← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

وقالَ الحَنابلةُ: لو حلَفَ على مَنْ يَمتَنعُ بيَمينِه وقصَدَ الحالِفُ منعَه مِنَ المَحلوفِ عَليهِ كالزَّوجةِ والوَلدِ ونَحوِهما كغُلامِه وقَرابتِه ففعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا ففيهِ ثلاثُ رِواياتٍ، والصَّحيحُ منها أنَّه يَحنَثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ دُونَ غيرِهِما، وقيلَ: لا يَحنَثُ مُطلَقًا، وقيلَ: يَحنَثُ في الجَميعِ. وإنْ فعَلَه مُكرَهًا فلا شيءَ عليهِ، كمَن حلَفَ على زَوجَتِه أو نحوِها أنْ لا تَدخُلَ دارًا فدَخلَتْها مُكرَهةً لم يَحنَثْ مُطلَقًا، وإنْ دخلَتْها جاهِلةً أو ناسِيةً فيَحنثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنْ قالَ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْها ناسِيةً أو جاهِلةً طلقَتْ، وكذا إنْ قالَ لابنِه: «إنْ دَخلْتَ الدَّار فأمُّكَ طالِقٌ» فدخَلَ ناسِيًا أو جاهِلًا طلقَتْ أمُّه. وحَلِفُه على هَؤلاءِ -مَنْ يَقصِدُ مَنْعَه كزَوجةٍ ووَلدٍ وغُلامِه وقَرابتِه- لا يَفعلَنَّ شَيئًا كحَلفِه على نَفسِه في كَونِه يَمينًا؛ لحُصولِ المَقصودِ مِنَ اليَمينِ بهِ، وهوَ المنعُ مِنْ ذلكَ الشَّيءِ. فإنْ لم يَقصِدْ منْعَه بأنْ قالَ: «إنْ قَدِمَتْ زَوجتِي بلدَ كذا فهيَ طالِقٌ» ولم يَقصِدْ منْعَها فهوَ تَعليقٌ مَحضٌ، يقَعُ بقُدومِها كيفَ كانَ، كمَن لا يَمتَنعُ بيَمينِه. وإنْ حلَفَ على مَنْ لا يَمتَنعُ بيَمينِه كالسُّلطانِ والأجنَبيِّ والحاجِّ استَوى في وُجودِ المَحلوفِ عَليهِ العَمدُ والسَّهوُ والإكراهُ وغَيرُه، أي يَحنَثُ الحِالفُ في ذلكَ؛ لأنهُ تَعليقٌ مَحضٌ، فحنَثَ بوُجودِ المُعلَّقِ عَليه.

стр. 10432

وإنْ حلَفَ على غَيرِه لَيَفعلَنَّ كذا أو حلَفَ على غَيرِه لا يَفعلَنَّه فخالَفَه حنَثَ الحالِفُ؛ لوُجودِ الصِّفةِ وتَوكيدِ الفِعلِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بلا قَليلٍ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾. وقالَ شَيخُ الإسلامِ: لا يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالَفةِ المَحلوفِ عليهِ إنْ قصَدَ إكرامَهُ، لا إلزامَهُ بهِ بالمَحلُوفِ عَليهِ؛ لأنَّ الإكرامَ قدْ حصَلَ لأنَّهُ كالأمرِ إذا فُهِمَ منهُ الإكرامُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أبا بكرٍ بالوُقوفِ في الصَّفِّ ولَم يَقفْ. ولأنَّ أبا بكرٍ أقسَمَ عليهِ لَيُخبِرَنَّهُ بالصَّوابِ والخَطأِ لمَّا فسَّرَ الرُّؤيا فقالَ: لا تُقسِمْ؛ لأنهُ عَلِمَ أنَّه لم يَقصدِ الإقسامَ عليهِ معَ المَصلحةِ المُقتضيةِ للكَتمِ، وقالَ: إنْ لَم يَعلمِ المَحلُوفُ عليهِ بيَمينِه فكَنَاسٍ، قالَ ابنُ مُفلحٍ: وعَدمُ حِنثِه هُنا أظهَرُ (١). وإنْ حلَفَ لَيَفعلَنَّ شَيئًا فتَرَكَه مُكرَهًا لم يَحنَثْ؛ لأنَّ التَّركَ لا يُنسَبُ إليهِ، أي بتَركِه، وإنْ ترَكَه ناسِيًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فَقطْ في وَجهٍ، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ قَويُّ. والوَجهُ الثَّاني: لا يَحنَثُ فيهما، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ الصَّوابُ، وقطَعَ بهِ في «التَّنقِيح» وتَبِعَه في «المُنتَهى».

стр. 10433

وإنْ ترَكَه جاهِلًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فقطْ، كما تَقدَّمَ فيما لو حلَفَ لا يَفعَلُه. وإنْ عقَدَ اليَمينَ يَظنُّ صِدقَ نفسِه فبانَ بخِلافِ ظنِّهِ فكَمَن حلَفَ على مُستَقبلٍ لا يَفعَلُه وفعَلَه ناسِيًا، يَحنَثُ في طَلاقٍ وعِتقٍ فقَطْ لا في يَمينِ اللهِ تعالَى (١).

стр. 10434

الركنُ الثالثُ: المحلُّ: وهيَ المطلَّقةُ: المَقصودُ بالمَحلِّ هو الزَّوجةُ الواقِعُ عليها الطَّلاقُ. ويُشتَرطُ في الزَّوجةِ ليَقعَ عليها الطَّلاقُ شُروطٌ، مِنها: الشَّرطُ الأولُ: قيامُ الزَّوجيةِ حَقيقةً أو حُكمًا: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ الَّتي يَقعُ عليها الطَّلاقُ أنْ تكونَ زَوجةً للمُطلِّقِ أو مُعتدَّةً مِنْ طلاقِه الرَّجعيِّ، فإذا طلَّقَها في هذهِ الحالةِ وقَعَ عليها الطَّلاقُ بلا خِلافٍ بيْنَ العُلماءِ. ولا يَقعُ طلاقُه عليها إذا كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ طلاقٍ بائِنٍ، أو مِنْ خُلعٍ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ المُختلِعةَ لا يَلحقُها الطَّلاقُ. وعلى هذا لا يَصحُّ طلاقُ الأجنَبيَّةِ إذا نَجَّزَ الطَّلاقَ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ، فلو قالَ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «أنتِ طالِقُ، أو طَلَّقْتكِ، أو إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ» فهوَ باطِلٌ لا تأثيرَ لهُ؛ لأنهُ إبطالُ الحِلِّ ورَفعُ القَيدِ، ولا قيْدَ في الأجنبيَّةِ، فلا يُتصوَّرُ إبطالُهُ ورَفعُه، ولأنهُ ليسَ لهُ وِلايةٌ على المَحلِّ تَحقيقًا ولا تَعليقًا، وقَد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا طلاقَ قبلَ النِّكاحِ» (١). وعَن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ فيما لا يملك» (٢). والسَّببُ في ذلكَ أنَّ الطَّلاقَ إنَّما يَجوزُ

стр. 10435

للمَصلحةِ، والمَصلحةُ لا تَتمثَّلُ عِندَه قبْلَ أنْ يَملِكَها ويَرى مِنها سِيرَتَها، فكانَ طلاقُها قبْلَ ذلكَ بمَنزلةِ نيَّةِ المُسافرِ الإقامةَ في المَفازةِ أو الغازي في دار الحَربِ ممَّا تُكذِّبُه دَلائلُ الحالِ (١). وهذا إذا كانَ الطَّلاقُ مُنجَّزًا أو مُعلَّقًا ولم يُعلِّقْه على نِكاحِها. إذا علَّقَ طَلاقَها على نِكاحِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَقولُ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ تَزوَّجُتكِ ودَخلتِ الدَّارِ أو كَلَّمتِ زَيدًا فأنتِ طالقٌ»، هل إذا تَزوَّجَها تَطلُقُ في الحالةِ الأُولَى، وعلى فِعلِ المُعلَّقِ في الحالةِ الثَّانيةِ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ أو لخَطيبَتِه مَثلًا: «إنْ تَزوَّجْتُ فُلانةً فهي طالِقٌ واحِدةً، أو اثنَتينِ، أو ثلاثةً» فتَزوَّجَها فهي كذلكَ إذا نكَحَها، فيَقعُ عليها كما قالَ عَقِيبَ التَّزويجِ. وكذا إذا قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» أي بعْدَ أنْ يَنكِحَها، أي

стр. 10436

نَوَى إنْ دَخلَتْ بعْدَ أنْ يَتزوَّجَها، فإنَّه إذا نكَحَها ودخلَتِ الدَّارَ وقَعَ الطَّلاقُ حِينئذٍ عَقِيبَ دُخولِ الدَّارِ. واستَدلُّوا على ذلكَ بقولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾، فدَلالتُها ظاهِرةٌ في صِحَّةِ هذا القَولِ ولُزومِ حُكمِه عنْدَ وُجودِ النِّكاحِ؛ لأنَّها حكَمَتْ بصحَّةِ وُقوعِ الطَّلاقِ بعْدَ النِّكاحِ، ومَن قالَ لأجنَبيَّةٍ: «إذا تزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ» فهوَ مُطلِّقٌ بعدَ النِّكاحِ، فوجَبَ بظاهرِ الآيةِ إيقاعُ طلاقِه وإثباتُ حُكمِ لَفظِه. ولأنهُ لا يَخلوُ العاقِدُ لهذا القولِ مِنْ أنْ يكونَ مُطلِّقًا في حالِ العَقدِ أو في حالِ الإضافةِ ووُجودِ الشَّرطِ، فلمَّا اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ مَنْ قالَ لامرَأتِه: «إذا بِنْتِ مِنِّي وصِرتِ أجنبيَّةً فأنتِ طالقٌ» أنهُ مُوقِعٌ للطَّلاقِ في حالِ الإضافةِ لا في حالِ القَولِ، وأنَّهُ بمَنزلةِ مَنْ أبانَ امرأتَهُ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ»، فسقَطَ حُكمُ لَفظِه ولَم يُعتبَرْ حالَ العَقدِ معَ وُجودِ النِّكاحِ فيها، فَصحَّ أنَّ الاعتبارَ بحالِ الإضافةِ دُونَ حالِ العَقدِ، فإنَّ القائِلَ للأجنبيَّةٍ: «إذا تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالقٌ» مُوقِعٌ للطَّلاقِ بعْدَ المِلكِ، وقدِ اقتَضَتِ الآيةُ إيقاعَ الطَّلاقِ لمَن طلَّقَ بعْدَ المِلكِ. ولما رُويَ عَنْ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ، فعَن القاسمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ رَجلًا قالَ: «يومَ أَنكحُ فُلانةً، أو إنْ نكَحْتُ فُلانةً فهيَ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فقالَ

стр. 10437

عُمرُ بنُ الخطَّابِ «إنْ نكَحْتَها فلا تَقرَبْها حتَّى تُكفِّرَه» (١). وعن إبراهيمَ النَّخَعيِّ عنِ الأسوَدِ أنه ابتُليَ بذلكَ فقالَ: «إنْ تزَوَّجتُ فُلانةً فهي طالقٌ»، يَعني فتَزوَّجَها، فقالَ ابنُ مَسعودٍ: «قدْ بانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ، فاخطِبْها إلى نَفسِها» (٢). قالَ أبو بكرِ ابنُ أبي شَيبةَ: حدَّثني أبو أسامةَ حفصُ بنُ غياثٍ عَنْ عُمرَ بنِ حَمزةَ أنه سَألَ القاسِمَ وسالِمًا وأبا بكرِ بنَ عَبدِ الرَّحمنِ وأبا بكرِ بنَ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ وعبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرَّحمنِ عَنْ رَجلٍ قالَ: «يومَ أتزَّوجُ فُلانةً فهي طالِقٌ البَتَّة» فقالُوا كُلُّهم: «لا يَتزوَّجها» (٣). وأمَّا قَولُه ﷺ : «لا طلاقَ قبْلَ نِكاحٍ» فإنَّما هوَ أنْ يَذكُرَ الرَّجلُ لِلرَّجلِ المَرأةَ فيُقالُ لهُ: تَزوَّجْها، فيَقولُ: هي طالِقٌ ألبتَّةَ، فهذا ليسَ بشيءٍ، فأمَّا مَنْ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ ألبَتَّةَ» فإنَّما طلَّقَها حينَ تَزوَّجَها، وقَد رَوى ابنُ أبي داودَ قالَ: حدَّثَنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ حدَّثَنا حمَّادُ بنُ خالدٍ الخَياطُ عنْ هِشامِ بنِ سَعدٍ عَنِ الزُّهريِّ عَنْ عُروةَ عَنْ عائِشةَ قالَتْ: «لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ»، قالَ الزُّهريُّ: وإنَّما تَعني بذلكَ الرَّجلَ يُقالُ لهُ: «نُزوِّجُكَ فُلانةً» فيَقول: «هي طالِقٌ»، فأمَّا إذا قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» لَزمَه الطَّلاقُ.

стр. 10438

فكانَ ما حَكاهُ الزُّهريُّ مِنْ ذلكَ هو على قَولِ الرَّجلِ لامرأةٍ لا نِكاحَ بيْنَه وبيْنَها: «أنتِ طالِقٌ»، لا على قَولهِ لها: «إذا تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ». ورَوى مَعمرٌ عَنْ الزُّهريِّ أنهُ قالَ في قَولِه: «لا طلاقَ قبْلَ نكاحٍ، ولا عِتقَ إلَّا بعْدَ المِلكِ» إنَّما ذلكَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «امرأةُ فُلانٍ طالِقٌ، أو عَبدُ فُلانٍ حُرٌّ». ويَدلُّ عليهِ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، اقتَضَى ظاهِرُه إلزامَ كلِّ عاقِدٍ مُوجَبَ عَقدِه ومُقتضاهُ، فلمَّا كانَ هذا القائِلُ عاقِدًا على نَفسِهِ إيقاعَ طلاقٍ بعْدَ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَلزَمَه حُكمُه، ويَدلُّ عَليهِ قَولُه ﷺ : «المُسلِمونَ عِنْدَ شُروطِهمِ» أوجَبَ ذلكَ أنَّ كلَّ مَنْ شرَطَ على نَفسِه شَرطًا أُلزِمَ حُكمَهُ عِنْدَ وُجودِ شَرطِه. ويَدلُّ عليهِ مِنْ طَريقِ النَّظرِ اتِّفاقُ الجَميعِ على أنَّ النَّذرَ لا يَصحُّ إلَّا في مِلكٍ، وإنَّ مَنْ قالَ: «إنْ رَزقَنِي اللهُ ألْفَ دِرهَمٍ فلِلَّهِ عَليَّ أنْ أتصدَّقَ بمِائةٍ مِنها» أنهُ ناذِرٌ في مِلكِه مِنْ حَيثُ أضافَهُ إليهِ وإنْ لَم يَكنْ مالِكًا في الحالِ، فكذلكَ الطَّلاقُ والعِتقُ إذا أضافَهُما إلى المِلكِ كانَ مُطلِّقًا ومُعتِقًا في المِلكِ، ويَدلُّ عليهِ أنَّ مَنْ قالَ لجارِيتِه: «إنْ وَلدْتِ ولَدًا فهوَ حُرٌّ» فحَملَتْ بعْدَ ذلكَ ووَلدَتْ أنَّهُ يُعتَقُ وإنْ لم يَكنْ مالِكًا في حالِ القَولِ؛ لأنَّ الوَلدَ مُضافٌ إلى الأمِّ الَّتي هو مالِكُها، كذلكَ إذا أضافَ العِتقَ إلى المِلكِ فهوَ مُعتقٌ في المِلكِ وإنْ لم يَكنْ لهُ مِلكٌ مَوجودٌ في الحالِ، وأيضًا قدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّهُ إذا قالَ لامرَأتِه: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخَلتْها معَ

стр. 10439

بقاءِ النِّكاحِ أنَّها تَطلُقُ، ويَكونُ بمَنزلةِ ما لَو قالَ لهَا في تلكَ الحالِ: «أنتِ طالِقٌ»، ولو أبانَهَا ثمَّ دَخلَتْها كانَ بمَنزلةِ ما لَو قالَ لها في تلكَ الحالِ: «أنتِ طالِقٌ» فلا تَطلُقُ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الحالِفَ يَصيرُ كالمُتكلِّمِ بالجَوابِ في ذلكَ الوَقتِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ القائِلُ: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهي طالِقٌ» فتَزوَّجَ بمَنزلةِ مَنْ تَزوَّجَ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» (١). إلَّا أنهمُ اختَلفُوا فيما يَجبُ عليهِ في هذهِ الحالةِ: فقالَ المَالكيَّةُ: يَجبُ عليهِ في هذهِ الحالةِ نِصفُ المَهرِ المُسمَّى؛ لأنَّ الزَّوجَةَ تَطلُقُ عَقِيبَ التَّزويجِ فالواجِبُ حِينئذٍ ما ذُكِرَ، وكذلكَ إنْ دخلَتِ الدَّارَ المَحلوفَ عليها قبْلَ الدُّخولِ، ولو لَم يُسمِّ لها في أصلِ العَقدِ صَداقًا لم يَجبْ لها شيءٌ، إلَّا أنْ يَدخُلَ بها فيَجبُ لها صَداقُ مِثلِها، ولو دخَلَ بها وجَبَ المُسمَّى فقَطْ إنْ سَمَّى شَيئًا، وإلَّا فصَداقُ المِثلِ (٢). وقالَ الحنفيَّةُ: يَجبُ عليهِ نِصفُ المُسمَّى ومَهرُ مِثلِها؛ لأنَّهُ حِينَ

стр. 10440

تَزوَّجَها على مَهرٍ مَعلومٍ قد وَقعَ الطَّلاقُ حينَ تَزوُّجِها فوجَبَ لها بالنِّكاحِ نِصفُ المَهرِ الَّذي تَزوَّجَهَا عَليهِ، وهوَ الآنَ قدْ جامَعَها وليسَتْ لهُ بامرَأةٍ على وَجهِ شُبهةٍ، فلا بُدَّ لهَا مِنْ صَداقٍ بجِماعِهِ إيَّاها، فيَجبُ بالنِّكاحِ والطَّلاقِ نِصفُ الصَّداقِ الَّذي تَزوَّجَها عَليهِ، ويَجبُ بدُخولِه بها وجِماعِه إيَّاها صَداقُ مِثلِها، وهذا ممَّا لا بُدَّ منهُ. قالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسنِ: أخبَرَنا سُفيانُ بنُ سَعيدٍ الثَّوريُّ قالَ: حدَّثنِي حمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ عَنْ إبراهيمَ في الرَّجلِ يَقولُ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ»: إنْ دخَلَ بها فَلَها مَهرٌ ونِصفٌ (١). وعلى هذا أيضًا الظِّهارُ والإيلاءُ، فإنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فإذا تَزوَّجَها لا يَقرَبُها حتَّى يُكفِّرَ، أو قالَ: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ» فهذا إيلاءٌ، فإذا تَزوَّجَها فلا يَقرَبُها (٢). وذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ ومالكٌ في رِوايةِ ابنِ وَهبٍ والمَخزُوميِّ-وهوَ قولُ جَماعةٍ مِنْ مَشايخِ المالكيَّةِ (والظَّاهريَّةُ) وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ- إلى أنَّه لا يَلزمُه طلاقٌ، وأنَّه لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ، وسَواءٌ عيَّنَ مُدَّةً قَريبةً أو

стр. 10441

بَعيدةً، أو قَبيلةً أو بَلدةً أو امرَأةً بعَينِها أو لا، كلُّ ذلكَ باطِلٌ لا يَلزمُ، فلا يَصحُّ عَقدُ الطَّلاقِ قبْلَ النِّكاحِ لا في العُمومِ ولا في الخُصوصِ ولا في الأعيانِ. فالعُمومُ أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ أتَزوَّجُها فهي طالِقٌ». والخُصوصُ أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها مِنْ بَني تَميمٍ مِنْ أهلِ البَصرةِ فهي طالِقٌ». والأعيانُ أنْ يَقولَ لامرَأةٍ بعَينِها: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ». فلا يَلزمُه الطَّلاقُ إذا تَزوَّجَ في هذهِ الأحوالِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فشرَطَ أنْ يكونَ الطَّلاقُ بعْدَ النِّكاحِ، فلَم يَجزْ أنْ يَكونَ قبْلَ النِّكاحِ. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا طلاقَ قبْلَ النِّكاحِ» (١). وعَن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ليسَ على رَجلٍ طلاقٌ فيما لا يَملِكُ، ولا عِتاقٌ فيما لا يَملِكُ، ولا بَيعٌ فيما لا يَملكُ» (٢). وعَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ قبْلَ نِكاحٍ، ولا عِتْقَ قبْلَ مِلكٍ» (٣). وعَن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عَنِ ابنِ عُمرَ ﵁ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ

стр. 10442

أنهُ سُئِلَ عنْ رَجلٍ قالَ: «يَومَ أتَزوَّجُ فُلانة فهي طالِقٌ» قالَ: «طَلَّقَ ما لا يَملِكُ» (١). وعَن مُعَاذٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ وإنْ سَمَّيْتَ المَرأةَ بعَينِها» (٢). وعَنِ الحسَنِ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ أنهُ سُئِلَ عَنْ رَجلٍ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» فقالَ عليٌّ: «ليسَ طلاقٌ إلَّا مِنْ بَعدِ مِلكٍ» (٣). وعَن قَبيصَة بنِ عُقبةَ قالَ: سَمِعتُ الثَّوريَّ وسُئلَ عن رَجلٍ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فلانةَ فهيَ طالقٌ»، فذكَرَ عَنْ عَبدِ الأعلَى عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ لم يرَهُ شَيئًا (٤). وعَن عِكرِمةَ قالَ: ذُكِرَ لابنِ عبَّاسٍ قولُ ابنِ مَسعُودٍ: «إنْ تزَوَّجتُ فُلانة فهي طالقٌ» أنهُ إنْ تزَوَّجَهَا طَلُقَتْ، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ما أظُنُّ أنهُ قالَ هذا، ولَئِنْ كانَ قالَها فرُبَّ زَلَّةٍ مِنْ عالمٍ، إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ولم يَقلْ: إذَا طَلَّقتُمُ المُؤمِناتِ ثمَّ نَكحْتُموهنَّ (٥).

стр. 10443

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وثَبتَ ذلكَ عَنْ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ومُعاذِ ابنِ جبَلِ وجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ وعَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وعائشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ وسَعيدِ بنِ المُسيّبِ وشُريحٍ والحسَنِ وعَطاءٍ وطاوسٍ وسَعيدِ ابنِ جُبيرٍ والضَّحَّاكِ بنِ مُزاحِمٍ وعليِّ بنِ حُسينٍ وأبي الشَّعثاءِ جابرِ بنِ زَيدٍ والقاسِمِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ ومُجاهدٍ ومُحمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظِيِّ ونافعِ بنِ جُبيرِ ابنِ مُطعِمٍ وعُروةِ بنِ الزُّبيرِ وقَتادةَ ووَهَبِ بنِ مُنَبِّهٍ وعِكرمةَ، وبهِ قالَ سُفيانُ ابنُ عُيَينةَ وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهدِيٍّ والشَّافعيُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ وأبو ثَورٌ وداودُ ومَحمدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ … والأحاديثُ عنِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ القائلينَ بأنهُ لا يقَعُ الطَّلاقُ قبْلَ النِّكاحِ، وكلُّها ثابِتةٌ صِحاحٌ مِنْ كِتابِ عَبدِ الرَّزَّاقِ وكِتابِ ابنِ أبي شَيبةَ وكتابِ سَعيدِ بنِ مَنصورٍ وغَيرِها مِنَ الكُتبِ (١). وبالقياسِ على ما لو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَزوَّجَها ثمَّ دخَلَتِ الدَّارَ فإنَّها لا تَطلُقُ بالاتِّفاقِ؛ لأنهُ لَم يُضِفْه إلى زَمنٍ يقَعُ فيهِ الطَّلاقُ، أشبَهَ ما لَو قالَ لأجنبيَّةٍ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَزوَّجَها. ولأنَّهم أجمَعُوا أنَّ مَنْ باعَ سِلعةً لا يَملِكُها ثمَّ ملَكَها أنَّ البَيعَ غَيرُ لازِمٍ لهُ، فكذلكَ إذا طلَّقَ امرَأةً ثُمَّ تَزوَّجَها أنَّ الطَّلاقَ غَيرُ لازِمٍ لهُ.

стр. 10444

ولأنَّ القائِلَ: «إنْ تَزوَّجْتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» مُطلِّقٌ لأجنبيَّةٍ، وذلكَ مُحالٌ؛ فإنَّها حينَ الطَّلاقِ المُعلَّقِ أجنبيَّةٌ، والمُتَجدِّدُ هوَ نِكاحُها، والنِّكاحُ لا يَكونُ طلاقًا، فعُلِمَ أنَّها لو طَلُقَتْ فإنَّما يَكونُ ذلكَ استِنادًا إلى الطَّلاقِ المُتقدِّمِ مُعلَّقًا وهيَ إذْ ذاكَ أجنبيَّةٌ، وتَجدُّدُ الصِّفةِ لا يَجعلُه مُتكلِّمًا بالطَّلاقِ عِنْدَ وُجودِها، فإنه عِنْدَ وُجودِها مُختارٌ للنِّكاحِ غَيرُ مُريدٍ للطَّلاقِ، فلا يَصحُّ، كما لَو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْ وهي زَوجَتُه لَم تَطلُقْ بغَيرِ خِلافٍ (١). إذا عَلَّقَ الظِّهارَ أو الإيلاءَ على الزَّواجِ: إذا قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» لا يَقعُ الظِّهارُ، حتَّى لو تَزوَّجَها فدَخلَتِ الدَّارَ لا يَصيرُ مُظاهِرًا بالإجماعِ؛ لعَدمِ المِلكِ والإضافةِ إلى سَببِ المِلكِ.

стр. 10445

إلا أنَّهمُ اختَلفُوا فيما لو قالَ الرَّجلُ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» وظاهَرَ مِنها، أو: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ»، هلْ يَكونُ حُكمُه حُكمَ تَعليقِ الطَّلاقِ أم لا؟ فعِندَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ أنَّ حَكمَه حُكمُ تَعليقِ الطَّلاقِ، فإنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فإذا تَزوَّجَها لا يَقرَبُها حتَّى يُكفِّرَ؛ لأنَّ الظِّهارَ يَحتَملُ التَّعليقَ بالشَّرطِ كالطَّلاقِ، فيَصحُّ إضافَتُه إلى المِلكِ، والمُعلَّقُ بالشَّرطِ عِنْدَ وُجودِ الشَّرطِ كالمُنجَّزِ. أو قالَ: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ» فهذا إيلاءٌ، فإذا تَزوَّجَها فلا يَقرَبُها. إلَّا أنه لا يَنعقِدُ الإيلاءُ والظِّهارُ إلَّا عَقِيبَ التَّزوُّجِ بها؛ لأنَّها إذْ ذاكَ تَصيرُ مَحلًّا لهُ لا قبْلَه (١). وقالَ الشَّافعيةُ: الظِّهارُ والإيلاءُ قبْلَ النِّكاحِ لا يَصحُّ، فإذا قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فتَزوَّجَها لَم يَصِرْ مُظاهِرًا مِنها؛ لأنَّ الظِّهارَ تبَعٌ في الطَّلاقِ في الثُّبوتِ والنَّفِي، ولَو قالَ لها: «إذا تَزوَّجتُكِ فواللهِ لا وَطِئتُكِ أبدًا» لم يَكنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الإيلاءَ لا يَصِحُّ إلَّا مِنْ زَوجةٍ كالطَّلاقِ،

стр. 10446

ولكنْ يَكونُ حالِفًا وإنْ لم يكنْ مُولِيًا، ومتَّى وطِئَها حَنَثَ وكَفَّرَ وإنْ لَم يُؤجَّلْ لها أجلَ الإيلاءِ؛ لأنَّ اليَمينَ يَصحُّ مِنَ الأجنبيَّةِ وإنْ لم يَصحَّ مِنها الإيلاءُ (١). وأمَّا الحَنابلةُ فإنَّهم خالَفُوا في ذلكَ، فلَمْ يُصحِّحُوا تَعليقَ الطَّلاقِ بعْدَ الزَّواجِ كما تَقدَّمَ، إلَّا أنَّهم صَحَّحُوا تَعليقَ الظِّهارِ فقالُوا: إنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونَجَّزَه، أو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» لَم يَطأْها إنْ تَزوَّجَها حتَّى يُكفِّرَ كَفارةَ الظِّهارِ؛ لأنَّه إذا تَزوَّجَها تَحقَّقَ مَعنَى الظِّهارِ فيها، وحَيثُ كانَ كذلكَ امتَنعَ وَطؤُها قبْلَ التَّكفيرِ، ورَواهُ أحمَدُ عَنْ عُمرَ؛ لأنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ، فصحَّ عقدُها قبْلَ النِّكاحِ. وكذا إنْ قالَ: «كلُّ النِّساءِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، أو قالَ: كلُّ امرأةٍ أتَزوَّجُها فهي عَليَّ كظَهرِ أمِّي» فظِهارٌ، فإنْ تَزوَّجَ نساءً وأرادَ الوَطءَ فعليهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ، وسَواءٌ تَزوَّجَهنَّ بعِقدٍ أو عُقودٍ؛ لأنَّها عَينٌ واحِدةٌ فلا تُوجِبُ أكثرَ مِنْ كفَّارةٍ. والفَرقُ بيْنَه وبيْنَ الطَّلاقِ، فإنَّه تَقدَّمَ أنَّ الطَّلاقَ على الوَجهِ المَذكورِ لا يَصحُّ، وقَد يُفرَّقُ بيْنَهما بوَجهَينِ: أحدُهُما: أنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، ولا يُمكِنُ حَلُّه قبْلَ عَقدِه، وأمَّا الظِّهارُ فهوَ تَحريمٌ للوَطءِ، فيَجوزُ تَقديمُه على الوَطءِ كالحَيضِ.

стр. 10447

الثَّاني: أنَّ الطَّلاقَ يُزيلُ المَقصودَ مِنَ النِّكاحِ فلَم يَصحَّ قبْلَهُ، وهذا لا يُزيلُه وإنَّما يُعلِّقُ الإباحَةَ على شَرطٍ، وحِينئذٍ فالآيةُ في قَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ خَرَجَتْ مَخرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الإنسانَ إنَّما يُظاهِرُ مِنْ نِسائِه، فلا يُوجِبُ تَخصيصَ الحُكمِ بهنَّ، كما أنَّ تَخصيصَ الرَّبيبةِ الَّتي في حِجْرِه بالذِّكرِ لم يُوجِبِ اختِصاصَها بالتَّحريمِ، وأمَّا الإيلاءُ فإنَّما اختَصَّ حُكمُه بنِسائِه؛ لكَونِه يَقصِدُ الإضرارَ بهنَّ دونَ غَيرِهنَّ، والكفَّارةُ وجَبَتْ هاهُنا لقَولِ المُنكَرِ والزُّورِ، ولا يَختَصُّ ذلكَ بنسائِه (١). قالَ المِرْداويُّ ﵀: يَصحُّ الظِّهارُ مِنَ الأجنبيَّةِ، ولا يَطَؤُها إذا تَزوَّجَها حتَّى يُكفِّرَ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، نصَّ عَليهِ، قالَ في «الرِّعايَة الكُبْرَى»: صَحَّ في الأشهَرِ، قالَ الزَّركَشيُّ: هذا مَنصوصُ الإمامِ أحمَدَ ﵀ وعَليهِ أصحابُه. وقيلَ: لا يَصحُّ كالطَّلاقِ، قالَ في «الانتِصار»: هذا قياسُ المَذهبِ كالطَّلاقِ، وذكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀ رِوايةً. والفَرقُ: أنَّ الظِّهارَ يَمينٌ، والطَّلاقُ حَلُّ عَقدٍ، ولم يُوجَدْ. فائدةٌ: وكذا الحُكمُ إذا علَّقَه فتَزوَّجَها، بأنْ قالَ: «إذا تَزوَّجتُ فُلانةً فهي عليَّ كظَهرِ أمِّي» خِلافًا ومَذهبًا (٢).

стр. 10448

الشرطُ الثَّاني: تعيينُ المطلَّقةِ بالإشارَةِ أو بالصِّفةِ أو بالنِّيةِ: لا يَخلُو حالُ الزَّوجِ إمَّا أنْ يَكونَ مُتزوِّجًا بزَوجةٍ واحدةٍ أو أكثرَ. فإنْ كانَ الزَّوجُ مُتزوِّجًا بواحدةٍ وقالَ: «زَوجَتِي طالِقٌ» وقصَدَ طلاقَها فإنَّها تَطلُقُ، ولا خِلافَ في ذلكَ بيْنَ الفُقهاءِ. وأمَّا إنْ كانَ مُتزوِّجًا بأكثرَ مِنِ امرأةٍ فقالَ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» فهذا لا يَخلُو مِنْ حالاتٍ: الحالَةُ الأُولَى: أنْ يُعيِّنَها بالإشارةِ إليها والصِّفةِ والنِّيةِ، كأنْ قالَ لِزَوجتِه الَّتي اسمُها زَينَبُ مُشيرًا إليها: «يا زَينَبُ أنتِ طالِقٌ» قاصِدًا طلاقَها، فلا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ على أنَّها تَطلُقُ؛ لتَمامِ التَّعيينِ بذلكَ. الحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ يُشيرَ إلى واحدةٍ مِنْ نِسائِه المُتعدِّداتِ دُونَ أنْ يَصِفَها بوَصْفٍ ولَم يَذكُرِ اسمَها ولَم يَنوِ غَيرَها، فأشارَ إليها وقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» فلا خِلافَ أيضًا بيْنَ الفُقهاءِ أنَّها تَطلُقُ بذلكَ؛ لأنَّ الإشارةَ كافيةٌ للتَّعيينِ. الحالَةُ الثَّالثةُ: أنْ يَصِفَها بوَصفِها دُونَ الإشارةِ إليها ودُونَ قَصدِ غَيرِها، فإذا قالَ: «زَوجَتِي زَينبُ طالِقٌ» فإنَّها تَطلُقُ أيضًا بلا خِلافٍ. الحالَةُ الرَّابعةُ: أنْ يَقولَ: «إحدَى نِسائِي طالِقٌ» ولَم يُعيِّنْ واحِدةً مِنهنَّ ولم يَنوِها، فلا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ على أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ، لَكنْ اختَلفُوا في كَيفيَّةِ التَّعيينِ على ثلاثةِ أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ: أنَّ الزَّوجَ يَملِكُ تَعيينَ المُطلَّقةِ مِنهنَّ، يَختارُ أيَّتهنَّ شاءَ

стр. 10449

فيُوقعُ الطَّلاقَ عليها والباقياتُ نِساؤُه، وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ والشَّافعيةِ على تَفصيلٍ عِنْدَهُمْ (والمَدَنيينَ مِنَ المالكيَّةِ) والإمامِ أحمَدَ في روايةٍ. قالَ الحَنفيَّةُ: وذلكَ لأنهُ إذا مَلكَ الإبهامَ ملَكَ التَّعيينَ، ويَدلُّ عليهِ حَديثُ الضحَّاكِ بنِ فَيروزَ الدَّيلميِّ عَنْ أبيهِ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أسلَمْتُ وتَحتِي أُخْتانِ، قالَ: «طَلِّقْ أيَّتهُما شِئتَ» (١). فلمَّا لَم يَكنْ بدٌّ مِنْ فِراقِ إحداهُما جُعِلَ الخِيارُ إليهِ فيهما. وللنِّساءِ أنْ يُخاصِمْنَه ويَستَعدِينَ عليهِ إلى القاضي حتَّى يُبيِّنَ إذا كانَ الطَّلاقُ ثلاثًا أو بائِنًا؛ لأنَّ لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ حقًّا في استِيفاءِ مَنافعِ النِّكاحِ وأحكامِه، أوِ التَّوصُّلَ إلى التَّزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ، وكانَ على الزَّوجِ البَيانُ، والقَولُ قَولُه؛ لأنَّه المُجمِلُ كمَنْ أقَرَّ بشيءٍ غَيرِ مُعيَّنٍ، ويُجبِرُه القاضي أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على مُعيَّنةٍ لتَحصلَ الفائِدةُ، وعليها العدَّةُ مِنْ حينِ بَيَّنَ، ويَلزمُه نَفقتُهنَّ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ المُطالَبةُ بأحكامِ النِّكاحِ، فكانَ على الحاكِمِ إلزامُه بإيفاءِ الحقِّ، ويَقضي عَليهِ بنَفقتِهنَّ؛ لأنَّها تَجبُ للمُعتدَّةِ وللزَّوجةِ. ولوِ ادَّعتْ كلُّ واحدةٍ أنَّها المُطلَّقةُ ثلاثًا يَحلِفُ الزَّوجُ، فإنْ نكَلَ وقَعَ على كلِّ واحِدةٍ الثَّلاثُ؛ لأنهُ بالنُّكولِ صارَ باذِلًا أو مُقرًّا لها بالثَّلاثِ، وإنْ حلَفَ لهُنَّ فالحُكمُ كما قُلنا قبْلَ اليَمينِ.

стр. 10450

ثمَّ البيانُ نَوعانِ: نَصٌّ ودَلالةٌ. أمَّا النَّصُّ فنَحوُ أنْ يَقولَ: «إيَّاها عَنَيتُ أو نَوَيتُ أو أردْتُ» أو ما يَجري مَجرَى هذا، ولو قالَ: «إحداكُما طالِقٌ ثلاثًا» ثمَّ طلَّقَ إحداهُما عَينًا بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردْتُ بهِ بَيانَ الطَّلاقِ الَّذي لَزِمنِي لا طلاقًا مُستقبَلًا» كانَ القَولُ قَولَه؛ لأنَّ البَيانَ واجِبٌ عليهِ، وقَولُه: «أنتِ طالقٌ» يَحتمِلُ البَيانَ؛ لأنَّه إنْ جُعِلَ إنشاءً في الشَّرعِ، لكنَّهُ يَحتمِلُ الإخبارَ فيَحتملُ البيانَ؛ إذْ هوَ إخبارٌ عَنْ كائِنٍ. وأمَّا الدَلالةُ فنَحوُ أنْ يفعَلَ أو يقولَ ما يَدلُّ على البَيانِ نحوُ أنْ يطَأَ إحداهُما أو يُقبِّلَها أو يُطلِّقَها أو يَحلِفَ بطَلاقِها أو يُظاهِرَ منها؛ لأنَّ ذلكَ كلَّه لا يَجوزُ إلَّا في المَنكوحةِ، فكانَ الإقدامُ عَليهِ تَعيينًا لهذهِ بالنِّكاحِ، وإذا تَعيَّنَتْ هيَ للنِّكاحِ تَعيَّنَتِ الأُخرَى للطَّلاقِ ضَرورَةَ انتفاءِ المُزاحِمِ. وإذا كُنَّ أربَعًا أو ثلاثًا تَعيَّنتِ الباقِياتُ لبيَانِ الطَّلاقِ في واحدةٍ مِنهنَّ نَصًّا أو دَلالةً بالفِعلِ أو بالقَولِ، بأنْ يطَأَ الثَّانيةَ والثَّالثةَ فتَتَعيَّنُ الرَّابعةُ للطَّلاقِ، أو يَقولَ: «هذهِ مَنكوحةٌ وهذهِ الرَّابعَةُ» إنْ كُنَّ أربعًا، وإنْ كُنَّ ثَلاثًا تَتعيَّنُ الثَّالثةُ للطَّلاقِ بوَطءِ الثَّانيةِ أو بقَولهِ للثَّانيةِ: «هَذهِ مَنكوحَةٌ». وكذلكَ إذا ماتَتْ إحداهُما قبْلَ البَيانِ طَلُقَتِ الباقِيةُ؛ لأنَّ الَّتي ماتَتْ خَرَجتْ عنِ احتِمالِ البَيانِ فيها؛ لأنَّ الطَّلاقَ يقَعُ عِنْدَ البَيانِ، وقد خَرَجتْ عنِ احتِمالِ الطَّلاقِ فخَرَجتْ عنِ احتِمالِ البَيانِ، فتَعيَّنتِ الباقِيةُ للطَّلاقِ.

стр. 10451

ولو ماتَتْ إحداهُمَا قبْلَ البَيانِ فقالَ الزَّوجُ: «إيَّاها عَنَيتُ» لَم يَرِثْها وطَلُقَتِ الباقيةُ؛ لأنَّها لمَّا ماتَتْ تَعيَّنتِ الباقِيةُ للطَّلاقِ، فإذا قالَ: «عَنَيتُ الأُخرَى» فقَدْ أرادَ صَرْفَ الطَّلاقِ عن الباقِيةِ فلا يُصدَّقُ فيهِ، ويُصدَّقُ في إبطالِ الإرثِ؛ لأنَّ ذلكَ حقُّهُ، والإنسانُ في إقرارِهِ بإبطالِ حقِّ نفسِه مُصدَّقٌ؛ لانتِفاءِ التُّهمةِ. وكذلكَ إذا ماتَتا جَميعًا أو إحداهُما بعْدَ الأُخرَى ثمَّ قالَ: «عَنَيتُ الَّتي ماتَتْ أوَّلًا» لَم يَرِثْ مِنهُما، أمَّا مِنَ الثَّانيةِ فلِتَعيُّنِها للطَّلاقِ بمَوتِ الأُولَى، وأمَّا مِنَ الأُولَى فلإقرارِهِ أنَّه لا حَقَّ لهُ في مِيراثِها، وهوَ مُصدَّقٌ على نَفسِه. ولو ماتَتا جَميعًا بأنْ سقَطَ عَليهما حائِطٌ أو غَرِقَتا يَرِثُ مِنْ كُلِّ واحدَةٍ مِنهُما نِصفَ مِيراثِها؛ لأنَّه يَستحِقُّ مِيراثَ كلِّ واحدةٍ مِنهما في حالٍ، ولا يَستحقُّه في حالٍ، فيَتَنصَّفُ. وكذلكَ إذا ماتَتا جَميعًا أو إحداهُما بعْدَ الأُخرَى لكنْ لا يُعرَفُ التَّقدُّمُ والتَّأخُّرُ فهذا بمَنزلةِ مَوتِهمَا معًا، ولَو ماتَتا معًا ثمَّ عَيَّنَ إحداهُما بعْدَ موتِهما وقالَ: «إيَّاها عَنَيتُ» لا يَرِثُ مِنهُا ويَرِثُ مِنَ الأُخرَى نِصفَ ميراثِ زَوجٍ؛ لأنَّهُما لمَّا ماتَتا فقَدِ استَحقَّ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنهُما نِصفَ مِيراثٍ لِمَا بيَّنَّا، فإذا أرادَ إحداهُما عَينًا فقَدْ أسقَطَ حقَّهُ مِنْ مِيراثِها وهوَ النِّصفُ، فيَرِثُ مِنَ الأُخرَى النِّصفَ. ولو ارتَدَّتا جَميعًا قبْلَ البَيانَ فانقضَتْ عِدَّتُهما وبانَتَا لم يكنْ لهُ أنْ

стр. 10452

يُبِينَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في إحداهُما، أمَّا البَينونةُ فلِأنَّ المِلكَ قَدْ زالَ مِنْ كُلِّ وجهٍ بالرِّدَّةِ وانقِضاءِ العدَّةِ، وإذا زالَ المِلكُ لا يَملِكُ البَيانَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لم يَقعْ قبْلَ البَيانِ؛ إذْ لو وقَعَ لَصَحَّ البَيانُ بعْدَ البَينونَةِ؛ لأنَّ البَيانَ حينَئذٍ يَكونُ تَعيينَ مَنْ وَقعَ عليهِ الطَّلاقُ، فلا تَفتَقرُ صِحتُه إلى قيامِ المِلكِ. ولو بَيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما تَجبُ عَليها العدَّةُ مِنْ وَقتِ البَيانِ، كذا رُوِيَ عن أبي يُوسفَ، حتَّى لو راجَعَها بعْدَ ذلكَ صحَّتْ رَجعَتُه، وكذا إذا بيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما وقدْ كانَتْ حاضَتْ قبْلَ البَيانِ ثَلاثَ حِيَضٍ لا تَعتَدُّ بمَا حاضَتْ قبْلَهُ، وتَستأنِفُ العدَّةَ مِنْ وَقتِ البَيانِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لم يكنْ واقِعًا قبْلَ البَيانِ. ورُويَ عَنْ مُحمَّدٍ أنهُ تَجبُ العدَّةُ مِنْ وَقتِ الإرسالِ، وتَنقَضِي إذا حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ مِنْ ذلكَ الوَقتِ، ولا تَصحُّ الرَّجعَةُ بعْدَ ذلكَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ نازِلٌ في غَيرِ المُعيَّنِ. وإنْ ماتَ الزَّوجُ قبْلَ أنْ يُبيِّنَ وهمَا غَيرُ مَدخولٍ بهمَا فلَهُما جَميعًا الصَّداقُ، ونُصِّفَ بيْنَهما نِصفَينِ، والمِيراثُ بيْنَهما نِصفَينِ؛ وذلكَ لأنَّ إحداهُما قَدْ طلقَتْ وسَقَطَ نِصفُ مَهرِها ولا نَعرِفُها بِعَينهَا، فيَدخلُ ضَرَرُه عَليهِما، فيَكونُ المَهرُ والنِّصفُ بيْنَهما نِصفَينِ؛ لتَساويهِما فيهِ. وكذلكَ الميراثُ بيْنَهما؛ لأنَّ إحداهُما امرَأتُه مُستحِقَّةٌ للميراثِ،

стр. 10453

والأُخرَى أجنبيَّةٌ لا شيءَ لها، فلمَّا لم تُعرَفْ بعَينِها تَساوَيَا جَميعًا في دَعوَى الميراثِ، فكانَ بيْنَهما (١). وقالَ الشَّافعيةُ: إذا قالَ لزَوجتَيهِ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ قصَدَ واحدةً بعَينِها فهيَ المُطلَّقةُ، فعليهِ بيانُها، وإنْ أرسلَ اللَّفظَ ولَم يَقصدْ مُعيَّنةً، بلْ أطلَقَ أو قصَدَ واحِدةً لا بعَينِها طلقَتْ إحداهُما مُبهمًا ويُعيِّنُها الزَّوجُ، وفيهِ مسائِلُ: المَسألةُ الأُولَى: يُلزَمُ الزَّوجُ بالتَّبيينِ إذا نَوَى واحدةً بعَينِها، وهيَ قصْدُ واحدةٍ مُعيَّنةٍ، وبالتَّعيينِ إذا لَم ينْوِ واحدةً مُعيَّنةً بلْ مُبهمةً؛ لتَعلمَ المُطلَّقةُ مِنهُما فيَترتَّبَ عليها أحكامُ الفِراقِ، ويُمنَعُ مِنْ قُربانِهما حتَّى يُبيِّنَ أو يُعيِّنَ، وذلكَ بالحَيلولةِ بيْنَه وبيْنَهما، ويَلزمُه التَّبيينُ والتَّعيينُ على الفَورِ، فإنْ أخَّرَ عَصَى، فإنِ امتَنعَ حُبسَ وعُزِّرَ، ولا يُقنَعُ بقَولِه: «نَسيتُ المُعيَّنةَ»، وإذا بيَّنَ في الصُّورةِ الأُولَى فللأُخرَى أنْ تدَّعِيَ عليهِ أنَّكَ نَوَيتَني وتُحلِّفَه، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وطُلِّقَتا، وإذا عيَّنَ في الصُّورةِ الثَّانيةِ فلا دَعَوى لها؛ لأنهُ اختِيارٌ يُنشِئُه، هذا كلُّه في الطَّلاقِ البائِنِ، فلو أبهَمَ طَلقَةً رَجعيَّةً بَينَهما فهلْ يَلزمُه أنْ يُبيِّنَ أو يُعيِّنَ في الحالِ؟ وَجهانِ حكاهُما الإمامُ، أحدَهُما: نعَمْ، لحُصولِ التَّحريمِ، وأصَحُّهما: لا؛ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زَوجةٌ.

стр. 10454

المَسألةُ الثَّانيةُ: ويَلزمُه نَفقَتُهما إلى البَيانِ والتَّعيينِ، وإذا بيَّنَ أو عيَّنَ لا يَستَردُّ المَصروفَ إلى المُطلَّقةِ؛ لأنَّها مَحبوسةٌ عِندَه حبْسَ الزَّوجةِ. المَسالةُ الثَّالثةُ: وُقوعُ الطَّلاقِ فيما إذا نوَى مُعيَّنةً يَحصلُ بقَولِه: «إحداكُما طالِقٌ»، ويَحتَسبُ عدَّةَ مَنْ بيَّنَ الطَّلاقَ فيها مِنْ حينِ اللَّفظِ على المَذهبِ المَنصوصِ، وحُكِيَ قَولٌ مُخرَّجٌ أنَّها مِنْ وَقتِ البَيانِ، قالَ الإمامُ: وهذا غَيرُ سَديدٍ. أما إذا لم يَنوِ مُعيَّنةً ثمَّ عَيَّنَ فهل يَقعُ الطَّلاقُ مِنْ حينِ قالَ: إحداكُما طالقٌ؟ أم مِنْ حينِ التَّعيينِ؟ وَجهانِ، أصوَبُهما مِنْ حينِ قالَ: «إحداكُما طالقٌ»؛ لأنَّه لولا وُقوعُ الطَّلاقِ لمَا مُنعَ مِنهُما. المَسألةُ الرَّابعةُ: لو وَطِئَ إحداهُما نُظِرَ إنْ كانَ نَوَى مُعيَّنةً فهيَ المُطلَّقةُ، ولا يَكونُ الوَطءُ بيانًا، بلْ تَبقَى المُطالَبةُ بالبَيانِ، فإنْ بيَّنَ الطَّلاقَ في المَوطوءةِ فعَليهِ الحَدُّ إنْ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا، ويَلزمُه المَهرُ؛ لجَهلِها كَونَها المُطلَّقةَ، وإنْ بيَّنَ في غَيرِ المَوطُوءةِ قُبِلَ، فإنِ ادَّعتِ المَوطوءةُ أنهُ أرادها حَلَفَ، فإنْ نكَلَ وحلَفَتْ طُلِّقَتا، وعليهِ المَهرُ، ولا حدَّ؛ للشُّبهةِ. وإنْ لم يكنْ نَوَى مُعيَّنةً فهلْ يكونُ الوَطءُ تَعيينًا؟ وَجهانِ، ويُقالُ: قَولانِ، أحدُهُما: نعَمْ، والثَّانِي: لا، وهوَ ظاهِرُ نصِّ الشَّافعيِّ ﵀، فإنهُ قالَ: إذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ» مُنِعَ مِنهُما، ومَن يقولُ: الوطءُ تَعيينٌ لا يَمنَعُه وَطءَ أيِّهما شاءَ.

стр. 10455

الخامسةُ: في ألفاظِ البَيانِ والتَّعيينِ، فإنْ نَوَى مُعيَّنةً حصَلَ البَيانُ، بأنْ يَقولَ مُشيرًا إلى واحدةٍ: «المُطلَّقةُ هذهِ»، ولو قالَ: «الزَّوجةُ هذهِ» بانَ الطَّلاقُ في الأُخرَى، وكذا لو قالَ: «لم أُطلِّقْ هذهِ» (١). القَولُ الثَّاني: أنَّ جَميعَ نِسائِه تَطلُقُ عليهِ، فإذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ»، أو امرَأتُه طالِقٌ ولهُ امرأتانِ، أو لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ولم يَنوِ مُعيَّنةً في الجَميعِ، أو نَوَى واحدةً ونَسِيَها؛ طَلُقَتا أو طَلُقْنَ على المَشهورِ عندَ المالكيَّةِ، وليسَ لهُ أنْ يَختارَ واحدةً مِنهنَّ، وهذا قَولُ المِصريِّينَ، وقالَ المَدنيُّونَ: يُخيَّرُ فيمَن شاءَ مِنهُما، فيُوقِعُ الطَّلاقَ عليها كالعِتقِ. ولا خِلافَ بيْنَهم أنهُ يُصدَّقُ فيما لو قالَ: نَويتُ واحدةً بعَينِها. جاءَ في «المَدوَّنة الكُبْرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ لَو أنَّ رَجلًا قالَ: «إحدَى امرَأتَيَّ طالقٌ ثلاثًا» ولم يَنوِ واحِدةً منهُما بعَينِها، أَيكونُ لهُ أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على أيتِهما شاءَ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إذا لم يَنوِ حينَ تَكلَّمَ بالطَّلاقِ واحدةً بعَينِها طَلُقَتا عليهِ جَميعًا، وذلكَ أنَّ مالِكًا قالَ في رَجلٍ لهُ امرأتانِ أو أكثرُ مِنْ ذلكَ فقالَ: «امرأةٌ مِنْ نِسائِي طالِقٌ ثلاثًا إنْ فعلْتُ كذا وكذا» ففَعَلَه، (قالَ): إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها حينَ حلَفَ طَلُقَتْ عليهِ، وإلَّا طُلِّقنَ جَميعًا

стр. 10456

بما حلَفَ بهِ، وإنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها فنَسيَها طُلِّقنَ عليهِ جَميعًا، (قلتُ): وما حجَّةُ مالكٍ في هذا؟ (قالَ): لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ يُختارُ فيهِ في قولِ مالكٍ، (وقالَ ابنُ القاسِمٍ:) حَدَّثني يَحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ عُمرَ بنَ عَبدِ العزيزِ قَضَى بهِ في رَجلٍ مِنْ أهلِ الباديةِ كانَ يَسقي على ماءٍ لهُ فأقبَلَتْ ناقةٌ له فنظَرَ إليها مِنْ بَعيدٍ فقالَ: «امرأتُه طالقٌ البَتَّة -وله امرَأتانِ- إنْ لَم تكنْ فُلانة» لناقةٍ لهُ، فأقبلَتْ ناقةٌ غيرُ تلكَ النَّاقةِ، فقَدمَ الأعرابيُّ المَدينةَ فدخَلَ على أبي بكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو عامِلٌ لعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ على المَدينةِ، وعُمرُ يَومئذٍ خَليفةٌ، فقَصَّ عليهِ قصَّتَه، فأشكَلَ عليهِ القَضاءُ فيها، فكتَبَ إلى عُمرَ في ذلكَ، فكتَبَ إليهِ عُمرُ: إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهُما حينَ حلَفَ فهوَ ما نَوَى، وإلَّا طَلُقَتا جَميعًا عَليهِ، (قلتُ): فإنْ قالَ: «إحداكُما طالقٌ» وقالَ: «قد نَويتُ هَذهِ بعَينِها» وعَليهِ بيَّنةٌ حين حلَفَ فيهما أيُصدَّقُ في قولِ مالكٍ؟ قالَ: نعَمْ، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ طلَّقَ إحدَى امرأتَيهِ ثلاثًا فنَسيَها، أيَلزَمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا، (قلتُ): فهل يُقالُ لهُ: طلِّقْ مِنْ ذي قَبلِ الَّتي لَم تُطلِّقْ؟ أو يقالُ لهُ: طَلِّقهُما جَميعًا مِنْ ذي قبلُ؟ (قالَ): ما سَألْنا مالكًا عَنْ هذا، ولكنَّ مالكًا قالَ: تُطْلُقانِ عليهِ جَميعًا، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ قالَ: إحداكُما طالِقٌ؟ (قالَ:) قالَ مالِكٌ: تَطْلُقانِ عليهِ جَميعًا إذا لم يَنوِ واحدةً منهُما (١).

стр. 10457

القَولُ الثَّالثُ للحَنابلةِ قالُوا: إذا قالَ لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ونَوَى واحدةً مُعيَّنةً قُبِلَ منهُ تَعيينُها وطلقَتْ؛ لأنهُ عَيَّنَها بنيَّتِه أشبَهَ ما لو عَيَّنَها بلَفظِه، وإنْ لم يَنوِ ففيهِ رِوايتانِ، أشهَرُهما -وهي المَذهبُ- أنهُ يُخرِجُ المُطلَّقةَ بالقُرعةِ إذا لم يَنوِ واحدةً بعَينِها، وهو قولُ عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ، ولا يُعرَفُ لهُما مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، وبهِ قالَ الحسَنُ البَصريُّ وأبو ثَورٍ وغَيرُهما، ولأنهُ إزالةُ مِلكٍ بُنيَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ فتَدخُلُه القُرعةُ كالعِتقِ، وممَّا يَدلُّ على صحَّةِ تَعيينِ المُطلَّقةِ بالقُرعةِ حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ في عِتقِ الأَعْبُدِ السِّتةِ، فإنَّ تَصرُّفَه في الجَميعِ لمَّا كانَ باطلًا جُعلَ كأنهُ أعتَقَ ثُلثًا منهُم غيرَ مُعيَّنٍ، فعَيَّنَه النَّبيُّ ﷺ بالقُرعةِ، والطَّلاقُ كالعتاقِ في هذا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهُما إزالةُ مِلكٍ مَبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فإذا اشتَبَهُ المَملوكُ في كلٍّ مِنهُما بغَيرِه لم يُجعَلِ التَّعيينُ إلى اختيارِ المالِكِ. ولأنَّ الحَقَّ لواحدٍ غَيرِ مُعيَّنٍ فوجَبَ تَعيينهُ بالقُرعةِ، كالحرِّيةِ في العَبيدِ إذا أعتَقَهُم في مرَضِه ولم يَخرُجْ جَميعُهُم مِنَ الثُّلثِ، وكالسَّفرِ بإحدَى نِسائِه، والبدايةِ بإحداهُنَّ في القَسْمِ، وكالشَّريكَينِ إذا اقتَسَما، ولأنهُ طلَّقَ

стр. 10458

واحدةً مِنْ نِسائِه لا يَعلمُ عَيْنَها فلم يَملِكْ تَعيينَها باختيارِهِ كالمَنسيَّةِ، وأمَّا الدَّليلُ على أنهنَّ لا يَطلُقْنَ جَميعًا أنه أضافَ الطَّلاقَ إلى واحدةٍ فلَم يَطلُقِ الجَميعُ كما لو عَيَّنَها. فإنْ ماتَ قبْلَ القُرعةِ والتَّعيينِ أقرَعَ الورَثةُ بيْنَهنَّ، فمَن وَقعَتْ عليها قُرعةُ الطَّلاقِ فحُكمُها في المِيراثِ حُكمُ ما لو عَيَّنَها بالتَّطليقِ مِنهنَّ؛ لأنهنَّ قد تَساوَينَ ولا سَبيلَ إلى التَّعيينِ، فوجَبَ المَصيرُ إلى القُرعةِ كمَن اعتَقَ عَبيدًا في مرَضِه لا مالَ لهُ سِواهُم، وقَد ثبَتَ الحُكمُ فيهم بالنَّصِّ؛ لأنَّ في تَوريثِ الجَميعِ تَوريثَ مَنْ لا يَستَحقُّ يَقينًا، والوَقفُ لا إلى غايةٍ حِرمانٌ للمُستحِقِّ يَقينًا، والقُرعةُ يُسلَمُ بها مِنْ هذينِ المَحذورَينِ، ولها نَظيرٌ في الشَّرعِ. ولم يَجبْ عَليها عِدةُ الوفاةِ، وتُحسَبُ لها عدَّةُ الطَّلاقِ مِنْ حينِه، وعلى البَواقي عدَّةُ الوَفاةِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمَدَ ﵁؛ لأنَّ الطَّلاقَ لمَّا ثبَتَ بالقُرعةِ تَبِعَه لَوازِمُه مِنْ العِدَّةِ وغَيرِها، وقالَ القاضي: يَجِبُ على كُلِّ واحدةٍ مِنهنَّ عِدَّةُ الوَفاةِ إنْ لم يَكنْ دخَلَ بهنَّ، وإنْ دخَلَ بهنَّ لَزمَهنَّ أطوَلُ الأمرَينِ مِنْ عدَّةِ الطَّلاقِ مِنْ حينِهِ وعدَّةِ الوَفاةِ مِنْ حينِها؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنهنَّ يُحتمَلُ أنْ تكونَ مُطلَّقةً وأنْ تكونَ زَوجةً، فلا تَبْرَأُ الذمَّةُ بدونِ ذلكَ، وهذا يُخالِفُ المَنصوصَ عَنْ أحمَدَ؛ فإنهُ نَصَّ في رِوايةِ أبي طالِبٍ أنَّه يُقرَعُ بيْنَهنَّ فأيتَهنَّ أصابَتْها القُرعةُ لم تُورَّثْ ولم تَعتَدَّ، ومُرادُه أنَّها لم تَعتَدَّ عدَّةَ الوفاةِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ العدَّةَ تابِعةٌ للميراثِ، وهو ظاهِرُ كلامِ القاضِي في

стр. 10459

«المُجَرّد»، فمَن خرَجَتْ لها قُرعةُ الطَّلاقِ فليسَ عَليها سِوَى عدَّةِ الطَّلاقِ مِنْ حينِها، وعلى البَواقي عدَّةُ الوَفاةِ مِنْ حينِها؛ لأنَّ القُرعةَ بيِّنةٌ شَرعيَّةٌ، وقَد حَكَمْنا بحِلِّ البُضعِ بها، فجازَ أنْ يَبتنيَ عليها حُكمُ العدَّةِ؛ لأنَّها مِنْ تَوابعِ الطَّلاقِ ولوازِمِه. وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ: يُعيِّنُها الزَّوجُ، فيُعيِّنُ أيتَهما شاءَ. ولا يَجوزُ لهُ أنْ يطَأَ إحداهُما قبْلَ القُرعةِ أو التِّعيينِ على الرِّوايةِ الأُخرَى، وليسَ الوَطءُ تَعيينًا لغَيرِها على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. ولا يَقعُ الطَّلاقُ بالتَّعيينِ، بلْ تَبيَّنَ وُقوعُه بهِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليهِ، وقيلَ: بَلى (١). الحالةُ الخامسةُ: إذا قالَ لزَوجتِه وأجنبيَّةٍ: إحداكُما طالِقٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الزَّوجُ لزَوجتِهِ وامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالقٌ»، هَلْ تطلقُ زَوجَتُه أم لا تطلقُ؟ وهلْ يُقبَلُ قَولُه في ذلكَ أم لا؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ لو جمَعَ بيْنَ امرأتِه وأجنبيَّةٍ وقالَ: طَلَّقتُ إحداكُما، طلقَتِ امرَأتُه؛ لأنهُ إيقاعٌ ظاهِرٌ مُستَعملٌ فيهِ عُرفًا.

стр. 10460

وإنْ قالَ لامرأتِهِ ولأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ قالَ: عَنَيتُ امرأتي، وقَعَ الطَّلاقُ عليها، وإلَّا لَم يقَعْ بأنْ لَم ينوِ شَيئًا، والقَولُ قَولُه أنَّه لم يُرِدِ امرأتَهُ معَ يَمينِه؛ لأنَّه صادِقٌ في هذا الإخبارِ في حَقِّ الأجنبيَّةِ مِنْ كَونِها فارِغةً عَنْ قَيدِ النِّكاحِ؛ لأنَّ اللَّفظَ المَذكورَ يَصلُحُ عِبارةً عنِ امرأتِه وعنِ المرأةِ الأُخرَى، فكانَ هذا كِنايةً مِنْ حَيثُ المَحلُّ، وكما أنَّ ألفاظَ الكِنايةِ لا تَعمَلُ إلَّا بالنِّيةِ فكذلكَ الكِنايةُ مِنْ حَيثُ المَحَلِّ لا يَتعيَّنُ فيهِ امرَأتُه إلَّا بالنِّيةِ، ويَحلِفُ باللهِ ما عَنِيَ امرأتَهُ كما في الكِناياتِ. وإذا جمَعَ بيْنَ امرأتَينِ إحداهُما صَحيحةُ النِّكاحِ والأُخرَى فاسِدةُ النِّكاحِ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» لا تَطلُقُ صَحيحَةُ النِّكاحِ، كما لَو جمَعَ بيْنَ مَنكوحةٍ وأجنبيَّةٍ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ». ولو كانَ لهُ زَوجتانِ اسمُ كلِّ واحدةٍ مِنهُما زَينبُ إحداهُما صَحيحةُ النِّكاحِ والأُخرَى فاسدةُ النِّكاحِ فقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» طَلُقَتْ صَحيحةُ النِّكاحِ، وإنْ قالَ: «عَنَيتُ بهِ الأُخرَى» لا يُصدَّقُ قَضاءً. ولو جمَعَ بيْنَ مَنكوحَتِهِ ورَجلٍ فقالَ: «إحداكُما طالقٌ» لا يَقعُ الطَّلاقُ على امرأتِهِ في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعَن أبي يُوسفَ أنهُ يقَعُ. ولو جمَعَ بيْنَ امرأتِهِ ومَا ليسَ بمَحَلٍّ للطَّلاقِ كالبَهيمةِ والحجَرِ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» طَلُقَتِ امرأتُهُ في قولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: لا تَطلُقُ.

стр. 10461

ولو جمَعَ بيْنَ امرأتِهِ الحيَّةِ والمَيِّتةِ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» لا تَطلُقُ الحيَّةُ (١). وقالَ المالكيَّةُ: لو قالَ لزَوجتِهِ وأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «أردْتُ الأجنبيَّةَ» لَم يُقبَلْ منهُ وطلقَتِ الزَّوجةُ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: ولو كانَتْ زَوجتُهُ معَ أجنبيَّةٍ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ أرادَ طلاقَ زوجَتِهِ طُلِّقَتْ، وإنْ أرادَ الأجنبيَّةَ وقالَتِ الزَّوجةُ: «بلْ أردتَنِي» .. فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه أنَّه ما أرادَها وإنَّما أرادَ الأجنبيَّةَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إنَّما يقَعُ على امرأتِهِ بأنْ يُشيرَ إليها أو يَصِفَها، وقَولُه: «إحداكُما» ليسَ بإشارةٍ إليها ولا بصِفةٍ لها، فلَم يقَعْ عليها الطَّلاقُ ويُقبَلُ منهُ ظاهِرًا وباطِنًا، ولَم تطلقْ زَوجتُه في الأصحِّ معَ يَمينِه؛ لأنَّ الكلمةَ مُتردِّدةٌ بيْنَهما مُحتمِلةٌ لهذِه وهذهِ. ومُقابلُ الأصحِّ: لا يُقبَلُ وتطلقُ زَوجتُه؛ لأنَّها مَحلُّ الطَّلاقِ فلا يَنصرِفُ عنها إلى الأجنبيَّةِ بالقَصدِ. وإنْ لم يَكنْ لهُ قصدٌ فقيلَ: تطلقُ زَوجتُه، وقيلَ: لا تطلقُ. ولو كانَ اسمُ زَوجتِه زَينَبُ وفي البلدِ جَماعةُ زَيانِبَ يُشاركْنَها في الاسمِ

стр. 10462

فقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» وقالَ: «أردتُ غَيرَ زَوجتِي مِنَ الزَّيانبِ» لم يُقبَلْ مِنهُ على الصَّحيحِ، وطُلِّقَتْ عليهِ زَوجَتُه في الظَّاهرِ، وكانَ مَدينًا في الباطِنِ، فيدينُ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ، كما لو كانَ لهُ زَوجةٌ قبْلَها واسمُها زَينبُ وطلَّقَها أو ماتَتْ وقالَ: «أردْتُها». والثَّاني: يُقبَلُ قَولُه بيَمينهِ؛ لاحتِمالِ اللَّفظِ لذلكَ كما في الصُّورَةِ الأُولَى. ولو قالَ وزَوجتُه ابنَةُ زَيدٍ ولزَيدٍ بنْتٌ أُخرَى، فقالَ: «بنتُ زَيدٍ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ أُختَها دُونَها» فهذا وإنْ كانَ تَعريفًا ولم يكنِ اسمًا فهوَ بالاسِمِ أشبهُ منهُ بالكِنايةِ، فلا تُقبَلُ منهُ ويَلزمُه الطَّلاقُ في الظَّاهِرِ ويَدينُ في الباطنِ. ولو نكحَ امرأةً نِكاحًا صَحيحًا وأُخرَى نكاحًا فاسِدًا وكلٌّ مِنهُما اسمُها زَينبُ، وقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ فاسِدةَ النِّكاحِ» قُبلَ منهُ إذا لَم يَعلمْ فَسادَ نِكاحِها، وإلَّا فهيَ أجنبيَّةٌ فلا يُقبَلُ مِنهُ ظاهِرًا ويُديَّنُ. قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولو نَظَرَ رَجلٌ إلى امرَأةٍ لهُ وامرأةٍ معها ليسَتْ لهُ بامرَأةٍ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» كانَ القَولُ قولَهُ، فإنْ أرادَ امرَأتَهُ فهيَ طالِقٌ، وإنْ أرادَ الأجنبيَّةَ لَم تَطلُقِ امرَأتُه، وإنْ قالَ: «أردتُ الأجنبيَّةَ» أُحلِفَ وكانَتِ امرأتُه بحالِها لم يَقعْ عليها طلاقٌ (١).

стр. 10463

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ قالَ لامرَأتِه وأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ، أو سَلْمَى طالِقٌ» واسمُهَما -أي زَوجَتُه- والأجنبيَّةِ سَلمَى طَلُقَتْ امرَأتُه؛ لأنَّ الأصلَ اعتبارُ كَلامِ المُكلَّفِ دُونَ إلغائِه، فإنْ أضافَهُ إلى إحدَى امرأتَينِ وإحداهُما زَوجَتُه أو إلى اسمٍ وزَوجتُه مُسمَّاةٌ بذلكَ وجَبَ صَرْفُه إلى امرأتِه؛ لأنهُ لو لم يُصرَفْ إليها لَوقَعَ لَغوًا. ولو قالَ لحَماتِه: «ابنَتُكِ طالِقٌ» ولها بنْتٌ غَيرُها وقالَ: «أردْتُ ابنتَكِ الأُخرَى الَّتي ليسَتْ بزَوجَتي» طَلُقَتْ زَوجَتُه. وإنْ قالَ: «أردْتُ الأجنبيَّةَ» لم تَطْلُقِ امرَأتُه؛ لأنَّه لَم يُصرِّحْ بطَلاقِها ولا لفَظَ بما يَقتضِيه ولا نَواهُ، فوجَبَ بقاءُ نِكاحِها على ما كانَ عليهِ، وإنِ ادَّعى ذلكَ دُيِّنَ فيمَا بيْنَه وبيْنَ اللهِ؛ لأنَّه يحتملُ ما قالَهُ. إلَّا أنهُ لا يُقبَلُ في الحُكمِ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ، فلا يَحكمُ بهِ القاضي؛ لأنهُ خِلافُ الظَّاهرِ؛ لأنَّ غَيرَ زَوجتِه ليسَتْ مَحلًّا لطلاقِه إلَّا بقَرينةٍ، فإذا كانَ ثَمَّ قَرينةٌ دالَّةٌ على إرادةِ الأجنبيَّةِ مِثلَ أنْ يَدفعَ بيَمينِهِ ظُلمًا أو يَتخلَّصَ بها مِنْ مَكروهٍ فإنَّه يُقبَلُ في الحُكمِ، ونقَلَ أبو داودَ فيمَن لهُ امرأتانِ اسمُهُما واحِدٌ ماتَتْ إحداهُما فقالَ: «فلانةُ طالِقٌ» -يَنوِي المَيتةَ- فقالَ: المَيتةُ تُطلَّقُ؟! كأنَّ أحمَدَ أرادَ: لا يُصدَّقُ حُكمًا.

стр. 10464

والرِّوايةُ الثَّانيةُ: يُقبَلُ في القَضاءِ. وإنْ نادَى امرأتَه فأجابَتْهُ امرأةٌ لهُ أُخرَى فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» يَظنُّها المُناداةَ طَلُقَتا في إحدَى الرِّوايتَينِ؛ لأنَّها خاطَبَها بالطَّلاقِ فطَلُقَتْ كما لَو قصَدَها. والرِّوايةُ الأُخرَى -وهيَ المَذهبُ-: تُطلَّقُ الَّتي ناداها فقطْ؛ لأنهُ قَدْ تَعلَّقَ بخطابِهِ المُناداةَ، وليسَتِ الأُخرَى مُناداةً، ولأنهُ لم يَقصِدْها بالطَّلاقِ فلم تُطلَّقْ كما لو أرادَ أنْ يقولَ: «طاهِرٌ» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ»، قالَ أبو بكرٍ: لا يَختَلفُ كَلامُ أحمَدَ أنَّها لا تُطلَّقُ. وإنْ قالَ: «عَلمْتُ أنَّها غَيرُها وأردْتُ طلاقَ المُناداةِ» طُلِّقَتا معًا في قولِهمْ جَميعًا؛ لأنَّ المُناداةَ تَوجَّهَ إليها لفْظُ الطَّلاقِ ونيَّتهُ، والمُجيبَةَ توَّجَهَ إليها بخِطابِها بالطَّلاقِ، وإنْ قالَ: «أردْتُ طلاقَ الثَّانيةِ» طُلِّقَتْ وحْدَها؛ لأنَّهُ خاطَبَها بالطَّلاقِ ونَواها بهِ، ولا تُطلَّقُ غَيرُها؛ لأنَّ لفْظَه غَيرُ مُوجَّهٍ إليها ولا هيَ مَنْويَّةٌ (١). إذا شكَّ في الطَّلاقِ: الشَّكُّ في الطَّلاقِ على ثلاثةِ أقسامٍ: شَكٌّ في أصلِ الطَّلاقِ، وشكٌّ في عَددِ الطَّلاقِ، وشَكٌّ في مَحلِّ الطَّلاقِ كمَن طلَّقَ مُعيَّنةً ثمَّ نَسِيَها.

стр. 10465

القِسمُ الأوَّلُ: الشَّكُّ في أصلِ الطَّلاقِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ شَكَّ في أصلِ الطَّلاقِ هلْ طلَّقَ زَوجتَهُ أم لا؟ فإنهُ لا يُحكَمُ بوُقوعِ الطَّلاقِ عليهِ؛ إسقاطًا لحُكمِ الشَّكِّ واعتِبارًا بيَقينِ النِّكاحِ، وأنَّ أحكامَ الشَّرعِ مُستقرَّةٌ على تَغليبِ اليَقينِ على الشَّكِّ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكمْ في صَلاتِهِ فلَم يَدرِ كَمْ صلَّى ثلاثًا أمْ أربعًا؟ فلْيَطرَحِ الشَّكَّ ولْيَبنِ على ما استَيقَنَ» (١). ولقَولِه ﷺ : «إذا وجَدَ أحَدُكُم في بَطنِهِ شيئًا فأَشْكَلَ عليهِ أخَرَجَ منه شَيءٌ أمْ لا؟ فلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجدِ حتَّى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا» (٢). فأمَرَهُ في هذينِ الخَبرينِ أنْ يَعمَلَ على اليقينِ فيما يُؤدِّيهِ مِنْ صلاتِهِ وفيما يَلتزِمُ مِنْ حَدَثِه، وأسقَطَ حُكمَ الشَّكِّ أنْ يَتعلَّقَ به حُكمٌ، فكذلكَ في الطَّلاقِ يَلزَمُ ما يَتيقَّنُه ويُسقِطُ ما يَشكُّ فيهِ، وكذلكَ سائِرُ الأحكامِ (٣).

стр. 10466

قالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا شكَّ الرَّجلُ هلْ طَلَّقَ امرأتَهُ أم لا؟ لَم يَلزَمْه الطَّلاقُ -وهوَ إجماعٌ-؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاحِ وعَدَمُ الطَّلاقِ. وقالَ الشَّافعيُّ: (والوَرَعُ والاحتِياطُ أنْ يُحنِثَ نَفْسَه، فإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادتِهِ أنَّه إذا طلَّقَ امرأتَهُ طلَّقَ واحدةً أو اثنتَينِ .. راجَعَها، وإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادَتِه أنَّه يُطلِّقُ الثَّلاثَ .. طلَّقَها ثلاثًا، فتَحلُّ لغَيرهِ بيقينٍ) (١). وهكذا قالَ الماوَرْديُّ ﵀: فإنْ كانَ شَكَّ في أصلِه هلْ طلَّقَ أم لا؟ لم يَلزَمْه الطَّلاقُ؛ اعتِبارًا باليقينِ في بقاءِ النِّكاحِ، وإسقاطًا للشَّكِّ في رفْعِه بالطَّلاقِ، وهذا مُتفَقٌ عَليهِ، لكنَّ الورَعَ أنْ يَلتزمَ حُكمَ الطَّلاقَ حتَّى لا يَستَبيحَ بُضعًا بالشَّكِّ، فإنْ كانَ الشَّكُّ في طَلقةٍ واحدةٍ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالتِزامُهُ لحُكمِها ورَعًا أنْ يَرتجِعَها، فإنْ كانَ قدْ طلَّقَ حلَّتْ لهُ بالرَّجعَةِ، وإنْ لم يكنْ قدْ طلَّقَ لم تَضرَّهُ الرَّجعَةُ ويَستَبقيها على طَلقتَينِ، وإنْ كانَ الشَّكُّ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالورَعَ أنْ يَتْرُكَ الاستِمتاعَ بها، أنْ يَعتَزِلَها ويَلتزِمَ نفَقَتَها، فيَغلِبُ الشَّكُّ في اعتِزالِ الوَطءِ، واليَقينُ في التِزامِ النَّفقةِ، وإنْ

стр. 10467

أرادَ الاستِمتاعَ بها أنْ يُطلِّقَها ثلاثًا لتَستَبيحَ نِكاحَ غَيرِه بيَقينٍ، فإنْ كانَ قدْ وطِئَها مِنْ قبْلُ لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ، وإنْ لمْ يَكنْ قد طَلَّقَها مِنْ قَبلُ وقَعَ هذا الطَّلاقُ وحلَّتْ لهُ لزَوجٍ بعْدَهُ، فإذا استَحلَّتْ بزَوجٍ حلَّتْ لهُ أنْ يَنكِحَها ثمَّ هيَ مُستَباحةٌ بيَقينٍ، هذا في الوَرعِ، وإنْ لم يَلزَمْه في الحُكمِ أنْ يَرتَجِعَ إذا شَكَّ في الواحدةِ ولا أنْ يَعتزِلَ أو يُطلِّقَ باليقينِ في أصلِ النِّكاحِ واستِدامةِ إباحَتهِ (١). وهكذا قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والورَعُ التِزامُ الطَّلاقِ، فإنْ كانَ المَشكوكُ فيهِ طلاقًا رَجعيًّا راجَعَ امرأتَهُ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، أو جدَّدَ نِكاحَها إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها أو قَدْ انقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ شَكَّ في طلاقِ ثلاثٍ طلَّقَها واحدةً وترَكَها؛ لأنهُ إذا لَم يُطلِّقْها فيَقينُ نِكاحِه باقٍ فلا تَحِلُّ لغَيرِه. وحُكيَ عَنْ شَريكٍ أنهُ إذا شَكَّ في طلاقِهِ طلَّقَها واحدةً ثمَّ راجَعَها؛ لتكونَ الرَّجعَةُ عَنْ طلقَةٍ فتكونَ صَحيحةً في الحُكمِ، وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ التَّلفُّظَ بالرَّجعَةِ مُمكِنٌ معَ الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفتقرُ إلى ما تَفتقرُ إليهِ العِباداتُ مِنَ النِّيةِ، ولأنهُ لو شَكَّ في طَلقتَينِ فطلَّقَ واحدةً لَصارَ شاكًّا في تَحريمِها عليهِ، فلا تُفيدُه الرَّجعةُ (٢).

стр. 10468

وهذا الحُكمُ عِنْدَ المالكيَّةِ فيما لو شَكَّ في الطَّلاقِ، والمُرادُ بالشَّكِّ ما استَوَى طرَفاهُ، لا مُطلَقُ التَّردُّدِ فالوَهمُ لا يُؤثِّرُ. وأمَّا الظَّنُّ فليسَ كذلكَ؛ فمَن ظَنَّ أنَّه طلَّقَ فهوَ كمَن تَيقَّنَ ذلكَ (١). فالشَّكُّ أنْ يَستويَ طَرَفَا العِلمِ والجَهلِ، والظَّنُّ تَرجُّحُ أحدِهِما مِنْ غَيرِ دليلٍ. القِسمُ الثَّاني: الشَّكُّ في عَددِ الطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَكَّ الزَّوجُ في عَددِ طلاقِ زَوجَتِه، هل طلَّقَها واحدةً أم اثنتَينِ؟ أو طلَّقَها اثنتَينِ أم ثلاثةً؟ هلْ يَبنِي على ما استَيقَنَ -وهو الأقلُّ-؟ أم تطلقُ عليهِ زَوجَتُه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ الطَّلاقَ إلَّا أنَّه شَكَّ في عَددِ الطَّلاقِ أنهُ طلَّقَها واحدةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا فإنهُ يَحكُمُ بالأقَلِّ ويَبني على ما استَيقَنَ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ

стр. 10469

الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أمْ أربَعًا فليَطْرَحِ الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استَيقَنَ» (١). ولقولِه ﷺ : «إذا وجَدَ أحَدُكُم في بَطنِه شَيئًا فأشكَلَ عليهِ أخَرَجَ منهُ شيءٌ أم لا؟ فلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجدِ حتَّى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا» (٢). ولأنَّ ما زادَ على القَدرِ الَّذي تَيقَّنَهُ طلاقٌ مَشكوكٌ فيهِ فلم يَلزمْه، كما لو شَكَّ في أصلِ الطَّلاقِ، ولا يَجوزُ أنْ يُرفعَ يَقينُ النِّكاحِ بالشَّكِّ، ولأنَّه لمَّا وقَعَ الشَّكُّ في أصلِه بَنَى على اليَقينِ؛ وجَبَ إذا وقَعَ في عَدَدِه أنْ يَبنِي على اليَقينِ كالصَّلاةِ، ولأنهُ إسقاطُ حَقٍّ فلَمْ يَلزمِ الشَّكُّ كالإبراءِ. وإذا ثبَتَ هذا فإنهُ تَبقَى أحكامُ المُطلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ مِنْ إباحةِ الرَّجعةِ، وإذا راجَعَ وجَبَتِ النَّفقةُ وحَقوقُ الزَّوجيَّةِ. والورَعُ عِنْدَ الشَّافعيَّةُ: الأخذُ بالأحوَطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» (٣) (٤).

стр. 10470

وذهَبَ المالكيَّةُ والخِرَقيُّ مِنَ الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ وُقوعَ الطَّلاقِ لكنْ شَكَّ في عَدَدِ الطَّلاقِ هلْ طلَّق واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ فإنَّ زَوجَتَه تَحرُمُ عليهِ إلَّا بعْدَ زَوجٍ، ويُحكَمُ عليهِ بالفِراقِ؛ لأنهُ أوقَعَ عليها واحِدةً مُحقَّقةً، فيَقعُ عليهِ ويَقعُ الباقيتانِ احتِياطًا، وقيلَ أنهُ تَلزمُه طَلقةٌ واحِدةُ. ويُصدَّقُ إنْ تَذكَّرَ في العدَّةِ أنَّ طلاقَهُ كانَ قاصِرًا عَنِ الثَّلاثِ بلا يَمينٍ، ولهُ رَجعَتُها بلا عَقدٍ، وإنْ تَذكَّرَ بعْدَ العِدَّةِ فلهُ رَجعَتُها بعَقدٍ ويكونُ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ. جاءَ في «المُدَوَّنَة الكُبْرَى»: الشَّكُّ في الطَّلاقِ: قلتُ: أرأَيتَ لو أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرَأتَهُ فلَم يَدرِ كَمْ طَلَّقَها أَطَلقَةً واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ كَمْ يكونُ هذا في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، قالَ ابنُ القاسِمِ: وأرَى إنْ ذكَرَ وهي في العِدَّةِ أنَّه لَم يُطلِّقْ إلَّا واحِدةً أو اثنتَينِ أنهُ يَكونُ أملَكَ بها، فإنِ انقَضَتِ العدَّةُ قبْلَ أنْ يَذكُرَ فلا سَبيلَ لهُ إليها، وإنْ ذكَرَ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ أنهُ إنَّما كانَتْ تَطليقَةً أو تَطليقتَينِ فهوَ خاطِبٌ مِنَ الخُطَّابِ، وهوَ مُصدَّقٌ في ذلكَ، قلتُ: أَتحفَظُه عَنْ مالِكٍ؟ قالَ: لا، قُلتُ: أرأَيتَ إنْ لَم يَذكُرْ كَمْ طَلَّقَها ففَرَّقْت بيْنَهُما ثمَّ تَزوَّجَها زَوجٌ بعْدَ انقِضاءِ
следующие страницы →