وكذا قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينُ العينيُّ ﵀: وإنَّما قالَ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ؛ لأنَّ الوَسوسةَ حَديثُ النَّفسِ، ولا مُؤاخَذةَ بما يقَعُ في النَّفسِ (١).
ورَوى الإمامُ البُخاريُّ قالَ: [٤٩٦٨]: حدَّثنَا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثنا هِشامٌ حَدَّثنا قَتادَةُ عَنْ زُرارَةَ بنِ أَوفَى عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أمَّتِي ما حدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لَم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ». قالَ قَتادَةُ: إذا طلَّقَ في نَفسِه فليسَ بشيءٍ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: هذا الحَديثُ حُجَّةٌ في أنَّ المُوسوِسَ لا يقَعُ طَلاقُه، والمَعتوهُ والمَجنونُ أَولَى منهُ بذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا المُوسوِسُ فضَبَطَه في «الظَّهيريَّةِ» في فَصلِ التَّعزيرِ بكَسرِ الوَاوِ، وفي «المُغْرِب»: رَجلٌ مُوسوِسٌ بِالكَسرِ، ولا يُقالُ بالفَتحِ، ولَكنْ مُوسوَسٌ لهُ أو إليهِ، أي مُلقى إليهِ الوَسوسَةُ.
وقالَ اللَّيثُ: الوَسوسَةُ حَديثُ النَّفسِ، وإنَّما قيلَ مُوسوِسٌ؛ لأنَّه يُحدِّثُ بما في ضَميرِه.
وعَن أبي اللَّيثِ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ، يَعني المَغلوب في عَقلِه، وعَن الحاكِمِ: هوَ المُصابُ في عَقلِه، إذا تَكلَّمَ تَكلَّمَ بغَيرِ نِظامٍ. اه (٣).
стр. 10362
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرى»: وإنَّ عُقبةَ بنَ عامِرٍ الجُهَنيَّ كانَ يَقولُ: «لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوسوسِ» (١).
وقالَ أبو الوَليدُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: وقالَ في رَجُلٍ تُوسوِسُه نَفسُه فيَقولُ: «قدْ طَلَّقتُ امرأتِي» أو يَتكلَّمُ بالطَّلاقِ وهوَ لا يُريدُه أو يُشككه، فقالَ: يُضرِبُ عَنْ ذلكَ ويَقولُ للخَبيثِ -أي الشَّيطَانِ- صَدقْت، ولا شيءَ عَليهِ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا مِثلُ ما في «المُدوَّنة» أنَّ المُوسوِسَ لا يَلزَمُه طلاقٌ، وهوَ ممَّا لا اختِلافَ فيهِ؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما هو مِنَ الشَّيطانِ، فيَنبغي أنْ يُلهَى عَنه ولا يُلتفَتَ إليهِ، كالمُستَنكحِ في الوُضوءِ والصَّلاةِ، فإنَّه إذا فعَلَ ذلكَ أَيْأَسَ الشَّيطانُ منهُ، فكانَ ذلكَ سَببًا لانقِطاعِه عنهُ إنْ شاءَ اللهُ (٢).
قالَ الإمامُ الموَّاقُ ﵀: وقالَ عِزُّ الدِّينِ: الوَسوسَةُ ليسَتْ مِنْ نَفْسِ الإنسانِ، وإنَّما هي صادِرةٌ مِنْ فِعلِ الشَّيطانِ، ولا إثمَ على الإنسانِ فيها؛ لأنَّها ليسَتْ مِنْ كَسْبِه وصُنعِه، ويَتوَّهمُ الإنسانُ أنَّها مِنْ نَفسِه لما كانَ الشَّيطانُ يُحدِّثُ بها القَلبَ ولا يُلقِيها إلى السَّمعِ، فيُوهَمُ الإنسانُ أنَّها صادِرةٌ منهُ، فيَتحرَّجُ لذلكَ ويَكرهُه.
وفي «لَطائِف المِنَنِ»: كانَ الشَّيخُ أبو العبَّاسِ يُلقِّنُ مَنْ بهِ وَسواسٌ:
стр. 10363
سُبحانَ المَلِكِ الخَلَّاقِ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ (١).
المسألةُ الثانيَة عشَرَ: حكمُ طلاقِ المدهُوشِ:
المَدهُوشُ: هو مَنْ غَلَبَ الخَللُ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجَةِ عن عادَتِه بسَببِ غَضبٍ اعتَراهُ.
وقدْ نصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ على عَدَمِ وُقوعِ طلاقِ المَدهُوشِ (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها أنْ لا يَكونَ مَعتُوهًا ولا مَدهوشًا ولا مُبرسَمًا ولا مُغمًى عَليهِ ولا نائِمًا، فلا يَقعُ طلاقُ هؤلاءِ؛ لِمَا قُلنَا في المَجنونِ (٣).
وقالَ أيضًا: ومِنها أنْ لا يَكونَ مَعتوهًا ولا مَدهوشًا ولا مُبرسَمًا ولا مُغمًى عليهِ ولا نائِمًا، فلا يَصحُّ ظِهارُ هَؤلاءِ كما لا يَصحُّ طَلاقُهم، وظِهارُ السَّكرانِ كطَلاقِهِ، وهو على التَّفصيلِ الَّذي ذكَرْناه في كتابِ الطَّلاقِ (٤).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلَبٌ في طَلاقِ المَدهوشِ.
стр. 10364
وقالَ في «الخَيريَّة»: غَلِطَ مَنْ فسَّرَه هُنا بالتَّحيُّرِ؛ إذْ لا يَلزمُ مِنَ التَّحيُّرِ -وهو التَّردُّدُ في الأمرِ- ذَهابُ العَقلِ.
وسُئِلَ نَظمًا فيمَن طلَّقَ زَوجتَه ثلاثًا في مَجلِسِ القاضِي وهوَ مُغتاظٌ مَدهُوشٌ، فأجابَ نَظمًا أيضًا: بأنَّ الدَّهشَ مِنْ أقسامِ الجُنونِ، فلا يَقعُ، وإذا كانَ يَعتادُهُ بأنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ مرَّةً يُصدَّقُ بلا بُرهانٍ. اه.
قُلتُ: وللحافِظِ ابنِ القَيِّمِ الحَنبليِّ رِسالةٌ في طلاقِ الغَضبانِ، قالَ فيها إنَّه على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ لهُ مَبادِئُ الغَضبِ بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عَقلُه ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، وهذا لا إشكالَ فيهِ.
الثَّاني: أنْ يَبلُغَ النِّهايةَ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، فهذا لا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِه.
الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ بيْنَ المَرتبتَينِ، بحَيثُ لَم يَصِرْ كالمَجنونِ، فهذا مَحلُّ النَّظرُ، والأدلَّةُ تدُلُّ على عَدمِ نُفوذِ أقوالِهِ. اه مُلخَّصًا مِنْ «شَرح الغايةِ الحَنبليَّة».
لكنْ أشارَ في «الغايَة» إلى مُخالَفتِه في الثَّالِثِ، حَيثُ قالَ: ويَقعُ طلاقُ مَنْ غَضِبَ خِلافًا لابنِ القيِّمِ. اه.
وهذا المُوافِقُ عِندَنا لِمَا مرَّ في المَدهوشِ، لَكنْ يَرِدُ عليهِ أنَّا لم نَعتبِرْ أقوالَ المَعتوهِ معَ أنَّه لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَصِلَ إلى حالةٍ لا يَعلمُ فيها ما يَقولُ ولا يُريدُه.
стр. 10365
وقَد يُجابُ بأنَّ المَعتوهَ لمَّا كانَ مُستمِرًّا على حالةٍ واحدةٍ يُمكنُ ضَبطُها اعتُبِرَتْ فيه، واكتُفِيَ فيهِ بمُجرَّدِ نَقصِ العَقلِ، بخِلافِ الغَضبِ؛ فإنَّهُ عارِضٌ في بعضِ الأحوالِ، لكنْ يَرِدُ عَليهِ الدَّهشُ فإنَّه كذلكَ.
والَّذي يَظهرُ لي أنَّ كُلًّا مِنَ المَدهوشِ والغَضبانِ لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَكونَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ، بل يُكتَفَى فيهِ بغَلبةِ الهذَيانِ واختِلاطِ الجَدِّ بالهَزلِ، كمَا هوَ المُفتَى بهِ في السَّكرانِ على ما مرَّ، ولا يُنافيهِ تَعريفُ الدَّهشِ بذَهابِ العَقلِ؛ فإنَّ الجُنونَ فُنونٌ، ولِذا فسَّرَه في «البَحر» باختِلالِ العَقلِ، وأدخَلَ فيهِ العَتَهَ والبِرسامَ والإغماءَ والدَّهشَ، ويُؤيِّدُه ما قُلنَا قَولُ بَعضِهم: العاقِلُ مَنْ يَستقيمُ كَلامُه وأفعالُهُ إلَّا نادِرًا، والمَجنونُ ضِدُّهُ.
وأيضًا: فإنَّ بعضَ المَجانينِ يَعرفُ ما يَقولُ ويُريدُه ويَذكُرُ ما يَشهَدُ الجاهِلُ بهِ بأنَّه عاقِلٌ، ثمَّ يَظهَرُ منهُ في مَجلِسِه ما يُنافِيه، فإذا كانَ المَجنونُ حَقيقةً قدْ يَعرفُ ما يَقولُ ويَقصِدُه فغَيرُه بالأَولَى، فالَّذي يَنبغِي التَّعويلُ عليهِ في المَدهوشِ ونَحوِه إناطَةُ الحُكمِ بغَلبةِ الخَلَلِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجةِ عَنْ عَادتِه، وكذا يُقالُ فيمَن اختَّلَ عَقلُه لكِبَرٍ أو لمَرضٍ أو لمُصيبةٍ فاجأَتْه، فما دامَ في حالِ غَلبةِ الخلَلِ في الأقوالِ والأفعالِ لا تُعتبَرُ أقوالُهُ وإنْ كانَ يَعلَمُها ويُريدُها؛ لأنَّ هذهِ المَعرِفةَ والإرادةَ غَيرُ مُعتبَرةٍ؛ لعَدمِ حُصولِها عَنْ إدراكٍ صحيحٍ، كما لا تُعتبَرُ مِنَ الصَّبيِّ العاقِلِ.
نَعمْ يُشكِلُ عليهِ ما سَيأتِي في التَّعليقِ عَنْ «البَحر»، وصرَّحَ بهِ في «الفَتح»
стр. 10366
و «الخانيَّة» وغَيرِهِما، وهو: لَو طلَّقَ فشَهِدَ عِندَه اثنانِ أنَّكَ استَثنَيتَ وهو غَيرُ ذاكِرٍ: إنْ كانَ بحَيثُ إذا غَضِبَ لا يَدري ما يَقولُ وَسِعَهُ الأخذُ بشَهادَتِهما، وإلَّا لا. اه.
فإنَّ مُقتَضاهُ أنَّهُ إذا كانَ لا يَدري ما يَقولُ يَقعُ طَلاقُه، وإلَّا فلا حاجَةَ إلى الأخذِ بقَولِهِما إنَّكَ استَثنَيتَ، وهذا مُشكِلٌ جِدًّا، إلَّا أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ بكَونِه لا يَدرِي ما يَقولُ أنَّهُ لقَوَّةِ غَضبِه قدْ يَنْسَى ما يَقولُ ولا يَتذكَّرُه بعْدُ، وليسَ المُرادُ أنَّهُ صارَ يَجرِي على لِسانِه ما لا يَفهمُه أو لا يَقصدُه، إذْ لا شَكَّ أنَّهُ حِينَئذٍ يَكونُ في أعلَى مَراتِبِ الجُنونِ، ويُؤيدُه هذا الحَمْلُ أنَّه في هذا الفَرعِ عالِمٌ بأنَّه طلَّقَ وهوَ قاصِدٌ له، لكنَّه لم يَتذكَّرِ الاستِثناءَ لشِدَّةِ غَضبِه، هذا ما ظهَرَ لي في تَحريرِ هذا المَقامِ، واللهُ أعلَم بحَقيقةِ المَرامِ.
ثُمَّ رَأيتُ ما يُؤيِّدُ ذلكَ الجَوابَ، وهو أنَّه قالَ في «الوَلوالِجيَّة»: إنْ كانَ بحالٍ لو غَضِبَ يَجري على لسانِه ما لا يَحفظُهُ بعْدَه جازَ لهُ الاعتِمادُ على قَولِ الشاهدَينِ، فقَولُه (لا يَحفَظُه بعْدَه) صَريحٌ فيما قُلنا، واللهُ أعلمُ (١).
وسُئِلَ ابنُ عابدِينَ ﵀ في «تَنقيح الفتَاوى الحامِديَّةِ» في رَجلٍ حَصلَ لهُ دَهشٌ زالَ بهِ عَقلُه وصارَ لَا شُعورَ لهُ لأمرٍ عَرَضَ لهُ مِنْ ذَهابِ مالِهِ وقَتْلِ ابنِ خالِه، فقالَ في هَذهِ الحالَةِ: «يا ربِّ أنتَ تَشهَدُ علَى أنِّي
стр. 10367
طلَّقْتُ فُلانةَ بنتَ فلانٍ -يَعني زَوجتَه المَخصوصةَ- بالثَّلاثِ على أربعِ مَذاهبِ المُسلِمينَ، كلَّمَا حلَّتْ تَحرُمُ»؛ فهل لا يَقعُ طلاقُه؟
(الجَوابُ): الدَّهشُ هوَ ذَهابُ العَقلِ مِنْ ذَهْلٍ أو وَلَهٍ، وقدْ صرَّحَ في «التَّنوِير» و «التَّتارخانيَّة» وغَيرِهِما بعَدمِ وُقوعِ طلاقِ المَدهوشِ، فعلى هذا حَيثُ حصَلَ للرَّجلِ دَهشٌ زالَ بهِ عَقلُه وصارَ لا شُعورَ لهُ لا يَقعُ طلاقُه، والقَولُ قَولُه بيَمينِهِ إنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ، وإنْ لَم يُعرَفْ منهُ لا يُقبَلُ قَولُه قَضاءً إلَّا ببيِّنةٍ، كما صرَّحَ بذلكَ عُلماءُ الحَنفيَّةِ رَحِمَهُم اللهُ تعالَى (١).
المسألة الثالثة عشر: طلاق المكرَه:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيمَن أُكرِهَ على طَلاقِ زَوجتِه فطلَّقَها، هَلْ يَقعُ طَلاقُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ أُكرِهَ على طلاقِ زَوجتِه فإنَّ طلاقَهُ يَقعُ، ولا عِبرةَ بالإكراهِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يُفرِّقْ بيْنَ طلاقِ المُكرَهِ والطَّائعِ، وقَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأثبَتَ الرَّجعَةَ عَقِيبَ التَّطليقتَينِ ولَم يُفصِّلْ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ»، فدَخلَ طلاقُ المُكرَهِ في عُمومِ الجَوازِ.
ولأنَّ الفائِتَ بالإكراهِ ليسَ إلَّا الرِّضَا طَبعًا، وأنَّه ليسَ بشَرطٍ لوُقوعِ
خاصَّةً؛ لأنَّ القَومَ كانوا حَدِيثِي عَهدٍ بكُفرٍ في دارٍ كانَتْ دارَ كُفرٍ، فكانَ المُشرِكونَ إذا قَدَرُوا عَليهِم استَكرَهوهُم على الإقرارِ بالكُفرِ، فيُقرُّونَ بذلكَ بألسنَتِهم، قد فَعلُوا ذلكَ بعمَّارِ بنِ ياسِرٍ ﵁ وبغَيرِهِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنهُم، فنَزلَتْ فيهم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وربُّما سَهَوْا فتكلَّمُوا بما جَرَتْ عليهِ عادَتُهم قبْلَ الإسلامِ، ورُبَّما أخطَؤُوا فتكلَّمُوا بذلكَ أيضًا، فتَجاوزَ اللهُ لهُمْ عَنْ ذلكَ؛ لأنَّهُم غَيرُ مُختارِينَ لذلكَ ولا قاصِدينَ إليه.
وهذا أَولَى ما فُعِلَ في الآثارِ إذا وُقِفَ على معاني بَعضِها، أنْ يُحمَلَ ما بَقِيَ مِنها على ما لا يُخالِفُ ذلكَ المَعنَى متَى ما قُدِرَ على ذلكَ، حتَّى لا تَضادَّ، فثبَتَ بما ذكَرْنا أنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ في الشَّركِ، وحَديثَ حُذيفةَ ﵁ في الطَّلاقِ والأيمانِ وما أشبَهَ ذلكَ.
ولِمَا رَواهُ صَفوانُ بنُ عِمرانَ الطَّائيِّ، أنَّ رَجُلًا كانَ نائِمًا معَ امرأتِه، فقامَتْ فأخَذَتْ سكِّينًا فجَلسَتْ على صَدرِه، ووَضعَتِ السِّكِّينَ على حَلقِه وقالَتْ: لَتُطلِّقنِّي ثلاثًا البتَّةَ وإلَّا ذَبحتُكَ، فناشدَها اللَّهَ، فأبَتْ عليهِ، فطَلَّقَها ثلاثًا، فذُكِرَ ذلكَ لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «لا قَيلولةَ في الطَّلاقِ» (١). أي لا رُجوعَ فيهِ، فدَلَّ على وُقوعِه مع الإكراهِ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ
стр. 10370
والطَّلاقُ والرَّجعةُ»، فسَوَّى النَّبيُّ ﷺ فيهنَّ بيْنَ الجادِّ والهازِلِ، ولأنَّ الفَرقَ بيْنَ الجِدِّ والهَزلِ أنَّ الجادَّ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ وإلى إيقاعِ حُكمِه، والهازِلَ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ غَيرُ مُريدٍ لإيقاعِ حُكمِه، عَلمْنا أنَّه لا حظَّ للإرادةِ في نَفيِ الطَّلاقِ، وأنَّهُما جَميعًا مِنْ حَيثُ كانا قاصِدَينِ للقَولِ أنْ يَثبُتَ حُكمُه عليهِما، وكذلكَ المُكرَهُ قاصِدٌ للقَولِ غَيرُ مُريدٍ لإيقاعِ حُكمِه، فهو كالهازِلِ سواءٌ.
فإنْ قيلَ: الهازِلُ قصَدَ اللَّفظَ ولم يَقصدِ الوَقْعَ، والمُكرَهُ لَم يَقصدِ اللَّفظَ فهوَ كالنَّائِمِ.
قُلنا: المُكرَهُ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ ليَدفَعَ عن نَفْسِه أعظَمَ الضَّررَينِ بأيسَرِهما، ألَا تَرَى أنَّه لو قيلَ له: «لِمَ طلَّقْتَ؟ لَقالَ: اختَرتُ الطَّلاقَ على ذَهابِ نَفسِي»، ولأنَّه مَعنًى يَنفي الرِّضا بزَوالِ المِلكِ، فلم يَمتنِعْ وُقوعُ الطَّلاقِ معَ صحَّةِ القولِ، كشَرطِ الخيارِ.
ولأنَّه مَعنًى مِنْ جهَةِ الأجنبيِّ يُزيلُ الاختيارَ، فلَم يَمنَعْ وُقوعَ الطَّلاقِ كالغَضبِ، ولأنَّه لو عيَّنَ الَّتي أُكرِهَ على طَلاقِها طَلُقَتْ، وكلُّ مَنْ وَقعَ طلاقُه على إحدَى نِسائِه وقَعَ على سائِرِ نِسائِه كغَيرِ المُكرَهِ، ولأنَّه أرسَلَ الطَّلاقَ على زَوجتِهِ وهو أهلُ الطَّلاقِ، فوجَبَ أنْ يَقعَ منهُ كالهازِلِ.
ولأنَّ المُكرَهُ مُكلَّفٌ، بدَلالةِ أنَّه لا يَجوزُ عَليهِ أنْ يَقتُلَ ويَزني وإنْ أُكرِهَ على ذلكَ، ومُباحٌ لهُ أنْ يُظهِرَ كَلمةَ الكُفرِ، وواجِبٌ عليهِ أنْ يَشربَ
стр. 10371
الخَمرَ ويَأكلَ المَيتَةَ، فلمَّا خُوطِبَ بالحَظرِ والإباحةِ والإيجابِ دلَّ على أنَّهُ مُكلَّفٌ.
ولأنَّنا وَجدْنا الخَطأَ هوَ ما أرادَ الرَّجلُ غَيرَه ففَعَلَه لا عَنْ قَصدٍ مِنهُ إليه، ولا إرادةٍ منهُ إيَّاهُ، وكانَ السَّهوُ ما قصَدَ إليهِ ففَعَلَه على القَصدِ منهُ إليهِ على أنَّهُ ساهٍ عَنِ المَعنَى الَّذي يَمنَعُه مِنْ ذلكَ الفِعلِ، وكانَ الرَّجلُ إذا نَسِيَ أنْ تكونَ هذهِ المَرأةُ لهُ زَوجةً فقصَدَ إليها فطَلَّقَها فكَلٌّ قدْ أجمَعَ أنَّ طلاقَهُ عامِلٌ، ولَم يُبطِلُوا ذلكَ لسَهوِه، ولم يَدخُلْ ذلكَ السَّهوُ في السَّهوِ المَعفوِّ عنهُ، فإذا كانَ السَّهوُ المَعفوُّ عنهُ ليسَ فيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ الطَّلاقِ والأيمانِ والعِتاقِ، كانَ كذلكَ الاستِكراهُ المَعفوُّ عنه ليسَ فيهِ أيضًا مِنْ ذلكَ شَيءٌ.
وأمَّا حُكمُ ذلكَ مِنْ طَريقِ النَّظرِ: فإنَّ فِعلَ الرَّجلِ مُكرَهًا لا يَخلُو مِنْ أحَدِ وجهَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ المُكرَهُ على ذلكَ الفِعلِ إذا فعَلَه مُكرَهًا في حُكمِ مَنْ لَم يَفعَلْه، فلا يَجبُ عَليهِ شَيءٌ.
أو يكونَ في حُكمِ مَنْ فعَلَه، فيَجبُ عليهِ ما يَجبُ عليهِ لو فعَلَهُ غَيرَ مُستكرَهٍ.
فنظَرْنا في ذلكَ فرَأيْناهُم لا يَختلِفونَ في المرأةِ إذا أكرَهَها زَوجُها وهي صائِمةٌ في شهرِ رَمضانَ أو حاجَّةٌ فجامَعَها أنْ حَجَّها يَبطُلُ وكذلكَ صَومُها، ولم يُراعوا في ذلكَ الاستِكراهَ فيُفرِّقُوا بيْنَه وبيْنَ الطَّواعيَةِ، ولا جُعِلتِ
стр. 10372
المَرأةُ فيهِ في حُكمِ مَنْ لم يَفعلَ شيئًا، بل قدْ جُعِلتْ في حُكمِ مَنْ قد فعَلَ فعلًا يَجبُ عليهِ الحُكمُ، ورُفعَ عنها الإثمُ في ذلكَ خاصَّةً، وكذلكَ لو أنَّ رَجلًا أكرَهَ رَجلًا على جِماعِ امرأةٍ اضطُرَّتْ إلى ذلكَ كانَ المَهرُ في النَّظرِ على المُجامِعِ لا على المُكرِهِ، ولا يَرجعُ بهِ المُجامِعُ على المُكرِهِ؛ لأنَّ المُكرِهَ لم يُجامِع فيَجبَ عليهِ بجِماعِه مَهرٌ، وما يَجبُ في ذلكَ الجِماعِ فهو على المُجامِعِ لا على غيرِهِ، فلمَّا ثبَتَ في هذهِ الأشياءِ أنَّ المُكرَهَ عليها مَحكومٌ عليهِ بحُكمِ الفاعِلِ، كذلكَ في الطَّواعيَةِ، فيُوجِبونَ عليهِ فيها مِنَ الأموالِ ما يَجبُ على الفاعِلِ لها في الطَّواعيَةِ، ثبَتَ أنَّه كذلكَ المُطلِّقُ والمُعتِقُ والمُراجِعُ في الاستِكراهِ، يُحكَمُ عليهِ بحُكمِ الفاعِلِ، فيُلزَمُ أفعالَهُ كلَّها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا أَجزَتْ بَيعَه وإجارَتَه؟
قيلَ لهُ: إنَّا قَدْ رَأيْنا البُيوعَ والإجاراتِ قدْ تُرَدُّ بالعُيوبِ وبخِيارِ الرُّؤيةِ وبخيارِ الشَّرطِ، وليسَ النِّكاحُ كذلكَ ولا الطَّلاقُ ولا المُراجَعةُ ولا العِتقُ، فما كانَ قدْ يُنقَضُ بالخيارِ للشُّروطِ فيهِ وبالأسبابِ الَّتي في أصلِهِ مِنْ عَدمِ الرُّؤيةِ والرَّدِّ بالعيوبُ؛ نُقِضَ بالإكراهِ، وما لا يَجبُ نَقْضُه بشيءٍ بعْدَ ثُبوتِه لم يُنقَضْ بإكراهٍ ولا بغَيرِه، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏، وقَد رَأيْنا مِثلَ هذا قد جاءَتْ به السُّنَّةُ، وهوَ قولُ النَّبيِّ ﷺ : «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ»،
стр. 10373
فلمَّا قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ»، فمنَعَ النِّكاحَ مِنَ البُطلانِ بعْدَ وُقوعِه، وكذلكَ الطَّلاقُ والمُراجَعةُ، ولم نَرَ البُيوعَ على ذلكَ المَعنَى، بل حُمِلَتْ ضِدَّهُ، فجُعِلَ مَنْ باعَ لاعبًا كانَ بَيعُهُ باطلًا، وكذلكَ مَنْ أجَّرَ لاعبًا كانَتْ إجارَتُه باطِلةً، فلمْ يكنْ ذلكَ إلَّا لأنَّ البُيوعَ والإجاراتِ ممَّا يُنقَضُ بالأسبابِ الَّتي ذكَرْنا، فنُقِضَتْ بالهَزلِ كما نُقضَتْ بذلكَ، وكانَتِ الأشياءُ الأُخَرُ مِنْ الطَّلاقِ والعِتاقِ والرَّجعةِ لا يَبطلُ بشيءٍ مِنْ ذلكَ، فجُعِلَتْ غَيرَ مَردودِةٍ بالهَزلِ، فكذلكَ أيضًا في النَّظرِ ما كانَ يُنقَضُ بالأسبابِ الَّتي ذكَرْنا نُقِضَ بالإكراهِ، وما كانَ لا يُنقَضُ بتلكَ الأسبابِ لم يُنقَضْ بالإكراهِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّ طلاقَ المُكرَهِ لا يَقعُ، فمَن أُكرِهَ على طلاقِ زَوجتِه مِنْ سُلطانٍ أو غَيرِه فطلَّقَها فلا يَلزمُه ما أوقَعَ، وهي زَوجتُه.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فنَفَى الكُفرَ باللِّسانِ إذا كانَ القَلبُ مُطمئنًّا بالإيمانِ، فكذلكَ الطَّلاقُ إذا لَم يُرِدْه بقَلبِه ولَم يَنوِه ولم يَقصِدْه لم يَلزمْه.
стр. 10374
ولأنَّ للكُفرِ أحكامًا، فلمَّا وضَعَها اللهُ تعالَى عنهُ سَقطَتْ أحكامُ الإكراهِ عنِ القَولِ كُلِّه؛ لأنَّ الأعظَمَ إذا سقَطَ عنِ النَّاسِ سقَطَ ما هوَ أصغرُ منه.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وأبي ذَرِّ الغِفاريِّ ﵃ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ»، وفي رِوايةٍ: «تَجاوزَ» (١). فاقتَضَى أنْ يكونَ طَلاقُ المُكرَهِ مَرفوعًا.
فإنْ قيلَ: فالاستِكراهُ لم يُرفَعْ لأنَّهُ قد يُوجَدُ.
قيلَ: المُرادُ بهِ حُكمُ الاستِكراهِ لا الاستِكراهُ، كما أنَّ المُرادَ بهِ حُكمُ الخَطأِ لا وُجودُ الخطأِ.
فإنْ قيلَ: فهو مَحمُولٌ على رَفعِ الإثمِ.
قيلَ: حَملُه على رَفعِ الحُكمِ أَولَى؛ لأنَّه أعَمُّ؛ لأنَّ ما رفَعَ الحُكمَ قد رفَعَ الإثمَ، ورَوتْ عائِشةُ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاقٍ» (٢). قالَ أبو عُبَيدٍ: الإغلاقُ كالإكراهِ، يَعني أنَّه كالمُغلَقِ عليهِ اختِيارُه، وقالَ أبو بكرٍ: سَألتُ ابنَ دُرَيدٍ وأبا طاهِرٍ النَّحْويَّينِ فقالا: يُريدُ الإكراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انغَلقَ عليهِ رَأيُه.
فإنْ قيلَ: المُرادُ بهِ الجُنونُ؛ لأنَّه مُعلَّقُ الإرادةِ، ففيهِ جَوابانِ: أحدُهما: أنَّ أهلَ اللُّغةِ أَقْوَمُ بمَعانيها مِنْ غَيرِهم، فكانَ حَمْلُه على ما قَرَّرهُ أَولَى، والثَّاني: أنَّه يُحمَلُ على الأمرَينِ، فيكونُ أعمَّ.
стр. 10375
ولأنَّه إجماعُ الصَّحابةِ ﵃، قالَهُ خَمسةٌ مِنهُم، لم يَظهَرْ مُخالِفٌ لهم، مِنهُم عُمرُ، رَوى عنهُ ابنُ المُنذِرِ وغَيرُه «أنَّ رَجلًا على عَهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ تَدَلَّى يَشتَارُ (١) عَسلًا فأقبَلَتِ امرأتُهُ فجَلسَتْ على الحَبلِ، فحَلفَتْ لَتَقطَعنَّ الحَبلَ أو ليُطلِّقنَّها ثلاثًا، فذكَّرَها اللَّهَ والإسلامَ، فحَلفَتْ لَتَفعَلنَّ أو ليَفعَلنَّ، فطَلَّقَها ثلاثًا، فلَمَّا خَرَجَ أتَى عُمَرَ بنَ الخطَّابِ فذكَرَ لهُ الَّذي كانَ من امرأتِهِ إليهِ والَّذي كانَ منهُ إليها، فقالَ: «ارجِعْ إلى أهلِكَ فليسَ هذا بطلاقٍ» (٢).
ومنهُم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: «كانَ لا يَرى طلاقَ المُكرَهِ شيئًا».
ومنهُم عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵄، قالَ: «ليسَ على المُكرَهِ والمُضطَهَدِ طلاقٌ».
ومنهُم عَبدُ الله بنُ عُمرَ وعَبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، كانا يَرَيانِ مثلَ ذلكَ.
ومنَ القِياسِ: أنَّه لَفظٌ حُمِلَ عليهِ بغَيرِ حقٍّ، فوجَبَ أنْ لا يَثبُتَ بهِ حُكمٌ، كالإكراهِ على الإقرارِ بالطَّلاقِ.
стр. 10376
وأمَّا الإكراهُ على فِعلِ الإسلامِ فإنَّما يَصِحُّ ويَثبُتُ فيمَن كانَ حَربيًّا فيُدعَى بالسَّيفِ إلى الإسلامِ؛ لأنَّ إكراهَهُ عَليهِ واجِبٌ قد ورَدَ الشَّرعُ بهِ، ولا يَصحُّ إكراهُ الذمِّيِّ الباذِلِ للجَزيةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ قدْ أقرَّهُ عَليهِ، فكانَ إكراهُهُ عليهِ ظُلمًا فلم يَصحَّ.
ولأنَّ الإكراهَ مَعنًى يُزيلُ حُكمَ الإقرارِ بالطَّلاقِ، فوَجَبَ أنْ يُزيلَ حُكمَ إيقاعِ الطَّلاقِ كالجُنونِ والنَّومُ والصِّغرِ.
ولأنَّه لَفظٌ يَتعلَّقُ بهِ الفَرقُ بيْنَ الزَّوجَينِ، فوجَبَ أنْ لا يَصحَّ إذا حُمِلَ عليهِ فيهِ حقٌّ، أصلُهُ الإكراهُ على كَلمةِ الكُفرِ.
ولأنَّه قَولٌ في أحَدِ طَرفي النِّكاحِ، فوجَبَ أنْ لا يَصحَّ معَ الإكراهِ كالنِّكاحِ.
ولأنَّ كلَّ بُضعٍ لم يُملَكْ بلَفظِ المُكرَهِ لم يَحرُمْ بقَولِ المُكرَهِ، كالإيماءِ في البَيعِ والشِّراءِ.
وأمَّا قَولُه ﷺ : «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ»، فهو أنَّنا نَقولُ بمُوجَبِه، ونَجعَلُ الجِدَّ والهَزلَ في وُقوعِ الطَّلاقِ سَواءً، والمُكرَهُ ليسَ بجادٍّ ولا هازِلٍ، فخرَجَ عنها كالمَجنونِ؛ لأنَّ الجَادَّ قاصِدُ اللَّفظِ مُريدٌ للفُرقةِ، والهازِلَ قاصِدٌ للَّفظِ غَيرُ مُريدٍ للفُرقةِ، والمُكرَهُ غَيرُ قاصِدٍ للَّفظِ ولا مُريدٍ للفُرقةِ.
فالفَرقُ بيْنَ طلاقِ الهازِلِ وطلاقِ المُكرَهِ أنَّ الهازِلَ قاصِدٌ للَّفظِ مُؤثِرٌ
стр. 10377
له، فلَزمُه حُكمُه، والمُكرَهُ وإنْ قصَدَ اللَّفظَ فإنَّه لَم يُؤثِرْه ولا اختارَهُ، فلَم يَتعلَّقْ بهِ حُكمُه.
ولأنَّنا وجَدْنا الطَّلاقَ لا يَلزمُ إلَّا بلَفظٍ ونيَّةٍ، والمُكرَهُ لا نيَّةَ له، إنَّما طلَّقَ بلِسانِه لا بقَلبِه، فلمَّا رفَعَ اللهُ عنهُ الكُفرَ الَّذي تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا ولم يَعتقِدْه؛ وجَبَ رَفعُ الطَّلاقِ؛ لرَفعِ النِّيةِ فيه.
وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ المُشركِينَ لو أكرَهُوا رَجلًا على الكُفرِ باللهِ بلِسانِه وقَلبُه مُطمَئنٌّ بالإيمانِ وله زَوجةٌ حرَّةٌ مُسلمةٌ أنَّها لا تَحرُمُ عليهِ، ولا يَكونُ مُرتدًّا بذلكَ، والردَّةُ فُرقةٌ بائِنةٌ، فهذا يقضِي على اختِلافِهم في طَلاقِ المُكرَهِ.
ولأنَّه لَفظٌ لو عَرِيَ منَ الإكراهِ لَلَزمَ بهِ الطَّلاقُ، فإذا وُجدَ معَ الإكراهِ لم يَلزمْ بهِ، أصلُه لَفظُ الإقرارِ بالطَّلاقِ، ولأنَّ كلَّ حالٍ لم يَثبُتْ مَعها حُكمُ الإقرارِ بالطَّلاقِ لم يَثبُتْ مَعها حُكمُ إيقاعِهِ كالصَّغيرِ والمَجنونِ، ولأنَّه مَعنًى يُؤثِّرُ في البَينونةِ، فإذا وُجِدَ التَّلفُّظُ معَ الإكراهِ لم يكنْ لهُ حُكمٌ، أصلُهُ الارتِدادُ، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ يَنفي الإكراهُ لزومَ الإقرارِ بهِ، كذلكَ يَنفي لُزومَ إنشائِه كالبَيعِ (١).
стр. 10378
ونصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ (وهوَ أيضًا مَذهبُ الحَنفيَّةِ الَّذينَ يُوقِعونَ طلاقَ المُكرَهِ مُطلَقًا ومُقتَضى مَذهبِ المالكيَّةِ) أنْ يكونَ الإكراهُ بغَيرِ حقٍّ، فإنْ كانَ الإكراهُ بحقٍّ وَقَعَ الطَّلاقُ، نَحوُ إكراهِ الحاكِمِ المُولي على الطَّلاقِ بعْدَ التَّربُّصِ إذا لم يَفِئ، وإكراهِهِ الرَّجلَينِ اللَّذينِ زوَّجَهما وَليَّانِ ولا يُعلَمُ السَّابقُ منهما على الطَّلاقِ وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليهِ بحَقٍّ فصَحَّ كإسلامِ المُرتدِّ إذا أُكرِهَ عليهِ، ولأنَّهُ إنَّما جازَ إكراهُهُ على الطَّلاقِ ليَقعَ طلاقُه، فلو لم يَقعْ لَم يَحصُلِ المَقصودُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فَصلٌ: النيَّةُ الصَّحيحةُ في طلاقِ المُكرَهِ.
стр. 10379
واختَلفُوا في المُكرَهِ يَظنُّ أنَّ الطَّلاقَ يَقعُ بهِ فيَنويهِ، هلْ يَلزمُه؟ على قَولينِ، وهُمَا وَجهانِ للشَّافعيَّةِ، فمَن ألزَمَه رَأى أنَّ النِّيةَ قد قارنَتِ اللَّفظَ، وهوَ لم يُكرَهْ على النِّيةِ، فقَدْ أتَى بالطَّلاقِ المَنْويِّ اختيارًا فلَزمَه، ومَن لم يُلزِمْه بهِ رَأى أنَّ لفْظَ المُكرَهِ لغوٌ لا عِبرةَ بهِ، فلم يَبقَ إلَّا مُجرَّدُ النِّيةِ، وهيَ لا تَستَقلُّ بوُقوعِ الطَّلاقِ.
فصلٌ: التَّوريةُ في طَلاقِ المُكرَهِ.
واختُلفَ في ما لو أمكَنَه التَّوريةُ فلم يُوَرِّ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ ترَكَها، فإنَّ اللهَ تعالَى لم يُوجِبِ التَّوريةِ على مَنْ أُكرِهَ على كَلمةِ الكُفرِ وقَلبُه مُطمَئنٌّ بالإيمانِ، معَ أنَّ التَّوريةَ هُناكَ أَولَى، ولكنَّ المُكرَهَ إنَّما لَم يُعتبَرْ لَفظُه؛ لأنَّه غَيرُ قاصِدٍ لِمعناهُ، ولا مُريدٍ لمُوجَبِه، وإنَّما تَكلَّمِ به فِداءً لنَفسِهِ مِنْ ضَررِ الإكراهِ، فصارَ تَكلُّمُه باللَّفظِ لغوًا بمَنزلةِ كَلامَ المَجنونِ والنَّائمِ ومَن لا قصْدَ لهُ، سواءٌ وَرَّى أو لم يُوَرِّ.
وأيضًا: فاشتِراطُ التَّوريةِ إبطالٌ لرُخصَةِ التَّكلُّمِ معَ الإكراهِ، ورُجوعٌ إلى القَولِ بنُفوذِ طَلاقِ المُكرَهِ، فإنَّه لَو وَرَّى بغَيرِ إكراهٍ لَم يقَعْ طَلاقُه، والتَّأثيرُ إذًا إنَّما هو للتَّوريةِ لا للإكراهِ، وهذا باطِلٌ، وأيضًا فإنَّ المُوَرِّي إنَّما لم يَقعْ طَلاقُه معَ قَصدِه للتَّكلُّمِ باللَّفظِ؛ لأنَّه لَم يَقصِدْ مَدلولَه، وهذا المَعنَى بعَينِه ثابِتٌ في الإكراهِ، فالمَعنَى الَّذي مَنَعَ مِنْ النُّفوذِ في التَّوريةِ هوَ الَّذي مَنَعَ النُّفوذَ في الإكراهِ (١).
стр. 10380
المسألةُ الرابعَةَ عشَرَ: طلاقُ الغَضبانِ:
الغَضَبُ: حالةٌ مِنَ الاضطِرابِ العَصَبيِّ، وعَدمُ التَّوازُنِ الفِكريُّ، تَحلُّ بالإنسانِ إذا عَدَا عليهِ أحدٌ بالكَلامِ أو غَيرِه.
وقد قَسَّمَ العُلماءُ الغَضَبَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، واتَّفقُوا على أنَّ قِسمًا مِنْ هذهِ الأقسامُ يَقعُ به الطَّلاقُ، وقِسمًا لا يَقعُ به الطَّلاقُ، وقسمٌ مُختلَفٌ فيهِ بيْنَهم، هل يَقعُ بهِ الطَّلاقُ أم لا؟
القِسمُ الأوَّلُ: أنْ يَحصلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُهُ، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُهُ ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طلاقِهِ وعِتقِه وصحَّةِ عُقودِه بإجماعِ العُلماءِ، ولا سِيَّما إذا وقَعَ منهُ ذلكَ بعْدَ تَردُّدِ فِكرِه (١).
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه، بحيثُ يَنغلِقُ عَليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طلاقِهِ، والغَضَبُ غُفولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضَبُ عَقلَه حتَّى لم يَعلمْ ما يَقولُ فلا رَيبَ أنَّه لا يَنفذُ شَيءٌ مِنْ أقوالِه في
قالَ المالكيَّةُ: يَلزمُ طَلاقُ الغَضبانِ ولوِ اشتَدَّ غَضَبُه، خِلافًا لبَعضِهم، ودَعوَى أنَّهُ مِنْ قَبيلِ الإكراهِ باطِلٌ، وكُلُّ هذا ما لَم يَغِبْ عَقلُه بحَيثُ لا يَشعُرُ بما صدَرَ منهُ، فإنَّه كالمَجنونِ (١).
وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثميُّ ﵀: «لا طلاقَ في إغلاقٍ» وفسَّرَه كَثيرونَ بالإكراهِ، كأنَّه أُغلِقَ عَليهِ البابُ أو انغَلَقَ عَليهِ رَأيُه، ومَنعُوا تَفسيرَهُ بالغَضبِ؛ للاتِّفاقِ على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ، قالَ البَيهَقيُّ: وأفتَى بهِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهُم مِنهم (٢).
وقالَ الجَمَلُ ﵀: قَولُه: «لا طلاقَ في إغلاقٍ» أي إكراهٍ، فسَّرُوا الإغلاقَ بالإكراهِ؛ لأنَّ المُكرَهَ أُغلِقَ عليهِ البابُ أو انغَلَقَ عَليهِ رأيُه، ومَنعُوا تَفسيرَهُ بالغَضبِ؛ للاتِّفاقِ على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ (٣).
وجاءَ في «فَتْح المُعينِ بشَرحِ قُرَّةِ العَينِ» للإمامِ زَينِ الدِّينِ بنِ عَبدِ العَزيزِ المليباري: واتَّفقُوا على وُقوعِ طلاقِ الغَضبانِ وإنِ ادَّعَى زَوالَ شُعورِه بالغَضبِ.
قالَ ابنُ شَطَا في شَرحِه: (قَولُه: واتَّفقُوا على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ) في
стр. 10383
«تَرغيب المُشتاقِ»: سُئِلَ الشَّمسُ الرَّمليُّ عن الحَلِفِ بالطَّلاقِ حالَ الغَضبِ الشَّديدِ المُخرِجِ عنِ الإشعارِ: هَلْ يَقعُ الطَّلاقُ أم لا؟ وهل يُفرَّقُ بيْنَ التَّعليقِ والتَّنجِيزِ أم لا؟ وهل يُصدَّقُ الحالِفِ في دَعواهُ شدَّةَ الغَضبِ وعَدم الإشعارِ؟
فأجابَ: بأنَّهُ لا اعتِبارَ بالغَضبِ فيها، نعَمْ إنْ كانَ زائِلَ العَقلِ عُذِرَ. اه. بحَذفٍ.
وقَولهُ: (وإنِ ادَّعَى زَوالَ شُعورِه): أي إدراكِهِ.
وقَولهِ (بالغَضبِ): أي بسَببِ الغَضبِ، وهوَ مُتعلِّقٌ بزَوالٍ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ ﵀: ما يَقعُ مِنْ الغَضبانِ مِنْ طَلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ، فإنَّه يُؤاخَذُ بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ.
وفي «مُسنَد الإمامِ أحمَدَ» عَنْ خَولةَ بنتِ ثَعلَبةَ امرأةَ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ أنَّها راجَعَتْ زَوْجَها فغَضِبَ فظاهَرَ منها، وكانَ شَيخًا كَبيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُه وضَجِرَ، وأنَّها جاءَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فجَعلَتْ تَشكُو إليهِ ما تَلقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِه، فأنزَلَ اللهُ آيةَ الظِّهارِ، وأمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ بكفَّارِةِ الظِّهارِ في قِصَّةٍ طَويلةٍ، وخرَّجَها ابنُ أبي حاتِمٍ مِنْ وَجهٍ آخَرَ عن أبي العالِيةِ «أنَّ خَولةَ غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ مِنها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرتْه
стр. 10384
بذلكَ وقالَتْ: إنَّهُ لَم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَا أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عَليهِ»، وذكَرَ القِصَّةَ بطُولِها، وفي آخِرِها قالَ: فحَوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَهُ ظِهارًا، فهذا الرَّجلُ ظاهَرَ في حالِ غَضبِهِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَرَى حِينئذٍ أنَّ الظِّهارَ طَلاقٌ، وقَد قالَ إنَّها حَرُمَتْ عَليهِ بذلكَ، يَعني لَزِمَه الطَّلاقُ، فلمَّا جعَلَهُ اللهُ ظِهارًا مُكفَّرًا ألزَمَه بالكفَّارَةِ ولَم يُلغِه.
وعَن مُجاهِدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيشٍ إلى ابنِ عَبَّاسٍ فقالَ: يا ابنَ عَبَّاسٍ: «إنِّي طَلَّقتُ امرأتِي ثلاثًا وأنا غَضبانُ، فقالَ: إنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لا يَستطيعُ أنْ يُحِلَّ لكَ ما حُرِّمَ عليكَ، عَصَيتَ رَبَّكَ وحُرِّمَتْ عليكَ امرأتُكَ، إنَّكَ لَم تَتَّقِ اللَّهَ فيجعل لكَ مَخرَجًا، ثُمَّ قَرأَ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ» (١). خَرَّجَه الجَوزَجانِيُّ والدَّارَقُطنيُّ بإسنادٍ على شَرطِ مُسلِمٍ.
وخرَّجَ القاضي إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ في كتابِ «أحكام القُرآنِ» بإسنادٍ صَحيحٍ عَنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «اللَّغوُ في الأيمانِ ما كانَ في المِراءِ والهَزلِ والمُزاحَةِ، والحَديثِ الَّذي لا يُعقَدُ عليهِ القَلبُ، وأيمانُ الكفَّارةِ على كُلِّ يَمينٍ حَلَفْتَ عليها على جِدٍّ مِنَ الأمرِ في غَضبٍ أو غَيرِه: لَتَفعَلنَّ أو لَتَتْرُكَنَّ، فذلكَ عَقدُ الأيمانِ فيها الكَفَّارةُ»، وكذا رَواهُ ابنُ وَهْبٍ عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهريِّ عَنْ عُروةَ عَنْ عائشةَ، وهذا مِنْ أصحِّ الأسانيدِ، وهذا يَدلُّ على
стр. 10385
أنَّ الحَديثَ المَرويَّ عنها مَرفوعًا: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ» إمَّا أنَّه غَيرُ صَحيحٍ، أو أنَّ تَفسيرَهُ بالغَضبِ غيرُ صَحيحٍ.
وقَد صَحَّ عَنْ غيرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابةِ أنَّهُم أَفتَوا أنَّ يَمينَ الغَضبانِ مُنعقِدةٌ وفيها الكفَّارَةُ، وما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ممَّا يُخالِفُ ذلكَ فلا يَصحُّ إسنادُهُ، قالَ الحسَنُ: «طلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَها واحدَةً طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وهوَ بالخيارِ ما بَينَهُ وبيْنَ أنْ تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فإنْ بَدَا لهُ أنْ يُراجِعَها كانَ أملَكَ بذلكَ، فإنْ كانَ غَضبانَ ففي ثلاثِ حِيَضٍ، أو في ثلاثةٍ أشهُرٍ إنْ كانَتْ لا تَحيضُ ما يُذهِبُ غَضَبَه»، وقالَ الحسَنُ: «لقَدْ بيَّنَ اللهُ لِئلَّا يَندَمَ أحدٌ في طلاقٍ كما أمرَهُ اللهُ» خرَّجَه القاضي إسماعِيلُ.
وقَد جعَلَ كَثيرٌ مِنَ العُلماءِ الكِناياتِ مَعَ الغَضبِ كالَّصريحِ في أنَّه يقَعُ بها الطَّلاقُ ظاهِرًا، ولا يُقبَلُ تَفسيرُها مَعَ الغَضبِ بغَيرِ الطَّلاقِ، ومِنهُم مَنْ جعَلَ الغَضبَ معَ الكِناياتِ كالنِّيةِ، فأوقَعَ بذلكَ الطَّلاقَ في الباطِنِ أيضًا، فكَيفَ يُجعَلُ الغَضبُ مانِعًا مِنْ وُقوعِ صَريحِ الطَّلاقِ؟! (١).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: والغَضبانُ مُكلَّفٌ في حالِ غَضبِهِ بما يَصدرُ مِنهُ مِنْ كُفرٍ وقَتلِ نفْسٍ وأخذِ مالٍ بغَيرِ حَقٍّ وطلاقٍ وغَيرِ ذلكَ.
قالَ ابنُ رَجبٍ في «شَرْح الأربعِينَ النَّواويَّة»: ما يَقعُ مِنَ الغَضبانِ مِنْ طلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ فإنَّه يُؤاخَذُ، وفي نُسخَةٍ: بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ.
стр. 10386
واستَدلَّ لذلكَ بأدلَّةٍ صَحيحةٍ منها حَديثُ خُوَيلةَ بِنتِ ثَعلَبةَ امرَأةِ أَوْسِ ابنِ الصَّامِتِ الآتي في الظِّهارِ، وفيهِ: غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ منها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرتْه بذلكَ وقالَتْ: إنَّه لَم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عَليهِ» أخرَجَه ابنُ أبي حاتِمٍ، وذكَرَ القصَّةَ بطُولِها وفي آخِرِها قالَ: «فحَوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَه ظِهارًا».
ومنها ما رُوِيَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وغَيرِهِما في ذلكَ وأطالَ. وذلكَ في شَرحِ الحَديثِ السَّادسَ عَشَرَ مِنْ الأحاديثِ المَذكُورةِ، (وأَنكَرَ على مَنْ يَقولُ بخلافِ ذلكَ)؛ لأنَّه مُكلَّفٌ على ما دلَّتْ عَليهِ الأخبارُ.
لكنْ إنْ غَضِبَ حتَّى أُغمِيَ أو أُغشِيَ عليهِ لَم يَقعْ طَلاقُه في تِلكَ الحالِ؛ لزَوالِ عَقلِه، أشبَهَ المَجنُونَ (١).
وقالَ الإمامُ الرّحيبانِيُّ الحَنبليُّ ﵀: (و) يقَعُ الطَّلاقُ (مِمَّنْ غَضِبَ) ولم يَزُلْ عَقلُه بالكُليَّةِ؛ لأنَّه مُكلَّفٌ في حالِ غضَبِه بما يَصدُرُ منهُ مِنْ كُفرٍ وقَتلِ نَفْسٍ وأخذِ مالٍ بغَيرِ حقٍّ وطَلاقٍ وغَيرِ ذلكَ.
قالَ ابنُ رَجبٍ في «شَرح الأربعِينَ النَّوويَّةِ»: ما يَقعُ مِنْ الغَضبانِ مِنْ طلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ فإنَّه يُؤاخَذُ بهِ، وفي نُسخَةٍ: بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ، واستَدلَّ لذلكَ بأدلَّةٍ صَحيحةٍ منها حَديثُ خَولةَ بِنتِ ثَعلَبةَ امرَأةِ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ الآتي في الظِّهارِ، ومنه: «غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ منها، فأتَتِ النَّبيَّ
стр. 10387
ﷺ فأخبَرتْهُ بذلكَ وقالَتْ: إنَّهُ لم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عليهِ» أخرَجُه ابنُ أبي حاتِمٍ، وذكَرَ القصَّةَ بطُولِها، ففي آخِرِها قالَ: «فحوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَه ظِهارًا».
ومنها: ما رُويَ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ وغَيرِهِما في ذلكَ وأطالَ. وذلكَ في شَرحِ الحَديثِ السَّادسَ عشَرَ مِنْ الأحاديثِ المَذكورةِ، وأنكَرَ على مَنْ يَقولُ بخِلافِ ذلكَ؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ على ما دَلَّتْ عليهِ الأخبارُ، وقَولُهُ: (خِلافًا لابنِ القَيِّمِ) فيهِ نَظَرٌ؛ فإنَّ ابنَ القيِّمِ لم يَقُلْ بعَدمِ وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ مُطلَقًا، بل أَفرَدَ هذهِ المَسألةَ برِسالةٍ سمَّاها «إغاثَة اللَّهفانِ في حُكمِ طلاقِ الغَضبانِ».
وفصَّلَ فيها فقالَ: الغَضبُ ثلاثةُ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَحصُلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُه، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُه ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طَلاقِه وعِتقِه وصحِّةِ عُقودِهِ، ولا سِيَّما إذا وقَعَ مِنهُ ذلكَ بعْدَ تَردُّدِ فِكرِه.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلُغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه بحَيثُ يَنغلِقُ عليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلَمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه؛ فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طَلاقِهِ، والغضَبُ غُفولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضبُ عقْلَهُ حتَّى لَم يَعلمْ ما يَقولُ فلا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شَيءٌ مِنْ أقوالِهِ في هذهِ الحالةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفُذُ معَ عَلمِ القائِلِ بصُدورِها منهُ ومَعناها وإرادَتِه للتكلُّمِ.
стр. 10388
فالأوَّلُ: يَخرجُ مِنَ النَّائمِ والمَجنونِ والمُبَرسَمِ والغَضبانِ.
والثَّاني: يَخرُجُ ممَّنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهوَ لا يَعلمُ مَعناهُ ألبَتَّةَ، وهو لا يَلزمُ مُقتضاهُ.
والثَّالثُ: يَخرُجُ مِمَّنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ.
القِسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغَضبُ بيْنَ المَرتبتَينِ، فتَعدَّى مبادَئَه ولَم يَنْتَهِ إلى آخِرِهِ بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ ومَحلُّ النَّظرِ، والأدلَّةُ الشَّرعيةُ تَدلُّ على عَدمِ نُفوذِ طَلاقِهِ وعِتقِه وعُقودِه الَّتي يُعتبَرُ فيها الاختِيارُ والرِّضا، وهَو فَرعٌ مِنَ الإغلاقِ كمَا فَسَّرَه بهِ الأئمَّةُ. انتهى.
وكَأنَّ المُصنِّفَ أشارَ لخلافِ ابنِ القيِّمِ في هذا القِسمِ الثَّالثِ، معَ أنَّ ابنَ القيِّمِ لَم يَجزِمْ بعَدمِ الوُقوعِ في هذا القِسمِ، غيرَ أنَّهُ مالَ إليهِ، وقَد ذكَرَ هَذهِ الثَّلاثةَ أقسامٍ أيضًا في «الهَدي النَّبَويِّ» باختِصارٍ، وأمَّا في هَذهِ الرِّسالةِ فقَدْ أطالَ وأكثَرَ فيها مِنَ الأدلَّةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ الأئمَّةِ.
وقالَ: وأمَّا الاعتِبارُ وأُصولُ الشَّريعةِ فمِن وُجوهٍ، وساقَ لها أربعَةً وعِشرينَ وَجهًا.
قالَ في «الفُرُوع»: ويَدخُلُ ذلكَ في كَلامِهمِ مَنْ غَضِبَ حتَّى أُغمِيَ أو أُغشِيَ عليهِ، قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: يَدخلُ ذلكَ في كَلامِهِم بلا رَيبٍ (١).
стр. 10389
أمَّا الحَنفيَّةُ فقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلَبٌ في طلاقِ المَدهوشِ.
وقالَ في «الخَيريَّة»: غَلِطَ مَنْ فسَّرَه هُنا بالتَّحيُّرِ؛ إذْ لا يَلزمُ مِنَ التَّحيُّرِ -وهو التَّردُّدُ في الأمرِ- ذَهابُ العَقلِ.
وسُئِلَ نَظمًا فيمَن طلَّقَ زوْجتَهُ ثلاثًا في مَجلِسِ القاضي وهوَ مُغتاظٌ مَدهوشٌ، فأجابَ نَظمًا أيضًا: بأنَّ الدَّهشَ مِنْ أقسامِ الجُنونِ، فلا يَقعُ، وإذا كانَ يَعتادُهُ بأنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ مرَّةً يُصدَّقُ بلا بُرهانٍ. اه.
قلتُ: وللحافِظِ ابنِ القَيِّمِ الحَنبليِّ رِسالةٌ في طلاقِ الغَضبانِ، قالَ فيها إنَّه على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ لهُ مَبادِئُ الغَضبِ بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عَقْلُه ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، وهذا لا إشكالَ فيهِ.
الثَّاني: أنْ يَبلُغَ النِّهايةَ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، فهذا لا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِهِ.
الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ بيْنَ المَرتبتَينِ، بحَيثُ لَم يَصِرْ كالمَجنونِ، فهذا مَحلُّ النَّظرُ، والأدلَّةُ تدُلُّ علَى عَدمِ نُفوذِ أقوالِهِ. اه مُلخَّصًا مِنْ «شَرْح الغايةِ الحَنبليَّةِ».
لكنْ أشارَ في «الغايَة» إلى مُخالَفَتِه في الثَّالثِ، حَيثُ قالَ: ويَقعُ طلاقُ مَنْ غَضِبَ خِلافًا لابنِ القيِّمِ. اه.
стр. 10390
وهذا المُوافِقُ عِندَنا لِمَا مرَّ في المَدهوشِ، لكنْ يَرِدُ عَليهِ أنَّا لم نَعتبِرْ أقوالَ المَعتوهِ معَ أنَّه لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَصلَ إلى حالةٍ لا يَعلمُ فيها ما يَقولُ ولا يُريدُه.
وقَد يُجابُ بأنَّ المَعتوهَ لمَّا كانَ مُستمِرًّا على حالةٍ واحدةٍ يُمكنُ ضبْطُها اعتُبِرَتْ فيهِ، واكتُفِيَ فيهِ بمُجرَّدِ نقْصِ العَقلِ، بخِلافِ الغَضبِ؛ فإنَّهُ عارِضٌ في بعضِ الأحوالِ، لكنْ يَرِدُ عليهِ الدَّهشُ فإنَّه كذلكَ.
والَّذي يَظهَرُ لي أنَّ كُلًّا مِنَ المَدهوشِ والغَضبانِ لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَكونَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ، بل يُكتَفَى فيهِ بغَلبةِ الهذَيانِ واختِلاطِ الجَدِّ بالهَزلِ، كما هوَ المُفتَى بهِ في السَّكرانِ على ما مرَّ، ولا يُنافِيهِ تَعريفُ الدَّهشِ بذَهابِ العَقلِ؛ فإنَّ الجُنونَ فُنونٌ، ولذا فسَّرَه في «البَحر» باختِلالِ العَقلِ، وأدخَلَ فيهِ العَتَهَ والبرسامَ والإغماءَ والدَّهشَ، ويُؤيِّدُه ما قُلنا قولُ بَعضِهِم: العاقِلُ مَنْ يَستَقيمُ كَلامُه وأفعالُه إلَّا نادِرًا، والمَجنونُ ضِدُّهُ.
وأيضًا فإنَّ بعضَ المَجانينِ يَعرفُ ما يَقولُ ويُريدُه، ويَذكُرُ ما يَشهَدُ الجاهِلُ بهِ بأنَّه عاقِلٌ، ثمَّ يَظهَرُ مِنهُ في مَجلِسِه ما يُنافيهِ، فإذا كانَ المَجنونُ حَقيقةً قدْ يَعرِفُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، فغَيرُه بالأَولَى، فالَّذي يَنبغي التَّعويلُ عليهِ في المَدهوشِ ونَحوِه إناطَةُ الحُكمِ بغَلبةِ الخَللِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجةِ عَنْ عَادتِه، وكذا يُقالُ فيمَن اختَّلَ عَقلُه لكِبَرٍ أو لمَرضٍ أو لمُصيبةٍ فاجأَتْه، فما دامَ في حالِ غَلبةِ الخلَلِ في الأقوالِ والأفعالِ لا تُعتبَرُ أقوالُهُ وإنْ
стр. 10391
كانَ يَعلَمُها ويُريدُها؛ لأنَّ هذهِ المَعرِفةَ والإرادةَ غَيرُ مُعتبَرةٍ؛ لعَدمِ حُصولِها عَنْ إدراكٍ صَحيحٍ، كما لا تُعتبَرُ مِنَ الصَّبيِّ العاقِلِ، نعَمْ يُشكِلُ عَليهِ ما سَيأتي في التَّعليقِ عَنْ «البَحر»، وصرَّحَ بهِ في «الفَتح» و «الخانيَّة» وغَيرِهِما، وهو: لَو طلَّقَ فشَهِدَ عِندَهُ اثنانِ «أنَّكَ استَثنَيتَ» وهوَ غَيرُ ذاكِرٍ؛ إنْ كانَ بحَيثُ إذا غَضِبَ لا يَدري ما يَقولُ وَسِعَه الأخذُ بشهادَتِهما، وإلَّا لا. اه.
مُقتَضاهُ أنَّهُ إذا كانَ لا يَدري ما يَقولُ يَقعُ طَلاقُهُ، وإلَّا فلا حاجَةَ إلى الأخذِ بقَولِهِما «إنَّكَ استَثنَيتَ»، وهذا مُشكِلٌ جِدًّا، إلَّا أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ بكَونِه لا يَدري ما يَقولُ أنَّهُ لقَوَّةِ غَضبِه قدْ يَنْسَى ما يَقوُل ولا يَتذكَّرُهُ بعْدُ، وليسَ المُرادُ أنَّهُ صارَ يَجري على لِسانِهِ ما لا يَفهمُهُ أو لا يَقصدُهُ، إذْ لا شَكَّ أنَّه حِينئذٍ يَكونُ في أَعلَى مَراتِبِ الجُنونِ، ويُؤيدُه هذا الحَملُ أنَّه في هذا الفَرعِ عالِمٌ بأنَّه طلَّقَ وهو قاصِدٌ لهُ، لكنَّهُ لم يَتذكَّرِ الاستِثناءَ لشدَّةِ غَضَبهِ، هذا ما ظهَرَ لي في تَحريرِ هذا المَقامِ، واللهُ أعلَم بحَقيقةِ المَرامِ.
ثُمَّ رَأيتُ ما يُؤيِّدُ ذلكَ الجَوابَ، وهو أنَّهُ قالَ في «الوَلوالِجيَّة»: إنْ كانَ بحالٍ لو غَضِبَ يَجرِي على لسانِه ما لا يَحفظُهُ بعْدَهُ جازَ لهُ الاعتِمادُ على قَولِ الشاهدَينِ، فقَولُه (لا يَحفَظُه بعْدَهُ) صَريحٌ فيما قُلنا، واللهُ أعلَمُ (١).
وذهَبَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ الحَنبليُّ ﵀ في رِسالَتِه الماتِعةِ «إغاثَة اللَّهفَانِ في حُكمِ طلاقِ الغَضبانِ» -وهو مَا يُشيرُ إليهِ كلامُ ابنِ عابدينَ المُتقدِّمِ- إلى
стр. 10392
أنَّ طلاقَ مَنْ هذا حالُهُ لا يَقعُ، وأفرَدَ في ذلكَ رِسالةً، واستَدلَّ على ذلكَ بحَديثِ عائِشةَ أمِّ المُؤمنِينَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاقٍ» (١). قالَ أبو داودَ: «في غِلاقٍ»، ثمَّ قالَ: والغِلاقُ أظنُّهُ الغَضبَ.
وقالَ حَنبَلٌ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ- يقولُ: هو الغَضبُ، ذكَرَه الخَلَّالُ وأبو بكرٍ عَبدُ العَزيزِ، ولَفظُ أحمَدَ يَعني الغَضبَ.
قالَ أبو بكرٍ: سَألتُ أبا مُحمَّدٍ وابنَ دُرَيدٍ وأبا عَبدِ اللهِ وأبا طاهِرٍ النَّحْويّينَ عن قَولِهِ: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ» قالُوا: يُريدُ الإكراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انغلَقَ عليهِ رَأيُهُ، ويَدخلُ في هذا المَعنَى المُبرسَمُ والمَجنونُ.
فقلتُ لبَعضِهم: والغَضبُ أيضًا؟ فقالَ: ويَدخلُ فيهِ الغَضبُ؛ لأنَّ الإغلاقَ لهُ وَجهانِ: أحدُهُما الإكراهُ، والآخَرُ ما دخَلَ عليهِ ممَّا يَنغلِقُ بهِ رَأيُه عليهِ.
وهذا مُقتضَى تَبويبِ البُخاريِّ؛ فإنَّه قالَ في صَحيحِه: «بابٌ: الطَّلاقُ في الإغلاقِ والكُرهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ» (٢). يُفرّقُ بَينَ الطَّلاقِ في الإغلاقِ