أبي يُوسفَ عَنْ أبي حَنيفةَ أنَّهُما يَتساويانِ، وهوَ الصَّحيحُ لِمَا ذَكَرْنا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وأفادَ أنَّ طلاقَ الهازِلِ واللَّاعبِ والمُخطِئِ واقعٌ كما قدَّمْناهُ، لكنَّهُ في القَضاءِ، وأمَّا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى فلا يَقعُ على المُخطِئِ، وما في «الخُلاصَة» مِنْ أنَّ طلاقَ المُخطئِ واقعٌ، أي في القَضاءِ، بدَليلِ أنَّهُ قالَ بعْدَه: ولو كانَ بالعِتاقِ يُدَيَّنُ؛ لأنَّه لا فرْقَ بيْنَ العِتاقِ والطَّلاقِ، وهوَ الظَّاهرُ مِنْ قولِ الإمامِ كما في «الخانيةِ» خِلافًا لأبي يُوسفَ، ولا خِلافَ أنَّ المَنذورَ يَلزمُه، ولا خِلافَ أنَّهُ لو جَرَى على لِسانِه الكُفرُ مُخطِئًا لا يَكفرُ كما في «الخَانيةِ» أيضًا، وكذا إذا تَلفَّظَ بهِ غيرَ عالِمٍ بمَعناهُ، وإنَّما يَقعُ قَضاءً فقَط، بدَليلِ ما في «الخُلاصَة»:
قالَتْ لزَوجِها: «اقرَأْ عليَّ: اعتَدِّي أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» ففعَلَ طَلُقَتْ ثلاثًا في القَضاءِ لا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى إذا لم يَعلمِ الزَّوجُ ولم يَنوِ، بخِلافِ الهازِلِ فإنَّه يَقعُ عَليهِ قَضاءً ودِيانةً؛ لأنَّه مُكابِرٌ باللَّفظِ فيَستَحقُّ التَّغليظَ، وما في «الخُلاصَة» مَعزيًّا إلى «الأصل»: لهُ امرأتانِ زَينبُ وعَمرَةُ، فقالَ: «يا زَينبُ» فأجابتْهُ عَمرَةُ، فقالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» طَلُقَتِ المُجيبَةُ، فلو قالَ: «نَويتُ زَينبَ» طَلُقَتْ هذهِ بالإشارةِ وتلكَ بالاعتِرافِ. اه. مَحمولٌ على القَضاءِ، أمَّا في الدِّيانةِ فلا يَقعُ على واحِدةٍ مِنهُما؛ لمَا في «الحاوي» مَعزيًّا إلى «الجامِع الصَّغِير»: أنَّ أسدًا سُئِلَ عمَّنَ أرادَ أنْ يَقولَ: «زَينبُ طالقٌ» فجَرَى على لِسانِه «عَمرةُ» على أيِّهما يَقعُ الطَّلاقُ؟ فقالَ: في القَضاءِ تَطلُقُ
стр. 10331
الَّتي سمَّى، وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى لا تَطلُقُ واحِدةٌ منهُما، أمَّا الَّتي سمَّى فلأنَّه لم يُرِدْها، وأمَّا غَيرُها فلأنَّها لو طَلُقَتْ طَلُقَتْ بمُجرَّدِ النِّيةِ، قالَ في «فَتْح القَديرِ»: وأمَّا ما رَوى عَنهُما نُصيرٌ مِنْ أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَتكلَّمَ فجَرَى على لِسانِه الطَّلاقُ يَقعُ دِيانةً وقَضاءً؛ فلا يُعوَّلُ عليهِ. اه.
والحاصِلُ: أنَّ قَولُهم: «الصَّريحُ لا يَحتاجُ إلى النِّيةِ» إنَّما هو في القَضاءِ، أمَّا في الدِّيانةِ فمُحتاجٌ إليها، لكنَّ وُقوعَه في القَضاءِ بلا نيَّةٍ إنَّما هو بشَرطِ أنْ يَقصدَها بالخِطابِ، بدَليلِ ما قالُوا: لو كرَّرَ مَسائلَ الطَّلاقِ بحَضرةِ زَوجتِه ويقولُ: «أنتِ طالقٌ» ولا يَنوِي لا تَطلُقُ، وفي مُتعلِّمٍ يَكتبُ ناقِلًا مِنْ كِتابِ رَجلٍ قالَ ثمَّ يَقفُ ويَكتبُ: «امرأتِي طالقٌ» وكُلَّما كَتبَ قرَنَ الكِتابةَ باللَّفظِ بقَصدِ الحكايةِ؛ لا يَقعُ عَليهِ، وما في «القُنيَة»: امرأةٌ كَتبَتْ: «أنتِ طالقٌ» ثمَّ قالَتْ لزَوجِها: «اقرَأْ عليَّ» فقَرأَ؛ لا تَطلُقُ. اه.
وأمَّا ما في «فَتح القَديرِ»: ولا بُدَّ مِنَ القَصدِ بالخِطابِ بلَفظِ الطَّلاقِ عالِمًا بمَعناهُ، أو النِّسبةِ إلى الغائِبةِ كما يُفيدُه فُروعٌ وذكر ما ذكَرْناه؛ فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ شَرطًا للوُقوعِ قَضاءً ودِيانةً فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّه صرَّحَ بالوُقوعِ قَضاءً فيمَن سبَقَ لسانُه، وإنْ كانَ شَرطًا للوُقوعِ دِيانةً لا قَضاءً فكذلكَ؛ لأنَّهُ يَقتَضي الوُقوعَ قَضاءً فيما لو كَرَّرَ مَسائلَ الطَّلاقِ بحَضْرتِها وفي المُتعلِّمِ، وليسَ كذلكَ، فالحقُّ ما اقتَصرْنا عَليه (١).
стр. 10332
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: لو سبَقَ لِسانُه مِنْ قولِ: «أنتِ حائضٌ» مثلًا إلى «أنتِ طالِقٌ» فإنَّه يَقعُ قَضاءً فَقطْ (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: مَنْ سبَقَه لِسانُه بالطَّلاقِ، قالَ أصحابُنا: يَقعُ في القَضاءِ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ، كذلكَ العِتقُ، وذكَرَ بِشرُ بنُ الوَليدِ عَنْ أبي يُوسفَ عَنْ أبي حَنيفةَ مثلَ ذلكَ، وقالَ فيمَن قالَ لامرأتِه: «طالقٌ» وأرادَ أنْ يَقولَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارِ» ثمَّ بدَا لهُ فسَكتَ أو شغَلَه شاغِلٌ، ونيَّتهُ «إنْ دخَلت الدَّارَ» ولكنَّهُ لم يَتكلَّمْ بهِ فالطَّلاقُ واقعٌ في القَضاءِ وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى في قولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، ولو حلَفَ بحَجٍّ أو غَيرِه أو هَدْيٍ أو مَشيٍ أو عَهدٍ أو نَذرٍ أو ما سِوى ذلكَ ما خَلا الطَّلاقَ والعِتاقَ ثمَّ شَغلَه شاغِلٌ عن تَمامِ الكَلامِ واليَمينِ لم يَلزمْه شَيءٌ، ولو أرادَ أنْ يَتكلَّمَ بكَلامٍ غَيرِ الطَّلاقِ فسبَقَهُ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» طَلُقَتْ في القَضاءِ وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وكذلكَ اختُلفَ في طلاقِ المُخطِئِ، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّهُ لا يَقعُ، وعنِ الحَنفيَّةِ ممَّن أرادَ أنْ يَقولَ لامرأتِهِ شَيئًا فسبَقَه لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» يَلزمُه الطَّلاقُ، وأشارَ البُخاريُّ بقَولِه: الغَلط والنِّسيان إلى الحَديثِ الواردِ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ مَرفوعًا: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عَنْ أمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ»، فإنَّهُ سوَّى بيْنَ الثَّلاثةِ في
стр. 10333
التَّجاوُزِ، فمَن حمَلَ التَّجاوُزَ على رَفعِ الإثمِ خاصَّةً دُونَ الوُقوعِ في الإكراهِ لَزمَ أنْ يَقولَ مثلَ ذلكَ في النِّسيانِ، والحَديثُ قدْ أخرجَهُ ابنُ ماجَةَ وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ (١).
المسألةُ الثامنَةُ: حكمُ طلاقِ السَّكرانِ:
السَّكرانُ لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَسكرَ بمُباحٍ:
ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا زالَ عَقلُه بسُكْرٍ مُباحٍ كمَن أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ فسَكِرَ، أو شَرِبَ الدَّواءَ المُزيلَ للعَقلِ، أو شَرِبَ لَبنًا أو شَيئًا مُتحقِّقًا أو ظانًّا أنَّهُ لا يُغيِّبُ عقْلَه فغابَ باستِعمالِه أنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه ﷺ : «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (٢). ولأنَّ الطَّلاقَ قولٌ يُزيلُ المِلكَ، فاعتُبِرَ لهُ العَقلُ كالبيعِ، ولأنَّه في حُكمِ المَغلوبِ على عَقلِه، ولا طلاقَ عليهِ؛ لارتِفاعِ المأثَمِ عنه (٣).
قالَ الرّحيبانِيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَنْ زالَ عَقلُه بغَيرِ
стр. 10334
سُكْرٍ مُحرَّمٍ كالنَّومِ والإغماءِ والجُنونِ وشُربِ الدَّواءِ المُزيلِ للعَقلِ والمَرضِ لا يَقعُ طَلاقُه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسَواءٌ زالَ عَقلُه لجُنونٍ أو إغماءٍ أو نَومٍ أو شُربِ دَواءٍ أو إكراهٍ على شُربِ خَمرٍ أو شَرِبَ ما يُزيلُ عَقلَه شُربُه ولا يَعلمُ أنَّهُ مُزيلٌ للعَقلِ، فكُلُّ هذا يَمنعُ وقوعَ الطَّلاقِ رِوايةً وَاحدةً، ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا (٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ سُكرُه بسَببٍ مُباحٍ لكنْ حصَلَ لهُ بهِ لذَّةٌ بأنْ شَربَ الخَمرَ مُكرهًا حتَّى سَكِرَ، أو شَربَها عندَ ضَرورةِ العطَشِ فسَكِرَ، قالُوا: إنَّ طلاقُه واقِعٌ أيضًا؛ لأنَّه وإنْ زالَ عَقلُه فإنَّما حصَلَ زَوالُ عَقلِه بلذَّةٍ، فيُجعَلُ قائِمًا، ويُلحَقُ الإكراهُ والاضطِرارُ بالعَدمِ، كأنَّه شَربَ طائِعًا حتَّى سَكِرَ.
وذكَرَ مُحمدٌ ﵀ فيمَن شَربَ النَّبيذَ ولم يَزُلْ عَقلُه ولكنْ صُدِّعَ فزالَ عَقلُه بالصُّداعِ أنَّهُ لا يقَعُ طلاقُهُ؛ لأنَّهُ ما زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ ولا بلذَّةٍ، فكانَ زائِلًا حَقيقةً وتَقديرًا، وكذلكَ إذا شَربَ البَنجَ أوِ الدَّواءَ الَّذي يُسكِرُ وزالَ عَقلُه لا يقعُ طلاقُه؛ لِمَا قُلنا (٣).
стр. 10335
وقالَ في «الدُّر المُختَار»: أو أفيُونٍ أو بَنجٍ زَجرًا بهِ يُفتَى، تَصحيحُ القدوريِّ.
واختَلفَ التَّصحيحُ فيمَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطرًّا، نعَمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ أو بمُباحٍ لم يَقعْ.
وفي القُهُستانِيِّ مَعزيًّا للزاهديِّ أنَّه لو لم يُميِّزْ ما يَقومُ بهِ الخِطابُ كانَ تَصرُّفُه باطِلًا. اه.
قالَ ابنُ عَابدينَ ﵀: قولُه (أو أَفيُونٍ أو بَنجٍ) الأَفيُونُ: ما يَخرجُ مِنْ الخَشخاشِ.
والبَنجُ بالفَتحِ: نَبتٌ مُنبَتٌ.
وصرَّحَ في «البَدائع» وغَيرِها بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ بأكلِهِ، مُعلِّلًا بأنَّ زَوالَ عَقلهِ لم يكنْ بسَببٍ هوَ مَعصيةٌ.
والحقُّ التَّفصيلُ، وهو إنْ كانَ للتَّداوِي لَم يَقعْ؛ لعَدمِ المَعصيةِ، وإنْ للَّهوِ وإدخالِ الآفةِ قَصدًا فيَنبغِي أنْ لا يتردَّدَ في الوُقوعِ.
وفي تَصحيحِ القُدُوريِّ عن «الجَواهِر»: وفي هذا الزَّمانِ إذا سَكِرَ مِنْ البَنجِ والأفيُونِ يقَعُ زَجرًا، وعليهِ الفَتوَى، وتَمامُه في «النَّهر».
قَولُه: (زَجرًا) أشارِ بهِ إلى التَّفصيلِ المَذكورِ، فإنَّه إذا كانَ للتَّداوِي لا يُزجَرُ عنهُ؛ لعَدمِ قَصدِ المَعصيةِ ط.
стр. 10336
قَولُه: (اختَلفَ التَّصحيحُ … إلخ) فصحَّحَ في «التُّحفَة» وغَيرِها عَدمَ الوُقوعِ، وجزَمَ في «الخُلاصَة» بالوُقوعِ.
قالَ في «الفَتح»: والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ الوُقوعِ عِنْدَ زَوالِ العَقلِ ليسَ إلَّا التَّسبُّبُ في زَوالهِ بسَببٍ مَحظورٍ، وهوَ مُنتَفٍ.
وفي «النَّهْر» عَنْ «تَصحيحِ القُدُورِيِّ» أنَّه التَّحقيقُ.
قَولُه: (نَعمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ) لأنَّ علَّةَ زَوالِ العَقلِ الصُّداعُ، والشُّربُ عِلَّةُ العلَّةِ، والحُكمُ لا يُضافُ إلى علَّةِ العلَّةِ إلَّا عندَ عدمِ صَلاحيَّةِ العلَّةِ، وتَمامُه في «الفتح».
هذا وقد فرَضَ المسألةَ في «الفتح» و «البَحر» فيما إذا شَربَ خَمرًا فصدَّعَ، ويُخالِفُه ما في «المُلتقَط»: لو كانَ النَّبيذُ غَيرَ شَديدٍ فصدَّعَ فذهَبَ عَقلُه بالصُّداعِ لا يَقعُ طلاقُه، وإنْ كانَ النَّبيذُ شَديدًا حرامًا فصَدَّعَ فذهَبَ عَقلُه يقَعُ طلاقُه. اه.
فقَدْ فرَّقَ بيْنَ ما إذا كانَ بطَريقٍ مُحرَّمٍ وغَيرِ مُحرَّمٍ كما تَرَى فتأمَّلْ.
قولُه: (أو بمُباحٍ) كما إذا سَكرَ مِنْ وَرقِ الرُّمانِ فإنَّهُ لا يَقعُ طَلاقُه ولا عِتاقُه.
ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ صاحِبُ «التَّهذِيب»، كذا في «الهِنديَّة» ط.
قلتُ: وكذا لو سَكرَ ببَنجٍ أو أفيُونٍ تَناولَه لا على وَجهِ المَعصيةِ بل للتَّداوِي كما مَرَّ، قَولُه (وفي القُهُستانِيِّ … إلخ) هذا مَبنيٌّ على تَعريفِ
стр. 10337
السَّكرانِ الَّذي تَصحُّ تَصرُّفاتُه عِندَنا بأنَّه مَنْ معهُ مِنَ العَقلِ ما يَقومُ بهِ التَّكليفُ.
وتَعجَّبَ منهُ في «الفَتح»، وقالَ: لا شَكَّ أنَّه على هذا التَّقديرِ لا يتَّجِهُ لأحدٍ أنْ يَقولَ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُه (١).
الحالةُ الثانيَةُ: أنْ يَسكرَ بمُحرَّمٍ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو تَعدَّى الإنسانُ بسُكرِه، بأنْ شَربَ مُسكِرًا وهوَ يَعلمُ أنَّه مُسكِرٌ يُزيلُ العَقلَ مُختارًا لذلكَ غَيرَ مُكرَهٍ وطلَّقَ في حالِ سُكرِه، هل يَقعُ طلاقُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ طلاقَ السَّكرانِ الَّذي تَعدَّى بسُكرِهِ يَقعُ، سَواءٌ كانَ عندَه تَمييزٌ أم لا؛ لأنَّ أحكامَ التَّكليفِ المُتعلِّقةَ بالتَّغليظِ جارِيةٌ عليهِ كالقَوَدِ إذا قتَلَ، والحدِّ إذا زَنَى أو قذَفَ، ووُجوبِ قَضاءِ الصَّلاةِ، فكذلكَ الطَّلاقُ، ولأنَّ كلَّ مَنْ يُحدُّ إذا وُجدَ لفظُ القَذفِ منهُ فإنَّه إذا طلَّقَ نفَذَ طلاقُه كالصَّاحِي، ولأنَّه حالٌ لا تَمنعُ حدَّ القَذفِ، فلم تَمنعْ نَفاذَ الطَّلاقِ كحالِ الصَّحوِ، ولأنَّ كلَّ حالِ يَلزمُه قَضاءُ الصَّلواتِ المَتروكةِ وحدُّ القَذفِ فيها لَزمَه الطَّلاقُ المُوقَعُ فيها، أصلُه الصَّحوُ (٢).
стр. 10338
ولأنَّهُ مُكلَّفٌ، والدَّليلُ عليهِ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فدَلَّتْ على تَكليفِهم مِنْ وجهَينِ:
أحدُهما: تَسمِيتُهم بالمُؤمنِينَ ونِداؤُهم بالإيمانِ، ولا يُنادَى بهِ إلَّا لهُم.
والثَّاني: نَهيُهم في حالِ السُّكرِ أنْ يَقرَبُوا الصَّلاةَ، ولا يُنهَى إلَّا مُكلَّفٌ.
ولأنَّ عمَرَ شاوَرَ الصَّحابةَ ﵃ في حَدِّ الخَمرِ، وقالَ: «أرَى النَّاسَ قد بالَغُوا في شُربِه واستَهانُوا بحَدِّهِ، فماذا تَرَونَ؟ فقالَ عَليٌّ ﵁: إنَّه إذا شَربَ سَكِرَ، وإذا سَكرَ هَذَى، وإذا هَذى افتَرَى، فأرَى أنْ يُحَدَّ حدَّ المُفتَري ثَمانينَ، فحَدَّهُ عُمرُ وعُثمانُ وعليٌّ ثَمانينَ»، فكانَ الدَّليلُ منهُ أنَّ الزِّيادةَ على الأربعِينَ علَّةٌ لافتِرائِه في سُكرِه، ولو كانَ غَيرَ مُكلَّفٍ لَمَا حُدَّ بما أتاهُ، ولا كانَ مُؤاخَذًا به، وفي مُؤاخَذَتِه بهِ دليلٌ على تَكليفِه، فإذا ثَبتَ أنَّهُ مُكلَّفٌ وجَبَ أنْ يقَعَ طَلاقُه كالصَّاحِي.
ولأنَّهُ مُؤاخَذٌ بسُكرِه فوجَبَ أنْ يَكونَ مُؤاخَذًا بما حدَثَ عَنْ سُكرِه، ألَا تَرى أنَّ مَنْ جنَى جِنايةً فسَرَتْ لِمَا كانَ مُؤاخَذًا بها كانَ مُؤاخَذًا بسرايتِها؟
فإنْ قيلَ: فليسَ السُّكرُ مِنْ فِعلِه، وإنَّما هوَ مِنْ فِعلِ اللهِ تعالَى فيهِ، فكيفَ صارَ مَنسوبًا إليهِ ومُؤاخَذًا بهِ؟
قيلَ: لأنَّ سَببَهُ -وهوَ الشُّربُ- مِنْ فِعلِه، فصارَ ما حدَثَ عنهُ -وإنْ كانَ مِنْ فِعلِ اللهِ تعالَى- مَنسوبًا إلى فِعلِه، كما أنَّ سِرايةَ الجِنايةِ لمَّا حَدثَتْ عَنْ
стр. 10339
فِعلِه نُسبَتْ إليهِ، وكانَ مُؤاخذًا بها وإنْ كانَ مِنْ فعْلِ اللهَ تعالَى فيهِ؛ لأنَّ رفْعَ الطَّلاقِ تَخفيفٌ ورُخصةٌ، وإيقاعَهُ تَغليظٌ وغَريمةٌ، فإذا وقَعَ مِنَ الصَّاحِي وليسَ بعَاصٍ كانَ وُقوعُه مِنَ السَّكرانِ مع المَعصيةِ أَولَى؛ لأنَّ السَّكرانَ ليسَ يَستدلُّ على سُكرِه بعِلمٍ ظاهرٍ هو مَعذورٌ فيهِ، وإنَّما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، وهو فاسِقٌ مَردودُ الخبَرِ، ورُبَّما تَساكَرَ تَصنُّعًا، فلم يَجُزْ أنْ يُعدلَ بهِ عن يَقينِ الحُكمِ السَّابقِ بالتَّوهُّمِ الطارِئِ.
ولا يَجوزُ اعتِبارُه بالمُكرَهِ والمَجنونِ لأمرَينِ:
أحدُهُما: أنَّ مع المُكرَهِ والمَجنونِ عِلمٌ ظاهرٌ يدلُّ على فَقْدِ الإرادةِ هُما فيهِ مَعذورانِ، بخِلافِ السَّكرانِ.
والثَّاني: أنَّ المُكرَهَ والمَجنونَ غيرُ مُؤاخذَينِ بالإكراهِ والجُنونِ، فلم يُؤاخَذا بما حدَثَ فيهما، كما أنَّ مَنْ قطَعَ يدَ سارِقٍ فسَرَتْ إلى نَفسِه لا يُؤاخِذُه بالسِّرايةِ؛ لأنَّه غيرُ مُؤاخَذٍ بالقَطعِ، ولو كانَ مُتعدِّيًا بالقَطعِ لَكانَ مُؤاخَذًا بالسِّرايةِ كما كانَ مُؤاخَذًا بالقَطعِ، وخالَفَ الصَّبيَّ؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ والصَّبيُّ غَيرُ مُكلَّفٍ (١).
стр. 10340
وجاءَ في «مُوطَّأ الإمامِ مالكٍ»: وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المُسيّبِ وسُليمانَ بنَ يَسارِ سُئِلا عن طلاقِ السَّكرانِ فقالا: إذا طلَّقَ السَّكرانُ جازَ طلاقُه، وإنْ قتَلَ قُتِلَ بهِ، قالَ مالِكٌ: وعلى ذلكَ الأمرُ عِندَنا (١).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ومَن شَربَ خَمرًا أو نَبيذًا فأسكرَهُ فطلَّقَ لَزمَه الطَّلاقُ والحُدودُ كلُّها والفَرائضُ، ولا تَسقطُ المَعصيةُ بشُربِ الخَمرِ والمَعصيةُ بالسُّكرِ مِنَ النَّبيذِ عنهُ فَرضًا ولا طلاقًا، فإنْ قالَ قائلٌ: فهذا مَغلوبٌ على عَقلِه، والمَريضُ والمَجنونُ مَغلوبٌ على عَقلِه، قيلَ: المَريضُ مَأجورٌ ومُكفَّرٌ عنهُ بالمَرضِ مَرفوعٌ عنهُ القَلمُ إذا ذهَبَ عَقلُه، وهذا آثِمٌ مَضروبٌ على السُّكرِ غَيرُ مَرفوعٍ عنهُ القَلمُ، فكيفَ يُقاسُ مَنْ عليهِ العِقابُ بمَن لهُ الثَّوابُ؟ والصَّلاةُ مَرفوعةٌ عمَّنَ غُلبَ على عَقلِه، ولا تُرفعُ عنِ السَّكرانِ، وكذلكَ الفَرائضُ مِنْ حَجٍّ أو صِيامٍ أو غيرِ ذلكَ (٢).
وذهَبَ أبو الوَليدِ الباجِي وابنُ رُشدٍ مِنَ المالكيَّةُ إلى أنَّ وُقوعَ طلاقِ السَّكرانِ إذا كانَ عِندَه تَمييزٌ، فأمَّا السَّكرانُ الَّذي لا يَعرفُ الأرضَ مِنَ
стр. 10341
السَّماءِ، ولا الرَّجلَ مِنَ المَرأةِ، فلا اختِلافَ في أنَّه كالمَجنونِ في جَميعِ أفعالِهِ وأحوالِهِ فيما بيْنَه وبيْنَ النَّاسِ، وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى أيضًا، إلَّا فيما ذهَبَ وَقتُه مِنَ الصَّلواتِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ والكَرخي مِنَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةُ في رِوايةٍ شاذَّةٍ والمُزَنِيُّ وأبو ثَورٍ مِنَ الشافِعيةِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ، ورُوِيَ ذلكَ عَنْ عُثمانَ بنِ عفَّانَ -وصَحَّ عنهُ- وابنِ عبَّاسٍ، وعَن عَطاءٍ وطاووسٍ والقاسِمِ ورَبيعةَ، وهوَ قولُ اللَّيثِ وإسحاقَ إلى أنَّ طلاقَ السَّكرانِ لا يَقعُ؛ لأنَّه مَفقودُ الإرادةِ فلَم يَقعْ طلاقُه كالمُكرَهِ؛ لأنَّ المُكرَهَ لمَّا سقَطَ طلاقُه لارِتفاعِ مُرادِه وجَبَ أنْ يَسقُطَ طلاقُ السَّكرانِ، إذْ لا مُرادَ لهُ، ولأنَّ السَّكرانَ إذا ارتَدَّ لم يُستتَبْ في حالِ سُكرِه ولم يُقتَلْ، دلَّ على أنْ لا حُكمَ لقَولِه، ولا يَجوزُ إبطالُ نكاحٍ قدْ أُجمِعَ على صحَّتِه بطلاقٍ قدِ اختُلفَ في وُجوبِه.
ولأنَّ العَقلَ شَرطٌ للتَّكليفِ، إذْ هو عِبارةٌ عَنْ الخِطَابِ بأمرٍ أو نهيٍ، ولا يَتوجَّهُ ذلكَ إلى مَنْ لا يَفهمُه، ولا فَرْقَ بيْنَ زَوالِ الشَّرطِ بمَعصيةٍ أو غَيرِها، بدَليلِ أنَّ مَنْ كَسَرَ ساقَيهِ جازَ لهُ أنْ يُصلِّيَ قاعدًا، ولو ضَربَتِ المرأةُ بطْنَها فنَفَسَتْ سَقطَتْ عنها الصَّلاةُ، ولو ضرَبَ رأسَه فجُنَّ سقَطَ التَّكليفُ (٢).
وقالَ في «شَرح مُشكَلِ الآثَارِ»: فقالَ قائلٌ: إنَّ السَّكرانَ وإنْ كانَ قَدْ ذهَبَ عَقلُه بسُكرِه فهو الَّذيِ أَدخَلَ السُّكرَ على نَفسِه بفِعلِه، فلمْ يكنْ إذْ كانَ كذلكَ كالمَجنونِ الَّذي دَخلَ عليهِ الجُنونُ مِنْ غَيرِ فِعلِه.
فكانَ جَوابُنا لهُ في ذلكَ بتَوفيقِ اللهِ وعَونِه أنَّا رَأَينا المَجنونَ لا تَختلِفُ أحكامُه في حالِ جُنونِه باختِلافِ أسبابِ جُنونِه في أنْ يكونَ بأفعالِه، وفي أخْذِه أشياءَ كانَتْ أسبابًا لذَهابِ عَقلِه، وفي حُدوثِ الجُنونِ بهِ ممَّا لا سَببَ لهُ فيهِ في لُزومِ أحكامِ المَجانينَ إيَّاه في سُقوطِ الفُروضِ عَنهُم، وفي ارتِفاعِ العَمدِ عَنهم في جناياتِهم في القتلِ، حتَّى لا يكون عَليهم فيهِ قَوَدٌ، وحتَّى يكون دِيَاتُ مَنْ قتَلَوا على عَواقِلِهم، ولمَّا كانَ ذلكَ كذلكَ وكانَ المُراعَى في ذَهابِ عُقولِ الأصحَّاءِ ذَهابُ عُقولِهم لا الأسبابُ الَّتي كانَتْ أسبابًا لذَهابِ عُقولِهم كانَ كذلكَ السَّكرانُ، يكونُ عليهِ ذَهابُ عَقلِه لا السَّببُ الَّذي كانَ بهِ ذهَبَ عَقلُه، فيكونُ بذَهابِ عَقلِه لهُ حُكمُ مَنْ لا عقْلَ لهُ، ولا يُراعَى في ذلكَ اختِلافُ أسبابِ ذَهابِ عَقْلِه، ومِثلُ ذلكَ أيضًا ما قَدْ أُجمِعَ عَليهِ في الصَّحيحِ المُطيقِ للصَّلاةِ قائِمًا الَّذي فرَضَ اللهُ عليهِ أنْ يُصلِّيَها كذلكَ لو كسرَ رِجلهُ حتَّى عادَ عاجِزًا عنِ القِيامِ للصَّلاةِ وأنْ يُصلِّيَها كذلكَ أنَّ فرْضَهُ أنْ يُصلِّيَها قاعِدًا على ما يُطيقُ صَلاتَها عليهِ، وأنَّ ذلكَ ممَّا يكونُ حُكمُه فيهِ في العَجزِ عنِ القيامِ وصَلاتِه، كذلكَ في حُكمِ العَجزِ عنِ القيامِ بما يَحلُّ بهِ ممَّا يُعيدُه إلى تلكَ الحالِ مِنْ أفعالِ اللهِ جلَّ وعزَّ بهِ، ثمَّ مِنْ
стр. 10344
أفعالِ عِبادِه مِثلَه بهِ، وأنَّهُ لا يَجبُ عليهِ قَضاءُ الصَّلاةِ قائِمًا وإنْ عادَ إلى القُدرةِ على ذلكَ، وفيما ذكَرْنا دَليلٌ على أنَّ طلاقَ السَّكرانِ وسائرَ أقوالِه وسائِرَ أفعالِه يَعودُ إلى أحكامِ أقوالِ ذاهبِي العُقولِ سِواهُ، وإلى أحكامِ أفعالِ ذاهِبِي العُقولِ سِواهُ، وهذا خِلافُ ما كانَ أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والشَّافعيُّ يقولونَهُ فيهِ، وخِلافُ ما كانَ مالكٌ يَقولُه فيهِ، مِنْ إجازَتِهم طَلاقَه، غَيرَ أنَّ مالِكًا قالَ: (لو عَلمْتُ أنَّهُ لم يكنْ يَعقِلُ ما أَجزْتُ طَلاقَه)، فكأنَّه أعذَرُ مِنْ غَيرِه في ذلكَ، لا أنَّهُ قد كانَ يَلزمُه أنْ لا يُطلِّقَ بالشَّكِّ حتَّى يَعلمَ باليَقينِ وُجوبَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ ما عُلِمَ يَقينًا لم يَرتفِعْ إلَّا بما يُزيلُه يَقينًا، كذلكَ فَرائِضُ اللهِ على عِبادِه في صَلَواتِهم، وفيما سِواها مِنْ عِباداتِهم، وما رَأيْنا فَقيهًا مِمَّنْ يُنسَبُ إليهِ النَّظرُ مِنْ أهلِ الفِرَقِ إلَّا على ما ذكَرْناه، وهو القولُ عِندَنا الَّذي لا يَجوزُ خِلافُه، ولا يسَعُ ذا فَهمٍ أنْ يَتقلَّدَ غَيرَه، واللهَ نَسألُه التَّوفيقَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: طلاقُ زائِلِ العَقلِ.
المَخرجُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُطلِّقُ أو الحالِفُ زائِلَ العَقلِ، إمَّا بجُنونٍ أو إغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ أو شُربِ مُسكِرٍ يُعذَرُ بهِ أو لا يُعذَرُ أو وَسوسةٌ، وهذا المُخلِّصُ مُجمَعٌ عَليهِ بيْنَ الأمَّةِ، إلَّا في شُربِ مُسكِرٍ لا يُعذَرُ بهِ؛ فإنَّ المُتأخِّرينَ مِنْ الفُقهاءِ اختَلفُوا فيهِ، والثَّابتُ عنِ الصَّحابةِ الَّذي لا يُعلَمُ فيهِ خِلافٌ بَينَهم أنَّه لا يَقعُ طَلاقُه.
стр. 10345
قالَ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الطَّلاقِ في الإغلاقِ والمُكرَهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ وأمرِهِما والغَلَطِ والنِّسيانِ في الطَّلاقِ والشَّكِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الأعمالُ بالنِّيةِ، ولكُلِّ امرِئٍ ما نوَى»، وتَلا الشَّعبيُّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وما لا يَجوزُ مِنْ إقرارِ المُوسوِسِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ للَّذي أقرَّ على نَفسِه: «أَبِكَ جُنونٌ؟»، وقالَ عليٌّ: «بَقَرَ حَمزةُ خَواصِرِ شارِفِيَّ فطَفِقَ النَّبيُّ ﷺ يَلومُ حَمزةَ، فإذا حَمزةُ قدْ ثَمِلَ مَحمَرَّةٌ عَيناهُ، ثمَّ قالَ حَمزةُ: هل أنتم إلَّا عَبيدٌ لآبائي؟ فعرَفَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه قد ثَمِلَ، فخَرجَ وخرَجْنا معهُ»، قالَ عُثمانُ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا لسَكرانَ طلاقٌ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «طلاقُ السَّكرانِ والمُستكرَهِ ليسَ بجائِزٍ»، وقالَ عُقبةُ بنُ عامِرٍ: «لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ»، هذا لَفظُ التَّرجمةِ، ثمَّ ساقَ بَقيَّةَ البابِ.
ولا يُعرَفُ عَنْ رَجلٍ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه خالَفَ عُثمانَ وابنَ عبَّاسٍ في ذلكَ، ولذلكَ رجَعَ الإمامُ أحمَدُ إلى هذا القولِ، بعْدَ أنْ كانَ يُفتِي بنُفوذِ طلاقِه، فقالَ أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ في كِتابِ «الشَّافي والزَّاد»: قالَ أبو عَبدِ اللهِ في رِوايةِ المَيمُونِيِّ: قَدْ كنتُ أقولُ بأنَّ طلاقَ السَّكرانِ يَجوزُ، حتَّى تَبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يَجوزُ طلاقُه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لَم يَلزَمْه، ولَو باعَ لَم يَجُزْ بَيعُه، قالَ: وأُلزِمُه الجِنايةَ، وما كانَ مِنْ غَيرِ ذلكَ فلا يَلزمُه، قالَ أَبو بكْرٍ: وبهذا أقولُ.
стр. 10346
وفي مسائِلِ المَيمُونِيِّ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن طلاقِ السَّكرانِ فقالَ: أكثَرُ ما عِنْدِي فيهِ أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ، قلتُ: ألَيسَ كُنْتَ مَرَّةً تَخافُ أنْ يَلزمَه؟ قالَ: بلَى، ولكنْ أكثرُ ما عِنْدِي فيه أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ؛ لأنِّي رَأيْتُه مِمَّنْ لا يَعقِلُ، قلتُ: السُّكرُ شَيءٌ أَدخلَهُ على نَفسِه، فلذلكَ يَلزمُه، قالَ: قَدْ يَشرَبُ رَجلٌ البَنجَ أو الدَّواءَ فيَذهَبُ عَقلُه، قلتُ: فبَيعُه وشِراؤُه وإقرارُه؟ قالَ: لا يَجوزُ.
وقالَ في رِوايةِ أبي الحارِثِ: أرفَعُ شيءٍ فيهِ حَديثُ الزُّهريِّ عن أبانَ بنِ عُثمانَ عن عُثمانَ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا سَكرانَ طلاقٌ».
وقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: والَّذي لا يَأمرُ بالطَّلاقِ فإنَّما أتَى خَصلةً واحِدةً، والَّذي يَأمرُ بالطَّلاقِ قَدْ أتَى خَصلتَينِ؛ حرَّمَها عَليهِ وأحلَّها لغَيرِه، فهذا خَيرٌ مِنْ هذا، وأنا أتَّقي جَميعَها.
ومِمَّن ذهَبَ إلى القَولِ بعَدمِ نُفوذِ طلاقِ السَّكرانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ وأبو الحسَنِ الكَرخِيُّ، وحكاهُ صاحِبُ «النِّهاية» عَنْ أبي يُوسفَ وزُفرَ، ومِنَ الشَّافعيةِ المُزنِيُّ وابنُ سُريجٍ وجماعةٌ مِمَّنْ اتَّبعَهُما، وهو الَّذي اختارَهُ الجُوَينيُّ في «النِّهاية»، والشَّافعيُّ نصَّ على وُقوعِ طلاقِه، ونصَّ في أحَدِ قولَيه على أنَّه لا يَصحُّ ظِهارُه، فمِن أتْباعِه مَنْ نقَلَ عنِ الظِّهارِ قولًا إلى الطَّلاقِ، وجعَلَ المَسألةَ على قَولَينِ، ومِنهم مَنْ قرَّرَ حُكمَ النَّصَّينِ ولَم يُفرِّقْ بطائلٍ، والصَّحيحُ أنَّه لا عِبرةَ بأقوالِه مِنْ طلاقٍ ولا عِتاقٍ ولا بَيعٍ
стр. 10347
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: أجمَعَ أَئمةُ الفَتوى على أنَّ اللُّقطةَ إذا عرَّفَها سَنةً وانتَفعَ بها وأنفَقَها بعدَ السَّنةِ ثم جاءَ صاحِبُها أنَّه يرُدُّ عليه قِيمَتَها ويَضمنُها له، وليسَ قَولُه: (فشَأنَك بها) يُبيحُ له أَخذَها ويُسقِطُ عنه ضَمانَها؛ لمَا ثبَتَ عنه ﵇ في اللُّقطةِ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ أدِّها إليه»؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَ مُلتقِطِها، وخرَقَ الإِجماعَ رَجلٌ نُسبَ إلى العِلمِ يُعرَفُ بداودَ بنِ عليٍّ، فقالَ: إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ لَم يَضمنْها مُلتقِطُها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ أطلَقَه على مُلكِها بقَولِه: (فشَأنَك بها) فلا ضَمانَ عليه، ولا سَلفَ له في ذلك إلا اتِّباعُ الهَوى والجُرأةُ على مُخالَفةِ الجَماعةِ التي لا يَجوزُ عليها تَحريفُ التَّأويلِ ولا الخَطأُ فيه، أَعاذَنا اللهُ مِنْ اتِّباعِ الهَوى والابتِداعِ في دِينِه مما لَم يَأذنْ فيه (١).
وقالَ أيضًا: قولُه: بابُ إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ سَنةٍ ردَّها عليه؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَه.
فيه: زَيدٌ أنَّ رَجلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن اللُّقطةِ، فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُم استَنفِقْ بها، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه … » الحَديثُ، أجمَعَ أَئمةَ الفَتوَى على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ أنَّ الذي وجَدَها يَلزمُه ردُّها إليه؛ لقَولِه ﵇: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه»، وقد ذكَرْنا قبلَ هذا أنَّ بعضَ مَنْ نُسبَ إلى العِلمِ وحظُّه مِنْ أنْ يوسَمَ بمُخالفَةِ الأَئمةِ خالَفَ إِجماعَهم في اتِّباعِ هذا الحَديثِ، وخالَفَ قَولَه
стр. 10348
التَّكليفِ العَقلُ؛ قالَ: لا يَقعُ، ومَن قالَ: الفَرقُ بيْنَهُما أنَّ السَّكرانَ أدخَلَ الفَسادَ على عَقلِه بإرادتِه، والمَجنونُ بخِلافِ ذلكَ؛ ألزَمَ السَّكرانَ الطَّلاقَ، وذلكَ مِنْ بابِ التَّغليظِ عَليهِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَلزمُ السَّكرانَ بالجُملةِ مِنَ الأحكامِ وما لا يَلزمُه، فقالَ مالِكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ والعِتقُ والقَوَدُ مِنْ الجِراحِ والقَتلِ، ولم يُلزمْه النِّكاحَ ولا البَيعَ، وألزَمَه أبو حَنيفةَ كلَّ شَيءٍ، وقالَ اللَّيثُ: كلُّ ما جاءَ مِنْ مَنطِقِ السَّكرانِ فمَوضوعٌ عنهُ، ولا يَلزمُه طلاقٌ ولا عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا بَيعٌ ولا حَدٌّ في قَذفٍ، وكلُّ ما جَنَتْه جَوارِحُه فلازمٌ له، فيُحدُّ في الشُّربِ والقَتلِ والزِّنا والسَّرقةِ، وثَبتَ عَنْ عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ أنَّه كانَ لا يَرَى طلاقَ السَّكرانِ، وزعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّه لا مُخالِفَ لعُثمانَ في ذلكَ مِنَ الصَّحابةِ.
وقولُ مَنْ قالَ: «إنَّ كلَّ طلاقٍ جائِزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ» ليسَ نصًّا في إلزامِ السَّكرانِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ السَّكرانَ مَعتوهٌ ما، وبهِ قالَ داودُ وأبو ثَورٍ وإسحاقُ وجَماعةٌ مِنَ التَّابعِينَ -أعنِي أنَّ طلاقَهُ ليسَ يَلزمُ-، وعَنِ الشَّافِعيِّ القَولانِ في ذلكَ، واختارَ أكثرُ أصحابِهِ قولَهُ المُوافِقَ للجُمهورِ، واختارَ المُزَنِيُّ مِنْ أصحابِهِ أنَّ طلاقَهُ غَيرُ واقِعٍ (١).
стр. 10349
المسألةُ العاشِرةُ: حكمُ طلاقِ مَنْ شربَ بَنجًا أو حَشيشًا أو أفيُونًا أو شَيئًا يُذهِبُ عَقلَه:
مَنْ شَرِبَ بَنجًا أو شَيئًا يُذهِبُ عَقْلَه كبَعضِ الأدويةِ أو أكَلَ حَشيشًا فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ لسببٍ كعلاجٍ أو غَيرِه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا شَرِبَ البَنجَ أو غيرَهُ ممَّا يتعالَجُ بهِ فذهَبَ عَقلُه وطلَّقَ فإنَّ طلاقَهُ غَيرُ جائِزٍ ولا يَقعُ.
قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: لا يَختلِفونَ فيمَن شَربَ البَنجَ فذهَبَ عَقلُه أنَّ طلاقَهُ غَيرُ جائِزٍ (١).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ومَن شَرِبَ بَنجًا أو حِرِّيفًا أو مُرَقِّدًا ليَتعالَجَ بهِ مِنْ مَرضٍ فأذهَبَ عَقلَه فطلَّقَ لم يَلزمْه الطَّلاقُ؛ مِنْ قِبَلِ أنْ ليسَ في شَيءٍ مِنْ هذا أنْ نَضرِبَهم على شُربهِ في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ، فإذا كانَ هكذا كانَ جائِزًا أنْ يُؤخَذَ الشَّيءُ مِنهُ للمَنفعةِ، لا لقَتلِ النَّفسِ ولا إذهابِ العَقلِ، فإنْ جاءَ منهُ قَتلُ نَفسٍ أو إذهابُ عَقلٍ كانَ كالمَريضِ يَمرضُ مِنْ طَعامٍ وغَيرِه، وأجدَرُ أنْ لا يَأثَمَ صاحِبُه بأنَّه لَم يُرِدْ واحدًا مِنهُما، كما يَكونُ جائِزًا لهُ بَطُّ الجُرحِ وفَتحُ العِرقِ والحِجامةُ وقَطعُ العُضوِ رَجاءَ
стр. 10350
المَنفعةِ، وقدْ يكونُ مِنْ بعضِ ذلكَ سَببُ التَّلفِ، ولكنَّ الأغلبَ السَّلامةُ، وأنْ ليسَ يُرادُ ذلكَ لذَهابِ العَقلِ ولا للتَّلذُّذِ بالمَعصيةِ (١).
وقالَ الحنفيَّةُ: فأمَّا إذا شَربَ البَنجَ أو شَيئًا حُلوًا فذهَبَ عَقلُه أو الدَّواءَ الَّذي يُسكِرُ وزالَ عَقلُه لم يَقعْ طلاقُهُ في تلكَ الحالةِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ المَعتوهِ في التَّصرُّفاتِ (٢).
الحالةُ الثانيَةُ: أنْ يَشربَ بَنجًا أو دواءً يُذهِبُ العَقلَ أو حَشيشًا أو أفيُونًا لغَيرِ حاجَةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَربَ بَنجًا أو ما يُذهِبُ العَقلَ لغَيرِ حاجَةٍ، هلْ يَقعُ طلاقُه كالسَّكرانِ بمُحرَّمٍ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغَيرُه إلى أنَّ مَنْ شَربَ ما يُزيلُ عَقلَهُ لغَيرِ حاجَةٍ كالبَنجِ، أو الدَّواءَ الَّذي يُذهِبُ العقلَ ليَزولَ عَقلُه أنَّ حُكمَه كالسَّكرانِ بمُحرَّمٍ، فيَقعُ طلاقُه إذا طلَّقَ في هَذهِ الحالةِ؛ لأنَّه زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فهو كمَن شَربَ الخَمرَ أو النَّبيذَ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ شَربَ دَواءً أو شَرابًا غَيرَ الخَمرِ والنَّبيذِ فسَكِرَ؛ فإنْ شَربَه لحاجَةٍ .. فحُكمُه حُكمُ المَجنونِ، وإنْ شَربَه ليَزولَ عَقلُه ..
стр. 10351
فهوَ كالسَّكرانِ يَشربُ الخَمرَ؛ لأنَّهُ زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فهوَ كمَن شَربَ الخَمرَ أو النَّبيذَ (١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ شَربَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ وطلَّقَ أنَّه لا يَقعُ طلاقُه، سواءٌ كانَ للتَّداوِي أو لغَيرِه؛ لأنَّه لا لذَّةَ فيهِ (٢).
لكنْ هذا في غَيرِ الحَشيشةِ والأفيُونِ عِنْدَ مُتأخِّرِي الحَنفيَّةِ.
قالَ في «الدُّر المُختَار»: أو حَشيشٍ أو أفيُونٍ أو بَنجٍ زَجرًا بهِ يُفتَى، تَصحيحُ القدوريِّ.
واختَلفَ التَّصحيحُ فيمَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطرًّا، نعَمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ أو بمُباحٍ لم يَقعْ.
وفي القُهُستانِيِّ مَعزيًّا للزاهديِّ أنَّه لو لم يُميِّزْ ما يَقومُ بهِ الخِطابُ كانَ تَصرُّفُه باطِلًا. اه.
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: مَطلَبٌ في الحَشيشةِ والأَفيونِ والبَنجِ.
قَولُه: (وحَشيشٍ)، قالَ في «الفَتح»: اتَّفقَ مَشايخُ المَذهبَينِ مِنَ الشَّافعيةِ
стр. 10352
والحَنفيةِ بوُقوعِ طلاقِ مَنْ غابَ عَقلُه بأكلِ الحَشيشِ، وهو المُسمَّى بوَرقِ القُنَّبِ، لفَتواهُم بحُرمتِهِ بعدَ أنِ اختَلفُوا فيها، فأفتَى المُزنِيُّ بحُرمتِها، وأفتَى أسدُ بنُ عَمرٍو بحِلِّها؛ لأنَّ المُتقدِّمينَ لم يَتكلَّمُوا فيها بشيءٍ؛ لعَدمِ ظُهورِ شَأنِها فيهم، فلمَّا ظهَرَ مِنْ أمرِها مِنَ الفَسادِ كثيرٌ وفشَا عادَ مَشايخُ المَذهبَينِ إلى تَحريمِها، وأفتَوا بوُقوعِ الطَّلاقِ ممَّن زالَ عَقلُه بها. اه.
قولُه: (أو أَفيُونٍ أو بَنجٍ) الأَفيُونُ: ما يَخرجُ مِنْ الخَشخاشِ.
والبَنجُ بالفَتحِ: نَبتٌ مُنبَتٌ.
وصرَّحَ في «البَدائع» وغَيرِها بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ بأكلِهِ، مُعلِّلًا بأنَّ زَوالَ عَقلهِ لم يكنْ بسَببٍ هوَ مَعصيةٌ.
والحقُّ التَّفصيلُ، وهو إنْ كانَ للتَّداوِي لَم يَقعْ؛ لعَدمِ المَعصيةِ، وإنْ للَّهوِ وإدخالِ الآفةِ قَصدًا فيَنبغِي أنْ لا يتردَّدَ في الوُقوعِ.
وفي تَصحيحِ القُدُوريِّ عن «الجَواهِر»: وفي هذا الزَّمانِ إذا سَكِرَ مِنْ البَنجِ والأفيُونِ يقَعُ زَجرًا، وعليهِ الفَتوَى، وتَمامُه في «النَّهر».
قَولُه: (زَجرًا) أشارِ بهِ إلى التَّفصيلِ المَذكورِ، فإنَّه إذا كانَ للتَّداوِي لا يُزجَرُ عنهُ؛ لعَدمِ قَصدِ المَعصيةِ ط.
قَولُه: (اختَلفَ التَّصحيحُ … إلخ) فصحَّحَ في «التُّحفَة» وغَيرِها عَدمَ الوُقوعِ، وجزَمَ في «الخُلاصَة» بالوُقوعِ.
стр. 10353
قالَ في «الفَتح»: والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ الوُقوعِ عِنْدَ زَوالِ العَقلِ ليسَ إلَّا التَّسبُّبُ في زَوالهِ بسَببٍ مَحظورٍ، وهوَ مُنتَفٍ.
وفي «النَّهْر» عَنْ «تَصحيحِ القُدُورِيِّ» أنَّه التَّحقيقُ.
قَولُه: (نَعمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ) لأنَّ علَّةَ زَوالِ العَقلِ الصُّداعُ، والشُّربُ عِلَّةُ العلَّةِ، والحُكمُ لا يُضافُ إلى علَّةِ العلَّةِ إلَّا عندَ عدمِ صَلاحيَّةِ العلَّةِ، وتَمامُه في «الفتح».
هذا وقد فرَضَ المسألةَ في «الفتح» و «البَحر» فيما إذا شَربَ خَمرًا فصدَّعَ، ويُخالِفُه ما في «المُلتقَط»: لو كانَ النَّبيذُ غَيرَ شَديدٍ فصدَّعَ فذهَبَ عَقلُه بالصُّداعِ لا يَقعُ طلاقُه، وإنْ كانَ النَّبيذُ شَديدًا حرامًا فصَدَّعَ فذهَبَ عَقلُه يقَعُ طلاقُه. اه.
فقَدْ فرَّقَ بيْنَ ما إذا كانَ بطَريقٍ مُحرَّمٍ وغَيرِ مُحرَّمٍ كما تَرَى فتأمَّلْ.
قولُه: (أو بمُباحٍ) كما إذا سَكرَ مِنْ وَرقِ الرُّمانِ فإنَّهُ لا يَقعُ طَلاقُه ولا عِتاقُه.
ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ صاحِبُ «التَّهذِيب»، كذا في «الهِنديَّة» ط.
قلتُ: وكذا لو سَكرَ ببَنجٍ أو أفيُونٍ تَناولَه لا على وَجهِ المَعصيةِ بل للتَّداوِي كما مَرَّ، قَولُه: (وفي القُهُستانِيِّ … إلخ) هذا مَبنيٌّ على تَعريفِ السَّكرانِ الَّذي تَصحُّ تَصرُّفاتُه عِندَنا بأنَّه مَنْ معهُ مِنَ العَقلِ ما يَقومُ بهِ التَّكليفُ.
стр. 10354
وتَعجَّبَ منهُ في «الفَتح»، وقالَ: لا شَكَّ أنَّه على هذا التَّقديرِ لا يتَّجِهُ لأحدٍ أنْ يَقولَ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إنْ شَربَ البَنجَ ونَحوَه ممَّا يُزيلُ عَقلَه عالِمًا بهِ مُتلاعِبًا فحُكمُه حُكمُ السَّكرانِ في طلاقِهِ، وبهذا قالَ أصحابُ الشَّافعيِّ.
وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: لا يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّه لا يَلتذُّ بشُربِها.
ولنا: إنَّه زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فأشبَهَ السَّكرانَ (٢).
وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: وممَّا يَدخلُ في كَلامِ الخرقيِّ: مَنْ تَعاطَى ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ كالبَنجِ ونَحوِه، وقدِ اختَلفَ المَذهبُ في هذا، فألحَقَه ابنُ حامِدٍ وأبو الخطَّابِ في «الهِدايَة» وأبو مُحمَّدٍ بالسَّكرانِ، وفَرَّقَ أحمَدُ بَيْنَهما فألحَقَه بالمَجنونِ، ووجَّهَ القاضي الفَرْقَ بأنَّ الغالِبَ مِنَ النَّاسِ أنَّهُم يَشرَبونَ لغَير المَعصيةِ، بخِلافِ المُسكِرِ، والحُكمُ يَتعلَّقُ بالغالِبِ، ولأنَّ كثيرًا مِمَّنْ يَشرَبُ المُسكِرَ يظهرُ زَوالُ العقلِ معَ إثباتِهِ، فحُكِمَ بإيقاعِ الطَّلاقِ سَدًّا للذَّريعةِ، بخِلافِ مُتعاطِي البَنجِ ونَحوِه.
وممَّا قدْ يُلحَقُ بالبَنجِ الحَشيشةُ الخَبيثَةُ، وأبو العبَّاسِ يَرَى أنَّ حُكمَها حُكمُ الشَّرابِ المُسكِرِ، حتَّى في إيجابِ الحَدِّ، ويُفرِّقُ بيْنَها وبيْنَ البَنجِ بأنَّها
стр. 10355
تُشتَهى وتُطلَبُ، فهيَ كالخَمرِ، بخِلافِ البَنجِ، فالحُكمُ عِندَه مَنوطٌ باشتِهاءِ النَّفسِ وطَلبِها، واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: قَولُه: (ومَن شَربَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ ففي صحَّةِ طلاقِه رِوايتانِ).
اعلَمْ أنَّ كَثيرًا مِنَ الأصحابِ ألحَقُوا بالسِّكرانِ مَنْ شَربَ أو أكَلَ ما يُزيلُ عَقلَهُ لغَيرِ حاجَةٍ، كالمُزيلاتِ للعَقلِ غَيرِ الخَمرِ مِنَ المُحرَّماتِ والبَنجِ ونَحوِه، فجَعَلُوا فيهِ الخِلافَ الَّذي في السَّكرانِ، مِنهُم ابنُ حامِدٍ وأبو الخطَّابِ في «الهِداية» وصاحبُ «المُذْهَبِ» و «مَسبُوك الذَّهبِ» و «المُستَوعِبِ» و «الخُلاصَة» والمُصنِّفُ هُنا، وفي «الكافي» و «المُغنِي» والشَّارح وابن مُنَجَّا في شَرْحِه وصاحِب التَّصحيحِ وغَيرهم، وقدَّمَه في «الرِّعايتَين» و «الزُّبدَة».
ومَن أطلَقَ الخِلافَ في السَّكرانِ أطلَقَه هُنا، إلَّا صاحِبَ «الخُلاصَة»، فإنَّه جَزمَ بالوُقوعِ مِنَ السَّكرانِ، وأطلَقَ الخِلافَ هُنا، وصحَّحَ في «التَّصحيح» الوُقوعَ فيهما.
واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ أنَّه كالسَّكرانِ، قالَ: لأنَّهُ قصَدَ إزالَةَ العَقلِ بسَببٍ مُحرَّمٍ.
стр. 10356
وقالَ في «الواضِح»: إنْ تَداوَى ببَنجٍ فسَكِرَ لم يَقعْ، وصحَّحَه في القاعِدةِ الثَّانيةِ بعْدَ المِائةِ، قالَ في «الفُروع»: وهوَ ظاهِرُ كلامِ جَماعةٍ.
قالَ في «الجامِع الكَبير»: إنْ زالَ عَقلُه بالبَنجِ نَظَرْت؛ فإنْ تَداوَى بهِ فهو مَعذورٌ، ويكونُ الحُكمُ فيهِ كالمَجنونِ، وإنْ تَناوَلَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ كانَ حُكمُه كالسَّكرانِ، والتَّداوِي حاجَةٌ. انتهى.
قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ أنَّه إذا تَناوَلَه لحاجَةٍ أنَّه لا يَقعُ، وصرَّحَ بهِ المُصنِّفُ في «المُغني» وغَيرِه.
واعلَمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المَذهبِ أنَّ تَناوُلَ البَنجِ ونَحوِه لغَيرِ حاجَةٍ إذا زالَ العَقلُ بهِ كالمَجنونِ لا يَقعُ طلاقُ مَنْ تَناولَه، نصَّ عَليهِ؛ لأنَّهُ لا لذَّةَ فيه.
وفَرَّقَ الإمامُ أحمَدُ ﵀ بيْنَه وبيْنَ السَّكرانِ، فألحَقَهُ بالمَجنونِ.
وقدَّمَهُ في «النَّظْم» و «الفُرُوع»، وهوَ ظاهِرُ ما قدَّمَه في «المُحرَّر» ومالَ إليه.
قالَ في «المُنَوِّر»: لا يَقعُ مِنْ زائلِ العَقلِ إلَّا بمُسكِرٍ مُحرَّمٍ، وهو الظَّاهِرُ مِنْ كَلامِ الخِرَقيِّ، فإنَّهُ قالَ: وطلاقُ الزَّائلِ العَقلِ بلا سُكرٍ لا يَقعُ، قالَ الزَّركَشيُّ: قد يَدخُلُ ذلكَ في كَلامِ الخِرَقيِّ.
وقالَ في «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغير»: وإنْ أَثِمَ بسُكرٍ ونَحوِه فرِوايتانِ، ثمَّ ذكَرَ حُكمَ البَنجِ ونَحوِه.
فائدَتانِ:
إحداهُما: قالَ الزَّركشيُّ: وممَّا يُلحَقُ بالبَنجِ الحَشيشةُ الخَبيثَةُ،
стр. 10357
وأبو العبَّاسِ يرَى أنَّ حُكمَها حُكمُ الشَّرابِ المُسكِرِ، حتَّى في إيجابِ الحَدِّ، وهوَ الصَّحيحُ، إنْ أسكَرَتْ أو كَثيرُها، وإلَّا حُرِّمَتْ، وعُزِّرَ فقط فيها في الأظهَرِ ولو طَهُرتْ.
وفرَّقُ أبو العبَّاسِ بيْنَها وبيْنَ البَنجِ بأنَّها تُشتَهى وتُطلَبُ فهي كالخَمرِ بخِلافِ البَنجِ.
فالحُكمُ عِندَه مَنوطٌ باشتِهاءِ النَّفسِ لها وطَلبِها (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: أو شَرِبَ ما يُزيلُ عَقلَه ولم يَعلمْ أنَّهُ يُزيلُ العَقلَ، أو أَكلَ بَنجًا ونَحوَه ولو لغَيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه لا لذَّةَ فيهِ، وفرَّقَ الإمامُ أحمَدُ بيْنَه وبيْنَ السَّكرانِ، فألحَقَهُ بالمَجنونِ (٢).
وأمَّا المالكيَّةُ فقالَ الخِرَشيُّ ﵀: (ص) ولو سَكِرَ حَرامًا، وهل إلَّا أنْ لَا يُميِّزَ أو مُطلقًا؟ تَردُّدٌ.
(ش) هذا مُبالَغةٌ في لُزومِ طلاقِ المُسلِمِ المُكلَّفِ؛ إذْ سُكرُهُ لا يُخرِجُه عنِ التَّكليفِ، فيَلزمُه طلاقُهُ ولو سَكِرَ سُكرًا حَرامًا كالخَمرِ والنَّبيذِ.
أو المِزِرِ أو الحَشيشةِ عِنْدَ مَنْ يَرى إسكارَها، وهذا إذا تَعمَّدَ ذلكَ المُحرَّمَ، أمَّا إذا لم يَتعمَّدْ كظنِّهِ لَبنًا أو ماءً لم يَلزمْه طلاقٌ ولا حَدُّ قَذفٍ، ومَحمَلُه مَحمَلُ المَجنونِ والمُغمَى، ويُصدَّقُ في ظَنِّهِ إنْ لم يُتَّهمْ في دِينِه.
стр. 10358
قالَ العَدَويُّ في حاشِيتِه: (قَولُه: أو المِزِرِ) بكَسرِ المِيمِ والزَّايِ، وهوَ البُوزَةُ المُسكِرةُ، (قَولُه: والحَشيشة عِنْدَ مَنْ يَرَى … إلخ) ظاهِرُه أنَّهُ عِنْدَ مَنْ لا يَرَى إسكارَها أنَّه لا يَقعُ عليهِ الطَّلاقُ ولو عَلِمَ أنَّه يُغيِّبُ عَقلَه، وليسَ كذلكَ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّها تُغيِّبُ عقْلَه واستَعملَها ثمَّ غابَ عَقلُه وطلَّقَ فإنَّه يقَعُ عليهِ الطَّلاقُ، وأرادَ بالعِلمِ ما يَشمَلُ الظَّنَ كما هو ظاهِرٌ (١).
المسألةُ الحاديَة عشَرَ: حكمُ طلاقِ الموسوِسِ:
الوَسوسَةُ: الصَّوتُ الخَفيُّ، ومِنها (وسْوَاسُ الحُليِّ) لأصواتِها، ويُقالُ: (وَسْوَسَ الرَّجلُ) بلَفظِ ما سُمِّيَ فاعِلُه: إذا تَكلَّمَ بكَلامٍ خَفيٍّ يُكرِّرُه، وهوَ فِعلٌ لازِمٌ ك: وَلْوَلَتِ المَرأةُ ووَعْوَعَ الذِّئبُ، (ورَجلٌ مُوَسْوِسٌ) بالكَسرِ -ولا يُقالُ بِالفَتحِ، ولكنْ مُوسَوَسٌ لهُ أو إليهِ- أي تُلقَى إليهِ الوَسوسَةُ، وقالَ أبو اللَّيثِ ﵀: (الوَسوَسةُ) حَديثُ النَّفْسِ، وإنَّما قيلَ (مُوسْوِسٌ)؛ لأنَّهُ يُحدِّثُ بما في ضَميرِه، (وعَن) اللَّيثِ ﵀: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ، قالَ: يَعني المَغلوب، أي المَغلُوب في عَقلِه إذا تَكلَّمَ تَكلَّمَ بغَيرِ نِظامٍ، (والوَسواسِ) اسمٌ بمَعنَى الوَسوسَةِ، كالزِّلزالِ بمَعنَى الزَّلزلَةِ، والمُرادُ بهِ الشَّيطانُ في قَولِه تعالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤]، كأنَّه وَسوسَةٌ في نَفسِه (٢).
стр. 10359
نَصَّ أكثرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُوسْوِسَ المَغلوبَ على عَقلِه لا يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّه في حُكمِ المَجنونِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: طلاقُ زائِلِ العَقلِ.
المَخرَجُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المُطلِّقُ أو الحالِفُ زائِلَ العقْلِ، إمَّا بجُنونٍ أو إغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ أو شُربِ مُسكِرٍ يُعذَرُ بهِ أو لا يُعذَرُ أو وَسوسَةٌ، وهذا المخْلصُ مُجمَعٌ عليهِ بيْنَ الأمَّةِ، إلَّا في شُربِ مُسكِرٍ لا يُعذَرُ به؛ فإنَّ المُتأخِّرينَ مِنْ الفُقهاءِ اختَلفُوا فيه (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المُوسْوِسُ لا يَقعُ طلاقُه، صرَّحَ بهِ أصحابُ أبي حَنيفةَ وغَيرُهم، وما ذاكَ إلَّا عَدمُ صحَّةِ العَقلِ والإرادةِ منهُ (٢).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ومَن غُلِبَ على عَقلِه بفِطرَةِ خِلقَةٍ أو حادِثِ علَّةٍ لم يَكنْ سَببًا لاجتِلابِها على نَفسِه بمَعصيةٍ لم يَلزمُه الطَّلاقُ ولا الصَّلاةُ ولا الحُدودُ، وذلكَ مِثلُ المَعتوهِ والمَجنونِ والمُوسوسِ والمُبرسَمِ وكُلِّ ذي مَرضٍ يَغلِبُ على عَقلِه ما كانَ مَغلُوبًا على عَقلِه، فإذا ثابَ إليهِ عَقلُه فطلَّقَ في حالِهِ تلكَ أو أتَى حَدًّا أُقيمَ عَليهِ ولَزمَتهُ الفَرائِضُ، وكذلكَ المَجنونُ يُجَنُّ ويُفيقُ، فإذا طلَّقَ في حالِ جُنونِه لم يَلزمْه، وإذا طلَّقَ في حالِ إفاقَتِه لَزِمَهُ.
стр. 10360
وإنْ شَهِدَ شاهِدانِ على رَجُلٍ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ فقالَ: «طلَّقْتُ في حالِ جُنوني أو مَرضٍ غالِبٍ على عَقلِي»؛ فإنْ قامَتْ لهُ بيِّنةٌ على مَرضٍ غلَبَ على عَقلِه في الوَقتِ الَّذي طلَّقَ فيهِ سَقطَ طلاقُه، وأُحلِفَ ما طلَّقَ وهوَ يَعقِلُ، وإنْ قالَتِ امرَأتُه: «قدْ كانَ في يَومِ كذا في أوَّلِ النَّهارِ مَغلوبًا على عَقلِه» وشَهدَ الشَّاهِدانِ على الطَّلاقِ فأثْبَتَا أنَّه كانَ يَعقِلُ حينَ طلَّقَ لَزمَهُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه قَدْ يغلبُ على عَقلِه في اليَومِ ويُفيقُ، وفي السَّاعَةِ ويُفيقُ، وإنْ لَم يُثبِتَ شاهِدَا الطَّلاقِ أنَّه كانَ يَعقِلُ حينَ طلَّقَ، أو شَهدَ الشَّاهِدانِ على الطَّلاقِ وعرَفَ أنَّه قدْ كانَ في ذلكَ اليَومِ مَغلُوبًا على عَقلِه أُحلِفَ ما طلَّقَ وهو يَعقِلُ، والقَولُ قَولُه، وإنْ شَهدَا عليهِ بالطَّلاقِ ولَم يُثبِتَا أَيعقِلُ أم لا وقالَ هو: «كُنْتُ مَغلوبًا على عَقلِي» فهو على أنَّه يَعقِلُ حتَّى يُعلمَ ببَينةٍ تَقومُ أنَّه قدْ كانَ في مِثلِ ذلكَ الوَقتِ يُصيبُه ما يُذهِبُ عَقلَه، أو يَكثُرُ أن يَعتَريه ما يُذهِبُ عَقلَه في اليومِ والأيَّامِ فيُقبَلُ قَولُه؛ لأنَّ لهُ سَببًا يدُلُّ على صِدقِه (١).
ورَوى البُخاريُّ مُعلَّقًا في «صَحيحِه» عَنْ عُقبةِ ابنِ عامرٍ: «لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوسوِسِ» (٢).
قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: أي لا يَقعُ؛ لأنَّ الوَسوسَةَ حَديثُ النَّفسِ، ولا مُؤاخَذةَ بما يقَعُ في النَّفسِ (٣).
стр. 10361
وكذا قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينُ العينيُّ ﵀: وإنَّما قالَ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ؛ لأنَّ الوَسوسةَ حَديثُ النَّفسِ، ولا مُؤاخَذةَ بما يقَعُ في النَّفسِ (١).
ورَوى الإمامُ البُخاريُّ قالَ: [٤٩٦٨]: حدَّثنَا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثنا هِشامٌ حَدَّثنا قَتادَةُ عَنْ زُرارَةَ بنِ أَوفَى عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أمَّتِي ما حدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لَم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ». قالَ قَتادَةُ: إذا طلَّقَ في نَفسِه فليسَ بشيءٍ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: هذا الحَديثُ حُجَّةٌ في أنَّ المُوسوِسَ لا يقَعُ طَلاقُه، والمَعتوهُ والمَجنونُ أَولَى منهُ بذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا المُوسوِسُ فضَبَطَه في «الظَّهيريَّةِ» في فَصلِ التَّعزيرِ بكَسرِ الوَاوِ، وفي «المُغْرِب»: رَجلٌ مُوسوِسٌ بِالكَسرِ، ولا يُقالُ بالفَتحِ، ولَكنْ مُوسوَسٌ لهُ أو إليهِ، أي مُلقى إليهِ الوَسوسَةُ.
وقالَ اللَّيثُ: الوَسوسَةُ حَديثُ النَّفسِ، وإنَّما قيلَ مُوسوِسٌ؛ لأنَّه يُحدِّثُ بما في ضَميرِه.
وعَن أبي اللَّيثِ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ، يَعني المَغلوب في عَقلِه، وعَن الحاكِمِ: هوَ المُصابُ في عَقلِه، إذا تَكلَّمَ تَكلَّمَ بغَيرِ نِظامٍ. اه (٣).
стр. 10362
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرى»: وإنَّ عُقبةَ بنَ عامِرٍ الجُهَنيَّ كانَ يَقولُ: «لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوسوسِ» (١).
وقالَ أبو الوَليدُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: وقالَ في رَجُلٍ تُوسوِسُه نَفسُه فيَقولُ: «قدْ طَلَّقتُ امرأتِي» أو يَتكلَّمُ بالطَّلاقِ وهوَ لا يُريدُه أو يُشككه، فقالَ: يُضرِبُ عَنْ ذلكَ ويَقولُ للخَبيثِ -أي الشَّيطَانِ- صَدقْت، ولا شيءَ عَليهِ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا مِثلُ ما في «المُدوَّنة» أنَّ المُوسوِسَ لا يَلزَمُه طلاقٌ، وهوَ ممَّا لا اختِلافَ فيهِ؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما هو مِنَ الشَّيطانِ، فيَنبغي أنْ يُلهَى عَنه ولا يُلتفَتَ إليهِ، كالمُستَنكحِ في الوُضوءِ والصَّلاةِ، فإنَّه إذا فعَلَ ذلكَ أَيْأَسَ الشَّيطانُ منهُ، فكانَ ذلكَ سَببًا لانقِطاعِه عنهُ إنْ شاءَ اللهُ (٢).
قالَ الإمامُ الموَّاقُ ﵀: وقالَ عِزُّ الدِّينِ: الوَسوسَةُ ليسَتْ مِنْ نَفْسِ الإنسانِ، وإنَّما هي صادِرةٌ مِنْ فِعلِ الشَّيطانِ، ولا إثمَ على الإنسانِ فيها؛ لأنَّها ليسَتْ مِنْ كَسْبِه وصُنعِه، ويَتوَّهمُ الإنسانُ أنَّها مِنْ نَفسِه لما كانَ الشَّيطانُ يُحدِّثُ بها القَلبَ ولا يُلقِيها إلى السَّمعِ، فيُوهَمُ الإنسانُ أنَّها صادِرةٌ منهُ، فيَتحرَّجُ لذلكَ ويَكرهُه.
وفي «لَطائِف المِنَنِ»: كانَ الشَّيخُ أبو العبَّاسِ يُلقِّنُ مَنْ بهِ وَسواسٌ:
стр. 10363
سُبحانَ المَلِكِ الخَلَّاقِ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ (١).
المسألةُ الثانيَة عشَرَ: حكمُ طلاقِ المدهُوشِ:
المَدهُوشُ: هو مَنْ غَلَبَ الخَللُ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجَةِ عن عادَتِه بسَببِ غَضبٍ اعتَراهُ.
وقدْ نصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ على عَدَمِ وُقوعِ طلاقِ المَدهُوشِ (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها أنْ لا يَكونَ مَعتُوهًا ولا مَدهوشًا ولا مُبرسَمًا ولا مُغمًى عَليهِ ولا نائِمًا، فلا يَقعُ طلاقُ هؤلاءِ؛ لِمَا قُلنَا في المَجنونِ (٣).
وقالَ أيضًا: ومِنها أنْ لا يَكونَ مَعتوهًا ولا مَدهوشًا ولا مُبرسَمًا ولا مُغمًى عليهِ ولا نائِمًا، فلا يَصحُّ ظِهارُ هَؤلاءِ كما لا يَصحُّ طَلاقُهم، وظِهارُ السَّكرانِ كطَلاقِهِ، وهو على التَّفصيلِ الَّذي ذكَرْناه في كتابِ الطَّلاقِ (٤).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلَبٌ في طَلاقِ المَدهوشِ.
стр. 10364
وقالَ في «الخَيريَّة»: غَلِطَ مَنْ فسَّرَه هُنا بالتَّحيُّرِ؛ إذْ لا يَلزمُ مِنَ التَّحيُّرِ -وهو التَّردُّدُ في الأمرِ- ذَهابُ العَقلِ.
وسُئِلَ نَظمًا فيمَن طلَّقَ زَوجتَه ثلاثًا في مَجلِسِ القاضِي وهوَ مُغتاظٌ مَدهُوشٌ، فأجابَ نَظمًا أيضًا: بأنَّ الدَّهشَ مِنْ أقسامِ الجُنونِ، فلا يَقعُ، وإذا كانَ يَعتادُهُ بأنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ مرَّةً يُصدَّقُ بلا بُرهانٍ. اه.
قُلتُ: وللحافِظِ ابنِ القَيِّمِ الحَنبليِّ رِسالةٌ في طلاقِ الغَضبانِ، قالَ فيها إنَّه على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ لهُ مَبادِئُ الغَضبِ بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عَقلُه ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، وهذا لا إشكالَ فيهِ.
الثَّاني: أنْ يَبلُغَ النِّهايةَ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، فهذا لا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِه.
الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ بيْنَ المَرتبتَينِ، بحَيثُ لَم يَصِرْ كالمَجنونِ، فهذا مَحلُّ النَّظرُ، والأدلَّةُ تدُلُّ على عَدمِ نُفوذِ أقوالِهِ. اه مُلخَّصًا مِنْ «شَرح الغايةِ الحَنبليَّة».
لكنْ أشارَ في «الغايَة» إلى مُخالَفتِه في الثَّالِثِ، حَيثُ قالَ: ويَقعُ طلاقُ مَنْ غَضِبَ خِلافًا لابنِ القيِّمِ. اه.
وهذا المُوافِقُ عِندَنا لِمَا مرَّ في المَدهوشِ، لَكنْ يَرِدُ عليهِ أنَّا لم نَعتبِرْ أقوالَ المَعتوهِ معَ أنَّه لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَصِلَ إلى حالةٍ لا يَعلمُ فيها ما يَقولُ ولا يُريدُه.
стр. 10365
وقَد يُجابُ بأنَّ المَعتوهَ لمَّا كانَ مُستمِرًّا على حالةٍ واحدةٍ يُمكنُ ضَبطُها اعتُبِرَتْ فيه، واكتُفِيَ فيهِ بمُجرَّدِ نَقصِ العَقلِ، بخِلافِ الغَضبِ؛ فإنَّهُ عارِضٌ في بعضِ الأحوالِ، لكنْ يَرِدُ عَليهِ الدَّهشُ فإنَّه كذلكَ.
والَّذي يَظهرُ لي أنَّ كُلًّا مِنَ المَدهوشِ والغَضبانِ لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَكونَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ، بل يُكتَفَى فيهِ بغَلبةِ الهذَيانِ واختِلاطِ الجَدِّ بالهَزلِ، كمَا هوَ المُفتَى بهِ في السَّكرانِ على ما مرَّ، ولا يُنافيهِ تَعريفُ الدَّهشِ بذَهابِ العَقلِ؛ فإنَّ الجُنونَ فُنونٌ، ولِذا فسَّرَه في «البَحر» باختِلالِ العَقلِ، وأدخَلَ فيهِ العَتَهَ والبِرسامَ والإغماءَ والدَّهشَ، ويُؤيِّدُه ما قُلنَا قَولُ بَعضِهم: العاقِلُ مَنْ يَستقيمُ كَلامُه وأفعالُهُ إلَّا نادِرًا، والمَجنونُ ضِدُّهُ.
وأيضًا: فإنَّ بعضَ المَجانينِ يَعرفُ ما يَقولُ ويُريدُه ويَذكُرُ ما يَشهَدُ الجاهِلُ بهِ بأنَّه عاقِلٌ، ثمَّ يَظهَرُ منهُ في مَجلِسِه ما يُنافِيه، فإذا كانَ المَجنونُ حَقيقةً قدْ يَعرفُ ما يَقولُ ويَقصِدُه فغَيرُه بالأَولَى، فالَّذي يَنبغِي التَّعويلُ عليهِ في المَدهوشِ ونَحوِه إناطَةُ الحُكمِ بغَلبةِ الخَلَلِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجةِ عَنْ عَادتِه، وكذا يُقالُ فيمَن اختَّلَ عَقلُه لكِبَرٍ أو لمَرضٍ أو لمُصيبةٍ فاجأَتْه، فما دامَ في حالِ غَلبةِ الخلَلِ في الأقوالِ والأفعالِ لا تُعتبَرُ أقوالُهُ وإنْ كانَ يَعلَمُها ويُريدُها؛ لأنَّ هذهِ المَعرِفةَ والإرادةَ غَيرُ مُعتبَرةٍ؛ لعَدمِ حُصولِها عَنْ إدراكٍ صحيحٍ، كما لا تُعتبَرُ مِنَ الصَّبيِّ العاقِلِ.
نَعمْ يُشكِلُ عليهِ ما سَيأتِي في التَّعليقِ عَنْ «البَحر»، وصرَّحَ بهِ في «الفَتح»