← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.

стр. 10466

قالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا شكَّ الرَّجلُ هلْ طَلَّقَ امرأتَهُ أم لا؟ لَم يَلزَمْه الطَّلاقُ -وهوَ إجماعٌ-؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاحِ وعَدَمُ الطَّلاقِ. وقالَ الشَّافعيُّ: (والوَرَعُ والاحتِياطُ أنْ يُحنِثَ نَفْسَه، فإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادتِهِ أنَّه إذا طلَّقَ امرأتَهُ طلَّقَ واحدةً أو اثنتَينِ .. راجَعَها، وإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادَتِه أنَّه يُطلِّقُ الثَّلاثَ .. طلَّقَها ثلاثًا، فتَحلُّ لغَيرهِ بيقينٍ) (١). وهكذا قالَ الماوَرْديُّ ﵀: فإنْ كانَ شَكَّ في أصلِه هلْ طلَّقَ أم لا؟ لم يَلزَمْه الطَّلاقُ؛ اعتِبارًا باليقينِ في بقاءِ النِّكاحِ، وإسقاطًا للشَّكِّ في رفْعِه بالطَّلاقِ، وهذا مُتفَقٌ عَليهِ، لكنَّ الورَعَ أنْ يَلتزمَ حُكمَ الطَّلاقَ حتَّى لا يَستَبيحَ بُضعًا بالشَّكِّ، فإنْ كانَ الشَّكُّ في طَلقةٍ واحدةٍ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالتِزامُهُ لحُكمِها ورَعًا أنْ يَرتجِعَها، فإنْ كانَ قدْ طلَّقَ حلَّتْ لهُ بالرَّجعَةِ، وإنْ لم يكنْ قدْ طلَّقَ لم تَضرَّهُ الرَّجعَةُ ويَستَبقيها على طَلقتَينِ، وإنْ كانَ الشَّكُّ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالورَعَ أنْ يَتْرُكَ الاستِمتاعَ بها، أنْ يَعتَزِلَها ويَلتزِمَ نفَقَتَها، فيَغلِبُ الشَّكُّ في اعتِزالِ الوَطءِ، واليَقينُ في التِزامِ النَّفقةِ، وإنْ

стр. 10467

أرادَ الاستِمتاعَ بها أنْ يُطلِّقَها ثلاثًا لتَستَبيحَ نِكاحَ غَيرِه بيَقينٍ، فإنْ كانَ قدْ وطِئَها مِنْ قبْلُ لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ، وإنْ لمْ يَكنْ قد طَلَّقَها مِنْ قَبلُ وقَعَ هذا الطَّلاقُ وحلَّتْ لهُ لزَوجٍ بعْدَهُ، فإذا استَحلَّتْ بزَوجٍ حلَّتْ لهُ أنْ يَنكِحَها ثمَّ هيَ مُستَباحةٌ بيَقينٍ، هذا في الوَرعِ، وإنْ لم يَلزَمْه في الحُكمِ أنْ يَرتَجِعَ إذا شَكَّ في الواحدةِ ولا أنْ يَعتزِلَ أو يُطلِّقَ باليقينِ في أصلِ النِّكاحِ واستِدامةِ إباحَتهِ (١). وهكذا قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والورَعُ التِزامُ الطَّلاقِ، فإنْ كانَ المَشكوكُ فيهِ طلاقًا رَجعيًّا راجَعَ امرأتَهُ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، أو جدَّدَ نِكاحَها إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها أو قَدْ انقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ شَكَّ في طلاقِ ثلاثٍ طلَّقَها واحدةً وترَكَها؛ لأنهُ إذا لَم يُطلِّقْها فيَقينُ نِكاحِه باقٍ فلا تَحِلُّ لغَيرِه. وحُكيَ عَنْ شَريكٍ أنهُ إذا شَكَّ في طلاقِهِ طلَّقَها واحدةً ثمَّ راجَعَها؛ لتكونَ الرَّجعَةُ عَنْ طلقَةٍ فتكونَ صَحيحةً في الحُكمِ، وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ التَّلفُّظَ بالرَّجعَةِ مُمكِنٌ معَ الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفتقرُ إلى ما تَفتقرُ إليهِ العِباداتُ مِنَ النِّيةِ، ولأنهُ لو شَكَّ في طَلقتَينِ فطلَّقَ واحدةً لَصارَ شاكًّا في تَحريمِها عليهِ، فلا تُفيدُه الرَّجعةُ (٢).

стр. 10468

وهذا الحُكمُ عِنْدَ المالكيَّةِ فيما لو شَكَّ في الطَّلاقِ، والمُرادُ بالشَّكِّ ما استَوَى طرَفاهُ، لا مُطلَقُ التَّردُّدِ فالوَهمُ لا يُؤثِّرُ. وأمَّا الظَّنُّ فليسَ كذلكَ؛ فمَن ظَنَّ أنَّه طلَّقَ فهوَ كمَن تَيقَّنَ ذلكَ (١). فالشَّكُّ أنْ يَستويَ طَرَفَا العِلمِ والجَهلِ، والظَّنُّ تَرجُّحُ أحدِهِما مِنْ غَيرِ دليلٍ. القِسمُ الثَّاني: الشَّكُّ في عَددِ الطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَكَّ الزَّوجُ في عَددِ طلاقِ زَوجَتِه، هل طلَّقَها واحدةً أم اثنتَينِ؟ أو طلَّقَها اثنتَينِ أم ثلاثةً؟ هلْ يَبنِي على ما استَيقَنَ -وهو الأقلُّ-؟ أم تطلقُ عليهِ زَوجَتُه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ الطَّلاقَ إلَّا أنَّه شَكَّ في عَددِ الطَّلاقِ أنهُ طلَّقَها واحدةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا فإنهُ يَحكُمُ بالأقَلِّ ويَبني على ما استَيقَنَ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ

стр. 10469

الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أمْ أربَعًا فليَطْرَحِ الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استَيقَنَ» (١). ولقولِه ﷺ : «إذا وجَدَ أحَدُكُم في بَطنِه شَيئًا فأشكَلَ عليهِ أخَرَجَ منهُ شيءٌ أم لا؟ فلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجدِ حتَّى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا» (٢). ولأنَّ ما زادَ على القَدرِ الَّذي تَيقَّنَهُ طلاقٌ مَشكوكٌ فيهِ فلم يَلزمْه، كما لو شَكَّ في أصلِ الطَّلاقِ، ولا يَجوزُ أنْ يُرفعَ يَقينُ النِّكاحِ بالشَّكِّ، ولأنَّه لمَّا وقَعَ الشَّكُّ في أصلِه بَنَى على اليَقينِ؛ وجَبَ إذا وقَعَ في عَدَدِه أنْ يَبنِي على اليَقينِ كالصَّلاةِ، ولأنهُ إسقاطُ حَقٍّ فلَمْ يَلزمِ الشَّكُّ كالإبراءِ. وإذا ثبَتَ هذا فإنهُ تَبقَى أحكامُ المُطلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ مِنْ إباحةِ الرَّجعةِ، وإذا راجَعَ وجَبَتِ النَّفقةُ وحَقوقُ الزَّوجيَّةِ. والورَعُ عِنْدَ الشَّافعيَّةُ: الأخذُ بالأحوَطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» (٣) (٤).

стр. 10470

وذهَبَ المالكيَّةُ والخِرَقيُّ مِنَ الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ وُقوعَ الطَّلاقِ لكنْ شَكَّ في عَدَدِ الطَّلاقِ هلْ طلَّق واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ فإنَّ زَوجَتَه تَحرُمُ عليهِ إلَّا بعْدَ زَوجٍ، ويُحكَمُ عليهِ بالفِراقِ؛ لأنهُ أوقَعَ عليها واحِدةً مُحقَّقةً، فيَقعُ عليهِ ويَقعُ الباقيتانِ احتِياطًا، وقيلَ أنهُ تَلزمُه طَلقةٌ واحِدةُ. ويُصدَّقُ إنْ تَذكَّرَ في العدَّةِ أنَّ طلاقَهُ كانَ قاصِرًا عَنِ الثَّلاثِ بلا يَمينٍ، ولهُ رَجعَتُها بلا عَقدٍ، وإنْ تَذكَّرَ بعْدَ العِدَّةِ فلهُ رَجعَتُها بعَقدٍ ويكونُ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ. جاءَ في «المُدَوَّنَة الكُبْرَى»: الشَّكُّ في الطَّلاقِ: قلتُ: أرأَيتَ لو أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرَأتَهُ فلَم يَدرِ كَمْ طَلَّقَها أَطَلقَةً واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ كَمْ يكونُ هذا في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، قالَ ابنُ القاسِمِ: وأرَى إنْ ذكَرَ وهي في العِدَّةِ أنَّه لَم يُطلِّقْ إلَّا واحِدةً أو اثنتَينِ أنهُ يَكونُ أملَكَ بها، فإنِ انقَضَتِ العدَّةُ قبْلَ أنْ يَذكُرَ فلا سَبيلَ لهُ إليها، وإنْ ذكَرَ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ أنهُ إنَّما كانَتْ تَطليقَةً أو تَطليقتَينِ فهوَ خاطِبٌ مِنَ الخُطَّابِ، وهوَ مُصدَّقٌ في ذلكَ، قلتُ: أَتحفَظُه عَنْ مالِكٍ؟ قالَ: لا، قُلتُ: أرأَيتَ إنْ لَم يَذكُرْ كَمْ طَلَّقَها ففَرَّقْت بيْنَهُما ثمَّ تَزوَّجَها زَوجٌ بعْدَ انقِضاءِ

стр. 10471

عدَّتِها ثمَّ طلَّقَها هذا الزَّوجُ الثَّاني أو ماتَ عَنها، أَتحِلُّ للزَّوجِ الَّذي لَم يَدرِ كَمْ طلَّقَها؟ قالَ: تَحِلُّ لهُ بعْدَ هذا الزَّوجِ؛ لأنهُ إنْ كانَ إنَّما طلَّقَها واحِدةً رَجَعتْ عِندَه على اثنتَينِ، وإنْ كانَ إنَّما طلَّقَها هذا الزَّوجُ اثنتَينِ رَجَعتْ إليهِ على واحدةٍ، وإنْ كانَ إنَّما طلَّقَها ثلاثًا فقَدْ أحَلَّها هذا الزَّوجُ، فإنْ طلَّقَها هذا الزَّوجُ أيضًا تَطليقةً فانقَضَتْ عِدَّتُها أو لَم تَنقَضِ عِدَّتُها لم يَحِلَّ لهُ أنْ يَنكِحَها إلَّا بعْدَ زَوجٍ؛ لأنهُ لا يَدري لعلَّ طلاقَهُ إيَّاها كانَ تَطليقتَينِ فقَدْ طلَّقَ أُخرَى، فهذا لا يَدرِي لَعلَّ الثَّلاثَ إنَّما وقَعَتْ بهذهِ التَّطليقةِ الَّتي طلَّقَ، فإنْ تَزوَّجَتْ بعْدَ ذلكَ زَوجًا آخَرَ فماتَ أو طلَّقَها فانقَضَتْ عدَّتُها فتَزوَّجَها الزَّوجُ الأوَّلُ فطلَّقَها أيضًا تَطليقةً إنهُ لا يَحلُّ لهُ أنْ يَنكِحَها إلَّا بعْدَ زَوجٍ أيضًا؛ لأنهُ لا يَدري لعَلَّ الطَّلاقَ الأوَّلَ إنَّما كانَ تَطليقةً واحدةً، والطَّلاقَ الثَّاني إنَّما كانَ تَطليقةً ثانيةً، وإنَّ هذهِ الثَّالثةَ، فهو لا يَدري لعلَّ هذهِ هيَ التَّطليقةَ الثَّالثةَ، فلا يَصلُحُ لهُ أنْ يَنكِحَها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَهُ، قُلتُ: فإنْ نَكحَتْ زَوجًا غَيرَه ثمَّ طلَّقَها أو ماتَ عنها هذا الزَّوجُ الثَّالثُ ثمَّ تَزوَّجَها الزَّوجُ الأوَّلُ أيضًا؟ قالَ: فإنَّها تَرجِعُ إليهِ أيضًا على تَطليقةٍ أيضًا بعْدَ الثَّلاثةِ الأزواجِ، إلَّا أنْ يَبِتَّ طلاقَها وهي تَحتَه في أيِّ النِّكاحِ كانَ (١).

стр. 10472

وقالَ الحَطَّابُ ﵀: إذا أقَرَّ على نَفسِه بالطَّلاقِ فادَّعَتْ عليهِ الزَّوجةُ مِنْ عَدَدِ الطَّلاقِ أكثَرَ ممَّا أقَرَّ بهِ يَجبُ عليهِ أنْ يَحلِفَ، بخِلافِ ما إذا ادَّعَتْ عليهِ أنهُ طلَّقَ وأنكَرَ (١). وقالَ الخِرَقيُّ الحنبَليُّ ﵀: إذا طلَّقَ فلم يَدرِ أواحِدَةً طلَّقَ أم ثلاثًا؟ لا يَحلُّ لهُ وَطؤُها حتَّى يَتيقَّنَ، وهذا رِوايةٌ عَنْ أحمَدَ أنهُ يَحرُمُ عليهِ وطؤُها؛ لأنَّه مُتيقِّنٌ للتَّحريمِ شَاكٌّ في التَّحليلِ، وعليهِ نَفقتُها ما دامَتْ في العدَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُها استِنادًا لبَقاءِ النِّكاحِ، ولأنهُ لو تَنجَّسَ ثَوبُه ولَم يَدرِ مَوضِعَ النَّجاسةِ منهُ لا يَحلُّ له أنْ يُصلِّيَ فيهِ حتَّى يَغسِلَ ما تَيقَّنَ بهِ طَهارتَه، فكذا هُنا، والجامِعُ بيْنَهما تَيقُّنُ الأصلِ والشَّكُ فيما بعْدَه (٢). القِسمُ الثَّالثُ: الشَّكُّ في مَحلِّ الطَّلاقِ: كمَنْ طلَّقَ مُعيَّنةً ثمَّ نَسِيَها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أوقَعَ الطَّلاقَ على زَوجةٍ مُعيَّنةٍ مِنْ زَوجتَينِ فأكثَرَ ثمَّ شَكَّ في المُوقعِ عليها أَهندُ هيَ أم غَيرُها؟ أو حلَفَ بطَلاقِ واحِدةٍ فحنَثَ ولم يَدرِ مَنْ هيَ مِنهُما أو مِنهنَّ. فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فطلَّقَ مِنهنَّ واحِدةً بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فلم يَعرِفْها فليسَ لهُ أنْ يَقرَبَ مِنهنَّ شَيئًا بتَحرٍّ حتَّى يَعلمَ المُطلَّقةَ بعَينِها مِنْ غَيرِها، وكذلكَ إنْ متنَ كُلُّهنَّ إلَّا واحِدةً لم يَسعْهُ أنْ

стр. 10473

يقرَبَها حتَّى يَعلمَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، وكذلكَ يَنبغي للقاضي إذا رفعَتْ إليهِ أن يَمنَعَه منها حتَّى يُبيِّنَ فيُخبِرَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، فإذا أخبَرَ بذلكَ استَحلَفَه البتَّةَ ما طَلَّقَ هذهِ بعَينِها ثلاثًا، ثمَّ خلَّى بيْنَهُ وبيْنَها، فإنْ كانَ حلَفَ وهوَ جاهِلٌ بما حلَفَ عليهِ فليسَ يَنبغي لهُ أنْ يَقرَبَها (١). وقالَ المالكيَّةُ: جَميعَ نِسائِه تطلقُ عَليهِ، فإذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ» أو امرَأتُه طالِقٌ ولهُ امرأتانَ، أو لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ولم يَنوِ مُعيَّنةً في الجَميعِ، أو نَوَى واحِدةً ونَسِيَها؛ طَلُقَتا أو طَلُقنَ على المَشهورِ عِنْدَ المالكيَّةِ، وليسَ لهُ أنْ يَختارَ واحِدةً مِنهنَّ، وهذا قَولُ المِصريِّينَ، وقالَ المَدَنيُّونَ: يُخيَّرُ فيمَنْ شاءَ مِنهُما، فيُوقِعُ الطَّلاقَ عليها كالعِتقِ. ولا خِلافَ بيْنَهم أنهُ يُصدَّقُ فيما لو قالَ: نَويْتُ واحِدةً بعَينِها. جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ لَو أنَّ رَجلًا قالَ: «إحدَى امرَأتَيَّ طالقٌ ثلاثًا» ولم يَنوِ واحِدةً منهُما بعَينِها، أَيكونُ لهُ أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على أيتِهما شاءَ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إذا لم يَنوِ حينَ تَكلَّمَ بالطَّلاقِ واحدةً بعَينِها طَلُقَتا عليهِ جَميعًا، وذلكَ أنَّ مالِكًا قالَ في رَجلٍ لهُ امرأتانِ أو أكثرُ مِنْ ذلكَ فقالَ: «امرأةٌ مِنْ نِسائِي طالِقٌ ثلاثًا إنْ فعلْتُ كذا وكذا» ففَعَلَه، (قالَ): إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها حينَ حلَفَ طَلُقَتْ عليهِ، وإلَّا طُلِّقنَ جَميعًا

стр. 10474

بما حلَفَ بهِ، وإنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها فنَسيَها طُلِّقنَ عليهِ جَميعًا، (قلتُ): وما حجَّةُ مالكٍ في هذا؟ (قالَ): لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ يُختارُ فيهِ في قولِ مالكٍ، (وقالَ ابنُ القاسِمٍ): حَدَّثني يَحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ عُمرَ بنَ عَبدِ العزيزِ قَضَى بهِ في رَجلٍ مِنْ أهلِ الباديةِ كانَ يَسقي على ماءٍ لهُ فأقبَلَتْ ناقةٌ له فنظَرَ إليها مِنْ بَعيدٍ فقالَ: «امرأتُه طالقٌ البَتَّة -وله امرَأتانِ- إنْ لَم تكنْ فُلانة» لناقةٍ لهُ، فأقبلَتْ ناقةٌ غيرُ تلكَ النَّاقةِ، فقَدمَ الأعرابيُّ المَدينةَ فدخَلَ على أبي بكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو عامِلٌ لعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ على المَدينةِ، وعُمرُ يَومئذٍ خَليفةٌ، فقَصَّ عليهِ قصَّتَه، فأشكَلَ عليهِ القَضاءُ فيها، فكتَبَ إلى عُمرَ في ذلكَ، فكتَبَ إليهِ عُمرُ: إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهُما حينَ حلَفَ فهوَ ما نَوَى، وإلَّا طَلُقَتا جَميعًا عَليهِ. (قلتُ): فإنْ قالَ: «إحداكُما طالقٌ» وقالَ: «قد نَويتُ هَذهِ بعَينِها» وعَليهِ بيَّنةٌ حين حلَفَ فيهما أيُصدَّقُ في قولِ مالكٍ؟ قالَ: نعَمْ، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ طلَّقَ إحدَى امرأتَيهِ ثلاثًا فنَسيَها، أيَلزَمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا، (قلتُ): فهل يُقالُ لهُ: طلِّقْ مِنْ ذي قَبلِ الَّتي لَم تُطلِّقْ؟ أو يقالُ لهُ: طَلِّقهُما جَميعًا مِنْ ذي قبلُ؟ (قالَ): ما سَألْنا مالكًا عَنْ هذا، ولكنَّ مالكًا قالَ: تُطْلُقانِ عليهِ جَميعًا، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ قالَ: إحداكُما طالِقٌ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: تَطْلُقانِ عليهِ جَميعًا إذا لم يَنوِ واحدةً منهُما (١).

стр. 10475

وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ كانَتْ لهُ امرأتانِ فطَلَّقَ إحداهُما بعَينِها ثمَّ نَسِيَها أو خَفِيَتْ عليهِ عَينُها بأنْ طلَّقَها في ظُلمةٍ أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ رُجعَ إليهِ في تَعيينِها؛ لأنهُ هوَ المُطلِّقُ، ولا تَحلُّ لهُ واحِدةٌ مِنهُما قبْلَ أنْ يُعيِّنَ، ويُؤخَذُ بنَفقَتِهما إلى أنْ يُعيِّنَ؛ لأنهُما مَحبُوسَتانِ عليهِ. فإنْ عَيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما فكَذَّبَتاهُ حلَفَ للأُخرَى؛ لأنَّ المُعيَّنةَ لو رجَعَ في طَلاقِها لَم يُقبَلْ. ولو بادَرَتْ واحِدةٌ وقالَتْ: «أنا المُطلَّقَةُ» فلا يقنعُ منهُ بقَولِه: «نَسيتُ، أو لا أدرِي»، بلْ يُطالَبُ بيَمينٍ جازِمةٍ أنَّه لمْ يُطلِّقْها، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وقُضيَ باليَمينِ المَردُودةِ. وإنْ قالَ: «طَلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقَتا في الحُكمِ؛ لأنهُ أقَرَّ بطلاقِ الأُولَى ثمَّ رجَعَ إلى الثَّانيةِ، فقَبِلْنا إقرارهُ بالثَّانيةِ ولم يُقبَلْ رُجوعُه في الأُولَى. وإنْ كُنَّ ثلاثًا فقالَ: «طلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقنَ جَميعًا، وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ، لا بل هذهِ» طلقَتِ الثَّالثَةُ وواحدَةٌ مِنْ الأُولَيَينِ وأُخِذَ بتَعيينِها؛ لأنهُ أقَرَّ أنَّهُ طلَّقَ إحدَى الأُولَيَينِ ثمَّ رجَعَ إلى أنَّ المُطلَّقةَ هي الثَّالثةُ فلَزِمَه ما رجَعَ إليهِ، ولَم يُقبَلْ رُجوعُه عمَّا أقَرَّ بهِ.

стр. 10476

وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ، لا بل هذهِ أو هذهِ» طلقَتِ الأُولَى وواحدَةٌ مِنَ الأُخرَيَينِ. وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ وهذهِ» أُخِذَ ببَيانِ الطَّلاقِ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فإنْ عيَّنَ في الأُولَى بَقيَتِ الأُخرَيانِ على النِّكاحِ. وإنْ قالَ: «لم أُطلِّقِ الأُولَى» طلقَتِ الأُخرَيانِ؛ لأنَّ الشَّكَّ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فهو كما لو قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هاتَينِ»، ولا يَجوزُ لهُ أنْ يُعيِّنَ بالوَطءِ، فإنْ وَطِئَ إحداهُما لَم يكنْ ذلكَ تَعيينًا للطَّلاقِ في الأُخرَى، فيُطالَبُ بالتَّعيينِ بالقَولِ، فإنْ عيَّنَ الطَّلاقَ في المَوطُوءةِ لَزمَه مَهرُ المِثلِ، وإذا عيَّنَ وجبَتِ العدَّةُ مِنْ حِينِ الطَّلاقِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأةً مِنْ نِسائِهِ وأُنسِيَها أنَّها تخرجُ بالقُرعةِ؛ لأنهُ بعْدَ النِّسيانِ لا تُعلمُ المُطلَّقةُ مِنهُما، فوجَبَ أنْ تُشرَعَ القُرعةُ فيهَا، وحِينئذٍ تَجبُ النَّفقةُ حتَّى يُقرعَ، وتَحلُّ لهُ الباقياتُ بعْدَ المُخرَجةِ بالقُرعةِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ حِلِّهنَّ، وإنْ تَبيَّنَ لهُ أنَّ المُطلَّقةَ غَيرُ الَّتي خَرجَتْ عَليها القُرعةُ بأنْ تَذكَّرَ ذلكَ رُدَّتْ إليهِ؛ لأنهُ ظهَرَ أنَّها غَيرُ مُطلَّقةٍ، والقُرعةُ ليسَتْ بطَلاقٍ ولا كِنايةٍ، وهذا إذا لم تكنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنهُ أمرٌ لا

стр. 10477

يُعرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِه فقُبِلَ؛ فإنْ تَزوَّجَتْ فلا تَرجِعُ إليهِ ولا يَبطلُ نِكاحُها؛ لأنَّها قَدْ تَعلَّقَ بها حَقُّ الزَّوجِ الثَّانِي، وقَولُه لا يُقبَلُ على غَيرهِ، أو تَكونُ القُرعةُ بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّ قُرعةَ الحاكِمِ بَينَهما حُكمٌ بالتَّفريقِ، وليسَ لأحدٍ رَفعُ ما حَكمَ بهِ الحاكِمُ. وقالَ أبو بكرٍ وابنُ حامِدٍ: تُطلَّقُ المَرأتانِ؛ أمَّا المُطلَّقةُ فحَقيقةٌ، وأمَّا الَّتي خَرجَتْ بالقُرعةِ فلِأنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ يَستَحيلُ رَفْعُه، ولأنَّها حَرُمَتْ عليهِ بقَولهِ، وتَرِثُه إنْ ماتَ ولا يَرِثُها، وعلى قَولِهما يَلزمُه نَفقَتُها ولا يَحلُّ له وُطؤُها، وعلى قَولِهما إنْ ماتَ قبْلَها أقرَعَ الوَرثةُ، فمَن قُرِعَتْ لم تَرثْ، وإنْ ماتَتا أو إحداهُما قبْلَه فمَنْ قُرِعَتْ لم يَرِثْها معَ طلاقٍ بائِنٍ. والصَّحيحُ عِنْدَ ابنِ قُدامةَ وهُو رِوايةٌ أنَّ القُرعةَ لا مَدخَلَ لها هاهُنا، وتَحرُمانِ عليهِ جَميعًا، كما لوِ اشتَبهَتِ امرأتُه بأجنبيَّةٍ، ولأنَّ القُرعةَ لا تُزيلُ حُكمَ المُطلَّقَةِ ولا تَرفعُ الطَّلاقَ عمَّنْ وقَعَ عليها؛ لأنَّه لوِ ارتَفعَ لَمَا عادَ إذا تَبيَّنَ أنَّها مُطلَّقةٌ، وفارَقَ ما قاسُوا عليهِ؛ فإنَّ الحَقَّ لم يَثبُتْ لواحدٍ بعَينِه. وإذا طلَّقَ واحِدةً لا بعَينِها أو بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فانقَضَتْ عِدَّةُ الجَميعِ فلهُ نِكاحُ خامِسةٍ قبْلَ القُرعةِ في الأصحِّ. ومتَى عَلِمناها بعَينِها فعِدَّتُها مِنْ حينِ طلَّقَها على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه صَدَرَ مِنْ أهلِهِ في مَحلِّهِ، ونِسيانُه لا يَرفَعُه. وقيلَ: مِنْ حينِ التَّعيينِ، فإنْ ماتَ الزَّوجُ قبْلَ التَّعيينِ فعلَى الجَميعِ عدَّةُ

стр. 10478

الوَفاةِ عِنْدَ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، والصَّحيحُ أنهُ يَلزمُ كلَّ واحدةٍ الأَطولُ مِنْ عدَّةِ وَفاةٍ أو طلاقٍ (١). بعضُ صوَرِ الشكِّ في الطَّلاقِ: ١ - نصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه إذا رَأَى رَجلانِ طائِرًا فحلَفَ أحدُهُما بالطَّلاقِ أنَّهُ غُرابٌ وحلَفَ الآخَرُ بالطَّلاقِ أنَّه حَمامٌ فطارَ ولَم يَعلَما حالَهُ لَم يُحكَمْ بحِنثِ واحدٍ مِنهُما؛ لأنَّ يَقينَ النِّكاحِ ثَابتٌ ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشكوكٌ فيهِ. فإنِ ادَّعتِ امرأةُ أحدِهِما حِنثَه فيها فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ مَعهُ، واليَقينُ في جانبهِ عِنْدَ الحَنابلةِ، وكذا القَولُ قولُهُ عِنْدَ الشَّافعيةِ لكنْ يَلزمُه أنْ يَحلِفَ جَزمًا على نَفيِ الطَّلاقِ. ٢ - ولو كانَ الحالِفُ واحدًا فقالَ: «إنْ كانَ غُرابًا فنِساؤُهُ طَوالِقُ، وإنْ كانَ حَمامًا فعَبيدُهُ أحرارٌ»، أو قالَ: «إنْ كانَ غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ كانَ حَمامًا فهِندُ طِالقٌ» وأشكَلَ حالُهُ ولَم يَعلَمْ ما هو لَم يُحكَمْ بحِنثِه في شيءٍ عِنْدَ الحَنابلةِ؛ لاحتِمالِ كَونِ الطَّائرِ ليسَ غُرابًا ولا حَمامًا، ولأنهُ مُتيِّقنٌ للنِّكاحِ شاكٌّ في الحِنثِ، فلا يَزولُ عَنْ يَقينِ النِّكاحِ والمِلكِ بالشَّكِّ.

стр. 10479

وقالَ الشَّافعيةُ: تُطلَّقُ إحداهُما وعليهِ اعتِزالُهُما جَميعًا حتَّى يَتبيَّنَ الحالَ، وعَليهِ البَحثُ والبَيانُ؛ لأنَّه لا يَخلُو إمَّا أنْ يكونَ غُرابًا أو غَيرَ غُرابٍ، فيُوقَفُ عَنْ وَطءِ الجَميعِ وعَنِ التَّصرُّفِ؛ لأنَّا نَتحقَّقُ التَّحريمَ إمَّا في الزَّوجاتِ وإمَّا في الإماءِ، وإنْ جَهِلْنا عَيْنَ المُحرَّمِ مِنهُما فوُقِفَ عَنِ الجَميعِ تَغليبًا للتَّحريمِ، ويُؤخَذُ بالبَيانِ؛ لأنهُ هوَ الحالِفُ ويَجوزُ أنْ يكونَ عِندَهُ عِلمٌ، فإنْ أقَرَّ أنَّ عِندَه عِلمًا وامتَنَعَ مِنَ البَيانِ .. حُبِسَ وعُزِّرَ إلى أنْ يُبيِّنَ، وعليهِ نَفقةُ الجَميعِ إلى أنْ يُبيِّنَ؛ لأنَّهنَّ في حَبْسِه. فإنْ قالَ: «كانَ الطَّائِرُ غُرابًا» .. طَلُقْنَ النِّساءُ، سواءٌ صَدَّقْنَه أو كَذَّبْنَه. وإنْ قالَ ابتِداءً: «كانُ الطَّائِرُ غَيرَ غُرابٍ» .. فإنْ صَدَّقنَه النِّساءُ أنَّه لَم يَكنْ غُرابًا .. فلا كَلامَ، وإنْ قُلْنَ النِّساءُ: «بلْ كانَ غُرابًا» .. فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فإنْ حَلَفَ .. بَقِينَ على الزَّوجيةِ، وإنْ نكَلَ فحَلَفْنَ .. طلقنَ بنُكولِه وأيمانِهنَّ. وإنْ قالَ: «لا أعلَمُ هلْ كانَ غُرابًا أو غَيرَ غُرابٍ؟ فإنْ صَدَّقتْهُ النِّساءُ أنَّه لا يَعلمُ .. بَقِينَ على الوَقفِ، وإنْ كَذَّبْنَه وقُلْنَ: «بلْ هوَ يَعلمُ» .. حلَفَ لهنَّ أنَّهُ لا يَعلمُ، وبَقِينَ على الوَقفِ، وإنْ نكَلَ عَنْ اليَمينِ .. حلَفَ مَنِ ادَّعَى مِنهنَّ: أنهُ يَعلَمُ أنَّهُ حنَثَ في يَمينِهِ فيهِ، وكانَ كما لَو أَقرَّ. ٣ - وإنْ كانَ تَحتَهُ زَينبُ وهِندُ وطارَ طائِرٌ فقالَ: «إنْ كانَ هذا الطَّائِرُ غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ لَم يَكنْ غُرابًا فهِندُ طالِقٌ» وأشكَلَ حالَهُ طلقَتْ

стр. 10480

إحدَاهُما عِنْدَ الشَّافعيةِ، وعليهِ اعتِزالُهُما جَميعًا حتَّى يُبيِّنَ الحالَ، وعليهِ البَحثُ والبَيانُ. وقالَ الحَنابلةُ: تَكونُ كالمَنسيَّةُ يُقرِعُ بيْنَهما؛ لأنَّه لا سَبيلَ إلى مَعرفةِ المُطلَّقةِ مِنهُما عَينًا، فهُمَا سَواءٌ، والقُرعَةُ طَريقٌ شَرعيٌّ لإخراجِ المَجهولِ، فشُرِعَتِ القُرعةُ كما في المُبهَمةِ. وقالَ المالكيَّةُ: ولو كانَ لرَجلٍ امرَأتانِ فرَأَى طائِرًا فقالَ: «إنْ كانَ هذا غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ لَم يَكنْ غُرابًا فهِندُ طالِقٌ» والْتَبسَ عليهِ الأمرُ طلقَتَا؛ لأنهُ لا يُمكنُه دَعوَى التَّحقيقِ في الحالَتينِ. ٤ - فأمَّا إنْ قالَ أحدُ الرَّجلَينِ: «إنْ كانَ هذا الطَّائِرُ غُرابًا فامرأتُهُ طالِقٌ ثلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «إنْ لم يَكنْ غُرابًا فامرَأتُه طالِقٌ ثلاثًا» أي يَحلفُ كلٌّ مِنهُما على نَقيضِ قَولِ صاحِبِه، فطارَ ولَم يَعلَمَا حالَهُ لَم يُحكَمْ بوُقوعِ الطَّلاقِ على واحِدٍ مِنهُما عِنْدَ الشَّافعيةِ (وأصحابِ الرَّأيِ كما نقَلَهُ عَنهمُ ابنُ قُدامةَ)، ولا يَحرُمُ على واحدٍ مِنهُما وَطءُ امرَأتِه؛ لأنهُ مَحكومٌ ببَقاءِ نِكاحِهِ، ولَم يُحكَمْ بوُقوعِ الطَّلاقِ عليهِ. وقالَ الحَنابلةُ: قدْ حنَثَ أحدُهُما لا بعَينِه، ولا يُحكَمُ بهِ في حَقِّ واحِدٍ مِنهُما بِعَينِه، بَلْ تَبقَى في حَقِّه أحكامُ النَّكاحِ مِنَ النَّفقةِ والكسوَةِ والسُّكنَى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقينُ نِكاحِه باقٍ ووُقوعُ طَلاقِه مَشكوكٌ فيهِ. فأمَّا الوَطءُ فإنهُ يَحرُمُ عَليهِما؛ لأنَّ أحَدَهُما حانِثٌ بيَقينٍ وامرَأتُه

стр. 10481

مُحرَّمةٌ عليهِ، وقَد أشكَلَ فحَرُمَ عَليهِما جَميعًا، كما لو حنَثَ في إحدَى امرأتَيهِ لا بعَينِها، وإنَّما تَحقَّقَ حِنثُه في واحِدةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ، وبالنَّظرِ إلى كُلِّ واحدةٍ مُفرَدَةٍ فيَقينُ نِكاحِها باقٍ وطلاقُها مَشكوكٌ فيهِ، لكنْ لمَّا تَحقَّقْنا أنَّ إحداهُمَا حَرامٌ ولَم يُمكِنْ تَمييزُهَا حَرُمَتَا عليهِ جَميعًا، وكذلكَ هاهُنا قَدْ عَلِمْنا أنَّ أحَدَ هذَينِ الرَّجلَينِ قَدْ طَلُقَتِ امرَأتُه وحَرُمَتْ عليهِ وتَعذَّرَ التَّمييزُ فيَحرمُ الوَطءُ عَليهما، ويَصيرُ كما لو تَنجَّسَ أحدُ الإناءَينِ لا بعَينِه، فإنهُ يَحرُمُ استِعمالُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، سَواءٌ كانَا لرَجلَينِ أو لرَجلٍ واحِدٍ. فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ مِنهُما أنهُ عَلِمَ الحالَ وأنهُ لَم يَحنَثْ دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُمكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاهُ، وإنَّ أقَرَّ كُلُّ واحدٍ مِنهُما أنَّه الحانِثُ طَلُقَتْ زَوجَتاهُما بإقرارِهما على أنفُسِهما، وإنْ أقَرَّ أحدُهُما حنَثَ وحْدَه، وإنِ ادَّعَتِ امرَأةُ أحدِهِما عليهِ الحِنثَ فأنكَرَ فالقَولُ قَولُه، وهلْ يَحلِفُ؟ يُخرَّجُ عَلى رِوايتَينِ عِنْدَ الحَنابلةِ. وقالَ المالكيَّةُ: لَو حلَفَ اثنانِ عَلى النَّقيضِ كأنْ رَأَى رَجلانِ طائِرًا فحلَفَ أحدُهُما أنَّهُ غُرابٌ وحلَفَ الآخَرُ على النَّقيضِ -وهوَ أنَّ الطَّائرَ المَذكورَ ليسَ بغُرابٍ-، أو قالَ لرَجلٍ: «امرَأتُه طالِقٌ لَقدْ قُلتَ لي كذا» فقالَ لهُ الآخَرُ: «امرَأتُه طالِقٌ ما قُلتُ لكَ كذا»، وكحَلِفِه «أنَّ فُلانًا يَعرِفُ أنَّ لي حَقًّا في كذا»، فحلَفَ الآخَرُ أنهُ لا يَعرِفُ أنَّ لهُ حقًّا في كذا، وتَعذَّرَ التَّحقيقُ؛ فإنِ ادَّعَيَا يَقينًا -أي حلَفَ كلٌّ مِنهُما على يَقينٍ منهُ- فإنهُما يُدَيَّنانِ

стр. 10482

-أي يُوكَلانِ إلى دِينِهِما- ويُقبَلُ قَولُهما، ولا حِنثَ على واحدٍ مِنهُما إلَّا أنْ يتبيَّنَ خِلافُ ما جزَمَ بهِ أحدُهُما أو هُمَا، فيَحنثُ أيضًا مَنْ بانَ خِلافُ ما جزمَ بهِ مِنهُما. وإنْ لَم يَدَّعِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ حلَفَ على يَقينِه -أي اعتِقادًا جازِمًا- وإنَّما حلَفَ على ما يَظُنُّ أو يَشُكُّ أو يَتوَهَّمُ ولو في ثاني حالٍ بأنْ كانَ جازِمًا حِينَ اليَمينِ ثمَّ شَكَّ بعْدَ ذلكَ فإنهُ يُنجَّزُ عليهما الطَّلاقُ على الأصحِّ. وإنِ ادَّعَى أحَدُهما يَقينًا على ما حلَفَ عليهِ دُونَ الآخَرِ فلا حِنثَ على مَنِ ادَّعَى اليَقينَ، ويَحنَثُ الآخَرُ. فإنْ لَم يَدَّعِ يَقينًا طَلقَتْ امرأةُ مَنْ لَم يَدَّعِ اليَقينَ، سواءٌ كانَ كُلًّا مِنهُما أو أحدَهُما (١).

стр. 10483

الطلاقُ والإيلاءُ والظِّهارُ يلحَقُ الزَّوجةَ الرَّجعيةَ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجتَه طَلقةً رَجعيَّةً يَملِكُ رَجعتَها فإنَّ له أنْ يُطلِّقَها طَلقةً أُخرَى في العدَّةِ؛ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُه وظِهارُهُ وإيلاؤُه ما دامَتْ في العدَّةِ، ويَملِكُ إمساكَها بالرَّجعةِ بغَيرِ رِضاها ولا وَليٍّ ولا شُهودٍ ولا صداقٍ جديدٍ، ولأنَّهما يَتوارثانِ بالإجماعِ إذا ماتَ أحدُهُما في العدَّةِ، ولا يَجوزُ لهُ في عدَّتِها أنْ يَتزوَّجَ خامِسةً سِواها ولا أُختَها ولا عمَّتَها ولا خالَتَها، وهيَ كالزَّوجةِ في أحكامِها كُلِّها. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُهُ وظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ويَرِثُ أحدُهُما صاحِبَه بالإجماعُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الرَّجعيةُ تَلزمُها ما أردَفَه مِنْ الطَّلاقِ في عدَّتِها بإجماعٍ (٢). تطليقُ جزءٍ مِنْ بدَنِ المرأةِ: (يقَعُ الطَّلاقُ عَلى كلِّ المرأةِ) اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا أضافَ الطَّلاقَ إلى جَميعِ أجزائِها أو إلى جُزءٍ جامِعٍ مِنها كالرَّأسِ والوَجهِ والرَّقَبةِ والفَرجِ أنهُ

стр. 10484

يَقعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذهِ الأعضاءَ يُعبَّرُ بها عَنْ جَميعِ البَدنِ، يقالُ: فُلانٌ يَملكُ كذا وكذا رأسًا مِنَ الرَّقيقِ، وكذا وكذا رَقبةً، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والمُرادُ بها الجُملةُ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾، وفي الخبَرِ: «لَعَنَ اللهُ الفُرُوجَ على السُّروجِ»، والوَجهُ يُذكَرُ ويُرادُ بهِ الذَّاتُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي إلَّا هُوَ، ومَن كفلَ بوَجهِ فُلانٍ يَصيرُ كَفيلًا بنَفسِه، فيَثبتُ أنَّ هذهِ الأعضاءَ يُعبَّرُ بها عَنْ جَميعِ البدَنِ، فكانَ ذِكْرُها ذِكرًا للبَدنِ، كأنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ»، وكذا إذا أضافَ إلى وَجهِها؛ لأنَّ قَوامَ النَّفسِ بها، ولأنَّ الرُّوحَ تُسمَّى نَفْسًا، قالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. ولا خِلافَ أيضًا في أنهُ إذا أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزءٍ شائِعٍ منها بأنْ قالَ: «نِصفُكِ طالِقٌ، أو ثُلثُكِ طالِقٌ، أو رُبعُكِ طالِقٌ، أو جُزءٌ مِنكِ» أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الجُزءَ الشَّائعَ مَحلٌّ للنِّكاحِ، حتَّى تَصحُّ إضافةُ النِّكاحِ إليهِ، فيكونُ مَحلًّا للطَّلاقِ، ولأنَّ الإضافةَ إلى الجُزءِ الشَّائعِ تَقتضِي ثُبوتَ حُكمِ الطَّلاقِ فيهِ، وأنهُ شائِعٌ في جُملةِ الأجزاءِ؛ بعُذرِ الاستِمتاعِ بجَميعِ البَدنِ؛ لِمَا في الاستِمتاعِ بهِ استِمتاعٌ بالجُزءِ الحَرامِ، فلم يكنْ في إبقاءِ النِّكاحِ فائدةٌ، فيَزولُ ضَرورةً. إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزءٍ مُعيَّنٍ مِنْ بَدنِها لا يُعبَّرُ بهِ عَنْ جَميعِ البَدنِ كاليَدِ والرِّجلِ والأصبعِ ونَحوِها.

стр. 10485

فذهَبَ الحنفيَّةُ خِلافًا لزُفَرَ إلى أنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أمَرَ اللهُ تعالَى بتَطليقِ النِّساءِ، والنِّساءُ جَمْعُ المَرأةِ، والمَرأةُ اسمٌ لجَميعِ أجزائِها، والأمرُ بتَطليقِ الجُملةِ يكونُ نهيًا عَنْ تَطليقِ جُزءٍ مِنها لا يُعبَّرُ به عَنْ جَميعِ البَدنِ؛ لأنهُ تَركٌ لتَطليقِ جُملةِ البَدنِ، والأمرُ بالفِعلِ نهيٌ عَنْ تَركِه، والمَنهيُّ لا يكونُ مَشروعًا، فلا يَصحُّ شَرعًا، ولأنَّ قولَهُ: «يَدُكِ طالِقٌ» إضافةُ الطَّلاقِ إلى ما ليسَ مَحلَّ الطَّلاقِ فلا يَصِحُّ، كما لو أضافَ الطَّلاقَ إلى خِمارِها، ودَلالةُ الوَصفِ أنهُ أضافَ الطَّلاقَ إلى يَدِها، ويَدُها ليسَتْ بمَحلٍّ للطَّلاقِ لوَجهَينِ: أحدُهُما: أنَّها ليسَتْ بمَحلٍّ للنِّكاحِ، حتَّى لا تَصحُّ إضافةُ النِّكاحِ إليها، فلا تكونُ مَحلًّا للطَّلاقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ رفْعُ ما يَثبُتُ بالنِّكاحِ، ألَا تَرَى أنَّها لمَّا لم تكنْ مَحلًّا للإقالةِ لأنَّها فَسْخُ ما ثَبتَ بالبَيعِ؟! كذا هذا. والثَّاني: أنَّ مَحلَّ الطَّلاقِ مَحلُّ حُكمٍ في عُرفِ الفُقهاءِ، وحُكمُ الطَّلاقِ زَوالُ قَيدِ النِّكاحِ، وقَيدُ النِّكاحِ ثبَتَ في جُملةِ البَدنِ لا في اليَدِ وحْدَها؛ لأنَّ النِّكاحَ أُضيفَ إلى جُملةِ البَدنِ، ولا يُتصوَّرُ القَيدُ الثَّابتُ في جُملةِ البَدنِ في اليَدِ وحْدَها، فكانَتِ الإضافةُ إلى اليَدِ وحْدَها إضافةً إلى ما ليسَ مَحلَّ الطَّلاقِ فلا يَصحُّ، وكذا يُقالُ في الجُزءِ الشَّائِعِ؛ لأنهُ لا يَثبُتُ الحُكمُ في البَدنِ بالإضافةِ إلى الجُزءِ الشَّائعِ، بل لمَعنًى آخَرَ وهوَ عَدمُ الفائِدةِ في بَقاءِ النِّكاحِ، أو يُضافُ إليهِ؛ لأنهُ مِنْ ضَروراتِ الإضافةِ إلى الجُزءِ الشَّائِعِ، كمَنْ

стр. 10486

قطَعَ حبْلًا مَملوكًا لهُ تعلَّقَ بهِ قِنديلُ غَيرِه، وههُنا لا ضَرورةَ لم تَثبتُ الحُرمةُ في الجُزءِ المُعيَّنِ مَقصُورًا عليهِ؛ لإمكانِ الانتِفاعِ بباقي البَدنِ، فكانَ بقاءُ النِّكاحِ مُفيدًا، لكنْ لا قائِلَ بهِ على ما عُرِفَ في الخِلافيَّاتِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابلةُ وزُفرُ مِنَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ بعضَ بَدنِها كأنْ قالَ: «رَأسُكِ أو شَعرُكِ أو يَدكِ أو رِجلُكِ أو جُزءٌ مِنْ أجزائِكِ طَالِقٌ» فهي طالِقٌ، ولا يَقعُ على بَعضِها دُونَ بَعضٍ، فإذا طلَّقَ بعضَ بَدنِها طَلُقَ جَميعُها، سواءٌ كانَ ما طلَّقَهُ مِنها جُزءًا شائِعًا مُقدَّرًا كقَولِه: «رُبعكِ طالِقٌ أو نِصفُكِ طالِقٌ»، أو غَيرَ مُقدَّرٍ كقَولِه: «جُزءٌ مِنكِ طالِقٌ»، أو كانَ عُضوًا مُعيَّنًا كَقولِه: «رَأسُكِ طالِقٌ، أو يَدُكِ طالِقٌ أو شَعْرُكِ طالِقُ أو ظُفْرُكِ طالِقٌ»، وسَواءٌ كانَ العُضوُ ممَّا يُعبِّرُ عنِ الجُملةِ ولا يَحيَى كالرَّأسِ، أو كانَ ممَّا لا يُعبَّرُ بهِ عنِ الجُملةِ ويُحيَى بفَقدِه كاليَدِ والشَّعرِ. وذلكَ لأنهُ طلَّقَ جُزءًا استباحَهُ بعَقدِ النِّكاحِ، فوجَبَ أنْ يقَعَ بهِ الطَّلاقُ إذا كانَ مِنْ أصلِه كالجُزءِ الشَّائِعِ.

стр. 10487

ولأنَّها جُملةٌ لا تَتبعَّضُ في الحِلِّ والحُرمةِ، وُجِدَ فيها ما يَقتَضي التَّحريمَ والإباحةَ، فغُلِّبَ فيها حُكمُ التَّحريمِ، كما لوِ اشتَركَ مُسلِمٌ ومَجوسيٌّ في قَتلِ صَيدٍ. فإنْ قيلَ: المَعنَى في الجُزءِ الشَّائعِ أنهُ يَجوزُ إفرادُهُ بالبَيعِ، فوقَعَ بهِ الطَّلاقُ، والجُزءُ المُعيَّنُ لا يَجوزُ إفرادُه بالبَيعِ، فلَم يَقعْ بهِ الطَّلاقُ. قيلَ: لا يصحُّ اعتِبارُ الطَّلاقِ بالبَيعِ؛ لأنَّ البيعَ يَقفُ على ما تَناوَلِه، ولا يَسرِي إلى غَيرِه، فصَحَّ في الجُزءِ الشَّائعِ؛ لأنهُ مُنتفَعٌ بهِ، ولم يَصحَّ في الجُزءِ المُعيَّنِ؛ لأنهُ غَيرُ مُنتفَعٍ بهِ، وليسَ كذلكَ الطَّلاقُ؛ لأنهُ يَسرِي، فوقَعَ على الجُزءِ المُعيَّنِ والشَّائعِ جَميعًا؛ لسرَايتِها إلى الجَميعِ. فإنْ قيلَ: فالجُزءُ المشاعُ هوَ شائعٌ في جَميعِ البَدنِ، فجازَ أنْ يَسرِي، والجُزءُ المُعيَّنُ ليسَ بشائعٍ في جَميعِ البَدنِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَسرِي. قيلَ: إذا جازَ أنْ يَسرِي مِنْ ذلكَ الجُزءِ الشائعِ إلى جَميعِ الأجزاءِ جازَ أنْ يَسرِي مِنْ ذلكَ العُضوِ المُعيَّنِ إلى جَميعِ الأعضاءِ. فإنْ قيلَ: فالعُضوُ تابعٌ للجُملةِ، ولا يَجوزُ أنْ يَسرِيَ حُكمُ التَّابعِ إلى المَتبوعِ، كما لا يَسرِي عِتقُ الحَمْلِ إلى الحامِلِ؛ لأنَّ الحَملَ تابعٌ، ويَسرِي عِتقُ الحامِلِ إلى الحمْلِ؛ لأنهُ مَتبوعٌ. قيلَ: العُضوُ تابعٌ للنَّفسِ، فلذلكَ دخَلَتْ دِيَاتُ الأطرافِ في ديَةِ النَّفسِ، وليسَ العُضوُ تابعًا للبَدنِ؛ لأنهُ لا يَدخلُ دِيَةُ عُضوٍ في دِيَةِ عُضوٍ، ثمَّ يَنتقضُ

стр. 10488

بطَلاقِ الفَرجِ والأعضاءِ الخَمسةِ: الرَّأسِ والظَّهرِ والوَجهِ والرَّقَبةِ والفَرْجِ. وقياسٌ ثانٍ: وهو أنَّه أشارَ بالطَّلاقِ إلى عُضوٍ مُتَّصلٍ بها اتِّصالَ الخِلقةِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ كالإشارةِ بهِ إلى جَميعِ الجُملةِ كالأعضاءِ الخَمسةِ، وقَولُنا: «اتِّصَالَ الخِلقةِ» احتِرازًا مِنَ الأُذُنِ إذا أُلصِقَتْ بعْدَ قطْعِها، فإنهُ إذا وقَعَ الطَّلاقُ عليهِ لم يُطلّقْ بهِ. فإنْ قيلَ: «المَعنَى في الأعضاءِ الخَمسةِ أنَّها قَوامُ البَدنِ، وأنَّها لا يُحيَى بفَقدِها» انتَقضَ بالكَبدِ والفُؤادِ؛ لأنَّهما قَوامُ البَدنِ، لا يُحيَى إلَّا بهما، ولا تُطلَّقُ عِنْدَ الحَنفيةِ بطَلاقِهما. وأنْ يُقالَ: المَعنَى فيها أنهُ يُعبَّرُ بها عَنِ الجُملةِ، كانَ الجَوابُ عنهُ مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنهُ يُعبَّرُ عَنِ الجُملةِ على طَريقِ المَجازِ دُونَ الحَقيقةِ، وصَريحُ الطَّلاقِ يَتعلَّقُ بالحَقيقةِ دُونَ المَجازِ. والثَّاني: أنهُ يُعبَّرُ بها عَنِ الجُملةِ إذا أُطلقَتْ مِنْ غَيرِ إضافةٍ، وهيَ هاهُنا مُضافةٌ؛ لأنهُ قالَ: «رَأسُكِ طالِقٌ»، فلَم يُعبِّرْ بها مع الإضافةِ إلَّا عنها، لا عَنِ الجُملةِ؛ لأنَّ الإضافةَ قَدْ مَيَّزتِ المُضافَ مِنَ المُضافِ إليهِ. والثَّالثُ: أنهُ قد يُعبَّرُ عَنِ الجُملةِ بغَيرِ الأعضاءِ الخَمسةِ، أمَّا اليَدُ فبقَولِه تعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وأمَّا الرِّجلُ فلقَولِهم:

стр. 10489

لفُلانٍ عِنْدَ السُّلطانِ قَدَمٌ، أي مَنزِلةٌ، وأمَّا الشَّعرُ فلقَولهِم: حيَّا اللهُ هذهِ اللِّحيةَ، أي الجُملةَ (١). قالَ المالكيَّةُ: مَنْ طلَّقَ جُزءًا مِنْ زَوجتِه فإنهُ يُؤدَّبُ على ذلكَ، كقَولِه لها: «يَدكِ طالِقٌ، أو عَينكِ طالِقٌ، أو نِصفُكِ» أو نحوُ ذلكَ؛ إذْ لا فرْقَ بيْنَ التَّجزئةِ بالنَّسبةِ للتَّطليقاتِ أو للزَّوجةِ، ويَقعُ الطَّلاقُ، وكذلكَ يَقعُ الطَّلاقُ ويَلزمُه على المَشهورِ إذا قالَ لزَوجتِهِ: «شَعرُكِ طالِقٌ، أو كَلامُكِ طالِقٌ» فإنهُ يَلزمُه ما نَواهُ؛ لأنَّ الشَّعرَ والكَلامَ مِنْ مَحاسِنِ المَرأةِ، ومِثلُه الرِّيقُ والعَقلُ، بخِلافِ العِلمِ، وهذا إذا قصَدَ الشَّعرَ المُتَّصِلَ بها أو لا قصْدَ لهُ، وأمَّا إنْ قصَدَ المُنفصِلَ فهو كالبُصاقِ. ومَن قالَ لزَوجتِهِ: «سُعالِكُ، أو بُصاقُكِ، أو دمْعُكِ طالِقٌ» فإنهُ لا يَلزمُه شَيءٌ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ مَحاسِنِها؛ لأنهُ لا يلتَذُّ بهِ، ومِثلُ ذلكَ شَعرُ غَيرِ حاجِبِها ورَأسِها، وما شابَ مِنْ شَعرِ رأسِها وحاجِبِها وما غَلظَ مِنْ صَوتِها، فلا يَلزمُ بطلاقِ ما ذُكِرَ طلاقٌ، إلَّا أنْ يَلتَذَّ هو بهِ؛ احتِياطًا للفُروجِ، أو يَنويَ بهِ حَلَّ العِصمةِ فكالكِنايةِ الخَفيَّةِ (٢).

стр. 10490

وقالَ الشَّافعيةُ: لو قالَ شَخصٌ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ، أو طَلَّقتُكِ» فذاكَ واضِحٌ، وكَذا لو قالَ: «جِسمُكِ أو جَسدُكِ أو رُوحُكِ أو شَخصُكِ أو جثَّتُكِ أو ذاتُكِ طالِقٌ»، وإنْ طلَّق جُزءًا مِنها كقولِه: «يَدُكِ أو رِجلُكِ أو نحوُ ذلكَ مِنْ أعضائِها المُتَّصِلةِ بها، أو رُبعُكِ أو بعضُكِ أو جُزؤُكِ، سواءٌ أكانَ مَعلومًا كالمِثالِ الأوَّلِ، أو مُبهَمًا كالمِثالِ الثَّاني والثَّالِثِ، أصلِيًّا كانَ أو زائِدًا، ظاهِرًا كما مرَّ أو باطِنًا، ككَبدِكِ، أو كانَ الجُزءُ ممَّا يَنفصِلُ منها في الحَياةِ كَ: «شَعرُكِ أو ظُفرُكِ طالِقٌ» وقَعَ الطَّلاقُ جَزمًا، واحتَجُّوا لهُ بالإجماعِ، ولأنهُ طلاقٌ صدَرَ مِنْ أهلِه فلا يَنبغِي أنْ يُلغَى، وتَبعيضُه مُتعذِّرٌ؛ لأنَّ المَرأةَ لا تَتبعَّضُ في حُكمِ النِّكاحِ فوجَبَ تَعميمُه، وبالقياسِ على العِتقِ؛ بجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهما إزالةُ مِلكٍ بالصَّريحِ والكِنايةِ. وكذا «دَمُكِ طالِقٌ» يقَعُ بهِ الطَّلاقُ على المَذهبِ؛ لأنَّ بهِ قَوامُ البَدنِ كالرُّوحِ، وفي وَجهٍ: لا يَقعُ؛ لأنهُ كفَضلةٍ. ولا يَقعُ الطَّلاقُ بفَضلةٍ كريقٍ وعرَقٍ وبَولٍ؛ لأنَّها غَيرُ مُتَّصلةٍ اتِّصالَ خِلقةٍ، بخلافِ ما قبْلَها، وكذا مَنيٌّ ولَبنٌ لا يَقعُ بهما في الأصحِّ؛ لأنهُما وإنْ كانَ أصلُهما دَمًا فقَدْ تهيَّآ للخُروجِ بالاستِحالةِ كالبولِ، والثَّاني: الوُقوعُ كالدَّمِ؛ لأنهُ أصلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وكالفضَلاتِ الأخْلاطُ كالبَلغَمِ، ولا بالجَنينِ؛ لأنهُ شَخصٌ مُستقِلٌّ بنَفسهِ وليسَ مَحَلًّا للطَّلاقِ، ولا بالعُضوِ المُلتحِمِ بالمَرأةِ بعْدَ الفَصلِ مِنها؛ لأنَّه كالمُنفصِلِ، بدَليلِ وُجوبِ قَطعِه وعَدمِ تَعلُّقِ القِصاصِ بهِ. ولا بالمَعاني القائمةِ بالذَّاتِ كالسَّمعِ والبَصرِ والحَركةِ، وسائرِ الصِّفاتِ

стр. 10491

المَعنويَّةِ كالحُسنِ والقُبحِ والمَلَاحةِ؛ لأنَّها ليسَتْ جُزءًا مِنْ بَدَنها، والشَّحمُ والسّمنُ جُزءانِ مِنَ البَدنِ، فيَقعُ بالإضافةِ إلى كُلٍّ مِنهُما الطَّلاقُ. ولو قالَ: «اسمُكِ طالِقٌ» لَم تَطلُقْ إنْ لَم يُردْ بهِ الذَّاتَ، فإنْ أرادَها بهِ طَلُقَتْ، وإنْ قالَ: «نَفْسُكِ -بإسكانِ الفاءِ- طالِقٌ» طَلُقَتْ؛ لأنَّها أصلُ الآدَميِّ، أمَّا بفَتحِ الفاءِ فلا؛ لأنهُ أجزاءٌ مِنَ الهَواءِ يَدخُلُ الرِّئةَ ويَخرُجُ مِنها، لا جُزءٌ مِنَ المَرأةِ ولا صِفةٌ لها، ولو قالَ: «حَياتُكِ طالِقٌ» طَلُقَتْ إنْ أرادَ بها الرُّوحَ، وإنْ أرادَ المَعنَى فلا، كسائرِ المَعاني، وإنْ أَطلَقَ فهوَ كالأوَّلُ. تَنبيهٌ: الطَّلاقُ فيما مرَّ يقَعُ على الجُزءِ ثمَّ يَسرِي إلى باقي البَدنِ، كما في العِتقِ، فلو قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فيَمينُكِ طالِقٌ» فقُطِعَتْ ثمَّ دَخلَتْ لم تَطلُقْ، كمَن خاطبَها بذلكَ، ولا يَمينَ لها كما قالَ، ولو قالَ لمَقطُوعةِ يَمينٍ مَثلًا: «يَمينُكِ» وذكَرَه على إرادةِ العُضوِ، ولو أنَّثَ قالَ: «يُمناكِ طالِقٌ» لَم يَقعْ على المَذهبِ المَنصوصِ؛ لفُقدانِ الَّذي يَسرِي منهُ الطَّلاقُ إلى الباقي كما في العِتقِ، وكما لو قالَ لها: «لِحْيتُكِ، أو ذَكَرُكِ طالِقٌ» (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ: «نِصفُكِ، أو جُزءٌ مِنكِ -سواءٌ كانَ مُعيَّنًا أو مَشاعًا أو مُبهَمًا-، أو إِصبَعُكِ أو دَمُكِ طالِقٌ» طُلِّقَتْ، نَصَّ عليهِ؛ لصحَّتِه في البَعضِ، بخِلافِ زَوَّجتُكَ بعضَ وَليَّتِي، وذَكَر ابنُ البَنَّا: لا تُطلَّقُ بدَمِها كلَبنِها، وإنْ أضافَه إلى سَوادِها أو بَياضِها لَم يقعْ؛ لأنهُ عَرَضٌ، وقيلَ: بلَى، فإنْ قالَ: «يَدُكِ

стр. 10492

طالِقٌ» ولا يَدَ لها، أو «إنْ قُمْت فهي طالِقٌ» فقامَتْ وقَد قُطِعَتْ فوَجهانِ، بناءً على أنهُ هل هوَ بطَريقِ السِّرايةِ أو بطَريقِ التَّعبيرِ بالبَعضِ عَنِ الكُلِّ؟ وإنْ قالَ: «شَعرُكِ أو ظُفرُكِ أو سِنُّكِ طالِقٌ» لم تُطلَّقْ، نَصَّ عليهِ؛ لأنَّها تَزولُ ويَخرُجُ عِوَضُها في الشَّعرِ، ولأنَّهُ لا رُوحَ فيهِ ولا يَنتَقضُ الوُضوءُ بمَسِّهِ، أشبَهَ العرَقَ، وقيلَ: تُطلَّقُ، وهوَ قولُ الحسَنِ وغيرِه؛ لأنهُ جُزءٌ يُستباحُ بنكاحِها، فتُطلَّقُ بهِ كالإصبَعِ، وجَوابُهُ بأنهُ جُزءٌ يَنفصِلُ عَنها في حالِ السَّلامةِ، بخِلافِ الإصبَعِ. وإنْ أضافَهُ إلى الرِّيقِ والدَّمعِ والعرَقِ والحمْلِ لم تُطلَّقْ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنهُ ليسَ مِنْ ذاتِها، وإنَّما هوَ مُجاوِرٌ لها، والحَمْلُ -وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بها- فمَآلُه إلى الانفِصالٍ وهوَ مُودَعٌ فيها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، قيلَ: هوَ مُستودَعٌ في بَطنِ الأمِّ. وإنْ قالَ: «رُوحُكِ طالِقٌ» طُلِّقَتْ؛ لأنَّ الجُملةَ لا تَبقَى بعَدمِ مُزايِلِها، أشبَهَ الحَياةَ والدَّمَ. وقالَ أبو بكرٍ: لا تُطلَّقُ، قالَ أبو بكرٍ: لا يَختَلفُ قولُ أحمَدَ أنَّه لا يَقعُ طلاقٌ وعِتقٌ وظِهارٌ وحَرامُ بذِكرِ الشَّعرِ والظُّفرِ والسِّنِّ والرُّوحِ، فبذلكَ أقولُ، ولأنَّها ليسَتْ عُضوًا ولا شيئًا يُستَمتعُ بهِ، وحَكَى في «المُستَوعِب» عَنْ أحمَدَ التَّوقُّفَ عنها (١).

стр. 10493

الركنُ الرابعُ: الصِّيغةُ: صيغةُ الطَّلاقِ: هيَ ما يُعبِّرُ بها المُتكلِّمُ برَغبتِه في الطَّلاقِ، وهوَ إمَّا أنْ يكونَ باللَّفظِ، وإمَّا أنْ يكونَ بالكِتابةِ أو الإشارَةِ، واللَّفظُ إمَّا أنْ يكونَ صَريحًا أو كِنايةً، ولكلِّ مِنَ اللَّفظِ بنَوعَيهِ والكِتابةِ والإشارةِ شُروطٌ لا بُدَّ مِنْ تَوافُرِها حتَّى يقَعَ الطَّلاقُ، على ما سَيأتي بَيانُه. أنواعُ الطَّلاقِ: الطَّلاقُ لهُ أنواعٌ مُختلِفةٌ بحَسبِ النَّظرِ إليهِ. - فهوَ مِنْ حَيثُ الصِّيغةِ المُستعمَلةِ يَنقَسمُ إلى نَوعَينِ: صَريحٍ وكنايةٍ، والكِنايةُ تَنقَسمُ إلى ظاهِرةٍ وغيرِ ظاهرةٍ. وهذا ما سَنتكلَّمُ عَنهُ أوَّلًا. - ومِن حَيثُ صِفتِهُ فيَنقَسمُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: طلاقٍ سُنِّيٍّ، وطلاقٍ بِدْعيٍّ، وطلاقٍ لا سُنِّيٍّ ولا بِدْعيٍّ، وقَد تَقدَّمَ الكَلامُ عن هذا القِسمِ بالتَّفصيلِ. - ومِن حَيثُ وُقوعِ الأثرِ النَّاتجِ عنهُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: طلاقٍ مُنجَّزٍ، وطلاقٍ مُعلَّقٍ على شرطٍ، وطلاقٍ مُضافٍ إلى وقتٍ.

стр. 10494

- ومِن حَيثُ الأثرِ النَّاتجِ عنهُ يَنقَسمُ إلى نَوعَينِ: رَجعيٍّ وبائِنٍ، والبائِنُ يَنقَسمُ إلى نَوعَينِ: بائِنٍ بَينونةً صُغرَى، وبائِنٍ بَينونةً كُبْرَى. النوعُ الأولُ: الطَّلاقُ الصَّريحُ والكِنايةُ: أولاً: الطَّلاقُ الصَّريحُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ صَريحَ الطَّلاقِ هو: اللَّفظُ الَّذي لا يُستعمَلُ إلَّا في حَلِّ عُقدَةِ النِّكاحِ، سواءٌ كانَ الواقِعُ به رَجعيًّا أو بائِنًا (١). أو: ما لا يَحتَملُ ظاهِرُه غيرَ الطَّلاقِ (٢). أو: ما دلَّ على مَعناهُ في نَفسِه ولم يَحسُنْ أنْ يُستفسَرَ عنهُ بغَيرهِ (٣). أو: ما لا يَحتمِلُ غيرَه بحَسبِ الوَضعِ العُرفِيِّ مِنْ كُلِّ شيءٍ وُضِعَ لهُ اللَّفظُ مِنْ طلاقٍ وعِتقٍ وظِهارٍ وغيرِها، فلَفظُ الطَّلاقِ صَريحٌ فيهِ؛ لأنهُ لا يَحتمِلُ غَيرَه في الحَقيقةِ العُرفيَّةِ وإنْ قَبِلَ التَّأويلَ (٤). كلُّها تَعريفاتٌ مُتقارِبةٌ للعُلماءِ. ويُشتَرطُ في اللَّفظِ الصَّريحِ أو الكنايةِ:

стр. 10495

أن يكونَ بلَفظٍ، فلو نَواهُ بقَلبِه ولم يَتلفَّظْ بهِ لم يَقعْ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ -إلَّا رِوايةً عَنْ مالِكٍ- على أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ إلَّا بلَفظٍ، فلو نَوَى الطَّلاقَ بقَلبِه ولَم يَتلفَّظْ بهِ لم يَقعُ؛ لِمَا رَواهُ البُخاريُّ عَنْ قَتادةَ عَنْ زُرارةَ بنِ أَوفَى عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ». قالَ قَتادةُ: إذا طلَّقَ في نَفسِه فليسَ بشيءٍ (١). ولأنهُ تَصرُّفٌ يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحصلْ بالنِّيةِ كالبَيعِ والهبَةِ، وإنْ نَواهُ بقَلبِه وأشارَ بأصابِعِه لَم يَقعْ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْناهُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ يَعزِمُ على طلاقِ المَرأةِ ويُطلِّقُها في نَفسِه. فقالَ كَثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ: ليسَ بشَيءٍ، كذلكَ قالَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وقَتادةُ، ورُوِيَ ذلكَ عَنِ القاسِمِ وسالمٍ والشَّعبيِّ والحسَنِ، وبهِ قالَ يَحيَى بنُ أبي كَثيرٍ والشَّافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ، وحُكيَ ذلكَ عنِ الثَّوريِّ والنُّعمانِ. وقالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ في رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ في نَفسِه: أليسَ في عِلمِ اللهِ ؟!

стр. 10496

وكانَ الزُّهريُّ يَقولُ: إذا عزَمَ على ذلكَ فقَدْ طلقَتْ، لفَظَ بهِ أو لم يَلفظْ بهِ، وإنْ كانَ إنَّما هوَ وَسوسةُ الشَّيطانِ فليسَ بشيءٍ. وسُئلَ مالِكٌ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ في نَفسِه ولَم يَنطِقْ بهِ لِسانُه أتراهُ طلاقًا؟ فقالَ: نَعمْ في رَأيي، وما هوَ بوَجهِ الطَّلاقِ. قالَ أبو بكرٍ: وأحسبُ أنْ مالِكًا قَدِ اختُلِفَ عنهُ في هذهِ المَسألةِ، ولمْ أرَ أحدًا حَكى عَنهُ هذا الَّذي ذَكرْتُه غَيرَ أشهَبَ. قالَ أبو بكرٍ: وبالقَولِ الأوَّلِ أقولُ؛ وذلكَ لحَديثِ أبي هُريرةَ: ٧٦٨٥ - حدَّثَنا يَحيَى بنُ مُحمدٍ حدَّثَنا مُسَدَّدُ حدَّثَنا أبو عوانةَ عَنْ قَتادةَ عَنْ زُرارةَ عَنْ أبي هُريرةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأمَّتي عمَّا حدَّثَتْ بهِ أَنفُسَها ما لَم يَتكلَّمُوا بهِ أو يَعمَلُوا». قالَ أبو بكرٍ: وإنَّما جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ الأعمالَ مَقرُونةً بالنِّياتِ، ولو كانَ حُكمُ مَنْ أضمَرَ في نَفسِه شَيئًا حُكمَ المُتكلِّمِ كانَ مَنْ حدَّثَ نَفسَه في الصَّلاةِ بشيءٍ مُتكلِّمًا، ففي إجماعِهم على أنَّ ذلكَ ليسَ بكَلامٍ معَ الحَديثِ الَّذي رُويَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ صلَّى صلاةً لا يُحدِّثُ نفْسَه فيها فلَهُ كذا» دَليلٌ على أنَّ حَديثَ النَّفسِ لا يَقومُ مَقامَ الكَلامِ، وقَد أجمَعُوا على أنَّ مَنْ حدَّثَ نفْسَه بالقَذفِ غَيرُ قاذِفٌ، والجَوابُ أنَّ الإيلاءَ والظِّهارَ كذلكَ (١).

стр. 10497

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَولُ قَتادةَ: «فإذَّا طلَّقَ في نفْسِه فليسَ بشيءٍ» هوَ قولُ جماعةِ أئمَّةِ الفَتوَى، واختَلفَ فيهِ قَولُ مالِكٍ، فذكَرَ عنهُ ابنُ الموازِ أنَّ مَنْ عقَدَ طلاقًا بقَلبِه ولَم يَلفظْ بهِ لِسانُه فإنَّه لا يَقعُ، وهذا الأظهَرُ مِنْ مَذهبِه، ورَوَى عنهُ أشهَبُ في «العتبيَّة» أنَّها تَطلقُ عَليهِ، وهذا قولُ ابنِ سِيرينَ وابنِ شِهابٍ، وقالَ ابنُ سِيرينَ: إذا طلَّق في نَفسِه أليسَ قدْ عَلِمَه اللهُ تعالَى؟! وحُجَّةُ الجَماعةِ قولُه: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أمَّتي ما حَدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لَم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ»، فجعَلَ ما لَم يَنطِقْ بهِ اللِّسانُ لَغوًا لا حُكمَ لهُ، حتَّى إذا تَكلَّمَ بهِ يَقعُ الجَزاءُ عليهِ ويَلزمُ المُتكلِّمَ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، مِنهُم عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ ويَحيَى بنُ أبي كَثيرٍ والشَّافعيُّ وإسحاقُ، ورُويَ أيضًا عنِ القاسِمِ وسالِمٍ والحسَنِ والشَّعبيِّ، وقالَ الزُّهريُّ: إذا عزَمَ على ذلكَ طَلُقَتْ، وقالَ ابنُ سِيرينَ فيمَنْ طلَّقَ في نَفسِه: أليسَ قدْ عَلِمَهُ اللهُ؟! (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: أمَّا الطَّلاقُ فلا يَقعُ إلَّا بالكَلامِ وما قامَ مَقامَهُ عِنْدَ العَجزِ عَنِ الكَلامِ، ولا يَقعُ بمُجرَّدِ النِّيةِ مِنْ غَيرِ كَلامٍ، فلو نَوَى طلاقَ امرأتِهِ لَم تُطَلَّقْ، وقالَ ابنُ سِيرينَ ومالِكٌ في إحدَى رِواياتِه: تُطلَّقُ بمُجرَّدِ النِّيةِ، حتَّى لو نَوى طلاقَ امرَأتِه طُلِّقَتْ؛ استِدلالًا بقَولِ النَّبيِّ

стр. 10498

ﷺ : «وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى»، قالَ: ولأنهُ لمَّا وقَعَتِ الفُرقةُ بنيَّةِ الرِّدةِ جازَ أنْ يَقعَ الطَّلاقُ. ودَليلُنا: ما رُويَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تعالَى وضَعَ عَنْ أمَّتي ما حدَّثَتْ بهِ بنيَّةِ أنفُسِها»، والنِّيةُ مِنْ حَديثِ النَّفسِ، فاقتَضَى أنْ تكونَ مَوضُوعةً عنهُ، ولأنَّ الطَّلاقَ إزالةُ مِلكٍ، والمِلكُ لا يَزولُ بمُجرَّدِ النِّيةِ كالعِتقِ والهبَةِ، ولأنَّ الطَّلاقَ أحَدُ طَرفيِ النِّكاحِ، فلَم يَصحَّ بمُجرَّدِ النِّيةِ كالعَقدِ، وأمَّا قولُه ﵇: «إنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى» فالمُرادُ بهِ ثَوابُ قُرَبِه إلى فِعلِها، فلَم يَدخُلْ فيهِ نيَّةُ الطَّلاقِ، لَمْ يَفعَلْ، فأمَّا الرِّدةُ فلِأنَّ ثُبوتَ الرِّدةِ تُوقِعُ الفُرقةَ والرِّدةَ، فتكونُ بمُجرَّدِ الاعتِقادِ كالإيمانَ، وليسَ كالطَّلاقِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو طلَّقَ في نَفسِه وجزَمَ بذلكَ ولَم يَتكلَّمْ بهِ فإنهُ لا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ عِنْدَ جُمهورِ العُلماءِ، وعِندَ مالِكٍ في إحدَى الرِّوايتَينِ يَقعُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: تَضمَّنتِ السُّنَنُ أنَّ ما لم يَنطِقْ بهِ اللِّسانُ مِنْ طلاقٍ أو عِتاقٍ أو يَمينٍ أو نَذرٍ ونحوِ ذلكَ عَفوٌ غَيرُ لازِمٍ بالنِّيةِ والقَصدِ، وهذا قولُ الجُمهورِ، وفي المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ: أحَدُهما: التَّوقُّفُ فيها، قالَ عَبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ: سُئِلَ ابنُ سِيرينَ

стр. 10499

عَمَّنْ طلَّقَ في نَفسِه فقالَ: أليسَ قَدْ عَلِمَ اللهُ ما في نَفْسِكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فلا أقولُ فيها شَيئًا. والثَّاني: وُقوعُه إذا جزَمَ عليهِ، وهذا رِوايةُ أشهَبَ عَنْ مالِكٍ، ورُويَ عَنِ الزُّهريِّ، وحُجَّةُ هذا القَولِ قَولُه ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، وأنَّ مَنْ كفَرَ في نَفسِه فهو كفر، وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وأنَّ المُصِرَّ على المَعصيةِ فاسِقٌ مُؤاخَذٌ وإنْ لَم يَفعَلْها، وبأنَّ أعمالَ القُلوبِ في الثَّوابِ والعِقابِ كأعمالِ الجَوارحِ، ولهذا يُثابُ على الحُبِّ والبُغضِ والمُوالاةِ والمُعاداةِ في اللهِ، وعلى التَّوكُّلِ والرِّضَى والعَزمِ على الطَّاعَةِ، ويُعاقَبُ على الكِبْرِ والحَسدِ والعُجْبِ والشَّكِّ والرِّياءِ وظَنِّ السَّوءِ بالأبرَياءِ. ولا حُجَّةَ في شيءٍ مِنْ هذا على وُقوعِ الطَّلاقِ والعِتاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ مِنْ غيرِ تَلفُّظٍ. أمَّا حَديثُ: «الأعمالُ بالنِّياتِ» فهو حُجَّةٌ عليهِم؛ لأنهُ أخبَرَ فيهِ أنَّ العمَلَ معَ النِّيةِ هوَ المُعتبَرُ، لا النِّيةُ وحْدَها، وأمَّا مَنِ اعتَقدَ الكُفرَ بقَلبِه أو شَكَّ فهو كافِرٌ؛ لِزَوالِ الإيمانِ الَّذي هوَ عَقدُ القَلبِ معَ الإقرارِ، فإذا زالَ العَقدُ الجازِمُ كانَ نَفسُ زَوالِه كُفرًا، فإنَّ الإيمانَ أمرٌ وُجوديٌّ ثابِتٌ قائِمٌ بالقَلبِ، فما لم يَقُمْ بالقَلبِ حصَلَ ضِدُّهُ وهُوَ الكُفرُ، وهذا كالعِلمِ والجَهلِ إذا فُقِدَ العِلمُ حصَلَ الجَهلُ، وكذلكَ كلُّ نَقيضَينِ زالَ أحَدُهما خَلَفَه الآخَرُ.

стр. 10500

وأمَّا الآيةُ فليسَ فيها أنَّ المُحاسَبةَ بما يُخفِيهِ العَبدُ إلزامُهُ بأحكامِهِ بالشَّرعِ، وإنَّما فيها مُحاسَبتُه بمَا يُبديهِ أو يُخفِيهِ، ثمَّ هوَ مَغفورٌ لهُ أو مُعذَّبٌ، فأينَ هذا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بالنِّيةِ؟ وأمَّا أنَّ المُصِرَّ على المَعصيةِ فاسِقٌ مُؤاخذٌ فهذا إنَّما هوَ فيمَن عَمِلَ المَعصيةَ ثمَّ أصَرَّ عليها، فهُنا عَملٌ اتَّصلَ بهِ العَزمُ على مُعاوَدتِه، فهذا هوَ المُصِرُّ، وأمَّا مَنْ عزَمَ على المَعصيةِ ولَم يَعملْها فهوَ بيْنَ أمرَينِ: إمَّا أنْ لا تُكتَبَ عليهِ، وإمَّا أنْ تُكتبَ لهُ حسَنةً إذا تَرَكَها للهِ . وأمَّا الثَّوابُ والعِقابُ على أعمالِ القُلوبِ فحَقٌّ، والقُرآنُ والسُّنةُ مَملُوآنِ بهِ، ولكنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ والعِتاقِ بالنِّيةِ مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ أمرٌ خارِجٌ عَنِ الثَّوابِ والعِقابِ، ولا تَلازُمَ بيْنَ الأمرَينِ، فإنَّ ما يُعاقَبُ عليهِ مِنْ أعمالِ القُلوبِ هوَ مَعاصٍ قَلبيَّةٌ يَستحقُّ العُقوبةَ عليها، كما يَستحقُّهُ على المَعاصِي البدَنيَّةِ؛ إذْ هيَ مُنافيَةٌ لعُبوديَّةِ القَلبِ، فإنَّ الكِبْرَ والعُجْبَ والرِّياءَ وظَنَّ السَّوءِ مُحرَّماتٌ على القَلبِ، وهي أمورٌ اختياريَّةٌ يُمكِنُ اجتِنابُها، فيَستحقُّ العُقوبةَ على فِعْلها، وهيَ أسماءٌ لمَعانٍ مُسمَّياتُها قائِمةٌ بالقَلبِ. وأمَّا العِتاقُ والطَّلاقُ فاسْمانِ لمُسمَّيَينِ قائِمَينِ باللِّسانِ أو ما نابَ عنهُ مِنْ إشارةٍ أو كِتابةٍ، ولَيْسَا اسْمَينِ لِمَا في القَلبِ مُجرَّدًا عن النُّطقِ (١). وقالَ الإمامُ بَدْرُ الدِّينُ العينيُّ ﵀: وليسَ لأحَدٍ خِلافٌ أنَّه إذا نَوَى

стр. 10501

الطَّلاقَ بقَلبِه ولَم يَتلفَّظْ بهِ أنهُ لا شَيءَ عليهِ، إلَّا ما حَكاهُ الخطَّابيُّ عنِ الزُّهريِّ ومالكٍ أنهُ يَقعُ بالعَزمِ، وحَكاهُ ابنُ العَربيِّ عَنْ رِوايةِ أشهَبَ عَنْ مالِكٍ في الطَّلاقِ والعِتقِ والنَّذرِ أنهُ يَكفي فيهِ عزْمُه وجزْمُه في قَلبِه بكَلامِه النَّفسِيِّ، وهذا في غايةِ البُعدِ، ونقَضَه الخطَّابيُّ على قائلِهِ بالظِّهارِ وغَيرِه، فإنهُم أجمَعُوا على أنَّه لَو عزَمَ على الظِّهارِ لَم يَلزمْه حتَّى يَتلفَّظَ بهِ، ولو حَدَّثَ نفسَهُ بالقَذفِ لم يكنْ قاذِفًا، ولو حدَّثَ نفْسَهُ في الصَّلاةِ لم يَكنْ عَليهِ إعادةٌ، وقَد حرَّمَ اللهُ الكَلامَ في الصَّلاةِ، فلو كانَ حَديثُ النَّفسِ في مَعنَى الكلامِ لكانَتْ صَلاتُه تَبطُلُ، وقَد قالَ عُمرُ ﵁: «إنِّي لأُجهِّزُ جَيشِي وأنا في الصَّلاةِ»، وممَّنْ قالَ: «إنَّ طلاقَ النَّفسِ لا يُؤثرُ» عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ وابنُ سيرينَ والحسَنُ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والشَّعبيُّ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وقَتادةُ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والشَّافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ (١). وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُهُ: (ورُكنُه لفظٌ مَخصوصٌ) هو ما جُعِلَ دَلالةً على مَعنَى الطَّلاقِ مِنْ صَريحٍ أو كِنايةٍ، فخَرجَ الفُسوخُ على ما مَرَّ، وأرادَ اللَّفظَ ولَو حُكمًا ليُدخِلَ الكِتابةَ المُستَبينةَ وإشارةَ الأخرَسِ والإشارةَ إلى العدَدِ بالأصابعِ في قَولِه: «أنتِ طالِقٌ هكذا» كما سَيأتي، وبهِ ظهَرَ أنَّ مَنْ تشاجَرَ معَ زَوجتِه فأعطاها ثلاثةَ أحجارٍ يَنوِي الطَّلاقَ ولَم يَذكُرْ لَفظًا صَريحًا ولا كِنايةً لا يَقعُ عليهِ كما أفتَى بهِ الخَيرُ الرَّملِيُّ وغَيرُه، وكذا

стр. 10502

ما يَفعَلُه بعْضُ سكَّانِ البَوادي مِنْ أمرِها بحَلقِ شَعرِها لا يَقعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نَواهُ (١). والمَشهورُ عنِ الإمامِ مالكٍ عَدمُ وُقوعِ الطَّلاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ، بلْ لا بُدَّ مِنَ التَّلفُظِ بهِ. قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ومَنِ اعتَقدَ بقَلبِه الطَّلاقَ ولَم يَنطِقْ به لِسانُه فليسَ بشيءٍ، هذا هو الأشهَرُ عِنْدَ مالِكٍ، وقدْ رُوِيَ عنهُ أنهُ يَلزمُه الطَّلاقُ إذا نَواهُ بقَلبِه، كما يَكفُرُ بقَلبِه وإنْ لم يَنطِقْ بهِ لِسانُه، والأوَّلُ أصَحُّ في النَّظرِ وطَريقِ الأثَرِ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «تَجاوزَ اللهُ لأمَّتي عمَّا وَسْوَستْ بهِ نُفوسَها ما لم يَنطِقْ بهِ لِسانُه أو تَعملْه يَدٌ» (٢). وقالَ المَوَّاقُ ﵀: لا يَلزمُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ حتَّى يَلفظَ بهِ، وهوَ ظاهِرُ قَولِ مالكٍ في كِتابِ التَّخييرِ والتَّمليكِ ليسَ يُطلِّقُ الرَّجلُ بقَولِه ولا يَنْكِحُ بقَولِه. ابنُ عرَفةَ: رِوايةُ الأكثرِ لَغوُ الطَّلاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ الجازِمةِ. ابنُ القَصَّارِ: هو قولُ جَميعِ الفُقهاءِ (٣). وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: المَشهورُ أنَّ النِّيةَ لا تَكفي في الطَّلاقِ

стр. 10503

بمُجرَّدِها، فلا بُدَّ مِنَ اللَّفظِ، وأمَّا الطَّلاقُ بالكَلامِ النَّفسيِّ الَّذي فيهِ الخِلافُ الآتي فسيأتي مَعناهُ (١). وقالَ أيضًا: (ص) وفي لُزومِهِ بكَلامِهِ النَّفسيِّ خِلافٌ، (ش) يَعني أنَّ الرَّجلَ إذا أنشَأَ الطَّلاقَ بقَلبِه بكَلامِهِ النَّفسيِّ كما يُنشِئهُ بلسانِهِ مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ بلِسانِه، فهل يَلزمُه الطَّلاقُ بذلكَ أو لا يَلزمُه؟ خِلافٌ في التَّشهيرِ، وليسَ مَعنَى الكَلامِ النَّفسيِّ أنْ يَنويَ الطَّلاقَ ويُصمِّمَ عليهِ ثمَّ يَبدُو لهُ، ولا أنْ يَعتقدَ الطَّلاقَ بقَلبِه مِنْ غَيرِ نُطقٍ بلِسانِه، فإنَّه لا يَلزمُه في ذلكَ الطَّلاقُ إجماعًا (٢). وقالَ الزُّرقانِيُّ ﵀: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ) وهو أنْ يُجرِيَ لفْظَ الطَّلاقِ على قَلبِه كما يُجريهِ على لِسانِه مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ بهِ، وليسَ المُرادُ بهِ مُجرَّدُ القَصدِ فقطْ ولو صَمَّمَ عليهِ، وعَدمُ لُزومِه (خِلافٌ)، وأمَّا إنْ عزَمَ عليهِ بقَلبِه ثمَّ بدَا لهُ عدَمُه فلا يَلزمُه طَلاقٌ اتِّفاقًا، وكذا مَنِ اعتَقدَ أنَّها طَلُقَتْ ثمَّ تَبيَّنَ لهُ عدَمُه فلا يَلزمُه إجماعًا، وكذا لا أثَرَ للوَسواسِ ولا قَولِه أي في خاطِرِه فقطْ: «أطلُّقُ هذِهِ واستَريحُ»، قالَهُ القَرافِيُّ (٣). وقالَ الدّرديرُ ﵀: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ) بأنْ يقولَ لها بقَلبِه:

стр. 10504

«أنتِ طالِقٌ» (خِلافٌ) المُعتمَدُ عَدمُ اللُّزومِ، وأمَّا العزْمُ على أنْ يُطلِّقَها ثمَّ بدا لهُ عَدمُه فلا يَلزمُه اتِّفاقًا. قالَ الدّسوقيُّ ﵀: قولُه: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ خِلافٌ) التَّوضيحُ الخِلافُ إنَّما هو إذا أنشَأَ الطَّلاقَ بقَلبِه بكَلامِه النَّفسيِّ، والقَولُ بعَدمِ اللُّزومِ لمالكٍ في «المُدَّونَة»، وهوَ اختيارُ ابنِ عَبدِ الحكَمِ القَرافِيِّ، وهوَ المَشهورُ، والقَولُ باللُّزومِ لمالكٍ في «العُتْبيَّة»، قالَ في «البَيان» و «المُقَدِّمات»: وهوَ الصَّحيحُ، وقالَ ابنُ رُشدٍ: هو الأشهَرُ. ابنُ عَبدِ السَّلامِ: والأوَّلُ أظهَرُ؛ لأنهُ إنَّما يُكتفَى بالنِّيةِ في التَّكاليفِ المُتعلِّقةِ بالقَلبِ، لا فيما بيْنَ الآدميِّينَ. اه. قَولُه: (وأمَّا العَزمُ على أنْ يُطلِّقَها … إلخ) أي: وكذا مَنِ اعتَقدَ أنَّها طَلُقَتْ مِنهُ ثم تَبيَّنَ له عدَمُه فلا يَلزمُه إجماعًا (١). واختارَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالكيُّ وُقوعَ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ لفظٍ فقالَ ﵀: إذا طلَّقَ مِنْ غَيرِ لَفظٍ ولا عمَلِ جارِحةٍ ففيها رِوايتانِ: إحداهُما: أنهُ لا يَقعُ طلاقًا، وهو قولُ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، والصَّحيحُ أنَّ الطَّلاقَ يَقعُ، ودَليلُنا عليهِ أنَّ الطَّلاقَ فِراقٌ يَفتقرُ إلى قَصدِ القَلبِ وانطِوائِه بهِ عليهِ، وحدُّ النُّطقِ بهِ الإخبارُ عَنْ وُقوعِه، فوجَبَ إذا عُدِمَ ذلكَ ألَّا يُؤثِّرَ كالإيمانِ والكُفرِ، ولأنَّا وَجَدْنا الاعتِقادَ بمُجرَّدِه لهُ تأثيرٌ في تَحريمِ الزَّوجةِ وفُرقةِ الزَّوجيَّةِ بدليلِ الكُفرِ.

стр. 10505

وتَحريرُ علَّةِ أصحابِنا أنْ نقولَ: لأنَّ تَحريمَ الزَّوجيَّةِ مَعنًى يَتعلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالَى على التَّجريدِ، ليسَ للَفظِه تأثيرٌ في وُقوعِ البَينُونةِ، فأشبَه اعتِقادَ الكُفرِ (١). صريحُ الطَّلاقِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ اللَّفظَ الصَّريحَ -وهو اللَّفظُ الَّذي لا يُستعمَلُ إلَّا في حَلِّ قَيدِ النِّكاحِ- لا يَحتاجُ لوُقوعِه نيَّةً، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ إذ النِّيةُ عمَلُها في تَعيينِ المُبهَمِ، ولا إبهامَ فيهَ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، شرَعَ الطَّلاقَ مِنْ غيرِ شرطِ النِّيةِ، وقالَ : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ مُطلقًا، وقالَ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، حكَمَ بزَوالِ الحِلِّ مُطلقًا عَنْ شَرطِ النِّيةِ. ولأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ لمَّا طلَّقَ امرَأتُه في حالِ الحَيضِ أمَرَهُ رَسولُ اللهُ ﷺ أنْ يُراجِعَها ولَم يَسألْه هل نَوَى الطَّلاقَ أم لم يَنوِ، ولو كانَتِ النِّيةُ شرَطًا لَسألَهُ، ولا مُراجَعةَ إلَّا بعْدَ وُقوعِ الطَّلاقِ، فدَلَّ على وُقوعِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ. ولأنَّ ما يُعتبَرُ لهُ القَولُ يُكتفَى فيه بهِ مِنْ غَيرِ نيَّةِ إذا كانَ صَريحًا فيهِ كالبيعِ.
следующие страницы →