Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.
стр. 10396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهذا مُقتضَى تَبويبِ البُخاريِّ؛ فإنَّه قالَ في صَحيحِه: «بابٌ: الطَّلاقُ في الإغلاقِ والكُرهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ». يُفرّقُ بَينَ الطَّلاقِ في الإغلاقِ وبيْنَ هذهِ الوُجوهِ، وهو أيضًا مُقتَضَى كلامِ الشَّافعيِّ؛ فإنَّه يُسمِّي نَذرَ اللَّجَاجِ والغَضبِ يَمينَ الغَلَقِ ونَذرَ الغَلقِ، هذا اللَّفظُ يُريدُ بهِ نَذرَ الغَضبِ، وهوَ قَولُ غَيرِ واحِدٍ مِنْ أئِمةِ اللُّغةِ، والقَولُ بمُوجَبِه هوَ مُقتضَى الكتابِ والسَّنةِ وأقوالِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وأئمَّةِ الفُقهاءِ، ومُقتضَى القياسِ الصَّحيحِ والاعتِبارِ وأُصولِ الشَّريعةِ.
أمَّا الكتابُ، فمِن وُجوهٍ:
أحدُها: قَولُه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَغوُ اليَمينِ أنْ تَحلِفَ وأنتَ غَضبانُ».
وعَن طاووسٍ قالَ: «كُلُّ يَمينٍ حَلَفَ عليها رَجلٌ وهوَ غَضبانُ فلا كَفَّارةَ عَليهِ فيها، لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
وهذا أحدُ الأقوالِ في مَذهَبِ مالكٍ؛ أنَّ لَغوَ اليَمينِ هو اليَمينُ في الغَضبِ، وهذا اختِيارُ أجلِّ المالكيَّةِ وأفضَلِهم على الإطلاقِ وهو القاضِي إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ، فإنَّه ذهَبَ إلى أنَّ الغَضبانَ لا تَنعقِدُ يَمينُه.
ولا تَنافيَ بيْنَ هذا القَولِ وبيْنَ قَولِ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ: «إنَّ لَغوَ اليَمينِ هوَ قولُ الرَّجلِ: لا واللهِ وبَلَى واللهِ». وقولُ عائِشةَ وغيرِها أيضًا: «إنَّه يَمينُ الرَّجلِ على الشَّيءِ يَعتقِدُه كما حلَفَ عليهِ، فيَتبيَّنُ بخِلافِه»، فإنَّ الجَميعَ مِنْ لَغوِ اليمينِ، والَّذي فسَّرَ لغوَ اليَمينِ بأنَّها: يَمينُ الغَضبِ يقولُ بأنَّ النَّوعَينِ الآخرَينِ مِنَ اللَّغوِ.
وهذا هو الصَّحيحُ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ لغوَ اليَمينِ مُقابِلًا لكَسبِ القَلبِ، ومَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ والحالِفَ على الشَّيءِ يَظنُّهُ كما حَلَفَ عليهِ، والقائِل: «لا واللهِ، وبلى واللهِ» -مِنْ غَيرِ عقدِ اليَمينِ- لم يَكسبْ قَلبُه عقْدَ اليَمينِ ولا قصْدَها، واللهُ سبحانَه قدْ رفَعَ المُؤاخَذةَ بلَفظٍ جرَى على اللِّسانِ لَم يَكسبْهُ القَلبُ ولم يَقصِدْه، فلا تَجوزُ المُؤاخَذةُ بما رفَعَ اللهُ المُؤاخَذةَ بهِ، بلْ قدْ يُقالُ: لَغوُ الغَضبانِ أظهَرُ مِنْ لَغوِ القِسمَينِ الأخيرَينِ. =стр. 10397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وفي تَفسيرِ ابنِ أبي نجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: هو قَولُ الإنسانِ لوَلَدِه ومالِهِ إذا غَضِبَ عَليهم: «اللَّهمَّ لا تُبارِكْ فيهِ والْعَنْهُ»، فلو يُعجَّلُ لهمُ الاستِجابةَ في ذلكَ كما يُستجابُ في الخَيرِ لَأهلَكَهُم.
انتَهَضَ الغَضبُ مانِعًا مِنْ انعِقادِ سَببِ الدُّعاءِ الَّذي تأثيرُه في الإجابةِ أسرَعُ مِنْ تأثيرِ الأسبابِ في أحكامِها، فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُجيبُ دعاءَ الصَّبيِّ والسَّفيهِ والمُبرسَمِ ومَن لا يَصِحُّ طلاقُه ولا عُقودُه، فإذا كانَ الغَضبُ قَدْ منَعَ كَونَ الدُّعاءِ سَببًا؛ لأنَّ الغَضبانَ لم يَقصِدْه بقَلبِه، فإنَّ عاقِلًا لا يَختارُ إهلاكَ نفْسِه وأهلِهِ وذَهابَ مالِهِ وقطْعَ يَدِه ورجْلِه وغَير ذلكَ بما يَدعُو بهِ، فاقتضَتْ رَحمةُ العَزيزِ العليمِ أنْ لا يُؤاخِذَه بذلكَ ولا يُجيبَ دُعاءَه؛ لأنَّه عَنْ غَيرِ قصْدٍ مِنهُ، بلِ الحامِلُ لهُ عليهِ الغَضبُ الَّذي هوَ مِنَ الشَّيطَانِ …
والمَقصودُ أنَّ الغَضبَ مُؤثِّرٌ في عَدمِ انعِقادِ السَّبَبِ في الجُملةِ.
ومِن هذا قَولُه تعالَى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وهوَ الرَّجلُ يَدعُو على نَفسِه وأهلِه بالشَّرِّ في حالِ الغَضبِ.
الوَجهُ الثَّالِثُ: قَولُه تعالَى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ أنَّ مُوسَى صَلواتُ اللهُ عليهِ لم يَكنْ لِيُلقيَ ألواحًا كتَبَها اللهُ تعالَى، فيها كَلامُه، مِنْ على رَأسِه إلى الأرضِ فيَكسِرَها اختيارًا مِنهُ لذلكَ، ولا كانَ فيهِ مَصلحةٌ لبَني إسرائيلَ، ولذلكَ جرَّه بلِحيَتِه ورَأسِه وهو أخوهُ، وإنَّما حمَلَه على ذلكَ =стр. 10398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الغضَبُ، فعَذَرَه اللهُ سبحانَه بهِ، ولم يَعتِبْ عليهِ بما فعَلَ؛ إذْ كانَ مَصدَرُه الغَضَبُ الخارجُ عَنْ قُدرةِ العبدِ واختِيارِه، فالمُتولِّدُ عنهُ غيرُ مَنسوبٍ إلى اختيارِه ورِضاهُ به.
وضِّحُه الوَجهُ الرَّابعُ: وهو قَولُه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. فعدَلَ سبحانَه عَنْ قَولِه: «سَكَنَ» إلى قَولِه: ﴿سَكَتَ﴾؛ تَنزيلًا للغَضبِ مَنزلةَ السُّلطانِ الآمِرِ النَّاهي الَّذي يَقولُ لصاحبِهِ: «افعَلْ، لا تَفعَلْ»، فهو مُستجيبٌ لداعي الغَضبِ النَّاطِقِ فيهِ المُتكلَّمِ على لِسانِه، فهو أَولَى بأنْ يُعذَرَ مِنَ المُكرَهِ الَّذي لم يَتسلَّطْ عليهِ غَضبٌ يأمُرُه ويَنهاهُ.
وإذا كانَ الغَضبُ هو النَّاطقَ على لِسانِه، الآمرَ النَّاهيَ لهُ، لم يَكنْ ما جرَى على لِسانِه في هذهِ الحالِ مَنسوبًا إلى اختِيارِه ورِضاهُ، فلا يتمُّ مَنْ عليهِ أثَرُه.
الوَجهُ الخامِسُ: قَولُه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في ثلاثةِ مَواضِعَ مِنْ القُرآنِ، وما يَتكلَّمُ بهِ الغَضبانُ في حالِ شدَّةِ غَضبِه مِنْ طلاقٍ أو شَتْمٍ ونحوِه هوَ مِنْ نَزغاتِ الشَّيطانِ، فإنَّه يُلجِئُه إلى أنْ يَقولَ ما لَم يَكنْ مُختارًا لقَولِه، فإذا سُرِّيَ عنهُ عَلِمَ أنَّ ذلكَ مِنْ إلقاءِ الشَّيطانِ على لِسانِه، ممَّا لم يَكنْ برِضاهُ واختِيارِه.
والغَضَبُ مِنَ الشَّيطانِ وأثَرَه مِنهُ، كمَا في الصَّحيحِ أنَّ رَجلَينِ استَبَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ حتَّى احمَرَّ وجْهُ أَحدِهِما وانتَفخَتْ أَوداجُهُ، فقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنِّي لأَعلَمُ كَلمَةً لَو قَالَها لَذَهَبَ عَنهُ مَا يَجِدُ: أَعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ».
وفي السُّننِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ الغَضبَ مِنَ الشَّيطانِ، وإنَّ الشَّيطانَ مِنَ النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فلْيَتوضَّأْ».
وإذا كانَ هذا السَّببُ وأثَرُه مِنْ إلجاءِ الشَّيطانِ لم يَكنْ مِنْ اختيارِ العَبدِ فلا يَترتَّبُ عَليهِ حُكمُه.
فأمَّا دَلالةُ السنَّةِ فمِن وُجوهٍ:
أحدُها: حَديثُ عائِشةَ المُتقدِّمِ، وهو قولَهُ: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ». =стр. 10399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقَدِ اختُلفَ في الإغلاقِ، فقالَ أهلُ الحِجازِ: هو الإكراهُ، وقالَ أهلُ العِراقِ: هوَ الغَضبُ، وقالَت طائِفةٌ: هوَ جمْعُ الثَّلاثِ بكلمةٍ واحدةٍ، حكَى الأقوالَ الثَّلاثةَ صاحِبُ كتابِ «مَطالِع الأنوارِ»، وكأنَّ الَّذي فسَّرُه بجَمعِ الثَّلاثِ أخَذَه مِنَ التَّغليقِ، وهو أنَّ المُطلِّقَ غَلَّقَ طَلاقَه كما يُغلِّقُ صاحِبُ الدَّينِ ما عليهِ، وهو مِنْ غَلْقِ البابِ، فكأنَّه أغلَقَ على نَفسِه بابَ الرَّحمةِ بجمْعِه الثَّلاثِ، فلم يَجعَلْ له الشَّارِعُ ذلكَ ولم يُملِّكْه إيَّاهُ رحمةً بهِ، إنَّما ملَّكَه طلاقًا يَملكُ فيهِ الرَّجعةَ بعْدَ الدُّخولِ، وحجَرَ عليهِ في وَقتِه ووَضعِه وقَدرِه، فلم يُمَلِّكْه إيَّاه في وَقتِ الحَيضِ ولا في وَقتِ طُهرٍ جامَعَها فيهِ، ولم يُملِّكْه أنْ يُبينَها بغَيرِ عِوضٍ بعْدَ الدُّخولِ، فيكونُ قد غَيَّرَ صِفةَ الكلامِ، وهذا عِنْدَ الجُمهورِ، فلو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ طلْقَةً لا رَجعَةَ لي فيها، أو طَلقَةً بائِنةً» لَغَى ذلكَ وثَبَتَ لهُ الرَّجعةُ. كذلكَ لَم يُملِّكْهُ جمْعَ الثَّلاثِ في مَرَّةٍ واحدةٍ، بل حجَرَ عليهِ في هذا وهذا وهذا، وكانَ ذلكَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ لم يُوقِعِ الطَّلاقَ المُحرَّمَ ولا الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه طلاقٌ مَحجورٌ على صاحِبِه شَرعًا، وحَجْرُ الشَّارعِ يَمنعُ نُفوذَ التَّصرُّفِ وصحَّتَه، كما يَمنَعُ نُفوذَ التَّصرُّفِ في العُقودِ الماليَّةِ.
فهذهِ حجَّةٌ مِنْ أكثرِ مِنْ ثلاثينَ حجَّةً ذكَرُوها على كَلامِ وُقوعِ الطَّلاقِ المَحجورِ على المُطلِّقِ فيه.
والمَقصُودُ هاهُنا أنَّ هؤلاءِ فسَّروا الإغلاقَ بجَمعِ الثَّلاثِ؛ لكَونِه أغلَقَ على نَفسِه بابَ الرَّحمةِ الَّذي لم يُغلِقْه اللهُ عليهِ إلَّا في المرَّةِ الثَّالثةِ.
وأمَّا الآخَرونَ فقالُوا: الإغلاقُ مأخُوذٌ مِنْ إغلاقِ البابِ، وهو إرتاجُه وإطباقُه، فالأمرُ المُغلَقُ ضدُّ الأمرِ المُنفرِجِ، والَّذي أُغلِقَ عليهِ الأمرُ ضدُّ الَّذي فُرِجَ لهُ وفُتِحَ عليهِ، فالمُكرَهُ الَّذي أُكرِهَ على أمرٍ إنْ لم يَفعَلْه وإلَّا حصَلَ لهُ مِنَ الضَّررِ ما أُكرِهَ إليهِ، قَدْ أُغلِقَ عليهِ بابُ القَصدِ والإرادةِ لِمَا أُكرِهَ عليهِ، فالإغلاقُ في حقِّه بمَعنَى إغلاقِ أبوابِ القَصدِ والإرادةِ لهُ، فلم يَكنْ قَلبُه مُنفتِحًا لإرادةِ القَولِ والفِعلِ الَّذي أُكرِهَ عليهِ، ولا =стр. 10400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =لاختِيارِهِما، فليسَ مُطلَقَ الإرادةِ و «الاختيار» بحَيثُ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ لَم يُطلِّقْ، وإنْ شاءَ تَكلَّمَ وإنْ شاءَ لم يَتكلَّمْ، بلْ أُغلِقَ عليهِ بابُ الإرادةِ إلَّا للَّذي قَدْ أُكرِهَ عليهِ.
لهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا يَقُلْ أحدُكُم: اللَّهمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئتَ، اللَّهمَّ ارحَمني إنْ شئتَ، ولَكنْ لِيَعزمِ المَسألةَ؛ فإنَّ اللهَ لا مُكرِهَ له».
فبَيَّنَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ لا يَفعلُ إلَّا إذا شاءَ، بخِلافِ المُكرَهِ الَّذي يَفعلُ ما لا يَشاؤُه، فإنَّه لا يُقالُ: «يَفعلُ ما يَشاءُ» إلَّا إذا كانَ مُطلَقَ الدَّواعي، وهو المُختارُ، فأمَّا مَنْ أُلزِمَ بفِعلٍ مُعيَّنٍ فلا.
ولهذا يُقالُ: المُكرَهُ غَيرُ مُختارٍ، ويُجعَلُ قَسيمَ المُختارِ لا قِسمًا مِنهُ، ومَن سمَّاهُ مُختارًا فإنَّهُ يعني أنَّ لهُ إرادةً واختِيارًا بالقَصدِ الثَّاني، فإنَّه يُريدُ الخَلاصَ مِنَ الشَّرِّ، ولا خَلاصَ له إلَّا بفِعلِ ما أُكرِهَ عليهِ، فصارَ مُريدًا لهُ بالقَصدِ الثَّاني لا بالقَصدِ الأوَّلِ.
والغَضبانُ: الَّذي يَمنعُه الغَضبُ مِنْ مَعرفةِ ما يَقولُ وقَصدِه، فهذا مِنْ أعظمِ الإغلاقِ، وهو في هذا الحالِ بمَنزلةِ المُبرسَمِ والمَجنونِ والسَّكرانِ، بل أسوءُ حالًا مِنْ السَّكرانِ؛ لأنَّ السَّكرانَ لا يَقتلُ نَفسَه، ولا يُلقي وَلدَهُ مِنْ عُلوٍّ، والغَضبانُ يَفعلُ ذلكَ، وهذا لا يَتوجَّهُ فيه نِزاعٌ أنه لا يَقعُ طَلاقُه، والحَديثُ يَتناوَلُ هذا القِسمَ قَطعًا.
وحِينَئذٍ، فنَقولُ: الغَضبُ ثَلاثةُ أَقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُه، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُه ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يقولُ ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طَلاقِه وعِتقِه وصحِّةِ عُقودِه، ولا سِيَّما إذا وقَعَ منهُ ذلكَ بعدَ تَردُّدِ فِكرِه.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلُغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه بحَيثُ يَنغلِقُ عليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلَمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه؛ فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طلاقِه، كما تَقدَّمَ.
والغضَبُ غُولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضبُ عقْلَه حتَّى لَم يَعلمْ ما يقولُ، فلا رَيبَ أنَّه لا =стр. 10401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِه في هذهِ الحالةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفُذُ معَ عِلمِ القائلِ بصُدورِها منهُ ومَعناها وإرادتِه للتكلُّمِ بها.
الأوَّلُ: يَخرجُ النَّائمَ والمَجنونَ والمُبرسَمَ والسَّكرانَ، وهذا الغَضبانَ.
والثَّاني: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهو لا يَعلَمُ مَعناهُ البَتَّةَ، فإنهُ لا يَلزمُ مُقتضاهُ.
والثَّالثُ: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ.
القسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغَضبُ بيْنَ المَرتبتَينِ، فتَعدَّى مَبادئَه ولم يَنْتَهِ إلى آخِرِه بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ ومَحلُّ النَّظرِ.
والأدلَّةُ الشَّرعيةُ تَدلُّ على عَدمِ نُفوذِ طَلاقِه وعِتقِه وعُقودِه الَّتي يُعتبَرُ فيها «الاختيار» والرِّضا، وهو فَرعٌ مِنَ الإغلاقِ كما فَسَّرَه بهِ الأئمَّةُ، وقَد ذكَرْنا دَلالةَ الكِتابِ على ذلكَ مِنْ وُجوهٍ.
وأمَّا دَلالةُ السُّنةِ، فمِن وُجوهٍ:
أحدُها: حَديثُ عائشةَ، وقَد تَقدَّمَ ذِكرُ وجهِ دَلالتِه.
الثَّاني: ما رَواهُ أحمدُ والحاكِمُ في «مُستدرَكِه» مِنْ حَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا نَذْرَ في غَضبٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يَمينٍ»، وهو حَديثٌ صَحيحٌ، وله طُرُقٌ.
وجهُ الاستِدلالِ بهِ: أنَّهُ ﷺ ألغَى وُجوبَ الوفاءِ بالنَّذرِ إذا كانَ في حالِ الغَضبِ، معَ أنَّ اللهَ أثنَى على المُوفِينَ بالنُّذورِ، وأمَرَ النَّبيُّ ﷺ النَّاذرَ لطاعةِ اللهِ بالوفاءِ بنَذرِه، وقالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطعْهُ، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَهُ فلا يَعصِه»، فإذا كانَ النَّذرُ الَّذي أثنَى اللهُ على مَنْ أَوفَى بهِ وأمَرَ رَسولُه بالوَفاءِ بما كانَ منهُ طاعةً قد أثَّرَ الغضَبُ في انعقادِه؛ لكَونِ الغَضبانِ لم يَقصدْه، وإنَّما حمَلَه على إتيانِه الغضَبُ؛ فالطَّلاقُ بطَريقِ الأَولَى والأَحرَى.
الثَّالِثُ: ما ثبَتَ في الصَّحيحِ عَنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يَقضي القاضي بيْنَ اثنَينِ وهوَ =стр. 10402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = غَضبانُ»، ولولا أنَّ الغَضبَ يُؤثِّرُ في قصْدِه وعلْمِه لم يَنهَه عنِ الحُكمِ حالَ الغَضبِ.
وقَد اختَلفَ الفُقهاءُ في صحَّةِ حُكمِ الحاكِم في حالِ غَضبِه على ثلاثةِ أقوالٍ.
أمَّا آثارُ الصَّحابةِ، فمِن وُجوهٍ:
أحدُها: ما ذكَرَه البُخاريُّ في صَحيحِه عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ: «الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ، والعِتقُ ما يُبتَغَى بهِ وجهُ اللهِ». فحصَرَ الطَّلاقَ فيما كانَ عَنْ وطَرٍ، وهو الغرَضُ المَقصودُ، والغَضبانُ لا وطَرَ لهُ.
وهذا في الطَّلاقِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ نَظيرُ قولِه وقَولِ أصحابِه: «لَغوُ اليَمينِ أنْ تَحلِفَ وأنتَ غَضبانُ».
الوَجهُ الثَّاني: أنَّ الزُّهريَّ روَى عَنْ أبانَ بنِ عُثمانَ عَنْ عُثمانَ أنَّه ردَّ طلاقَ السَّكرانِ، ولا يُعرَفُ لهُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابةِ.
وهذا القَولُ هو الصَّحيحُ، وهو الَّذي رجَعَ إليهِ الإمامُ أحمدُ أخيرًا، قالَ في روايةِ أبي طالِبٍ: والَّذي لا يَأمرُ فيهِ بالطَّلاقِ فإنَّما أتَى خصلةً واحدةً، والَّذي يأمُرُ بالطَّلاقِ قد أتَى خصلتَينِ: حرَّمَها عليهِ وأحلَّها لغَيرِه؛ فهذا خَيرٌ مِنْ هذا، وأنا أتَّقي جَميعَها.
وقالَ في روايةِ عَبدِ المَلكِ المَيمونِيِّ: قد كُنْتُ أقولُ: إنَّ طلاقَ السَّكرانِ يَجوزُ، حتَّى تَبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يَجوزُ طلاقُه؛ لأنَّه لو أَقرَّ لم يَلزمْه، ولو باعَ لم يَجزْ بَيعُه. قالَ: وأُلزِمُه الجِنايةَ، وما كانَ مِنْ غَيرِ ذلكَ فلا يَلزمُه.
قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ.
وقالَ في روايةِ أبي الحارثِ: أرفَعُ شيءٍ فيهِ حَديثُ الزُّهريِّ عَنْ أبانَ بنِ عُثمانَ عن عُثمانَ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا سَكرانَ طَلاقٌ».
وهو اختيارُ الطَّحاويِّ وأبي الحسَنِ الكَرخيِّ وإمامِ الحرَمَينِ وشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وأحدُ قَولي الشَّافعيِّ.
وإذا كانَ هَؤلاءِ لا يُوقِعونَ طلاقَ السَّكرانِ؛ لأنَّه غَيرُ قاصِدٍ للطَّلاقِ، فمَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ كَثيرًا ما يَكونُ أسوأَ حالًا مِنَ السَّكرانِ.=стр. 10403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والسُّكرُ نَوعانِ: سُكرُ طَرَبٍ، وسُكرُ غَضبٍ، وقد يَكونُ هذا أشدَّ، وقَد يكونُ الآخَرُ أشدَّ، فإذا اشتَدَّ بهِ الغَضبُ حتَّى صارَ كالسَّكرانِ كانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ منهُ؛ لأنهُ يُعذَرُ ما لا يُعذَرُ السَّكرانُ، ويَبلغُ بهِ الغَضبُ أشدَّ ما يَبلغُ بهِ السُّكرُ، كما يُشاهَدُ مِنْ حالِ السَّكرانِ والغَضبانِ.
أمَّا الاعتبارُ وأُصولُ الشَّريعةِ، فمِن وُجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُؤاخَذةَ إنَّما تَرتَّبتْ على الأقوالِ؛ لكَونها أدلَّةً على ما في القَلبِ مِنْ كَسْبِه وإرادتِه، كما قالَ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فجعَلَ سبَبَ المُؤاخَذةِ كَسْبَ القلبِ، وكَسبُهُ هو إرادتَهُ وقصدُه، ومَن جرَى على لسانِه الكَلامُ مِنْ غَيرِ قصدٍ واختيارٍ، بلْ لشدَّةِ غَضبٍ وسُكرٍ أو غَيرِ ذلكَ؛ لم يَكنْ مِنْ كَسبِ قَلبِه، ولهذا لم يُؤاخذِ اللهُ سبحانَه الَّذي اشتَّد فَرَحُه بوُجودِ راحِلتِه بعدَ الإياسِ مِنها، فلمَّا وجَدَها أخطأَ مِنْ شدَّةِ الفرَحِ وقالَ: اللَّهمَّ أنتَ عَبدِي وأنا ربُّكَ، فجَرى هذا اللَّفظُ على لِسانِه مِنْ غَيرِ قصدٍ، فلم يُؤاخِذْه بهِ، كما يَجرِي الغلَطُ في القُرآنِ على لِسانِ القارِئِ.
لكنْ، قَدْ يُقالُ: هذا قصَدَ الصَّوابَ فأخطأَ، فلم يُؤاخَذْ؛ إذْ كانَ قصَدَ ضدَّ ما تَكلَّمَ بهِ، بخِلافِ الغَضبانِ إذا طلَّقَ، فإنهُ قاصِدٌ للطَّلاقِ.
قيلَ: لا كَلامَ في الغَضبانِ العالِمِ بما يَقولُ، القاصِدِ المُختارِ لحُكمِهِ دَفعًا لمَكروهِ البَقاءِ معَ الزَّوجةِ، وإنَّما الكَلامُ في الَّذي اشتَدَّ غَضَبُه حتَّى ألجأَهُ الشَّيطانُ إلى التَّكلُّمِ بما لَم يَكُنْ مُختارًا للتَّكلمِ بهِ، كما يُلجِئُه إلى فِعلِ ما لم يَكنْ لولا الغَضب يَفعلُه.
يُوضِّحُه الوَجهُ الثَّاني: وهو أنَّ الإرادةَ فيهِ هوَ مَحمولٌ عليها، مُلجَأٌ إليها كالمُكرَهِ، بل المُكرَهُ أحسنُ حالًا منهُ؛ فإنَّ لهُ قَصدًا وإرادةً حَقيقةً، لكنْ هوَ مَحمولٌ عليهِ، وهذا ليسَ لهُ قَصدٌ في الحَقيقةِ، فإذا لَم يَقعْ طلاقُ المُكرَهِ فطلاقُ هذا أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ.
يُوضِّحُه الوجهُ الثَّالثُ: وهو أنَّ الأمرَ الحامِلَ للمُكرَهِ على التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ يُشبِهُ الحاملَ =стр. 10404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = للغَضبانِ على التَّكلُمِ به؛ فإنَّ المُتكلِّمَ مُكرَهًا إنَّما يَقصِدُ الاستِراحةَ مِنْ تَوقُّعِ ما أُكرِهَ به إنْ لم يُباشِرْ به، أو مِنْ حُصولِه إنْ كانَ قد باشرَهُ شيءٌ منهُ، فيَتكلَّمُ بالطَّلاقِ قاصِدًا لراحتِه مِنْ ألَمِ ما أُكرِهَ به.
هكذا الغَضبانُ، فإنهُ إذا اشتَدَّ به الغَضبُ يَألَم بحَملِه، فيقولُ ما يقولُ ويَفعلُ ما يَفعلُ؛ ليَدفعَ عن نَفسِه حَرارةَ الغَضبِ فيَستريحَ بذلكَ، وكذلكَ يَلطُمُ وَجهَه ويَصيحُ صِياحًا قَويًّا ويَشقُّ ثِيابَه ويُلقي ما في يَدِه؛ دَفعًا لألمِ الغَضبِ وإلقاءً لحِملِه عنهُ، وكذلكَ يَدعُو على نَفسِه وأحبِّ النَّاسِ إليه، فهو يَتكلَّمُ بصيغةِ الطَّلبِ والاستدعاءِ والدُّعاءِ وهو غَيرُ طالبٍ لذلكَ في الحقيقةِ، فكذلكَ يَتكلَّمُ بصيغةِ الإنشاءِ وهوَ غَيرُ قاصِدٍ لمَعناها.
ولهذا يَأمُرُ المُلوكُ وغَيرُهم عِنْدَ الغَضبِ بأمورٍ يَعلَمُ خَواصُّهم أنَّهم تَكلَّمُوا بها دَفعًا لحَرارةِ الغَضبِ، وأنَّهم لا يُريدُونَ مُقتَضاها، فلا يَمتثِلُه خَواصُّهم بلْ يُؤخِّرونَه، فيَحمَدُونَهم على ذلكَ إذا سكَنَ غَضبُهم.
وكذلكَ الرَّجلُ وقتَ شدَّةِ الغَضبِ يَقومُ ليَبطِشَ بولدِه أو صَديقِه فيَحولُ غَيرُه بيْنَه وبيْنَ ذلكَ، فيَحمَدُهم بعْدَ ذلكَ، كما يَحمدُ السَّكرانُ والمَحمومُ ونَحوُهما مَنْ يَحولُ بيْنَه وبيْنَ ما يَهمُّ بفِعلِه في تلكَ الحالةِ.
الوَجهُ الرَّابعُ: أنَّ العاقِلَ لا يَستَدعي الغَضبَ ولا يُريدُه، بلْ هو أَكرَهُ شيءٍ إليهِ، وهو كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «جَمرَةٌ في قَلبِ ابنِ آدمَ، أمَا رَأيْتُم مِنْ احمرارِ عَينَيهِ وانتِفاخِ أَوداجِه؟!». والعاقِلُ لا يَقصدُ إلقاءَ الجَمرةِ في قَلبِه، فهو ناشِئٌ فيهِ بغَيرِ اختيارِه، وإذا كانَ هو السَّببَ الحامِلَ على التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ وغَيرِه لم يَكنْ ذلكَ أيضًا مُضافًا إلى اختيارِه وإرادتِه، وهذا كما أنَّ إرادةَ السَّببِ إرادةٌ للمُسبَّبِ، فكَراهةُ السَّببِ وبُغضُه كَراهةٌ للمُسبِّبِ.
يُوضِّحُه الوَجهُ الخامِسُ: وهو أنَّك تَقولُ للغضبانِ إذا اشتَدَّ غَضبُه ففعَلَ ما لم يَكنْ يَفعلُه أو تَكلَّمَ ما لم يَكنْ يَتكلَّمُ بهِ قبلَ الغَضبِ: هلْ أردتَ ذلكَ أو قَصدتَه؟ فيَحلفُ أنَّه ما أرادَه ولا قصَدَه، ولا كانَ لهُ باختيارٍ، ويَحلفُ أنَّه =стр. 10405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقَعَ بغَيرِ اختيارِ، ولا تَنكِرْ هذا؛ فإنَّكَ تَجِدُه مِنْ نَفسِكَ.
تَحقيقُ الأمرِ: أنَّ لهُ فيهِ إرادةً هوَ مَحمولٌ عليها، حمَلَه عليها الغَضبُ، فهي كإرادةِ المُكرَهِ، بلِ المُكرَهُ أدخَلُ في الإرادةِ كما تَقدَّمَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ مِنَ المُكرَهِ.
يُوضِّحُه الوَجهُ السَّادِسُ: وهو أنَّ الخَوفَ في قَلبِ المُكرَهِ كالغَضبِ في قَلبِ الغَضبانِ، لكنَّ المُكرَهَ مَقهورٌ بغَيرِه مِنْ خارجٍ، والغَضبانُ مَقهورٌ بغَضَبِه الدَّاخلِ فيه، وقَهرُ الإكراهِ يُبطِلُ حُكمَ الأقوالِ الَّتي أُكرِهَ عليها، ويَجعَلُها بمَنزلةِ كَلامِ النَّائمِ والمَجنونِ، دُونَ حُكمِ الأفعالِ، فإنهُ يُقتَلُ إذا قتَلَ، ويَضمنُ إذا أتلَفَ، فكذلكَ قَهرُ الغَضبِ يُبطِلُ حُكمَ أقوالِ الغَضبانِ دُونَ أفعالِه، حتَّى لو قَتلَ في هذهِ الحالةِ أو أتلَفَ شيئًا ضَمِنَه.
هذا كُلُّه في الغَضبانِ الَّذي يَكرَهُ ما قالَه حَقيقةً، فأمَّا مَنْ هو مُريدٌ لهُ -على تَقديرِ عَدمِ غضَبِه لاقتِضاءِ سَببِ ذلكَ- فليسَ مِنْ هذا البابِ، كمَنْ زَنَتِ امرَأتُه فغَضِبَ فطلَّقَها؛ لأنَّه لا يَرَى المقامَ معَ زانيةٍ، فلم يَقصِدْ بالطَّلاقِ إطفاءَ نارِ الغضَبِ، بلِ التَّخلصَ مِنَ المقامِ معَ زانيةٍ، فهذا يَقعُ طلاقُه.
فتأمَّلْ هذا الفرْقَ؛ فإنهُ حرفُ المسألةِ ونُكتَتُها، وهذا بخِلافِ مَنْ خاصَمَتْه امرأتُه وهو يَعلَمُ مِنْ نَفسِه إرادةَ المقامِ معها على الخُصومةِ وسُوءِ الخلُقِ، ولكنْ حمَلَه الغضَبُ على أنْ شَفَى نَفسَه بالتَّكلُّم بالطَّلاقِ كَسرًا لها وإطفاءً لنارِ غضَبِه.
يُوضِّحُه الوَجهُ السَّابعُ: وهوَ أنَّ الغَضبانَ يَفعلُ أمُورًا مِنْ شَقِّ الثِّيابِ وإتلافِ المالِ وغَيرِ ذلكَ ممَّا لو أُكرِهَ بهِ حتَّى يَتكلَّمَ بالطَّلاقِ لم يَنفُذْ طلاقُه ولَغَتْ أقوالُهُ، فإذا فعَلَ هو هذهِ الأمورَ عُلِمَ أنَّ الَّذي ألجأَه إليها أعظَمُ مِنَ الإكراهِ؛ فإنَّ المُكرَهَ لو أُكرِهَ بها لم يَفعَلْها، وهذا قد فعَلَها، فعُلمَ أنَّ المُقتضي لفِعلِها فيه أَولَى مِنِ اقتِضاءِ الإكراهِ لفِعلِها، والمُكرَهُ لو فُعِلَ بهِ ذلكَ كانَ مُكرَهًا، فالغَضبانُ كذلكَ، وهذا واضِحٌ جِدًّا. =стр. 10406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فإنْ قيلَ: المُكرَهُ إذا تَكلَّمَ بما أُكرِهَ عليهِ دَفَعَ عنهُ الضَّررَ، والغَضبانُ لا يَدفعُ عنه بهذا القَولِ ضَررًا، فليسَ كالمُكرَهِ.
يلَ: لا رَيبَ أنَّهما يَفترقانِ في هذا الوجهِ، ولكنْ لا يُوجِبُ ذلكَ أنْ يكونَ الغَضبانُ مُختارًا مُريدًا لِمَا قالَه أو فعَلَه، بل هو أَكرَهُ شيءٍ إليهِ، وهذا أمرٌ لا يُمكِنُ دفْعُه.
فإنْ قيلَ: فما الحامِلُ لهُ على فِعلِ ما يَكرَهُه ويُؤذِيه، مِنْ غَيرِ أنْ يَتوصَّلَ به إلى ما هو أحبُّ إليهِ منهُ؟
قيلَ: لمَّا كانَ الغَضبُ عَدوَّ العَقلِ، وهو لهُ كالذِّئبِ للشَّاةِ، قَلَّما يتَمكَّنُ منه إلَّا اغتالَ عقْلَهُ، فقصَدَ إزالةَ الغَضبِ وإطفاءَ نارِه، وهذا مَقصودٌ صَحيحٌ في نَفسِه، لكنْ لمَّا غابَ عنهُ عقْلُه قصَدَ إزالةَ ذلكَ -ممَّا فيه ضَررٌ عليهِ- ليُخفِّفَ عن نَفسِه ما هو فيهِ مِنَ البلاءِ، ولولا ذلكَ لم يَفعلْ ما لا يَفعَلُه في الرِّضا، ولا تَكلَّمَ بما لم يَكنْ يَتكلَّمُ به، فهو قصَدَ أنْ يَستريحَ ويَسكُنَ ويَبْرُدَ غَضبُه بتلكَ الأقوالِ والأفعالِ، وإنْ لم يَدفَعْ ذلكَ عنهُ بجُملتِه تلكَ الشَّدةَ، فإنَّها تُخفِّفُ وتُضعِفُ، فاقتَضتْ رَحمةُ الشَّارعِ به أنْ ألغَى أقوالَهُ في هذهِ الحالِ؛ إذْ يُمكِنُ أنْ لا يَترتَّبَ عليها أثَرُها، وتكونُ كأقوالِ المُبرسَمِ والمَجنونِ الهاجِرِ ونَحوِهما، وأمَّا الأفعالُ فلا يُمكنُ إلغاءُ أثَرِها؛ فرتَّبَ عليهِ مُوجَبَ فعلِه.
الوَجهُ الثَّامِنُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شرَعَ للغَضبانِ أنْ يقولَ: «أَعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ»، وأنْ يَتوضَّأَ، وأنْ يَتحوَّلَ عن حالَتِه، فإنْ كانَ قائِمًا فلْيَقعُدْ، وإذا كانَ قاعِدًا فلْيَضطَجِعْ، قالَ: «إنَّ الغَضبَ مِنَ الشَّيطانِ، وإنَّ الشَّيطانَ مِنَ النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فلْيَتوضَّأْ»، وهذا يَدلُّ على أنهُ مَحمولٌ عليهِ مِنْ غيرِه، وأنَّ الشَّيطانَ يُغضِبُه ليَحمِلَه بغَضبِه على فِعلِ ما يُحبُّه الشَّيطانُ وعلى التَّكلُّمِ به، وما يُضافُ إلى الشَّيطانِ ممَّا يَكرَهُه العَبدُ ولا يُحبُّه فلا يُؤاخَذُ به الإنسانُ، كالوَسوسةِ والنِّسيانِ، كما قالَ فتَى مُوسَى لمُوسَى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. فاللهُ تعالى لا يُؤاخِذُ بالوَسوسةِ ولا بالنِّسيانِ؛ إذ هُما مِنْ أثَرِ فِعلِ الشَّيطانِ في القَلبِ، وقد =стр. 10407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الغضَبَ مِنَ الشَّيطانِ، فيكونُ أثَرُه مُضافًا إليه أيضًا، فلا يُؤاخَذُ به العَبدُ كأثَرِ النِّسيانِ؛ فإنَّه لو حلَفَ أنْ لا يَتكلَّمَ بكذا فتكلَّمَ بهِ ناسيًا لم يَحنَثْ؛ لعَدمِ قَصدِه وإرادتِه لمُخالَفةِ ما عَقدَ يَمينَه عليهِ، وإنْ كانَ قاصِدًا للكَلامِ فإنَّه لَم يَقعْ منهُ إلَّا بقَصدِهِ وإرادتِه.
هذِه حالُ الغَضبانِ، فإنَّه لم يَقصِدْ حقيقةَ ما تَكلَّمَ بهِ ومُوجَبَه، بلْ جَرَى على لسانِه كما جَرى كلامُ النَّاسي على لِسانِه، بل قصدُ النَّاسي للتَّكلُّمِ أظهَرُ مِنْ قَصدِ الغَضبانِ، ولهذا يقولُ النَّاسِي: «قَصدتُ أنْ أقولَ كذا وكذا»، والغَضبانُ يَحلِفُ أنه لم يَقصِدْ.
الوجهُ التَّاسعُ: أنَّ القُصُودَ في العُقودِ مُعتبَرةٌ في عَقدِها كلِّها، والغَضبانُ ليسَ لهُ قصدٌ مُعتبَرٌ في حَلِّ عُقدةِ النِّكاحِ، كما ليسَ لهُ قصدٌ في قتلِ نفسِه ووَلدِه وإتلافِ مالِه، فإنَّه يَفعلُ في الغَضبِ هذا ويَقولُ هذا، فإذَّا لم يكنْ لهُ قصدٌ مُعتبَرٌ لم يَصحَّ طلاقُه.
فإنْ قيلَ: فهذا يَنتقِضُ عليكُم بالهازِلِ؛ فإنَّه يَصِحُّ طلاقُه وإنْ لَم يكنْ لهُ فيهِ قصدٌ.
قيلَ: الفرْقُ بيْنَهما أنَّ الهازِلَ قصَدَ التَّكلُّمَ باللَّفظِ وأرادَهُ رِضًا واختيارًا منهُ، لم يُحمَلْ على التَّلفظِ به، وغايَتُه أنه لَم يُرِدْ حُكمَه ومُوجَبَه، وذلكَ إلى الشَّارعِ ليسَ إليهِ، فالسَّببُ الَّذي إليهِ قد أتَى به اختيارًا وقصدًا معَ عَلمِه به، لَم يُحمَلْ عليهِ، والسَّببُ الَّذي إلى المُشرِّعِ ليسَ إِليه فلا يَصِحُّ اعتبارُ أحدِهما بالآخَرِ، وكيفَ يُقاسُ الغَضبانُ على المُتَّخِذِ آياتِ اللهِ هُزؤًا؟! وهذا مِنْ أفسَدِ القياسِ.
الوَجهُ العاشِرُ: أنَّ الغَضبَ مَرضٌ مِنَ الأمراضِ وداءٌ مِنَ الأدواءِ، فهو في أمراضِ القُلوبِ نَظيرُ الحمَّى والوَسواسِ والصَّرَعِ في أمراضِ الأبدانِ، فالغَضبانُ المَغلوبُ في غَضبِه كالمَريضِ والمَحمومِ والمَصروعِ المَغلوبِ في مرَضِه والمُبرسَمِ المَغلوبِ في برسامِهِ.
وهذا قِياسٌ صَحيحٌ في الغَضبانِ الَّذي قد اشتَدَّ بهِ الغَضبُ حتَّى لا يَعلمُ ما يقولُ، وأمَّا إذا كانَ يَعلمُ ما يَقولُ ولكنْ يَتكلَّمُ به حرَجًا وضِيقًا وغَلقًا لا قصدًا للوقوعِ فهوَ يُشبِهُ المُبرسَمَ والهاجِرَ مِنْ الحمَّى مِنْ وَجهٍ، ويُشبهُ المُكرَهَ القاصِدَ للتكلُّمِ مِنْ وَجهٍ، ويُشبهُ المُختارَ =стр. 10408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = القاصِدَ للطَّلاقِ من وَجهٍ، فهوَ مُتردِّدٌ بيْنَ هذا وهذا وهذا، ولكنَّ جهةَ «الاختيار» والقَصدِ فيه ضعيفةٌ، فإنه يَعلمُ مِنْ نَفسِه أنهُ لم يَكنْ مُختارًا لِمَا صدَرَ منهِ، مِنْ خَرابِ بَيتهِ وفِراقِ حَبيبِه وكَونِه يَراهُ في يَدِ غَيرِه، فإنْ كانَ عاقِلًا لا يَختارُ هذا إلَّا ليَدفعَ بهِ ما هو أكرَهُ إليهِ منهُ، أو ليَحصُلَ به ما هو أحبُّ إليهِ، فإذا انتَفى هذا وهذا لَم يكنْ مُختارًا لذلكَ.
هذا أمرٌ يَعلَمُه كلُّ إنسانٍ مِنْ نَفسِه، فصارَ تَردُّدُه بيْنَ المَريضِ المَغلوبِ والمُكرَهِ والمُحمولِ على الطَّلاقِ، وأيُّهُما كانَ فإنه لا يَنفُذُ طلاقُه.
فإنْ قيلَ: الفَرقُ بيْنَهما أنَّ المَريضَ المَغلوبَ لا يَملِكُ نفسَه في الحالِ، والمُكرَهُ وإنْ مَلكَ نفسَه لكنَّه لا يَملِكُ دفْعَ المكروهِ عنهُ، وأمَّا الغَضبانُ فإنَّه يُمكنِهُ أنْ يَملكَ نفسَه، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «ليسَ الشَّديدُ بالصُّرعةِ، ولكنهُ الَّذي يَملِكُ نفْسَه عندَ الغضَبِ».
قيلَ: مِنَ الغَضبِ ما يُمكِنُ صاحبُه أنْ يَملكَ نفْسَه عِندَه، وهوَ الغَضبُ في مبادئِه، فإذا استَحكمَ وتَمكَّنَ منهُ لم يَملِكْ نفسَه عندَ ذلكَ، وكذلكَ الحُزنُ الحامِلُ على الجزَعِ يُمكِنُ صاحبُه أنْ يَملِكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا استَحكمَ وقهَرَ لم يَملكْ نفسَه، وكذلكَ الغَضبُ يُمكِنُ صاحِبُه أنْ يَملكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا تَمكَّنَ واستَولَى سُلطانُه على القَلبِ لم يَملكْ صاحبُه قلْبَه، فهوَ اختياريٌّ في أوَّلِه، اضطِراريٌّ في نهايتِه، كما قالَ القائِلُ:
يا عاذِلِي والأمرُ في يَدِهِ … هلَّا عَذَلْتَ وفي يَدِي الأمرُ
وهكذا السَّكرانُ، سَببُ السُّكرِ مَقدورٌ له، يُمكِنُه فِعلُه وتَركُه، فإذا أتَى بالسَّببِ خرَجَ الأمرُ عَنْ يَدِه، ولَم يَملكْ نَفسَه عِنْدَ السُّكرِ، فإذا كانَ السُّكرُ الَّذي هوَ مُفرِّطٌ بتَعاطِي أسبابِه ويَقدرُ على ملكِ نفسِه باجتِنابِها، قد عَذَرَ الصَّحابَةُ وغَيرُهم مِنَ الفُقهاءِ صاحِبَه إذا طلَّق في هذهِ الحال، مع كَونِه غيرَ مَعذورٍ في تَعاطي سَببِه، فلَأَنْ يُعذَرَ سَكرانُ الغَضبِ الَّذي لَم يُفرِّطْ -معَ شدَّةِ سُكرِه على سُكرِ الخَمرِ- أَولَى وأَحرَى.
الوَجهُ الحادِي عَشرَ: وهو أنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ إذا لم يُنفِذْ غضَبَه قتَلَه غَضبُه، وماتَ أو مَرضَ أو غُشِيَ عليهِ، كما يُذكَرُ عَنْ بَعضِ العرَبِ أنَّ رَجلًا سبَّهُ، فأرادَ أنْ يَردَّ على=стр. 10409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = السابِّ فأمسَكَ جَليسٌ لهُ بيَدِه على فَمِه، ثمَّ رفَعَ يَدَه لَمَّا ظنَّ أنَّ غضَبَه قدْ سكَنَ، فقالَ: قَتلتَنِي، ردَدْتَ غَضَبي في جَوفي، وماتَ مِنْ ساعتِه.
إذا نفَذَ مثلُ هذا غَضبُه بقَتلِ أو ظُلمٍ لغَيرِه لم يُعذَرْ بذلكَ كالسَّكرانِ، وأمَّا إذا نفَذَ بقولٍ فإنَّه يُمكنُ إهدارُ قَولِه وأنْ لا يَترتَّبَ أثرُه عليهِ، كما أهدَرَ اللهُ سُبحانَه دُعاءَه ولم يُرتِّبْ أثرَه عليهِ ولَم يَستَجبْهُ لهُ.
ولهذا ذهَبَ بعضُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يُجلَدُ بالقَذفِ في حالِ الخُصومةِ والغضَبِ، وإنَّما يُجلَدُ بهِ إذا أتَى به اختيارًا وقَصدًا لقَذفِه، وهوَ قولٌ قويٌّ جِدًّا.
ويَدلُّ عليهِ أنَّ الخَصمَ لا يُعذَرُ بجُرحِه لخَصمِه وطَعنِه فيهِ حالَ الخُصومةِ بقَولِه: هو فاجِرٌ ظالِمٌ غاشِمٌ يَحلِفُ على الكَذبِ ونَحوِ ذلكَ.
ومَن يَحُدُّه في هذهِ الحالِ يُفرِّقُ بيْنَ قَذفِه وطلاقِه بأنَّ القَذفَ حقٌّ لآدَميٍّ وانتهاكٌ لعِرضِه، أو قدحِهِ في نَفسِه، فيَجرِي مَجرى إتلافِ نَفسِه ومالِه، فلا يُعذَرُ فيهِ بالغَضبِ، لا سيَّما ولو عُذِرَ فيهِ بذلكَ لَأمكَنَ كلَّ قاذِفٍ أنْ يقولَ: قَذفْتُه في حالِ الغَضبِ فيسقُطُ الحدُّ، بخلافِ الطَّلاقِ؛ فإنه يُمكنُ أنْ يُديَّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، والحقُّ لا يَعدُوهُ.
والمَقصودُ أنَّه إذا تَكلَّمَ بالطَّلاقِ دواءً لهذا المَرضِ وشِفاءً لهُ بإخراجِ هذهِ الكَلمةِ مِنْ صَدرِه وتَنفُّسِه بها؛ فمِن كَمالِ هذهِ الشَّريعةِ ومَحاسِنها وما اشتَملَتْ عليهِ مِنَ الرَّحمةِ والحِكمةِ والمَصلَحةِ أنْ لا يُؤاخَدَ بها ويُلزَمَ بمُوجَبِها وهو لم يَلتَزمْه.
الوَجهُ الثَّاني عشَرَ: أنَّ قاعِدةَ الشَّريعةِ أنَّ العَوارِضَ النَّفسيَّةَ لها تأثيرٌ في القَولِ إهدارًا واعتبارًا، وإعمالًا وإلغاءً، وهذا كعارِضِ النِّسيانِ والخَطأِ والإكراهِ والسُّكرِ والجُنونِ والخَوفِ والحُزنِ والغَفلةِ والذُّهولِ، ولهذا يُحتَملُ مِنَ الواحدِ مِنْ هؤلاءِ مِنَ القَولِ ما لا يُحتَملُ مِنْ غَيرِه، ويُعذَرُ بما لا يُعذَرُ بهِ غيرُه؛ لعَدمِ تَجرُّدِ القصدِ والإرادةِ ووُجودِ الحامِلِ على القَولِ.
ولهذا كانَ الصَّحابةُ يَسألُ أحدَهُم النَّاذِرَ: أَفِي رِضًا قُلتَ ذلكَ أم في غَضبِ؟ فإنْ كانَ في =стр. 10410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = غَضبٍ أمَرَه بكفَّارةِ يَمينٍ؛ لأنَّهمُ استَدلُّوا بالغَضبِ على أنَّ مَقصودَه الحضُّ والمَنعُ كالحالِفِ، لا التقرُّبُ.
وقد قالَ تعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجَعلَ عارِضَ السُّكرِ مانِعًا مِنْ اعتبارِ قِراءةِ السَّكرانِ وذِكرِه وصلاتِه، كما جعَلَه النَّبيُّ ﷺ مانِعًا مِنْ صِحَّة إقرارِه لمَّا أمَرَ باستِنكاهِ مَنْ أقَرَّ بيْنَ يَديهِ بالزِّنا، وجعَلَه مانِعًا مِنْ تَكفيرِ مَنْ قالَ لهُ ولأصحابِه: «هَلْ أنتُم إلَّا عَبيدٌ لأبي؟!».
جَعلَ اللهُ سُبحانَه الغَضبَ مانِعًا مِنْ إجابةِ الدَّاعِي على نَفسِه وأهلِه، وجعَلَ سُبحانَه الإكراهَ مانِعًا مِنْ كُفرِ المُتكلِّمِ بكلمةِ الكُفرِ، وجعَلَ الخطأَ والنِّسيانَ مانِعًا مِنَ المُؤاخَذةِ بالقَولِ والفِعلِ.
وعارِضُ الغضَبِ قد يكونُ أقوَى مِنْ كَثيرٍ مِنْ هذهِ العَوارِضِ، فإذا كانَ الواحِدُ مِنْ هَؤلاءِ لا يَترتَّبُ على كَلامهِ مُقتضاهُ لعدَمِ القَصدِ؛ فالغَضبانُ الَّذي لم يَقصدْ ذلكَ إنْ لم يَكنْ أَولَى بالعُذرِ منهم لم يَكنْ دُونَهم.
ويُوضِّحُه الوَجهُ الثَّالثَ عشَرَ: أنَّ الطَّلاقَ في حالِ الغَضبِ لهُ ثلاثُ صُوَرٍ:
إحداها: أنْ يَبلُغَه عنِ امرَأتِه أمرٌ يَشتَّدُ غَضبُه لأجْلِه، ويَظنُّ أنه حَقٌّ، فيُطلِّقَها لأجلِه، ثمَّ يَتبيَّنُ أنَّها بَريئةٌ منهُ، فهذا في وُقوعِ الطَّلاقِ به وَجهانِ: أصَحُّهما أنَّه لا يَقعُ طلاقُه؛ لأنه إنَّما طلَّقَها لهذا السَّببِ والعِلَّةِ، والسَّببُ كالشَّرطِ، فكأنه قالَ: «إنْ كانَتْ فعَلَتْ ذلكَ فهي طالِقٌ»، فإذا لم تَفعلْهُ لم يُوجَدِ الشَّرطُ.
وقَد ذكَرَ المَسألةَ بعَينِها أبو الوَفاءِ ابنُ عَقيلٍ، وذكَرَ الشَّريفُ ابنُ أبي مُوسَى في «إرشادِهِ» فيما إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنْ دَخلْتِ الدَّارِ» -بفَتحِ الهَمزةِ- مِرارًا وهو يَعرِفُ العربيَّةَ، ثمَّ تَبيَّنَ أنها لم تَدخُلْ لَم تَطلُقْ.
ولا يُقالُ: هو هاهُنا قد صرَّحَ بالتَّعليلِ، بخِلافِ ما إذا لَم يُصرِّحْ بهِ، فإنَّ هذا لا تأثيرَ لهُ، فإنه قد أوقَعَ الطَّلاقَ لعلَّةٍ، فإذا انَتفَتِ العلَّةُ تَبيَّنَّا أنه لم يكنْ مُريدًا لوُقوعِه بدونِها، سَواءٌ =стр. 10411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = صرَّحَ بالعلَّةِ أو لَم يُصرِّحْ بها، وغايةُ الأمرِ أنْ تكونَ العلَّةُ بمَنزلةِ الشَّرطِ، وهو لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أردتُ: إنْ فَعلتِ كذا وكذا» دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى.
وقدْ ذكَرَ أصحابُ الشَّافعيِّ وأحمدَ فيما إذا كاتَبَ عبْدَه على عِوضٍ فأدَّاهِ إليهِ فقالَ: «أنتَ حُرٌّ» ثمَّ تبيَّنَ أنَّ العوضَ مُستحَقٌّ؛ لم يُعتَقْ، معَ تَصريحِه بالحُريَّةِ، فالطَّلاقُ أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ في هذهِ الصُّورةِ.
لصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ قد غَضبَ عليها لأمرٍ قد عَلِمَ وُقوعَه مِنها، فتكلَّمَ بكلمةِ الطَّلاقِ قاصِدًا للطَّلاقِ عالِمًا بما يَقولُ عُقوبةً لها على ذلكَ، فهذا يَقعُ طَلاقُه؛ إذْ لو لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ لَم يَقعْ أكثرُ الطَّلاقِ، فإنه غالبًا لا يقعُ معَ الرِّضَا.
الصَّورةُ الثَّالثةُ: أنْ لا يَقصِدَ أمرًا بعَينِه، ولكنَّ الغضَبَ حمَلَه على ذلكَ وغيَّرَ عقْلَه ومنَعَه كمالَ التَّصوُّرِ والقَصدِ، فكانَ بمَنزلةِ الَّذي فيهِ نَوعٌ مِنَ السُّكرِ والجُنونِ، فليسَ هو غائِبَ العَقلِ بحَيثُ لا يَفهمُ ما يقولُ بالكُليَّةِ، ولا هو حاضِرُ العَقلِ بحَيثُ يكونُ قَصدُه مُعتبَرًا، فهذا لا يَقعُ به الطَّلاقُ أيضًا، كما لا يَقعُ بالمُبرسَمِ والمَجنونِ.
يُوضِّحُه الوجهُ الرابعَ عشَرَ: أنَّ المَجنونَ والمُبرسَمَ والمُوسوِسَ والهاجِرَ قد يَشعُرُ أحدُهم بما قالَهُ ويَستحِي منهُ، وكذلكَ السَّكرانُ، ولهذا لم يَشتَرطْ أكثُر الفُقهاءِ في كَونِه سَكرانَ أنَّ يُعدَمَ تَمييزُه بالكُليَّةِ، بل قَدْ قالَ الإمامُ أحمدُ وغَيرُه: إنَّه الَّذي يَخلطُ في كَلامِه ولا يَعرِفُ رِداءَه مِنْ رِداءِ غَيرِه وفِعلَه مِنْ فِعلِ غَيرِه، والسُّنةُ الصَّريحةُ الصَّحيحةُ تَدلُّ عليهِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أنْ يُستَنكَه مَنْ أقَرَّ بالزِّنا، معَ أنَّه حاضِرُ العقلِ والذِّهنِ، يَتكلَّمُ بكَلامٍ مَفهومٍ ومَنتظِمٍ، صحيحُ الحرَكةِ، ومعَ هذا فجوَّزَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يكونَ به سُكرٌ يَحُولُ بيْنَه وبيْنَ كمالِ عَقلِه وعِلمِه، فأمَرَ باستِنكاهِه.
والمَقصودُ أنَّ هؤلاءِ لَيسُوا مَسلُوبي التَّمييزِ بالكُليةِ، وليسُوا كالعُقلاءِ الَّذينَ لهُم قَصدٌ صَحيحٌ، فإنَّ ما عرَضَ لهم أوجَبَ تَغيُّرَ العَقلِ الَّذي منَعَ صحَّةَ القصدِ، فلَم يبْقَ أحدُهم يَقصِدُ قصدَ العُقلاءِ الَّذي مُرادُه جَلبُ ما يَنفعُ ودفْعُ ما يَضرُّ، فلم يَتصوَّرْ أحدُهم لَوازِمَ ما تَكلَّمَ بهِ، ولا غابَ عَقلُه عَنِ الشُّعورِ بهِ، بل هوَ ناقِصُ التَّصوُّرِ ضَعيفُ القَصدِ. =стр. 10412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والغَضبانُ في حالِ غَضبِه قدْ يَكونُ أسوأَ حالًا مِنْ هَؤلاءِ وأشبَهَ بالمَجانينِ، ولهذا يقولُ ويَفعلُ ما لا يَقولُه المَجنونُ ولا يَفعلُه.
فإنْ قيلَ: فهلْ يُحجَرُ عليهِ في هذهِ الحالِ كما يُحجَرُ على المَجنونِ؟
يلَ: لا، والفَرقُ بيْنَهما أنَّ هذهِ الحالَ لا تَدومُ، فهو كالَّذي يُجَنُّ أحيانًا نادرًا ثمَّ يُفيقُ، فإنَّه لا يُحجَرُ عليهِ، نعَمْ، لو صدَرَ منهُ في تلكَ الحالِ قولٌ عَنْ غَيرِ قَصدٍ منهُ كانَ مِثلَ القَولِ الصَّادرِ عَنِ المَجنونِ في عَدمِ تَرتُّبِ أثَرِه عليهِ.
ولا رَيبَ أنَّه قَدْ يَحصلُ للغَضبانِ إغماءٌ وغَشْيٌ، وهو في هذهِ الحالِ غَيرُ مُكلَّفٍ قَطعًا، كما يَحصلُ ذلكَ للمَريضِ، فيُزيلُ تَكليفَهُ حالَ الإغماءِ، حتَّى إنَّ بعضَ الفُقهاءِ لا يُوجِبُ عليهِ قَضاءَ الصَّلاةِ في هذهِ الحالِ؛ إلحاقًا بالمَجنونِ، كما يَقولُه الشَّافعيُّ، وأحمدُ يُوجِبُ عليهِ القَضاءَ؛ إلحاقًا لهُ بالنَّائمِ، وأبو حَنيفةَ يُفرِّقُ بيْنَ الطَّويلِ الزَّائدِ على اليَومِ واللَّيلةِ، فيُلحِقُه بالجنونِ، وبيْنَ القَصيرِ الَّذي هوَ دُونَ ذلكَ، فيَلحِقُه بالنَّومِ.
وقدْ يُنْكِرُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ الغضَبَ يُزيلُ العَقلَ، ويَبلُغُ بصاحبِه إلى هذهِ الحالِ، فإنَّه لا يَعرفُ مِنَ الغضَبِ إلَّا ما يَجِدُ مِنْ نَفْسِه، وهو لم يَعلمْ غَضبًا انتَهى إلى هذهِ الحالِ.
وهذا غلَطٌ؛ فإنَّ النَّاسَ مُتفاوِتونَ في الغضَبِ تَفاوتًا عَظيمًا، فمِنهُ ما هو كالنَّشوَةِ، ومِنهُ ما هوَ كالسُّكرِ، ومنهُ ما هو كالجُنونِ، ومنهُ ما هو سَريعُ الحُصولِ سَريعُ الزَّوالِ، وعَكسُه، ومِنهُ سَريعُ الحُصولِ بَطيءُ الزَّوالِ، وعَكسُه، كما قسَّمَه النَّبيُّ ﷺ إلى هذهِ الأقسامِ.
وقِوَى النَّاسِ مُتفاوِتةٌ تَفاوتًا عَظيمًا في ملكِ تَقواهُم عِنْدَ الغَضبِ والطمَعِ والحُزنِ والخَوفِ والشَّهوَةِ، فمِنهُم مَنْ يَملِكُ ذلكَ ويتصرَّفُ فيهِ، ومِنهُم مَنْ يَملِكُه ذلكَ ويَتصرَّفُ فيهِ.
الوَجهُ الخامِسَ عشَرَ: أنَّ الغَضبانَ الَّذي قدِ انغَلقَ عليهِ القَصدُ والرَّأيُ في الغَضبِ، وقد صارَ إلى الجُنونِ العارِضِ أقرَبَ منهُ إلى العَقلِ الثَّابِتِ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنَ =стр. 10413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الهازِلِ المُتلفِّظِ بالطَّلاقِ في حالِ عقْلِه وإنْ لَم يُردْهُ بقَلبِه، وقدْ ألغَى طلاقَ الهازِلِ بعضُ الفُقهاءِ، وهو إحدى الرِّوايتَينِ عَنْ الإمامِ أحمَدَ، حكاها أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ وغَيرُه، وبه يقولُ بعضُ أصحابِ مالِكٍ إذا قامَ دَليلُ الهزلِ، فلَم يَلزَمْه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طَلاقٌ، ولا رَيبَ أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنْ هذا.
لوجهُ السَّادسَ عشَرَ: أنَّ جماعةً مِنْ أصحابِنا لم يَشتَرطُوا في المَجنونِ والمُبرسَم أنْ لا يكونَ ذاكرًا لطلاقِه، وإنْ كانَ ظاهِرُ نصِّ أحمدَ أنَّه متَى ذكَرَ الطَّلاقَ لَزِمَه؛ فإنَّه قالَ في روايةِ أبي طالِبٍ في المَجنونِ يُطلِّقُ فقيلَ لهُ لمَّا أفاقَ: «إنَّكَ طلَّقْتَ امرأتَكَ، فقالَ: «أنا ذاكِرٌ أنِّي طلَّقْتُ ولم يكنْ عَقلِي معي»، فقالَ: إذا كانَ يَذكرُ أنهُ طلَّقُ فقَد طَلُقَتْ، قالَ أبو مُحمدٍ المَقدسيُّ: وهذا هوَ المَنقولُ عَنْ الإمامِ أحمَدَ فيمَن كانَ جُنونُه بذَهابِ مَعرفتِه بالكُليةِ وبُطلانِ حواسِّه، فأمَّا مَنْ كانَ جُنونُه لنَشافٍ أو كانَ مُبرسَمًا فإنَّ ذلكَ يُسقِطُ حُكمَ تَصرُّفِه، مع أنَّ مَعرفتَه غيرُ ذاهِبةٍ بالكُليةِ، فلا يَضرُّه ذكْرُ الطَّلاقِ إنْ شاءَ اللهُ. انتَهى كلامُه.
ومَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ المُمتلِئَ أسوأُ حالًا مِمَّنْ جُنونُه مِنْ نَشافٍ أو بَرسامٍ، وأقلُّ أحوالِهِ أنْ يكونَ مِثلَه.
يُوضِّحُه الوجهُ السابعَ عشَرَ: وهو أنَّ المُوسوِسَ لا يَقعُ طلاقُه، صرَّحَ بهِ أصحابُ أبي حَنيفةَ وغَيرُهم؛ وما ذاكَ إلَّا لعَدمِ صحَّةِ العَقلِ والإرادةِ منهُ، فهكذا هذا.
الوَجهُ الثَّامنَ عشَرَ: أنَّه لمْ يقُلْ أحَدٌ: إنَّ مُجرَّدَ التكلُّمِ بلَفظِ الطَّلاقِ مُوجِبٌ لوُقوعِه على أيِّ حالٍ كانَ، بل لا بُدَّ مِنْ أمرٍ آخَرَ وراءَ التكلُّمِ باللَّفظِ.
فطائفةٌ اشتَرطَتْ أنْ يأتيَ بهِ في حالِ التَّكليفِ فقطْ، سواءٌ قصَدَه أو جرَىَ على لسانِه مِنْ غَيرِ قَصدٍ، سواءٌ أُكرِهَ عليهِ أو أتَى بهِ اختيارًا، وهذا مَذهبُ مَنْ يُوقِعُ طلاقَ المُكرَهِ والطَّلاقَ الَّذي يَجرِي على لسانِ العبدِ مِنْ غيرِ قَصدٍ مِنهُ، وهو المَنصوصُ عَنْ أبي حَنيفةَ في المَوضِعَينِ.
وطائِفةٌ اشتَرطَتْ معَ ذلكَ أنْ يأتيَ باللَّفظِ مُختارًا قاصدًا له، وهو قولُ الجُمهورِ الَّذين لا يُنفِذُونَ طلاقَ المُكرَهِ. =стр. 10414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ثمَّ مِنهُم مَنِ اشتَرطَ معَ ذلكَ أنْ يكونَ عالِمًا بمَعناهُ، فإنْ تَكلَّم بهِ اختيارًا غيْرَ عارِفٍ بمَعناهُ لم يَلزَمْه حُكمُه، وهذا قَولُ مَنْ يقولُ: لا يَلزَمُ المُكلَّفَ أحكامُ الأقوالِ حتَّى يكونَ عارِفًا بمَدلُولِها، وهذا هوَ الصَّوابُ.
مِنهُم مَنِ اشتَرطَ معَ ذلكَ أنْ يكونَ مُريدًا لمَعناهُ ناوِيًا لهُ، فإنْ لم يَنوِ مَعناهُ ولم يُرِدْه لم يَلزَمْه حكمُه، وهذا قَولُ مَنْ يَشتَرطُ لصَريحِ الطَّلاقِ النَّيةَ، وقولُ مَنْ لا يُوقِعُ الهازِلَ، وهوَ قولٌ في مَذهبِ الإمامِ أحمَدَ ومالِكٍ في المَسألتَينِ، فيَشتَرطُ هؤلاءِ الرِّضا بالنُّطقِ اللِّسانِيِّ والعِلمَ بمَعناهُ وإرادةَ مُقتَضاهُ.
ومِنهمْ مَنْ يَشتَرطُ معَ ذلكَ كَونَ الطَّلاقِ مأذونًا فيهِ مِنْ جِهةِ الشَّارعِ، وهو قولُ مَنْ لا يُوقِعُ الطَّلاقَ المُحرَّمَ، وهو قولُ طائفةٍ مِنَ السَّلفِ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم.
وقالَ محمَّدُ بنُ عَبدِ السَّلامِ الخُشَنِيُّ: حدَّثنَا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ قالَ: حَدَّثنا عَبدُ الوَهابِ بنُ عَبدِ المَجيدِ الثَّقفيُّ: حدَّثنا عُبيَدُ اللهِ بنُ عُمرَ عَنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ أنه قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَه وهيَ حائِضٌ: «لا يُعتَدُّ بذلكَ»، وحَسبُكَ بهذا الإسنادِ إذا صَحَّ، رَواهُ أبو مُحمدٍ بنُ حَزمٍ قالَ: حدَّثنَا يُوسفُ بنُ عَبدِ اللهِ قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ الرَّحيمِ قالَ: حَدَّثنا أحمَدُ بنُ خالدٍ قالَ: حدَّثنَا مُحمَّدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، فذكَرَه، وهذا مَذهبُ أفقَهِ التَّابعِينَ على الإطلاقِ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، حَكاهُ عنهُ الثَّعلبيُّ في تَفسيرِ «سُورةِ الطَّلاقِ»، وهو مَذهبُ أفقَهِ التَّابعِينَ مِنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وهوَ طاووسٌ، قالَ عبدُ الرَّزاقِ: عنِ ابنِ جُريجٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ طاووسٍ عَنْ أبيهِ: أنَّه كانَ لا يَرَى طلاقًا ما خالَفَ وجهَ الطَّلاقِ ووجْهَ العِدَّةِ، وكانَ يقولُ: وَجهُ الطَّلاقِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وإذا استَبانَ حمْلُها، وهذا مَذهبُ خلاسِ بنِ عَمروٍ … أنهُ قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ، فقالَ: لا يعتَدُّ بهَا»، وهذا قولُ أبي قِلابةَ، قالَ: إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ فلا يعتَدُّ بها».
وهذا اختيارُ ابنِ عَقيلٍ في كتابِه «الواضِح في أُصولِ الفِقهِ»، صرَّحَ بهِ في مَسألةِ: النَّهيُ =стр. 10415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يَقتَضِي الفَسادَ، وهوَ اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وهوَ أحدُ الوَجهَينِ في مَذهبِ أحمَدَ.
وقالَ أبو جَعفرٍ الباقِرُ: لا طلاقَ إلَّا على سُنَّةٍ، ولا طلاقَ إلَّا على طُهرٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وكلُّ طلاقٍ في غَضبٍ أو يَمينٍ أو عِتقٍ فليسَ بطَلاقٍ إلَّا لِمَنْ أرادَ الطَّلاقَ.
المَقصودُ أنَّ هؤلاءِ يَشتَرطونَ في وُقوعِ الطَّلاقِ إذنَ الشَّارعِ فيهِ، وما لم يأذَنْ فيهِ الشَّارعُ فهوَ عندَهُم لاغٍ غَيرُ نافِذٍ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ: وقَولُهم أصَحُّ في الدَّليلِ مِنْ قَولِ مَنْ يُوقِعُ الطَّلاقَ الَّذي لم يَأذَنْ فيهِ اللهُ ورَسولُه، ويَراهُ صَحيحًا لازمًا.
والمَقصودُ أنَّ أحدًا لَم يَقلْ: إنَّ مُجرَّدَ التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ مُوجِبٌ لتَرتُّبِ أثَرِه على أيِّ وَجهٍ كانَ.
الوَجهُ التَّاسعَ عشَرَ: أنَّ هذا مُقتَضَى نصِّ أحمَدَ كما تَقدَّمَ تَفسيرُه «الإغلاق» في روايةِ حَنبلٍ بالغَضبِ، وقالَ عبدُ اللهِ ابنُه في «مَسائِله»: سألْتُ أبي عَنِ المَجنونِ إذا طلَّق في وَقتِ زَوَلانِ عَقلِه أيَجوزُ؟ قالَ أبي: كلُّ مَنْ كانَ صَحيحَ العَقلِ فزالَ عَقْلُه عَنْ صحَّتِه فطلَّقَ فليسَ طلاقُه بشيءٍ.
فهذا عُمومُ كَلامِه وذاكَ خاصُّه، فقَدْ جعَلَ تَغيُّرَ العَقلِ عَنْ صِحَّتِه مانِعًا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ، ولا رَيبَ أنَّ إغلاقَ الغَضبِ يُغيِّرُ العَقلَ عَنْ صحَّتِه.
الوَجهُ العشرُونَ: أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في صِحَّةِ حُكمِ الحاكِمِ في الغَضبِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهيَ ثلاثةُ أوجُهٍ في مَذهبِ أحمَدَ:
أحدُها: لا يَصِحُّ ولا يَنفذُ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتضِي الفَسادَ.
والثَّاني: يَنفُذُ.
والثَّالثُ: إنْ عرَضَ لهُ الغضَبُ بعْدَ فَهمِ الحُكمِ نفَذَ حُكمُه، وإنْ عرَضَ لهُ قبْلَ ذلكَ لم يَنفذْ، فإنَّ الحاكِمَ يَجبُ أنْ يكونَ عالِمًا عَدلًا.
فمَن نفَّذَ حُكمَهُ قالَ: الغَضبُ لا يَمنعُه العِلمَ والعدلَ، فقَدْ حكَمَ النَّبيُّ ﷺ للزُّبيرِ في شِراجِ الحَرَّةِ وهوَ غَضبانُ. =стр. 10416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ومَن لم يُنَفِّذْ حُكمَهُ قالَ: الغَضبُ يَمنَعُه كَمالَ المَقصودِ وحُسنَ القَصدِ، فيَمنَعُه العلمَ والعدلَ.
لا يَصحُّ القِياسُ على النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه مَعصومٌ في غَضبِه ورضاهُ، فكانَ إذا غَضِبَ لم يَقلْ إلَّا حقًّا، كما كانَ في رضاهُ كذلكَ.
ومَن فرَّقَ قالَ: إذا عَلِمَ الحَقَّ قبْلَ الغَضبِ لَم يَمنَعْه الغَضبُ مِنَ العلمِ، وحِينئذٍ فيُمكِنُه أنْ يُنفذَ الحقَّ الَّذي عَلِمَه، وإذا غَضِبَ قبْلَ الفَهمِ لم يَنفُذْ حُكمُه؛ لإمكانِ أنْ يَحُولَ الغضَبُ بيْنَه وبيْنَ الفهْمِ، وهؤلاءِ يَحتجُّونَ بقَضيَّةِ الزُّبيرِ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما عرَضَ لهُ الغضَبُ بعْدَ فهْمِ الحُكومةِ.
والمَقصودُ أنَّ الغضَبَ إذا أثَّرَ عندَ هؤلاءِ في بُطلانِ الحُكمِ عُلِمَ أنَّ كلامَ الغَضبانِ غيرُ كَلامِ الرَّاضِي المُختارِ، وأنَّ للغَضبِ تأثيرًا في ذلكَ.
الوجهُ الحادِي والعشرونَ: أنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ حُكمٌ شَرعيٌّ، فيَستدعِي دليلًا شَرعيًّا، والدَّليلُ إمَّا كتابٌ أو سُنَّةٌ أو إجماعٌ أو قِياسٌ يَستوي فيهِ حُكمُ الأصلِ والفَرعِ، وليسَ شيءٌ منها موجودًا في مَسألتِنا، وإنْ شِئتَ قُلتَ: الدَّليلُ إمَّا نَصٌّ وإمَّا مَعقُولُ نَصٍّ، وكلاهُما مُنتَفٍ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: لو ثبَتَ الوُقوعُ لَزِمَ وُجودُ دليلِه، واللَّازمُ مُنتَفٍ، فالمَلزومُ مِثلُه.
الوَجهُ الثَّاني والعِشرونَ: أنَّ نِكاحَ هذا مُثبَتٌ ب «الإجماع»، فلا يَزولُ إلَّا بإجماعٍ مِثلِه، وإنْ شِئتَ قُلتَ: نِكاحُه قبْلَ صُدورِ هذا اللَّفظِ منهُ ثابِتٌ بإجماعٍ، والأصلُ بَقاؤُه حتَّى يَثبُتَ ما يَرفعُه.
الوَجهُ الثَّالثُ والعِشرونَ: أنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَقولونَ: إنَّ طلاقَ الصَّبيِّ المُميِّزِ العاقِلِ لا يَنفُذُ ولا يَصِحُّ، هذا قولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنِ الإمامِ أحمدَ اختارَها الشَّيخُ أبو مُحمدٍ، وهوَ قولُ إسحاقَ، معَ كَونِه عارِفًا باللَّفظِ ومُوجَبِه بكَلماتِه اختيارًا وقَصدًا، ولهُ قصدٌ صَحيحٌ وإرادةٌ صحيحةٌ، وقدْ أمَرَ اللهُ سبحانَه بابتِلائِه =стр. 10417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =واختبارِه في تَصرُّفاتِه، وقَد نَفَّدَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وصيَّتَه، واعتبَرَ النَّبيُّ ﷺ قصْدَه واختيارَه في التَّخييرِ بيْنَ أبوَيهِ، فالغَضبانُ الشَّديدُ الغضَبِ الَّذي قَدْ أُغلقَ عليهِ بابُ القَصدِ والعِلمِ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنْ هذا بلا رَيبٍ.
إنْ قيلَ: الغَضبانُ مُكلَّفٌ، وهذا غَيرُ مُكلَّفٍ؛ لأنَّ القلَمَ مَرفوعٌ عنهُ.
قيلَ: نَعمْ، الأمرُ كذلكَ، ولكنْ لا يَلزمَ مِنْ كَونِه مُكلَّفًا أنْ يَترتَّبَ الحُكمُ على مُجرَّدِ لفْظِه كما تَقدَّمَ، كيفَ والمُكرَهُ مُكلَّفٌ ولا يَصحُّ طلاقُه، والسَّكرانُ مُكلَّفٌ، والمريضُ مُكلَّفُ؟! فلا يَلزمُ مِنْ كَونِ العَبدِ مُكلَّفًا أنْ لا يَعرِضَ له حالٌ يَمنعُ اعتبارَ أقوالِه ونَقْضَ أفعالِه.
الوَجهُ الرَّابعُ والعِشرونَ: أنَّ غايةَ التَّلفُّظِ بالطَّلاقِ أنْ يَكونَ جُزءَ سَببٍ، والحُكمُ لا يَتمُّ إلَّا بعْدَ وُجودِ سبَبِه وانتفاءِ مانِعِه، وليسَ مُجرَّدُ التَّلفظِ سَببًا تامًّا باتِّفاقِ الأئمَّةِ كما تَقدَّمَ.
وحِينئذٍ، فالقَصدُ والعِلمُ والتَّكليفُ إمَّا أنْ تكونَ بقيَّةَ أجزاءِ السَّببِ، أو تكونَ شُروطًا في اقتِضائِه، أو يكونَ عَدمُها مانِعًا مِنْ تأثيرِه، وعلى التَّقاديرِ الثَّلاثةِ فلا يُؤثِّرُ التكلُّمُ بالطَّلاقِ بدونِها.
وليسَ معَ مَنْ أوقَعَ طلاقَ الغَضبانِ والسَّكرانِ والمكرَهِ ومَن جرَى على لسانهِ بغَيرِ قصدٍ منهُ إلَّا مُجرَّدُ السَّببِ أو جُزؤُه، بدُونِ شَرطِه وانتفاءِ مانِعِه، وذلكَ غيرُ كافٍ في ثُبوتِ الحُكمِ، واللهُ أعلمُ.
الوجهُ الخامسُ والعشرونَ: أنَّه لو سبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ ولم يُردْه دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، ويُقبلُ منهُ ذلكَ في الحُكمِ في إحدى الرِّوايتَينِ عَنْ أحمدَ، إلَّا أنْ تُكذِّبَه قَرينةٌ، والرِّوايةُ الأُخرَى: يُدَيَّنُ ولا يُقبَلُ في الحُكمِ، وكذلكَ قالَ أصحابُ الشَّافعيِّ: إذا سبَقَ الطَّلاقُ إلى لسانِه بغَيرِ قصْدٍ فهو لَغوٌ، ولكنْ لا تُقبلُ دَعوى سبْقِ اللِّسانِ إلَّا إذا ظَهرَتْ قَرينةٌ تَدلُّ عليهِ، فقَبِلُوا منهُ في الباطِنِ دُونَ الحُكمِ إلَّا بقَرينةٍ.
وكذلكَ قالَ أصحابُ مالكٍ: مَنْ سبَقَ لسانُه إلى الطَّلاقِ لم يَقعْ عليهِ الطَّلاقُ، قالُوا: ويَقبلُ في الفَتوى. =стр. 10418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأبو حَنيفةَ لا يرَى سبْقَ اللِّسانِ مانِعًا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ، وعنهُ في سبْقِ اللِّسانِ في العِتقِ رِوايتَانِ، وقرَّرَ أصحابُه بأنَّ المرأةَ تَملكُ بُضعَها لسَببٍ يَستَوي فيهِ القَصدُ وعَدمُ القَصدِ، كالسَّكرانِ والمُكرَهِ والهازِلِ، وكالرَّضاعِ بالاتِّفاقِ؛ فزَوالُ البُضعِ لا يَختلفُ في سَببِه القَصدُ وعَدمُ القَصدِ، بخِلافِ العِتقِ؛ فإنَّ السَّببَ الَّذي يَملِكُ بهِ نفْسَه يَختلفُ فيهِ القَصدُ وعدَمُه، وروَى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ التَّسويةَ بيْنَهما، ثمَّ اختَلفَ أصحابُه، فقالَتْ طائِفةٌ: هما سَواءٌ في الوُقوعِ، وقالَتْ طائِفةٌ: بل هُما سَواءٌ في عَدمِ الوُقوعِ.
المَقصودُ أنَّ سبْقَ اللِّسانِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ لهُ مانعٌ مِنْ وُقوعِه عِنْدَ الجُمهورِ، والغَضبانُ إذا عَلِمَ مِنْ نَفسِه أنَّ لسانَه سبَقَه بالطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ جازَ لهُ الإقامةُ على نكاحِهِ، ويُدَيَّنُ في الفَتوى، وأمَّا قَبولُه في الحُكمِ فيُخرَّجُ على الخِلافِ، والأظهَرُ أنَّه إنْ قامَتْ قَرينةٌ ظاهِرةٌ تَدلُّ على صحَّةِ قَولِه قُبِلَ في الحُكمِ، والغضَبُ الشَّديدُ مِنْ أقوَى القَرائِن، خاصَّةً أنَّ كثيرًا ممَّن يُطلِّقُ في شدَّةِ الغضَبِ يَحلِفُ باللهِ جهْدَ يَمينِه أنَّه لَم يَقصِدِ الطَّلاقَ، وإنَّما سَبَقَ لِسانه، وحِينئذٍ فالجُمهورُ لا يُوقِعونَ عليهِ الطَّلاقَ، كما صرَّحَ بهِ أصحابُ أحمَدَ والشَّافعيِّ ومالِكٍ، وفي قَبولِه في القَضاءِ ثلاثةُ أقوالٍ، أصحُّها أنَّه إنْ قامَتْ قَرينةٌ ظاهِرةٌ على صِحَّةِ قَولِه قُبِلَ، وإلَّا فلا.
فَصلٌ: وممَّا يُبيِّنُ أنَّ الغَضبانِ قد يَتكلَّمُ في الغَضبِ بما لا يُريدُه ما رَواهُ مُسلمٌ في «صَحيحِه» مِنْ حَديثِ أبي الزُّبيرِ أنَّه سَمعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ يَقولُ: سَمعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّما أنا بَشرٌ، وإنِّي اشتَرطْتُ على رَبِّي : أيُّ عَبدٍ مِنْ المُسلمِينَ شَتمْتُه أو سَبَبتُه أنْ يكونَ ذلكَ لهُ زَكاةً وأجرًا»، وفي «مُسنَد الإمامِ أحمدَ» مِنْ حَديثِ مَسروقٍ عَنْ عائِشةَ قالَتْ: دخَلَ على النَّبيِّ ﷺ رَجلانِ، فأغلَظَ لهُما وسَبَّهُما، قالَتْ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ لمَن أصابَ منكَ خيرًا ما أصابَ هذانِ منكَ خَيرًا، قالَتْ: فقالَ: «أوَمَا عَلمْتِ ما عاهَدْتُ عَليهِ رَبِّي ؟ قُلتُ: اللَّهمَّ أيُّما مُؤمِنٍ سَبَبتُه أو جَلدْتُه أو لَعنْتُه فاجْعَلْها لهُ مَغفِرةً وعافِيةً». =стр. 10419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وفي الصَّحيحَينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرَةَ أنَّه سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «اللَّهمَّ أيُّما عَبدٍ مُؤمنٍ سَبَبتُه فاجعَلْ ذلكَ قُربَةً إليكَ يَومَ القِيامةِ»، وفي بَعضِ ألفاظِ الحَديثِ: «إنَّما أنا بَشرٌ، أَرضَى كما يَرضَى البَشرُ، وأَغضَبُ كما يَغضَبُ البَشرُ، فأيُّما مُؤمِنٍ سَبَبتُه أو لَعنْتُه فاجْعَلْها لهُ زَكاةً».
لو كانَ النَّبيُّ ﷺ مُريدًا لَمَا دعَا بهِ في الغَضبِ، لَمَا شرَطَ على ربِّهِ وسألَ أنْ يَفعَلَ بالمَدعوِّ عليهِ ضدَّ ذلكَ؛ إذْ مِنَ المُمتَنعِ اجتِماعُ إرادةِ الضِّدَّينِ، وقَد صرَّحَ بإرادةِ أحَدِهما مُشتَرطًا له على رَبِّه، فدَلَّ على عَدمِ إرادتِه لِمَا دعَا بهِ في حالِ الغضَبِ.
هذا وهوَ ﷺ مَعصومُ الغضَبِ كما هوَ مَعصومُ الرِّضَا، وهو مالِكٌ لفْظَه بتَصرُّفِه، فكيفَ بمَن لَم يُعصَمْ في غضَبِه وتَمليكِه، ويَتصرَّفُ فيهِ غَضبُه ويَتلاعَبُ الشَّيطانُ به فيه؟!
وإذا كانَ الغَضبانُ يَتكلَّمُ بما لا يُريدُه ولا يُريدُ مَضمونَه فهو بمَنزلةِ المُكرَهِ الَّذي يُلجَأُ إلى الكَلامِ أو يَتكلَّمِ بهِ باختيارِه ولا يُريدُ مَضمُونَه، واللهُ أعلَمُ.
فإنْ قيلَ: ما ذَكَرْتم مُعارَضٌ بما يَدلُّ على وُقوعِ الطَّلاقِ؛ فإنَّ الغَضبانَ أتَى بالسَّببِ اختيارًا، وأرادَ في حالِ الغضَبِ تَرتُّبَ أثَرِه عليهِ، ولا يَضرُّ عَدمُ إرادتِه لهُ في حالِ رِضاهُ؛ إذِ الاعتبارُ بالإرادةِ إنَّما هو حالَ التَّلفُّظِ، بخلافِ المُكرَهِ؛ فإنَّه مَحمولٌ على التكلُّمِ بالسَّببِ، غيرُ مُريدٍ لتَرتُّبِ أثَرِه عليهِ، وبخلافِ السَّكرانِ المَغلوبِ على عَقلهِ؛ فإنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، والغَضبانُ مُكلَّفٌ مُختارٌ، فلا وجهَ لإلغاءِ كلامِهِ.
فالجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ أُريدَ ب «الاختيار» رضاهُ بهِ وإيثارُه له فليسَ بمُختارٍ، وإنْ أردْتُم أنَّه وقَعَ بِمَشيئتِه وإرادتِه الَّتي هو غَيرُ راضٍ بها ولا بأثَرِها فهذا بمُجرَّدِه لا يُوجِبُ تَرتُّبَ الأثرِ؛ فإنَّ هذا «الاختيار» ثابِتٌ للمُكرَهِ والسَّكرانِ؛ فإنَّا لا نَشتَرطُ في السَّكرانِ أنْ لا يُفرِّقَ بيْنَ الأرضِ والسَّماءِ، بلِ المُشتَرطُ في عَدمِ تَرتُّبِ أثرِ أقوالِه أنَّه يَهذِي ويَخلطُ في كَلامِه، وكذلكَ المَحمومُ والمَريضُ. =стр. 10420
المسألةُ الخامسَةَ عشَرَ: طلاقُ النَّاسِي:
تَكلَّمَ الفُقهاءُ في طلاقِ النَّاسِي، وهوَ لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ صُوَرٍ:
الصُّورةُ الأُولَى: إذا طلَّقَ الرَّجلُ زَوجتَهُ وهوَ ناسٍ أنَّه تَزوَّجَها، أو طلَّق امرأةً بعَينِها ناسِيًا أنَّها زَوجتَهُ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرَأةٍ مَثلًا -وهوَ يقَعُ كَثيرًا فيمَن يَعقِدُ عَليها ولم يَدخُلْ بها- ثمَّ طلَّقَها وهوَ ناسٍ أنَّها زَوجتَهُ ويَظنُّ أنَّها
الحواشي
(١) = وأبلَغُ مِنْ هذا الصَّبيُّ المُراهِقُ للبُلوغُ؛ إذْ هوَ مِنْ أهلِ الإرادةِ والقصدِ الصَّحيحِ، ثمَّ لم يَترتَّبْ على كلامِهِ أثَرُه، وكذلكَ مَنْ سبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ ولم يُرِدْه فإنهُ لا يَقعُ طلاقُه، وقد أتَى باللَّفظِ في حالِ «الاختيار» غيرَ مُكرَهٍ، ولكنْ لم يَقصدْهُ، والغَضبانُ وإنْ قَصدَه فلا حُكمَ لقَصدِه في حالِ الغَضبِ؛ لمَا تَقدَّمَ مِنْ الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على ذلكَ.
وقَد صرَّحُ أصحابُنا: مَنْ كانَ جُنونُه لنَشافٍ أو بَرسامٍ لا يَقعُ طلاقُه، ويَسقُطُ حُكمُ تَصرُّفِه، وإنْ كانَتْ مَعرفتُه غَيرَ ذاهِبةٍ بالكُليةِ، ولا يَضرُّه أنْ يَذكُرَ الطَّلاقَ وأنه أوقَعَه.
وما ذَكرْناهُ مِنْ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ ربَّهُ أنْ يَجعلَ سَبَّهُ لمَن سَبَّهُ في حالِ غَضبِه صَريحٌ في أنَّه غَيرُ مُريدٍ لهُ؛ إذْ لو أرادَهُ واختارَه لم يَسألْ ربَّه أنْ يَفعلَ بالمَدعوِّ عليهِ ضدَّ ما دعا بهِ عليهِ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ إرادةُ ضِدَّينِ في حالةٍ واحِدةٍ، وهذا وحْدَه كافٍ في المَسألةِ.
فهذا ما ظهَرَ في هذِه المَسألةِ بعْدَ طُولِ التأمُّلِ والفِكرِ، ونَحنُ مِنْ وَراءِ القَبولِ والشُّكرِ لمَن رَدَّ ذلكَ بحُجَّةٍ يَجبُ المَصيرُ إليها، ومِن وَراءِ الرَّدِّ على مَنْ رَدَّ ذلكَ بالهَوى والعِنادِ، واللهُ المُستعانُ، وعليهِ التُّكلانُ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِ المُرسَلِينَ وخاتمِ النَّبيِّينَ، وعلى آلِهِ وأصحابِه وعِتْرَتِه وأنصارِهِ، صلاةً دائِمةً بدَوامِ مُلكِ اللهِ .
إلى هُنا انتَهى كلامُ الإمامِ ابنِ القيِّمِ وانتهَتْ رِسالتُه الماتِعةُ، وإنَّما ذكَرْتُها ولم أحذِفْ مِنها إلَّا الشَّيءَ اليَسيرَ؛ لعِظَمِ نَفعِها؛ إذْ هي لُبُّ بابِ الطَّلاقِ، فعامَّةُ الطَّلاقِ الَّذي يقَعُ بيْنَ المُسلمِينَ اليومَ يَكونُ في حالةِ الغَضبِ الَّتي أفرَدَها الإمامُ في رِسالتِه.стр. 10421
خَطيبَتُه فقَطْ أو لسَببٍ آخرَ، فإنَّ الفُقهاءَ نَصُّوا في هذهِ الحالةِ أنَّه إذا طلَّقَها أنَّ طَلاقَه يَلزمُه.
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: الخَطأُ: هو ما أرادَ الرَّجلُ غيْرَه ففعَلَهُ لا عَنْ قَصدٍ مِنهُ إليهِ ولا إرادةٍ منهُ إيَّاهُ، وكانَ السَّهوُ ما قصَدَ إليهِ ففعَلَه على القَصدِ منهُ إليهِ على أنَّهُ سَاهٍ عَنِ المَعنى الَّذي يَمنَعُه مِنْ ذلكَ الفِعلِ، وكانَ الرَّجلُ إذا نَسِيَ أنْ تكونَ هذهِ المَرأةُ لهُ زَوجةً فقصَدَ إليها فطَلَّقَها فكُلٌّ قد أجمَعَ أنَّ طلاقَهُ عامِلٌ، ولَم يُبطِلُوا ذلكَ لسَهوِه، ولَم يَدخُلْ ذلكَ السَّهوُ في السَّهوِ المَعفوِّ عنهُ (١) .
ويُسمَّى أيضًا طلاقَ الظَّانِّ، قالَ الإمامُ السُّغْدِيُّ الحَنفيُّ ﵀: طلاقَ الظَّانِّ طلاقٌ، وهو أنَّ الرَّجلَ يَرَى امرأتَهُ فيَظنُّها أجنبيَّةً فيَقولُ لها: «أنتِ طالِقٌ» … أو نَسِيَ نِكاحَها فقالَ بعْدَ ذلكَ: «كلُّ امرَأةٍ لهُ طالِقٌ» فإنَّها لا تَطلُقُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) .
لكنْ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هذهِ الصُّورةَ يَجرِي فيها الخِلافُ الآتي ذِكرُه وإنْ لم أَجِدْه مَنصوصًا للفُقهاءِ.
وقد قالَ شَيخُ الإسلامُ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو لَقِيَ امرَأةً ظَنَّها أجنبيَّةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» فتَبيَّنَ أنَّها امرَأتُه فإنَّها لا تَطلُقُ على الصَّحيحِ؛ إذِ الحواشي
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥).(٢) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٥٠).стр. 10422
الاعتِبارُ بما قصَدَه في قَلبِه، وهوَ قصَدَ مُعيَّنًا مَوصُوفًا ليسَ هوَ هذا العَينَ (١) .
وقالَ الطُّوفِيُّ الحَنبليُّ ﵀: أمَّا النَّاسِي والسَّكرانُ ففي طلاقِهما اختِلافٌ بيْنَ العُلماءِ، وعَن أحمَدَ في النَّاسِي قَولانِ، وفي السَّكرانِ أقوالٌ، ثالِثُها الوَقفُ، والمَشهورُ بيْنَ الأصحابِ فِيهما الوُقوعُ، والأشبَهُ عدَمُه؛ لأنَّهما غَيرُ مُكلَّفَينِ، ولا عِبادةَ لغَيرِ مُكلَّفٍ.
فإنْ جَعلُوا الوُقوعَ فيهما سَببًا عارَضَهم في النَّاسِي قَولُه ﵇: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطأِ والنِّسيانِ» (٢) .
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها على فِعلِ شَيءٍ فيَفعلُه ناسِيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يُعلِّقُ طلاقَ زَوجَتِه على فِعلِ شيءٍ فيَفعلُه ناسِيًا، كأنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرَأتِه أنْ لا يَدخُلَ دارَ فُلانٍ أو لا يأكُلَ مِنْ طَعامِه أو لا يُكلِّمَ فُلانًا ونَحوهُ ثمَّ نَسِيَ فدخَلَ دارَه أو يَفعَلَ غيرَه ناسِيًا، هلْ يقَعُ الطَّلاقُ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ العمدَ والنِّسيانَ سَواءٌ في الطَّلاقِ، فمَن علَّقَ طَلاقَ امرَأتِه على فِعلِ شيءٍ ففعَلَه ناسِيًا لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه فعَلَ ما حلَفَ عليهِ قاصِدًا لفِعلِه، فلَزمَه الطَّلاقُ كالذَّاكِرِ. الحواشي
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٨٠).(٢) «شرح مختصر الروضة» (١/ ١٩٠).стр. 10423
ولأنَّ الحَلِفَ بالطَّلاقِ مِنْ بابِ التَّعليقِ على الشَّرطِ، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ وُجِدَ المَشروطُ، سَواءٌ كانَ مُختارًا لوُجودِه أو لم يَكنْ، كما لو قالَ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ».
ولأنَّ هذا يَتعلَّقُ بهِ حَقُّ آدميٍّ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بهِ معَ النِّسيانِ كالإتلافِ، ولأنهُ حُكمٌ عُلِّقَ على شَرطٍ، فيُوجَدُ بوجدانِ شَرطِه.
قالَ الإمامُ السُّغْدِيُّ الحنفِيُّ ﵀: وأمَّا طلاقُ النَّاسِي فليسَ بطَلاقٍ عندَ الشَّعبيِّ وعَطاءٍ وأبي عَبدِ اللهِ، وهوَ أنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرَأتِه أنْ لا يَدخُلَ دارَ فُلانٍ أو لا يَأكلَ مِنْ طَعامِه أو لا يُكلِّمَ فُلانًا ونَحوه ثمَّ نَسِيَ فدخَلَ دارَهُ؛ فإنَّه لا يَحنَثُ ولا تَطلُقُ امرَأتُه، وفي قَولِ أبي حَنيفةَ وأصحابِه يَحنَثُ وتَطلُقُ امرَأتُه (١) .
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: فلَو طلَّقَ غافِلًا أو ساهِيًا أو مُخطِئًا وقَعَ (٢) . الحواشي
(١) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٤٨)، و «الهداية» (٢/ ٧٢)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٦٤، ٦٥)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٩)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣٠٤)، و «الأشباه والنظائر» ص(٢٤) ، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٢٦)، و (٧/ ٤١٥، ٤١٦)، و «شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٠، ٧١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨٥)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٣٠)، و «المغني» (٩/ ٣٩١، ٤٢٠)، و «إعلام الموقعين» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و «الفروع» (٦/ ٣٤٧)، و «المبدع» (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٨)، و «الإنصاف» (٩/ ١١٤، ١١٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).(٢) «الأشباه والنظائر» ص(٢٤) .стр. 10424
إلَّا أنَّ الإمامَينِ الحَصكَفيَّ وابنَ عابدِينَ -رحمهما الله- يَرَونَ أنَّ طلاقَهُ يقَعُ قَضاءً لا دِيانةً، فيُدَيَّنُ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، وإنْ كانَ الحَنفيَّةُ كالسُّغدِيِّ وابنِ نُجيمٍ وغَيرِهما أطلَقُوا وقالُوا يَقعُ، ولَم يُفرِّقُوا بيْنَ القَضاءِ والدِّيانةِ.
قالَ الحَصكَفيُّ في «الدُّر المُختَار»: (أو مُخطِئًا) بأنْ أرادَ التَّكلُّمَ بغَيرِ الطَّلاقِ فجرَى على لسانِه الطَّلاقُ، أو تَلفَّظَ بهِ غيرَ عالِمٍ بمِعناهُ، أو غافِلًا أو ساهِيًا أو بألفاظٍ مُصحَّفَةٍ، يَقعُ قَضاءً فقَطْ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُهُ: (أو غافِلًا أو ساهِيًا) في «المِصباح»: الغَفلَةُ: غَيبةُ الشَّيءِ عَنْ بالِ الإنسانِ وعَدمُ تَذكُّرِه لهُ.
وفيهِ أيضًا: سهَا عَنِ الشَّيءِ يَسهُو، غفَلَ قلبُه عنهُ حتَّى زالَ عنهُ فلَم يَتذكَّرْهُ.
وفرَّقُوا بيْنَ السَّاهِي والنَّاسِي بأنَّ الناسِيَ إذا ذُكِّرَ تَذكَّرَ، والسَّاهِي بخِلافِه. اه.
فالظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا بالغافِلِ النَّاسِي، بقَرينَةِ عَطفِ السَّاهِي عَليهِ، وصُورَتُه: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها على دُخولِ الدَّارِ مَثلًا فدَخَلَها ناسِيًا التَّعليقَ أو ساهِيًا.
قَولُه: (أو بألفاظٍ مُصحَّفَةٍ) نحوُ: «طَلاغٍ وتَلاغٍ وطَلاكٍ وتَلاكٍ»، كما يَذكُرُه أوَّلُ البابِ الآتي.
قَولُه: (يقَعُ قَضاءً) مُتعلِّقٌ بالمُخطِئِ وما بعْدَهُ ح.
стр. 10425
لكنْ في وُقوعِه في السَّاهِي والغافِلِ على ما صَوَّرناهُ لا يَظهَرُ التَّقييدُ بالقَضاءِ؛ إذْ لا فرْقَ في مُباشَرةِ سَببِ الحِنثِ بيْنَ التَّعمُّدِ وغَيرِه.
تَنبيهٌ: في «الحاوِي الزَّاهديِّ»: ظَنَّ أنَّه وقَعَ الثَّلاثُ على امرَأتِه بإفتاءِ مَنْ لم يَكنْ أهلًا للفَتوَى، وكُلِّفَ الحاكِمُ كِتابتَها في الصَّكِّ فكُتبَتْ، ثمَّ استَفتَى ممَّن هوَ أقَلُّ للفَتوَى فأفتَى بأنَّه لا يَقعُ، والتَّطليقَاتُ الثَّلاثُ مَكتوبةٌ في الصَّكِّ بالظَّنِّ، فلَهُ أنْ يَعودَ إليها دِيانةً، ولكنْ لا يُصدَّقُ في الحُكمِ. اه (١) .
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ وابنُ مُفلِحٍ والمِرْداويُّ، وهو قَولُ عَطاءٍ وعَمرِو بنِ دِينارٍ والشَّعبيِّ إلى أنَّه لا يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقَولِه تعالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ولقَولِه ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أُمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (٢) . أي لا يُؤاخِذُهم بذلكَ، فيَعمُّ كلَّ حُكمٍ إلَّا ما قامَ الدَّليلُ على استِثنائِه كقِيَمِ المُتلَفَاتِ، ولأنَّ النَّاسيَ لا يُكلَّفُ حالَ نِسيانِه، فلا يَلزَمُه الحِنثُ كالحَلِفِ باللهِ تعالَى، ولأنه غَيرُ قاصِدٍ للمُخالَفةِ، فلَم يَحنَثْ كالنَّائمِ والمَجنونِ.
ولأنَّه أحَدُ طَرفي اليَمينِ، فاعتُبِرَ فيهِ القَصدُ كحالَةِ الابتِداءِ بها. الحواشي
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤١، ٢٤٢).(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه(٢٠٤٣) .стр. 10426
ولقَولِه ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، والنَّاسي لا نيَّةَ لهُ.
ولأنَّ المُكرَهَ على الطَّلاقِ لا يقَعُ طَلاقُه، فكذا المُكرَهُ على الصِّفةِ، ولا فرْقَ بيْنَ الحَلِفِ باللهِ تعالَى وبالطَّلاقِ (١) .
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إذا حلَفَ لا يَفعَلُ شَيئًا ففعَلَه ناسِيًا ليَمينِه أو جاهِلًا بأنهُ المَحلوفُ عليهِ فلِلعُلماءِ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
(أحَدُها): لا يَحنَثُ بحالٍ في جَميعِ الأيمانِ، وهذا مَذهَبُ المَكِّيِّينَ كعَطاءٍ وابنِ أبي نَجِيحٍ وعَمرِو بنِ دِينارٍ وغَيرِهم، ومَذهبُ إسحاقَ ابنِ راهوَيهِ، وهوَ أحدُ قَولي الشَّافعيِّ بل أظهَرُهما، وهو إحدى الرَّوايتَينِ عَنْ أحمَدَ.
ونَظرتُ جَوابَه في هذهِ الرِّوايةِ فوَجدْتُ النَّاقلِينَ لهُ بقَدرِ النَّاقلِينَ لجَوابِه في الرِّوايةِ الثَّانيةِ الَّتي اختارَها الخَلَّالُ صاحِبُه والخِرقيُّ والقاضِي وغَيرُهم مِنْ أصحابِهِ، وهو الفرْقُ بيْنَ اليَمينِ المُكفّرَةِ كاليمين باللهِ تعالَى الحواشي
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٢٦)، و (٧/ ٤١٥، ٤١٦)، و «شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢٢١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٠١، ٥٠٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٧٩، ٥٨٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٦٩)، و (٤/ ٥٢٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٤١، ٥٥٣)، «الديباج» (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٣٠)، و «المغني» (٩/ ٣٩١، ٤٢٠)، و «إعلام الموقعين» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و «الفروع» (٦/ ٣٤٧)، والمبدع (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٨)، و «الإنصاف» (٩/ ١١٤، ١١٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، و «فتح الباري» (٩/ ٣٩٠).стр. 10427
والظِّهارِ والحَرامِ، واليَمينِ الَّتي لا تُكفّرُ على مَنصوصِه وهي اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ.
و (القَولُ الثَّالثُ): أنهُ يَحنَثُ في جَميعِ الأيمانِ، وهوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في الرِّوايةِ الثَّالثةِ عنهُ.
والقَولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الحَضَّ والمَنعَ في اليَمينِ بمَنزلةِ الطَّاعةِ والمَعصيةِ في الأمرِ والنَّهيِ، فإنَّ الحالِفَ على نَفسِه أو عَبدِه أو قَرابتِه أو صَديقِه الَّذي يَعتقِدُ أنَّه يُطيعُه هو طالِبٌ لِمَا حلَفَ على فِعلِه مانِعٌ لِمَا حلَفَ على تَركِه، وقدْ وَكَّدَ طلَبَه ومَنْعَه باليَمينِ، فهو بمَنزلةِ الأمرِ والنَّهيِ المُؤكَّدِ، وقدِ استَقرَّ بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ أنَّ مَنْ فعَلَ المَنهيَّ عنهُ ناسِيًا أو مُخطِئًا فلا إثمَ عليهِ، ولا يَكونُ عاصِيًا مُخالِفًا، فكذلكَ مَنْ فعَلَ المَحلُوفَ ناسِيًا أو مُخطِئًا فإنَّه لا يَكونُ حانِثًا مُخالِفًا ليَمينِه، ويَدخُلُ في ذلكَ مَنْ فعَلَه مُتأوِّلًا أو مُقلِّدًا لِمَنْ أفتاهُ، أو مُقلِّدًا لعالِمٍ مَيِّتٍ أو مُجتهِدًا مُصيبًا أو مُخطِئًا، فحَيثُ لم يَتعمَّدِ المُخالَفةَ ولكنِ اعتَقدَ أنَّ هذا الَّذي فعَلَه ليسَ فيهِ مُخالَفةٌ لليَمينِ فإنَّه لا يكونُ حانِثًا (١) .
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرَةَ ﵀: واختَلفُوا فيمَا إذا فعَلَ المَحلُوفَ عليهِ ناسِيًا وكانَ اليَمينُ أنْ لا يَفعَلَه مُطلَقًا مِنْ غَيرِ تَقييدٍ، فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: يَحنَثُ بإطلاقِهِ، سَواءٌ كانَتِ اليَمينُ باللهِ أو بالظِّهارِ أو بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ. الحواشي
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٠٨، ٢١٠).стр. 10428
وقالَ الشَّافعيُّ في إحدَى قَولَيهِ: لا يَحنَثُ، وهوَ أظهَرُهما، واختارَ القَفَّالُ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ والحِنْثُ لا يَحصُلُ.
وعَن أحمَدَ رِوايتانِ: إحدَاهُما: إنْ كانَتِ اليَمينُ باللهِ أو بالظَّهارِ أنْ لا يَفعَلَ شَيئًا ففعَلَه ناسِيًا لم يَحنَثْ، وإنْ كانَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ حنَثَ، والرِّوايةُ الثَّانيةُ: أنَّه يَحنَثُ في الجَميعِ، والرِّوايةُ الثَّالثةُ: لا يَحنَثُ في الجَميعِ (١) .
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها بفِعلِ غَيرِه كزَوجَةٍ ووَلدٍ ففعَلَتْه أو فعَلَه ناسِيًا:
قالَ الشَّافعيةُ: لو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِ غَيرِه وقَد قصَدَ بذلكَ منْعَهُ أو حثَّهُ وهوَ ممَّن يُبالي بتَعليقِه -أي يَشُقُّ عليهِ حِنثُه- فلا يُخالِفُه لنَحوِ صَداقةٍ أو قَرابةٍ أو زَوجيَّةٍ فيَحرِصُ على إبرارِ قَسَمِه ولو حَياءً لمَكارِمِ الأخلاقِ، وليسَ المُرادُ خَشيةَ العُقوبَةِ مِنْ مُخالَفتِه، وعَلِمَ غَيرُه بتَعليقِه، فلا يقَعُ الطَّلاقُ في الأظهَرِ إذا فعَلَه ناسِيًا أو مُكرَهًا أو جاهِلًا، وإلَّا بأنْ لم يَقصِدِ الزَّوجُ منْعَه أو حثَّهُ أو لم يَكنْ يُبالي بتَعليقِه كالسُّلطانِ والحَجِيجِ، أو كانَ يُبالي بهِ ولَم يَعلَمْ بهِ، فيقَعُ الطَّلاقُ بفِعلِه قَطعًا، وإنِ اتَّفقَ في بعضِ الصُّورِ نِسيانٌ ونَحوُه؛ لأنَّ الغرَضَ حِينئذٍ مُجرَّدُ تَعليقِ الفِعلِ مِنْ غَيرِ قَصدِ مَنعٍ أو حَثٍّ. الحواشي
(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٧٥، ٣٧٦)، وقالَ السُّغْديُّ الحَنفيُّ ﵀: طلاقُ اللَّاغِي وهو أنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرأتِه أنه لم يَفعَلْ كذا وكذا، وهو يَرَى أنه لَم يَفعَلْ ثمَّ عَلِمَ أنه فعَلَ ذلكَ الفِعلَ فإنَّ امرَأتَه تَطلُقُ. «فتاوَى السُّغديِّ» (١/ ٣٥٠).стр. 10429
لَكنْ يُستَثنَى مِنهُ الصُّورةُ الأخيرَةُ، وهي فيما إذا قصَدَ فِيمَن يُبالي بهِ إعلامَهُ ولم يَعلمْ بهِ فلا تَطلُقُ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو عَلَّقَ بفِعلِ الزَّوجةِ أو أجنبيِّ؛ فإنْ لم يَكنْ للمُعلَّقِ بفِعلِه شُعورٌ بالتَّعليقِ ولم يَقصِدِ الزَّوجُ إعلامَهُ أو كانَ ممَّن لا يُبالي بتَعليقِهِ، بأنْ عَلَّقَ بقُدومِ الحَجيجِ أوِ السُّلطانِ طُلِّقَتْ بفِعلِه في حالَتيِ النِّسيانِ والإكراهِ على المَذهبِ، وقيلَ: إنْ فعَلَهُ مُكرَهًا ففيهِ القَولانِ، فكأنَّه لا فِعلَ لهُ.
وإنْ كانَ المُعلَّقُ بفِعلِه عالِمًا بالتَّعليقِ وهوَ ممَّنْ يُبالي بتَعليقِهِ وقصَدَ المُعلِّقُ بالتَّعليقِ منْعَه ففعَلَه ناسِيًا أو مُكرَهًا أو جاهِلًا ففيهِ القَولانِ.
ولو قَصَدَ منْعَها مِنَ المُخالَفةِ فنَسيَتْ قالَ الغَزاليُّ: لا تُطَلَّقُ قَطعًا؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، ويُشبِهُ أنْ يُراعَى مَعنَى التَّعليقِ ويُطرَدَ الخِلافُ.
قُلتُ: الصَّحيحُ قَولُ الغَزاليِّ، ويَقرُبُ مِنهُ عَكسُهُ وهوَ أنَّه لو حلَفَ لا يَدخُلُ عمدًا ولا ناسِيًا فدخَلَ ناسِيًا فنقَلَ القاضِي حُسينٌ أنَّه يَحنَثُ بلا خِلافٍ (١) .
وهذا كلُّه إذا حلَفَ على فِعلٍ مُستَقبلٍ، أمَّا إذا حلَفَ على نَفيِ شيءٍ وقَعَ جاهِلًا به أو ناسِيًا لهُ كما لَو حلَفَ أنَّ زيدًا ليسَ في الدَّارِ وكانَ فيها ولم يَعلمْ بهِ أو عَلمَ ونَسيَ؛ فإنْ حلَفَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في ظنِّهِ أو فيما انتَهَى إليهِ الحواشي
(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٥٠٢).стр. 10430
عِلمُه -أي لم يَعلمْ خِلافَه- ولم يَقصِدْ أنَّ الأمرَ كذلكَ في الحَقيقةِ لم يَحنَثْ؛ لأنَّه إنَّما حلَفَ على مُعتقَدِهِ، وإنْ قصَدَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في نَفسِ الأمرِ أو أطلَقَ ففي الحِنثِ قَولانِ، رجَّحَ مِنهُما ابنُ الصَّلاحِ وغَيرُه الحِنثَ، وصَوَّبَه الزَّركَشيُّ؛ لأنهُ غَيرُ مَعذُورٍ، إذْ لا حِنثَ ولا مَنْعَ بل تَحقِيقٌ، فكانَ عليهِ أنْ يَتثبَّتَ قبلَ الحَلِفِ، بخِلافهِ في التَّعليقِ بالمُستقبَلِ.
ورجَّحَ الإسنَوِيُّ وغَيرُه أخذًا مِنْ كَلامِ أصلِ الرَّوضَةِ عدَمَ الحِنثِ، ورجَّحَ بعضُ المُتأخِّرينَ أنَّه يَحنَثُ فيما إذا قصَدَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في نفسِ الأمرِ، وعَدمَ الحِنثِ عِنْدَ الإطلاقِ، قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ: وهذا أوجَهُ.
ثمَّ قالَ: تَتمَّةٌ: لو علَّقَ الطَّلاقَ بدُخولِ بهيمَةٍ أو نَحوِها كطِفلٍ فدَخلَتْ مُختارةً وقَعَ الطَّلاقُ، بخِلافِ ما إذا دخَلَتْ مُكرَهةً لم يَقَعْ.
فإنْ قيلَ: هذا يُشكِلُ بما مَرَّ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ فيما إذا لَم يَعلمِ المُعلَّقُ بفِعلِه التَّعليقَ وكانَ ممَّنْ لا يُبالي بتَعليقِهِ، أو مِمَّنْ يُبالي به ولَم يَقصدِ الزَّوجُ إعلامَهُ ودخَلَ مُكرَهًا.
أُجيبَ: بأنَّ الآدَميَّ فعْلُه مَنسُوبٌ إليهِ وإنْ أتَى بهِ مُكرَهًا، ولهذا يَضمَنُ بهِ، بخِلافِ فعلِ البَهيمةِ، فإنَّها حِينَ الإكراهِ لم تَفعلْ شيئًا.
وحُكمُ اليَمينِ فيما ذُكِرَ كالطَّلاقِ، ولا يَنحَلُّ بفِعلِ الجاهِلِ والنَّاسي والمُكرَهِ (١) . الحواشي
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٥٢٦، ٥٢٧)، ويُنظر: و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٠٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٨٠)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٥٠، ٥٥٣)، و «الديباج» (٣/ ٤٦٩).стр. 10431
وقالَ الحَنابلةُ: لو حلَفَ على مَنْ يَمتَنعُ بيَمينِه وقصَدَ الحالِفُ منعَه مِنَ المَحلوفِ عَليهِ كالزَّوجةِ والوَلدِ ونَحوِهما كغُلامِه وقَرابتِه ففعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا ففيهِ ثلاثُ رِواياتٍ، والصَّحيحُ منها أنَّه يَحنَثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ دُونَ غيرِهِما، وقيلَ: لا يَحنَثُ مُطلَقًا، وقيلَ: يَحنَثُ في الجَميعِ.
وإنْ فعَلَه مُكرَهًا فلا شيءَ عليهِ، كمَن حلَفَ على زَوجَتِه أو نحوِها أنْ لا تَدخُلَ دارًا فدَخلَتْها مُكرَهةً لم يَحنَثْ مُطلَقًا، وإنْ دخلَتْها جاهِلةً أو ناسِيةً فيَحنثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنْ قالَ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْها ناسِيةً أو جاهِلةً طلقَتْ، وكذا إنْ قالَ لابنِه: «إنْ دَخلْتَ الدَّار فأمُّكَ طالِقٌ» فدخَلَ ناسِيًا أو جاهِلًا طلقَتْ أمُّه.
وحَلِفُه على هَؤلاءِ -مَنْ يَقصِدُ مَنْعَه كزَوجةٍ ووَلدٍ وغُلامِه وقَرابتِه- لا يَفعلَنَّ شَيئًا كحَلفِه على نَفسِه في كَونِه يَمينًا؛ لحُصولِ المَقصودِ مِنَ اليَمينِ بهِ، وهوَ المنعُ مِنْ ذلكَ الشَّيءِ.
فإنْ لم يَقصِدْ منْعَه بأنْ قالَ: «إنْ قَدِمَتْ زَوجتِي بلدَ كذا فهيَ طالِقٌ» ولم يَقصِدْ منْعَها فهوَ تَعليقٌ مَحضٌ، يقَعُ بقُدومِها كيفَ كانَ، كمَن لا يَمتَنعُ بيَمينِه.
وإنْ حلَفَ على مَنْ لا يَمتَنعُ بيَمينِه كالسُّلطانِ والأجنَبيِّ والحاجِّ استَوى في وُجودِ المَحلوفِ عَليهِ العَمدُ والسَّهوُ والإكراهُ وغَيرُه، أي يَحنَثُ الحِالفُ في ذلكَ؛ لأنهُ تَعليقٌ مَحضٌ، فحنَثَ بوُجودِ المُعلَّقِ عَليه.
стр. 10432
وإنْ حلَفَ على غَيرِه لَيَفعلَنَّ كذا أو حلَفَ على غَيرِه لا يَفعلَنَّه فخالَفَه حنَثَ الحالِفُ؛ لوُجودِ الصِّفةِ وتَوكيدِ الفِعلِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بلا قَليلٍ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
وقالَ شَيخُ الإسلامِ: لا يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالَفةِ المَحلوفِ عليهِ إنْ قصَدَ إكرامَهُ، لا إلزامَهُ بهِ بالمَحلُوفِ عَليهِ؛ لأنَّ الإكرامَ قدْ حصَلَ لأنَّهُ كالأمرِ إذا فُهِمَ منهُ الإكرامُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أبا بكرٍ بالوُقوفِ في الصَّفِّ ولَم يَقفْ.
ولأنَّ أبا بكرٍ أقسَمَ عليهِ لَيُخبِرَنَّهُ بالصَّوابِ والخَطأِ لمَّا فسَّرَ الرُّؤيا فقالَ: لا تُقسِمْ؛ لأنهُ عَلِمَ أنَّه لم يَقصدِ الإقسامَ عليهِ معَ المَصلحةِ المُقتضيةِ للكَتمِ، وقالَ: إنْ لَم يَعلمِ المَحلُوفُ عليهِ بيَمينِه فكَنَاسٍ، قالَ ابنُ مُفلحٍ: وعَدمُ حِنثِه هُنا أظهَرُ (١) .
وإنْ حلَفَ لَيَفعلَنَّ شَيئًا فتَرَكَه مُكرَهًا لم يَحنَثْ؛ لأنَّ التَّركَ لا يُنسَبُ إليهِ، أي بتَركِه، وإنْ ترَكَه ناسِيًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فَقطْ في وَجهٍ، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ قَويُّ.
والوَجهُ الثَّاني: لا يَحنَثُ فيهما، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ الصَّوابُ، وقطَعَ بهِ في «التَّنقِيح» وتَبِعَه في «المُنتَهى». الحواشي
(١) «الفروع» (٦/ ٣٤٨).стр. 10433
وإنْ ترَكَه جاهِلًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فقطْ، كما تَقدَّمَ فيما لو حلَفَ لا يَفعَلُه.
وإنْ عقَدَ اليَمينَ يَظنُّ صِدقَ نفسِه فبانَ بخِلافِ ظنِّهِ فكَمَن حلَفَ على مُستَقبلٍ لا يَفعَلُه وفعَلَه ناسِيًا، يَحنَثُ في طَلاقٍ وعِتقٍ فقَطْ لا في يَمينِ اللهِ تعالَى (١) . الحواشي
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٨٠)، و «المبدع» (٧/ ٣٧٠)، و «الإنصاف» (٩/ ١١٦).стр. 10434
الركنُ الثالثُ: المحلُّ: وهيَ المطلَّقةُ:
المَقصودُ بالمَحلِّ هو الزَّوجةُ الواقِعُ عليها الطَّلاقُ.
ويُشتَرطُ في الزَّوجةِ ليَقعَ عليها الطَّلاقُ شُروطٌ، مِنها:
الشَّرطُ الأولُ: قيامُ الزَّوجيةِ حَقيقةً أو حُكمًا:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ الَّتي يَقعُ عليها الطَّلاقُ أنْ تكونَ زَوجةً للمُطلِّقِ أو مُعتدَّةً مِنْ طلاقِه الرَّجعيِّ، فإذا طلَّقَها في هذهِ الحالةِ وقَعَ عليها الطَّلاقُ بلا خِلافٍ بيْنَ العُلماءِ.
ولا يَقعُ طلاقُه عليها إذا كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ طلاقٍ بائِنٍ، أو مِنْ خُلعٍ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ المُختلِعةَ لا يَلحقُها الطَّلاقُ.
وعلى هذا لا يَصحُّ طلاقُ الأجنَبيَّةِ إذا نَجَّزَ الطَّلاقَ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ، فلو قالَ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «أنتِ طالِقُ، أو طَلَّقْتكِ، أو إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ» فهوَ باطِلٌ لا تأثيرَ لهُ؛ لأنهُ إبطالُ الحِلِّ ورَفعُ القَيدِ، ولا قيْدَ في الأجنبيَّةِ، فلا يُتصوَّرُ إبطالُهُ ورَفعُه، ولأنهُ ليسَ لهُ وِلايةٌ على المَحلِّ تَحقيقًا ولا تَعليقًا، وقَد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا طلاقَ قبلَ النِّكاحِ» (١) .
وعَن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ فيما لا يملك» (٢) . والسَّببُ في ذلكَ أنَّ الطَّلاقَ إنَّما يَجوزُ الحواشي
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه(٢٠٤٩) .(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي(١١٨١) ، وابن ماجه(٢٠٤٧) .стр. 10435
للمَصلحةِ، والمَصلحةُ لا تَتمثَّلُ عِندَه قبْلَ أنْ يَملِكَها ويَرى مِنها سِيرَتَها، فكانَ طلاقُها قبْلَ ذلكَ بمَنزلةِ نيَّةِ المُسافرِ الإقامةَ في المَفازةِ أو الغازي في دار الحَربِ ممَّا تُكذِّبُه دَلائلُ الحالِ (١) .
وهذا إذا كانَ الطَّلاقُ مُنجَّزًا أو مُعلَّقًا ولم يُعلِّقْه على نِكاحِها.
إذا علَّقَ طَلاقَها على نِكاحِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَقولُ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ تَزوَّجُتكِ ودَخلتِ الدَّارِ أو كَلَّمتِ زَيدًا فأنتِ طالقٌ»، هل إذا تَزوَّجَها تَطلُقُ في الحالةِ الأُولَى، وعلى فِعلِ المُعلَّقِ في الحالةِ الثَّانيةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ أو لخَطيبَتِه مَثلًا: «إنْ تَزوَّجْتُ فُلانةً فهي طالِقٌ واحِدةً، أو اثنَتينِ، أو ثلاثةً» فتَزوَّجَها فهي كذلكَ إذا نكَحَها، فيَقعُ عليها كما قالَ عَقِيبَ التَّزويجِ.
وكذا إذا قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» أي بعْدَ أنْ يَنكِحَها، أي الحواشي
(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٦)، و «حجة الله البالغة» (١/ ٧١٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٥٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٤٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥١١، ٥١٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٥)، و «الديباج» (٣/ ٤٢٢)، و «المبدع» (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٥٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٢٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٩٩، ٤٠٠)، و «منار السبيل» (٣/ ١١٢).следующие страницы →