لم يَنوِه، بغَيرِ خِلافٍ، ذكَرَه في «الشَّرحِ»؛ لأنَّ سائِرَ الصَّرائحِ لا تَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، فكذا صَريحُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانَ ذلكَ جادًّا أو هازِلًا، حكاهُ ابنُ المُنذرِ إجماع مَنْ يَحفظُ عنهُ (١).
ألفاظُ الصَّريحِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ مِنَ الألفاظِ الصَّريحةِ في الطَّلاقِ، واختَلفُوا فيما عَداهُ على تَفصيلٍ بيْنَهم، بيانُه على النَّحوِ التَّالي:
قالَ الحَنفيَّةُ: اللَّفظُ الصَّريحُ الَّذي يَقعُ بهِ الطَّلاقُ ولا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ هو لَفظُ الطَّلاقِ أو التَّطلِيقِ، مثْلَ قَولِه: «أنتِ طالِقٌ» أو «أنتِ الطَّلاقُ» أو «طلَّقْتُكِ» أو «أنتِ مُطلَّقَةٌ» مُشدّدًا، سُمِّيَ هذا النَّوعُ صَريحًا لأنَّ الصَّريحَ في اللُّغةِ اسمٌ لِما هو ظاهِرُ المُرادِ مَكشوفُ المَعنى عِنْدَ السَّامِعِ مِنْ قَولِهم: «صرَّحَ فُلانٌ بالأمرِ» أي كشَفَهُ وأوضَحُه، وسمِّيَ البناءُ المُشرِفُ صَرحًا لظُهورِه على سائِرِ الأبنيةِ، وهذهِ الألفاظُ ظاهِرةُ المُرادِ؛ لأنَّها لا تُستعمَلُ إلَّا في الطَّلاقِ عن قَيدِ النِّكاحِ، فلا يحتاجُ فيها إلى النِّيةِ لوُقوعِ الطَّلاقِ؛ إذ النِّيةُ عمَلُها في تَعيينِ المُبهمِ ولا إبهامَ فيها.
стр. 10512
وهذهِ الألفاظُ السَّابقِةُ ك: «أنتِ طالِقٌ، ومُطلَّقةٌ، وقَد طَلَّقتُكِ» لا يَقعُ بهِ إلا واحِدةٌ رَجعيَّةٌ، حتَّى لو نَوَى اثنتَينِ أو ثلاثةً لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ، سَواءٌ نَوَى واحدةً أو أكثَرَ أو لم يَنوِ شيئًا.
ولو طلَّقَها طلْقَةً رجعيَّةً ثمَّ قالَ: «جعَلتُها بائِنًا أو ثلاثًا» صارَ كذلكَ عِنْدَ أبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: تَصيرُ بائنًا ولا تَصيرُ ثلاثًا.
وقالَ مُحمدٌ وزُفَرُ: لا تَصيرُ بائِنًا ولا ثلاثًا.
ولو قالَ لها: «كُوني طالِقًا، أو اطْلُقِي» قالَ مُحمدٌ: أراهُ واقِعًا.
وأمَّا لَو قالَ لها: «أنتِ الطَّالِقُ، وأنتِ طالِقٌ الطَّلاقَ، وأنتِ طالِقٌ طلاقًا» فإنْ لم يَكنْ لهُ نيَّةٌ فهي واحِدةٌ رجعيَّةٌ، وإنْ نَوَى اثنتَينِ فهي واحِدةٌ رجعيَّةٌ أيضًا، وإنْ نَوَى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وكذا إذا قالَ: «أنتِ طلاقٌ» يقَعُ بهِ الطَّلاقُ أيضًا، ولا يحتاجُ فيهِ إلى نيَّةٍ ويكونُ رَجعيًّا، وتَصحُّ نيَّةُ الثَّلاثِ فيهِ؛ لأنَّ المَصدَرَ يَحتملُ العُمومَ والكَثرةَ؛ لأنهُ اسمُ جِنسٍ، ولا تَصحُّ نيَّةُ الثِنتَينِ فيهِ؛ لأنَّ نيَّةَ الثَّلاثِ إنَّما صحَّتْ لكَونِها جِنْسًا، حتَّى لو كانَتِ المَرأةُ أمَةَ تَصحُّ نيَّةُ الثِنتَينِ باعتِبارِ الجِنسيةِ، أمَّا الثِنتانِ في حَقِّ الحُرَّةِ عَددٌ، واللَّفظُ لا يَحتملُ العدَدَ.
ولو قالَ: «أنتِ طالِقُ الطَّلاقِ» وقالَ: «أردْتُ بقولي «طالِق» واحدةً، وبقَولي «الطَّلاق» أُخرَى» صُدِّقَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ مِنهما صالِحةٌ للإيقاعِ، فكأنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ» فيَقعُ رَجعيَّتانِ إذا كانَتْ مَدخولًا بها.
стр. 10513
ولو قالَ: «أنتِ طالِقٌ طلاقًا» ولا نيَّةَ لهُ وقعَتْ واحدِةٌ؛ لأنَّ المَصدَرَ إنَّما يُفيدُ التَّأكيدَ لا غَيرَ كقَولِكَ: قُمتُ قيامًا وأكلْتُ أكلًا، والتَّأكِيدُ لا يُفيدُ إلَّا ما أفادَهُ المُؤكَّدُ، وإنْ نَوَى ثلاثًا كانَ ثلاثًا في رِوايةِ الأصلِ؛ لأنَّ المَصدرَ يُفيدُ مَعنَى الكَثرةِ، وعَن أبي حَنيفةَ: لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ.
ولو قالَ: «يا مُطلَّقَة» بالتَّشديدِ وقَعَ عليها الطَّلاقُ؛ لأنهُ وصَفَها بذلكَ، فإنْ نَوَى ثلاثًا كانَ ثلاثًا، ولَو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» لا يَقعُ إلَّا بالنِّيةِ إلَّا في حالِ مُذاكَرةِ الطَّلاقِ، ولو قالَ: «يَا طالِقُ» بكَسرِ اللَّامِ وقعَ الطَّلاقَ وإنْ لم يَنوِه، ولو قالَ: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ» أو قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «عَنَيتُ الأوَّلَ» صُدِّقَ دِيانةً، وكذا إذا قالَ: قَدْ طَلَّقتُكِ قَدْ طَلَّقتُكِ، أو أنتِ طالِقٌ قَدْ طَلَّقتُكِ، أو قالَ: أنتِ طالِقٌ فقالَ لهُ رَجلٌ: ما قُلتَ؟ قالَ: قَدْ طلَّقتُها أو قالَ: قُلتُ هي طالِقٌ؛ فهي واحِدةٌ في القَضاءِ (١).
وقالَ المالكيَّةُ: اللَّفظُ الصَّريحُ الَّذِي تَنحَلُّ بهِ العِصمةُ ولو لم يَنوِ حَلَّها متَى قصَدَ اللَّفظَ:
١ - الطَّلاقُ: كما لو قالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُنِي» أو: «عليَّ الطَّلاقُ» أو: «أنتِ الطَّلاقُ» أو: «أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» ونحوُ ذلكَ.
стр. 10514
٢ - وطلاقٌ بالتَّنكيرِ أي: يَلزمُني أو عَليكِ أو أنتِ طلاقٌ أو عليَّ طلاقٌ وسَواءٌ نطَقَ بالمُبتدأِ ك «أنتِ»، أو بالخبَرِ ك «علَيَّ» أم لا؛ لأنهُ مُقدَّرٌ والمُقدَّرُ كالثَّابتِ.
٣ - وطَلَّقتُ: بالفِعلِ الماضي والتاءُ مَضمومةٌ.
٤ - وتَطَلَّقتِ: بتَشديدِ اللَّامِ المَفتوحةِ وكَسرِ التَّاءِ، أي مِنِّي أو أنتِ تَطلَّقتِ.
٥ - وطالِقٌ: اسمُ فاعِلٍ.
٦ - ومُطلَّقةٌ: بفَتحِ الطَّاءِ واللَّامُ مُشدَّدةٌ اسمُ مَفعولٍ، نحوُ: «أنتِ مُطلَّقةٌ».
وصَريحُ الطَّلاقِ مُنحصرٌ في تِلكَ الألفاظِ السِّتةِ دُونَ غَيرِها مِنَ الألفاظِ، خِلافًا لمَن قالَ: إنَّ الصَّريحَ ما كانَ فيهِ الحُروفُ الثَّلاثةُ: الطَّاءُ واللَّامُ والقافُ؛ لشُمولِه نحوُ: مُنطلِقًا ومُطلَقةٌ ومَطلُوقةٌ وانطَلِقِي، فإنَّ هذه الألفاظَ مِنَ الكنايةِ الخفيَّةِ.
ويَلزمُ في صَريحِ الطَّلاقِ -وهي الألفاظُ السَّابقةُ- طَلقةٌ واحدةٌ إلَّا لنيَّةِ أكثَرَ فيَلزمُه ما نَواهُ (١).
اللَّفظِ المُبدلِ أو كانَ ممَّن لُغتُه كذلكَ بأنْ يكونَ مِنْ قَومٍ يُبدلونَ الطَّاءَ تاءً واطَّرَدَتْ لُغتُهم بذلكَ، وإلَّا فهو كِنايةٌ؛ لأنَّ ذلكَ الإبدالَ لهُ أصْلٌ في اللُّغةِ.
وخرَجَ بهِ الفَقيهُ، فما ذكَرَهُ كِنايةٌ فيهِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَتْ لُغتُه كذلكَ أم لا.
ومِنَ الصَّريحِ تَرجمةُ لفْظِ الطَّلاقِ بالعَجميَّةِ على المَذهبِ؛ لشُهرَةِ استِعمالِها في مَعناها عِنْدَ أهلِها شُهرةَ استِعمالِ العَربيَّةِ عندَ أهلِها.
وحُكمُ هذا النَّوعِ مِنَ الصَّريحِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةِ إيقاعِ الطَّلاقِ بهِ، لأنهُ لا يَحتملُ غيرَ الطَّلاقِ، فلا يَتوقَّفُ وُقوعُ الطَّلاقِ على نيَّةِ إيقاعِه، بلْ يقَعُ ولو نَوَى عدَمَه.
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ذكَرَ اللهُ ﵎ الطَّلاقَ في كِتابِه بثلاثةِ أسماءٍ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ … فمَن خاطَبَ امرَأتُه فأفرَدَ لها اسمًا مِنْ هذهِ الأسماءِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ، أو قَدْ طلَّقتُكِ، أو فارَقتُكِ، أو قَدْ سرَّحتُكِ» لَزِمَه الطَّلاقُ ولم يَنوِ في الحُكمِ ونَويناهُ فيما بيْنَهُ وبيْنَ اللهِ تعالَى، ويَسَعُه إنْ لم يُرِدْ بشيءٍ منهُ طلاقًا أنْ يُمسِكَها، ولا يَسَعُها أنْ تُقيِمَ معهُ؛ لأنَّها لا تَعرِفُ مِنْ صِدْقِه ما يَعرِفُ مِنْ صِدقِ نَفسِه، وسَواءٌ فيما يَلزمُ مِنَ الطَّلاقِ ولا يَلزمُ، تكلَّمَ بهِ الزَّوجُ عِنْدَ غضَبٍ أو مَسألةِ طلاقٍ أو رِضًا وغَيرِ مَسألةِ طلاقٍ، ولا تَصنَعُ الأسبابُ شَيئًا، إنَّما تَصنَعُه الألفاظُ؛ لأنَّ السَّببَ قَدْ يكونُ ويَحدُثُ الكَلامُ على غَيرِ السَّببِ، ولا يكونُ مُبتدَأَ الكَلامِ الَّذي لهُ حُكمٌ فيقَعُ، فإذا لم
стр. 10517
يَصنَعِ السَّببُ بنَفسِه شيئًا لم يَصنَعْه بما بعْدَهُ، ولم يَمنَعْ ما بعْدَه أنْ يَصنعَ ما له حُكمٌ إذا قيلَ.
ولو وصَلَ كَلامَه فقالَ: «قد فارَقتُكِ إلى المَسجدِ أو إلى السُّوقِ أو إلى حاجَةٍ، أو قَدْ سَرَّحتُكِ إلى أهلِكِ أو إلى المَسجدِ، أو قَدْ طلَّقتُكِ مِنْ عِقالِكِ» أو ما أشبَهَ هذا لم يَلزمْه طَلاقٌ، ولو ماتَ لم يكنْ طلاقًا، وكذلكَ لو خَرِسَ أو ذهَبَ عَقْلُه لم يكنْ طلاقًا، ولا يكونُ طلاقًا إلَّا بأنْ يقولَ: أردْتُ طلاقًا، وإنْ سألَتِ امرَأتُه أنْ يُسألَ سُئلَ، وإنْ سألَتْ أنْ يُحلَّفَ أُحلِفَ، فإنْ حلَفَ ما أرادَ طلاقًا لم يَكنْ طلاقًا، وإنْ نَكلَ قيلَ: إنْ حلَفْتَ طَلُقَتْ، وإلَّا فليسَ بطلاقٍ، قالَ: وما تَكلَّمَ بهِ ممَّا يُشبِهُ الطَّلاقَ سِوَى هؤلاءِ الكَلِماتِ فليسَ بطلاقٍ حتَّى يَقولَ: كانَ مَخرَجُ كَلامِي بهِ على أنِّي نَوَيتُ بهِ طلاقًا، وذلكَ مثلُ قولِهِ لامرَأتِه: أنتِ خَليَّةٌ أو خَلوتِ مِنِّي أو خَلوتُ مِنكِ، أو أنتِ بَريئةٌ أو بَرئتِ مِنِّي أو بَرِئتُ مِنكِ، أو أنتِ بائِنٌ أو بِنتِ مِنِّي أو بِنتُ مِنكِ، أو اذهَبِي أو اعزُبِي أو تَقنَّعِي أو اخرُجِي، أو لا حاجَةَ لي فيكِ أو شأنُكِ بمَنزلِ أهلكِ أو الزَمِي الطَّريقَ خارِجةً، أو قَدْ وُدَّعتُكِ أو قَدْ وَدَّعتِينِي، أو اعتَدِّي أو ما أشبَهَ هذا ممَّا يُشبِهُ الطَّلاقَ فهو فيهِ كلِّهِ غَيرُ مُطلِّقٍ حتَّى يقولُ: «أردْتُ بمَخرجِ الكَلامِ منِّي الطَّلاقَ» فيكونُ طلاقًا بإرادةِ الطَّلاقِ معَ الكلامِ الَّذي يُشبهُ الطَّلاقَ (١).
стр. 10518
وقالَ الحنابلةُ في المَذهبِ: صَريحُ الطَّلاقِ هوَ لفظُ الطَّلاقِ وما تَصرَّفَ مِنهُ لا غَير، ك: طالِقٌ وطَلَّقتُكِ ومُطلَّقةٌ «اسمُ مَفعولٍ»؛ لأنهُ مَوضوعٌ لهُ على الخُصوصِ ثبَتَ لهُ عُرفُ الشَّارعِ والاستعمالُ، فلو قالَ: «أنتِ طالِقٌ أو الطَّلاقُ أو مُطلَّقةٌ» فهو صَريحٌ.
(غيرَ: أمرٍ) ك: طَلِّقِي.
(ومُضارعٍ) ك: تَطلقِينَ.
(ومُطلِّقةٍ: اسمُ فاعِلٍ) فلا يَقعُ بهذهِ الألفاظِ الثَّلاثِ الطَّلاقُ.
ولفظُ الفِراقِ والسَّراحِ كنايةٌ؛ لأنهُما يُستَعملانِ في غَيرِ الطَّلاقِ كَثيرًا، فلم يَكونا صَريحَينِ فيهِ كسائرِ كِناياتِه، وهذا قَولُ ابنِ حامِدٍ وعليهِ المَذهبُ.
وقالَ الخِرَقيُّ ﵀: صَريحُه ثلاثةُ ألفاظٍ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ وما تَصرَّفَ مِنهنَّ، وإذا قالَ: «قَدْ طَلَّقتُكِ، أو قد فارَقتُكِ، أو قد سرَّحتُكِ» لَزمَها الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ بمِعنى الفُرقةِ بيْنَ الزَّوجينِ فكانا صَريحَينِ فيهِ كلَفظِ الطَّلاقِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقالَ سُبحانَه:
стр. 10519
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨].
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقولُ ابنِ حامِدٍ أَصحُّ؛ فإنَّ الصَّريحَ في الشَّيءِ مَا كانَ نَصًّا فِيهِ لا يَحتمِلُ غَيرُه إلَّا احتِمالًا بَعيدًا، ولَفظَةُ الفِراقِ والسَّراحِ إنْ وَرَدَا في القُرآنِ بمعنَى الفُرقةِ بيْنَ الزَّوجَينِ فقَدْ ورَدَا لغَيرِ ذلكَ المَعنَى وفي العُرفِ كَثيرًا، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠]، وقالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، فلا مَعنَى لتَخصيصِهِ بفُرقَةِ الطَّلاقِ، على أنَّ قَولَه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] لَم يُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارتِجاعِها، وكذلكَ قَولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولا يَصحُّ قِياسُه على لَفظِ الطَّلاقِ؛ فإنهُ مُختَصٌّ بذلكَ سابِقٌ إلى الأفهامِ مِنْ غَيرِ قَرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخِلافِ الفِراقِ والسَّراحِ، فعلَى كلا القَولَينِ إذا قالَ: طلَّقتُكِ، أو أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» وقَعَ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، وإنْ قالَ: «فارَقتُكِ، أو أنتِ مُفارَقةٌ، أو سَرَّحتُكِ، أو أنتِ مُسرَّحةٌ» فمَن يَراهُ صَريحًا أوقَعَ بهِ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، ومَن لَم يرَهُ صَريحًا لم يُوقِعْه بهِ إلَّا أنْ يَنوِيَه، فإنْ قالَ: «أردْتُ بقَولي: فارَقتُكِ أيْ بجِسمِي أو بقَلبِي أو بمَذهبي، أو سَرَّحتُكِ مِنْ يَدِي أو شُغلِي أو مِنْ حَبسِي أو سَرَّحتُ شَعرَكِ» قُبِلَ قَولُه، وإنْ قالَ: «أردْتُ بقَولي: أنتِ طالِقٌ: أيْ مِنْ وَثاقِي، أو قالَ: أردتُ أنْ أقولَ: طَلبتُكِ فسَبَقَ لساني فقُلتُ: طلَّقتُكِ» ونَحوُ ذلكَ
стр. 10520
دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، فمتَى عَلِمَ مِنْ نَفسِه ذلكَ لم يَقعْ عليهِ فيمَا بيْنَه وبينَ ربِّهِ.
قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ عَنْ أبي عَبدِ اللهِ أنَّه إذا أرادَ أنْ يقولَ لزَوجتِه: «اسقيني ماءً» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ أو أنتِ حُرَّةٌ» أنهُ لا طلاقَ فيهِ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عنهُ أنهُ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ فجَرَى على لِسانِه غيرُ مَا في قَلبِه فقالَ: أرجُو أنْ يكونَ الأمرُ فيهِ واسِعًا.
وهل تُقبَلُ دَعواهُ في الحُكمِ؟ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ في حالِ الغضَبِ أو سُؤالِها الطَّلاقَ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنَّ لفْظَه ظاهِرٌ في الطَّلاقِ وقَرينةُ حالِهِ تَدلُّ عليهِ، فكانَتْ دَعواهُ مُخالِفةً للظَّاهِرِ مِنْ وِجهتَينِ فلا تُقبَلُ، وإنْ لم تكنْ في هذهِ الحالِ فظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ وأبي الحارِثِ أنهُ يُقبَلُ قولُه، وهو قولُ جابِرِ بنِ زَيدٍ والشَّعبيِّ والحكَمِ، حكاهُ عَنهُم أبو حَفصٍ؛ لأنهُ فسَّرَ كَلامَه بما يَحتملُه احتِمالًا غيرَ بَعيدٍ فقُبِلَ، كما لو قالَ: أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردْتُ بالثَّانيةِ إفهامَها، وقالَ القاضِي: فيهِ رِوايتانِ، هذهِ الَّتي ذَكَرْنا، قالَ: وهي ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، والثَّانيةُ: لا يُقبَلُ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنهُ خِلافُ ما يَقتضيهِ الظَّاهِرُ في العُرفِ فلم يُقبَلْ في الحُكمِ، كما لو أقَرَّ بعَشرةٍ ثمَّ قالَ: زُيُوفًا أو صِغارًا أو إلى شَهرٍ، فأمَّا إنْ صرَّحَ بذلكَ في اللَّفظِ فقالَ: «طلَّقتُكِ مِنْ وَثاقِي، أو فارَقتُكِ بجِسمِي، أو سرَّحتُكِ مِنْ يَدِي» فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما يَتَّصلُ بالكَلامِ يَصرِفُه عن مُقتضاهُ كالاستِثناءِ والشَّرطِ، وذكَرَ أبو
стр. 10521
بكرٍ في قَولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» أنهُ إنْ نَوَى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا أو مِنْ زَوجٍ كانَ قبْلَه لم يكنْ عليهِ شيءٌ إنْ لم يَنوِ شيئًا، فعلى قولَينِ:
أحدُهُما: يَقعُ، والثَّاني: لا يَقعُ، وهذا مِنْ قَولِه يَقتضِي أنْ تكونَ هذهِ اللَّفظةُ غَيرَ صَريحةٍ في أحَدِ القولَينِ.
قالَ القاضي: والمَنصوصُ عن أحمَدَ أنهُ صَريحٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ هذهِ مُتصرِّفةٌ مِنْ لَفظِ الطَّلاقِ فكانَتْ صَريحةً فيهِ كقَولِه: أنتِ طالِقٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ ألفاظِ الطَّلاقِ المُطلَقةَ صِنفانِ: صَريحٌ وكِنايةٌ.
واختَلفُوا في تَفصيلِ الصَّريحِ مِنَ الكِنايةِ وفي أحكامِها وما يَلزمُ فيها، ونحنُ إنَّما قصَدَنا مِنْ ذلكَ ذكْرَ المَشهورِ وما يَجري مَجرَى الأصُولِ، فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: الصَّريحُ هوَ لفْظُ الطَّلاقِ فقَطْ، وما عدَا ذلكَ كِنايةٌ، وهيَ عِندهُ على ضَربَينِ: ظاهِرةٌ ومَحمولةٌ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ.
وقالَ الشَّافعيُّ: ألفاظُ الطَّلاقِ الصَّريحةُ ثلاثٌ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ، وهيَ المَذكورةُ في القُرآنِ، وقالَ بعضُ أهلِ الظَّاهِرِ: لا يَقعُ طَلاقٌ إلَّا بهذهِ الثَّلاثِ.
стр. 10522
فهذا هوَ اختِلافُهم في صَريحِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ صَريحِه.
وإنَّما اتَّفقُوا على أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ صَريحٌ؛ لأنَّ دَلالتَه على هذا المعنَى الشَّرعيِّ دَلالةٌ وَضعيَّةٌ بالشَّرعِ، فصارَ أصلًا في هذا البابِ.
وأمَّا ألفاظُ الفِراقِ والسَّراحِ فهي مُتردِّدةٌ بيْنَ أنْ يكونَ للشَّرعِ فيها تَصرُّفٌ -أعنِي: أنْ تَدلَّ بعُرفِ الشَّرعِ على المَعنَى الَّذي يَدلُّ عليهِ الطَّلاقُ- أو هي باقيةٌ على دَلالتِها اللُّغويةِ، فإذا استُعمِلَتْ في هذا المَعنَى -أعنِي: في معنَى الطَّلاقِ- كانَتْ مَجازًا؛ إذْ هذا هو مَعنَى الكِنايةِ -أعنِي: اللَّفظ الَّذي يكونُ مَجازًا في دَلالتِه-، وإنَّما ذهَبَ مَنْ ذهَبَ إلى أنهُ لا يقَعُ الطَّلاقِ إلَّا بهذِه الألفاظِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما ورَدَ بهذه الألفاظِ الثَّلاثةِ، وهي عِبادةٌ ومِن شَرطِها اللَّفظُ، فوجَبَ أنْ يُقتصرَ بها على اللَّفظِ الشَّرعيِّ الوارِدِ فيها.
فأمَّا اختِلافُهمُ في أحكامِ صَريحِ ألفاظِ الطَّلاقِ ففيهِ مَسألتانِ مَشهورَتانِ: إحداهُما: اتَّفقَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ عليها، والثَّانيةُ: اختَلفُوا فيها.
فأمَّا الَّتي اتَّفقُوا عليها: فإنَّ مالِكًا والشَّافعيَّ وأبا حَنيفةَ قالُوا: لا يُقبَلُ قَولُ المُطلِّقِ إذا نطَقَ بألفاظِ الطَّلاقِ أنهُ لَم يُرِدْ بهِ طلاقًا إذا قالَ لزَوجَتهِ: أنتِ طالِقٌ، وكذلكَ السَّراحُ والفِراقُ عِنْدَ الشَّافعيِّ.
واستَثنَتِ المالكيَّةُ بأنْ قالَتْ: إلَّا أنْ تَقتَرنَ بالحالةِ أو المَرأةِ قَرينةٌ تَدلُّ على صِدقِ دَعواهُ، مِثلَ أنْ تَسألَه أنْ يُطلِقَها مِنْ وَثاقٍ هي فيهِ وشبهِه فيقولَ لها: أنتِ طالِقٌ.
стр. 10523
وفقْهُ المَسألةِ عِنْدَ الشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ أنَّ الطَّلاقَ لا يَحتاجُ عِنْدَهُمْ إلى نيَّةٍ، وأمَّا مالِكٌ فالمَشهورُ عنهُ أنَّ الطَّلاقَ عِندَه يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، لكنْ لَم يُنوِّهْ ههُنا لمَوضِعِ التُّهَمِ، ومِن رَأيِه الحُكمُ بالتُّهَمِ سَدًّا للذَّرائعِ، وذلكَ ممَّا خالَفَه فيه الشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ.
فيَجبُ على رَأيِ مَنْ يَشترطُ النِّيةَ في ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يَحكمُ بالتُّهمِ أنْ يُصدِّقَه فيما ادَّعى.
وأمَّا المَسألةُ الثَّانيةُ فهيَ: اختَلفُوا فيمَن قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» وادَّعَى أنهُ أرادَ بذلكَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إمَّا اثنتَينِ وإمَّا ثلاثًا، فقالَ مالِكٌ: هوَ ما نَوَى وقَد لَزمَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ؛ إلَّا أنْ يُقيِّدَ فيقولَ: طَلْقةٌ واحدةٌ، وهذا القَولُ هوَ المُختارُ عِنْدَ أصحابِه.
وأمَّا أبو حَنيفةَ فقالَ: لا يَقعُ ثلاثًا بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ العَدَدَ لا يَتضمَّنُه لفْظُ الإفرادِ لا كِنايةً ولا تَصريحًا.
وسَببُ اختِلافِهم: هل يقَعُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ دُونَ اللَّفظِ؟ أو بالنِّيةِ معَ اللَّفظِ المُحتمِلِ؟ فمَن قالَ بالنِّيةِ أوجَبَ الثَّلاثَ، وكذلكَ مَنْ قالَ بالنِّيةِ واللَّفظِ المُحتمِلِ ورَأى أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَحتمِلُ العدَدَ، ومَن رَأى أنَّه لا يَحتمِلُ العَددَ وأنهُ لا بُدَّ مِنِ اشتِراطِ اللَّفظِ في الطَّلاقِ معَ النِّيةِ قالَ: لا يَجبُ العَددُ وإنْ نَواهُ.
وهذهِ المَسألةُ اختَلفُوا فيها وهيَ مِنْ مَسائِلِ شُروطِ ألفاظِ الطَّلاقِ -
стр. 10524
أعني اشتِراطَ النِّيةِ معَ اللَّفظِ أو بانفِرادِ أحَدِهما-، فالمَشهورُ عَنْ مالكٍ أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ إلَّا باللَّفظِ والنِّيةِ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ، وقَد رُوِيَ عنه أنهُ يقَعُ باللَّفظِ دُونَ النِّيةِ، وعِندَ الشَّافعيِّ أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ الصَّريحَ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، فمَنِ اكتَفى بالنِّيةِ احتَجَّ بقَولِه ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، ومَن لَم يَعتبِرِ النِّيةَ دُونَ اللَّفظِ احتَجَّ بقَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأُ» (١).
стр. 10525
ثانيًا: الكِنايةُ:
والكِنايةُ: هيَ كلُّ لَفظٍ يُستَعملُ في الطَّلاقِ ويُستعمَلُ في غَيرِه (١).
أو: هي ما لَم يُوضَعْ للطَّلاقِ واحتَملَه وغَيرَه (٢).
أو: ما يَحتمِلُ الطَّلاقَ وغَيرَه (٣).
أو: ما دلَّ على مَعناهُ في نَفسِه ويَحسُنُ أنْ يُستفسَرَ عنهُ بغَيرِه (٤).
أو: ما يَحتَملُ غيرَهُ ويَدلُّ على معنَى الصَّريحِ (٥).
فكلُّ هذهِ تَعريفاتٌ للعُلماءِ، وكلُّها تَدورُ في مَعنًى واحدٍ، وهوَ أنَّها: كلُّ لَفظٍ يَحتِملُ الطَّلاقَ ويَحتملُ غيرَ الطَّلاقِ.
ألفاظُ الكِنايةُ في الطَّلاقِ لا تَقعُ إلا بنيَّةٍ بإجماعِ الفُقهاءِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ كِناياتِ الطَّلاقِ الآتي بَيانُها لا يَقعُ بها الطَّلاقُ إلَّا بنيَّةٍ، فإذا أوقَعَ الزَّوجُ الطَّلاقَ بلَفظٍ مِنْ ألفاظِ الكِناياتِ ولم يَنوِ بهِ الطَّلاقَ لم يَقعِ الطَّلاقُ، وقد حَكى غَيرُ واحِدٍ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ.
стр. 10526
فإذا وقَعَ الطَّلاقُ بلَفظٍ مِنْ ألفاظِ الكِنايةِ فلا بُدَّ فيهِ مِنَ النِّيةِ، ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ جمْعٌ مِنْ أهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولا خِلافَ أنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ بشيءٍ مِنْ ألفاظِ الكِنايةِ إلَّا بالنِّيةِ، فإنْ كانَ قد نوَى الطَّلاقَ يقَعُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، وإنْ كانَ لَم يَنوِ لا يَقعُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، وإنْ ذكَرَ شيئًا مِنْ ذلكَ ثمَّ قالَ: «ما أردْتُ بهِ الطَّلاقَ» يُديَّنُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ اللهَ تعالَى يعلَمُ سرَّهُ ونَجواهُ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الكِنايةُ فيَقعُ بها الطَّلاقُ معَ النِّيةِ بالإجماعِ، ولا يَقعُ بلا نيَّةٍ (٢).
إلَّا أنَّ المالكيَّةَ وبعضَ الحنابلةِ استَثنَوا بعضَ ألفاظِ الكِناياتِ، فأوقَعُوا الطَّلاقَ بها مِنْ غَيرِ نيَّةٍ وجَعلُوها كالصَّريحِ، وهي الكِناياتُ الظَّاهِرةُ مِثلَ قَولِه: أنتِ خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وحَرامٌ وبائِنٌ وما أشبَهَ ذلكَ، فإذا قالَ لها مُبتدِئًا أو مُجيبًا لها عن مَسألَتِها إيَّاهُ الطَّلاقَ يكونُ طلاقًا، ولا يُقبَلُ مِنهُ إنْ قالَ: لم أُرِدْ بهِ؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ النَّاسَ يُطلِّقونَ بهذهِ الكِناياتِ كما يُطلِّقونَ بالصَّريحِ، فلم تَحتَجْ إلى نيَّةٍ كالصَّريحِ، وعُرفُ اللُّغةِ والشَّرعِ جارٍ بذلكَ، فإذا قالَ ذلكَ ابتِداءً فيَجبُ أنْ يُحملَ على ما جَرى بهِ عُرفُ الشَّرعِ
стр. 10527
وظاهِرُ المُرادِ بهما، وكذلكَ إذا قالَ مُجيبًا عَنْ مَسألتِها إياهُ الطَّلاقَ (١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ جَميعَ ألفاظِ الكِناياتِ تَحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ هذهِ كِنايةٌ لم تُعرَفْ بإرادةِ الطَّلاقِ بها ولا اختَصتْ بهِ، فلم يقَعِ الطَّلاقُ بها بمُجرَّدِ اللَّفظِ كسائِرِ الكِناياتِ إلَّا إذا قارَنَها أحَدُ ثلاثةِ أشياءَ: النَّيةُ أو الغضَبُ أو طلَبُ الطَّلاقِ عِنْدَ الحَنفيَّةِ كما سَيأتي مُفصَّلًا (٢).
стр. 10528
ألفاظُ الكِنايةِ:
قالَ الحَنفيةُ: الكِناياتُ على ضَربَينِ:
منها ثلاثةُ ألفاظٍ يقَعُ بها الرَّجعيُّ ولا يَقعُ بها إلَّا واحدةٌ، وهوَ قولُ: «اعتَدِّي» و «استَبْرِئي رَحِمَكِ» و «أنتِ واحِدةٌ»، أمَّا قَولُه: «اعتَدِّي» فلأنَّهُ يَحتملُ الاعتِدادَ مِنَ النِّكاحِ والاعتِدادَ بنِعَمِ اللهِ فيَحتاجُ إلى النَّيةِ.
وقَولُه: «اسَتبْرِئي رَحِمَكِ» يَحتمِلُ «لأنِّي قَدْ طَلَّقتُكِ» ويَحتملُ «أنِّي أُريدُ طلاقَكِ».
وقَولُه: «أنتِ واحِدةٌ» يَحتملُ أنْ يكونَ نعْتًا لمَصدرٍ مَحذُوفٍ، أي تطليقَةً واحدةً، ويَحتمِلُ «أنتِ واحِدةٌ في قَومِكِ».
وبقيَّةُ الكِناياتِ إذا نَوَى بها الطَّلاقَ كانَتْ واحدةً بائنةً، فالكِناياتُ كلُّها بَوائنُ إلَّا الثَّلاثةَ الَّتي ذكَرْناها، وإنْ نَوَى ثلاثًا كانَ ثلاثًا؛ لأنَّ البَينونةَ تَتنوَّعُ إلى غَليظةٍ وخَفيفةٍ، فتارَةً تكونُ البَينونةُ بواحدةٍ وتارةً تكونُ بالثَّلاثِ، فيَقعُ ما نَوَى منها، وإنْ نَوَى اثنتَينِ كانَتْ واحدةً ولا تَصحُّ نيةُ الثِّنتَينِ.
وهذا مِثلُ قولِه: أنتِ بائِنٌ وبتَّةُ وبَتْلَةٌ وحَرامٌ وحَبْلُكِ على غارِبِكِ والحَقِي بأهلِكِ وخَليَّةٌ وبَريَّةٌ إلى آخِرِه؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ تَحتملُ الطَّلاقَ وغيرَه، فلا بُدَّ مِنْ النِّيةِ.
فقولُه: «أنتِ بائِنٌ» يَحتملُ البَينونةَ مِنَ النِّكاحِ ويَحتملُ مِنْ الدَّينِ.
стр. 10529
وقَولُه: «وبَتَّةٌ» البَتُّ هو القَطعُ، فيَحتملُ القطْعَ مِنَ النِّكاحِ وعَنِ المُروءةِ والخَيرِ، وبَتْلَةٌ بمَنزلةِ بتَّة.
وقَولُه: «حَرامٌ» يَحتملُ الطَّلاقَ واليَمينَ.
و «حَبْلُكِ على غارِبِكِ» يَحتملُ «لأنَّكِ قَدْ بِنْتِ منِّيِ»، ويَحتملُ «أنَّكِ لا تُطيعيني».
و «الحَقِي بأهلِكِ» يَحتمِلُ «لأنِّي طَلَّقتُكِ»، ويَحتملُ الزِّيارةَ لأهلِها.
و «خَليَّةٌ» يَحتملُ مِنَ النِّكاحِ ومِن الخَيرِ ومِن الشُّغلِ.
و «برَّيةٌ» يَحتملُ مِنْ النِّكاحِ ومِن الدَّينِ.
وقَولُه: «وَوَهبتُكِ لأهلِكِ» -سَواءٌ قَبلُوها أو لم يَقبلُوها- يَحتمِلُ «وَهبتُكِ لهُم، لأنَّكِ قَدْ بِنْتِ منَّيِ»، ويَحتملُ هِبةَ العَينِ، وعن أبي حَنيفةَ: إذا قالَ: «وَهبتُكِ لأهلِكِ أو لأبيكِ أو لأمِّكِ أو للأزواجِ» فهو طلاقٌ إذا نَوَى؛ لأنَّها تَرِدُ بالطَّلاقِ على هؤلاءِ ويَملِكُها الأزواجُ بعْدَ الطَّلاقِ، وإذا قالَ: «وهبتُكِ لأخيكِ أو لعَمِّكِ أو لخالِكِ أو لفُلانٍ الأجنَبيِّ» لم يكنْ طلاقها؛ لأنَّها لا تَرِدُ بالطَّلاقِ على هؤلاءِ.
وقَولُه: «وسَرَّحتُكِ وفارَقتُكِ» هُما كِنايتانِ؛ لأنَّهما يُستعمَلانِ في الطَّلاقِ وغَيرِه، يُقالُ: سَرَّحْتُ إبلِي وفارَقْتُ صَديقي، فقَولُه: «سرَّحتُكِ» يَحتمِلُ بالطَّلاقِ ويَحتمِلُ في حَوائِجِي، و «فارَقتُكِ» يَحتِملُ الطَّلاقَ ويَحتملُ ببَدنِي.
стр. 10530
وقَولُه: «وأنتِ حُرَّةٌ» يُفيدُ التَّحريمَ، ويَحتملُ كَونَها حُرَّةً.
وقولُه: «وتَقنَّعِي» يَحتمِلُ «لأنكِ مُطلَّقةٌ، ويَحتملُ سَتْرَ العَورةِ، ومِثلُه «واستَتِرِي»، وقولُه: «واغُرُبِي» يَحتمِلُ «لأنكِ قَدْ بِنْتِ مِنِّي»، ويَحتملُ «أنكِ لا تُطيعِيني»، ومِثلُه «اعزُبِي» بالعَينِ المُهمَلةِ والزَّايِ، ومُعناه «غِيبِي وابعُدِي»، ومِنه قَولُه تعالَى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾، والعُزوبُ: البُعدُ والذَّهابُ.
وقولُه: «وابتَغِي الأزواجَ» يَحتملُ «لأنِّي طَلَّقتُكِ»، ويَحتملُ إبعادَها منهُ.
ومِنَ الكِناياتِ أيضًا «اخرُجِي واذهَبي وقُومِي وتَزوَّجِي وانطَلِقِي وانتَقِلِي، ولا نِكاحَ بَينِي وبَينكِ، ولا سَبيلَ لي عليكِ، ولا نِكاحَ لي عليكِ»، فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طلاقًا، وإلَّا فلا.
ولو قالَ: «أنا بَرِيءٌ مِنْ نِكاحِكِ» وقَعَ الطَّلاقُ إذا نواهُ، وإنْ قالَ: «أنا بَريءٌ مِنْ طلاقِكِ» لا يَقعُ شيءٌ؛ لأنَّ البَراءةَ مِنَ الشَّيءِ ترْكٌ لهُ وإعراضٌ عنهُ، والمُعرِضُ عنِ الطَّلاقِ لا يكونُ مُطلِّقًا، والمُعرِضُ عنِ النِّكاحِ يكونُ مُطلِّقًا.
ولو قالَ: «خُذِي طلاقَكِ» فقالَتْ: «قد أخذْتُه» طَلُقَتْ، ولو قالَ لها: «طلَّقَكِ اللهُ» أو قالَ لأمَتِه: «أعتَقَكِ اللهُ» وقَعَ الطَّلاقُ والعِتاقُ، نوَى أو لم يَنوِ.
ولو قالَ: «جَميعُ نِساءِ الدُّنيا طَوالِقُ» تَطلُقُ امرَأتُه، ولا يُصدَّقُ في القَضاءِ أنهُ لم يَنوِها.
стр. 10531
ولو قالَ: «لَستِ لي امرأةً» أو قالَ: «ما أنتِ لي بامرأةٍ» كانَ طلاقًا عِنْدَ أبي حَنيفةَ، وكذا «ما أنا بزَوجِكِ»، أو سُئِلَ: هل لكَ امرأةٌ؟ فقالَ: «لا» فإنهُ إنْ نَوَى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا عِنْدَ أبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يكونُ شيءٌ مِنْ ذلكَ طلاقًا، نَوَى أو لم يَنوِ؛ لأنَّ نفْيَ الزَّوجيةِ كَذبٌ، فلا يَقعُ بهِ شيءٌ، كقَولِه: لم أتزوَّجْكِ، وقدِ اتَّفقُوا جَميعًا على أنَّه لو قالَ: واللهِ ما أنتِ لي بامرأةٍ، أو لستِ واللهِ لي بامرأةٍ» أنهُ لا يَقعُ بهِ شيءٌ وإنْ نَوَى؛ لأنَّ اليَمينَ على النَّفِي يَتناولُ الماضي، وهوَ كاذِبٌ فيهِ فلا يَقعُ شيءٌ، ولأنهُ لمَّا أكَّدَ النَّفيَ باليَمينِ صارَ ذلكَ إخبارًا لا إيقاعًا؛ لأنَّ اليَمينَ لا يُؤكَّدُ بها إلَّا الخبَرُ، والخبَرُ لا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ، ألَا تَرَى أنهُ لو قالَ: «كُنْتُ طلَّقتُكِ أمسِ» لم يَقعْ بذلكَ شيءٌ إذا لم يَكنْ طلَّقَها أمسِ؟!
ولو قالَ: «لا حاجَةَ لي فيكِ» يَنوِي الطَّلاقَ فليسَ بطلاقٍ، ولو قالَ: «أفلِحِي، أو فَسخْتُ النِّكاحَ بَيني وبَينَكِ» يَنوِي الطَّلاقَ كانَ طلاقًا.
فإنْ لم يكنْ لهُ نيَّةٌ لم يَقعْ بهذه الألفاظِ السَّابقةِ طلاقٌ، إلَّا أنْ يكونَا في مُذاكَرةِ الطَّلاقِ، وهوَ أنْ تُطالِبَه بالطَّلاقِ أو تُطالِبَه بطلاقِ غيرِها، فيقَعُ بها الطَّلاقُ في القَضاءِ ولا يَقعُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى إلَّا أنْ يَنويَه، أمَّا إذا كانَا في مُذاكَرةِ الطَّلاقِ فإنهُ يقَعُ بكلِّ لَفظةٍ تَدلُّ على الفُرقةِ، كقَولِه: أنتِ حَرامٌ وأمرُكِ بيَدكِ واختارِي واعتَدِّي وأنتِ خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وبائِنٌ؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ
стр. 10532
لمَّا خرَجَتْ جَوابًا لسُؤالِها الطَّلاقَ كانَ ذلكَ طلاقًا في الظَّاهِرِ، وإنَّما لم يَقعْ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنهُ يَحتمِلُ أنْ يكونَ جَوابًا لها، ويَحتملُ أنْ يكونَ ابتَداءً، فلا يَقعُ إلَّا بالنِّيةِ.
وإنْ لم يكونَا في مُذاكَرةِ الطَّلاقِ وكانَا في غضَبٍ أو خُصومةٍ وقَعَ الطَّلاقُ بكلِّ لَفظةٍ لا يَقصِدُ بها السَّبَّ والشَّتيمةَ، مِثلَ: اعتَدِّي، اختارِي، أمرُكِ بيَدكِ؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ لا تَصلُحُ للشَّتيمَةِ، بل تَحتمِلُ الفُرقةَ، وحالُ الغَضبِ حالُ الفُرقةِ، فالظَّاهِرُ مِنْ كَلامِهِ الفُرقةُ.
فحاصِلُه أنَّ الكِناياتِ ثلاثةُ أقسامٍ: كِناياتٌ ومَدلُولاتٌ وتَفويضاتٌ.
فالكِناياتُ: أنتِ حَرامٌ، وبائِنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وخَليَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، واعتَدِّي، واستَبْرِئي رَحِمَك، فإنْ تكلَّمَ بها في مُذاكَرةِ الطَّلاقِ وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطَّلاقَ» لم يُصدَّقْ، وإنْ تكلَّمَ بها في حالةِ الرِّضا إنْ نَوَى بها الطَّلاقُ وقَعَ، وإلَّا فلا، ويُصدَّقُ أنهُ لم يَنوِ الطَّلاقَ، وإنْ تَكلَّمَ بها في حالَةِ الغَصبِ صُدِّقَ في خَمسةِ ألفاظٍ أنهُ لم يُرِدْ بها الطَّلاقَ، وهي: أنتِ حَرامٌ وبائِنٌ وبَتَّةٌ وخَليَّةٌ وبَرِيَّةٌ؛ لأنَّ هذهِ تَصلُحُ للشَّتيمةِ، يَحتملُ بائِنٌ مِنَ الدَّينِ، وبتَّةٌ مِنَ المُروءَةِ، وخَليَّةٌ مِنَ الخَيرِ، وبَرِيَّةٌ مِنَ الإسلامِ، وحَرامٌ الاجتِماعُ معكِ، والحالُ حالُ الشَّتيمةِ، فالظَّاهرُ أنه أرادَها ولَم يُرِدِ الطَّلاقِ.
والمَدلولاتُ: اذهَبِي وقُومِي واستَتِرِي وتَقنَّعِي واخرُجِي والحقِي بأهلِكِ وحَبْلُكِ على غارِبكِ ولا نِكاحَ بيْنِي وبيْنَكِ وأشباهُ ذلكَ، فإنْ نَوَى بها الطَّلاقَ وقَعَ بائِنًا، وإنْ نَوَى
стр. 10533
ثلاثًا فثلاثٌ، وإنْ لم يَنوِ لا يَكونُ طلاقًا، سواءٌ كانَا في حالةِ الرِّضا أو الغَضبِ أو مُذاكَرةِ الطَّلاقِ.
والتَّفويضاتُ: أمرُكِ بيَدِكِ اختارِي، ففي حالةِ الغَضبِ لا يُصدَّقُ في التَّفويضاتِ ولا في الكِناياتِ الرَّجعيَّةِ، يَعني لا يُصدَّقُ في التَّفويضاتِ إذا قالَتْ مُجيبةً لهُ: اختَرْتُ نَفسِي أو طَلَّقتُ نَفسِي، ثمَّ في قَولِها: «اختَرْتُ نَفسِي» يقَعُ طَلقةً بائِنةً، وفي قَولِها: «طلَّقتُ نَفسِي» واحدةً رَجعيَّةً (١).
وقالَ المالكيَّةُ: الكِنايةُ تَنقَسمُ إلى قِسمَينِ: كِنايةٌ ظاهِرةٌ وكِنايةٌ خَفيَّةٌ.
فالكِنايةُ الظَّاهِرةُ وهي الَّتي جَرَتِ العادةُ أنْ يُطلِّقَ بها في الشَّرعِ أو في اللُّغةِ، كلَفظِ التَّسريحِ والفِراقِ، وكقولِه: أنتِ بائِنٌ أو بَتَّةٌ أو بَتْلَةٌ وما أشبَهَ ذلكَ، فحُكمُ هذا كحُكمِ الصَّريحِ.
والكِنايةُ الظَّاهِرةُ أنواعٌ:
النَّوعُ الأوَّلُ: ما يَلزمُ فيهِ طَلقةٌ واحدةٌ إلَّا لنيَّةِ أكثرَ في المَدخولِ بها، وهوَ لفظُ: «اعتَدِّي»، فإذا قالَ لزَوجتِهِ المَدخُولِ بها: «اعتَدِّي» فلا تَلزمُه إلَّا طلْقةٌ واحدةٌ، إلَّا إذا نوَى أكثَرَ فيَلزمُه ما نَواهُ، وأمَّا غَيرُ المَدخولِ بها فلا عِدَّةَ عليها، فإنْ قالَ لها: «اعتَدِّي» فهوَ مِنْ الكِناياتِ الخفيَّةِ في حقِّها.
стр. 10534
النَّوعُ الثَّاني: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ مُطلَقًا في المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها بإحدَى هذَينِ اللَّفظَينِ فقطْ، وهُما:
١ - «أنتِ بَتَّةٌ»: إذِ البَتُّ القَطعُ، فكأنَّ الزَّوجَ قطَعَ العِصمةَ الَّتي بيْنَه وبيْنَها.
٢ - و «حَبْلُكِ على غارِبكِ»: والحَبْلُ عِبارةٌ عَنِ العِصمةِ، وهو إذا رمَى العِصمةَ على كَتِفِها لم يَبقَ لهُ فيها شيءٌ مُطلَقًا.
كأنِ اشتَرَتْ زَوجَتُه العِصمةَ مِنْ زَوجِها بأنْ قالَتْ لهُ: «بِعْنِي عِصمتَكَ بمِائةٍ» فباعَها لها بها فإنها تَطلُقُ ثلاثًا، دخَلَ أو لم يَدخُلْ.
والنَّوعُ الثَّالثُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ في المَدخولِ بها، وواحدةٌ في غَيرِ المَدخولِ بها ما لم يَنوِ أكثَرَ، وهي ثلاثةُ ألفاظٍ:
١ - كقَولِه لها: «أنتِ طالِقٌ طلْقةً واحِدةً بائِنةً»، نَظرًا لقَولِه: «بائِنةً».
والبَينونَةُ بعْدَ الدُّخولِ بغَيرِ عِوضٍ إنَّما تكونُ ثلاثًا؛ فألزمَ بها الثَّلاثَ، ولم يَنظُروا للَفظِ «واحدة»؛ إمَّا لكَونِ «واحدَة» صفةٌ لمرَّةٍ مَحذوفًا -أي: مرَّةً واحدةً- بدليلِ قَولِه بعَدُ: بائِنة، وإمَّا لأنه يُحتاطُ في الفُروجِ ما لا يُحتاطُ في غَيرِها، فاعتُبِرَ لفظُ «بائِنة» وأُلغيَ لَفظُ «واحدة».
٢ - أو نَواها -أي: الواحِدةَ البائِنةَ- إمَّا ب «خَلَّيتُ سَبيلَكِ» ونحوِه مِنْ كُلِّ كِنايةٍ ظاهِرةٍ.
٣ - أو قَولِه: «ادخُلِي واذهَبي وانطَلِقِي» ونَحوهِ مِنْ سائرِ الكِناياتِ
стр. 10535
الخَفيَّةِ، فإنه يَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها، وواحدةٌ فقَطْ في غَيرِها ما لَم يَنوِ أكثرَ، وأَولَى إذا نوَى الواحدةَ البائنةَ بلَفظِ صَريحِ الطَّلاقِ، كأنْ يقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ونَوَى الواحدةَ البائِنةَ فإنهُ يَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها دُونَ غَيرِها، ما لم يَنوِ أكثَرَ؛ لأنَّ نيَّةَ البَينونةِ كغَيرِها.
والنَّوعُ الرَّابعُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ في المَدخولِ بها كغَيرِها إنْ لَم يَنوِ أقَلَّ، وهي: «كالمَيتةِ والدَّمِ»، يَعني أنَّ مَنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كالمَيتةِ أو الدَّمِ أو لَحمِ الخنزِيرِ، أو وَهبتُكِ لأهلِكِ أو رَددْتُكِ أو لا عِصمةَ لي عليكِ، وأنتِ حرامٌ أو خَليَّةٌ لأهلِكِ -أي مِنْ الزَّوجِ- أو بَريَّةٌ أو خالِصةٌ -أي منِّيِ- لا عِصمةَ لي عليكِ أو بائِنةٌ أو أنا بائِنٌ مِنكِ، أو خَلِيٌّ أو بَرِيٌّ أو خالِصٌ» فإنهُ يَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها كغَيرِها -أي غَيرِ المَدخولِ بها- إنْ لم يَنوِ أقَلَّ، فإنْ نَوَى الأقلَّ لَزمَه ما نَواهُ، وحلَفَ إنْ أرادَ نِكاحَها أنهُ ما أرادَ إلَّا الأقلَّ، لا إنْ لم يُرِدْه.
ثمَّ إنَّ بعضَ هذهِ الألفاظِ ك: «خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وحَبْلُكِ على غارِبِك وكالدمِّ والمَيتةِ» إنَّما يَلزمُ بها ما ذُكِرَ إذا جَرَى بها العُرفُ، وأمَّا إذا تُنُوسِيَ استِعمالُها في الطَّلاقِ بحَيثُ لم تَجْرِ بيْنَ النَّاسِ كما هو الآنَ فيكونُ مِنْ الكِناياتِ الخفيَّةِ، إنْ قصَدَ بها الطَّلاقَ لَزمَ، وإلَّا فلا.
النَّوعُ الخامِسُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ مُطلَقًا دخَلَ أم لا، ما لم يَنوِ أقلَّ مِنَ الثَّلاثِ في قَولِه لها: «خَلَّيتُ سَبيلَكِ» فيَلزمُه الثَّلاثُ إنْ نَوَى ذلكَ أو
стр. 10536
لم يَنوِ شَيئًا، فإنْ نَوَى أقلَّ لَزمَه ما نَواهُ، سواءٌ دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ، فإنْ نَوَى الواحدةَ البائِنةَ لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها ولا يَنوي، ولَزمَه واحِدةٌ في غَيرِها.
النَّوعُ السَّادسُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقَطْ، ويَنوِي في غَيرِ المَدخولِ بها كقَولِهِ: «وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرامٌ، أو وَجْهِي على وَجْهِكِ حَرامٌ»، وك: «لا نِكاحِ بَيْنِي وبيْنَكِ، أو لا مِلكَ لي عليكِ، أو لا سَبيلَ لي عَليكِ» فيَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقطْ.
إلَّا لعِتابٍ، فإنْ كانَ لعِتابٍ فلا شيءَ عليهِ، كما لو كانَتْ تَفعَلُ أُمورًا لا تُوافِقُ غرَضَه بلا إذنٍ منهُ فقالَ لها ذلكَ، فالعِتابُ قَرينةٌ وبِساطٌ دالٌّ على عَدمِ إرادَتِه الطَّلاقَ كقَولِه: «يا حَرامُ» ولم يَنوِ بهِ الطَّلاقَ، أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ» أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ عَليَّ، أو عليَّ حَرامٌ، أو جَميعُ ما أملِكُ حَرامٌ» ولم يُرِدْ إدخالَ الزَّوجةِ في لَفظٍ مِنْ هذهِ الألفاظِ فلا شيءَ عليهِ، فإنْ قصَدَ إدخالَها فثلاثٌ في المَدخولِ بها وفي غَيرِها إلَّا لنيَّةِ أقلَّ.
النَّوعُ السَّابعُ: ما يَلزمُ فيهِ واحدةٌ إلَّا لِنيَّةِ أكثَرَ، دخَلَ بها أم لا، ك: «فارَقتُكِ» إلَّا لنيَّةِ أكثَرَ، وهيَ رَجعيَّةٌ في المَدخولِ بها.
وكلُّ ذلكَ ما لم يَدلَّ البساطُ والقَرائنُ على عدَمِ إرادةِ الطَّلاقِ، وأنَّ المُخاطَبةَ بلَفظٍ ممَّا ذُكِرَ ليسَتْ في مَعرِضِ الطَّلاقِ بحالٍ.
ويُصدَّقُ في نَفيِ الطَّلاقِ إنْ دَلَّ بِساطٌ على النَّفيِ في جَميعِ الكِناياتِ
стр. 10537
الظَّاهرةِ كالصَّريحِ، فإنهُ يُصدَّقُ في نَفيهِ عِنْدَ قيامِ القَرائنِ، كما لو أخَذَها الطَّلقُ عِنْدَ ولادَتِها فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» إعلامًا أو استِعلامًا، أو كانَتْ مَربُوطةً فقالَتْ لهُ هي أو غَيرُها: أطلِقْنِي، فقالَ: أنتِ طالِقٌ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يَقتضيهِ الحالُ.
والقِسمُ الثَّاني: الكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما شأنُها أنْ تُستعمَلَ في غَيرِ الطَّلاقِ، فالكِنايةُ المُحتملةُ كقَولِه: «الحَقِي بأهلِكِ واذهَبِي وابعُدِي عنِّي» وما أشبَهَ ذلكَ، فهذا لا يَلزمُه الطَّلاقُ إلَّا إنْ نَواهُ، وإنْ قالَ أنهُ لم يَنوِ الطَّلاقَ قُبِلَ قَولُه في ذلكَ.
فيَنوِي في أصلِ الطَّلاقِ وفي عَددِه في كُلِّ كِنايةٍ خَفيَّةٍ تُوهِمُ قصْدَ الطَّلاقِ نحوُ: اذهَبِي وانصَرِفي وانطَلِقي، أو أنا لم أتزَوَّجْ، أو قيلَ لهُ: أَلَكَ امرأةٌ؟ فقالَ: لا، أو قالَ لها: أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو الحَقِي بأهلِكِ، فإنِ ادَّعَى عدَمَ الطَّلاقِ صُدِّقَ، وإنِ ادَّعَى عَددًا واحِدةً أو أكثَرَ صُدِّقَ، فإنِ ادَّعَى أنهُ نَوَى الطَّلاقَ ولَم يَنوِ عَددًا لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها وغَيرِها.
وإنْ قصَدَ الطَّلاقَ بكَلمةٍ ك: «اسقِينِي» أو صَوتٍ ساذَجٍ لَزِمَ، وهذا مِنَ الكِنايةِ الخفيَّةِ عندَ الفُقهاءِ وإنْ لَم يُستعمَلْ في لازِمِ مَعناهُ.
وإنْ قصَدَ التَّلفظَ بالطَّلاقِ فعدَلَ لغَيرِهِ غَلطًا كما لو أرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ» فالتَفَتَ لِسانُه بقَولهِ: «أنتِ قائِمةٌ» فلا يَلزمُه شيءٌ؛ لعَدمِ وُجودِ رُكنِهِ -وهو اللَّفظُ الدَّالُّ عليهِ- أو غَيرِهِ معَ نيَّتهِ، بلْ أرادَ إيقاعَهُ بلَفظِه، فوقَعَ في غَيرِه.
стр. 10538
وكذا إذا أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» وسكَتَ عنِ التَّلفظِ بالثَّلاثِ فلا يَلزمُه ما زادَ على الواحِدةِ؛ لأنهُ لم يَقصدِ الثَّلاثِ بقَولِه: أنتِ طالِقٌ، وإنَّما أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فبَدَا لهُ عدَمُ الثَّلاثُ فسكَتَ عَنِ النُّطقِ به.
وأمَّا لو أرادَ أنْ يُنجِّزَ واحدةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقيلَ: يَلزمُه الثَّلاثُ في الفَتوى والقَضاءِ، وهو قولُ مالِكٍ وسحنُونٍ، وأمَّا لو أرادَ أنْ يُعلِّقَ الثَّلاثَ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» وسكَتَ ولم يَأتِ بالشَّرطِ فلا شيءَ عليهِ (١).
وقالَ الشَّافعيةِ: ألفاظُ الكِنايةِ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ إلَّا معَ النِّيةِ، وهي كَثيرةٌ كقَولِه: أنتِ خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وبائِنٌ وحَرامٌ وحُرَّةٌ وأنتِ واحِدَةٌ واعتَدِّي واستَبْرِئي رَحِمَكِ والحَقِي بأهلِكِ وحَبْلُكِ على غارِبكِ ولا أَنْدَهُ سِرْبَكِ -أي: لا أَزْجُرُ إِبلَكِ، ومَعناهُ لا أهتَمُّ بشَأنِكِ- واغرُبِي واعزُبِي واخرُجِي واذهَبِي وسافِرِي وتَجنَّبِي وتَجرَّدِي وتقنَّعِي وتَستَّرِي والزَمِي الطَّريقَ وبِينِي وأَبْعِدِي ووَدِّعِينِي ودَعِينِي وبَرئْتُ مِنكِ ولا حاجةَ لي فيكِ وأنتِ وشأنُكِ وأنتِ مُطلَقةٌ ومُنطَلِقةٌ وتَجرَّعِي وذُوقِي وتَزوَّدِي وما أشبَهَ
стр. 10539
ذلكَ؛ إذْ ضابِطُ الكِنايةِ: كُلُّ لفظٍ لهُ إشعارٌ قَريبٌ بالفِراقِ ولم يَشعِ استِعمالُه فيهِ شَرعًا ولا عُرفًا.
أمَّا الألفاظُ الَّتي لا تَحتملُ الطَّلاقَ إلَّا على تَقديرٍ مُتعسِّفٍ فلا أثَرَ لها، فلا يَقعُ بها طلاقٌ وإنْ نَوَى، وذلكَ كقولِه: بارَكَ اللهِ فيكِ وأحسَنَ اللهُ جَزاءَكِ وما أحسَنَ وجهَكِ وتَعالِي واقرُبِي واغزِلِي واسقِينِي وأطعِمينِي وزَوِّدِيني واقعُدِي وما أشبَهَ ذلكَ.
ولو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو أعتَقتُكِ» ونَوَى الطَّلاقَ طُلِّقَتْ.
وليسَ الطَّلاقُ كنايةَ ظِهارٍ وعَكسُهُ وإنِ اشتَركَا في إفادةِ التَّحريمِ؛ لأنَّ تَنفيذَ كُلٍّ مِنهُما في مَوضوعِه مُمكِنٌّ، فهذهِ المَسألةُ مِنْ فُروعِ قاعِدةِ (ما كانَ صَريحًا في بابِهِ ووجَدَ نفاذًا في مَوضُوعِه لا يكونُ كِنايةً في غَيرِه)، فلو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي» ونَوَى الطَّلاقَ أو «أنتِ طالِقٌ» ونَوَى الظِّهارَ لم يَقَعْ ما نَواهُ، بلْ يقَعُ مُقتضَى الصَّريحِ.
وإذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ أو مُحرَّمةٌ أو حرَّمتُكِ» بأنْ نوَى الطَّلاقَ نفَذَ رَجعيًّا، فإنْ نوَى عَددًا وقَعَ ما نوَى.
وفي وَجهٍ: لا يَكونُ طلاقًا إذا قُلنا: إنهُ صَريحٌ في اقتِضاءِ الكفَّارةِ؛ لأنَّ اللَّفظَ الصَّريحَ إذا وجَدَ نفاذًا في مَوضوعِه لا يَنصرِفُ إلى غَيرِه بالنِّيةِ.
وإنْ نوَى الظِّهارَ فهو ظِهارٌ، وإنْ نَواهُما مَعًا فهلْ يكونُ ظِهارًا أم
стр. 10540
طلاقًا؟ أم تَخيَّر فما اختارَهُ مِنهُما ثبَتَ؟ فيهِ أوجُهٌ أصَحُّها الثَّالثُ، ولا يَنعقِدُ الاثنانِ معًا قَطعًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يُزيلُ النِّكاحَ، والظِّهارُ يَستَدعِي بقاءَهُ.
أو نوَى بذلكَ تَحريمَ عَيْنِها أو فَرجِها أو وَطئِها أو رأسِها لم تَحرُمْ عليهِ، وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ؛ لمَا رَوَى النَّسائِيُّ «أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: إنِّي جَعلْتُ امرَأتي عليَّ حَرامًا، فقالَ: كَذبْتَ ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ قرَأَ قولَه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَة»، ولكنْ عَليهِ كفَّارَةُ يمينٍ -أي مِثلُها-؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ اليَمينَ إنَّما تَنعقِدُ باسِمٍ مِنْ أسمائِه تعالَى أو صفةٍ مِنْ صِفاتِه، ولا يَتوقَّفُ وُجوبُها على الوَطءِ، كما لو قالَ ذلكَ لأَمَتِه؛ أخذًا مِنْ قِصَّةِ مارِيةَ لمَّا قالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «هيَ عليَّ حَرامٌ نزَلَ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾» أي: أوجَبَ عليكُم كفَّارةً ككفَّارةِ أيْمانِكُم.
وكذا لا تَحرُمُ عليهِ وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ في الحالِ أي مِثلُها كما مرَّ، وهذا إنْ لم تكنْ لهُ نيَّةٌ في قَولِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» في الأظهَرِ؛ لعُمومِ ما مَرَّ.
والثَّاني: أنَّ هذا القولَ لَغوٌ فلا كفَّارةَ عليهِ فيهِ.
الكِنايةُ لا تَعمَلُ بنَفسِها، بلْ لا بُدَّ فيها مِنْ نيَّةِ الطَّلاقِ، وتَقتَرنُ النِّيةُ باللَّفظِ، فلو تَقدَّمتْ ثمَّ تَلفَّظَ بلا نيَّةِ أو فرَغَ مِنْ اللَّفظِ ثمَّ نوَى لم تُطلَّقْ، فلوِ اقتَرنَتْ بأوَّلِ اللَّفظِ دُونَ آخرِه أو عَكسُه طُلِّقَتْ على الأصحِّ، ولا تَلتحِقُ