مُتَّهَمٌ بجَلبِ الإرثِ؛ لأنَّ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ طلَّقَ زَوجتَهُ تُماضِرَ في مَرضِ المَوتِ فورَّثَها عُثمانُ ﵁».
وإنَّما تَرثُ بِشُروطٍ:
أحدُها: كَونُ الزَّوجةِ وارِثةً، فلو أسلمَتْ بعْدَ الطَّلاقِ فلا تَرِثُ.
ثانيهَا: عَدمُ اختيارِها، فلوِ اختَلعَتْ أو سَألَتْ، أو قالَ: «أنتِ طالقٌ إن شِئتِ» فشَاءَتْ، أو «اختارِي نَفسَكِ» فقالَتْ: «اختَرتُ»، أو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِها الَّذي لا ضَرورةَ لها بهِ ولا حاجَةَ ففَعلتْهُ، فليسَ بفارٍّ ولا تَرِثُه.
ثالثُها: كَونُ البَينونةِ في مرَضٍ مَخُوفٍ وماتَ بسَببِه، فإنْ بَرئَ مِنهُ فلا قَطعًا.
رابعُها: كَونُها بالطَّلاقِ، لا بلِعانٍ وفَسخٍ، فلَو فسَخَ نكاحَها بعَيْبِها في المَرضِ فليسَ بفارٍّ على الصَّحيحِ.
خامِسُها: كَونُه مُنجَّزًا، فلو علَّقَ طلاقَها بصِفةٍ تَحتَملُ أنْ تُوجَدَ في الصِّحةِ والمرَضِ ولَم يَتعلَّقْ بفِعلِهِ، كقولِهِ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ أو جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، فقَدِمَ أو جاءَ وهوَ مَرِيضٌ؛ فقَولانِ: أصحُّهما أنَّهُ ليسَ بفارٍّ.
وإنْ ماتَ بسَببٍ آخَرَ بأنْ قُتِلَ في ذلكَ المَرضِ فقَولانِ.
إلَّا أنَّ في زَمانِ ميراثِها مِنهُ ثلاثةَ أقاويلَ:
أحدُها -وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ-: أنَّها تَرِثُه ما كانَتْ في عِدَّتِها، وهيَ عدَّةُ
стр. 10292
الطَّلاقِ بالأقراءِ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها لم تَرثْ؛ لأنَّ بقاءَ العِدَّةِ مِنْ بقايا عَلَقِ النِّكاحِ وأحكامِهِ، فتَبِعَها الإرثُ وسقَطَ بانقِضائِها.
والقولُ الثَّانِي -وهوَ مَذهبُ الحَنابلةِ-: أنَّها تَرِثُه ما لَم تَتزوَّجْ، فإنْ تَزوَّجتْ لم تَرثْ؛ لأنَّ تَزويجَها رِضًا مِنها بطلاقِهِ.
والقولُ الثَّالثُ -وهوَ مَذهبُ المالكيَّةِ: أنَّها تَرِثُه وإنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنَّهُ حَقٌّ لها، فلَم يَسقُطْ بالتَّزويجِ كسائِرِ الحُقوقِ (١).
القولُ الرَّابعُ: قولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَهُ طَلقةً بائِنةً غَيرَ رَجعيَّةٍ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ مِنهُ ما لَم تَتزوَّجْ أو تَرتدَّ، سواءٌ طالَتِ المُدَّةُ أم قَصُرَتْ، فإنْ تزوَّجَتْ فلا تَوارُثَ بيْنَهما؛ لأنَّها فَعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نِكاحَ الأوَّلِ فلَم تَرثْهُ، ولِمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ «أنَّ أباهُ طلَّقَ أمَّهُ وهوَ مَريضٌ فماتَ فوَرثَتْه بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ» (٢).
ولأنَّ سبَبَ تَوريثِها فِرارُهُ مِنْ ميراثِها، وهذا المَعنَى لا يَزولُ بانقِضاءِ العدَّةِ.
стр. 10293
وعَن الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّها لا تَرثُ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قولُ عُروةَ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهِ وأحدُ أقوالِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّها تُباحُ لزَوجٍ آخَرَ، فلَم تَرثْهُ كما لَو كانَ في الصِّحةِ، ولأنَّ تَوريثَها بعدَ العدَّةِ يُفضِي إلى تَوريثِ أكثرَ مَنْ أربعِ نِسوةٍ، فلَم يَجُزْ كما لو تَزوَّجَتْ (١).
وعلى هذا: إنْ تزوَّجَتِ المَبتوتةُ لَم تَرثْهُ، سواءٌ كانَتْ في الزَّوجيَّةِ أو بانَتْ مِنَ الزَّوجِ الثَّانِي، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحنَابلةِ؛ لأنَّ هذهِ وارثَةٌ مِنْ زَوجٍ، فلا تَرِثُ زَوجًا سواهُ كسائِرِ الزَّوجاتِ، ولأنَّ التَّوارُثَ مِنْ حُكمِ النِّكاحَ، فلا يَجوزُ اجتِماعُهُ معَ نكاحٍ آخَرَ كالعدَّةِ، ولأنَّها فعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نكاحَ الأوَّلِ لها، فأشبَهَ ما لو كانَ فسخُ النِّكاحِ مِنْ قِبَلِها.
وذهبَ المالكيَّةُ -كما تَقدَّمَ- إلى أنَّها تَرثُهُ؛ لأنَّها شَخصٌ يَرثُ معَ انتِفاءِ الزَّوجيَّةِ، فوَرثَ مَعها كسائِرِ الوارثِينَ (٢).
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يكونَ غيرَ مَدخولٍ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا طلَّقَ زَوجتَه غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ، هلْ تَرثُ منهُ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَرثُ منهُ، ولا عدَّةَ عَليها، ولها نِصفُ الصَّداقِ.
стр. 10294
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ، قالَ أحمدُ: قالَ جَابرُ بنُ زَيدٍ: لا ميراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمَدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابرٍ؛ وذلِكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنْ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ.
وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ، فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ.
ولو خَلا بها وقالَ: «لَمَّا أَطأْها» وصدَّقَتْه فلَها المِيراثُ وعَليها العدَّةُ للوَفاةِ ويَكمُلُ لها الصَّداقُ؛ لأنَّ الخَلوةَ تكفِي في ثُبوتِ هذهِ الأحكامِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِهِ (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: لو طلَّقَ امرَأتَهُ الَّتي لَم يَدخُلْ بها في مرَضٍ ماتَ فيهِ لا تَرثُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عَليها مِنْ ذلكَ الطَّلاقِ (٢).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإنْ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَمسَّها فأيُّهما قَلتَ
стр. 10295
فلَها نِصفُ ما سمَّى لها إنْ كانَ سمَّى لها شَيئًا، ولها المُتعةُ إنْ لم يَكنْ سمَّى لها شَيئًا، ولا عِدَّةَ عَليها مِنْ طلاقٍ ولا وَفاةٍ، ولا تَرثُه لأنَّها لا عدَّةَ عَليها (١).
وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّهُ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ فإنَّها تَرثُ منهُ مُطلقًا.
قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نِصفُ الصَّداقِ ولها المِيراثُ ولا عِدَّةَ عَليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّه والمِيراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سَواءٌ (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: قلتُ: أَرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ وهوَ مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ، ولها المِيراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ، قلتُ: فهلْ يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عدَّةَ عَليها، لا عدَّةَ وَفاةٍ ولا عدَّةَ طَلاقٍ (٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَرثُ منهُ ما لَم تتزوَّجْ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَو طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في مَرَضِه قبْلَ الدُّخولِ بها فقالَ أبو بَكرٍ: فيها أربَعُ رِواياتٍ:
стр. 10296
إحداهُنَّ: لها الصَّداقُ كاملًا والمِيراثُ وعَليها العدَّةُ، اختارَها أبو بكرٍ، وهوَ قَولُ الحَسنِ وعَطاءٍ وأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ المِيراثَ ثبَتَ للمَدخولِ بها لفِرارِهِ منهُ وهذا فارٌّ، وإذا ثبَتَ الميراثُ ثبَتَ وُجوبُ تَكميلِ الصَّداقِ، ويَنبغي أنْ تكونَ العدَّةُ عدَّةَ الوفاةِ؛ لأنَّا جعَلْناها في حُكمِ مَنْ تُوفِّيَ عَنها وهيَ زَوجةٌ، ولأنَّ الطَّلاقَ لا يُوجِبُ عدَّةً على غَيرِ مَدخولٍ بها.
الثَّانيةُ: لها المِيراثُ والصَّداقُ ولا عدَّةَ عَليها، وهوَ قولُ عَطاءٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ حقٌّ عَليها فلا تَجِبُ بفِرارِهِ.
والثَّالثةُ: لها المِيراثُ ونِصفُ الصَّداقِ وعَليها العدَّةُ، وهذا قولُ مالكٍ في رِوايةً أبي عُبيدٍ عنهُ؛ لأنَّ مَنْ تَرثُ يَجبُ أنْ تَعتدَّ، ولا يَكمُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى نصَّ على تَنصيفِهِ بالطَّلاقِ قبْلَ المَسيسِ ولا تَجوزُ مُخالَفتُه.
والرَّابعةُ: لا مِيراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها ولها نِصفُ الصَّداقِ، وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ.
قالَ أحمَدُ: قالَ جابِرُ بنُ زَيدٍ: لا مِيراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابِرٍ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنِ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
стр. 10297
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ، وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: (وهلْ تَرثُه بعْدَ العدَّةِ أو تَرثُه المُطلَّقةُ قبْلَ الدُّخولِ؟ على رِوايتَينِ).
يَعني: إذا فعَلَ فِعلًا يُتَّهمُ فيهِ بقَصدِ حِرمانِها فإنَّها تَرِثُه ما دامَتْ في العدَّةِ بلا نِزاعٍ، ولا يَرثُها هوَ بلا نِزاعٍ، وهلْ تَرثُه بعْدَ العدَّةِ أو تَرِثُه المُطلَّقةُ قبْلَ الدُّخولِ؟ أطلَقَ المُصنِّفُ فيهِ روايتَينِ، وأطلَقَهُما في «الهِدايَة» و «المُستَوعب» و «الكافي» وأطلَقَهُما في «النَّظم» في الأُولَى.
إحداهُما: تَرثُه بعْدَ العدَّةِ ولو كانَتْ غَيرَ مَدخولٍ بها ما لم تَتزوَّجْ، وهوَ الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، قالَ في «الفُرُوع»: نَقَلَه واختارَه الأكثرُ.
قالَ المُصنِّفُ والشَّارِحُ وغَيرُهما: هذا المَشهورُ عَنِ الإمامِ أحمدَ ﵀، قالَ في المَذهبِ: هذا أصحُّ الرِّوايتَينِ.
قالَ أبو بَكرٍ: لا يَختَلفُ قولِ أبي عَبدِ اللهِ في المَدخُولِ بها أنَّها تَرثُه في العدَّةِ وبعْدَها ما لم تَتزوَّجْ، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وغَيرِه، وقَدَّمَه في «الفُرُوع» و «الفائِق».
стр. 10298
والرِّوايةُ الثَّانيةُ: لا تَرثُه، واختارَهُ في «التَّبصِرَة» في المَدخُولِ بها، وصحَّحَه في «النَّظم» فيها، وقدَّمَه فيهِما في «المُحرَّر» و «الرِّعايتَين» و «الحاوِي الصَّغِير»، وهُوَ ظاهِرُ ما قدَّمَه المُصنِّفُ في آخِرِ البابِ، حَيثُ جعَلَ المِيراثَ للزَّوجاتِ اللَّاتِي في عِصمَتِه، ولَم يُعطِ المُطلَّقاتِ شيئًا فيما إذا طلَّقَ أربعًا وانقَضتْ عدَّتُهنَّ وتَزوجَ بَعدَهنَّ أربعًا وماتَ عَنهنَّ.
قالَ أبو بكرٍ: إذا طلَّقَ ثَلاثًا قبْلَ الدُّخولِ في المرَضِ، فيها أربعُ رِواياتٍ:
إحداهنَّ: لها الصَّداقُ كامِلًا والمِيراثُ وعَليها العدَّةُ، واختارَهُ. قالَ المُصنِّفُ وغَيرُه: ويَنبغي أنْ تكونَ العدَّةُ عدَّةَ وفاةٍ، قُلتُ: فيُعَايَى بها في الصَّداقِ.
والثَّانيةُ: لها المِيراثُ والصَّداقُ ولا عِدَّة عَليها.
والثَّالثةُ: لها المِيراثُ ونِصفُ الصَّداقِ وعَليها العدَّةُ.
والرَّابعةُ: لا تَرثُ ولا عِدَّةَ عليها ولها نِصفُ الصَّداقِ. انتهى.
ويُعايَى بها حَيثُ أوجَبْنا العدَّةَ (١).
стр. 10299
الركنُ الثاني: القَصدُ:
اشتَرَطَ أهلُ العلمِ لوُقوعِ الطَّلاقِ أنْ يكونَ المُطلِّقُ قاصِدًا للطَّلاقِ مُختارًا لهُ.
والمُرادُ هنا: أنْ يَقصِدَ اللَّفظَ المُوجِبَ للطَّلاقِ.
ويَندَرجُ تحتَ هذا الشَّرطِ عدَّةُ مَسائِلَ:
المسألةُ الأُولى: حكمُ طلاقِ النائمِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ النائِمَ إذا طلَّقَ حالَ نَومِهِ أنَّ طلاقَهُ لا يَقعُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائِمِ حتى يَستَيقظَ، وعنِ الصَّغيرِ حتى يَكبرَ، وعنِ المَجنونِ حتَّى يَعقلَ أو يُفيقَ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كُلُّ مَنْ أحفَظُ عَنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ في حالِ نَومِه أنْ لا طلاقَ لهُ (٢).
ولأنَّ النَّومَ يُنافي أصلَ العمَلِ بالعَقلِ؛ لأنَّ النَّومَ مانِعٌ عَنْ استِعمالِ نُورِ العَقلِ، فكانَتْ أهليَّةُ القَصدِ مَعدومةً بيَقينٍ (٣).
стр. 10300
فلو قالَ لها بعْدَما استَيقظَ: «طلَّقْتُكِ في النَّومِ، أو: أجزْتُ ذلكَ الطَّلاقَ، أو: أوقَعْتُ ما تلفَّظْتُ بهِ حالَةَ النَّومِ» لا يَقعُ، ولو قالَ: «أوقَعْتُ ذلكَ الطَّلاقَ، أو: جَعلْتُه طلاقًا» وَقعَ (١).
المسألةُ الثانيةُ: حكمُ طلاقِ المغمَى عليهِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربعةِ على أنَّ طلاقَ المُغمَى عليهِ (٢) لا يَقعُ، إلَّا أنَّ الإمامَ أحمَدَ ﵀ قالَ في المُغمَى عَليهِ إذا طلَّقَ فلمَّا أفاقَ عَلِمَ أنَّهُ كانَ مُغمًى عَليهِ وهوَ ذاكِرٌ لذلكَ فقالَ: إذا كانَ ذاكِرًا لذلكَ فليسَ هوَ مُغمًى عَليهِ يَجوزُ طلاقُهُ.
وقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ في المَجنونِ يُطلِّقُ فقيلَ لهُ بعْدَما أفاقَ: «إنَّكَ طلَّقْتَ امرأتَكَ» فقالَ: «أنا أذكُرُ أنِّي طلَّقْتُ ولم يكنْ عَقلِي مَعي»، فقالَ: إذا كانَ يَذكرُ أنَّهُ طلَّقَ فقدْ طَلُقَتْ، فلم يَجعلْهُ مَجنونًا إذا كانَ يَذكرُ الطَّلاقَ ويَعلمُ بهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا -واللهُ أعلَمُ- فيمَن جُنونُهُ بذَهابِ مَعرفَتِه بالكُلِّيةِ وبُطلانِ حَواسِّهِ، فأمَّا مَنْ كانَ جُنونُه لنُشافٍ أو كانَ مُبَرسَمًا
اللَّخميُّ: أرَى إنْ قامَ دليلُ الهَزلِ لم يَلزمْهُ طلاقٌ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: مَنْ قالَ لامرَأتِهِ: «قَدْ وَلَّيْتُكِ أمْرَكِ إنْ شاءَ اللهُ» فقالَتْ: «فارَقْتُكَ إنْ شاءَ اللهُ» وهُمَا لاعبانِ لا يُريدانِ طلاقًا فلا شيءَ عَليهما.
وقالَ ابنُ القاسمِ في رَجلٍ قالَ لهُ رجلٌ: «أَطلَّقْتَ امرأتَكَ؟» قالَ: «نَعم كما طلَّقْتَ أنتَ امرأتَكَ»، فإذا بالآخَرِ قدْ طلَّقَ امرأتَهُ والآخَرُ لم يَعلمْ: لا شيءَ عليهِ؛ إذْ لم يُرِدْ طلاقًا، ويَحلِفُ أنَّهُ لم يَعلمْ بطلاقِ الآخَرِ، ولا يَحلفُ أنَّهُ كانَ لاعِبًا؛ لأنَّ اللَّاعِبَ يَلزمُه الطَّلاقُ (١).
وهو أيضًا رِوايةٌ للحَنابلةِ، فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَد ألغَى طلاقَ الهازِلِ بَعضُ الفُقهاءِ، وهوَ إحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ الإمامِ أحمَدَ، حَكاها أبو بكرٍ عَبدُ العَزيزِ وغَيرُه، وبهِ يَقولُ بعضُ أصحابِ مالكٍ إذا قامَ دَليلُ الهَزلِ، فلَم يَلزَمْه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طلاقٌ؛ ولا رَيبَ أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طَلاقِه مِنْ هذا (٢).
المسألةُ الخامسةُ: طلاقُ الأعجَميِّ:
الأعجَميُّ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» فلا يَخلُو مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ:
الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَعرِفَ مَعناهُ، فيَلزمُه الطَّلاقُ، سواءٌ أرادَه أو لم يُرِدْه، كالعربيِّ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بيْنَ أهلِ العِلمِ.
стр. 10310
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الأعجَميَّ إذا طلَّقَ بلسانِهِ وأرادَ الطَّلاقَ أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ لهُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَولُه -أي البُخاريِّ-: طلاقُ كلِّ قَومٍ بلِسانِهم، فالعُلماءُ مُجمِعونَ أنَّ العَجَميَّ إذا طلَّقَ بلِسانِهِ وأرادَ الطَّلاقَ أنَّه يَلزمُه؛ لأنَّهُم وسائِرَ النَّاسِ في أحكامِ اللهِ سواءٌ (٢).
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: مَنْ لُقِّنَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعَجميَّةِ أو بالعَكسِ فأوقَعَهُ وهو لا يَعرفُ مَعناهُ فإنَّهُ لا يَلزمُه شيءٌ، لا في الفَتوَى ولا في القَضاءِ؛ لعَدمِ القَصدِ الَّذي هوَ رُكنٌ في الطَّلاقِ، فإنْ فَهِمَ فإنَّه يَلزمُه اتِّفاقًا (٣).
والحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ لا يَعرِفَ مَعناهُ ولا يُريدَ مُوجَبَهُ عِنْدَ أهلِ العَربيَّةِ، فلا طلاقَ عَليهِ، ويَصيرُ ذلكَ مِنْ كَلامِه لَغوًا، كما لو تَكلَّمَ بكَلمةِ الكُفرِ وهوَ لا يَعرفُ مَعناه ولم يُرِدْ مُوجَبَهُ كما نصَّ على ذلكَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ.
والحالةُ الثَّالثةُ: أنْ لا يَعرفَ مَعناهُ، ولكنَّهُ يُريدُ مُوجَبَهُ عندَ أهلِ العَربيَّةِ، أي نَوَى مُوجَبَ هذا اللَّفظِ الَّذي لا يَعرِفُ مَعناهُ، فاختَلفَ فيهِ أهلُ العِلمِ.
стр. 10311
فذهَبَ الشَّافعيةُ في أحَدِ الوَجهَينِ -وهَو الَّذي ذكَرَه أبو حامِدٍ الإسفرايينيُّ وحَكاه عنِ الشَّافعيةِ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ حتَّى يَعرِفَ مَعنَى اللَّفظِ؛ لأنَّهُ مُوجِبٌ للطَّلاقِ، كما لا يَصيرُ كافِرًا إذا تَكلَّمَ بكَلمةِ الكُفرِ وأرادَ مُوجبَهُ بالعَربيَّةِ.
وفي «مُصنَّف وَكيعٍ»: أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قَضَى في امرَأةٍ قالَتْ لزَوجِها: «سَمِّنِي» فَسمَّاها الطَّيِّبَة فقالَتْ: لا، فقالَ لها: «مَا تُريدينَ أنْ أُسميَكِ؟» قالَتْ: «سَمِّنِي خَليَّةَ طالقٍ»، فقالَ لها: «فأنتِ خَليَّةُ طالِقٍ»، فأتَتْ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فقالَتْ: إنَّ زَوجِي طلَّقَنِي، فجاءَ زَوجُها فقَصَّ عليهِ القصَّةَ، فأوجَعَ عُمرُ رَأسَها وقالَ لزَوجهَا: خُذْ بيَدِها وأَوجِعْ رَأسَها»، قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهذا هوَ الفِقهُ الحيِّ الَّذي يَدخلُ على القُلوبِ بغَيرِ استِئذانٍ، وإنْ تَلفَّظَ بصَريحِ الطَّلاقِ، وقَد تقدَّمَ أنَّ الَّذي قالَ لمَّا وجَدَ راحِلتَه: «اللَّهمَّ أنتَ عَبدِي وأنا رَبُّك، أخطَأَ مِنْ شدَّةِ الفَرحِ» لم يَكفُرْ بذلكَ وإنْ أتَى بصَريحِ الكُفرِ؛ لكَونِه لَم يُرِدْه (١).
واختارَ الإمامُ الماوَرْديُّ والحَنابلةُ في وَجهٍ أنَّهُ يقَعُ في هذهِ الحالَةِ؛ لأنَّه أتَى بالطَّلاقِ ناوِيًا مُقتضاهُ، فوقَعَ كما لو عَلِمَه.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وعِندِي أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ لهُ؛ لأنَّهُ قد أرادَ مُوجَبَ اللَّفظِ وإنْ لم يَعرِفْ مَعناهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَقعُ بمُجرَّدِ اللَّفظِ إذا كانَ المُتكلِّمُ
стр. 10312
بهِ مِنْ أهلِ الإرادةِ وإنْ لم يَكنْ لهُ فيهِ إرادةٌ؛ لأنَّهُ وإنْ لم يَعرفْ مَعناهُ فقدْ كانَ يَقدرُ على تَعرُّفِ مَعناهُ، ولأنَّنا لو أسقَطْنا عنهُ الطَّلاقَ لَسَوَّينا بيْنَ أنْ يُريدَ مُوجَبَه أو لا يُريدَ، وهُمَا لا يَستويانِ، وهكَذا العربيُّ إذا طلَّقَ بصَريحِ الأعجميَّةِ وهو لا يَعرفُ مَعناها كانَ على هذهِ الأقسامِ الثَّلاثةِ.
فلو أنَّ زَوجةَ الأعجَميِّ ادَّعَتْ عليهِ أنَّهُ يَعرِفُ معنَى الطَّلاقِ بالعربيَّةِ كانَ القَولُ فيهِ قولَ الزَّوجِ معَ يَمينِه، وكذلكَ زَوجةُ العَربيِّ لوِ ادَّعَتْ عَليهِ أنَّهُ يَعرفُ الطَّلاقَ بالأعجميَّةِ كانَ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: فإنْ قالَ الأعجَميُّ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» ولا يَفهمُ مَعناهُ لم تَطلُقْ؛ لأنَّهُ ليسَ بمُختارٍ للطَّلاقِ، فطلاقُهُ كالمُكرَهِ، فإنْ نَوَى مُوجَبَه عِنْدَ أهلِ العَربيَّةِ لم يَقَعْ أيضًا؛ لأنَّهُ لا يَصحُّ مِنهُ اختِيارُ ما لا يَعلمُه، ولذلكَ لو نطَقَ بكَلمةِ الكُفرِ مَنْ لا يَعلمُ مَعناها لم يَكفُرْ.
ويَحتمِلُ أنْ تَطلُقَ إذا نَوَى مُوجَبَها؛ لأنَّهُ لفَظَ بالطَّلاقِ ناوِيًا مُوجَبَه، فأشبَهَ العربيَّ، وكذلكَ الحُكمُ إذا قالَ العَربيُّ: «بهشتم» وهوَ لا يَعلَمُ مَعناها (٢).
стр. 10313
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وأفادَ بعَدمِ تَوقُّفِه على النِّيةِ أنَّهُ لا يُشترطُ العِلمُ بمَعناهُ، فلو لَقَّنتْه لفْظَ الطَّلاقِ فتَلفَّظَ بهِ غَيرَ عالِمٍ بمَعناهُ وقَعَ قَضاءً لا دِيانةً، وقالَ مَشايخُ أُوزْجَنْدَ: لا يَقعُ أصلًا؛ صِيانَةً لأملاكِ النَّاسِ عنِ الضَّياعِ بالتَّلبيسِ، كما في «البَدائِع» (١).
وقالَ ابنُ عابدينَ ﵀: لَو لَقَّنتْهُ لفْظَ الطَّلاقِ فتَلفَّظَ بهِ غَيرَ عالِمٍ بمَعناهُ فلا يقَعُ أصلًا على ما أفتَى بهِ مَشايخِ أُوزْجَنْدَ صِيانةً عَنْ التَّلبيسِ وغَيرُهِم مِنَ الوُقوعِ قَضاءً فقَطْ (٢).
وقالَ الإمامَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الطَّلاقُ بالفارسيَّةِ فقَدْ رُويَ عَنْ أبيِ حَنيفةَ ﵁ أنهُ قالَ في فارِسيٍّ قالَ لامرأتِهِ: «بهشتم إن زن، أو قالَ: إن زن بهشتم، أو قالَ: بهشتم»، لا يكونُ ذلكَ طلاقًا إلَّا أنْ يَنويَ بهِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ مَعنَى هذا اللَّفظِ بالعَربيَّةِ خَلَّيْتُ، وقَولُهُ: «خَلَّيتُ» مِنْ كِناياتِ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، فكذا هذا اللَّفظُ، إلَّا أنَّ أبا حَنيفةَ فرَّقَ بيْنَ اللَّفظَينِ مِنْ وَجهَينِ:
أحدُهُما: أنَّهُ قالَ: إذا نَوَى الطَّلاقَ بقَولِهِ: «خَلَّيتُ» يَقَعُ بائِنًا، وإذا نَوى الطَّلاقَ بهذه اللَّفظةِ يقَعُ رَجعيًّا؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ يَحتملُ أنْ يكونَ صَريحًا في لُغتِهِم، ويَحتملُ أنْ يكونَ كِنايةً، فلا تَثبتُ البَينونةُ بالشَّكِّ.
والثَّانِي: قالَ: إنَّ قولَه: «خَلَّيتُ» في حالِ الغضَبِ وفي حالِ مُذاكَرةِ
стр. 10314
الطَّلاقِ يَكونُ طلاقًا، حتَّى لا يُدَيَّنُ في قَولِه إنَّه مَا أرادَ بهِ الطَّلاقَ، وهذا اللَّفظُ في هاتَينِ الحالَتينِ لا يكونُ طلاقًا، حتَّى لَو قالَ: «ما أردتُ بهِ الطَّلاقَ» يُدَيَّنُ في القَضاءِ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ أُقيمَ مَقامَ التَّخليةِ، فكانَ أضعَفَ مِنَ التَّخليةِ، فلا تَعمَلُ فيهِ دَلالةُ الحالِ، ولم يُفرَّقْ بَينَهما فيما سِوى ذلكَ، حتَّى قالَ: إنْ نَوى بائِنًا يَكونُ بِائنًا، وإنْ نوَى ثلاثًا يكونُ ثلاثًا، كما لو قالَ: «خَلَّيتُ» ونَوى البائِنَ أو الثَّلاثَ، ولو نوَى اثنتَينِ يكونُ واحدةً، كما في قَولِه: «خَلَّيتُ»، إلَّا أنَّ هَهُنا يَكونُ واحدةً يَملكُ الرَّجعةَ، بخِلافِ لَفظةِ التَّخليَةِ؛ لِمَا بَيَّنا.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا قالَ: «بهشتم إن زن، أو قالَ: إن زن بهشتم» فهيَ طالقٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم يَنوِ، وتكونُ تَطليقةً رَجعيَّةً؛ لأنَّ أبا يُوسفَ خالَطَ العَجَمَ ودَخلَ جُرْجَانَ فعَرَفَ أنَّ هذا اللَّفظَ في لُغتِهِم صَريحٌ، قالَ: وإنْ قالَ:» بهشتم» ولَم يَقُلْ: «إن زن»؛ فإنْ قالَ ذلكَ في حالِ سُؤالِ الطَّلاقِ أو في حالِ الغضَبِ فهي واحدةٌ يَملكُ الرَّجعةَ، ولا يُدَيَّنُ أنَّه ما أرادَ بهِ الطَّلاقَ في القَضاءِ، وإنْ قالَ في غَيرِ حالِ الغَضبِ ومُذاكرةِ الطَّلاقِ يُدَيَّنُ في القَضاءِ؛ لأنَّ مَعنَى قَولِهم بهشتم: خَلَّيْتُ، وليسَ في قولِه: «خَلَّيتُ» إضافةٌ إلى النِّكاحِ ولا إلى الزَّوجةِ، فلا يُحملُ على الطَّلاقِ إلَّا بقَرينةِ نيَّةٍ أو بدَلالةِ حالٍ، وحالُ الغَضبِ ومُذاكرةِ الطَّلاقِ دَليلُ إرادةِ الطَّلاقِ ظاهِرًا، فلا يُصدَّقُ في الصَّرفِ عنِ الظَّاهرِ، قالَ: وإنْ نَوَى بائنًا فبائنٌ، وإنْ نوَى ثلاثًا فثَلاثٌ؛ لأنَّ
стр. 10315
هذا اللَّفظَ وإنْ كانَ صَريحًا في الفارسيَّةِ فمَعناهُ التَّخليَةُ في العربيَّةِ، فكانَ مُحتمِلًا للبَينونةِ والثَّلاثِ كلَفظةِ التَّخليَةِ، فجازَ أنْ يُحملَ عَليهِ بالنِّيةِ.
وقالَ مُحمدٌ في قولَهِ «بهشتم إن زن، أو: إن زن بهشتم»: إنَّ هذا صَريحُ الطَّلاقِ، كما قالَ أبو يُوسفَ، وقالَ في قَولهِ «بهشتم»: إنَّهُ إنْ كانَ في حالِ مُذاكَرةِ الطَّلاقِ فكذلكَ، ولا يُدَيَّنُ أنَّهُ ما أرادَ بهِ الطَّلاقَ، وإنْ لَم يكنْ في حالِ مُذاكرَةِ الطَّلاقِ يُدَيَّنُ، سواءٌ كانَ في حالِ الغضَبِ أو الرِّضَا؛ لأنَّ معنَى هذا اللَّفظِ بالعربيَّةِ: «أنتِ مُخلَّاةٌ، أو قد خَلَّيتُكِ».
وقالَ زُفَرُ: إذا قالَ: «بهشتم» ونَوَى الطَّلاقَ بائنًا أو غَيرَ بائنٍ فهو بائنٌ، وإنْ نَوى ثلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نوَى اثنتَينِ فاثنَتانِ، وأجرَى هذهِ اللَّفظةَ مَجرَى قَولِه: «خَلَّيتُ»، ولَو قالَ: «خَلَّيتُكِ» ونَوَى الطَّلاقَ فهي واحدةٌ بائنةٌ، نوَى البَينونةَ أو لم يَنوِ، وإنْ نوَى ثلاثًا يكونُ ثلاثًا، وإنْ نَوى اثنتَينِ يَكونُ اثنتَين على أصلِه، فكذا هذا، هذا ما نُقِلَ عَنْ أصحابِنا في الطَّلاقِ بالفارسيَّةِ.
والأصلُ الَّذي عليهِ الفَتوى في زَمانِنا هذا في الطَّلاقِ بالفارِسيَّةِ أنَّه إنْ كانَ فيها لَفظٌ لا يُستعملُ إلَّا في الطَّلاقِ فذلكَ اللَّفظُ صَريحٌ يقَعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ إذا أُضيفَ إلى المرأةِ، مثلَ أنْ يَقولَ في عُرفِ دِيارِنا: «دها كنم»، أو في عُرفِ خُراسانَ والعراقِ: «بهشتم»؛ لأنَّ الصَّريحَ لا يَختلفُ باختِلافِ اللُّغاتِ، وما كانَ في الفَارسيَّةِ مِنَ الألفاظِ ما يُستعملُ في الطَّلاقِ وفي غَيرِهِ
стр. 10316
فهوَ مِنْ كِناياتِ الفارسيَّةِ، فيكونُ حُكمُه حُكمَ كناياتِ العربيَّةِ في جَميعِ الأحكامِ، واللهُ أعلمُ (١).
المسألةُ السادِسةُ: طلاقُ الكاذِبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَقرَّ الزَّوجُ بالطَّلاقِ كاذِبًا، كما إذا سُئِلَ: «أَطَلَّقتَ زوجَتَكَ؟» فقالَ: «نَعمْ»، هل يَقعُ طلاقهُ أم لا؟ أم يَقعُ قَضاءً لا دِيانةً؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ مَنْ أقَرَّ بالطَّلاقِ كاذِبًا فإنَّهُ يقَعُ قَضاءً لا دِيانةً، فتَبقَى زَوجتَهُ في الباطِنِ، وأمَّا في حُكمِ القَضاءِ فإنَّها مُطلَّقةٌ؛ لأنَّ الإقرارَ لا يَقومُ مَقامَ الإنشاءِ، والإقرارُ إخبارٌ مُحتمِلٌ للصِّدقِ والكذِبِ، يُؤاخَذُ عليهِ صاحِبُه ظاهِرًا، أمَّا ما بَينَه وبيْنَ اللهِ فالمُخبَرُ عنهُ كَذِبًا لا يَصيرُ بالإخبارِ عنهُ صِدقًا، فلِهذا لا يَقعُ طلاقُهُ باطنًا.
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولو أقَرَّ بالطَّلاقِ وهوَ كاذِبٌ وقَعَ في القَضاءِ. اه.
وصرَّحَ في «البزَّازيَّةِ» بأنَّ لهُ في الدِّيانَةِ إمساكَها إذا قالَ: «أرَدتُ بهِ الخبَرَ عَنِ الماضِي» كَذبًا، وإنْ لم يُرِدْ بهِ الخبَرَ عنِ الماضِي أو أرادَ به الكذبَ أو الهَزلَ وقَعَ قَضاءً ودِيانةً، واستَثنى في «القُنيَة» مِنَ الوُقوعِ قَضاءً ما إذا شهدَ قبْلَ ذلكَ؛ لأنَّ القاضِي يتَّهمُه في إرادتِه الكذبَ، فإذا أشهَدَ قبْلَه زالتِ التُّهمةُ، والإقرارُ بالعِتقِ كالإقرارِ بالطَّلاقِ، وقيَّدَهُ البَزَّازيُّ بالمَظلومِ إذا
стр. 10317
أشهَدَ عندَ استِحلافِ الظَّالمِ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ أنَّهُ يَحلفُ كاذِبًا، قالَ: يُصدَّقُ في الحريَّةِ والطَّلاقِ جَميعًا، وهذا صَحيحٌ. اه (١).
وقالَ: وفي «القُنيَة»: ظنَّ أنَّهُ وقَعَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على امرأتِهِ بإفتاءِ مَنْ لَم يَكنْ أهلًا للفِتوى، وكلَّفَ الحاكِمُ كتْبَها في الصَّكِّ فكُتبَتْ، ثمَّ استَفتَى مَنْ هو أهلٌ للفتوَى فأفتَى بأنَّها لا تَقعُ، والتَّطليقاتُ مَكتوبةٌ في الصَّكِّ بالظَّنِّ، فلهُ أنْ يَعودَ إليها فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، ولكنْ لا يُصدَّقُ في الحُكمِ. اه. وهذا مِنْ بابِ الإقرارِ بالطَّلاقِ كاذِبًا، وقدَّمْنا أنَّه يقَعُ قَضاءً لا دِيانةً.
وفي «البزَّازيَّةِ»: قالَ لها: «ما بَقِي لكِ سِوى طلاقٍ واحِدٍ»، فطلَّقَها واحدًا، لا يُمكنُ لهُ التَّزوُّجُ بها، وإقرارُهُ حجَّةٌ عليهِ، ولو قالَ لها: «بَقِي لكِ طلاقٌ واحِدٌ» والمَسألةُ بحالِها كانَ لهُ أنْ يَتزوَّجَ بها؛ لأنَّ التَّخصيصَ بالواحدِ لا يَدلُّ لهُ على نَفيِ بقاءِ الآخَرِ؛ لأنَّ النَّصَّ على العَددِ لا يَنفِي الزَّائدَ كما في أسماءِ الأجنَاسِ. اه.
ويَنبغِي أنْ تكونَ المَسألةُ الأُولى إنَّما هوَ في القَضاءِ، أمَّا في الدِّيانةِ فلا يقَعُ إلَّا ما كانَ أوقعَهُ (٢).
وقالَ ابنُ عابدينَ ﵀: ولو أقرَّ بالطَّلاقِ كاذِبًا أو هازِلًا وقَعَ قَضاءً لا دِيانةً (٣).
стр. 10318
وسُئِلَ ابنُ عابدِينَ ﵀ في «تَنقِيح الفَتاوَى الحامِديَّةِ» في رَجلٍ سُئِلَ عَنْ زَوجتِهِ فقالَ: «أنا طلَّقْتُها وعَدَّيْت عَنها» والحالُ أنَّهُ لم يُطلِّقْها، بلْ أخبَرَ كاذِبًا، فما الحُكمُ؟
(الجَوابُ): لا يُصدَّقُ قَضاءً، ويُدَيَّنُ فيمَا بيْنَهُ وبيْنَ اللهِ تعالَى، وفي «العَلائِيِّ عَنْ شَرحِ نَظمِ الوَهبانيَّةِ»: قالَ: «أنتِ طالِقٌ، أو أنتَ حرٌّ» وعنَى بهِ الإخبارَ كَذبًا وقَعَ قَضاءً إلَّا إذا أشهَدَ على ذلكَ. اه.
وفي «البَحر»: الإقرارُ بالطَّلاقِ كاذِبًا يَقعُ قَضاءً لا دِيانةً. اه.
وبمِثلهِ أفتَى الشَّيخُ إسماعيلُ والعلَّامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ (١).
وأمَّا الشَّافعيةُ فقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: وإنْ أقَرَّ بالطَّلاقِ كاذِبًا لَم تَطلُقْ زَوجتُهُ باطِنًا، وإنَّما تَطلُقُ ظاهِرًا (٢).
وللشَّافعيةِ تَفصيلٌ في ذلكَ، قالُوا: لَو قيلَ لهُ استِخبارًا: أَطَلَّقتَها - أي زَوجتَكَ-؟ فقالَ: «نَعمْ» أو مُرادِفَها كَ: «جَيْرِ، وأجَلْ، وإِي - بكَسرِ الهَمزةِ- وبَلَى» فإقرارٌ صَريحٌ بهِ -أي الطَّلاقِ-؛ لأنَّ التَّقديرَ: «نَعمْ طلَّقتُها»، فإنْ كانَ كاذِبًا فهي زَوجتُهُ باطِنًا، فإنْ قالَ: «أردتُ طلاقًا ماضِيًا ورَاجعْتُ فيهِ بعْدَه» صُدِّقَ بيَمينهِ؛ لاحتِمالِ ما يدَّعيهِ.
فإنْ قيلَ لهُ ذَلكَ -أي: أَطَلقْتَ زَوجتَكَ- الْتِماسًا -أي طَلبًا منهُ لا
стр. 10319
إنشاءً لإيقاعِ طلاقٍ، ومِنهُ كما هو ظاهِرٌ لو قيلَ لهُ وقَد تَنازَعَا في فِعلِه لشيءٍ الطَّلاقُ يَلزمُكَ ما فَعلْت كذا، فقالَ: نَعمْ أو نَحوَها فصَريحٌ في الإيقاعِ حالًا؛ لأنَّ نعَمْ ونَحوَه قائِمٌ مَقامَ طلَّقْتها.
وقيلَ: هو كِنايةٌ يَحتاجُ لِنيَّةٍ؛ لأنَّ (نعَم) ليسَتْ مِنْ صَرائحِ الطَّلاقِ، ويُرَدُّ بأنَّها وإنْ كانَتْ ليسَتْ صَريحةً فيهِ لكنَّهَا حاكِيةٌ لِمَا قبْلَها اللازم منهُ إفادتُها في مِثلِ هذا المَقامِ أنَّ المَعنَى «نَعمْ طَلَّقْتها»، ولصَراحتِها في الحِكايةِ تَنزَّلتْ على قَصدِ السَّائلِ، فكانَتْ صَريحةً في الإقرارِ تارةً، وفي الإنشاءِ أُخرَى، تَبعًا لقَصدِه.
فإنْ قالَ: «نعَمْ طلَّقتُ» فهوَ صَريحٌ قَطعًا، وإنِ اقتَصرَ على «طلَّقتُ» فقيلَ: هو كِنايةٌ؛ لأنَّ (نعَمْ) تَتعيَّنُ للجَوابِ، وقَولُه: «طلَّقتُ» مُستقِلٌّ بنَفسِه، فكأنَّهُ قالَ ابتِداءً: «طلَّقتُ» واقتَصرَ عليهِ، وهو لو قالَ ابتِداءً لَم يَقعْ عليهِ شيءٌ، وقِيلَ: كنَعَمْ.
ولو جَهلَ حالَ السُّؤالِ فالظَّاهرُ أنَّه استِخبارٌ؛ لأنَّ الإنشاءَ لا يُستفهَمُ عَنهُ.
قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: لو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «فعَلْتَ كذا» فأنكَرَ، فقالَ: «إنْ كُنْتَ فَعلْتَ كذا فامرأتُكَ طالِقٌ» فقالَ: «نعَمْ» وكانَ قد فعَلَهُ لم يَقعِ الطَّلاقُ كما في فَتاوى القاضِي، وجعَلَهُ البَغويُّ استِدعاءَ طلاقٍ، فيكونُ كما لو قيلَ لهُ: «طلَّقتَ امرأتَكَ» مُستدعِيًا مِنهُ طَلاقَها فقالَ: «نَعمْ»، والأوَّلُ أوجَهُ، ولو قيلَ: «إنْ جاءَ زيدٌ فامرأتُكَ طالِقٌ»، فقالَ: «نَعمْ» لم يكنْ
стр. 10320
تَعليقًا، ولو قيلَ لهُ: «ألَكَ زَوجةٌ؟ فقالَ: لَا» لَم تَطلُقْ وإنْ نَوَى؛ لأنَّهُ كَذبٌ مَحضٌ، وهذا ما نقَلَهُ في أصلِ «الرَّوضَة» عَنْ نَصِّ «الإملاء»، وقطَعَ بهِ كَثيرٌ مِنَ الأصحابِ.
ثمَّ ذكَرَ تَفقُّهًا ما حاصِلُه أنَّهُ كِنايةٌ على الأصحِّ، وبهِ صرَّحَ المُصنِّفُ في تَصحيحِه، وأنَّ لها تَحليفَهُ أنَّه لم يُرِدْ طلاقَها، وعليهِ جرَى الأَصْفونِيُّ والحِجازيُّ في اختِصارِهما كلامَ «الرَّوضة»، والأوَّلُ أوجَهُ كما جَرَى عليهِ ابنُ المُقْرِي في رَوضِهِ، ولو قيلَ لهُ: «أَطلَّقْتَ ثَلاثًا؟ فقالَ: قدْ كانَ بَعضُ ذلكَ» فليسَ إقرارًا بالطَّلاقِ؛ لاحتِمالِ جَريانِ تَعليقٍ أو وَعدٍ أو مُخاصَمةٍ تَؤُولُ إليهِ، فلو فَسَّرَ بشيءٍ مِنْ ذلكَ قُبِلَ.
ولو قالَ لزَوجتِهِ: «ما أنتِ لِي بشَيءٍ» كانَ لَغوًا لا يَقعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نوَى، ولو قالَ: «امرأتِي طلَّقَها زَوجُها» ولَم تَتزوَّجْ غَيرَه طَلُقَتْ (١).
وشَبيهٌ بقولِ الحَنفيَّةِ والشَّافعيةِ قَولُ المالكيَّةِ، فقالَ الشَّيخُ مُحمَّد عليش ﵀: وإنْ أقَرَّ بمَحلوفٍ عليهِ ثمَّ رجَعَ صُدِّقَ في الفَتوى، ومنهُ رُجوعُه عنِ الإقرارِ بالطَّلاقِ أو الحَلِفِ (٢).
وقالَ الإمامُ الخرشيُّ ﵀: (ص) وإنْ أقَرَّ بفِعلٍ ثمَّ حلَفَ «ما فعلْتُ»
стр. 10321
صُدِّقَ بيَمينٍ. (ش) يعِني أنَّه لو أقَرَّ لزَوجتِهِ مثلًا أنَّهُ تزوَّجَ أو تَسرَّى عَليها فخاصَمَتْه في ذلكَ فحلَفَ لها بالطَّلاقِ أنَّهُ ما فعَلَ ذلكَ «وأنِّي كنْتُ كاذِبًا في قَولي» فإنَّه يُصدَّقُ في القَضاءِ بيَمينٍ باللهِ أنَّه كاذِبٌ في إقرارِه، ولا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ كَلامَه أوَّلًا أَوجَبَ التُّهمةَ، وإنْ كانَ مُستَفتِيًا لم يَحلِفْ، ولو نكَلَ عنِ اليَمينِ يُنجَّزُ عليهِ، كما استَظهرَه بعضُ الشُّرَّاحِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ كذَبَ في الطَّلاقِ بأنْ قيلَ لهُ -أي للزَّوجِ-: «أَطلَّقتَ امرأتَكَ؟ أو قيلَ لهُ: امرأتُكَ طالِقٌ، فقالَ: نعَمْ» وأرادَ الكذِبَ طَلُقَتْ وإنْ لم يَنوِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ «نَعمْ» صَريحٌ في الجَوابِ، والجَوابُ الصَّريحُ بلَفظِ الصَّريحِ صَريحٌ، ألَا تَرى أنَّهُ لو قيلَ لهُ: «أَلِفُلانٍ عليكِ كذا؟ فقالَ: نعَمْ» كانَ إقرارًا.
أو قيلَ لهُ: «ألَكَ امرأةٌ؟ فقالَ: قدْ طلَّقتُها» وأرادَ الكَذِبَ طَلُقَتْ؛ لأنَّهُ صَريحٌ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ.
ولو قيلَ لهُ: «ألَكَ امرأةٌ؟ فقالَ: لا» وأرادَ الكذِبَ لَم تَطلُقْ؛ لأنَّه كِنايةٌ، ومَن أرادَ الكَذبَ لَم يَنوِ الطَّلاقَ ولَو حلَفَ باللهِ على ذلكَ -أي على أنَّهُ لا امرأةَ لهُ- ولَم يُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، وإلَّا بأنْ لَم يُرِدْ بهِ الكَذبَ بل نوَى الطَّلاقَ طَلُقَتِ امرأتُه كسائِرِ الكِناياتِ.
ولو قيلَ لهُ: «أَطلَّقتَ امرأتَكَ؟ فقالَ: قَدْ كانَ بعضُ ذلكَ»؛ فإنْ أرَادَ
стр. 10322
بذلكَ الإيقاعَ وقَعَ كالكِنايةِ، وإنْ قالَ: «أردتُ أنِّي عَلَّقتُ طلاقَها بشَرطٍ ولم يُوجَدْ» قُبلَ منهُ ذلكَ؛ لأنَّ لفْظَه يَحتملُه.
ولو قيلَ للزَّوجِ: «أَخلَّيتَها -أي أَخلَّيتَ زَوجتَكَ-؟ ونحوَه مِنْ الكِناياتِ، وقالَ: نعَمْ» فكِنايةٌ لا تَطلُقُ بذلكَ حتَّى يَنويَ بهِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ السُّؤالَ مُنطَوٍ في الجَوابِ وهوَ كنايةٌ.
وكذا: «ليسَ لي امرأةٌ، أو ليسَتْ لي امرأةٌ، أو لا امرأةَ لِي» فهوَ كِنايةُ لا يقَعُ إلَّا بنيَّةٍ، ولو نَوى أنَّه «ليسَ لي امرأةٌ تَخدِمُني، أو ليسَ امرأةٌ تُرضِيني» أو لم ينوِ شيئًا لَم يقَعْ طلاقُه.
ومَن أشهَدَ -أي قَامَتْ عَليهِ بيَّنةٌ- بإقرارٍ على نَفسِه بطَلاقٍ ثلاثٍ -أي أقَرَّ أنَّهُ وقَعَ عَليهِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ- وكانَ تَقدَّمَ منهُ يَمينٌ تَوهَّمَ وُقوعَها عليهِ ثمَّ استَفتَى عن يَمينِه فأُفتِي بأنَّهُ لا شيءَ عليهِ فيها لم يُؤاخَذْ بإقرارِهِ بوُقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ عليهِ؛ لمَعرفةِ مُستنَدِه في إقرارِهِ بوُقوعِ الطَّلاقِ، ويُقبَلُ قَولُه بيَمينِه أنَّ مُستنَدَه ذلكَ في إقرارِهِ إنْ كانَ مِمَّنْ يَجهلُ مِثلَه، ذكَرَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ بيَمينِه.
ولو قيلَ لهُ: «ألَمْ تُطلِّقِ امرأتَكَ؟ فقالَ: بلَى» طَلُقَتْ؛ لأنَّها جَوابُ النَّفِي، وإنْ قالَ: «نَعمْ» طَلُقَتْ امرأةُ غيرِ النَحْوِيِّ؛ لأنَّهُ لا يُفرِّقُ بَينَهما في الجَوابِ، بخِلافِ النَّحْوِيِّ فلا تَطلقُ امرأتُهُ؛ لأنَّ «نعَمْ» ليسَتْ جوابًا للنَّفيِ (١).
стр. 10323
وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّهُ لا يقَعُ طلاقُ الكاذِبِ مُطلقًا، فقالَ ﵀: مَنْ حلَفَ بالطَّلاقِ كاذِبًا يَعلمُ كذِبَ نَفسِه لا تَطلقُ زَوجتُهُ، ولا يَلزمُه كفَّارةُ يَمينٍ (١).
المسألةُ السابعَةُ: طلاقُ المخطِئُ:
طلاقُ المُخطِئ هوَ مَنْ لم يَقصدِ التَّلفظَ بالطَّلاقِ أصلًا، وإنَّما قصَدَ لَفظًا آخَرَ فسبَقَ لسانُه إلى الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ، كأنْ يُريدَ أنْ يقولَ لزَوجتِهِ: «يا طالِبةُ»، فإذَا بهِ يَقولُ لها خَطأً: «يا طالِقةُ»، والمُخطئُ غَيرُ الهازِلِ؛ لأنَّ الهازِلَ قاصِدٌ للَفظِ الطَّلاقِ، إلَّا أنَّهُ غَيرُ قاصِدٍ للفُرقةِ بهِ، والمُخطِئُ لم يَقصدِ اللَّفظَ، وإنَّما سبَقَ لسانُه بهِ.
وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ طلاقِ المُخطِئِ، كمَن أرادَ أنْ يَتلفَّظَ بغَيرِ لَفظِ الطَّلاقِ فزَلَّ لِسانُه وتَلفَّظَ بهِ، هل يقَعُ طلاقُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّهُ لا يقَعُ؛ لقَولِه ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أُمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (٢). فسوَّى ﷺ بيْنَ الثَّلاثةِ في التَّجاوُزِ.
стр. 10324
قالَ المالكيَّةُ: مَنْ أرادَ أنْ يَتكلَّمَ بغَيرِ الطَّلاقِ فزَلَّ لِسانُه فتَكلَّمَ بالطَّلاقِ فإنَّهُ يُعذَرُ بذلكَ، ولا شيءَ عَليهِ إنْ ثبَتَ سَبقُ لسانِهِ لا في الفَتوى ولا في القَضاءِ؛ لعَدمِ قَصدِ النُّطقِ باللَّفظِ الدَّالِّ على حَلِّ العِصمَةِ الَّذي هوَ رُكنٌ في الطَّلاقِ.
وإنْ لَم يَثبُتْ سَبقُ لسانِه فلا شيءَ عليهِ في الفَتوى، ويَلزمُه في القَضاءِ.
وقالَ المَوَّاقُ ﵀: مِنْ «المُدوَّنَة»: إنْ أرادَ أنْ يَلفظَ بأحرُفِ الطَّلاقِ فلفَظَ بغَيرِها غَلطًا، كقَولِه: «أنتِ حُرَّةٌ، أو كُلِي» فلا شيءَ عليهِ، إلَّا أنْ يَنويَ أنَّها بما يَلفظُ طالِقٌ فيَلزمُه، فسَبقُ اللِّسانِ لَغوٌ إنْ ثبَتَ، وإلَّا فَفي الفُتيا فقطْ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ سبَقَ لسانُه إلى لَفظِ الطَّلاقِ في مُحاوَرتِه وكانَ يُريدُ أنْ يَتكلَّمَ بكَلمةٍ أُخرى -وكذلكَ إذا تلفَّظَ بالطَّلاقِ حاكِيًا كَلامَ غَيرِه، وكذا الفَقيهُ إذا كرَّرَ لفْظَ الطَّلاقِ في تَصويرِهِ ودَرسِه- لَم يقَعْ طلاقُه، لكنْ لا تُقبَلُ دَعواهُ سبْقَ اللِّسانِ في الظاهِرِ إلَّا إذا وُجدِتْ قَرينةٌ تَدلُّ عليهِ، فإذا قالَ: «طلَّقتُكِ» ثمَّ قالَ: «سبَقَ لسانِي وإنَّما أردتُ طَلبْتُكِ» فنَصَّ الشَّافعيُّ ﵀ أنَّهُ لا يَسعُ امرأتَهُ أنْ تَقبلَ منهُ.
стр. 10325
وحكَى الرّويانِيُّ عَنْ صاحَبِ «الحاوِي» وغَيرِه أنَّ هذا فيما إذا كانَ الزَّوجُ مُتهَمًا، فأمَّا إنْ ظنَّتْ صِدقَهُ بأمارَةٍ فلها أنْ تَقبلَ قولَهُ ولا تُخاصِمَه، وأنَّ مَنْ سمِعَ ذلكَ منهُ إذا عرَفَ الحالَ يَجوزُ أنْ يَقبلَ قولَهُ ولا يَشهدَ عليهِ.
قالَ الرّويانِيُّ ﵀: وهذا هو الاختِيارِ.
ولو كانَتْ زَوجتُه تُسمَّى طالِقًا وعُبدُه يُسمَّى حُرًّا فقالَ لها: «يا طالِقُ، ولهُ: يا حُرُّ»؛ فإنْ قصَدَ النِّداءَ فلا طلاقَ ولا عِتقَ، وإنْ قصَدَ الطَّلاقَ والعِتقَ حصَلَا، قالَ النَّوويُّ: وإنْ أطلَقَ ولم يَنوِ شيئًا فعلى أيِّهما يُحمَلُ؟ وَجهانِ:
أصحُّهما: على النِّداءِ، وبهِ قطَعَ البَغويُّ.
ولو كانَ حُروفُ اسمِ امرأتِه تُقارِبُ حُروفَ طالِقٍ كطالِعٍ وطالِبٍ وطارِقٍ فقالَ: «يا طالِقُ» ثمَّ قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ يا طارِقُ، أو يا طالِعُ، فالْتَفَّ الحَرفُ بلسانِي» قُبلَ قَولُه في الظَّاهرِ؛ لظُهورِ القَرينةِ.
ومِن صُوَرِ سَبقِ اللِّسانِ ما إذا طَهُرَتْ مِنَ الحَيضِ أو ظنَّ طُهرَها فأرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ الآنَ طاهِرةٌ» فسبَقَ لسانُه فقالَ: «أنتِ الآنَ طالِقةٌ» (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ زكريَّا الأنصاريُّ ﵀: وكذا سَبقُ اللِّسانِ إلى لَفظِ الطَّلاقِ لَغوٌ؛ لأنَّهُ لم يَقصدِ اللَّفظَ، لكنْ يُؤاخَذُ بهِ ولا يُصدَّقُ في دَعواهُ
стр. 10326
السَّبقَ ظاهرًا إنْ لم تكنْ قَرينةٌ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ بهِ، بخِلافِ ما إذا كانَتْ قَرينةٌ، كأنْ دَعاها بعْدَ طُهرِها مِنَ الحيضِ إلى فراشِهِ وأرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ الآنَ طاهِرةٌ» فسبَقَ لسانُه وقالَ: «أنتِ الآنَ طالِقةٌ»، ولو ظنَّتْ صِدقَه في دَعواهُ السَّبقَ بأمارَةٍ فلَها مُصادَقتُه -أي قَبولُ قولِه-، وكذا للشُّهودِ الَّذينَ سَمِعوا الطَّلاقَ منهُ وعَرفُوا صِدقَ دَعواهُ السَّبقَ بأمارةٍ أنْ لا يَشهدُوا عليهِ بالطَّلاقِ، كذا ذكَرَه الأصلُ هُنا، وذكَرَ أواخِرَ الطَّلاقِ أنَّهُ لو سمِعَ لفْظَ رَجلٍ بالطَّلاقِ وتَحقَّقَ أنَّه سبَقَ لِسانُه إليهِ لم يَكنْ لهُ أنْ يَشهَدَ عَليهِ بمُطلَقِ الطَّلاقِ، وكانَ ما هُنا فيما إذا ظنُّوا، وما هُناكَ فيما إذا تَحقَّقُوا، كما يُفهِمُه كَلامُهم، ومع ذلكَ فيما هُنا نَظرٌ، فإنْ كانَ اسمُها طالِقًا أو طارِقًا أو طالِبًا أو نَحوَها مِنَ الأسماءِ الَّتي تُقارِبُ حُروفَ طالقٍ فناداها: «يا طالِقُ» طَلُقَتْ، ولكنْ إنِ ادَّعَى سبْقَ اللِّسانِ إليهِ مِنْ تلكَ الألفاظِ قُبِلَ منهُ ظاهرًا؛ لظُهورِ القَرينةِ، أو كانَ اسمُها طالِقًا فناداها بهِ لم تَطلُقْ، وإنْ لَم يَنوِ نِداءَها باسمِها إلَّا إنْ نَوَى الطَّلاقَ فتَطلُقُ، وصُورةُ عَدمِ طلاقِها عِنْدَ الإطلاقِ أنْ تُوجَدَ التَّسميةُ بطالقٍ عِنْدَ النِّداءِ، فإنْ زالَتْ ضَعُفَتِ القَرينةُ؛ أخذًا ممَّا قالُوهُ في نَظيرِهِ مِنْ نِداءِ عَبدِه المُسمَّى بحَربيٍّ «حُرٌّ»، نبَّهَ عليهِ الإسنَويُّ وغَيرُه، قالَ الزَّركشيُّ: وضبَطَ النَّوويُّ في «المِنهاجِ» يا طالِقْ» بإسكانِ القافِ، وكأنَّه يُشيرُ إلى أنَّهُ إنْ قالَ: «يا طالِقُ» بالضَّمِّ لم يَقعْ؛ لأنَّ بناءَهُ على الضَّمِّ يُرشدُ إلى إرادةِ العَلَميَّةِ، وإنْ قالَ: «يا طالِقًا» بالنَّصبِ تَعيَّنَ صَرفُهُ إلى التَّطليقِ،
стр. 10327
ويَنبغِي في الحالَينِ أنَّا لا نَرجعُ لدَعوى خِلافِ ذلكَ، وفيما قالَهُ نَظرٌ، لأنَّ اللَّحنَ لا يُؤثِّرُ في الوُقوعِ وعَدمِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لو قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ: طَلبْتُكِ، فسبَقَ لساني فقُلتُ: طَلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ، أو قالَ: «أَطْلَقتُكِ، فسبَقَ لسانُه فقالَ: طَلَّقْتُكِ» أو ادَّعى أنَّهُ أرادَ أنْ يَقولَ: «طاهِرٌ» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «طالِقٌ»، أو ادَّعَى أنَّهُ أرادَ بقولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» مِنْ زَوجٍ كانَ قَبْلَه لم تَطلُقْ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّهُ أعلَمُ بنيَّتِه، ولَم يُقبلْ ذلكَ منهُ في الحُكمِ؛ لأنَّهُ خِلافُ ما يَقتضِيهِ الظَّاهِرُ عُرفًا، إذْ يَبعدُ إرادةُ ذلكَ.
وكذا الحُكمُ لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردتُ إنْ قُمتِ، فتَركْتُ الشَّرطَ ولم أُرِدْ طلاقًا»، أو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إن قُمتِ، وقالَ: أردتُ وقَعدْت فتَركْتُه ولم أُرِدْ طلاقًا» فيُدَيَّنُ ولا يُقبلُ حُكمًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أو قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ: طَلبْتُكِ فسبَقَ لِسانِي فقُلتُ: طَلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ دُيِّنَ فيما بينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، فمَتى عَلمَ مِنْ نَفسِه ذلكَ لم يَقعْ عليهِ فيما بيْنَه وبيْنَ ربِّهِ.
قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ عَنْ أبي عبدِ اللهِ أنَّه إذا أرادَ أنْ يقولَ لزَوجتِهِ:
стр. 10328
«اسقِيني مَاءً» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ، أو أنتِ حرَّةٌ» أنَّهُ لا طلاقَ فيهِ، ونَقلَ ابنُ مَنصورٍ عنهُ أنَّهُ سُئلَ عنْ رجُلٍ حلَفَ فجَرَى على لسانِه غَيرُ ما في قَلبِه فقالَ: أرجو أنْ يكونَ الأمرُ فيهِ واسِعًا، وهلْ تُقبَلُ دَعواهُ في الحُكمِ؟ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ في حالِ الغضَبِ أو سُؤالِها الطَّلاقَ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنَّ لفْظَه ظاهِرٌ في الطَّلاقِ، وقَرينةُ حالِه تدلُّ عليهِ، فكانَتْ دَعواهُ مخالِفةً للظَّاهرِ مِنْ وِجهتَينِ فلا تُقبلُ، وإنْ لم تكُنْ في هذهِ الحالِ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ مَنصورٍ وأبي الحارثِ أنَّه يُقبَلُ قولُه، وهوَ قولُ جابرِ بنِ زيدٍ والشَّعبيِّ والحكَمِ، حَكاهُ عَنهُم أبو حَفصٍ؛ لأنَّهُ فسَّرَ كَلامَهُ بما يَحتَملُه احتِمالًا غيرَ بَعيدٍ، فقيلَ كما قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردتُ بالثَّانيةِ إفهامَها».
وقالَ القاضِي: فيهِ روايتَانِ: هذهِ الَّتي ذكَرْنا، قالَ: وهيَ ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، والثَّانيةُ: لا يُقبلُ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّهُ خِلافُ ما يَقتضِيهِ الظَّاهرُ في العُرفِ، فلَم يُقبَلْ في الحُكمِ، كما لو أقَرَّ بعَشرةٍ ثمَّ قالَ:» زُيوفًا أو صِغارًا أو إلى شَهرٍ»، فأمَّا إنْ صرَّحَ بذلكَ في اللَّفظِ فقالَ: «طلَّقتُكِ مِنْ وَثاقِي، أو فارَقْتُكِ بجِسمِي، أو سرَّحْتُكِ مِنْ يدِي» فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما يتَّصلُ بالكَلامِ يَصرفُه عَنْ مُقتضاهُ كالاستِثناءِ والشَّرطِ، وذكَرَ أبو بكرٍ في قَولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» أنَّه إنْ نَوى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا أو مِنْ زَوجٍ كانَ قبْلَه لم يَكنْ عليهِ شَيءٌ، فإنْ لم يَنوِ شيئًا فعلى قولَينِ: أحدهُما: يَقعُ.