قالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا شكَّ الرَّجلُ هلْ طَلَّقَ امرأتَهُ أم لا؟ لَم يَلزَمْه الطَّلاقُ -وهوَ إجماعٌ-؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاحِ وعَدَمُ الطَّلاقِ.
وقالَ الشَّافعيُّ: (والوَرَعُ والاحتِياطُ أنْ يُحنِثَ نَفْسَه، فإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادتِهِ أنَّه إذا طلَّقَ امرأتَهُ طلَّقَ واحدةً أو اثنتَينِ .. راجَعَها، وإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادَتِه أنَّه يُطلِّقُ الثَّلاثَ .. طلَّقَها ثلاثًا، فتَحلُّ لغَيرهِ بيقينٍ) (١).
وهكذا قالَ الماوَرْديُّ ﵀: فإنْ كانَ شَكَّ في أصلِه هلْ طلَّقَ أم لا؟ لم يَلزَمْه الطَّلاقُ؛ اعتِبارًا باليقينِ في بقاءِ النِّكاحِ، وإسقاطًا للشَّكِّ في رفْعِه بالطَّلاقِ، وهذا مُتفَقٌ عَليهِ، لكنَّ الورَعَ أنْ يَلتزمَ حُكمَ الطَّلاقَ حتَّى لا يَستَبيحَ بُضعًا بالشَّكِّ، فإنْ كانَ الشَّكُّ في طَلقةٍ واحدةٍ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالتِزامُهُ لحُكمِها ورَعًا أنْ يَرتجِعَها، فإنْ كانَ قدْ طلَّقَ حلَّتْ لهُ بالرَّجعَةِ، وإنْ لم يكنْ قدْ طلَّقَ لم تَضرَّهُ الرَّجعَةُ ويَستَبقيها على طَلقتَينِ، وإنْ كانَ الشَّكُّ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالورَعَ أنْ يَتْرُكَ الاستِمتاعَ بها، أنْ يَعتَزِلَها ويَلتزِمَ نفَقَتَها، فيَغلِبُ الشَّكُّ في اعتِزالِ الوَطءِ، واليَقينُ في التِزامِ النَّفقةِ، وإنْ
стр. 10467
أرادَ الاستِمتاعَ بها أنْ يُطلِّقَها ثلاثًا لتَستَبيحَ نِكاحَ غَيرِه بيَقينٍ، فإنْ كانَ قدْ وطِئَها مِنْ قبْلُ لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ، وإنْ لمْ يَكنْ قد طَلَّقَها مِنْ قَبلُ وقَعَ هذا الطَّلاقُ وحلَّتْ لهُ لزَوجٍ بعْدَهُ، فإذا استَحلَّتْ بزَوجٍ حلَّتْ لهُ أنْ يَنكِحَها ثمَّ هيَ مُستَباحةٌ بيَقينٍ، هذا في الوَرعِ، وإنْ لم يَلزَمْه في الحُكمِ أنْ يَرتَجِعَ إذا شَكَّ في الواحدةِ ولا أنْ يَعتزِلَ أو يُطلِّقَ باليقينِ في أصلِ النِّكاحِ واستِدامةِ إباحَتهِ (١).
وهكذا قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والورَعُ التِزامُ الطَّلاقِ، فإنْ كانَ المَشكوكُ فيهِ طلاقًا رَجعيًّا راجَعَ امرأتَهُ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، أو جدَّدَ نِكاحَها إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها أو قَدْ انقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ شَكَّ في طلاقِ ثلاثٍ طلَّقَها واحدةً وترَكَها؛ لأنهُ إذا لَم يُطلِّقْها فيَقينُ نِكاحِه باقٍ فلا تَحِلُّ لغَيرِه.
وحُكيَ عَنْ شَريكٍ أنهُ إذا شَكَّ في طلاقِهِ طلَّقَها واحدةً ثمَّ راجَعَها؛ لتكونَ الرَّجعَةُ عَنْ طلقَةٍ فتكونَ صَحيحةً في الحُكمِ، وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ التَّلفُّظَ بالرَّجعَةِ مُمكِنٌ معَ الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفتقرُ إلى ما تَفتقرُ إليهِ العِباداتُ مِنَ النِّيةِ، ولأنهُ لو شَكَّ في طَلقتَينِ فطلَّقَ واحدةً لَصارَ شاكًّا في تَحريمِها عليهِ، فلا تُفيدُه الرَّجعةُ (٢).
стр. 10468
وهذا الحُكمُ عِنْدَ المالكيَّةِ فيما لو شَكَّ في الطَّلاقِ، والمُرادُ بالشَّكِّ ما استَوَى طرَفاهُ، لا مُطلَقُ التَّردُّدِ فالوَهمُ لا يُؤثِّرُ.
وأمَّا الظَّنُّ فليسَ كذلكَ؛ فمَن ظَنَّ أنَّه طلَّقَ فهوَ كمَن تَيقَّنَ ذلكَ (١).
فالشَّكُّ أنْ يَستويَ طَرَفَا العِلمِ والجَهلِ، والظَّنُّ تَرجُّحُ أحدِهِما مِنْ غَيرِ دليلٍ.
القِسمُ الثَّاني: الشَّكُّ في عَددِ الطَّلاقِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَكَّ الزَّوجُ في عَددِ طلاقِ زَوجَتِه، هل طلَّقَها واحدةً أم اثنتَينِ؟ أو طلَّقَها اثنتَينِ أم ثلاثةً؟ هلْ يَبنِي على ما استَيقَنَ -وهو الأقلُّ-؟ أم تطلقُ عليهِ زَوجَتُه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ الطَّلاقَ إلَّا أنَّه شَكَّ في عَددِ الطَّلاقِ أنهُ طلَّقَها واحدةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا فإنهُ يَحكُمُ بالأقَلِّ ويَبني على ما استَيقَنَ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ
стр. 10469
الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أمْ أربَعًا فليَطْرَحِ الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استَيقَنَ» (١). ولقولِه ﷺ : «إذا وجَدَ أحَدُكُم في بَطنِه شَيئًا فأشكَلَ عليهِ أخَرَجَ منهُ شيءٌ أم لا؟ فلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجدِ حتَّى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا» (٢). ولأنَّ ما زادَ على القَدرِ الَّذي تَيقَّنَهُ طلاقٌ مَشكوكٌ فيهِ فلم يَلزمْه، كما لو شَكَّ في أصلِ الطَّلاقِ، ولا يَجوزُ أنْ يُرفعَ يَقينُ النِّكاحِ بالشَّكِّ، ولأنَّه لمَّا وقَعَ الشَّكُّ في أصلِه بَنَى على اليَقينِ؛ وجَبَ إذا وقَعَ في عَدَدِه أنْ يَبنِي على اليَقينِ كالصَّلاةِ، ولأنهُ إسقاطُ حَقٍّ فلَمْ يَلزمِ الشَّكُّ كالإبراءِ.
وإذا ثبَتَ هذا فإنهُ تَبقَى أحكامُ المُطلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ مِنْ إباحةِ الرَّجعةِ، وإذا راجَعَ وجَبَتِ النَّفقةُ وحَقوقُ الزَّوجيَّةِ.
والورَعُ عِنْدَ الشَّافعيَّةُ: الأخذُ بالأحوَطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» (٣)(٤).
стр. 10470
وذهَبَ المالكيَّةُ والخِرَقيُّ مِنَ الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ تَيقَّنَ وُقوعَ الطَّلاقِ لكنْ شَكَّ في عَدَدِ الطَّلاقِ هلْ طلَّق واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ فإنَّ زَوجَتَه تَحرُمُ عليهِ إلَّا بعْدَ زَوجٍ، ويُحكَمُ عليهِ بالفِراقِ؛ لأنهُ أوقَعَ عليها واحِدةً مُحقَّقةً، فيَقعُ عليهِ ويَقعُ الباقيتانِ احتِياطًا، وقيلَ أنهُ تَلزمُه طَلقةٌ واحِدةُ.
ويُصدَّقُ إنْ تَذكَّرَ في العدَّةِ أنَّ طلاقَهُ كانَ قاصِرًا عَنِ الثَّلاثِ بلا يَمينٍ، ولهُ رَجعَتُها بلا عَقدٍ، وإنْ تَذكَّرَ بعْدَ العِدَّةِ فلهُ رَجعَتُها بعَقدٍ ويكونُ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ.
جاءَ في «المُدَوَّنَة الكُبْرَى»: الشَّكُّ في الطَّلاقِ: قلتُ: أرأَيتَ لو أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرَأتَهُ فلَم يَدرِ كَمْ طَلَّقَها أَطَلقَةً واحدةً أم اثنتَينِ أم ثلاثًا؟ كَمْ يكونُ هذا في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، قالَ ابنُ القاسِمِ: وأرَى إنْ ذكَرَ وهي في العِدَّةِ أنَّه لَم يُطلِّقْ إلَّا واحِدةً أو اثنتَينِ أنهُ يَكونُ أملَكَ بها، فإنِ انقَضَتِ العدَّةُ قبْلَ أنْ يَذكُرَ فلا سَبيلَ لهُ إليها، وإنْ ذكَرَ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ أنهُ إنَّما كانَتْ تَطليقَةً أو تَطليقتَينِ فهوَ خاطِبٌ مِنَ الخُطَّابِ، وهوَ مُصدَّقٌ في ذلكَ، قلتُ: أَتحفَظُه عَنْ مالِكٍ؟ قالَ: لا، قُلتُ: أرأَيتَ إنْ لَم يَذكُرْ كَمْ طَلَّقَها ففَرَّقْت بيْنَهُما ثمَّ تَزوَّجَها زَوجٌ بعْدَ انقِضاءِ
стр. 10471
عدَّتِها ثمَّ طلَّقَها هذا الزَّوجُ الثَّاني أو ماتَ عَنها، أَتحِلُّ للزَّوجِ الَّذي لَم يَدرِ كَمْ طلَّقَها؟ قالَ: تَحِلُّ لهُ بعْدَ هذا الزَّوجِ؛ لأنهُ إنْ كانَ إنَّما طلَّقَها واحِدةً رَجَعتْ عِندَه على اثنتَينِ، وإنْ كانَ إنَّما طلَّقَها هذا الزَّوجُ اثنتَينِ رَجَعتْ إليهِ على واحدةٍ، وإنْ كانَ إنَّما طلَّقَها ثلاثًا فقَدْ أحَلَّها هذا الزَّوجُ، فإنْ طلَّقَها هذا الزَّوجُ أيضًا تَطليقةً فانقَضَتْ عِدَّتُها أو لَم تَنقَضِ عِدَّتُها لم يَحِلَّ لهُ أنْ يَنكِحَها إلَّا بعْدَ زَوجٍ؛ لأنهُ لا يَدري لعلَّ طلاقَهُ إيَّاها كانَ تَطليقتَينِ فقَدْ طلَّقَ أُخرَى، فهذا لا يَدرِي لَعلَّ الثَّلاثَ إنَّما وقَعَتْ بهذهِ التَّطليقةِ الَّتي طلَّقَ، فإنْ تَزوَّجَتْ بعْدَ ذلكَ زَوجًا آخَرَ فماتَ أو طلَّقَها فانقَضَتْ عدَّتُها فتَزوَّجَها الزَّوجُ الأوَّلُ فطلَّقَها أيضًا تَطليقةً إنهُ لا يَحلُّ لهُ أنْ يَنكِحَها إلَّا بعْدَ زَوجٍ أيضًا؛ لأنهُ لا يَدري لعَلَّ الطَّلاقَ الأوَّلَ إنَّما كانَ تَطليقةً واحدةً، والطَّلاقَ الثَّاني إنَّما كانَ تَطليقةً ثانيةً، وإنَّ هذهِ الثَّالثةَ، فهو لا يَدري لعلَّ هذهِ هيَ التَّطليقةَ الثَّالثةَ، فلا يَصلُحُ لهُ أنْ يَنكِحَها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَهُ، قُلتُ: فإنْ نَكحَتْ زَوجًا غَيرَه ثمَّ طلَّقَها أو ماتَ عنها هذا الزَّوجُ الثَّالثُ ثمَّ تَزوَّجَها الزَّوجُ الأوَّلُ أيضًا؟ قالَ: فإنَّها تَرجِعُ إليهِ أيضًا على تَطليقةٍ أيضًا بعْدَ الثَّلاثةِ الأزواجِ، إلَّا أنْ يَبِتَّ طلاقَها وهي تَحتَه في أيِّ النِّكاحِ كانَ (١).
стр. 10472
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: إذا أقَرَّ على نَفسِه بالطَّلاقِ فادَّعَتْ عليهِ الزَّوجةُ مِنْ عَدَدِ الطَّلاقِ أكثَرَ ممَّا أقَرَّ بهِ يَجبُ عليهِ أنْ يَحلِفَ، بخِلافِ ما إذا ادَّعَتْ عليهِ أنهُ طلَّقَ وأنكَرَ (١).
وقالَ الخِرَقيُّ الحنبَليُّ ﵀: إذا طلَّقَ فلم يَدرِ أواحِدَةً طلَّقَ أم ثلاثًا؟ لا يَحلُّ لهُ وَطؤُها حتَّى يَتيقَّنَ، وهذا رِوايةٌ عَنْ أحمَدَ أنهُ يَحرُمُ عليهِ وطؤُها؛ لأنَّه مُتيقِّنٌ للتَّحريمِ شَاكٌّ في التَّحليلِ، وعليهِ نَفقتُها ما دامَتْ في العدَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُها استِنادًا لبَقاءِ النِّكاحِ، ولأنهُ لو تَنجَّسَ ثَوبُه ولَم يَدرِ مَوضِعَ النَّجاسةِ منهُ لا يَحلُّ له أنْ يُصلِّيَ فيهِ حتَّى يَغسِلَ ما تَيقَّنَ بهِ طَهارتَه، فكذا هُنا، والجامِعُ بيْنَهما تَيقُّنُ الأصلِ والشَّكُ فيما بعْدَه (٢).
القِسمُ الثَّالثُ: الشَّكُّ في مَحلِّ الطَّلاقِ: كمَنْ طلَّقَ مُعيَّنةً ثمَّ نَسِيَها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أوقَعَ الطَّلاقَ على زَوجةٍ مُعيَّنةٍ مِنْ زَوجتَينِ فأكثَرَ ثمَّ شَكَّ في المُوقعِ عليها أَهندُ هيَ أم غَيرُها؟ أو حلَفَ بطَلاقِ واحِدةٍ فحنَثَ ولم يَدرِ مَنْ هيَ مِنهُما أو مِنهنَّ.
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فطلَّقَ مِنهنَّ واحِدةً بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فلم يَعرِفْها فليسَ لهُ أنْ يَقرَبَ مِنهنَّ شَيئًا بتَحرٍّ حتَّى يَعلمَ المُطلَّقةَ بعَينِها مِنْ غَيرِها، وكذلكَ إنْ متنَ كُلُّهنَّ إلَّا واحِدةً لم يَسعْهُ أنْ
стр. 10473
يقرَبَها حتَّى يَعلمَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، وكذلكَ يَنبغي للقاضي إذا رفعَتْ إليهِ أن يَمنَعَه منها حتَّى يُبيِّنَ فيُخبِرَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، فإذا أخبَرَ بذلكَ استَحلَفَه البتَّةَ ما طَلَّقَ هذهِ بعَينِها ثلاثًا، ثمَّ خلَّى بيْنَهُ وبيْنَها، فإنْ كانَ حلَفَ وهوَ جاهِلٌ بما حلَفَ عليهِ فليسَ يَنبغي لهُ أنْ يَقرَبَها (١).
وقالَ المالكيَّةُ: جَميعَ نِسائِه تطلقُ عَليهِ، فإذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ» أو امرَأتُه طالِقٌ ولهُ امرأتانَ، أو لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ولم يَنوِ مُعيَّنةً في الجَميعِ، أو نَوَى واحِدةً ونَسِيَها؛ طَلُقَتا أو طَلُقنَ على المَشهورِ عِنْدَ المالكيَّةِ، وليسَ لهُ أنْ يَختارَ واحِدةً مِنهنَّ، وهذا قَولُ المِصريِّينَ، وقالَ المَدَنيُّونَ: يُخيَّرُ فيمَنْ شاءَ مِنهُما، فيُوقِعُ الطَّلاقَ عليها كالعِتقِ.
ولا خِلافَ بيْنَهم أنهُ يُصدَّقُ فيما لو قالَ: نَويْتُ واحِدةً بعَينِها.
جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ لَو أنَّ رَجلًا قالَ: «إحدَى امرَأتَيَّ طالقٌ ثلاثًا» ولم يَنوِ واحِدةً منهُما بعَينِها، أَيكونُ لهُ أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على أيتِهما شاءَ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إذا لم يَنوِ حينَ تَكلَّمَ بالطَّلاقِ واحدةً بعَينِها طَلُقَتا عليهِ جَميعًا، وذلكَ أنَّ مالِكًا قالَ في رَجلٍ لهُ امرأتانِ أو أكثرُ مِنْ ذلكَ فقالَ: «امرأةٌ مِنْ نِسائِي طالِقٌ ثلاثًا إنْ فعلْتُ كذا وكذا» ففَعَلَه، (قالَ): إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها حينَ حلَفَ طَلُقَتْ عليهِ، وإلَّا طُلِّقنَ جَميعًا
стр. 10474
بما حلَفَ بهِ، وإنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها فنَسيَها طُلِّقنَ عليهِ جَميعًا، (قلتُ): وما حجَّةُ مالكٍ في هذا؟ (قالَ): لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ يُختارُ فيهِ في قولِ مالكٍ، (وقالَ ابنُ القاسِمٍ): حَدَّثني يَحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ عُمرَ بنَ عَبدِ العزيزِ قَضَى بهِ في رَجلٍ مِنْ أهلِ الباديةِ كانَ يَسقي على ماءٍ لهُ فأقبَلَتْ ناقةٌ له فنظَرَ إليها مِنْ بَعيدٍ فقالَ: «امرأتُه طالقٌ البَتَّة -وله امرَأتانِ- إنْ لَم تكنْ فُلانة» لناقةٍ لهُ، فأقبلَتْ ناقةٌ غيرُ تلكَ النَّاقةِ، فقَدمَ الأعرابيُّ المَدينةَ فدخَلَ على أبي بكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو عامِلٌ لعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ على المَدينةِ، وعُمرُ يَومئذٍ خَليفةٌ، فقَصَّ عليهِ قصَّتَه، فأشكَلَ عليهِ القَضاءُ فيها، فكتَبَ إلى عُمرَ في ذلكَ، فكتَبَ إليهِ عُمرُ: إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهُما حينَ حلَفَ فهوَ ما نَوَى، وإلَّا طَلُقَتا جَميعًا عَليهِ.
(قلتُ): فإنْ قالَ: «إحداكُما طالقٌ» وقالَ: «قد نَويتُ هَذهِ بعَينِها» وعَليهِ بيَّنةٌ حين حلَفَ فيهما أيُصدَّقُ في قولِ مالكٍ؟ قالَ: نعَمْ، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ طلَّقَ إحدَى امرأتَيهِ ثلاثًا فنَسيَها، أيَلزَمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا، (قلتُ): فهل يُقالُ لهُ: طلِّقْ مِنْ ذي قَبلِ الَّتي لَم تُطلِّقْ؟ أو يقالُ لهُ: طَلِّقهُما جَميعًا مِنْ ذي قبلُ؟ (قالَ): ما سَألْنا مالكًا عَنْ هذا، ولكنَّ مالكًا قالَ: تُطْلُقانِ عليهِ جَميعًا، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ قالَ: إحداكُما طالِقٌ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: تَطْلُقانِ عليهِ جَميعًا إذا لم يَنوِ واحدةً منهُما (١).
стр. 10475
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ كانَتْ لهُ امرأتانِ فطَلَّقَ إحداهُما بعَينِها ثمَّ نَسِيَها أو خَفِيَتْ عليهِ عَينُها بأنْ طلَّقَها في ظُلمةٍ أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ رُجعَ إليهِ في تَعيينِها؛ لأنهُ هوَ المُطلِّقُ، ولا تَحلُّ لهُ واحِدةٌ مِنهُما قبْلَ أنْ يُعيِّنَ، ويُؤخَذُ بنَفقَتِهما إلى أنْ يُعيِّنَ؛ لأنهُما مَحبُوسَتانِ عليهِ.
فإنْ عَيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما فكَذَّبَتاهُ حلَفَ للأُخرَى؛ لأنَّ المُعيَّنةَ لو رجَعَ في طَلاقِها لَم يُقبَلْ.
ولو بادَرَتْ واحِدةٌ وقالَتْ: «أنا المُطلَّقَةُ» فلا يقنعُ منهُ بقَولِه: «نَسيتُ، أو لا أدرِي»، بلْ يُطالَبُ بيَمينٍ جازِمةٍ أنَّه لمْ يُطلِّقْها، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وقُضيَ باليَمينِ المَردُودةِ.
وإنْ قالَ: «طَلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقَتا في الحُكمِ؛ لأنهُ أقَرَّ بطلاقِ الأُولَى ثمَّ رجَعَ إلى الثَّانيةِ، فقَبِلْنا إقرارهُ بالثَّانيةِ ولم يُقبَلْ رُجوعُه في الأُولَى.
وإنْ كُنَّ ثلاثًا فقالَ: «طلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقنَ جَميعًا، وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ، لا بل هذهِ» طلقَتِ الثَّالثَةُ وواحدَةٌ مِنْ الأُولَيَينِ وأُخِذَ بتَعيينِها؛ لأنهُ أقَرَّ أنَّهُ طلَّقَ إحدَى الأُولَيَينِ ثمَّ رجَعَ إلى أنَّ المُطلَّقةَ هي الثَّالثةُ فلَزِمَه ما رجَعَ إليهِ، ولَم يُقبَلْ رُجوعُه عمَّا أقَرَّ بهِ.
стр. 10476
وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ، لا بل هذهِ أو هذهِ» طلقَتِ الأُولَى وواحدَةٌ مِنَ الأُخرَيَينِ.
وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ وهذهِ» أُخِذَ ببَيانِ الطَّلاقِ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فإنْ عيَّنَ في الأُولَى بَقيَتِ الأُخرَيانِ على النِّكاحِ.
وإنْ قالَ: «لم أُطلِّقِ الأُولَى» طلقَتِ الأُخرَيانِ؛ لأنَّ الشَّكَّ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فهو كما لو قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هاتَينِ»، ولا يَجوزُ لهُ أنْ يُعيِّنَ بالوَطءِ، فإنْ وَطِئَ إحداهُما لَم يكنْ ذلكَ تَعيينًا للطَّلاقِ في الأُخرَى، فيُطالَبُ بالتَّعيينِ بالقَولِ، فإنْ عيَّنَ الطَّلاقَ في المَوطُوءةِ لَزمَه مَهرُ المِثلِ، وإذا عيَّنَ وجبَتِ العدَّةُ مِنْ حِينِ الطَّلاقِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأةً مِنْ نِسائِهِ وأُنسِيَها أنَّها تخرجُ بالقُرعةِ؛ لأنهُ بعْدَ النِّسيانِ لا تُعلمُ المُطلَّقةُ مِنهُما، فوجَبَ أنْ تُشرَعَ القُرعةُ فيهَا، وحِينئذٍ تَجبُ النَّفقةُ حتَّى يُقرعَ، وتَحلُّ لهُ الباقياتُ بعْدَ المُخرَجةِ بالقُرعةِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ حِلِّهنَّ، وإنْ تَبيَّنَ لهُ أنَّ المُطلَّقةَ غَيرُ الَّتي خَرجَتْ عَليها القُرعةُ بأنْ تَذكَّرَ ذلكَ رُدَّتْ إليهِ؛ لأنهُ ظهَرَ أنَّها غَيرُ مُطلَّقةٍ، والقُرعةُ ليسَتْ بطَلاقٍ ولا كِنايةٍ، وهذا إذا لم تكنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنهُ أمرٌ لا
стр. 10477
يُعرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِه فقُبِلَ؛ فإنْ تَزوَّجَتْ فلا تَرجِعُ إليهِ ولا يَبطلُ نِكاحُها؛ لأنَّها قَدْ تَعلَّقَ بها حَقُّ الزَّوجِ الثَّانِي، وقَولُه لا يُقبَلُ على غَيرهِ، أو تَكونُ القُرعةُ بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّ قُرعةَ الحاكِمِ بَينَهما حُكمٌ بالتَّفريقِ، وليسَ لأحدٍ رَفعُ ما حَكمَ بهِ الحاكِمُ.
وقالَ أبو بكرٍ وابنُ حامِدٍ: تُطلَّقُ المَرأتانِ؛ أمَّا المُطلَّقةُ فحَقيقةٌ، وأمَّا الَّتي خَرجَتْ بالقُرعةِ فلِأنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ يَستَحيلُ رَفْعُه، ولأنَّها حَرُمَتْ عليهِ بقَولهِ، وتَرِثُه إنْ ماتَ ولا يَرِثُها، وعلى قَولِهما يَلزمُه نَفقَتُها ولا يَحلُّ له وُطؤُها، وعلى قَولِهما إنْ ماتَ قبْلَها أقرَعَ الوَرثةُ، فمَن قُرِعَتْ لم تَرثْ، وإنْ ماتَتا أو إحداهُما قبْلَه فمَنْ قُرِعَتْ لم يَرِثْها معَ طلاقٍ بائِنٍ.
والصَّحيحُ عِنْدَ ابنِ قُدامةَ وهُو رِوايةٌ أنَّ القُرعةَ لا مَدخَلَ لها هاهُنا، وتَحرُمانِ عليهِ جَميعًا، كما لوِ اشتَبهَتِ امرأتُه بأجنبيَّةٍ، ولأنَّ القُرعةَ لا تُزيلُ حُكمَ المُطلَّقَةِ ولا تَرفعُ الطَّلاقَ عمَّنْ وقَعَ عليها؛ لأنَّه لوِ ارتَفعَ لَمَا عادَ إذا تَبيَّنَ أنَّها مُطلَّقةٌ، وفارَقَ ما قاسُوا عليهِ؛ فإنَّ الحَقَّ لم يَثبُتْ لواحدٍ بعَينِه.
وإذا طلَّقَ واحِدةً لا بعَينِها أو بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فانقَضَتْ عِدَّةُ الجَميعِ فلهُ نِكاحُ خامِسةٍ قبْلَ القُرعةِ في الأصحِّ.
ومتَى عَلِمناها بعَينِها فعِدَّتُها مِنْ حينِ طلَّقَها على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه صَدَرَ مِنْ أهلِهِ في مَحلِّهِ، ونِسيانُه لا يَرفَعُه.
وقيلَ: مِنْ حينِ التَّعيينِ، فإنْ ماتَ الزَّوجُ قبْلَ التَّعيينِ فعلَى الجَميعِ عدَّةُ