مُضنًى لا يَقومُ إلَّا بشدَّةِ، وهو في حالٍ يَجوزُ لهُ الصَّلاةُ قاعِدًا، أمَّا إذا كانَ يذهَبُ ويَجيءُ وهوَ يُحَمُّ فهو كالصَّحيحِ. وإنْ قُدِّمَ ليُقتَلَ قصاصًا أو رجمًا فطلَّقَ حينَئذٍ وَرثَتْ، وكذا إذا انكَسرَتْ بهِ السَّفينةُ وبَقيَ على لَوحٍ، أو وقَعَ في فَمِ سَبُعٍ فطلَّقَ ثلاثًا وماتَ مِنْ ذلكَ وَرثَتْ (١).

стр. 10285

القولُ الثَّاني: ذَهبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجَتَه المَدخولُ بها واحدَةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُه مُطلقًا، سواءٌ انقَضَتْ عدَّتُها أم لمْ تَنقَضي؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما يَثبتُ لها لأنَّ الطَّلاقَ صادَفَ سبَبَهُ وهوَ ثُبوتُ الحَجْرِ عليهِ مِنْ أجْلِها؛ فلا فرْقَ بيْنَ بقاءِ العدَّةِ وزَوالِها؛ لِوُجوبِ الميراثِ لها بحُصولِ السَّببِ الَّذي هوَ الحَجْرُ، سواءٌ تزوَّجَتْ بعْدَه أم لم تتزوَّجْ، حتَّى لو تزوَّجَتْ بعْدَهُ ثمَّ ماتَ وَرثَتْه، وكذلكَ لو تزوَّجَتْ بعَشرةِ مِنَ الرِّجالِ وكلٌّ مِنهم طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ منهُم جميعًا؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما وجَبَ لها بإخْراجِه إيَّاها منْهُ بعْدَ ثُبوتِ حقِّ الحجْرِ عليهِ، وهذا مَوجودٌ معَ تَزوُّجِها، فلَم يكُنْ لاعتِبارِ التَّزويجِ معنًى كما لم يكُنْ لاعتِبارِ العدَّةِ مَعنًى. وقدْ رَوى مالكٌ في «المُوطَّأ»: بابُ طلاقِ المرِيضِ ١١٨٣ - حدَّثَني يَحيَى عَنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ طلحَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ قالَ: وكانَ أعلَمَهُم بذلكَ، وعَن أبي سلَمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحمَنِ بنَ عوْفٍ طَلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ وهوَ مرِيضٌ، فوَرَّثَها عُثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها». ١١٨٤ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ عَبدِ الله بنِ الفَضلِ عنِ الأعرَجِ «أنَّ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ورَّثَ نِساءَ ابنِ مُكْمِلٍ منهُ، وكانَ طَلَّقَهنَّ وهو مَريضٌ». ١١٨٥ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ رَبيعةَ بنَ أبي عَبدِ الرَّحمنِ يَقولُ:

стр. 10286

«بَلَغَني أنَّ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ سَألتْهُ أنْ يُطلِّقَها فقالَ: إذا حِضتِ ثمَّ طهُرْتِ فآذِنيني، فلَم تَحِضْ حتَّى مَرضَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، فلمَّا طهُرَتْ آذَنتْهُ فطلَّقَها، البَتَّةَ أو تَطليقةً لَم يَكنْ بَقيَ لهُ عَليها مِنَ الطَّلاقِ غَيرُها، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ يَومئذٍ مَريضٌ، فورَّثَها عثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بَعدَ انقضاءِ عدَّتِها». ١١٨٦ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ يَحيَى بنِ سَعيدٍ عَنْ محَمَّدِ بنِ يَحيَى بنِ حبَّانَ قالَ: كانَتْ عِنْدَ جَدِّي حبَّانَ امرَأتانِ هاشمِيَّةٌ وأنصاريَّةٌ، فطلَّقَ الأنصاريَّةَ وهيَ تُرضِعُ، فمَرَّتْ بها سَنَةٌ ثمَّ هلَكَ عنها ولم تَحضْ، فقالَتْ: أنا أرثُهُ لم أَحِضْ، فاختَصَمَتا إلى عُثمانَ بنِ عفَّانَ، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشميَّةُ عُثمانَ فقالَ: هذا عَملُ ابنِ عَمِّكِ، هوَ أشارَ علينا بهذا، يَعني عَليَّ بنَ أبي طالبٍ». ١١٨٧ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ ابنَ شِهابٍ يَقولُ: «إذا طلَّقَ الرّجُلُ امرأتَهُ ثلاثًا وهو مَريضٌ فإنَّها تَرثُهُ». قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ ولا عِدَّةَ عليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّهُ والميراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سواءٌ (١). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرَأتُهُ وهو

стр. 10287

مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِهِ ذلكَ، قُلتُ: فهَل يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عِدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عِدَّةَ عَليها، لا عِدَّةَ وفاةٍ ولا عِدَّةَ طلاقٍ، قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها طلاقًا بائِنًا وهوَ مَريضٌ وقدْ دخَلَ بها كانَ عَليها عدَّةُ الطَّلاقِ ولها المِيراثُ، وإنْ كانَ طلاقًا يَملِكُ رَجعَتَها فماتَ وهي في عدَّتِها مِنَ الطَّلاقِ انتَقلَتْ إلى عدَّةِ الوفاةِ، وإنِ انقَضَتْ عدَّتُها مِنْ الطَّلاقِ قبْلَ أنْ يَهلكَ فهلَكَ بعْدَ ذلكَ فلها الميراثُ ولا عِدَّةَ عَليها مِنَ الوَفاةِ. قُلتُ: هلْ تَرِثُ امرَأةٌ أزواجًا كلُّهُم يُطلِّقُها في مرَضِه، ثمَّ تَتزوَّجُ زَوجًا والَّذينَ طلَّقُوها كلُّهم أحياءٌ، ثمَّ ماتُوا مِنْ قبْلِ أنْ يَصِّحُوا مِنْ مرَضِهم ذلكَ، وهي تحتَ زَوجٍ، أتُورِّثُها مِنْ جَميعِهم أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قال: لها المِيراثُ مِنْ جَميعِهم، قالَ مالِكٌ: وكذلكَ لو طلَّقَها واحدَةً ألبتَّةَ وهوَ مَريضٌ وتزوَّجَتْ أزواجًا بعْدَ ذلكَ كلُّهم يُطلِّقُها وَرثَتِ الأوَّلَ إذا ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ (١). قالُوا: ولأنَّ المَعنَى في ذلكَ المُقابَلةُ بنَقيضِ القَصدِ، وإنْ كانَ عَبدُ الرَّحمَنِ ﵁ قدْ نَزَّهَهُ اللهُ عَنْ أنْ يَقصِدَ منْعَها، إلَّا أنَّ الحُكمَ إذا ثَبتَ لعِلَّةٍ غالِبةٍ اكتُفِي بغَلبَتِها عَنْ تَتبُّعِها في آحادِ الصُّوَرِ، وهذا في الشَّريعةِ كَثيرٌ لِمَنْ تأمَّلَه، لا سيِّمَا على القَولِ بحَسمِ الذَّرائِعِ، ولأنَّ المَريضَ مَمنُوعٌ أنْ

стр. 10288

يَتبَرَّعَ بإخراجِ جُزءٍ زائِدِ على ثُلثِهِ لحَقِّ الوَرثةِ، فأَولَى أنْ يُمنعَ مِنْ إسقاطِ بَعضِهم جُملةً. ولأنهُ ﷺ لمَّا منَعَ المَريضَ مِنَ الحُكمِ في ثُلثَي مالِهِ المَورُوثِ بما يُنقصُ ورَثتَه منهُ؛ كانَ مَمنُوعًا أنْ يُدخلَ عَليهِم وارثًا، أو يُخرجَ مِنهُم وارثًا، ولمَّا منَعَ الرَّسولُ ﷺ القاتِلَ المِيراثَ بما أحدَثَ مِنَ القتْلِ انبغَى أنْ لا يَكونَ المَريضُ مانِعًا لزَوجتِهِ المِيراثَ بما أحدَثَ منَ الطَّلاقِ، ولا فرْقَ بيْنَ وارثَينِ أحدُهُما يَدخُلُ في الميراثَ بوجهٍ فيُمنَعُ مِنْ أجلِهِ، وآخرُ قدْ أُخرجَ بمِثلِ ذلكَ الوَجهِ؛ لأنَّ القاتِلَ أرادَ أنْ يَستوجِبَ بفِعلِه حقًّا لم يَجِبْ لهُ بعْدُ، فمُنِعَه، وكذلكَ المَريضُ أرادَ أنْ يَمنعَ بفعلِهِ حقًّا عَنْ مَنْ وجَبَ لهُ فمُنِعَه، وكما لم يكُنْ للمَريضِ أنْ يُدخِلَها في الميراثِ بتَزويجِه إيَّاها فيهِ؛ كانَ كذلكَ لا يُخرِجُها مِنَ الميراثِ بطلاقِها فيهِ. وقدْ قضَى بهِ عُثمانُ ﵁ بمَحضَرِ المُهاجرِينَ والأنصارِ، وقالَهُ عُمَرُ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵄. إلَّا أنَّهُ إذا صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُه على أيِّ وجْهٍ كانَ؛ لأنَّهُ إذا صَحَّ فقَدْ زالَ الحَجرُ عنهُ، كمَنْ طلَّقَ في الصِّحَّةِ. ولَو سألَتْهُ الطَّلاقَ وهوَ مَريضٌ فطَلَّقَها أو خالَعَها وَرثَتْهُ؛ لأنَّ عُثمانَ ﵁ حكَمَ بذلكَ في تُماضِرَ بنتِ الأصبغِ زَوجةِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وكانَتْ عِندَهُ على طَلقَةٍ، فسألَتْهُ في شكوَتِهِ الَّذي ماتَ فيهِ أنْ يُطلِّقَها تَطليقةً

стр. 10289

هيَ آخِرُ طلاقِها، فوَرَّثَها عُثمانُ مِنهُ، ولَم يُنكِرْ ذلكَ عَليهِ أحَدٌ، ولأنَّهَا مُطلَّقةٌ في المَرضِ كالَّتي لَم تَأذنْ، ولأنَّ الإنسانَ قد يُضيِّقُ على زَوجَتِه حتَّى تَسألَهُ الخُلعَ، فحُسِمَ البابُ بتَوريثِها، ولأنَّ الإذْنَ في إخراجِها مِنَ الميراثِ بعْدَ ثُبوتِ سَببِه لا يُؤثِّر كما لَو قالَتْ: لَستُ أَرِثُكَ. وإنْ ماتَتْ هي لَم يَرِثْها؛ لأنَّها لَم تُخرِجْه هيَ عَنِ الميراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها. وعدَّتُها عدَّةُ طلاقٍ؛ لأنَّها قَدْ بانَتْ مِنهُ بالطَّلاقِ دُونَ المَوتِ، وإنَّما قَطَعَ المَرضُ مِنْ أحكامِ المَبتُوتَةِ انتِفاءَ الإرثِ فقَطْ (١). القَول الثَّالثُ: قولُ الشَّافعيةِ في الأظهَرِ وهوَ المَذهبُ الجَديدُ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طلاقًا بائِنًا في مَرضِ مَوتِهِ ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُ منهُ زَوجَتُه؛ سَواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ أو لَم تَسألْهُ؛ لأنَّها فُرقةٌ تَقطعُ إرثَهُ مِنها، فوجَبَ أنْ تَقطعَ إرثَها مِنهُ، أصلُهُ الفُرقةُ في الصِّحَّةِ، ولأنَّهُ إرثٌ يَنقطِعُ بالفُرقةِ في حالِ الصِّحةِ فوجَبَ أنْ يَنقطِعَ بالفُرقةِ في حالِ المَرضِ، أصلُهُ إرثُ الزَّوجِ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرثُها وإنْ ماتَتْ في العِدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهو صَحيحٌ أو مَريضٌ، فكذلكَ الزَّوجةُ لا تَرثُه.

стр. 10290

ولأنَّ للنِّكاحِ أحكامًا مِنْ طلاقٍ وظِهارٍ وإيلاءٍ وتَحريمٍ للجَمْعِ بيْنَها وبيْنَ أُختِها وخالَتِها وعمَّتِها وثُبوتِ الميراثِ وعدَّةِ الوفاةِ، فلمَّا انتَفَى عن هذهِ المَبتُوتةِ في حالِ المَرضِ أحكامُ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ الميراثِ؛ انتَفَى عَنها أحكامُ النِّكاحِ في المِيراثِ. وتَحريرُهُ قياسًا: أنَّهُ حكمٌ يَختصُّ بالنِّكاحِ، فوجَبَ أنْ يَنتفِيَ عن المَبتوتةِ في المرَضِ كسائِرِ الأحكامِ، ولأنَّ فسْخَ النِّكاحِ في المرَضِ سَببٌ مِنْ جهَتِها كالرِّدَّةِ والرَّضاعِ يَمنعُ ميراثَهُ مِنها، وإنْ تَوجَّهَتِ التُّهمةُ إليهِما جَميعًا بيْنَ وُجودِه في الصِّحَّةِ والمرَضِ، وجَبَ أنْ يكونَ وُجودُ الفُرقةِ مِنْ جهَتِه يَمنَعُ ميراثَها منهُ؛ تَسويةً بيْنَ الصِّحَّةِ والمَرضِ. ولأنَّ هذا قولُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: أخبَرَنا عَبدُ المَجيدِ عَنْ ابنِ جُريجٍ عَنْ أبي مُلَيكةَ أنَّهُ سَألَ ابنَ الزُّبيرِ عنِ المرأةِ يُطلِّقُها الرَّجلُ فيبُتُّها ثُمَّ يَموتُ وهي في عدَّتِها، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: طلَّقَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ تُماضِرَ بنتَ الأَصبغِ الكَلبيَّةَ فبَتَّها، ثمَّ ماتَ وهي في عِدَّتها، فورَّثَها عُثمانُ، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: «فأمَّا أنا فلا أرَى أنْ تَرثَ مَبتوتةٌ» (١). وهو صحابيٌّ مِنْ أهلِ الاجتِهادِ، لا سيِّمَا في أيَّامِ عُثمانَ ﵁. وفي قولٍ للشَّافِعيةِ أنَّ مَوتَ الزَّوجِ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ لا يَقطعُ التَّوارُثَ، فتَرثُه زَوجتُه؛ لأنَّهُ مُتَّهَمٌ بدَفعِ الإرثَ، كما يُحجَبُ القاتِلُ؛ لأنَّهُ

стр. 10291

مُتَّهَمٌ بجَلبِ الإرثِ؛ لأنَّ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ طلَّقَ زَوجتَهُ تُماضِرَ في مَرضِ المَوتِ فورَّثَها عُثمانُ ﵁». وإنَّما تَرثُ بِشُروطٍ: أحدُها: كَونُ الزَّوجةِ وارِثةً، فلو أسلمَتْ بعْدَ الطَّلاقِ فلا تَرِثُ. ثانيهَا: عَدمُ اختيارِها، فلوِ اختَلعَتْ أو سَألَتْ، أو قالَ: «أنتِ طالقٌ إن شِئتِ» فشَاءَتْ، أو «اختارِي نَفسَكِ» فقالَتْ: «اختَرتُ»، أو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِها الَّذي لا ضَرورةَ لها بهِ ولا حاجَةَ ففَعلتْهُ، فليسَ بفارٍّ ولا تَرِثُه. ثالثُها: كَونُ البَينونةِ في مرَضٍ مَخُوفٍ وماتَ بسَببِه، فإنْ بَرئَ مِنهُ فلا قَطعًا. رابعُها: كَونُها بالطَّلاقِ، لا بلِعانٍ وفَسخٍ، فلَو فسَخَ نكاحَها بعَيْبِها في المَرضِ فليسَ بفارٍّ على الصَّحيحِ. خامِسُها: كَونُه مُنجَّزًا، فلو علَّقَ طلاقَها بصِفةٍ تَحتَملُ أنْ تُوجَدَ في الصِّحةِ والمرَضِ ولَم يَتعلَّقْ بفِعلِهِ، كقولِهِ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ أو جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، فقَدِمَ أو جاءَ وهوَ مَرِيضٌ؛ فقَولانِ: أصحُّهما أنَّهُ ليسَ بفارٍّ. وإنْ ماتَ بسَببٍ آخَرَ بأنْ قُتِلَ في ذلكَ المَرضِ فقَولانِ. إلَّا أنَّ في زَمانِ ميراثِها مِنهُ ثلاثةَ أقاويلَ: أحدُها -وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ-: أنَّها تَرِثُه ما كانَتْ في عِدَّتِها، وهيَ عدَّةُ

стр. 10292

الطَّلاقِ بالأقراءِ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها لم تَرثْ؛ لأنَّ بقاءَ العِدَّةِ مِنْ بقايا عَلَقِ النِّكاحِ وأحكامِهِ، فتَبِعَها الإرثُ وسقَطَ بانقِضائِها. والقولُ الثَّانِي -وهوَ مَذهبُ الحَنابلةِ-: أنَّها تَرِثُه ما لَم تَتزوَّجْ، فإنْ تَزوَّجتْ لم تَرثْ؛ لأنَّ تَزويجَها رِضًا مِنها بطلاقِهِ. والقولُ الثَّالثُ -وهوَ مَذهبُ المالكيَّةِ: أنَّها تَرِثُه وإنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنَّهُ حَقٌّ لها، فلَم يَسقُطْ بالتَّزويجِ كسائِرِ الحُقوقِ (١). القولُ الرَّابعُ: قولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَهُ طَلقةً بائِنةً غَيرَ رَجعيَّةٍ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ مِنهُ ما لَم تَتزوَّجْ أو تَرتدَّ، سواءٌ طالَتِ المُدَّةُ أم قَصُرَتْ، فإنْ تزوَّجَتْ فلا تَوارُثَ بيْنَهما؛ لأنَّها فَعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نِكاحَ الأوَّلِ فلَم تَرثْهُ، ولِمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ «أنَّ أباهُ طلَّقَ أمَّهُ وهوَ مَريضٌ فماتَ فوَرثَتْه بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ» (٢). ولأنَّ سبَبَ تَوريثِها فِرارُهُ مِنْ ميراثِها، وهذا المَعنَى لا يَزولُ بانقِضاءِ العدَّةِ.

стр. 10293

وعَن الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّها لا تَرثُ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قولُ عُروةَ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهِ وأحدُ أقوالِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّها تُباحُ لزَوجٍ آخَرَ، فلَم تَرثْهُ كما لَو كانَ في الصِّحةِ، ولأنَّ تَوريثَها بعدَ العدَّةِ يُفضِي إلى تَوريثِ أكثرَ مَنْ أربعِ نِسوةٍ، فلَم يَجُزْ كما لو تَزوَّجَتْ (١). وعلى هذا: إنْ تزوَّجَتِ المَبتوتةُ لَم تَرثْهُ، سواءٌ كانَتْ في الزَّوجيَّةِ أو بانَتْ مِنَ الزَّوجِ الثَّانِي، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحنَابلةِ؛ لأنَّ هذهِ وارثَةٌ مِنْ زَوجٍ، فلا تَرِثُ زَوجًا سواهُ كسائِرِ الزَّوجاتِ، ولأنَّ التَّوارُثَ مِنْ حُكمِ النِّكاحَ، فلا يَجوزُ اجتِماعُهُ معَ نكاحٍ آخَرَ كالعدَّةِ، ولأنَّها فعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نكاحَ الأوَّلِ لها، فأشبَهَ ما لو كانَ فسخُ النِّكاحِ مِنْ قِبَلِها. وذهبَ المالكيَّةُ -كما تَقدَّمَ- إلى أنَّها تَرثُهُ؛ لأنَّها شَخصٌ يَرثُ معَ انتِفاءِ الزَّوجيَّةِ، فوَرثَ مَعها كسائِرِ الوارثِينَ (٢). الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يكونَ غيرَ مَدخولٍ بها: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا طلَّقَ زَوجتَه غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ، هلْ تَرثُ منهُ أم لا؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَرثُ منهُ، ولا عدَّةَ عَليها، ولها نِصفُ الصَّداقِ.

стр. 10294

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ، قالَ أحمدُ: قالَ جَابرُ بنُ زَيدٍ: لا ميراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمَدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابرٍ؛ وذلِكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنْ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ. وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ، فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ. ولو خَلا بها وقالَ: «لَمَّا أَطأْها» وصدَّقَتْه فلَها المِيراثُ وعَليها العدَّةُ للوَفاةِ ويَكمُلُ لها الصَّداقُ؛ لأنَّ الخَلوةَ تكفِي في ثُبوتِ هذهِ الأحكامِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِهِ (١). وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: لو طلَّقَ امرَأتَهُ الَّتي لَم يَدخُلْ بها في مرَضٍ ماتَ فيهِ لا تَرثُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عَليها مِنْ ذلكَ الطَّلاقِ (٢). وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإنْ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَمسَّها فأيُّهما قَلتَ

стр. 10295

فلَها نِصفُ ما سمَّى لها إنْ كانَ سمَّى لها شَيئًا، ولها المُتعةُ إنْ لم يَكنْ سمَّى لها شَيئًا، ولا عِدَّةَ عَليها مِنْ طلاقٍ ولا وَفاةٍ، ولا تَرثُه لأنَّها لا عدَّةَ عَليها (١). وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّهُ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ فإنَّها تَرثُ منهُ مُطلقًا. قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نِصفُ الصَّداقِ ولها المِيراثُ ولا عِدَّةَ عَليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّه والمِيراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سَواءٌ (٢). وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: قلتُ: أَرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ وهوَ مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ، ولها المِيراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ، قلتُ: فهلْ يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عدَّةَ عَليها، لا عدَّةَ وَفاةٍ ولا عدَّةَ طَلاقٍ (٣). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَرثُ منهُ ما لَم تتزوَّجْ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَو طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في مَرَضِه قبْلَ الدُّخولِ بها فقالَ أبو بَكرٍ: فيها أربَعُ رِواياتٍ:
следующие страницы →